المجازفات أن نقول: "سبحانك هذا بهتان عظيم"، وخلاف العصريين لما كان عليه أهل السنة والجماعة منذ زمن الصحابة ﵃ إلى زماننا لا ينبغي أن يلتفت إليه، ولا أن يعد خلافًا معتبرًا؛ لأنه من المجادلة بالباطل.
وأما قوله: والحق الذي نعتقده وندعو الناس إلى العلم به والعمل بموجبه؛ هو أنه لا مهدي بعد رسول الله، كما أنه لا نبي بعده.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ما اعتقده ابن محمود ودعا الناس إلى العلم به والعمل بموجبه فهو خلاف الحق؛ لأنه قد اعتقد خلاف ما جاء في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، ومن اعتقد خلاف قول النبي ﷺ ودعا الناس إلى اعتقاد ذلك فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله، وقد روي الترمذي وحسَّنه عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ». وإذا زاغ القلب -والعياذ بالله- انعكست الحقائق عند المرء، فصار يعتقد الباطل ويراه حقًا، وينكر الحق ويراه باطلاً، ويدعو الناس إلى متابعته على الباطل.
الوجه الثاني: أن يقال: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه وصف الخلفاء الراشدين بأنهم مهديون، وفي هذا أبلغ رد على قول ابن محمود أنه لا مهدي بعد رسول الله، وثبت أيضًا عن النبي ﷺ من عدة أوجه أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وفي ذلك أبلغ رد على ابن محمود، وقد تقدم إيضاح ذلك في أول هذا الكتاب فليراجع (١).
الوجه الثالث: أن يقال: من اعتقد خلاف الحق ودعا الناس إلى ذلك، فقد جنى على نفسه وجنى على من اتبعه من الناس، قال الله -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا». رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: "حسن صحيح".
الوجه الرابع: أن يقال: إن صفة المهدية أعمّ من صفة النبوة، فكل نبي مهدي، وليس كل مهدي نبيًا؛ لأن النبي ﷺ نص على أن الخلفاء الراشدين مهديون، ووصف الرجل الذي يلي في آخر الزمان وهو من أهل بيته بأنه مهدي، فدل هذا ..............................
стр. 177
على أن صفة المهدية أعم من صفة النبوة، وفي هذا رد لما توهمه ابن محمود من أن صفة المهدية من خصائص النبوة، وأنه لا مهدي بعد رسول الله كما أنه لا نبي بعده.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٩): "والمهدي متى قلنا بتصديق الأحاديث الواردة فيه، ليس بملك معصوم، ولا نبي مرسل، ما هو إلا رجل عادي كأحد أفراد الناس، إلا أنه عادلٌ، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة، ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله، ولم يحدث بها".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: قد كرر ابن محمود في عدة مواضع قوله إن المهدي ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، وقال في هذا الموضع ليس بملك معصوم، ولم أر أحدًا سبقه إلى وصف الملائكة بهذه الصفة، وإن كانوا معصومين عن كبائر الذنوب وصغائرها، لقول الله -تعالى-: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وإنما تقال هذه الصفة في حق الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- كما هو معروف عند أهل العلم.
الوجه الثاني: أن يقال: قول ابن محمود إن المهدي ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل وتكريره ذلك يعتبر كلامًا لاغيًا لا حاصل تحته؛ لأن المهدي الذي أخبر النبي ﷺ بخروجه لا يدَّعي أنه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يدعي الناس ذلك فيه، وإنما هو إمام من أئمة العدل الذين يعملون بالكتاب والسنة، ويزيلون الجور والظلم، ويبسطون القسط والعدل.
الوجه الثالث: أن يقال: لو أن رجلا ادَّعى أنه المهدي وزعم أنه ملك مقرب أو نبي مرسل، لكان الواجب تكذيبه وقتله إلا أن يتوب؛ لأنه لا يدعي ذلك إلا من هو كذَّاب دجال.
وأما قوله: ما هو إلا رجل عادي كأحد أفراد الناس، إلا أنه عادلٌ يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا.
فجوابه: أن يقال هذا هو الحق لو أن ابن محمود ثبت عليه.
стр. 178
وأما قوله: وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة، ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله، ولم يحدث بها.
فجوابه: أن يقال: هذا قول باطل مردود؛ لأن أحاديث المهدي فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وقد قرر ذلك غير واحد من أكابر العلماء، وقد تقدم إيراد ذلك في أول الكتاب فليراجع (١)، وقد ذكرت هناك عن عدد كثير من الأئمة أنهم صححوا بعض أحاديث المهدي، وقال غير واحد منهم أنها متواترة، فليراجع ذلك (٢)، ففيه رد على ابن محمود.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٩) "مقام المسلم من المهدي": ومقام المسلم منه؛ أولا: أنه لا يجب الإيمان الجازم بخروجه؛ لقوة الخلاف في الأحاديث، فلا ينكر على من أنكره، وإنما يتوجه الإنكار على من قال بصحة خروجه.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن مقام المسلم من المهدي على خلاف ما زعمه ابن محمود؛ لأن الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ واجب على كل مسلم، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فوجب على المسلمين الإيمان بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، وقد ذكرت الأحاديث الثابتة في خروج المهدي في أول هذا الكتاب فلتراجع، ففيها أبلغ رد على ابن محمود.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الخلاف في أحاديث المهدي لا يعد خلافًا معتبرًا؛ لأنه لم يقل به سوى بعض العصريين المعروفين بالجراءة على رد الأحاديث الثابتة إذا لم تكن موافقة لتفكيراتهم الخاطئة، وأما إمامهم ابن خلدون فقد ضعف أحاديث المهدي إلا القليل منها أو الأقل، وقد رد المحققون على ابن خلدون وخطؤوه في تضعيفه لبعض الصحاح والحسان من أحاديث المهدي، وقد ذكرت كلامهم في الرد عليه في أثناء هذا الكتاب فليراجع (٣)، وقد خرَّج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأبو يعلي الموصلي، والطبراني، وابن حبان، والحاكم كثيرًا من أحاديث المهدي، واعتمدوا عليها في إثبات خروجه، وصحح الترمذي وابن حبان والحاكم بعضها، ووافقهم على تصحيحها غير واحد من أكابر العلماء؛ ومنهم العقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وابن كثير، والهيثمي، وزين الدين العراقي، ........................
стр. 179
وابن حجر العسقلاني (١). وهؤلاء من أكابر علماء الحديث ونقاده، فلا يساوي بينهم وبين رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأمثالهم من أهل المجازفة والجراءة على رد الأحاديث الثابتة بغير حجة، ولا يعد خلاف هؤلاء لمن ذكرنا من المحدثين وغيرهم من أكابر العلماء خلافًا معتبرًا، وإنما يعد لاغيًا لا فرق بين وجوده وعدمه، ومن قَبِلَ أقوال هؤلاء المجازفين وزعم أنه خلاف قوي معتبر وعارض به الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، فلا شك في سوء اختياره وفساد عقيدته، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وهل يستجيز عاقل أن يقدم مجازفة رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأمثالهم من العصريين في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ على أقوال الأئمة الحفاظ النقاد، الذين خرجوا بعض أحاديث المهدي، والذين صححوا الصحيح منها وردوا الضعيف؟ كلا لا يستجيز ذلك من له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الثالث: أن يقال: من أنكر شيئًا مما ثبت عن النبي ﷺ فالإنكار عليه واجب على كل مسلم، ومن ذلك إنكار ما ثبت عن النبي ﷺ في المهدي، فمن أنكر خروجه فإنه يجب الإنكار عليه؛ لأنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ .
وأما قول ابن محمود: إنه لا ينكر على من أنكره - يعني المهدي- وإنما يتوجه الإنكار على من قال بخروجه.
فجوابه: أن يقال: هذا من قلب الحقيقة وعكس القضية، والحق في هذه القضية بخلاف ما زعمه ابن محمود؛ لأن الإنكار لا يكون على من اعتمد على الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وإنما يجب الإنكار على من أنكرها وأطرحها.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٠):"ثانيًا: ليس من عقيدة الإسلام والمسلمين الإيمان به كالإيمان بوجود الرب، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالبعث بعد الموت، والإيمان بالجنة والنار، إذ هذه من أمور الآخرة التي يجب اعتقادها ووقوعها جلية للعيان في دار الآخرة، وقد أثبتها القران وصحيح السنة، وليس منها الإيمان بالمهدي.
والجواب: أن يقال: إن القول في خروج المهدي في آخر الزمان كالقول في غيره من أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ............
стр. 180
ومأجوج، وخروج الدابة من الأرض، وظهور الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ووقوع الخسوف الثلاثة في المشرق والمغرب وجزيرة العرب، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، وكذلك انحسار الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، وكذلك خروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثوا المال حثوًا ولا يعده عدًا، فكل هذه الأمور يجب الإيمان بها لثبوتها عن النبي ﷺ ، كما يجب الإيمان بغيرها من أمور الغيب التي جاء ذكرها في القرآن أو في صحيح السنة، والإيمان ببعضها دون بعض من التفريق المذموم فاعله.
وأما قوله: وليس منها الإيمان بالمهدي.
فجوابه: أن يقال: قد جاء في المهدي عدة أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ، فمن لم يؤمن بما جاء فيها فإنما يرد على الله وعلى رسوله ﷺ ، يرد على الله أمره في قوله: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ويرد على الرسول ﷺ خبره الصادق عن خروج المهدي في آخر الزمان.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٠) وصفحة (٣١): "وقد غلط السفاريني حيث أدخل الإيمان به في عقيدته فقال:
منها الإمام الخاتم الفصيح ... محمد المهدي والمسيح
فقد أخطأ حيث جعل المهدي هو الخاتم، وإن حملناه على جعله خاتم الأئمة الاثنا عشر خليفة الذين يستقيم بهم أمر الدين، فهذا هو نفس عقيدة الشيعة حيث؛ جعلوا الإمام الحادي عشر هو الحسن العسكري، وبعد موته انتقلت الإمامة إلى ابنه محمد بن الحسن العسكري الذي دخل سرداب سامراء، فدعوى المهدي في مبدئها للشيعة، فهم الذين آمنوا بها وصدقوها وأكثروا من ذكر هذا المهدي المنتظر، فاقتبس بعض أهل السنة هذا الاعتقاد، ثم سار في طريقه وتلقينه إلى حالة انتشار هذه الفكرة عند المتأخرين، حتى جعلوها طريقة وعقيدة متى غيرت قيل غيرت السنة، وهكذا حال البدعة، فبسبب مجاورتهم للشيعة واختلاطهم بهم اقتبسوها منهم، وإلا فإنها ليست من عقيدة أهل السنة، ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام في عقائده؛ لا في الواسطية، ولا في الأصفهانية، ولا السبعينية، ولا التسعينية، ولا العرشية، كما أنها لم تذكر في عقيدة الطحاوية، ولا في شرحها، ولا في عقيدة ابن قدامة، ولا عقيدة ابن زيدون المالكي. فعدم ذكرهم لها يدل على أنها ليست من عقائد الإسلام
стр. 181
والمسلمين، والمهدي في مبدأ دعوته هو واحد وليس باثنين، فلم يقل أحد إنهما مهديان، وإنما هو مهدي واحد، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار بعض أهل السنة، فكل لوم أو ذم ينحي به على الشيعة لإيمانهم بإمامهم محمد بن الحسن الذي هو في سرداب، فإنه ينطبق بطريق التطابق والموافقة على أهل السنة الذين يصدقون بالمهدي المجهول في عالم الغيب، فهما في فساد الاعتقاد به سيان، فبيت الشعر للسفاريني على الحالتين غير صواب ولا صحيح، والسفاريني ﵀ هو أقوى من ثبت دعائم عقيدة المهدي في قلوب المسلمين".
