← Акыда

Акыда · id 36046

الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (408 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الوجه الثاني: أن يقال: ما ادعاه ابن محمود من أنه قد كاد أن ينعقد الإجماع من المتأخرين من أهل الأمصار على تضعيف أحاديث المهدي، فهو مجرد دعوى لا صحة لها؛ لأن القائلين بتضعيف أحاديث المهدي أفراد قليلون من العصريين، وجمهور العلماء على خلافهم، ولو قُدِّر صحة ما ادعاه لكان ذلك مدفوعًا بإجماع العلماء المتقدمين من أهل السنة والجماعة على خروج المهدي في آخر الزمان، سوى من لا يُعتد بهم ممن زعم أن المهدي عيسى ابن مريم، ومن قال إنه المهدي العباسي. الوجه الثالث: أن يقال: ليس بين الأحاديث الثابتة في المهدي تعارض ولا تناقض ولا مخالفة ولا إشكال البتة، وقد تقدم الجواب عن هذا في أول الكتاب مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٦): ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها، فليراجع هناك (١). الوجه الرابع: أن يقال: إن الذي يجعل الأمر جليا في أمر المهدي ويزيل اللبس والشكوك عنه هو اتباع الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فيه، فأما كلام بعض العصريين في تضعيف أحاديث المهدي ومجازفتهم في ردها وإطراحها فهو الذي يضر ضَعَفَة الأفهام، ويوقعهم في الحيرة والشك، وربما أوقع بعضهم في المكابرة في رد الحق ومعارضته بالشبه والشكوك، كما قد وقع ذلك للمردود عليه، ولغيره من المفتونين بآراء العصريين وتخرصاتهم. وقال ابن محمود في صفحة (٣٦) وصفحة (٣٧): "الحادي عشر: هو أن النبي ﷺ جاء بجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد والمضار وتقليلها، وإن التصديق بالمهدي والدعوة إلى الإيمان به يترتب عليها فنون من المضار والمفاسد الكبار والفتن المتواصلة، مما ينزه الرسول عن الإتيان بمثلها ... إلى أن قال: فإن الله -سبحانه- في كتابه وعلى لسان نبيه لا يوجب الإيمان برجل مجهول في عالم الغيب، وهو من بني آدم، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به، ثم يترك الناس يتقاتلون على التصديق والتكذيب به، فإن هذا مما ينافي شريعته التي جعلها الله رحمة لعباده، فوجود هذا أضر على الناس من عدمه، مع أنه من المحال بأن يكون على صفة ما ذكروا، أما اعتقاد بطلانه وعدم التصديق به فإنه يعطي القلوب .....................................................................

стр. 212

الراحة والفرح والأمان والاطمئنان والسلامة من الزعازع والافتتان. والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن التصديق بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان كالتصديق بخروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وكالتصديق بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵊، وخروج يأجوج ومأجوج، وغير ذلك من أشراط الساعة التي جاء ذكرها في الأحاديث الصحيحة، فكما أن التصديق بهذه الأمور لا يترتب عليه شيء من المضار والمفاسد والفتن، فكذلك التصديق بخروج المهدي الذي بشر النبي ﷺ بخروجه وأخبر أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وكما أن الإيمان بهذه الأشياء واجب، فكذلك الإيمان بخروج المهدي لثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، وكل ما ثبتت عن النبي ﷺ من أنباء الغيب فالإيمان به واجب؛ لأن ذلك من تحقيق الشهادة بأن محمدًا رسول الله. الوجه الثاني: إن ابن محمود زعم أن النبي ﷺ ينزه عن الإتيان بمثل أحاديث المهدي، وهذا من أغرب الأقوال وأشدها نكارة، وكيف ينزه النبي ﷺ عن الإخبار ببعض المغيبات التي ستكون في آخر الزمان؟ وكيف ينزه عن الأخبار برجل من أهل بيته يملك في آخر الزمان، ويعمل بالسنة ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا؟ فهذا القول الباطل من ابن محمود ينبغي لكل عاقل أن يتنزه عن الإصغاء إليه. وأما قوله: فإن الله في كتابه وعلى لسان نبيه لا يوجب الإيمان برجل مجهول في عالم الغيب، وهو من بني آدم، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به. فجوابه: أن يقال: هذا من القول على الله وعلى رسوله ﷺ بغير علم، وما أعظم ذلك وأعظم خطره. ويقال أيضًا: قد أخبر الله -تعالى- في كتابه عن عدة رجال من الأمم الماضية، ممن لا يعرفهم الناس بأسمائهم ولا بأعيانهم، وهم من بني آدم، وفي عالم الغيب منذ فارقوا الدنيا إلى يوم البعث والنشور، فقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾، ............................................

стр. 213

وقال -تعالى-: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الآية، وقال -تعالى-: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ﴾، وقال -تعالى-: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يذكر الله فيها رجالا من بني آدم، لا يعرفهم الناس بأسمائهم ولا بأعيانهم، وهم في عالم الغيب منذ فارقوا الدنيا، وليسوا ملائكة ولا رسلا، ومع هذا فالإيمان بما أخبر الله به عنهم واجب على كل مسلم، ومن لم يؤمن بذلك فليس بمسلم. وكذلك قد أخبر النبي ﷺ عن رجال من الماضين بقصص كثيرة؛ مثل حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فتوسلوا إلى الله -تعالى- بصالح أعمالهم ففرج عنهم. وهو في الصحيحين، وحديث الأبرص والأقرع والأعمى. وهو في الصحيحين، وحديث الرجل الذي استسلف من رجل ألف دينار. وهو في صحيح البخاري ومسند أحمد، وحديث الرجل الذي اشترى من رجل عقارًا فوجد في العقار جرة فيها ذهب. وهو في الصحيحين، وحديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم سأل هل له من توبة. وهو في الصحيحين، وحديث الرجل الذي ركب البقرة فكلمته البقرة، وفيه خبر الرجل الذي كلمه الذئب. وهو في الصحيحين. إلى غير ذلك مما أخبر به النبي ﷺ عن بعض الماضين، ممن لا يعرفهم الناس بأسمائهم ولا بأعيانهم، وليسوا ملائكة ولا أنبياء، وكذلك قد أخبر النبي ﷺ بخروج القحطاني والجهجاه في آخر الزمان، وأخبر أيضًا عن الخليفة الذي يكون في آخر الزمان يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأخبر أيضًا بخروج الدجال، وأخبر أيضًا عن المؤمن الذي يقتله الدجال ثم يحييه، وهؤلاء كلهم من بني آدم، وهم الآن مجهولون وفي عالم الغيب، وسيخرجون إلى الوجود في آخر الزمان، وليسوا ملائكة مقربين ولا أنبياء مرسلين، ولا يأتون بدين جديد، ومع هذا فالإيمان بخروجهم في آخر الزمان واجب على كل مسلم، ومن لم يؤمن بخروجهم فهو فاسد العقيدة وإسلامه مشكوك فيه؛ لأنه لم يحقق الشهادة بالرسالة، وقد تقدم الجواب عن هذه الجملة من كلام ابن محمود مبسوطًا مع الكلام على قوله في ...................

стр. 214

صفحة (٦): إنه من المحال أن يوجب النبي على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول ... إلى آخره، فليراجع في أول الكتاب (١). وأما قوله: إن هذا مما ينافي شريعته. فجوابه: أن يقال: أما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا؛ مثل محمد بن التومرت، والمهدي العبيدي، وأمثالهما من الكذابين فلا شك أن دعواهم وأعمالهم تنافي الشريعة، ومن هذا الباب دعوى الكيسانية أن محمد بن الحنفية هو المهدي، ودعوى الرافضة أن محمد بن الحسن العسكري هو المهدي، ودعوى الذين ألحدوا في الحرم في أول سنة ١٤٠٠هـ أن أحدهم هو المهدي، فكل ذلك كذب وزور ينافي الشريعة، وأما المهدي الذي أخبر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان، وأخبر أنه يعمل بالسنة، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فالتصديق به موافق للشريعة غاية الموافقة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وأما قوله: فوجود هذا أضر على الناس من عدمه. فجوابه: أن يقال: بل وجود المهدي المبشر بخروجه في آخر الزمان أنفع للناس من عدمه؛ لأنه يعمل بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا، ومن أنكر عموم النفع بمن يكون بهذه الصفة ففي عقله خلل. وأما قوله: مع أنه من المحال بأن يكون على صفة ما ذكروا. فجوابه: أن يقال: في هذا الكلام من الرجم بالغيب، والتألي على الله -تعالى-، والإنكار لعظيم قدرته وعموم مشيئته، والتكذيب لرسول الله ﷺ ، ما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة. وأما قوله: أما اعتقاد بطلانه وعدم التصديق به فإنه يعطي القلوب الراحة والفرح والأمان والاطمئنان، والسلامة من الزعازع والافتتان. فجوابه: أن يقال: بل الأمر بالعكس، فإن الذي يعطي القلوب الراحة والفرح والأمان والاطمئنان، والسلامة من الزعازع والافتتان، هو الإيمان بكل ...........................

стр. 215

ما جاء عن الله -تعالى-، وبكل ما ثبت عن رسول الله ﷺ ، والبعد عن الشكوك والأوهام فيما أخبر الله به ورسوله ﷺ من أنباء الغيب، مما كان وما سيكون. فأما الراحة والفرح والاطمئنان برد الأحاديث الثابتة فهو من جنس فرح أهل البدع ببدعهم واطمئنانهم إليها ووجودهم الراحة في التمسك بها، وهذا من تلاعب الشيطان بهم وتزيينه لهم أعمالهم السيئة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. وقال ابن محمود في صفحة (٣٧) وصفحة (٣٨): "إن فكرة المهدي هذه لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية، وكلها نبعت من عقائد الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها، وذلك بعد خروج الخلافة من آل البيت، واستغلت الشيعة أفكار الجمهور الساذجة وتحمسهم للدين والدعوة الإسلامية فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله ﷺ في ذلك، وأحكموا أسانيدها وأذاعوها من طرق مختلفة، فصدقها الجمهور الطيب لبساطته، وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم، وكانت بذلك مؤامرة شنيعة أفسدت بها عقول الناس، وامتلأت بأحاديث تروى، وقصص تقص، نسبوا بعضها إلى النبي ﷺ ، وبعضها إلى أئمة أهل البيت، وبعضها إلى كعب الأحبار، وكان لكل ذلك أثر سيئ في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام، كما كان من أثر ذلك الثورات والحركات المتتالية في تاريخ المسلمين، ففي كل عصر يخرج داع أو دعاة يزعم أنه المهدي المنتظر، ويلتف حوله طائفة من الناس ويتسببون في إثارة الكثير من الفتن، وهذا كله من جراء نظرية خرافية هي نظرية المهدي، وهي نظرية لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا تتفق مع العقل الصحيح السليم". والجواب: أن يقال: هذا الكلام ملخص من كلام أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام" ج٣ صفحة (٢٤١ - ٢٤٤) ولو أن ابن محمود نسب الكلام إلى قائله لكان أولى له من التدليس وأوفق للأمانة العلمية، وقد ذكرت ...........................................

