← Акыда

Акыда · id 36046

الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (408 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

زعمه الذي هو بعيد كل البعد عن الصحة؛ وذلك بأن يخرج لنا من أسانيد هذه الأحاديث الثابتة رجلا من الغلاة الزنادقة، ولن يجد إلى ذلك سبيلا. وأما الأحاديث التي في أسانيدها مقال، فمنها ما تؤيده الأحاديث الصحيحة وتشهد له. وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- جملة منها في كتابه "المنار المنيف"، ومثل هذه الأحاديث يقتصر فيها على القول بأنها ضعيفة، ولا يقال إنها موضوعة، وإنما يقطع بالوضع فيما يكون في إسناده وضَّاع معروف بالوضع. الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي ﷺ قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم». رواه البخاري ومسلم، من حديث ابن عباس ﵄ وهذا لفظ مسلم، ورواه البيهقي في سننه وزاد: «ولكن البينة على المدعي»، قال النووي: "إسناده حسن أو صحيح". وإني أطالب ابن محمود بإقامة البينة على ما ادَّعاه من وضع الأحاديث الثابتة في المهدي؛ وذلك بأن ينقل نقلاً ثابتًا عن المصنفين في الموضوعات أنهم ذكروا منها أحاديث علي، وابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأم سلمة، وجابر ﵃ في المهدي، وهي التي تقدم ذكرها في أول الكتاب، وأن يذكر الكتاب الذي ذكر فيه ذلك، والصفحات التي ذكر فيها ذلك، ولن يجد إلى ذلك سبيلا البتة، وكذلك لا يجد سبيلا إلى الحكم بالوضع على كثير من الأحاديث الضعيفة التي رواها أبو داود وابن ماجة وغيرهما في المهدي؛ لأنه ليس في شيء من أسانيدها وضاع ولا كذاب ولا من أجمع العلماء على تركه، وإنما الأمر فيها كما تقدم في الوجه الأول أنه يقتصر على القول بأنها ضعيفة، ولا يتجاوز ذلك إلى الحكم عليها بالوضع. الوجه الثالث: أن يقال: إن ابن محمود قد سلك مسلك بعض الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لنظرياتهم وأفكارهم الخاطئة، ويتسرعون بالحكم عليها بالوضع بدون مسند صحيح يعتمدون عليه، وإنما يعمدون على المجازفات والتخرصات والتوهمات التي هي من وحي الشيطان وتضليله، وقد قلَّدهم ابن محمود في زعمهم أن جميع الأحاديث الواردة في المهدي من وضع الغلاة الزنادقة وصياغتهم، وقد ذكر عنه في أول الكتاب أنه قال إن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء، وإن أصل من تبني هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، وإن عبد الله بن سبأ أخذ هو وشيعته يعملون عملهم في ......

стр. 247

صياغة الأحاديث ووضعها على لسان رسول الله ﷺ ، وذكرت أيضًا أنه أخذ هذا التلفيق من كلام رشيد رضا، وأحمد أمين، وسعد محمد حسن، فليراجع ما تقدم، وليراجع الجواب عنه، ففيه كفاية في الرد على ما زعمه ابن محمود ههنا (١). وأما قوله: وقد تعقب صاحب "تهذيب السنن" على حديث أم سلمة هذا وأعله بالبطلان، قال أبو جعفر العقيلي: "إن هذا الحديث يُروى عن أبي نفيل العقيلي، وإنه من قول نفيل ولا يتابع عليه ولا نعرفه إلا منه"، وذكر البخاري أن في سنده زياد بن بيان، وقد وهم في رفعه إلى رسول الله ﷺ . فجوابه: أن يقال: هكذا يكون التحقيق الذي حث ابن محمود على الرجوع إليه، وزعم أنه تحقيق معتبر وأنه لا مزيد عليه. وأقول لا شك أنه لا مزيد عليه في التخليط والتقول على العلماء، ومن طالع "تهذيب السنن" للمنذري لم يخف عليه ذلك. وأنا أذكر كلام المنذري بالنص ثم أبين ما وقع في كلام ابن محمود من التخليط والتقول على المنذري وغيره، قال المنذري في "تهذيب السنن": ((وفي حديث أبي داود قال عبد الله بن جعفر - وهو الرقي-: "وسمعت أبا المليح - يعني الحسن بن عمر الرقي - يثني على علي بن نفيل ويذكر منه صلاحًا"، وقال أبو حاتم الرازي: "علي بن نفيل جد النفيلي لا بأس به"، وقال أبو جعفر العقيلي: "علي بن نفيل، حراني، هو جد النفيلي، عن سعيد بن المسيب في المهدي لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به" وساق هذا الحديث، وقال في المهدي: "أحاديث جياد من غير هذا الوجه بخلاف هذا اللفظ، بلفظ "رجل من أهل بيته" على الجملة مجملا" هذا آخر كلامه، وفي إسناد هذا الحديث أيضًا زياد بن بيان، قال الحافظ أبو أحمد بن عدي: "زياد بن بيان سمع علي بن نفيل جد النفيلي، وفي إسناده نظر، سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري" وساق الحديث، وقال: "والبخاري إنما أنكر من حديث زياد بن بيان هذا الحديث وهو معروف به" هذا آخر كلامه، وقال غيره: "وهو كلام معروف من كلام سعيد بن المسيب، والظاهر أن زياد بن بيان وهم في رفعه")) انتهى كلام المنذري. وقد زعم ابن محمود أن صاحب "تهذيب السنن" تعقب على حديث أم سلمة وأعله بالبطلان. وأقول: إن هذا من التقول على المنذري، فإنه لم يقل إن الحديث باطل ولا أشار ......