والجواب عن أول كلامه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: من زعم أن السفاريني قد غلط حيث أدخل الإيمان بالمهدي في عقيدته فهو الغالط في الحقيقة؛ لأن السفاريني -رحمه الله تعالى- لم يعتمد على أقوال الناس ونظرياتهم وتفكيراتهم كما قد فعل ذلك المنكرون للمهدي، وإنما اعتمد على ما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك، ومن اعتمد على الأحاديث الصحيحة فالحجة معه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن أقوال الناس ونظرياتهم وتفكيراتهم ليست ميزانًا للأحاديث كما قد يفعل ذلك بعض الناس، وإنما الميزان العدل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فبهما توزن أقوال الناس ونظرياتهم وتفكيراتهم، فما وافقهما فهو حق، وما خالفهما فهو باطل مردود على قائله كائنًا من كان. وإذا عرضنا أقوال المنكرين للمهدي على الكتاب والسنة وجدناها مخالفة لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومخالفة للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، وما كان كذلك فحقه أن يضرب به عُرض الحائط ولا يلتفت إليه، وإذا عرضنا قول السفاريني في المهدي على السنة وجدناه مطابقًا لها؛ لأنه مأخوذ مما ثبت عن النبي ﷺ ، وما ثبت بالسنة فهو موافق للقرآن؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وأما قول السفاريني في صفة المهدي إنه الخاتم ففيه نظر، إذ لا دليل يدل على ذلك،
стр. 182
وقد لحن ابن محمود في قوله: وإن حملناه على جعله خاتم الأئمة الاثنا عشر، وصوابه الاثني عشر.
وأما قول ابن محمود: هذا هو نفس عقيدة الشيعة.
فجوابه: أن يقال: ليس الأمر كذلك، بل هذا من أقوال أهل السنة، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" في ترتيب إخبار النبي ﷺ بالغيوب المستقبلة بعده، فقد ذكر فيه حديث جابر بن سمرة ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال هذا الدين قائمًا ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»، قال ابن كثير: "من الناس من قال إن الدين لم يزل قائمًا حتى ولي اثنا عشر خليفة، ثم وقع تخبيط بعدهم في زمان بني أمية، وقال آخرون: بل هذا الحديث فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا من قريش وإن لم يوجدوا على الولاء، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم كان بعد ذلك خلفاء راشدون فيهم عمر بن عبد العزيز، ومنهم من ذكر من هؤلاء المهتدي بأمر الله العباسي، والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضًا، بالنص على كونه من أهل البيت، واسمه محمد بن عبد الله، وليس بالمنتظر في سرداب سامراء، فإن ذلك ليس بموجود بالكلية، وإنما ينتظره الجهلة من الروافض". انتهى، وقد جزم بالقول الأخير في تفسيره لسورة المائدة.
وأما قول ابن محمود: فدعوى المهدي في مبدئها للشيعة .... إلى قوله: إنها ليست من عقيدة أهل السنة.
فالجواب عنه قد تقدم في أول الكتاب، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٣) وصفحة (٤): إن أصل من تبنى هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر، فليراجع هناك (١).
وأما قوله: ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام في عقائده .... إلى قوله: فعدم ذكرهم لها يدل على أنها ليست من عقائد الإسلام والمسلمين.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: كل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر بوقوعه فيما مضى قبله، أو أخبر أنه سيقع فيما بعده، فالإيمان به واجب، وهو من عقائد المسلمين، سواء ذكره العلماء في كتب العقائد أو لم يذكروه، وقد ثبت عن ............................
стр. 183
النبي ﷺ أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فوجب الإيمان بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- وإن لم يُذكر ذلك في كتب العقائد.
الوجه الثاني: أن يقال: قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على الرافضي أن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة (١)، وذكر الشيخ له في كتابه "المنهاج" يغني عن ذكره في الواسطية والاصفهانية والسبعينية والتسعينية والعرشية، وقد ذكر الذهبي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فيما انتقاه من المنهاج وأقره، وقد ذكره من المتقدمين أبو محمد البربهاري في كتابه "شرح السنة" وهو من كتب العقائد، وكان البربهاري في آخر القرن الثالث من الهجرة وأول القرن الرابع، وذكره محمد بن الحسين الآبري في كتابه "مناقب الشافعي"، وقد تقدم كلام البربهاري وكلام الآبري في أول الكتاب فليراجع (٢)، ففيه مع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي أبلغ رد على ابن محمود.
وسأذكر -إن شاء الله تعالى- مزيدًا لهذا البحث مع الجواب على قول ابن محمود في صفحة (٥٦): إن أحاديث المهدي لا تعلق لها بالعقيدة الدينية، ولم يدخلها علماء السنة في عقائدهم. وأذكر أيضًا -إن شاء الله تعالى- كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، وكلام الطحاوي وشارح العقيدة الطحاوية في وجوب التسليم لما ثبت عن النبي ﷺ وتلقي أخباره بالقبول والتصديق، وأذكر أيضًا كلام بعض الأئمة فيما يتعلق بهذا البحث، فليراجع ذلك في موضعه.
وأما قوله: والمهدي في مبدأ دعوته واحد وليس باثنين، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار بعض أهل السنة.
فالجواب عنه قد تقدم في أول الكتاب، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٥): والمهدي واحد وليس باثنين، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار أهل السنة، فليراجع هناك (٣).
وأما قوله: فكل لوم أو ذم ينحي به على الشيعة، فإنه ينطبق بطريق التطابق والموافقة على أهل السنة، الذين يصدقون بالمهدي المجهول في عالم الغيب، فهما في فساد الاعتقاد به سيان.
стр. 184
فجوابه: أن يقال: هذا الكلام من أبطل الباطل؛ لما فيه من الجمع بين إيمان أهل السنة بخروج المهدي المبشر به في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وبين إيمان الرافضة بالمنتظر الذي يزعمون وجوده في سرداب سامراء، وينتظرون خروجه إليهم كل يوم وليس له وجود بالكلية. فأين الإيمان بهذا المعدوم من الإيمان بالذي بشَّر به رسول الله ﷺ ونوَّه بذكره؟
وأما قوله: فبيت الشعر للسفاريني على الحالتين غير صواب ولا صحيح.
فجوابه: أن يقال: بل هو صواب وصحيح، سوى قوله: "الخاتم"؛ ففيه نظر إذ لا دليل عليه.
وأما قوله: والسفاريني هو أقوى من ثبت دعائم عقيدة المهدي في قلوب المسلمين.
فجوابه: أن يقال: بل الله هو الذي ثبت الإيمان في قلوب المؤمنين بكل ما أخبر به الصادق المصدوق من أنباء الغيب، ومن ذلك الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان، لثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (٣١): "ثالثًا: إن المهدي لم يذكر في القرآن، ولا في صحيح البخاري ومسلم، فقد نزها كتبهما عن ذكره وعن الحديث عنه مع رواج الخبر عنه في زمانهما، فلا نرى ذلك إلا لضعف أحاديثه عندهما".
والجواب: أن يقال: هذا الكلام مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين والمستشرق دونلدسن، وقد تقدم إيراده والرد عليه مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٦): ومنها أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم، كما أنه ليس له ذكر في القرآن. فليراجع ذلك في أول الكتاب (١).
وقال ابن محمود في صفحة (٣١): "وأحاديث المهدي هي بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، قد أحصاها الشوكاني فيما يزيد على خمسين حديثًا، وكلها متخالفة ومضطربة، ينقض بعضها بعضًا، منها ما يشير إلى أن المهدي هو علي بن أبي طالب، ومنها ما يشير إلى أنه الحسن أو بنيه من بعده، ومنها ما يشير إلى أنه محمد بن الحنفية، وأنه حي في جبل رضوى بين مكة والمدينة وعنده عينا عسل وماء، ............................................
стр. 185
ومنها ما يشير إلى أنه رجل اسمه الحارث، ويؤمر بالسعي إليه لبيعته ولو حبوا على الركب أو على الثلج، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يعلم كل عاقل أن رسول الله منزه عنها".
والجواب: أن يقال: من أقبح المجازفات وصف أحاديث المهدي التي فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر بأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، أما يخشى ابن محمود أن تصيبه هذه الآية الكريمة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾؟ أما يخشى أن يحشر في زمرة المكذبين للرسول ﷺ والساخرين من أقواله وأخباره الصادقة؟
وأما قوله: وكلها متخالفة ومضطربة، ينقض بعضها بعضًا.
فجوابه: أن يقال: قد تقدم نحو هذا فيما نقلته من صفحة (٦) من كتاب ابن محمود، وتقدم الرد عليه في أول الكتاب. فليراجع هناك (١).
وأما قوله: منها ما يشير إلى أن المهدي هو علي بن أبي طالب، ومنها ما يشير إلى أنه الحسن.
فجوابه: أن يقال: ليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى ذلك البتة، وإنما هذا من مغالطات ابن محمود وتلبيسه على الجهال.
وأما قوله: أو بنيه من بعده.
فجوابه: أن يقال: هذا لحن، وصوابه أن يقال: أو بنوه من بعده، أو يقال أو أحد بنيه من بعده، وليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى أنه من بني الحسن الأدنين منه، وقد روى أبو داود بإسناد فيه انقطاع عن علي ﵁ أن المهدي من ذرية الحسن بن علي ﵄ والله أعلم.
وأما قوله: ومنها ما يشير إلى أنه محمد بن الحنفية، وأنه حي في جبل رضوى بين مكة والمدينة، وعنده عينا عسل وماء.
فجوابه: أن يقال: ليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى ذلك البتة، وإنما هذا من مغالطات ابن محمود وتلبيسه على الجهال، وما زعمه ههنا فهو مذكور عن المختار ........
стр. 186
بن أبي عبيد واتباعه من الكيسانية، وقد تقدم بيان ذلك في أثناء الكتاب مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (١٦):إن عبد الله بن سبأ كان يقول: إن المهدي هو محمد بن الحنفية. فليراجع (١).