стр. 216

بعض هذا الكلام في أول الكتاب (١)، وذكرت قبل ذلك أن خروج المهدي في آخر الزمان من أمور الغيب التي أخبر بها رسول الله ﷺ ، وليس هو مجرد فكرة كما زعم ذلك ابن محمود تقليدًا لأحمد أمين، فليراجع ذلك (٢). وأما قوله: إنها نبعت من عقائد الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها. فجوابه: أن يقال: هذا خلاف الواقع؛ لأن الإخبار بخروج المهدي ثابت عن النبي ﷺ من رواية عدد كثير من الصحابة ﵃، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع (٣)، ففيها أبلغ رد على من زعم أن القول بخروج المهدي كان فكرة، وأنها نبعت من عقائد الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها. وأما قوله: واستغلت الشيعة أفكار الجمهور الساذجة وتحمسهم للدين والدعوة الإسلامية، فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله ﷺ في ذلك، وأحكموا أسانيدها، وأذاعوها من طرق مختلفة، فصدَّقها الجمهور الطيب لبساطته. فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في هذا القول السيئ من الطعن فيمن روى أحاديث المهدي ومن صحح بعضها وحسن بعضها، ورميهم بالسذاجة التي معناها الغباوة والتغفيل، وكذلك رميهم بالبساطة ومعناها أيضًا الغباوة والتغفيل، بحيث تروج عليهم أكاذيب الشيعة وما يلفقونه من الأحاديث الموضوعة، وهذا الطعن يتناول من روي أحاديث المهدي من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأئمة العلم والهدى من بعدهم. وإذا علم هذا، فهل يقول عاقل إن عليًا، وابن مسعود، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وجابرًا، وأم سلمة ﵃ كانوا أغبياء مغفلين، من أجل روايتهم لأحاديث المهدي؟ أم يقول ذلك فيمن روى ذلك من التابعين وأتباعهم، ومن كان بعدهم من الأئمة الحفاظ؟ أم يقول ذلك في الإمام أحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، والحارث بن أبي أسامة، وأبي يعلى الموصلي، والطبراني، وابن حبان، والحاكم من أجل أنهم خرَّجوا أحاديث المهدي في كتبهم؟ أم يقول ذلك في العقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وزين الدين العراقي، ......................................................................

стр. 217

وابن حجر العسقلاني، ونور الدين الهيثمي، وغيرهم من العلماء الذين صححوا بعضًا من أحاديث المهدي وحسنوا بعضا؟ فهل يقول ابن محمود إن هؤلاء كلهم من البسطاء السذج؛ لأنهم قبلوا الصحاح والحسان من أحاديث المهدي، وصدقوا بما جاء فيها من خبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟ أم ماذا يجيب به عن كلامه السيئ الذي أخذه من كتاب أحمد أمين، ولم يتثبت فيه، ولم يتأمل فيما يترتب عليه من اللوازم السيئة، بل جعله قضية مُسلَّمة كأنما ظفر بنص من كتاب الله -تعالى- أو من سنة نبيه ﷺ ؟ وقد تقدم عن ابن محمود (١) أنه قال: أكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضًا، وقليل منهم المحققون، وقد وقع فيما ذمه من التقليد، بل في أسوأ التقليد؛ لكونه قلَّد أحمد أمين فيما يعود بالطعن في بعض الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الحفاظ والأئمة الذين خرجوا أحاديث المهدي، وفيمن صحح بعضها وحسن بعضها من أكابر الأئمة الذين تقدم ذكرهم، وهذه سوأة لا يسترها ويزيل أثرها إلا التوبة الصادقة، ونشر ما يضادها ويبين فسادها. وأما قوله: وكانت بذلك مؤامرة شنيعة، أفسدت بها عقول الناس، وامتلأت بأحاديث تروي، وقصص تقص، نسبوا بعضها إلى النبي ﷺ ، وبعضها إلى أهل البيت، وبعضها إلى كعب الأحبار .... إلى آخر كلامه. فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما الأحاديث الثابتة في المهدي فلم يرو منها عن أهل البيت سوى ثلاثة أحاديث عن علي ﵁؛ اثنان مرفوعان، أحدهما صحيح، والآخر حسن، والثالث موقوف صحيح. وقد ذكرتُ هذه الأحاديث الثلاثة في أول الكتاب (٢)، وأما كعب الأحبار فليس له رواية في الأحاديث الثابتة في المهدي. الوجه الثاني: أن يقال: إن الأحاديث الثابتة في المهدي ليست هي التي أفسدت عقول الناس، وإنما أفسدهم الطمع في الملك وحب الرياسة والجاه، كما فعل الذين ادعوا النبوة؛ مثل الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب، وسجاح، وطليحة الأسدي، والمختار بن أبي عبيد، وغيرهم من الدجالين الذين ادعوا ................................................

стр. 218

النبوة لتحصيل الأغراض الدنيوية، فكما لا يقول عاقل إن دعوى الدجالين للنبوة تقدح في نبوة الأنبياء وتؤثر فيها، فكذلك لا يقول عاقل إن دعوى المُدَّعين للمهدية كذبًا وزورًا تقدح في الأحاديث الثابتة في المهدي، وتجعلها من قبيل الموضوعات. ومما أوقع البلبلة في عقول بعض العوام تأليف ابن محمود في إنكار المهدي ومجازفته في رد الأحاديث الثابتة فيه، وقد قال الله -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. وأما قوله: وهذا كله من جرَّاء نظرية خرافية، هي نظرية المهدي، وهي نظرية لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا تتفق مع العقل الصحيح السليم. فجوابه: أن يقال: إن خروج المهدي في آخر الزمان ثابت بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وليس ذلك من قبيل النظريات والأفكار كما زعم ذلك ابن محمود تقليدًا لأحمد أمين، ولا من قبيل الخرافات كما زعم ذلك ابن محمود أيضًا، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وإذا كان هذا الوعيد الشديد لمن خالف أمر الرسول ﷺ فكيف بمن جعل الأحاديث الثابتة عنه من قبيل النظريات والخرافات؟ وقد ذكرت أقوال بعض العلماء في التشديد على الذين يردون الأحاديث الثابتة، وأن من فعل ذلك فهو متهم على الإسلام، وقد صرح بعضهم بتكفير من فعل ذلك، فليراجع ذلك في أول الكتاب (١). وأما قوله: وهي نظرية لا تتفق مع سنة الله في خلقه ولا تتفق مع العقل الصحيح السليم. فجوابه: أن يقال: قد جاء في حديث أم سلمة ﵂ الذي تقدم ذكره في أول الكتاب (٢) أن المهدي يقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم ﷺ ، وأن الإسلام يلقي بجرانه إلى الأرض. وجاء فيما رواه علي، وابن مسعود، وأبو سعيد ﵃ عن النبي ﷺ أن المهدي يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا (٣)، وهذا وما جاء في حديث أم سلمة ..............................................................

стр. 219

-﵂ يتفق مع سنة الله في خلقه ومع العقل الصحيح السليم غاية الاتفاق، ومن زعم خلاف هذا فلا شك في فساد تصوره. فصل وقال ابن محمود في صفحة (٢٩): "التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي المنتظر": "أعلم أن أحاديث المهدي تدور بين ما يزعمونه صحيحًا وليس بصريح وبين ما يزعمونه صريحًا وليس بصحيح، وأننا بمقتضى الاستقراء والتتبع لم نجد عن النبي ﷺ حديثًا صحيحًا صريحًا يعتمد عليه في تسمية المهدي، وأن الرسول ﷺ تكلم فيه باسمه، وقد نزَّه البخاري ومسلم كتابيهما عن الخوض في أحاديث المهدي، كما أنه ليس له ذكر في القرآن، لهذا لا ننكر على من أنكره، وإنما الإنكار يتوجه على من اعتقد صحة خروجه، وسنتكلم على الأحاديث التي يزعمونها صحيحة والتي رواها أبو داود، والإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وكلها متعارضة ومختلفة، ليست بصحيحة ولا متواترة، لا بمقتضى اللفظ ولا المعنى". والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد أشار إلى تحقيقه هذا في صفحة (٨) من رسالته، وزعم أنه قد شرح فيه سائر الأحاديث التي رواها أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والإمام أحمد، والحاكم، بما لا مزيد عليه، ولا يخفى ما في كلامه هذا من الإعجاب بتحقيقه وشرحه الذي هو خال من التحقيق، وحاصله معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي بآرائه ومجازفاته لا غير، وسيأتي بيان ذلك -إن شاء الله تعالى- مع الكلام على كل حديث من الأحاديث التي زعم أنه حققها. وأما قوله: اعلم أن أحاديث المهدي تدور بين ما يزعمونه صحيحًا وليس بصريح وبين ما يزعمونه صريحًا وليس بصحيح، وأننا بمقتضى الاستقراء والتتبع لم نجد عن النبي ﷺ حديثًا صحيحًا صريحًا يعتمد عليه في تسمية المهدي، وأن الرسول ﷺ تكلم فيه باسمه. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن أحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وقد صرح بالتصحيح لبعضها والتحسين لبعض آخر كثير من الأئمة الحفاظ النقاد، وتقدم بيان ذلك في أول الكتاب.

стр. 220

وتقدم أيضًا ما نقله غير واحد من أكابر العلماء عن الآبري، أنه قال في أحاديث المهدي إنها متواترة، وقد أقروه على هذا القول، ولم يعارضه أحد منهم ولا من غيرهم من العلماء، فليراجع ما تقدم (١)، ففيه أبلغ رد على من نفى الصحة عن جميع أحاديث المهدي، ومن نفى التواتر عنها. الوجه الثاني: أن يقال: قد جاء في المهدي تسعة أحاديث من الصحاح والحسان ذكرتها في أول الكتاب (٢)، وقد صرح في خمسة منها باسم المهدي، أولها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المرفوع، فقد صرح فيه باسم المهدي في رواية لأحمد والترمذي، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن، قال: وقد روي من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي ﷺ "، ورواه الإمام أحمد أيضًا من طرق، وفيها التصريح باسم المهدي، قال الهيثمي: "رواه أحمد، وأبو يعلي، ورجالهما ثقات"، وقد أقره الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني على هذا القول؛ لأنهما قد حررا مجمع الزوائد معه، ورواه الحاكم من طريق أخرى، وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه، ورواه أبو داود ولفظه: «المهدي مِنِّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين» قال ابن القيم في"المنار المنيف": "إسناده جيد". ثانيها: حديث علي ﵁ المرفوع، وفيه: «المهدي مِنَّا أهل البيت» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وإسناد كل منهما حسن. ثالثها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يكون في أمتي المهدي» الحديث رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات"، وقد أقره الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني على هذا القول. رابعها: حديث أبي الطفيل، عن محمد بن الحنفية قال: كنا عند علي ﵁ فسأله رجل عن المهدي، فذكر الحديث، وهو موقوف وله حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف، وقد رواه الحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي على ذلك. خامسها: حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بِنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير .................