стр. 248

إلى ذلك، ألا يتقي الله ابن محمود فيما ينقل عن العلماء؟! وزعم ابن محمود أيضًا أن أبا جعفر العقيلي قال: إن هذا الحديث يروى عن أبي نفيل العقيلي، وإنه من قول نفيل ولا يتابع عليه ولا نعرفه إلا منه. وأقول: إن هذا من التخليط والتقول على العقيلي، ومن قابل بين كلام العقيلي وبين كلام ابن محمود لم يخف عليه ذلك، ومن تخليطه أيضًا قوله: عن أبي نفيل العقيلي، وصوابه: عن ابن نفيل جد النفيلي. وزعم ابن محمود أيضًا أن البخاري ذكر أن في سنده زياد بن بيان وقد وهم في رفعه إلى رسول الله ﷺ . وأقول: إن الذي قال إن في إسناد الحديث زياد بن بيان هو المنذري، والذي قال والظاهر أن زياد بن بيان وهم في رفعه هو ابن الجوزي، قال ذلك في "العلل المتناهية"، ونقل المنذري كلامه وأشار إليه بقوله: وقال غيره. ولم يُسمِّه، وأما البخاري فقال في "التاريخ الكبير" في ترجمة زياد بن بيان: "قال عبد الغفار بن داود: حدثنا أبو المليح الرقي، سمع زياد بن بيان- وذكر من فضله-، سمع علي بن نفيل جد النفيلي، سمع سعيد بن المسيب، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ : «المهدي حق، وهو من ولد فاطمة» قال أبو عبد الله - أي البخاري-:في إسناده نظر". هذا كلام البخاري لا ما جاء به ابن محمود من كيسه. وأما قوله: فهذا الحديث مما قلنا إنه صريح في ذكر المهدي، لكنه ليس بصحيح لا في سنده ولا متنه. فجوابه: أن يقال: إن أبا داود قد سكت على هذا الحديث، وقد قال في رسالته إلى أهل مكة: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، وقال العزيزي في "السراج المنير، شرح الجامع الصغير": "إسناده حسن"، وفي هذا رد لما زعمه ابن محمود من أن الحديث ليس بصحيح في سنده ولا متنه. وأما قوله: ولم يحفظ عن رسول الله اسم العترة؛ وهم أقارب الشخص، ولا اسم المهدي. فجوابه: أن يقال: بل الاسمان محفوظان عن النبي ﷺ ؛ فأما اسم العترة فقد جاء التصريح به في روايتين عن أبي سعيد الخدري ﵁، روى إحداهما ....................