وأما قوله: ومنها ما يشير إلى أنه رجل اسمه الحارث، ويؤمر بالسعي إليه لبيعته ولو حبوًا على الركب أو على الثلج.
فجوابه: أن يقال: قد روي أبو داود بإسناد فيه انقطاع عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث حراث، على مقدمته رجل يقال له منصور، يوطِّئ أو يمكن لآل محمد، كما مكنت قريش لرسول الله ﷺ ، وجب على كل مؤمن نصره، أو قال: إجابته». فلو صح هذا الحديث لما كان الأمر فيه على ما زعمه ابن محمود من أنه يشير إلى أن الحارث هو المهدي، وأنه يؤمر بالسعي إليه لبيعته ولو حبوًا على الرُكب أو على الثلج، فهذا من مغالطات ابن محمود وتلبيسه على الجهال، وإنما هو صريح في كون الحارث من أنصار آل محمد رسول الله ﷺ ، أي أنصار المهدي الذي هو من آل رسول الله ﷺ ، وأنه يُمكِّن لأهل البيت النبوي كما مكنت قريش لرسول الله ﷺ ، وأنه يجب على كل مؤمن نصره.
وقال ابن محمود في صفحة (٣١): "خامسًا: لم يكن من هدي رسول الله ولا من شرعه أن يحيل أمته على التصديق برجل في عالم الغيب، وهو من أهل الدنيا ومن بني آدم، فيخبر عنه أنه يفعل كذا وكذا مما يوجب الاختلاف والاضطراب بين الأمة".
والجواب: أن يقال: بل إن من أعظم هدي رسول الله ﷺ ومن آكد شرعه الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة من أنباء الغيب مما كان قبل زمان رسول الله ﷺ ، وما سيكون بعده إلى أن تقوم الساعة، وما سيكون بعد قيامها أيضًا.
والإيمان بالغيب من أعلى صفات المتقين، قال الله -تعالى-: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
والقرآن والسنة مملوآن من قصص الأنبياء وغير الأنبياء من بني آدم، ممن كانوا .........
стр. 187
من أهل الدنيا ثم انتقلوا إلى عالم الغيب، ولا يزالون فيه إلى يوم البعث والنشور، فمن لم يصدق بما جاء في كتاب الله -تعالى- من أنباء الغيب، وما ثبت من ذلك عن رسول الله ﷺ فهو مخالف لهدي رسول الله ﷺ وشرعه، وليس بمؤمن.
وقد أخبر النبي ﷺ بخروج المهدي في آخر الزمان، وأخبر أنه من أهل بيته، وأخبر بخروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأخبر بخروج الدجال، ونزول عيسى ﵊، وأخبر بالرجل المؤمن الذي يخرج من المدينة يكذب الدجال. وهؤلاء كلهم من بني آدم، وهم الآن في عالم الغيب وسيكونون في آخر الزمان من أهل الدنيا، فمن لم يصدق بهم فهو ممن يُشك في إسلامه، وكذلك قد أخبر النبي ﷺ بخروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان، وهم من أهل الدنيا ومن بني آدم، ولكن قد حيل بينهم وبين الاختلاط بالناس بالسد الذي بناه ذو القرنين، فلا يعلم الناس عنهم الآن شيئًا، وسيندك السد في آخر الزمان كما أخبر الله بذلك في كتابه، ويخرج يأجوج ومأجوج فيطؤون البلاد، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، فمن لم يصدق بوجودهم في الدنيا وخروجهم في آخر الزمان فليس بمسلم.
وقد أخبر النبي ﷺ أيضًا بقصص لبعض بني آدم تكون في الدار الآخرة، منها قصة الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجًا من النار وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وأن الله يقول له: أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يارب، أتستهزئ مِنِّي وأنت رب العالمين؟ فذكر الحديث. وفيه أن رسول الله ﷺ ضحك، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: «من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين، فيقول: إني لا استهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر». رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يومًا يُحدِّث وعنده رجل من أهل البادية: «أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال: أو لست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، فأسرع وبذر فتبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال، فيقول الله -تعالى-: دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء». فقال الأعرابي: يا رسول الله، لا تجد هذا إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله ﷺ . إلى غير ذلك من القصص .........................................................................
стр. 188
التي ستكون لرجال من أهل الدنيا وهم الآن في عالم الغيب، فمن لم يصدق بما جاء في الكتاب والسنة من أنباء الغيب، مما مضى وما سيكون في الدنيا وفي الدار الآخرة، فهو مخالف لهدي رسول الله ﷺ وشرعه، وليس بمؤمن.
وإذا علم هذا، فليعلم أيضًا أنه لم يأت عن النبي ﷺ أنه أخبر عن المهدي أنه يفعل شيئًا مما يوجب الاختلاف والاضطراب بين الأمة كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما أخبر عنه بما يوجب الائتلاف والطمأنينة بين الأمة، فقال في حديث أم سلمة ﵂: «فيقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم ﷺ ، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض». وقد تقدم في أول الكتاب (١) قول الخطابي: "إنه ضرب الجران مثلا للإسلام إذا استقر قراره، فلم تكن فتنة ولا هيج، وجرت أحكامه على العدل والاستقامة". انتهى.
وأخبر ﷺ فيما رواه عليٌّ وابن مسعود وأبو سعيد الخدري ﵃ أن المهدي يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأخبر عنه في بعض الروايات عن أبي سعيد ﵁ أن الله يسقيه الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، ففي هذه الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على مجازفات ابن محمود.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٢): "وبما أنني من أحد الأشراف من ذرية الحسن بن علي، فإنه لو خرج رجل من الأشراف اسمه محمد بن عبد الله وهو أجلى الجبهة أقنى الأنف ويدعي أنه المهدي فإنني أول من يقاتله؛ لاعتقادي أنه كذاب يريد أن يفسد الدين ويشق عصا المسلمين، والنبي ﷺ قال: «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه» ".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن المهدي لا يخرج في حين اجتماع المسلمين على أمام واحد، وإنما يخرج في حين تفرق المسلمين واختلافهم فيجتمع المسلمون عليه، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فليس ينطبق عليه قول النبي ﷺ : «من آتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه».
وأيضًا فإن المهدي لا يطلب الأمر لنفسه ابتداء مدعيًا أنه المهدي كما يفعله ...........
стр. 189
المدعون للمهدية كذبًا وزورًا، وإنما يأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه، ثم يسميه الناس بعد ذلك بالمهدي؛ لما يرون من صلاحه وعمله بالسنة، ونشره للقسط والعدل، وإزالته للجور والظلم، فحال المهدي المُبشَرِ به مخالفة لأحوال المدعين للمهدية كذبًا وزورًا.
الوجه الثاني: أن يقال: بئس نية ابن محمود السيئة، وبئس ما اختار لنفسه من أنه لو خرج المهدي الذي يجتمع المسلمون عليه بعد التفرق والاختلاف، والزلازل والقلاقل، والذي أخبر عنه رسول الله ﷺ أنه يعمل بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، بأنه يكون أول من يقاتله. أو لا يعلم ابن محمود أن الجيش الذي يأتي لقتال المهدي يخسف بهم؟! كما جاء ذلك في حديث أم سلمة ﵂ الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان في صحيحه، وأبو يعلي الموصلي، والطبراني، وقال الهيثمي في رجال الطبراني إنهم رجال الصحيح، وقال ابن القيم إنه حديث حسن ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح، وقد روى مسلم في صحيحه عدة أحاديث تشهد له بالصحة، وهي عن عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري ﵃. وقد ذكرتها في أول الكتاب (١) فلتراجع هناك.
وبعدُ فلو قُدِّر أن أحد أولاد ابن محمود أو أحد أحفاده ادعى أنه المهدي لكونه يزعم أنه من ذرية الحسن بن علي ﵄، وصار له شوكة وأتباع، فهل يستمر ابن محمود على قوله واعتقاده في المهدي وشجاعته على قتاله، أم أنه يبدو له رأي آخر؟ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
الوجه الثالث: أن يقال: هلا أظهر ابن محمود شجاعته حينما هجم المدعون للمهدية على المسجد الحرام في أول سنة ١٤٠٠هـ من الهجرة، ومنعوا الناس من الصلاة فيه والطواف بالكعبة نصف شهر! وقد كان يمكنه أن يحضر إلى ساحة القتال في نحو ساعتين ونصف في الطائرة، أو في يوم وليلة في السيارة، فيكون مع الذين يقاتلون الملحدين في حرم الله، ويبرز مع الشجعان الذين ضحوا بأنفسهم من أجل حماية بيت الله وإخراج المعتدين منه، أم أن شجاعته حبر على ورق؟! وإنه لينطبق على وعيد ابن محمود للمهدي بالقتال قول جرير:
стр. 190
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
وقال ابن محمود في صفحة (٣٢): "سابعًا: إن من صفة المهدي الذي يدعون خروجه أن مقامه في الدنيا سبع سنين أو تسع سنين في الحديث الآخر، وهل هو يؤيد بالخوارق والمعجزات، أو بالأحلام والمنامات؟ وهل تنزل معه الملائكة، أو الجن تسخر له كما سخرت لداود؟ وهل هو أكرم على الله من محمد رسول الله الذي مكث ثلاثًا وعشرين سنة كلها يجاهد ويجادل ويصبر على اللأواء والشدة، ويتبع السنن الكونية من الطرق الموصلة إلى نجاحه، والقرآن يؤيده والملائكة يمده الله بهم، وقد شج رأسه ﷺ ، وكسرت رباعيته، ودلُّوه في حفرة ظنوه ميتًا وذلك في وقعة أحد، ومع هذا كله لم يتمكن من بسط العدل إلا في جزيرة العرب، وهي نقطة صغير بالنسبة إلى سعة الدنيا. أفيكون المهدي المنتظر أعز على الله من محمد رسول الله؟
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: لقد أكثر ابن محمود من الاستهزاء والسخرية من الأحاديث الواردة في المهدي، أما فيه دين يحجزه عن الاستخفاف بأحاديث رسول الله ﷺ وأخباره الصادقة؟! ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
وقد قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾. ومن تعزير الرسول ﷺ وتوقيره قبول أحاديثه وأخباره عن المغيبات الماضية والآتية، ومقابلتها بالرضى والاحترام، وأن لا يجد المرء في نفسه شكا ولا حرجًا منها، ومن المغيبات التي أخبر النبي ﷺ أنها ستكون في آخر الزمان خروج رجل من أهل بيته يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وقد ثبت ذلك عنه ﷺ في عدة أحاديث من الصحاح والحسان، وجاء في بعضها تسميته بالمهدي، فمن دفع الأحاديث الثابتة فيه ولم يقبلها فإنما يرد على الله -تعالى- وعلى رسوله ﷺ .