стр. 221

بعض، تكرمة الله لهذه الأمة» رواه الحارث بن أبي أسامة، قال ابن القيم في "المنار المنيف": "إسناده جيد". وفي هذه الأحاديث الخمسة أبلغ رد على قول ابن محمود إنه ليس في المهدي حديث صحيح صريح في تسمية المهدي، وقد جاء في ذلك أيضًا حديث سادس حسن، وهو ما رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم، عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»، وقد سكت أبو داود على هذا الحديث، وقال في رسالته إلى أهل مكة: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" ورمز له بالصحة، وقال العزيزي في "السراج المنير، شرح الجامع الصغير": "إسناده حسن". وإذا علم هذا، فلا ينبغي لمن له عقل وعلم أن يلتفت إلى تخرصات ابن محمود وتوهماته وجراءته على رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، ومخالفته لأقوال الأئمة الحفاظ النقاد الذين صححوا جملة منها وحسنوا جملة أخرى، فقد قال الله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان ابن محمود لم يجد حديثًا صحيحًا صريحًا يعتمد عليه في تسمية المهدي بعد استقرائه وتتبعه، فينبغي له أن لا يسارع إلى إنكار ما خفي عليه من الأحاديث الثابتة عند الأئمة الحفاظ النقاد، فقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، وقال -تعالى-: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. فليحذر ابن محمود أن يكون من أهل هاتين الآيتين وهو لا يشعر. وأما قوله: وقد نزَّه البخاري ومسلم كتابيهما عن الخوض في أحاديث المهدي، كما أنه ليس له ذكر في القرآن. فجوابه: أن يقال: هذا الكلام مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين والمستشرق دونلدسن، وقد تقدم إيراده والرد عليه في أول الكتاب، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٦): ومنها أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم كما أنه ليس له ذكر في القرآن، وقد أورده ابن محمود أيضًا في ................................................

стр. 222

صفحة (٣١)، وأحلت بالرد عليه على ما تقدم في أول الكتاب، فليراجع (١). وأما قوله: لهذا لا ننكر على من أنكره، وإنما الإنكار يتوجه على من اعتقد صحة خروجه. فجوابه: أن يقال: هذا من مصداق ما يروى عن علي ﵁ مرفوعًا: «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا»، قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم» رواه رُزَين، وعن أبي هريرة ﵁ مثله مرفوعًا رواه أبو يعلي والطبراني في الأوسط، وإسناد كل منهما ضعيف، وروى ابن وضَّاح عن ضمام بن إسماعيل المعافري عن غير واحد من أهل العلم نحو ذلك مرفوعًا. وأما قوله: وسنتكلم على الأحاديث التي يزعمونها صحيحة. فجوابه: أن يقال: قد أورد ابن محمود في تحقيقه المزعوم خمسة أحاديث من الأحاديث الضعيفة، وهي الحديث السادس الذي أوله: «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث حراث»، والحديث الثامن الذي في أوله: أن عليًا ﵁ نظر إلى ابنه الحسن فقال: «إن ابني هذا سيد»، والحديث العاشر الذي أوله: «يخرج أناس من المشرق فيواطئون للمهدي يعني سلطانه»، والحديث الذي رواه ابن ماجة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبل فتية من بني هاشم .. الحديث، والحديث الحادي عشر الذي فيه: «ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم». فهذه الأحاديث الخمسة لم يصححها أحد من أهل العلم، ومع هذا يقول ابن محمود عن الذين يعتقدون صحة خروج المهدي إنهم يزعمون أن هذه الأحاديث صحيحة، وهذا من التقول عليهم، وقد تناقض قوله في الحديث الذي فيه «ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فجعله في صفحة (٣٩) وصفحة (٥٢) من الأحاديث التي صححها القائلون بصحة خروج المهدي، وقال في أول صفحة (٥١): إنه ضعيف عندهم لمخالفته لسائر الأحاديث، وفي هذا التناقض دليل على أن ابن محمود كان يكتب ما سنح له كيفما اتفق، من غير تثبت ولا تحرير لما يكتبه.

стр. 223

وأما قوله في أحاديث المهدي التي رواها أبو داود، والإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة: إنها كلها متعارضة ومختلفة، ليست بصحيحة ولا متواترة، لا بمقتضى اللفظ ولا المعنى. فجوابه: أن يقال: قد تقدم الجواب عما زعمه من وقوع التعارض والاختلاف بين أحاديث المهدي، مع الكلام على قوله في صفحة (٦): ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها. فليراجع (١)، وتقدم الجواب عن قوله: إنها ليست بصحيحة ولا متواترة، مع الكلام على قوله في صفحة (٤): وفي الحقيقة إنها كلها غير صحيحة ولا متواترة، فليراجع أيضًا (٢). وقال ابن محمود في صفحة (٣٩) إلى صفحة (٤٢): "الحديث الأول: روى أبو داود في سننه، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة، ثم قال كلمة، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش» ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن هذا الحديث يجعلونه رأسًا وأصلا في أحاديث المهدي، بحيث يستقي منه أهل السنة الذين يصدقون بصحة خروج المهدي، كما يستقي منه الشيعة حيث يرون أن إمامهم محمد بن الحسن العسكري هو الثاني عشر، وبمقتضى التأمل لم نجد للمهدي ذكر في هذا الحديث، لا بمقتضى التصريح ولا التلميح، فالاستدلال به على فرض صحته غير موافق ولا مطابق، فإنه لا ذكر للمهدي فيه، ولم يقل في الحديث إن أحدهم المهدي حتى يكون حجة، وقد صار أمر المهدي وخروجه مشترك بين السنة والشيعة وكل منهم يستدل بهذا الحديث، وقد سماه العلامة ابن كثير في نهايته بالخليفة، وجعله بصف الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وقد قال النبي ﷺ : «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة»، وقد انتهت بوفاة علي بن أبي طالب ﵁، ولا أدري من أين وجدوا بأن رسول الله قال في هؤلاء الأئمة أن أحدهم المهدي، أو أنه الإمام أو الخليفة، وما هو إلا محض المبالغة في الغلو في القول بخروجه، حتى أعلقوا هذا الاعتقاد في قلوب بعض العلماء وأكثر العامة، وحتى أدرجوه في عقيدة أهل السنة والجماعة، والحق أن حديث جابر بن سمرة في قول النبي ﷺ : «لا ................

стр. 224

يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة» ينبغي أن يحمل على الواقع الملموس والمشاهد بالأسماع والأبصار، وذلك في حملة على حكام المسلمين الذين كانوا في القرون الثلاثة المفضلة، والذين قام بهم أمر الدنيا والدين وجماعة المسلمين؛ وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية بن أبي سفيان، ثم عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم يزيد بن الوليد، ومن بعده إلى مروان بن محمد. ثم انتقلت الإمامة إلى بني العباس؛ ومنهم المنصور، ثم ابنه المهدي، ثم هارون الرشيد، إلى من بعدهم ممن استقام بهم أمر الدنيا والدين وجماعة المسلمين. ومن بعد هؤلاء عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود الشهيد، وصلاح الدين الأيوبي. فلا ينبغي أن نبخس هؤلاء حقهم، أو ننسى محاسنهم، أو نجحد عموم عدلهم، الذي طبق مشارق الأرض ومغاربها، ثم نحمله على المهدي الذي لا يخرج بزعمهم إلا زمن عيسى ابن مريم، وهو مجهول في عالم الغيب ... إلى أن قال: فمتى قلنا إن الاثني عشر خليفة الذين استقام بهم الدين لن يخرجوا عن هؤلاء الأئمة الذين أعز الله بهم الدين، وجمع بهم شمل المسلمين، لم نكن آثمين، بدلا من أن نحيل إلى تسميته بالمهدي ثم نجعله خيالا غيبيًا يوجد في الأذهان دون الأعيان، إذ هذا من التخرص والظنون والقول على الله وعلى رسوله بغير حق". والجواب: أن يقال: قد ذكر العلماء وجوهًا كثيرة في معنى حديث جابر بن سمرة ﵄ ومن أحسنها كلام الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية"، وقد ذكر فيه عن بعض الناس أنهم قالوا في حديث جابر بن سمرة ﵄ إن فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا من قريش، وإن لم يوجدوا على الولاء، وإن المهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم، وقد ذكرت كلام ابن كثير مع الجواب عن اعتراض ابن محمود على السفاريني لمِا قال في عقيدته: منها الإمام الخاتم الفصيح ... محمد المهدي والمسيح فليراجع (١)، ولعل أبا داود كان يقول بهذا القول الذي ذكره ابن كثير، ولأجل .......

стр. 225

ذلك أورد حديث جابر بن سمرة ﵄ مع أحاديث المهدي، والله أعلم. وأما قوله: إن هذا الحديث يجعلونه رأسًا وأصلا في أحاديث المهدي، بحيث يستقي منه أهل السنة الذين يصدقون بصحة خروج المهدي، كما يستقي منه الشيعة حيث يرون أن إمامهم محمد بن الحسن العسكري هو الثاني عشر. فجوابه: أن يقال: ليس الأمر على ما زعمه ابن محمود، فإن أهل السنة لم يجعلوا حديث جابر بن سمرة ﵄ رأسًا وأصلا في أحاديث المهدي، ولم أر أحدًا من أهل الكتب الستة ذكره في أحاديث المهدي سوى أبي داود، وأما غيره فذكروه في أبواب الخلافة والإمارة، وذكره فيها أليق به، وإنما يعتمد أهل السنة في المهدي على ما رواه علي، وابن مسعود، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأم سلمة، وجابر ﵃ عن النبي ﷺ ، وقد ذكرت أحاديثهم في أول الكتاب فلتراجع (١). وأما الرافضة فليس لهم ما يتعلقون به في حديث جابر بن سمرة ﵄ لأن النبي ﷺ قال فيه: «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» وفي بعض الروايات «اثنا عشر أميرًا»، والذين يزعم الرافضة إمامتهم من أهل البيت لم يتول الخلافة منهم سوى علي بن أبي طالب وابنه الحسن ﵄ فأي رأس وأي أصل تستقي منه الرافضة من حديث جابر بن سمرة ﵄. ومن له أدنى علم وفهم لا يخفى عليه أن حديث جابر بن سمرة ﵄ بعيد كل البعد عن مطابقة ما تزعمه الرافضة في مهديهم المزعوم المعدوم محمد بن الحسن العسكري. وأما قوله: وبمقتضى التأمل لم نجد للمهدي ذكر في هذا الحديث، لا بمقتضى التصريح ولا التلميح، فالاستدلال به على فرض صحته غير موافق ولا مطابق، فإنه لا ذكر للمهدي فيه، ولم يقل في الحديث إن أحدهم المهدي حتى يكون حجة. فجوابه: أن يقال: قد لحن ابن محمود في قوله لم نجد للمهدي ذكر، وصوابه ذكرًا.

стр. 226

ويقال أيضًا: قد تقدم (١) ما ذكره ابن كثير عن بعض الناس أنهم قالوا في حديث جابر بن سمرة ﵄ إن فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا كلهم من قريش، وإن لم يوجدوا على الولاء، وإن المهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم، وقد جزم بهذا القول في تفسيره لسورة المائدة لما تكلم على هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ الآية، وذكر ما رواه الإمام أحمد عن مسروق قال: "كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله ﷺ ، كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال: «اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل» ". في إسناده مجالد بن سعيد، وثقة النسائي في رواية، وضعفه الجمهور، وحسن بعضهم حديثه، وقال ابن كثير بعد إيراده: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، قال: وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة، وذكر الحديث ثم قال: ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا، يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد منهم أربعة على نسق، وهم الخلفاء الأربعة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولا يتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ ، واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا، وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده، ثم ظهوره من سرداب سامراء، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الاثني عشر، الأئمة الاثني عشر الذين تعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم، وفي التوراة البشارة بإسماعيل ﵇ وأن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيمًا، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة". انتهى كلام ابن كثير -رحمه الله تعالى-.

стр. 227

وأما قوله: على فرض صحته. فجوابه: أن يقال: حديث جابر بن سمرة ﵄ في ذكر الخلفاء الاثني عشر قد رواه البخاري في "باب الاستخلاف" من كتاب الأحكام من صحيحه، ورواه مسلم في "كتاب الإمارة" من عدة طرق، ورواه الترمذي في "باب ما جاء في الخلفاء" من طريقين؛ قال في الأول منهم: "حسن صحيح"، وقال في الآخر: "حسن صحيح غريب" قال: "وفي الباب عن ابن مسعود وعبد الله بن عمرو"، ورواه الإمام أحمد في مسنده من عدة طرق صحيحة. فإذا كان ابن محمود قد شك في صحة حديث جابر بن سمرة ﵄ مع اتفاق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما، وزعم أن ذلك من التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي، فأحسن الله عزاءه في علمه وتحقيقه، وهذا التحقيق المتوهم مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون وتطاوله على شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكرت كلامه في ذلك والجواب عنه في أثناء الكتاب فليراجع (١). وأما قوله: وقد صار أمر المهدي وخروجه مشترك بين السنة والشيعة، وكل منهم يستدل بهذا الحديث. فجوابه: أن يقال: قد لحن ابن محمود في قوله مشترك، وصوابه مشتركًا بالنصب؛ لأنه خبر صار. ويقال أيضًا: إن منتظر الرافضة الذي يتوهمون وجوده في سرداب سامراء ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، ودعوى الرافضة فيه أنه المهدي من جنس دعوى غيرهم من الدجالين الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا، وعلى هذا فلا متعلق للروافض في حديث جابر بن سمرة ﵄ ولا في غيره من الأحاديث الواردة في المهدي. وأما قوله: وقد سماه العلامة ابن كثير في نهايته بالخليفة، وجعله بصف الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وقد قال النبي ﷺ : «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة» وقد انتهت بوفاة علي بن أبي طالب ﵁. فجوابه: أن يقال: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في المهدي إنه يعمل ..........

стр. 228

بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، ومن كان بهذه الصفة فلا شك أنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين. وأما قوله: وجعله بصف الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. فجوابه: أن يقال: إن ابن كثير -رحمه الله تعالى- لم يقل في المهدي إنه من أصحاب رسول الله ﷺ حتى يتجه الاعتراض عليه بأنه قد جعل المهدي في صف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وإنما قال فيه إنه أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وهذا الاعتراض عليه فيه؛ لأن هذه الصفة يجوز إطلاقها على كل إمام عمل بالكتاب والسنة، وبسط القسط والعدل، وأزال الجور والظلم، فكما يقال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ إنهم خلفاء راشدون وأئمة مهديون، فكذلك يقال فيمن سار على منهاجهم من أئمة العدل ولو كان في آخر الزمان، وقد أجمع العلماء على أن عمر بن عبد العزيز من أئمة العدل، وأنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين، ولم يعترض أحد من العلماء على هذا الإجماع، ولا قال أحد منهم إن هذا الإجماع يجعل عمر بن عبد العزيز في صف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃؛ وذلك لأن هؤلاء الأربعة قد امتازوا بخصائص لم تكن لمن بعدهم من الخلفاء؛ منها صحبة النبي ﷺ ، والجهاد معه، وشهادة النبي ﷺ لهم بالجنة، وكونهم من السابقين الأولين من المهاجرين، وكون خلافتهم خلافة نبوة، وأمر النبي ﷺ بالأخذ بسنته وسنتهم والتمسك بها والعض عليها بالنواجذ، وهذه الخصائص هي التي تميزهم عن غيرهم من الخلفاء، وتمنع أن يكون أحد في صفهم، ولهم من الخصائص والفضائل الكثيرة غير ما ذكرنا، وقد قال النبي ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدًا أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وفي هذين الحديثين دليل على علو منزلة الصحابة ﵃ على من بعدهم، فلا يكون أحد من التابعين ولا من بعدهم في صفهم، ولو كان خليفة راشدًا، فضلا عن أن يكون في صف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.

стр. 229

وأما قوله: وقد قال النبي ﷺ : «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة» وقد انتهت بوفاة عي بن أبي طالب ﵁. فجوابه: أن يقال: مراد النبي ﷺ بقوله: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» خلافة النبوة؛ لقوله في حديث سفينة ﵁: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وقال الترمذي: "حديث حسن"، وقد انتهت خلافة النبوة بنزول الحسن بن علي ﵄ عن الخلافة لمعاوية ﵁ وذلك بعد قتل -علي ﵁ بستة أشهر. وقد روى عبد الله بن الإمام أحمد عن أبي ريحانة- واسمه عبد الله بن مطر البصري- عن سفينة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» فقال رجل كان حاضرًا في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين سنة ستة شهور في خلافة معاوية، فقال: من ههنا أُتيتَ تلك الشهور، كانت البيعة للحسن بن علي بايعه أربعون ألفًا، أو اثنان وأربعون ألفًا. وإذا علم هذا فلا تعارض بين قول النبي ﷺ : «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» وبين ما جاء في حديث جابر بن سمرة ﵄ في ذكر الخلفاء الاثني عشر، ومثله ما تقدم في الأحاديث الثلاثة عن جابر وأبي سعيد ﵄ في ذكر الخليفة الذي يكون في آخر الزمان يحثو المال حثوًا، فإن الخلافة المقدرة بثلاثين سنة هي خلافة النبوة، وهذه الخلافة قد اختص بها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وأُكمِلت بخلافة الحسن بن علي ﵄ وأما من كان بعد الثلاثين سنة فخلافتهم خلافة ملك. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "تهذيب السنن": "والدليل على أن النبي ﷺ إنما أوقع عليهم اسم الخلافة بمعنى الملك في غير خلافة النبوة، قوله في الحديث الصحيح من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «سيكون من بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون، ويفعلون ما يؤمرون، وسيكون من بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن أنكر بَرِئ، ومن أمسك سلم، ولكن من رضي وتابع» ". قلت: هذا الحديث رواه ابن حبان في صحيحه، من حديث أبي هريرة ..........

стр. 230

-﵁. وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجة عن أبي هريرة أيضًا ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وإنه سيكون خلفاء فيكثرون» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» ففي هذا الحديث والحديث قبله إطلاق اسم الخلفاء على الملوك. وقد جاء ما يدل على أنه سيكون بعد الصحابة ﵃ خلفاء راشدون؛ فروي الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبزار، عن حبيب بن سالم قال: "سمعت النعمان بن بشير ﵄ يقول: كنا قعودًا في المسجد، وكان بشير رجلا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني ﵁ فقال: يا بشير بن سعد، أتحفظ حديث رسول الله ﷺ في الأمراء؟ وكان حذيفة ﵁ قاعدًا مع بشير، فقال حذيفة ﵁: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة ﵁ قال: رسول الله ﷺ : «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت» قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت: إني لأرجو أن يكون أمير المؤمنين - يعني عمر- بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه"، وقد رواه الطبراني في الأوسط مختصرًا، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وأما قوله: ولا أدري من أين وجدوا بأن رسول الله قال في هؤلاء الأئمة إن أحدهم المهدي أو أنه الإمام أو الخليفة؟ وما هو إلا محض البالغة في الغلو في القول بخروجه، حتى أعلقوا هذا الاعتقاد في قلوب بعض العلماء وأكثر العام، ة وحتى أدرجوه في عقيدة أهل السنة والجماعة. فجوابه: أن أقول: قد ذكرت قريبًا أن أهل السنة إنما يعتمدون في إثبات خروج المهدي على ما رواه علي، وابن مسعود، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأم سلمة، وجابر ﵃ عن النبي ﷺ ، وأما حديث جابر بن سمرة ﵄ فقد ذكروه في أبواب

стр. 231

الخلافة والإمارة وذكرت أيضًا ما ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" وفي التفسير أيضًا أن حديث جابر بن سمرة ﵄ فيه بشارة بوجود اثني عشرة خليفة صالحًا يقيم الحق، قال: "والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره"، فليراجع كلام ابن كثير ففيه كفاية في الرد على ابن محمود (١). وأما قوله: والحق أن حديث جابر بن سمرة في قول النبي ﷺ : «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة» ينبغي أن يحمل على الواقع الملموس والمشاهد بالأسماع والأبصار، وذلك في حمله على حكام المسلمين .... إلى قوله: وهو مجهول في عالم الغيب. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ما عبَّر به ابن محمود عن الواقع فيما مضى بأنه ملموس ومشاهد بالأسماع والأبصار فهو كلام غير معقول؛ لأن الواقع في الماضي إنما يعبر عنه بالعلم، ولا يعبر عنه باللمس ولا بالمشاهدة؛ لأن اللمس والمسَّ إنما يكون بمباشرة اليد أو غيرها من الأعضاء لجسم آخر من غير حائل، قال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾، وقال -تعالى-: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، وقال -تعالى-: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية، وقال النبي ﷺ لماعز: «لعلك قبَّلت أو لمست»، وقال في حديث آخر: «ومن مس الحصا فقد لغا»، وقال الشاعر: لَمست بكفي كفه أطلب الغنى ولم أدر أن الجود من كفه يعدي وأما المشاهدة بالأبصار فإنما تكون للشيء الحاضر الذي تمكن مشاهدته. وأما المشاهدة بالأسماع فغير معقول ولا يقول ذلك عاقل؛ لأن الآذان إنما جعلت للسمع لا للمشاهدة، قال الله -تعالى-: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾، وقال -تعالى-: ِ ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.