وإذا كان ابن محمود قد قابل الأحاديث الثابتة في المهدي بالسخرية والاستهزاء - مع أنه لم يأت في شيء من الأحاديث الثابتة في المهدي أنه يؤيد بالمعجزات وخوارق العادات، سوى الخسف بالجيش الذي يبعث إليه من الشام - فماذا يكون موقف ابن محمود من الأحاديث التي جاء فيها خرق العادة للمؤمنين الذين يقاتلون اليهود في آخر الزمان، وكذلك خرق العادة للمؤمنين الذين يغزون القسطنطينية في آخر الزمان؟ فقد جاء في عدة أحاديث صحيحة أن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، هذا .......................................
стр. 191
يهودي خلفي فتعال فاقتله. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟» قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها، ثم يقولوا الثانية لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون».
قوله من بني إسحاق قال النووي: "قال القاضي: "كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم؛ من بني إسحاق"، قال: "قال بعضهم: المعروف المحفوظ من بني إسماعيل، وهو الذي يدل عليه الحديث، وسياقه لأنه إنما أراد العرب، وهذه المدينة هي القسطنطينية". انتهى، وقد ذكرت في كتابي "إتحاف الجماعة" ما يدل على أن النبي ﷺ إنما أراد بني إسماعيل ولم يرد بني إسحاق، فليراجع هناك في الجزء الأول "باب ما جاء في الملحمة الكبرى، وفتح القسطنطينية ورومية"، وقد أخبر النبي ﷺ عن الدجال أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وأنه يدعو رجلا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل، وفي الصحيحين قصة الرجل المؤمن الذي يخرج من المدينة يكذب الدجال، فيقتله الدجال ثم يحييه، فيكذبه المؤمن أيضًا، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه، وفي رواية لمسلم فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلا، وأخبر ﷺ عن نبي الله عيسى ابن مريم ﵊ أنه إذا نزل في آخر الزمان لا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِهِ إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرفه.
إلى غير ذلك من خوارق العادات التي تكون في آخر الزمان ولا تحتملها عقول بعض الناس، بل إما أن ينكروها بالكلية ويقدحوا في الأحاديث الواردة فيها وإن كانت صحيحة، وإما أن يؤولوها بما يوافق أفكارهم الفاسدة، وقد رأيت ذلك في بعض كتب العصريين وتعاليقهم على بعض الكتب، ولا أدري ماذا يكون موقف ابن محمود من خوارق العادات التي ذكرتها آنفًا، هل يُقِرُّ بها ويُصدِّق بما جاء فيها من الأحاديث الثابتة، أم يسلك فيها مسلكه في أحاديث المهدي، فيقابلها .......................................
стр. 192
بالسخرية والاستهزاء؟ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
وإذا علم ما تقدم، فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن رسول الله ﷺ حاصر بني قريظة خمسًا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكمه، وحاصر أهل خيبر في حصونهم حتى أيقنوا بالهلكة فسألوه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ففعل، وحاصر أهل الطائف قريبًا من شهر ورماهم بالمنجنيق ثم انصرف عنهم ودعا لهم بالهداية.
وعلى هذا، فهل يقول مؤمن إن المؤمنين الذين يفتتحون القسطنطينية بالتهليل والتكبير في آخر الزمان يكونون أعز على الله وأكرم عليه من رسول الله ﷺ ، أو يقول مؤمن إن المؤمنين الذين يناديهم الحجر والشجر في آخر الزمان ويدلهم على اليهود ليقتلوهم يكونون أعز على الله -تعالى- وأكرم عليه من رسول الله ﷺ ؛ حيث لم يتيسر له فتح الطائف بعد الحصار الطويل، ولم تتيسر له الغلبة على بني قريظة وأهل خيبر إلا بعد الحصار الطويل؟! كلا لا يقول ذلك مؤمن.
وهكذا يقال في تمكين المهدي في الأرض في مدة قصيرة لا تتجاوز تسع سنين، وبسطه للقسط والعدل وإزالته للجور والظلم في هذه المدة القليلة، لا يقول مؤمن إنه بهذا التمكين يكون أعز على الله -تعالى- وأكرم من رسول الله ﷺ ، والذي لا يشك فيه المؤمن أن تمكين المهدي في الأرض، وما يجريه الله من خوارق العادات للمؤمنين الذين يقاتلون اليهود في آخر الزمان، وللمؤمنين الذين يفتتحون القسطنطينية في آخر الزمان، كله من ثمرة المتابعة للرسول ﷺ ونصر دينه، وهذا في الحقيقة إكرام النبي ﷺ .
الوجه الثاني: أن يقال: من علم أن الله على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يؤيد من شاء من خلقه بما شاء من أسباب النصر والتمكين، لم يكن عنده شك ولا تردد في التصديق بما أخبر به رسول الله ﷺ عن المهدي.
فأما كثرة الاعتراض على أحاديث رسول الله ﷺ وأخباره الصادقة بحرف "هل" فهذا دليل على كثرة الشك والارتياب عند المعترض، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
الوجه الثالث: أن يقال: قد أخبر الله عن ذي القرنين أنه مَكَّنَ له في الأرض وآتاه من كل شيء سببًا، وأخبر عنه أنه بلغ المغرب والمشرق، وبني السد دون يأجوج ومأجوج، وهو عبد من عباد الله الصالحين، ومع هذا فقد مكن الله له في الأرض .........................
стр. 193
حتى ملك الدنيا كلها. فهل يقول مؤمن عاقل أنه بهذا التمكين العظيم يكون أعز على الله -تعالى- وأكرم من محمد ﷺ ؟ كلا، لا يقول هذا مؤمن. فنبينا محمد ﷺ أشرف بني آدم وأعزهم وأكرمهم على الله -تعالى-، فليس منهم أحد يساويه فضلا عن أن يفوقه.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الله -تعالى- قال في كتابه العزيز: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾. ولا شك أن المهدي من هؤلاء الذين وعدهم الله بالنصر والتمكين؛ لأن النبي ﷺ أخبر عنه أنه يعمل بالسنة وينشر القسط والعدل ويزيل الجور والظلم، فنصر المهدي وتمكينه نصر للشريعة المحمدية وتمكين لها وإظهار لعزها وشرفها، وهذا في الحقيقة من إظهار العز والشرف لرسول الله ﷺ ، حيث قيَّض الله لدينه من يجدده ويؤيده بعد اندراسه في آخر الزمان، كما قد حصل مثل ذلك في زمن الخلفاء الراشدين، ولا يستنكر هذا إلا من هو جاهل أو مكابر.
وقد روى مسلم في صحيحه عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها». فدل هذا على أن كل فتح ونصر وتمكين حصل للأمة فهو مما أكرم الله به نبيه ﷺ وأعز به دينه.
وأما قول ابن محمود: أو الجن تسخر له كما سخرت لداود.
فجوابه: أن يقال: إن الجن لم تسخر لداود، وإنما سخرت لسليمان، قال الله -تعالى-: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ *﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا .......................................................
стр. 194
يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾.
وإذا كان ابن محمود يخبط خبط عشواء فيما هو مذكور في كتاب الله-تعالى- فلا يستغرب منه أن يتهجم على أحاديث المهدي ويقابلها بالسخرية والاستهزاء، وهذا التخبيط الشنيع مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون.
وأما قوله: وقد شج رأسه ﷺ وكسرت رباعيته، ودلُّوه في حفرة ظنوه ميتًا، وذلك في وقعة أحد.
فجوابه: أن أقول: إني لم أر أحدًا ذكر أنهم دلوا النبي ﷺ في حفرة ظنوه ميتًا، وإنما ذكر ابن هشام وغيره أن رسول الله ﷺ وقع في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون، فأخذ علي بن أبي طالب ﵁ بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله ﵁ حتى استوى قائمًا، وروى ابن جرير عن قتادة قال: "أصيب النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته، وفُرِق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه فأفاق وهو يقول: «كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله»؟! فأنزل الله ﵎: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ " فهذا ما ذكره أهل العلم لا ما أتى به ابن محمود من عند نفسه.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٢) وصفحة (٣٣): "ثامنًا: إن جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها علماؤهم وعامتهم متفقون على قتال من يدعي أنه المهدي، كما مضى منهم ذلك في كل زمان ومكان مع كثرة من يدعي أنه المهدي؛ لاعتقادهم أنها دعوى باطلة لا صحة لها، ولا يزالون يقاتلون من يدَّعي أنه المهدي حتى تقوم الساعة، فأين المهدي والحالة هذه؟ وصار المهدي كالموجود في الأذهان دون الأعيان".
والجواب: أن يقال: قد ذكر ابن محمود نحو هذا في صفحة (٣) من كتابه، وتقدم الجواب عنه في أول الكتاب فليراجع هناك (١).
وقال ابن محمود في صفحة (٣٣) وصفحة (٣٤): "عاشرًا: إن الدين كامل بوجود رسول الله ونزول كتاب الله، ولم يخلف رسول الله شيئًا منه لا في السماء ولا ...........
стр. 195
في الأرض. يقول الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، والنبي ﷺ يقول: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله وسنتي». لهذا صرنا في غنى وسعة عن دين وعدل يأتي به المهدي، فلا مهدي بعد رسول الله كما لا نبي بعده".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما قول ابن محمود: إن الدين كامل بوجود رسول الله. فمفهومه أن الدين قد نقص بعد موت رسول الله ﷺ ولم يبق على كماله، وهذا لا يقوله عاقل.
وأما قوله: إن رسول الله ﷺ لم يخلف شيئًا منه لا في السماء ولا في الأرض. فمعناه أن الدين قد ذهب بالكلية بعد موت رسول الله ﷺ ، حيث لم يخلف رسول الله ﷺ منه شيئًا، وهذا في الحقيقة من الهذيان الذي حصل لا بن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون.
الوجه الثاني: أن يقال: إن رسول الله ﷺ لم يبعث إلى أهل السماء، فلا يصح أن يقال إنه خلف فيها شيئًا من الدين أو لم يخلف، وأما الأرض فقد خلف فيها الدين كاملا لم ينقص بموته، والدين هو ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وقد خلف رسول الله ﷺ الكتاب والسنة يقرؤهما المسلمون ويعمل الموفقون منهم بما فيهما، وهذا معلوم بالضرورة. وقد روى الإمام أحمد ومسلم، عن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بين مكة والمدينة: «أما بعد، ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين؛ أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه» الحديث، وروى مالك في الموطأ بلاغًا أن النبي ﷺ قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله، وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصلا من حديث ابن عباس ﵄، وصححه وأقرَّه الذهبي، وروى الحاكم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على قول ابن محمود: إن رسول الله ﷺ لم يخلف شيئًا من الدين في الأرض.
ويلزم على قول ابن محمود: إن رسول الله ﷺ لم يخلف شيئًا من الدين في الأرض أن يكون القرآن قد رفع من الأرض بعد موت النبي ﷺ ، وأن تكون السنة قد ..............
стр. 196
ذهبت بالكلية.