стр. 232

فأخبر ﵎ عن كل جارحة من الجوارح الأربع بما هي مخصوصة به عن غيرها من المنافع، وجعل السمع من خصائص الآذان، والبصر من خصائص الأعين، فإن كان ابن محمود يشاهد بأذنيه فذلك من خوارق العادات ومما حصل له بعد توسعه في العلوم والفنون. الوجه الثاني: أن يقال: إن حكام المسلمين في القرون الثلاثة المفضلة كان عددهم خمسة وثلاثين، وكثير منهم لا ينطبق عليهم ما جاء في حديث جابر بن سمرة ﵄ فقد جاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: «كلهم تجتمع عليه الأمة»، وبهذا يخرج خلفاء بني العباس كلهم؛ لأن الأمة لم تجتمع على أحد منهم، ويكون هشام بن عبد الملك هو آخر الذين اجتمعت عليهم الأمة، وأما عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود الشهيد، وصلاح الدين الأيوبي، فقد كانوا في القرن السادس، وليسوا من قريش، ولم تجتمع الأمة عليهم، بل كان أكثر بلاد المسلمين تحت ولاية غيرهم، فذِكرهم مع الخلفاء لا وجه له. الوجه الثالث: أن يقال: إنما كان يعرف عموم العدل في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وكذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-، فأما غيرهم فقد كانوا يستأثرون بالأموال ويضعونها في غير مواضعها، ومنهم من يصادر أموال الناس ويأخذها لنفسه أو يعطيها لغيره، ولا يعرف عن أحد بعد الخلفاء الأربعة الراشدين أن عدله طبق مشارق الأرض ومغاربها سوى عمر بن عبد العزيز، وأما المهدي الذي يخرج في آخر الزمان فقد أخبر النبي ﷺ في عدة أحاديث صحيحة أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأخبر في حديث أم سلمة ﵂ أنه يعمل بسنة النبي ﷺ ، وأن الإسلام يلقي بجرانه إلى الأرض، فهذا هو العدل الذي يطبق مشارق الأرض ومغاربها، لا ما زعمه ابن محمود فيمن سماهم من الملوك الماضين. وأما قوله: هو مجهول في عالم الغيب. فجوابه: أن يقال: قد كرر ابن محمود هذه الكلمة في عدة مواضع من رسالته، وقد تقدم الجواب عنها في أول الكتاب وفي أثنائه فليراجع (١).

стр. 233

وأما قوله: فمتى قلنا إن الاثني عشر خليفة الذين استقام بهم الدين لن يخرجوا عن هؤلاء الأئمة الذين أعز الله بهم الدين وجمع بهم شمل المسلمين لم نكن آثمين، بدلا من أن نحيل إلى تسميته بالمهدي ثم نجعله خيالا غيبيًا يوجد في الأذهان دون الأعيان، إذ هذا من التخرص والقول على الله وعلى رسوله بغير حق. فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن ابن محمود قد تهجم على الأحاديث الثابتة في المهدي، وقابلها بالرد والإنكار، وزعم أنها خرافة، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وهذا من أقبح التخرص والقول على الله وعلى رسوله بغير حق، ومن كان هذا فعله فلا شك أنه قد أتى إثمًا عظيمًا، وأنه قد عرَّض نفسه للعقوبة الشديدة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "، وقال الإمام أحمد أيضًا: "من رد أحاديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة"، وقد ذكرت ما قاله بعض العلماء من التشديد في رد الأحاديث الثابتة، حتى أن بعضهم أطلق الكفر على من فعل ذلك، فليراجع ذلك في أول الكتاب (١). الوجه الثاني: أن يقال: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأخبر أيضًا بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، وأنه يكون حكمًا عدلا وإمامًا مقسطًا، وأخبر أن يأجوج ومأجوج يخرجون على الناس في زمان عيسى ابن مريم، وأنهم يحصرون نبي الله عيسى ومن معه فيدعو عليهم فيهلكهم الله، فهل يصدق ابن محمود بخروج هؤلاء في آخر الزمان، أم يقول إن ذلك كله من الخيال الغيبي الذي يوجد في الأذهان دون الأعيان، وأن القول بخروجهم من التخرص والقول على الله وعلى رسوله بغير حق؟ فإن صدق بخروجهم انتقض قوله في المهدي؛ لأنه لا فرق بين خروجهم في آخر الزمان وبين خروج المهدي فيه، ولأن الأحاديث الدالة على خروج المهدي ثابتة عن النبي ﷺ كما أنها ثابتة في خروج القحطاني ومن ذكر معه، وإن رد الأحاديث الثابتة في خروج القحطاني ومن ذكر معه كما قد رد الأحاديث في خروج المهدي فتلك بلية من شر البلايا ومصيبة عظيمة في دين الرجل.

стр. 234

وقال ابن محمود في صفحة (٤٢) وصفحة (٤٣): "الحديث الثاني: روى أبو داود في سننه عن طريق أبي نعيم، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله رجلا مِنَّا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا»، ورواه الإمام أحمد عن طريق أبي نعيم، ورواه الترمذي، ثم أجاب ابن محمود بقوله إن هذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة، وهي ليست بصريحة في الدلالة على المعنى الذي ذكروه، إذ ليس فيها ذكر للمهدي، وعلى فرض صحته فإنه لا مانع من جعل الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين، الذين مضوا وانقضوا واستقام عليها أمر الدنيا والدين وجماعة المسلمين، فقوله مِنَّا يحتمل أن يكون من أهل ديننا وملتنا، على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا يحتمل أن يكون من المحال، فقد خلق الله الدنيا وخلق فيها المسلم والكافر والبر والفاجر، كما قال -سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لكون الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والمصارعة لا تزال قائمة بين الحق والباطل وبين المسلمين والكفار، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «ما أنتم في الأمم المكذبة للرسل إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود»، وعلى كل حال فإنه ليس في الحديث التصريح باسم المهدي ولا زمانه ولا مكانه ولا الإيمان به، ولا يمتنع كونه من جملة الخلفاء السابقين الذين استقام بهم الدين وبسطوا العدل في مشارق الأرض ومغاربها بين المسلمين وبين من يعيش معهم من المخالفين لهم في الدين، وهذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة وليست بصريحة". والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد ذكر متن حديث علي ﵁ وزعم أن ذلك رواية أبي داود، وكان غاية تحقيقه له أن أبدل رواية أبي داود برواية الإمام أحمد ونسبها لأبي داود وزاد فيها حرفًا من عنده وهو قوله "واحد"، وزعم أن الترمذي رواه وهو لم يروه، وإنما أشار إليه بعد روايته لحديث ابن ....................................

стр. 235

مسعود ﵁ حيث قال: "وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة". ثم إن ابن محمود قدح في صحة حديث علي ﵁ بدون ذكر علة في إسناده يسوغ بها القدح فيه، وزعم أنه لا مانع من جعل الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين الذين مضوا وانقضوا، ثم أبدى احتمالا أن قوله "مِنَّا" من أهل ديننا وملتنا، وأبدى احتمالاً آخر أنه من المحال وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا. هذا هو التحقيق المعتبر عند ابن محمود لحديث علي ﵁ وهو بأضغاث الأحلام أشبه منه بكلام اليقظان، فضلا عن أن يكون من التحقيق المعتبر. والكلام في الرد عليه أن يقال: أما حديث علي ﵁ فقد رواه الإمام أحمد عن حجاج وأبي نعيم، قالا: "حدثنا فطر عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، قال حجاج: سمعت عليًا ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا»، قال أبو نعيم: «رجلا مِنَّا». قال: وسمعته مرة يذكره عن حبيب، عن أبي الطفيل، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ ". إسناداه صحيحان، وقد رواه أبو داود في سننه، عن عثمان بن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، ولفظه: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا». إسناده صحيح، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه، عن الفضل بن دكين، فذكره بمثله وإسناده صحيح، وقد ذكرت توثيق الأئمة لفطر بن خليفة والرد على من قال بتضعيفه، فليراجع ذلك في أول الكتاب (١)، وفي هذه الأسانيد الصحيحة أبلغ رد على ابن محمود؛ حيث توقف في صحة حديث علي ﵁ وعلَّق القول به على فرض صحته، وفي المتن الذي رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو داود، وما فيه من النص على أن الرجل من أهل بيت النبي ﷺ أبلغ رد على الاحتمال الذي أبداه ابن محمود بأن قوله "مِنَّا" أي من أهل ديننا وملتنا. وقد جاء النص على أن المهدي من أهل بيت النبي ﷺ في عدة أحاديث عن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد ﵃، وجاء في .....................

стр. 236

روايتين عن أبي سعيد ﵁ النص على أن المهدي من عترة النبي ﷺ ، وهذه الأحاديث مذكورة في أول الكتاب (١)، وكلها ثابتة، وبعضها يفسر بعضا، ففيها أبلغ رد على احتمال ابن محمود. وأما قوله: إن هذا الحديث من الأحاديث التي ليس فيها ذكر للمهدي. فجوابه: أن يقال: قد جاء التصريح بذكر المهدي في عدة روايات عن أبي سعيد الخدري ﵁ وفي أربعة أحاديث عن علي، وأبي هريرة، وجابر ﵃، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع (٢). وأما قوله: إنه لا مانع من جعل الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين الذين مضوا وانقضوا. فجوابه: أن يقال: هذا مردود بالنص على أن الرجل من أهل بيت النبي ﷺ ، وبالنص على أن المهدي يخرج في آخر هذه الأمة، وكل من هذين النصين مانع قوي من القول بما توهمه ابن محمود؛ فأما النص على أنه من أهل بيت النبي ﷺ فقد جاء في عدة أحاديث عن علي، وابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة ﵃، وفي بعض الروايات عن أبي سعيد ﵁ النص على أنه من عترة النبي ﷺ ، وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (٣). قال ابن الأثير: "عترة الرجل، أخص أقاربه"، وقال ابن الأعرابي: "العترة، ولد الرجل وذريته، وعقبه من صلبه"، قال فعترة النبي ﷺ ولد فاطمة ﵂. وقد مضى ألف وأربعمائة سنة من الهجرة ولم يملك أحد من أهل بيت النبي ﷺ ويكون بالصفة التي جاء ذكرها في الأحاديث الثابتة؛ وهو أنه يعمل بسنة النبي ﷺ ، ويملأ الأرض عدلا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأنه يعطي المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأنه يقسم المال بالسوية بين الناس، وأن عيسى ابن مريم يصلي خلفه حين ينزل، ولا بد أن يملك هذا الرجل، ولا يعلم بزمان خروجه وملكه إلا الله -تعالى-. وأما النص على أن المهدي يخرج في آخر هذه الأمة فقد رواه الحاكم عن .............

стр. 237

أبي سعيد ﵁، وجاء في حديث جابر ﵁ أن المهدي يقول لعيسى ابن مريم إذا نزل: تعال صل بنا. وقد ذكرت هذا الحديث وحديث أبي سعيد ﵁ في أول الكتاب فليرجع إليهما (١). ففيهما أبلغ رد على قول ابن محمود: إنه لا مانع من جعل الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين الذين مضوا وانقضوا. وأما قوله: على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا يحتمل أن يكون من المحال. فجوابه: أن يقال: إنما يقول بهذا الاحتمال الباطل من يشك في عموم قدرة الله -تعالى- ونفوذ مشيئته، فأما من علم أن الله على كل شيء قدير، وأنه ما شاء الله كان، لا راد لما أراده، ولا معقب لحكمه، فإنه لا يتوقف في رد هذا الاحتمال الباطل وإنكاره غاية الإنكار، ومن الذي يحول بين الرب ﵎ وبين إخراج رجل من أهل بيت النبي ﷺ يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا. وقد روى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلا»، وفي رواية لأحمد ومسلم: «حكمًا عادلا»، وفي رواية لأحمد: «إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا»، وفي رواية له: «إماما عادلا وحكمًا مقسطًا»، وفي رواية له: «ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام». وهذه الروايات عند أحمد أسانيدها صحيحة، فهل يقول ابن محمود إن ما ذكر في هذه الروايات يحتمل أن يكون من المحال، أم يفرق بين ما جاء في عيسى ابن مريم وبين ما جاء في المهدي بفرق صحيح مقبول عند أهل العلم؟ ولن يجد إلى الفرق الصحيح سبيلا. فأما المجازفة والمكابرة والتعسف في رد الأحاديث الثابتة بالاحتمالات الباطلة، فهذا مما يتنزه عنه من له أدنى عقل ودين. ولا يخفى ما في كلام ابن محمود من التناقض؛ حيث زعم أنه لا مانع من جعل الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين الذين مضوا وانقضوا، ثم نقض ذلك بقوله: على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا يحتمل أن يكون من المحال. وهذا التناقض مما حصل لابن محمود بعد توسعه ................................................

стр. 238

في العلوم والفنون، وتهجمه على الإمام الشافعي والإمام أحمد، وتطاوله على شيخ الإسلام ابن تيمية. وأما قوله: فقد خلق الله الدنيا وخلق فيها المسلم والكافر والبر والفاجر؛ لكون الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والمصارعة لا تزال قائمة بين الحق والباطل، وبين المسلمين والكفار. فجوابه: أن يقال: لا يلزم من عموم العدل في زمن المهدي أن ينقرض الكفار والفجار من الأرض، ويزول الابتلاء والامتحان، بل يكون عموم العدل مع وجود الكفار والفجار، ومع وجود الابتلاء والامتحان، كما كان ذلك في زمن الخلفاء الراشدين، فإنهم كانوا غاية في العدل مع وجود الكفار والفجار في زمانهم، وكذلك الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فقد طبق العدل في زمانه كثيرا من الأقطار المتباعدة مع كثرة الكفار والفجار في ذلك الزمان، ومع وجود المصارعة بين الحق والباطل وبين المسلمين والكفار، وهكذا يكون الأمر في زمن المهدي، إذ لا بد له من جهاد الكفار والمنافقين، وقمع الفجار والمعاندين، وبذلك يتسنى له بسط القسط والعدل، وإزالة الجور والظلم. وقد روي الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم، عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الإمام أحمد أيضًا، ومسلم، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة»، وقد رواه الحارث ابن أبي أسامة مختصرًا، ولفظه قال رسول الله ﷺ : «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة»، وروي البيهقي في دلائل النبوة، عن عبد الرحمن بن العلاء الحضرمي قال: حدثني من سمع النبي ﷺ يقول: «إنه سيكون في آخر هذه الأمة قوم لهم مثل أجر أولهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقاتلون أهل الفتن» ..........................

стр. 239

ورواه أحمد وابن وضاح مختصرًا. وفي هذه الأحاديث دليل على أن المهدي وأصحابه يقاتلون على الحق، وأنهم يكونون ظاهرين على من ناوأهم، وأن عيسى ابن مريم ينزل عليهم وهم يقاتلون الدجال، فيصلي خلف المهدي أول ما ينزل. وقد تقدم في أول الكتاب قول أبي الحسين الآبري: "إنها قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه". انتهى، وقد ذكرت هناك عددًا من أكابر العلماء الذين نقلوا كلام الآبري وأقروه، فليراجع ما تقدم (١). والمقصود هنا بيان أن وجود الكفار والفجار في كل زمان، وكون المصارعة لا تزال قائمة بين الحق والباطل وبين المسلمين والكفار، لا يمنع من إزالة الجور والظلم وامتلاء الأرض بالقسط والعدل في زمان المهدي؛ لأن أهل الباطل يكونون حينذاك ذليلين مقموعين مقهورين، وتكون الغلبة والظهور للحق وأهله. وأما قوله: وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «ما أنتم في الأمم المكذبة للرسل إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود». فجوابه: أن يقال: إن ابن محمود قد زاد في الحديث كلمتين من عنده؛ وهما قوله: "المكذبة للرسل"، وقد رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، ولفظه عند مسلم: «ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود، أو كشعرة سوداء في ثور أبيض»، وفي رواية للبخاري ومسلم: «وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر»، وفي رواية لمسلم: «ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود»، ورواه البخاري ومسلم أيضًا عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار»، وفي رواية لمسلم: «ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض»، ورواه البخاري ولفظه قال: «ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء ..........................

стр. 240

في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود». هذه ألفاظ الحديثين عند البخاري ومسلم، وهو إخبار عما يكون يوم القيامة، وليس في شيء من ألفاظ الحديثين ما زاده ابن محمود في قوله: "المكذبة للرسل"، وقد ورد الوعيد الشديد لمن قال على النبي ﷺ ما لم يقل، وليس هذا موضع ذكر الأحاديث الواردة في ذلك. وأما قوله: وعلى كل حال فإنه ليس في الحديث التصريح باسم المهدي ولا زمانه ولا مكانه ولا الإيمان به، ولا يمتنع كونه من جملة الخلفاء السابقين، الذين استقام بهم الدين، وبسطوا العدل في مشارق الأرض ومغاربها بين المسلمين، وبين من يعيش معهم من المخالفين لهم في الدين. فجوابه: أن يقال: قد جاء في حديث علي ﵁ ما يقوم مقام التصريح باسم المهدي، ففيه النص على أنه من أهل بيت النبي ﷺ ، وأنه يكون في آخر الزمان، حتى لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعثه الله ، وأنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، ومن كان بهذه الصفة فهو المهدي المنتظر، سواء وقع التصريح باسمه في هذا الحديث أو لم يقع، وقد جاء التصريح باسمه في عدة أحاديث تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع (١). وأما التصريح بزمان المهدي ومكانه فليس ذلك شرطًا في الإيمان بخروجه، وقد ذكرت في أثناء الكتاب قول ابن محمود: وحاشا أن يفرض رسول الله على أمته الإيمان برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، لا يعلم زمانه ولا مكانه. وذكرت الجواب عن قوله: لا يعلم زمانه ولا مكانه، فليراجع ذلك في موضعه (٢). وأما الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان فذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروجه، فوجب الإيمان بذلك تصديقًا لخبر النبي ﷺ . وأما قوله: ولا يمتنع كونه من جملة الخلفاء السابقين. فجوابه: أن يقال: بل ذلك ممتنع، وقد تقدم بيان ذلك قريبًا فليراجع (٣). وأما قوله: وهذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة وليست بصريحة.

стр. 241

فجوابه: أن يقال: قد تقدم إيراد حديث علي ﵁ بأسانيده الصحيحة قريبًا وفي أول الكتاب فلتراجع (١)، ومن شك في صحة حديث علي ﵁ فذلك دليل على بعده عن معرفة الحديث، وأنه لا فرق عنده بين الصحيح منه والضعيف، وقد ذكرت قريبًا أن في حديث علي ﵁ ما يقوم مقام التصريح باسم المهدي، وأنه قد جاء التصريح باسمه في عدة أحاديث تقدم ذكرها في أول الكتاب. وقال ابن محمود في صفحة (٤٣) وصفحة (٤٤): "الحديث الثالث: روى أبو داود في سننه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «المهدي مِنِّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، يمكث في الأرض سبع سنين». ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن هذا بمعنى الحديث الأول، ما عدا الأوصاف من كونه أجلى الجبهة أقنى الأنف، وهذه الأوصاف موجودة في كثير من الناس وخاصة الأشراف، فلا تفيد بالمهدي علمًا ولا يقينًا، ورسول الله ﷺ منزه عن أن يحيل أمته على هذه الأوصاف الموجودة في أكثر بني آدم، ولا يأتي من اتصف بها بكتاب من ربه يصدق قوله، ولا بدين جديد يكمل به دين محمد رسول الله، وليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، وقد صارت دعوى المهدي والاتصاف بالأوصاف المذكورة مركبا للكذابين الدجالين، فكل واحد منهم يحاول أن يكون هو، فيقع الناس في مشكلة لم تحل وفتنة لا تنتهي، يتوارثها جيل بعد جيل حتى تقوم الساعة، وحاشا أن يأتي بها رسول الله لأمته". والجواب عما يتعلق بالحديث من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن ابن محمود قد حرَّف في لفظ الحديث؛ فأسقط منه كلمتين، وغير كلمة، وزاد كلمتين من عنده، ولفظه عند أبي داود، قال رسول الله ﷺ : «المهدي مني أجلي الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا يملك سبع سنين». الوجه الثاني: أن يقال: قد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في كتابه "المنار المنيف" وقال: "إسناده جيد"، وقد رواه الإمام أحمد بنحو رواية أبي داود وإسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه أيضًا بلفظ آخر وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح على ..........