وما لزم عليه هذا القول فبطلانه وفساده لا يخفي على عاقل، بل لا يشك عاقل أنه من الهذيان الذي قيل من غير تدبر ولا تعقل، وأما بقية كلام ابن محمود الذي هو غاية في التخليط والتلبيس فقد تقدم الجواب عنه في عدة مواضع، فلتراجع (١).
وأما قوله: والنبي ﷺ يقول: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أن اعتصمتم به كتاب الله وسنتي».
فجوابه: أن يقال: من الاعتصام بكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه ﷺ تصديق ما أخبر به رسول الله ﷺ من أنباء الغيب، ومن ذلك إخباره ﷺ عن المهدي، فمن لم يصدق بذلك فاعتصامه بالكتاب والسنة مخدوش ومدخول؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق». رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والدارمي، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وروي الطبراني في الأوسط عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب ثلاثة؛ الله، ورسوله، والذي حدث به». وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في أول الكتاب، فليراجع (٢).
ومن لم يُسلِّم لأقوال النبي ﷺ في المهدي، وقابل أخباره الصادقة عنه بالرد والإطراح، فهو داخل في حكم حديث جابر ﵁، ويخشى عليه أن يسلب الاعتصام بالكلية، عياذًا بالله من ذلك.
وأما قوله: لهذا صرنا في غنى وسعة عن دين وعدل يأتي به المهدي.
فجوابه: أن يقال: أما الإتيان بدين جديد - وهو الذي قصده ابن محمود وكرر .......
стр. 197
ذكره في مواضع كثيرة من كتابه - فهو محال؛ لأن الله -تعالى- قد ختم الأنبياء بمحمد ﷺ وأكمل الدين له ولأمته، وأما تجديد الدين بعد اندراسه وبسط العدل وإزالة الجور والظلم فهذا لا غنى للمسلمين عنه، ومن زعم أنه في غنى وسعة عن ذلك فلا شك أنه لا يعقل ما يقول.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٤): "حادي عشر: إن العلماء؛ كأبي داود في سننه، وابن كثير في نهايته، والسفاريني في لوامع أنواره، وغيرهم قد أدخلوا أحاديث المهدي في جملة أشراط الساعة، مع أحاديث الدجال، والدابة، ويأجوج ومأجوج، وأحاديث الفتن، فكل هذه لا يتعرض لها نقاد الحديث بتصحيح ولا تمحيص؛ لعلمهم أنها أحاديث مبنية على التساهل، ويدخل فيها الكذب والزيادات والمدرجات والتحريفات، وليست بالشيء الواقع في زمانهم، ولا من أحاديث أحكامهم وأمور حلالهم وحرامهم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: من مجازفات ابن محمود زعمه أن أحاديث الفتن وأشراط الساعة مبنية على التساهل، وهذا مردود بأن في الصحيحين أحاديث كثيرة جدًا من أحاديث الفتن وأشراط الساعة، ومن المعلوم أن البخاري ومسلمًا لم يكونا متساهلين في التصحيح والتمحيص وإدخال الزيادات والمدرجات والتحريفات في كتابيهما، فضلا عن الأحاديث التي يشوبها الكذب.
قال النووي في شرح مسلم: "اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان؛ البخاري، ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول"، ونقل النووي عن أبي عمرو بن الصلاح أنه قال: "جميع ما حكم مسلم بصحته فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر. وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه؛ وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع"، ونقل النووي أيضًا عن إمام الحرمين أنه قال: "لو حلف إنسان بطلاق امرأته، أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته، من قول النبي ﷺ ، لما ألزمته الطلاق ولا حنثته؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتهما". انتهى.
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" في ترجمة البخاري: "كتابه الصحيح يستسقى بقراءته الغمام، وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه، وكذلك سائر أهل الإسلام". انتهى.
стр. 198
وقد صحَّح الترمذي وابن حبان كثيرًا من أحاديث الفتن وأشراط الساعة، وتصحيحهما مقبول عند أهل العلم، وكذلك ما صححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه وهو كثير جدًا، وكذلك نور الدين الهيثمي في كتابه "مجمع الزوائد"؛ فإنه قد صحح الصحيح مما ذكره في كتابه من أحاديث الفتن وأشراط الساعة، وبيَّن أحوال الأسانيد الضعيفة لئلا يُغتر بها، وكلامه في ذلك مقبول عند أهل العلم، وقد حرره معه الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وهما من أكبر نقاد الحديث.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الأئمة المحققين الذين يعتد بأقوالهم في التصحيح والتضعيف قد تكلموا في أحاديث الفتن وأشراط الساعة كما قد تكلموا في أحاديث الأحكام، وميزوا الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة من الأحاديث الضعيفة والأحاديث المنكرة والموضوعة، وأفردوا الأحاديث الموضوعة بالمصنفات الكثيرة، فمن زعم أن نقاد الحديث لم يتعرضوا لأحاديث الفتن وأشراط الساعة بالتصحيح والتمحيص فقد قال خلاف الواقع.
الوجه الثالث: أن أقول: قد ذكرت في أول الكتاب ما صححه نقاد الحديث من الأحاديث الواردة في المهدي فليراجع، ففيه أبلغ رد على قول ابن محمود إنهم لم يتعرضوا لها بتصحيح ولا تمحيص، وعلى قوله إنها مبنية على التساهل.
وأما قوله: وليست بالشيء الواقع في زمانهم.
فجوابه: أن يقال: إن الإيمان بأنباء الغيب ليس مقصورًا على الأشياء التي تقع في زمان الإنسان، بل يجب الإيمان بكل ما جاء في الكتاب والسنة من أنباء الغيب، ما كان من ذلك فيما مضى من الزمان وما سيكون من ذلك في المستقبل، ومنه أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، وما يكون بعد قيام الساعة من الأمور العظام، وما يكون بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ومن آمن بما يقع في زمانه ولم يؤمن بما وقع في الماضي أو بما سيقع في المستقبل فلا شك أنه داخل في عموم قول الله -تعالى-: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآية.
стр. 199
وأما قوله: ولا من أحاديث أحكامهم وأمور حلالهم وحرامهم.
فجوابه: أن يقال: إن الإيمان بأنباء الغيب من عقائد المسلمين، والأحاديث التي تتعلق بالعقائد ويعتمد عليها أهل العلم، ليست مبنية على التساهل وإدخال الزيادات والمدرجات والتحريفات وما يدخله الكذب كما قد توهم ذلك ابن محمود، وإنما هي من جنس أحاديث الأحكام وأمور الحلال والحرام، يتثبت فيها أهل العلم وينقدونها ويعتمدونها على ما كان صحيحًا منها أو حسنًا، ويتركون ما سوى ذلك.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٤): "وفي القرن التاسع لما كثر المُدَّعون للمهدي، وثارت الفتن بسببه كما ذكرها المسعودي في تاريخه، فعند ذلك اضطر بعض المحققين من العلماء أن ينقدوا أحاديث المهدي؛ ليعرفوا قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها، فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق فيها، فنخلها ثم نثرها حديثًا حديثًا وبين عللها كلها، وأن من رواتها الكذوب ومنهم المتهم بالتشيع والغلو، ومنهم من يرفع الحديث إلى الرسول بدون أن يتكلم به الرسول، ومنهم من لا يحتج به، وخلاصته أنه حكم على أحاديث المهدي بالضعف".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن المسعودي المؤرخ كان في آخر القرن الثالث من الهجرة وأول القرن الرابع، وكانت وفاته في سنة ست وأربعين وثلاث مائة، وعلى هذا فهل يقول عاقل: إن المسعودي قد ذكر في تاريخه ما جرى في القرن التاسع من كثرة المدعين للمهدية، وما ثار بسببهم من الفتن؟ كلا، لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل. وليس المسعودي يعلم الغيب حتى يخبر عما يكون بعده بخمسة قرون، وهذا الوهم من أغرب الأوهام، وهو مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون.
الوجه الثاني: أن يقال: إن منخل ابن خلدون الذين نخل به أحاديث المهدي كان واسع الخروق جدًا، ولم يكن مضبوطًا ومحكمًا، فلهذا نخل به كثيرًا من الصحاح والحسان الواردة في المهدي، ولم يستثن منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه، وقد خالف بهذا العمل ما قاله كثير من أكابر أئمة الحديث ونقاده، وقد ذكرت تصحيحهم لبعض أحاديث المهدي وتحسينهم ...........................
стр. 200
لبعضها في أول الكتاب فليراجع (١)، وقد ردَّ غير واحد من المتأخرين على ابن خلدون، وخطؤوه فيما ذهب إليه من تضعيف بعض الأحاديث الثابتة في المهدي، وقد ذكرت ردودهم عليه في أثناء الكتاب، فلتراجع في موضعها (٢).
الوجه الثالث: أن يقال: إن ابن خلدون لم يحكم على أحاديث المهدي كلها بالضعف كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما حكم على أكثرها كما صرح بذلك في مقدمته حيث قال بعد سياقه لأحاديث المهدي ما نصه: "فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه". انتهى.
الوجه الرابع: أن يقال: ظاهر كلام ابن محمود بل صريحه أن ابن خلدون هو أول من تكلم في نقد أحاديث المهدي، وأن العلماء الذين كانوا قبل زمان ابن خلدون لم يتعرضوا لأحاديث المهدي بالنقد وبيان الصحيح منها من الضعيف، وهذا خلاف الواقع، وقد ذكرت كلام المحققين في تصحيح بعض أحاديث المهدي وتضعيف بعضها في أول الكتاب فليراجع (٣)، ففيه أبلغ رد على ابن محمود حيث أوهم بكلامه أن ابن خلدون هو أول من توسع في تضعيف أحاديث المهدي، ولم يقتصر على تضعيف الأحاديث الضعيفة، بل تجاوز ذلك إلى تضعيف بعض الصحاح والحسان، ولم يستثن منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه، وبهذا فتح الباب لرشيد رضا ومحمد فريد وجدي وأحمد أمين وغيرهم من العصريين الذين تهجموا على أحاديث المهدي وقابلوها كلها بالرد والإطراح، ولم يفرقوا بين الثابت منها وغير الثابت، وقد قلدهم ابن محمود في هذا العمل السيئ، وزاد عليهم حتى خرج عن حد المعقول إلى غير المعقول، فزعم أن أحاديث المهدي كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وأن انتظار خروج المهدي من الركون إلى الخيال والمحالات، والاستسلام للأوهام والخرافات، هكذا زعم وجازف واستهان بأقوال رسول الله ﷺ وأخباره الصادقة عن ...........................................................