стр. 242

شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، ورواه الإمام أحمد أيضًا بأسانيد بعضها على شرط مسلم، ورواه الترمذي وحسنه، ورواه الحاكم أيضًا من طريقين، قال في أحدهما: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي، وصحح الآخر، ووافقه الذهبي. وقد تقدم إيراد الروايات عن أبي سعيد ﵁ والكلام عليها مبسوطًا في أول الكتاب فليراجع (١)، ففيه رد على مجازفات ابن محمود في معارضته لهذا الحديث، وزعمه في أول الفصل أنه من الأحاديث التي ليست بصحيحة. وأما قوله: إن هذا الحديث بمعنى الحديث الأول ما عدا الأوصاف من كونه أجلى الجبهة، أقنى الأنف، وهذه الأوصاف موجودة في كثير من الناس، فلا يفيد بالمهدي علمًا ولا يقينًا. فجوابه: أن يقال: إنما يعرف المهدي ويشتهر بعمله بسنة النبي ﷺ ، وبسطه للقسط والعدل، وإزالته للجور والظلم، وهذه الأوصاف نادرة الوجود، ويضاف إلى ذلك كونه من أهل بيت النبي ﷺ ، وأن اسمه يواطئ اسم النبي ﷺ ، واسم أبيه يواطئ اسم أبي النبي ﷺ ، وأنه يشبه النبي ﷺ في الخُلُق بضم الخاء، وقد جاء ذلك في حديثين عن علي وابن مسعود ﵄؛ فأما حديث علي ﵁ فرواه أبو داود، عن أبي إسحاق قال: قال علي ﵁ ونظر إلى ابنه الحسن فقال: «إن ابني هذا سيد كما سماه النبي ﷺ ، وسيخرج من صلبه رجل يمسى باسم نبيكم ﷺ ، يشبهه في الخُلُق ولا يشبهه في الخلق، ثم ذكر قصة يملأ الأرض عدلا»، وأما حديث ابن مسعود ﵁ فرواه ابن حبان في صحيحه، ولفظه قال رسول الله ﷺ : «يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي وخلقه خلقي، فيملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وجورًا». وهذا الحديث الصحيح يؤيد حديث علي ﵁ ويقويه، قال شمس الحق في "عون المعبود" في الكلام على حديث علي ﵁: "يشبهه في الخلق؛ بضم الخاء واللام وتسكن، ولا يشبهه في الخلق؛ بفتح الخاء وسكون اللام؛ أي يشبهه في السيرة، ولا يشبهه في الصورة". انتهى، وهذه الصفة نادرة الوجود. وأما وصفه بأنه أجلى الجبهة، أقنى الأنف، فذلك زيادة إيضاح في التعريف به. وأما قوله: ورسول الله ﷺ منزه عن أن يحيل أمته على هذه الأوصاف الموجودة في أكثر بني آدم.

стр. 243

فجوابه: أن يقال: إنما ينزه النبي ﷺ عما يكون فيه عيب له أو لحديثه، وليس في إخباره ﷺ عن المهدي بأنه أجلى الجبهة أقنى الأنف ما يقتضي العيب له ﷺ أو لحديثه، فتنزيهه عن ذلك لغو لا يقوله عاقل، وينبغي تنزيه النبي ﷺ عن لغو المعارضين للأحاديث الثابتة عنه. ويقال أيضًا: لو أن ابن محمود قال: إن هذه الأوصاف موجودة في كثير من الناس لكان لقوله وجه يحتمل، فأما قوله إن هذه الأوصاف موجودة في أكثر بني آدم فذلك غير مُسلّم، والقنا في الأنف أقل بكثير من الجلاء في الجبهة كما هو معلوم بالمشاهدة، وأما اجتماع الصفتين فذلك نادر في الرجال. وأما قوله: ولا يأتي من اتصف بها بكتاب من ربه يصدق قوله، ولا بدين جديد يكمل به دين محمد رسول الله، وليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل. فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في كلام ابن محمود من المجازفة التي تدل على فساد التصور، وهل يدور في عقل من له أدنى عقل وعلم أنه من الممكن أن يأتي أحد بعد محمد ﷺ بكتاب من الله يصدق قوله؟ وهل يدور في عقل من له أدنى عقل وعلم أنه من الممكن أن دين محمد ﷺ ناقص، وأنه من الممكن أن يأتي أحد بدين جديد يكمل به دين محمد ﷺ ؟ وهل يدور في عقل من له أدنى عقل وعلم أن ملكًا مقربًا ينزل من السماء ويقول إنه المهدي؟ وهل يدور في عقل من له أدنى عقل وعلم أن المهدي المبشر به يجترئ على أن يقول إنه ملك مقرب أو نبي مرسل، أو أنه يأتي بدين جديد، أو بكتاب من الله يصدق قوله، أو يقول إن دين الإسلام ناقص، وإن إكماله يكون على يديه؟! فكل هذه الأقوال الوخيمة لا تدور في العقل السليم، وإنما تدور في أفكار الذين في عقولهم خلل شديد. وإذا كان نبي الله عيسى ابن مريم ﵊ الذي هو أحد أولي العزم من الرسل إذا نزل في آخر الزمان إنما يحكم بالكتاب والسنة، ولا يأتي بكتاب جديد ولا بدين جديد يكمل به دين محمد ﷺ ، فغيره من الناس أولى أن لا يأتي بكتاب جديد ولا بدين جديد بعد محمد ﷺ . وإذا علم هذا، فلو زعم رجل أنه المهدي، وأنه أتى بكتاب من الله، أو قال إن دين الإسلام ناقص وإنه أتى ليكمله، لحكم كل مؤمن له أدنى علم ومعرفة أنه دجال من الدجالين، إن لم يكن مسلوب العقل.

стр. 244

وهذه الشطحات التي زعم قائلها أنها من التحقيق المعتبر لأحاديث المهدي ومن شرح أحاديثه بما لا مزيد عليه، هي مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون. وأما قوله: وقد صارت دعوى المهدي والاتصاف بالأوصاف المذكورة مركبًا للكذابين الدجالين، فكل واحد منهم يحاول أن يكون هو، فيقع الناس في مشكلة لم تحل، وفتنة لا تنتهي، يتوارثها جيل بعد جيل حتى تقوم الساعة. فجوابه: أن يقال: قد ادعى النبوة أناس كثيرون، ولم تكن دعواهم قادحة في نبوة الأنبياء ولا مؤثرة فيها بشيء، فكذلك دعوى المدعين للمهدية كذبًا وزورا، لا تقدح في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، ولا تؤثر فيها بشيء، وكلما ادعى النبوة أو المهدية أحد من الكذابين فضحه الله وأخزاه، وحل مشكلته وأزال فتنته، ولم تدم مشاكل المدعين للنبوة ولا مشاكل المدعين للمهدية وفتنهم، ولا توارثتها الأجيال، وإنما تقع في الحين بعد الأحيان الكثيرة ثم تنقطع، وقد يكون لبعضهم اتباع من الهمج الرعاع؛ كالقاديانية، والبابية، وأشباههم ممن هم أضل سبيلا من الأنعام، وهؤلاء خارجون من الإسلام وإن ادعوا أنهم من أهله. وأما قوله: حتى تقوم الساعة. فجوابه: أن يقال: هذا من الرجم بالغيب، ولا يعلم ماذا يكون في المستقبل إلا الله -تعالى-. وأما قوله: وحاشا أن يأتي بها رسول الله لأمته. فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن الرسول ﷺ مبلغ عن الله -تعالى- كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وقد ثبت عن النبي ﷺ من وجوه متعددة أنه أخبر أمته بخروج المهدي في آخر الزمان، كما أخبرهم بغير ذلك مما كان فيما مضى وما سيكون في المستقبل من أشراط الساعة وغيرها، وما يكون بعد قيام الساعة، وكل ما ثبت عنه فإنه يجب الإيمان به؛ لقوله في الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. فأما مقابلة أخباره الثابتة عنه ..............................................

стр. 245

بالتلبيس والتشكيك والأساليب المنحرفة، فذلك من أفعال أهل الأهواء والعقائد الفاسدة. الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي ﷺ لم يخبر أمته بما يتحاشى عنه من الأمور التي لا فائدة في ذكرها، وإنما أخبرهم بخروج رجل من أهل بيه يعمل بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا، ويزيل الجور والظلم، ويكون خروجه في آخر الزمان نعمة على هذه الأمة، وهذا مما لا يتحاشى النبي ﷺ عن الإخبار به؛ لما في ذلك من البشارة للمؤمنين. وقال ابن محمود في صفحة (٤٤): "الحديث الرابع: روى أبو داود في سننه، عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي ومن فاطمة». ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن علي بن أبي طالب ﵁، وأم سلمة، وأبا سعيد الخدري، وابن مسعود، وسائر الصحابة كلهم -إن شاء الله- منزهون عن الكذب على رسول الله ﷺ ، وإنما حدث وضع هذه الأحاديث وصياغتها من الغلاة الزنادقة، وقد تعقب صاحب تهذيب السنن على حديث أم سلمة هذا وأعله بالبطلان، قال أبو جعفر العقيلي: "إن هذا الحديث يروى عن أبي نفيل العقيلي، وإنه من قول نفيل، ولا يتابع عليه، ولا نعرفه إلا منه"، وذكر البخاري أن في سنده زياد بن بيان وقد وهم في رفعه إلى رسول الله ﷺ ، فهذا الحديث مما قلنا إنه صريح في ذكر المهدي لكنه ليس بصحيح، لا في سنده ولا متنه، ولم يحفظ عن رسول الله اسم العترة، وهم أقارب الشخص، ولا اسم المهدي". والجواب أن يقال: إن ابن محمود قد غير في لفظ الحديث؛ حيث قال: «ومن فاطمة»، وصوابه «من ولد فاطمة». وأما قوله: وإنما حدث وضع هذه الأحاديث وصياغتها من الغلاة الزنادقة. فجوابه: أن يقال: أما الأحاديث الثابتة في المهدي عن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأم سلمة، وجابر ﵃ فهذه لا سبيل للغلاة الزنادقة إليها؛ لأن رواتها كلهم ثقات من لدن الصحابة ﵃ إلى الأئمة المخرجين لها في كتبهم، وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع (١). ففيها أبلغ رد على مزاعم ابن محمود ومجازفاته التي قالها من غير تثبت، وإني أتحدى ابن محمود أن يبرر ...........

стр. 246

زعمه الذي هو بعيد كل البعد عن الصحة؛ وذلك بأن يخرج لنا من أسانيد هذه الأحاديث الثابتة رجلا من الغلاة الزنادقة، ولن يجد إلى ذلك سبيلا. وأما الأحاديث التي في أسانيدها مقال، فمنها ما تؤيده الأحاديث الصحيحة وتشهد له. وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- جملة منها في كتابه "المنار المنيف"، ومثل هذه الأحاديث يقتصر فيها على القول بأنها ضعيفة، ولا يقال إنها موضوعة، وإنما يقطع بالوضع فيما يكون في إسناده وضَّاع معروف بالوضع. الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي ﷺ قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم». رواه البخاري ومسلم، من حديث ابن عباس ﵄ وهذا لفظ مسلم، ورواه البيهقي في سننه وزاد: «ولكن البينة على المدعي»، قال النووي: "إسناده حسن أو صحيح". وإني أطالب ابن محمود بإقامة البينة على ما ادَّعاه من وضع الأحاديث الثابتة في المهدي؛ وذلك بأن ينقل نقلاً ثابتًا عن المصنفين في الموضوعات أنهم ذكروا منها أحاديث علي، وابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأم سلمة، وجابر ﵃ في المهدي، وهي التي تقدم ذكرها في أول الكتاب، وأن يذكر الكتاب الذي ذكر فيه ذلك، والصفحات التي ذكر فيها ذلك، ولن يجد إلى ذلك سبيلا البتة، وكذلك لا يجد سبيلا إلى الحكم بالوضع على كثير من الأحاديث الضعيفة التي رواها أبو داود وابن ماجة وغيرهما في المهدي؛ لأنه ليس في شيء من أسانيدها وضاع ولا كذاب ولا من أجمع العلماء على تركه، وإنما الأمر فيها كما تقدم في الوجه الأول أنه يقتصر على القول بأنها ضعيفة، ولا يتجاوز ذلك إلى الحكم عليها بالوضع. الوجه الثالث: أن يقال: إن ابن محمود قد سلك مسلك بعض الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لنظرياتهم وأفكارهم الخاطئة، ويتسرعون بالحكم عليها بالوضع بدون مسند صحيح يعتمدون عليه، وإنما يعمدون على المجازفات والتخرصات والتوهمات التي هي من وحي الشيطان وتضليله، وقد قلَّدهم ابن محمود في زعمهم أن جميع الأحاديث الواردة في المهدي من وضع الغلاة الزنادقة وصياغتهم، وقد ذكر عنه في أول الكتاب أنه قال إن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء، وإن أصل من تبني هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، وإن عبد الله بن سبأ أخذ هو وشيعته يعملون عملهم في ......