стр. 201
المهدي، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٤) وصفحة (٣٥): "لكن رأينا بعض العلماء في هذا الزمان يعترض على تصحيحات ابن خلدون، قائلا إنه مؤرخ وليس بصاحب حديث، وهذا الاعتراض لا موقع له من الصحة، فإن ابن خلدون عالم جليل، ولا يقول أحد فيه إلا الخير، وكونه مؤرخًا لا يمنع من كونه محققًا لعشرة أحاديث أو أكثر، لكون التحقيق سهل على مثله عند توافر الآلات والكتب المؤلفة عن صفات الرواة، ودراسة الأشخاص وعدالتهم والقدح فيهم من شئون التاريخ، كما أنه من شئون علم الحديث".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: يفهم من ظاهر كلام ابن محمود أن ابن خلدون له تصحيحات لبعض أحاديث المهدي، وهذا مخالف للواقع، فإن ابن خلدون لم يصحح شيئًا من أحاديث المهدي، وإنما نقدها إلا القليل أو الأقل منه كما صرح بذلك في مقدمته، وقد ذكر كلامه في ذلك قريبًا فليراجع (١)، وكان ينبغي لابن محمود أن يقول: إن بعض العلماء قد اعترضوا على تضعيف ابن خلدون لأحاديث المهدي، فإن هذا هو المطابق للواقع، فأما قوله: إنهم اعترضوا على تصحيحات ابن خلدون، فهو مما انقلب عليه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن العلماء الذين اعترضوا على ابن خلدون لم يعترضوا عليه في شيء من التصحيح كما قد توهم ذلك ابن محمود، وإنما اعترضوا عليه في نقده لبعض الأحاديث الثابتة، ولا ينكر موقع ذلك من الصحة إلا جاهل أو مكابر.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الذين اعترضوا على ابن خلدون في نقده لأحاديث المهدي وحكمه بضعفها سوى القليل أو الأقل منه هم المصيبون؛ لأن ابن خلدون قد ضعف أحاديث صحيحة لا مطعن فيها، وقد صححها كثير من أكابر العلماء ممن لا يدانيهم ابن خلدون في نقد الأحاديث ومعرفة صحيحها من ضعيفها فضلا عن أن يساويهم، وقد ذكرت تصحيحهم لبعض أحاديث المهدي في أول الكتاب، وذكرت أيضًا قول من قال من أكابر ....
стр. 202
العلماء إن أحاديث المهدي متواترة، فليرجع إلى ما ذكرته (١) ففيه أبلغ رد على ابن خلدون ومن نحا نحوه واغتر بقوله.
وأما قوله: إن ابن خلدون عالم جليل ولا يقول أحد فيه إلا الخير.
فجوابه: أن يقال: أما كونه عالمًا جليلا فذلك لا يمنع من الاعتراض عليه فيما أخطأ فيه وبيان أخطائه لئلا يغتر بها الناس، والذين اعترضوا على ابن خلدون لم يتكلموا في شخصه بما يجرحه ويقدح في عدالته، وإنما اعترضوا على قوله الباطل في رده لبعض الأحاديث الثابتة في المهدي والحكم بضعفها، وذلك لا ينافي قول الخير فيه.
وأما قوله: وكونه مؤرخًا لا يمنع من كونه محققًا لعشرة أحاديث أو أكثر؛ لكون التحقيق سهل على مثله عند توفر الآلات والكتب المؤلفة عن صفات الرواة.
فجوابه: أن يقال: قد لحن ابن محمود في قوله "سهل"، وصوابه سهلا بالنصب على أنه خبر كون.
ويقال أيضًا: إن تحقيق ابن خلدون لبعض أحاديث المهدي من جنس تحقيقات ابن محمود، فقد حقق ابن محمود في عنوان كتابه وفي عدة مواضع منه أنه لا مهدي بعد رسول الله، وحقق في صفحة (١٢) أنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله، فوصف كلام الله بصفة المخلوقين من الخلفاء الراشدين المهديين والأئمة الصالحين، وحقق في صفحة (١٣) وصفحة (١٤) أن صاحب موسى الذي سأل السبيل إليه هو ذو القرنين، وحقق في صفحة (١٤) أن موسى لما أراد أن يفارق ذا القرنين قال له ذو القرنين: يا موسى أنت على علم من الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم من الله لا تعلمه أنت، وحقق في صفحة (١٤) أنه لا مهدي بعد رسول الله كما لا نبي بعده، فقاس وجود المهديين بعد رسول الله ﷺ على وجود الأنبياء بعده، ونفى كلا منهما، وهذا من أفسد القياس؛ لأن الأنبياء قد ختموا بمحمد ﷺ فلا نبي بعده، بخلاف المهديين فقد جاء النص على أنه يكون في هذه الأمة خلفاء مهديون، وقد ذكر الحديث الوارد في ذلك في أول الكتاب ............................................
стр. 203
فليراجع (١)، وحقق في صفحة (٣٢) أن الجن سخروا لداود، إلى غير ذلك من تحقيقات ابن محمود التي حصلت له بعد توسعه في العلوم والفنون، وهي تحقيقات تضحك منها الثكلى، ويستحي العاقل من ذكرها لولا أن الضرورة ألجأت إلى ذكرها للتنبيه عليها.
وإذا كان ابن محمود قد تخبط في تحقيقه لما هو مذكور في القرآن وفي الأحاديث الصحيحة، مع توافر المصاحف وكتب الحديث في هذا الزمان، ولم يكن التحقيق مع ذلك سهلا عليه، فلا شك أن كلامه في أحاديث المهدي أبعد عن التحقيق وأقرب إلى التخليط، وسيأتي بيان ذلك مع الكلام على ما زعم أنه تحقيق معتبر لأحاديث المهدي -إن شاء الله تعالى-.
وأما ابن خلدون فتحقيقه لأكثر الأحاديث الثابتة في المهدي حاصله الرد والإطراح لها، وهذا ليس بتحقيق، وإنما هو معارضة لأقوال النبي ﷺ واستهانة بها.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٥) وصفحة (٣٦): "وقد رأينا من يؤيد قول ابن خلدون من العلماء المتقدمين، والراقين في العلم والمعرفة والاعتصام بالكتاب والسنة؛ ومنهم العلامة ابن القيم؛ فقد ذكر في كتابه "المنار المنيف" عن أحاديث المهدي وضعفها، ومنهم الإمام الشاطبي في كتابه "الاعتصام"؛ فقد جعل المهديين والإمامية من أهل البدع، ويعني بالمهديين الذين يصدقون بخروج المهدي، ودونك كلامه بلفظه إثباتًا للحجة والعذر، وإزالة للشبهة والعذل، قال بعد كلام له سبق في المتبعين لأهل الأهواء والبدع: "وكذلك من اتبع المهدي المغربي المنسوب إليه كثير من بدع المغرب، فهو في الإثم والتسمية مع من اتبع، إذا انتصب ناصرًا لها ومحتجًا عليها"، وقال: "ولقد زل بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال أقوام، خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سواء السبيل"، وقال: "مذهب الفرقة المهدوية التي جعلت أفعال مهديهم حجة وافقت حكم الشريعة أو خالفت، بل جعلوا أكثر ذلك أنفحة في عقد إيمانهم، من خالفها كفَّروه وجعلوا حكمه حكم الكافر الأصلي". وبذلك تنقطع حجة من ادعى أنه لم يسبق الإمام ابن خلدون أحد من العلماء في تضعيف أحاديث المهدي".
стр. 204
والجواب: أن يقال: ليس الأمر على ما توهمه ابن محمود على ابن القيم والشاطبي من أنهما قد أيَّدا قول ابن خلدون، بل الأمر في الحقيقة على خلاف ذلك، فأما ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقد نقل في كتابه "المنار المنيف" عن أبي الحسين محمد بن الحسين الآبري أنه قال في كتابه "مناقب الشافعي": "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه". انتهى، وقد أقره ابن القيم -رحمه الله تعالى- على هذا القول ولم يتعقبه بشيء.
ولو كان الأمر على ما توهمه ابن محمود لكان ابن القيم ينكر هذا الكلام ولا يقره، ونقل ابن القيم أيضًا عن البيهقي كلامًا له في تضعيف حديث أنس ﵁ الذي فيه «ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» ثم قال: "والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا". انتهى.
وقد أقره ابن القيم على هذا القول، وذكر ابن القيم أيضًا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المهدي مِنِّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين». ثم قال: "رواه أبو داود بإسناد جيد، من حديث عمران بن داور العمي القطان، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وروى الترمذي نحوه من وجه آخر، عن أبي الصديق الناجي عنه"، وذكر ابن القيم أيضا حديث أم سلمة ﵂ الذي أوله: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام» الحديث، قال ابن القيم: "والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح"، وذكر أيضًا ما رواه أبو نعيم في كتاب المهدي من حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله فيه رجلا اسمه اسمي وخلقه خلقي يكنى أبا عبد الله». ثم قال: "ولكن في إسناده العباس بن بكار، لا يحتج بحديثه، وقد تقدم هذا المتن من حديث ابن مسعود وأبي هريرة، وهما صحيحان". انتهى، وذكر أيضًا ما رواه أبو نعيم: حدثنا أبو الفرج الأصبهاني، حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا أبو جعفر بن طارق، عن الجيد بن نظيف، عن .......................
стр. 205
أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «مِنَّا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه». قال: "وهذا إسناد لا تقوم به حجة، لكن في صحيح ابن حبان من حديث عطية بن عامر نحوه"، وذكر أيضًا ما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة». قال وهذا إسناد جيد. وجملة الأحاديث التي أوردها ابن القيم في ذكر المهدي تسعة عشر حديثًا، ذكر منها أربعة عشر حديثًا متوالية، صحح منها ثلاثة، وقال في اثنين إسنادهما جيد، وسكت عن حديثين، وضعَّف سبعة، وقال بعد إيراده لحديثي ابن مسعود وأبي هريرة ﵄: "اللذين قال الترمذي في كل منهما أنه حسن صحيح" ووافقه ابن القيم على تصحيحهما، وفي الباب عن حذيفة بن اليمان، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وأنس بن مالك، وجابر، وابن عباس وغيرهم. ثم قال بعد إيراده للأحاديث الأربعة عشر ما نصه: "وهذه الأحاديث أربعة أقسام؛ صحاح وحسان وغرائب وموضوعة، وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال؛ أحدها: أنه المسيح ابن مريم وهو المهدي على الحقيقة، واحتج أصحاب هذا القول بحديث محمد بن خالد الجندي، وقد بيَّنا حاله، وأنه لا يصح، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن عيسى أعظم مهدي بين رسول الله ﷺ وبين الساعة، وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي ﷺ على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وحكمه بكتاب الله، وقتله اليهود والنصارى، ووضعه الجزية، وإهلاك أهل الملل في زمانه، فيصح أن يقال: لا مهدي في الحقيقة سواه وإن كان غيره مهديًا، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما وقى وجه صاحبه، وكما يصح أن يقال: إنما المهدي عيسى ابن مريم؛ يعني المهدي الكامل المعصوم.
القول الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه، ثم ذكر حديثين احتج بهما أصحاب هذا القول، وهما عن ثوبان وابن مسعود ﵄، ثم قال بعد إيراده لحديث ابن مسعود ﵁: وهذا والذي قبله لو صح لم يكن فيه دليل على أن المهدي الذي تولى من بني .................................................