стр. 247

صياغة الأحاديث ووضعها على لسان رسول الله ﷺ ، وذكرت أيضًا أنه أخذ هذا التلفيق من كلام رشيد رضا، وأحمد أمين، وسعد محمد حسن، فليراجع ما تقدم، وليراجع الجواب عنه، ففيه كفاية في الرد على ما زعمه ابن محمود ههنا (١). وأما قوله: وقد تعقب صاحب "تهذيب السنن" على حديث أم سلمة هذا وأعله بالبطلان، قال أبو جعفر العقيلي: "إن هذا الحديث يُروى عن أبي نفيل العقيلي، وإنه من قول نفيل ولا يتابع عليه ولا نعرفه إلا منه"، وذكر البخاري أن في سنده زياد بن بيان، وقد وهم في رفعه إلى رسول الله ﷺ . فجوابه: أن يقال: هكذا يكون التحقيق الذي حث ابن محمود على الرجوع إليه، وزعم أنه تحقيق معتبر وأنه لا مزيد عليه. وأقول لا شك أنه لا مزيد عليه في التخليط والتقول على العلماء، ومن طالع "تهذيب السنن" للمنذري لم يخف عليه ذلك. وأنا أذكر كلام المنذري بالنص ثم أبين ما وقع في كلام ابن محمود من التخليط والتقول على المنذري وغيره، قال المنذري في "تهذيب السنن": ((وفي حديث أبي داود قال عبد الله بن جعفر - وهو الرقي-: "وسمعت أبا المليح - يعني الحسن بن عمر الرقي - يثني على علي بن نفيل ويذكر منه صلاحًا"، وقال أبو حاتم الرازي: "علي بن نفيل جد النفيلي لا بأس به"، وقال أبو جعفر العقيلي: "علي بن نفيل، حراني، هو جد النفيلي، عن سعيد بن المسيب في المهدي لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به" وساق هذا الحديث، وقال في المهدي: "أحاديث جياد من غير هذا الوجه بخلاف هذا اللفظ، بلفظ "رجل من أهل بيته" على الجملة مجملا" هذا آخر كلامه، وفي إسناد هذا الحديث أيضًا زياد بن بيان، قال الحافظ أبو أحمد بن عدي: "زياد بن بيان سمع علي بن نفيل جد النفيلي، وفي إسناده نظر، سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري" وساق الحديث، وقال: "والبخاري إنما أنكر من حديث زياد بن بيان هذا الحديث وهو معروف به" هذا آخر كلامه، وقال غيره: "وهو كلام معروف من كلام سعيد بن المسيب، والظاهر أن زياد بن بيان وهم في رفعه")) انتهى كلام المنذري. وقد زعم ابن محمود أن صاحب "تهذيب السنن" تعقب على حديث أم سلمة وأعله بالبطلان. وأقول: إن هذا من التقول على المنذري، فإنه لم يقل إن الحديث باطل ولا أشار ......

стр. 248

إلى ذلك، ألا يتقي الله ابن محمود فيما ينقل عن العلماء؟! وزعم ابن محمود أيضًا أن أبا جعفر العقيلي قال: إن هذا الحديث يروى عن أبي نفيل العقيلي، وإنه من قول نفيل ولا يتابع عليه ولا نعرفه إلا منه. وأقول: إن هذا من التخليط والتقول على العقيلي، ومن قابل بين كلام العقيلي وبين كلام ابن محمود لم يخف عليه ذلك، ومن تخليطه أيضًا قوله: عن أبي نفيل العقيلي، وصوابه: عن ابن نفيل جد النفيلي. وزعم ابن محمود أيضًا أن البخاري ذكر أن في سنده زياد بن بيان وقد وهم في رفعه إلى رسول الله ﷺ . وأقول: إن الذي قال إن في إسناد الحديث زياد بن بيان هو المنذري، والذي قال والظاهر أن زياد بن بيان وهم في رفعه هو ابن الجوزي، قال ذلك في "العلل المتناهية"، ونقل المنذري كلامه وأشار إليه بقوله: وقال غيره. ولم يُسمِّه، وأما البخاري فقال في "التاريخ الكبير" في ترجمة زياد بن بيان: "قال عبد الغفار بن داود: حدثنا أبو المليح الرقي، سمع زياد بن بيان- وذكر من فضله-، سمع علي بن نفيل جد النفيلي، سمع سعيد بن المسيب، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ : «المهدي حق، وهو من ولد فاطمة» قال أبو عبد الله - أي البخاري-:في إسناده نظر". هذا كلام البخاري لا ما جاء به ابن محمود من كيسه. وأما قوله: فهذا الحديث مما قلنا إنه صريح في ذكر المهدي، لكنه ليس بصحيح لا في سنده ولا متنه. فجوابه: أن يقال: إن أبا داود قد سكت على هذا الحديث، وقد قال في رسالته إلى أهل مكة: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، وقال العزيزي في "السراج المنير، شرح الجامع الصغير": "إسناده حسن"، وفي هذا رد لما زعمه ابن محمود من أن الحديث ليس بصحيح في سنده ولا متنه. وأما قوله: ولم يحفظ عن رسول الله اسم العترة؛ وهم أقارب الشخص، ولا اسم المهدي. فجوابه: أن يقال: بل الاسمان محفوظان عن النبي ﷺ ؛ فأما اسم العترة فقد جاء التصريح به في روايتين عن أبي سعيد الخدري ﵁، روى إحداهما ....................

стр. 249

الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقال رسول الله ﷺ فيها: «ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي»، ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه. وأما الرواية الأخرى فرواها الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقال رسول الله ﷺ فيها: «فيخرج رجل من عترتي»، ورواه لحاكم في مستدركه وقال: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي. وقد ذكرت هاتين الروايتين في أول الكتاب (١). وأما اسم المهدي فقد جاء التصريح به في عدة روايات عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفي أربعة أحاديث عن علي، وأبي هريرة، وجابر ﵃، وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (٢)، ففيها أبلغ رد على ابن محمود. وقال ابن محمود في صفحة (٤٥) وصفحة (٤٦) وصفحة (٤٧): "الحديث الخامس: روى أبو داود عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدنية هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام فتخسف بهم البيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثًا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، أو قال: بيعة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيه، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون». ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن هذا الحديث ليس بصحيح ولا بصريح، وليس للمهدي فيه سوى ذكر رجل خرج هاربًا من المدينة إلى مكة، ويبعد كل البعد أن يصدر هذا الخبر عن أم سلمة؛ فإنها ليست معروفة برواية الحديث كهذا، وبطلانه يظهر من دراسته، ولقد صرح السيوطي في كتاب "اللآلئ المصنوعة" بأنه موضوع؛ والموضوع هو المكذوب على الرسول، وكم من خليفة قد مات فوقع من بعده اختلاف، ولما قتل ابن الزبير ألزم الحجاج الناس بأن يبايعوا لعبد الملك بن مروان بين الركن والمقام، أفيقال إنه هو؟ وليس من شأن الرسول ولا من شأن عالم الغيب أن يخبر أمته بكل حادثة تحدث من بعد موته إلى يوم القيامة، وقد رأيت ...................................................................

стр. 250

لشيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا ينكر فيه حديث أبدال الشام ورايات العراق، ويقول إنه لا صحة له ... إلى أن قال: فكم من رجل من قريش تولى الحكم على الناس، وألقى الإسلام بجرانه في زمانه، وأجمعت عليهم كلمته، واستفادوا في زمانه بالإيمان والأمان وزيادة الاطمئنان، ثم نشر العدل في جميع الأوطان، ومكث في ولايته سنين طويلة دون أن يسمى المهدي، أما هذا الرجل الذي لا يمكث في ولايته على الناس إلا سبع سنين فإنه فيء زائل، وكيف يملأ الأرض عدلا في سبع سنين وقد ملئت جورًا وكفرًا؟! فهل يغزو الناس بالأحلام في المنامات، أو يغزو الناس بالملائكة أو بالجن؟! وهل هذا الرجل أفضل من رسول الله ﷺ ، الذي جادل وجاهد وصبر على اللأواء والضنك والشدة، وأوذي في الله وشج رأسه وكسرت رباعيته، ومشي على طريق السنن المعتادة واستقام على ذلك ثلاثًا وعشرين سنة، ولم يتمكن من ملء الأرض عدلا إلا في الجزيرة العربية التي هي بمثابة النقطة بالنسبة إلى سعة الدنيا؟ ومتى صدقنا بهذا الحديث فإننا نكون ممن يفضل هذا الرجل على النبي محمد ﷺ ، مع العلم أنه لم يذكر اسم المهدي فيه فسقط الاستدلال به؛ إذ الرجل مبهم، وتعيين شخص معين هو حكم بغير علم؛ إذ هذا يعود إلى علم الغيب". والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد غير في الحديث وزاد فيه كلمة من عنده، فأما التغيير ففي قوله: فخسف بهم البيداء، وصوابه «فيخسف بهم بالبيداء»، وأما الكلمة التي زادها فهي قوله: أو قال بيعة كلب، وهذه الكلمة ليست في الحديث، وقال أيضًا: ويعمل في الناس بسنة نبيه، ولفظه عند أحمد وأبي داود وأبي يعلي وابن حبان: «ويعمل في الناس بسنة نبيهم ﷺ ». وأما قوله: إن هذا الحديث ليس بصحيح. فجوابه: أن يقال: هلا ذكر ابن محمود العلة القادحة في سنده، حتى ينظر في كلامه هل هو صحيح أم لا؟! فأما القدح فيه بمجرد الدعوى فذلك مردود عليه. ويقال أيضًا: إن أبا داود قد سكت عليه، وقد قال في رسالة إلى أهل مكة: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وسكت عليه المنذري في تهذيبه، ولو كان فيه علة لذكرها، وقد رواه ابن حبان في صحيحه، والطبراني في الأوسط مختصرًا، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح"، وقد أقره الحافظان؛ زين الدين ......................
следующие страницы →