стр. 206
العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، بل هو أولى باسم المهدي منه، وقد قال رسول الله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديًا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون.
القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ ، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل، وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف؛ وهو أن الحسن ﵁ ترك الخلافة لله فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده؛ أن من ترك لأجله شيئا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين ﵁ فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها.
وقد روى أبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج رجل من أهل بيتي، يعمل بسنتي، وينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلمًا، ويعمل على هذه الأمة سبع سنين، وينزل بيت المقدس».
وروى أيضًا من حديث أبي أمامة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ وذكر الدجال وقال: «فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعي ذلك اليوم يوم الخلاص»، فقالت أم شريك: فأين العرب يا رسول الله يومئذ؟ فقال: «هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي رجل صالح».
وروى أيضًا من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها».
стр. 207
وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة فهي مما يقوي بعضها بعضًا ويشد بعضها ببعض، فهذه أقوال أهل السنة". انتهى المقصود من كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وفيه أبلغ رد على ابن محمود حيث تقوَّل على ابن القيم وزعم أنه قد أيد قول ابن خلدون في تضعيف أحاديث المهدي، وقد قرر ابن القيم -رحمه الله تعالى- خروج المهدي في عدة مواضع من كلامه، وأيد ذلك بالأدلة، وذكر أنه أحد أقوال أهل السنة، وأن أكثر الأحاديث تدل عليه، وذكر أيضًا أن أحاديث المهدي أربعة أقسام؛ صحاح وحسان وغرائب وموضوعة، ومع هذا يزعم ابن محمود أن ابن القيم قد أيَّد قول ابن خلدون في تضعيف أحاديث المهدي. أما يستحي ابن محمود من التقول على العلماء؟! أما يخاف من سوء عاقبة ذلك؟! أيظن أن الناس كلهم أغبياء يروح عليهم التوهيم والتلبيس بالأقوال الباطلة، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
إذا شئت أن تحيا عزيزًا مسلمًا ... فدبر وميز ما تقول وتفعل
وأما الشاطبي فإنه لم يذكر في كتابه "الاعتصام" شيئًا من الأحاديث الواردة في المهدي فضلا عن أن يكون مؤيدًا لابن خلدون على تضعيفها، وقد ذكرت في أثناء الكتاب أن الشاطبي أشار إلى أحاديث المهدي في قوله عن المتسمي بالمهدي إنه زعم أنه المبشر به في الأحاديث، وذكرت هناك أن قول الشاطبي صريح في أنه يرى أن المهدي المبشر به في الأحاديث حق، وأنه غير المغربي الذي زعم أنه المهدي المبشر به، فليراجع ما تقدم (١).
وأما قول ابن محمود: إن الشاطبي جعل المهديين من أهل البدع. فهذا من التقول على الشاطبي، فإنه إنما أراد بكلامه شخصًا واحدًا، وهو محمد بن تومرت المغربي الذي ادعى أنه المهدي المبشر به، ولم يُرِد به عموم المهديين، قال في صفحة (٢١٦) من الجزء الأول المطبوع في مطبعة المنار بمصر سنة ١٣٣١ هـ من الهجرة ما نصه: "وكذلك من اتبع المهدي المغربي المنسوب إليه كثير من بدع المغرب، فهو في الإثم والتسمية مع من اتبع، إذا انتصب ناصرًا لها ومحتجًا عليها"، وقال أيضًا في صفحة (٣٤٣) من الجزء الأول، بعد ما ذكر أشياء من أقوال الباطنية ما نصه: "وتصور المذهب كافٍ في ظهور بطلانه إلا .........................
стр. 208
أنه مع ظهور فساده وبعده عن الشرع قد اعتمده طوائف، وبنوا عليه بدعا فاحشة منها مذهب المهدي المغربي، فإنه عدَّ نفسه الإمام المنتظر، وأنه معصوم حتى أن من شك في عصمته أو في أنه المهدي المنتظر فهو كافر"، وذكر نحو ذلك في صفحة (٣٤٥) عن المهدي المغربي وأصحابه، وقال أيضًا في صفحة (٢٥٣) من الجزء الثاني ما نصه: "وقد وضع القتل شرعًا معمولا به على غير سنة الله وسنة رسوله المتسمي بالمهدي المغربي، الذي زعم أنه المبشر به في الأحاديث" إلى أن قال في صفحة (٢٥٤): "وكل من شك في عصمته قتل، أو شك في أنه المهدي المبشر به"، وقال أيضًا في صفحة (٢٦٢) وصفحة (٢٦٣) ما نصه: "ومن يدعي لنفسه العصمة فهو شبه من يدعي النبوة، ومن يزعم أنه به قامت السموات والأرض فقد جاوز دعوى النبوة، وهو المغربي المتسمي بالمهدي "، وقال في صفحة (٢٥٨) من الجزء الثالث ما نصه: "ولقد زلَّ بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال أقوام، خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سواء السبيل، ولنذكر لذلك عشرة أمثلة"، ثم ذكر المثال الأول وهم الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال: "والثاني: رأي الإمامية في اتباع الإمام المعصوم في زعمهم، وإن خالف ما جاء به النبي المعصوم حقًا، وهو محمد ﷺ ، فحكَّموا الرجال على الشريعة، ولم يحكموا الشريعة على الرجال، وإنما أنزل الكتاب ليكون حكمًا على الخلق على الإطلاق والعموم.
والثالث لا حق بالثاني؛ وهو مذهب الفرقة المهدوية، التي جعلت أفعال مهديهم حجة وافقت الشريعة أو خالفت، بل جعلوا أكثر ذلك أنفحة في عقد إيمانهم، من خالفها كفَّروه وجعلوا حكمه حكم الكافر الأصلي، وقد تقدم من ذلك أمثلة". انتهى ما ذكره الشاطبي مما يتعلق بالمهدي المغربي الغشوم الظلوم، وهو محمد بن تومرت وأصحابه، الذين سماهم الشاطبي الفرقة المهدية، وذكر أنهم جعلوا أفعال مهديهم ابن تومرت حجة، سواء وافقت حكم الشريعة أو خالفت، فأما جعل المهديين كلهم من أهل البدع كما زعمه ابن محمود فهذا من أكبر الخطأ، لأنه يشمل الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، ويشمل عمر بن عبد العزيز، ويشمل غيرهم من الأئمة المتمسكين بالكتاب والسنة القائمين بالقسط والعدل، وهذا لا يقوله مسلم يعقل ما يقول.
стр. 209
وأما قول ابن محمود: ويعني بالمهديين الذين يصدقون بخروج المهدي.
فجوابه: أن يقال: هذا من التقوُّل على الشاطبي، وقد ذكرت كلامه بالنص وأنه إنما أراد به محمد بن تومرت المغربي الذي ادعى أنه المهدي المبشر به، ولم يرد غيره.
ويقال أيضًا: لا يخفى ما يلزم على هذا القول الباطل من الحكم على كل من صدق بخروج المهدي في آخر الزمان بأنهم من أهل البدع، وهذا يشمل كثيرًا من الصحابة، وهم الذين رووا أحاديث المهدي عن النبي ﷺ ، والذين بلغتهم الأحاديث في ذلك وآمنوا بها، ويشمل كل من روى أحاديث المهدي من التابعين ومن بعدهم، ومن خرجها من الأئمة الحفاظ، كما أنه يشمل جمهور أهل السنة قديمًا وحديثًا؛ لأنهم يؤمنون بخروج المهدي في آخر الزمان تصديقًا للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك، فإن كان ابن محمود يرى أن هؤلاء كلهم من أهل البدع من أجل تصديقهم بخروج المهدي في آخر الزمان فأحسن الله عزاءه في علمه وعقله، وإن نفى البدعة عنهم انتقض قوله في المهديين إنهم الذين يصدقون بخروج المهدي، فليختر ابن محمود ما يناسبه من الأمرين؛ إما نقض قوله الباطل، وإما الحكم بالبدعة على كل من روى أحاديث المهدي، ومن صدق بخروجه من المتقدمين والمتأخرين.
وأما قوله: ودونك كلامه إثباتًا للحجة والعذر وإزالة للشبهة والعذل.
فجوابه: أن يقال: ليس في كلام الشاطبي ما يتعلق به ابن محمود فضلا عن أن يكون فيه ما ثبت له الحجة والعذر ويزيل عنه الشبهة والعذل، وإنما الأمر في الحقيقة بالعكس، فكلام الشاطبي حجة على ابن محمود كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة، وقد لحقت الشبهة والعذل بابن محمود، وزال العذر عنه من أجل تقوُّله على الشاطبي، وحمله لكلامه على غير المراد به.
وأما قوله: وبذلك تنقطع حجة من ادعى أنه لم يسبق الإمام ابن خلدون أحد من العلماء في تضعيف أحاديث المهدي.
فجوابه: أن يقال: إن الحجة المنقطعة في الحقيقة حجة الذي تقوَّل على العلماء، وأعرض عن الأدلة الثابتة عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروج المهدي في ............................
стр. 210
آخر الزمان، وزعم أنها كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، ولم يبال بمعارضة أحاديث رسول الله ﷺ والاستخفاف بها، ولا بالتقول على العلماء، وأعني بذلك ابن محمود، هدانا الله وإياه، وأعاذنا جميعًا من نزغات الشيطان.
وأقول أيضًا: إني لا أعلم عن أحد من العلماء أنه سبق ابن خلدون إلى التوسع في تضعيف أحاديث المهدي بحيث لم يستثن منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه، وكذلك العلماء الذين كانوا بعد ابن خلدون لا أعلم عن أحد منهم أنه توسع في تضعيف أحاديث المهدي كما فعل ذلك ابن خلدون، حتى جاء تلاميذ جمال الدين الأفغاني وبعض تلاميذهم، فتهجموا على بعض الأحاديث الثابتة ولا سيما أحاديث أشراط الساعة، ومنها الأحاديث الدالة على خروج المهدي في آخر الزمان، فإنهم قد قابلوها بالتضعيف والرد والإطراح، وقد سار ابن محمود على طريقتهم السيئة، وبالغ في رد أحاديث المهدي، وجازف في ذمها غاية المجازفة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٦): "وقد كاد أن ينعقد الإجماع من العلماء المتأخرين من أهل الأمصار في تضعيف أحاديث المهدي، وكونها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ ، بدليل التعارض والتناقض والمخالفات والإشكالات، مما يجعل الأمر جليًا للعيان ولا يخفى إلا على ضَعَفَة الأفهام".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الله تعالى قد عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ ، ومن الضلالة إنكار خروج المهدي في آخر الزمان، ومعارضة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك، والمجازفة في وصفها بالصفات القبيحة، كقول ابن محمود إنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وإنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة.
стр. 211
الوجه الثاني: أن يقال: ما ادعاه ابن محمود من أنه قد كاد أن ينعقد الإجماع من المتأخرين من أهل الأمصار على تضعيف أحاديث المهدي، فهو مجرد دعوى لا صحة لها؛ لأن القائلين بتضعيف أحاديث المهدي أفراد قليلون من العصريين، وجمهور العلماء على خلافهم، ولو قُدِّر صحة ما ادعاه لكان ذلك مدفوعًا بإجماع العلماء المتقدمين من أهل السنة والجماعة على خروج المهدي في آخر الزمان، سوى من لا يُعتد بهم ممن زعم أن المهدي عيسى ابن مريم، ومن قال إنه المهدي العباسي.
الوجه الثالث: أن يقال: ليس بين الأحاديث الثابتة في المهدي تعارض ولا تناقض ولا مخالفة ولا إشكال البتة، وقد تقدم الجواب عن هذا في أول الكتاب مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٦): ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها، فليراجع هناك (١).
الوجه الرابع: أن يقال: إن الذي يجعل الأمر جليا في أمر المهدي ويزيل اللبس والشكوك عنه هو اتباع الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فيه، فأما كلام بعض العصريين في تضعيف أحاديث المهدي ومجازفتهم في ردها وإطراحها فهو الذي يضر ضَعَفَة الأفهام، ويوقعهم في الحيرة والشك، وربما أوقع بعضهم في المكابرة في رد الحق ومعارضته بالشبه والشكوك، كما قد وقع ذلك للمردود عليه، ولغيره من المفتونين بآراء العصريين وتخرصاتهم.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٦) وصفحة (٣٧): "الحادي عشر: هو أن النبي ﷺ جاء بجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد والمضار وتقليلها، وإن التصديق بالمهدي والدعوة إلى الإيمان به يترتب عليها فنون من المضار والمفاسد الكبار والفتن المتواصلة، مما ينزه الرسول عن الإتيان بمثلها ... إلى أن قال: فإن الله -سبحانه- في كتابه وعلى لسان نبيه لا يوجب الإيمان برجل مجهول في عالم الغيب، وهو من بني آدم، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به، ثم يترك الناس يتقاتلون على التصديق والتكذيب به، فإن هذا مما ينافي شريعته التي جعلها الله رحمة لعباده، فوجود هذا أضر على الناس من عدمه، مع أنه من المحال بأن يكون على صفة ما ذكروا، أما اعتقاد بطلانه وعدم التصديق به فإنه يعطي القلوب .....................................................................
стр. 212
الراحة والفرح والأمان والاطمئنان والسلامة من الزعازع والافتتان.
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن التصديق بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان كالتصديق بخروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وكالتصديق بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵊، وخروج يأجوج ومأجوج، وغير ذلك من أشراط الساعة التي جاء ذكرها في الأحاديث الصحيحة، فكما أن التصديق بهذه الأمور لا يترتب عليه شيء من المضار والمفاسد والفتن، فكذلك التصديق بخروج المهدي الذي بشر النبي ﷺ بخروجه وأخبر أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وكما أن الإيمان بهذه الأشياء واجب، فكذلك الإيمان بخروج المهدي لثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، وكل ما ثبتت عن النبي ﷺ من أنباء الغيب فالإيمان به واجب؛ لأن ذلك من تحقيق الشهادة بأن محمدًا رسول الله.
الوجه الثاني: إن ابن محمود زعم أن النبي ﷺ ينزه عن الإتيان بمثل أحاديث المهدي، وهذا من أغرب الأقوال وأشدها نكارة، وكيف ينزه النبي ﷺ عن الإخبار ببعض المغيبات التي ستكون في آخر الزمان؟ وكيف ينزه عن الأخبار برجل من أهل بيته يملك في آخر الزمان، ويعمل بالسنة ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا؟ فهذا القول الباطل من ابن محمود ينبغي لكل عاقل أن يتنزه عن الإصغاء إليه.
وأما قوله: فإن الله في كتابه وعلى لسان نبيه لا يوجب الإيمان برجل مجهول في عالم الغيب، وهو من بني آدم، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به.
فجوابه: أن يقال: هذا من القول على الله وعلى رسوله ﷺ بغير علم، وما أعظم ذلك وأعظم خطره.
ويقال أيضًا: قد أخبر الله -تعالى- في كتابه عن عدة رجال من الأمم الماضية، ممن لا يعرفهم الناس بأسمائهم ولا بأعيانهم، وهم من بني آدم، وفي عالم الغيب منذ فارقوا الدنيا إلى يوم البعث والنشور، فقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾، ............................................
стр. 213
وقال -تعالى-: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الآية، وقال -تعالى-: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ﴾، وقال -تعالى-: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يذكر الله فيها رجالا من بني آدم، لا يعرفهم الناس بأسمائهم ولا بأعيانهم، وهم في عالم الغيب منذ فارقوا الدنيا، وليسوا ملائكة ولا رسلا، ومع هذا فالإيمان بما أخبر الله به عنهم واجب على كل مسلم، ومن لم يؤمن بذلك فليس بمسلم.
وكذلك قد أخبر النبي ﷺ عن رجال من الماضين بقصص كثيرة؛ مثل حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فتوسلوا إلى الله -تعالى- بصالح أعمالهم ففرج عنهم. وهو في الصحيحين، وحديث الأبرص والأقرع والأعمى. وهو في الصحيحين، وحديث الرجل الذي استسلف من رجل ألف دينار. وهو في صحيح البخاري ومسند أحمد، وحديث الرجل الذي اشترى من رجل عقارًا فوجد في العقار جرة فيها ذهب. وهو في الصحيحين، وحديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم سأل هل له من توبة. وهو في الصحيحين، وحديث الرجل الذي ركب البقرة فكلمته البقرة، وفيه خبر الرجل الذي كلمه الذئب. وهو في الصحيحين. إلى غير ذلك مما أخبر به النبي ﷺ عن بعض الماضين، ممن لا يعرفهم الناس بأسمائهم ولا بأعيانهم، وليسوا ملائكة ولا أنبياء، وكذلك قد أخبر النبي ﷺ بخروج القحطاني والجهجاه في آخر الزمان، وأخبر أيضًا عن الخليفة الذي يكون في آخر الزمان يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأخبر أيضًا بخروج الدجال، وأخبر أيضًا عن المؤمن الذي يقتله الدجال ثم يحييه، وهؤلاء كلهم من بني آدم، وهم الآن مجهولون وفي عالم الغيب، وسيخرجون إلى الوجود في آخر الزمان، وليسوا ملائكة مقربين ولا أنبياء مرسلين، ولا يأتون بدين جديد، ومع هذا فالإيمان بخروجهم في آخر الزمان واجب على كل مسلم، ومن لم يؤمن بخروجهم فهو فاسد العقيدة وإسلامه مشكوك فيه؛ لأنه لم يحقق الشهادة بالرسالة، وقد تقدم الجواب عن هذه الجملة من كلام ابن محمود مبسوطًا مع الكلام على قوله في ...................
стр. 214
صفحة (٦): إنه من المحال أن يوجب النبي على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول ... إلى آخره، فليراجع في أول الكتاب (١).
وأما قوله: إن هذا مما ينافي شريعته.
فجوابه: أن يقال: أما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا؛ مثل محمد بن التومرت، والمهدي العبيدي، وأمثالهما من الكذابين فلا شك أن دعواهم وأعمالهم تنافي الشريعة، ومن هذا الباب دعوى الكيسانية أن محمد بن الحنفية هو المهدي، ودعوى الرافضة أن محمد بن الحسن العسكري هو المهدي، ودعوى الذين ألحدوا في الحرم في أول سنة ١٤٠٠هـ أن أحدهم هو المهدي، فكل ذلك كذب وزور ينافي الشريعة، وأما المهدي الذي أخبر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان، وأخبر أنه يعمل بالسنة، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فالتصديق به موافق للشريعة غاية الموافقة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
وأما قوله: فوجود هذا أضر على الناس من عدمه.
فجوابه: أن يقال: بل وجود المهدي المبشر بخروجه في آخر الزمان أنفع للناس من عدمه؛ لأنه يعمل بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا، ومن أنكر عموم النفع بمن يكون بهذه الصفة ففي عقله خلل.
وأما قوله: مع أنه من المحال بأن يكون على صفة ما ذكروا.
فجوابه: أن يقال: في هذا الكلام من الرجم بالغيب، والتألي على الله -تعالى-، والإنكار لعظيم قدرته وعموم مشيئته، والتكذيب لرسول الله ﷺ ، ما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة.
وأما قوله: أما اعتقاد بطلانه وعدم التصديق به فإنه يعطي القلوب الراحة والفرح والأمان والاطمئنان، والسلامة من الزعازع والافتتان.
فجوابه: أن يقال: بل الأمر بالعكس، فإن الذي يعطي القلوب الراحة والفرح والأمان والاطمئنان، والسلامة من الزعازع والافتتان، هو الإيمان بكل ...........................
стр. 215
ما جاء عن الله -تعالى-، وبكل ما ثبت عن رسول الله ﷺ ، والبعد عن الشكوك والأوهام فيما أخبر الله به ورسوله ﷺ من أنباء الغيب، مما كان وما سيكون.
فأما الراحة والفرح والاطمئنان برد الأحاديث الثابتة فهو من جنس فرح أهل البدع ببدعهم واطمئنانهم إليها ووجودهم الراحة في التمسك بها، وهذا من تلاعب الشيطان بهم وتزيينه لهم أعمالهم السيئة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٧) وصفحة (٣٨): "إن فكرة المهدي هذه لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية، وكلها نبعت من عقائد الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها، وذلك بعد خروج الخلافة من آل البيت، واستغلت الشيعة أفكار الجمهور الساذجة وتحمسهم للدين والدعوة الإسلامية فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله ﷺ في ذلك، وأحكموا أسانيدها وأذاعوها من طرق مختلفة، فصدقها الجمهور الطيب لبساطته، وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم، وكانت بذلك مؤامرة شنيعة أفسدت بها عقول الناس، وامتلأت بأحاديث تروى، وقصص تقص، نسبوا بعضها إلى النبي ﷺ ، وبعضها إلى أئمة أهل البيت، وبعضها إلى كعب الأحبار، وكان لكل ذلك أثر سيئ في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام، كما كان من أثر ذلك الثورات والحركات المتتالية في تاريخ المسلمين، ففي كل عصر يخرج داع أو دعاة يزعم أنه المهدي المنتظر، ويلتف حوله طائفة من الناس ويتسببون في إثارة الكثير من الفتن، وهذا كله من جراء نظرية خرافية هي نظرية المهدي، وهي نظرية لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا تتفق مع العقل الصحيح السليم".
والجواب: أن يقال: هذا الكلام ملخص من كلام أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام" ج٣ صفحة (٢٤١ - ٢٤٤) ولو أن ابن محمود نسب الكلام إلى قائله لكان أولى له من التدليس وأوفق للأمانة العلمية، وقد ذكرت ...........................................