стр. 249

الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقال رسول الله ﷺ فيها: «ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي»، ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه. وأما الرواية الأخرى فرواها الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقال رسول الله ﷺ فيها: «فيخرج رجل من عترتي»، ورواه لحاكم في مستدركه وقال: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي. وقد ذكرت هاتين الروايتين في أول الكتاب (١). وأما اسم المهدي فقد جاء التصريح به في عدة روايات عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفي أربعة أحاديث عن علي، وأبي هريرة، وجابر ﵃، وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (٢)، ففيها أبلغ رد على ابن محمود. وقال ابن محمود في صفحة (٤٥) وصفحة (٤٦) وصفحة (٤٧): "الحديث الخامس: روى أبو داود عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدنية هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام فتخسف بهم البيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثًا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، أو قال: بيعة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيه، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون». ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن هذا الحديث ليس بصحيح ولا بصريح، وليس للمهدي فيه سوى ذكر رجل خرج هاربًا من المدينة إلى مكة، ويبعد كل البعد أن يصدر هذا الخبر عن أم سلمة؛ فإنها ليست معروفة برواية الحديث كهذا، وبطلانه يظهر من دراسته، ولقد صرح السيوطي في كتاب "اللآلئ المصنوعة" بأنه موضوع؛ والموضوع هو المكذوب على الرسول، وكم من خليفة قد مات فوقع من بعده اختلاف، ولما قتل ابن الزبير ألزم الحجاج الناس بأن يبايعوا لعبد الملك بن مروان بين الركن والمقام، أفيقال إنه هو؟ وليس من شأن الرسول ولا من شأن عالم الغيب أن يخبر أمته بكل حادثة تحدث من بعد موته إلى يوم القيامة، وقد رأيت ...................................................................

стр. 250

لشيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا ينكر فيه حديث أبدال الشام ورايات العراق، ويقول إنه لا صحة له ... إلى أن قال: فكم من رجل من قريش تولى الحكم على الناس، وألقى الإسلام بجرانه في زمانه، وأجمعت عليهم كلمته، واستفادوا في زمانه بالإيمان والأمان وزيادة الاطمئنان، ثم نشر العدل في جميع الأوطان، ومكث في ولايته سنين طويلة دون أن يسمى المهدي، أما هذا الرجل الذي لا يمكث في ولايته على الناس إلا سبع سنين فإنه فيء زائل، وكيف يملأ الأرض عدلا في سبع سنين وقد ملئت جورًا وكفرًا؟! فهل يغزو الناس بالأحلام في المنامات، أو يغزو الناس بالملائكة أو بالجن؟! وهل هذا الرجل أفضل من رسول الله ﷺ ، الذي جادل وجاهد وصبر على اللأواء والضنك والشدة، وأوذي في الله وشج رأسه وكسرت رباعيته، ومشي على طريق السنن المعتادة واستقام على ذلك ثلاثًا وعشرين سنة، ولم يتمكن من ملء الأرض عدلا إلا في الجزيرة العربية التي هي بمثابة النقطة بالنسبة إلى سعة الدنيا؟ ومتى صدقنا بهذا الحديث فإننا نكون ممن يفضل هذا الرجل على النبي محمد ﷺ ، مع العلم أنه لم يذكر اسم المهدي فيه فسقط الاستدلال به؛ إذ الرجل مبهم، وتعيين شخص معين هو حكم بغير علم؛ إذ هذا يعود إلى علم الغيب". والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد غير في الحديث وزاد فيه كلمة من عنده، فأما التغيير ففي قوله: فخسف بهم البيداء، وصوابه «فيخسف بهم بالبيداء»، وأما الكلمة التي زادها فهي قوله: أو قال بيعة كلب، وهذه الكلمة ليست في الحديث، وقال أيضًا: ويعمل في الناس بسنة نبيه، ولفظه عند أحمد وأبي داود وأبي يعلي وابن حبان: «ويعمل في الناس بسنة نبيهم ﷺ ». وأما قوله: إن هذا الحديث ليس بصحيح. فجوابه: أن يقال: هلا ذكر ابن محمود العلة القادحة في سنده، حتى ينظر في كلامه هل هو صحيح أم لا؟! فأما القدح فيه بمجرد الدعوى فذلك مردود عليه. ويقال أيضًا: إن أبا داود قد سكت عليه، وقد قال في رسالة إلى أهل مكة: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وسكت عليه المنذري في تهذيبه، ولو كان فيه علة لذكرها، وقد رواه ابن حبان في صحيحه، والطبراني في الأوسط مختصرًا، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح"، وقد أقره الحافظان؛ زين الدين ......................

стр. 251

العراقي، وابن حجر العسقلاني على هذا القول، وقال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "الحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح"، وفيما ذكرته عن هؤلاء الأئمة أبلغ رد على ابن محمود، وإذا تعارض قول ابن محمود وأقوال الأئمة الذين ذكرنا، فهل يقول عاقل إنه يقبل قول ابن محمود وترد أقوال الأئمة الحفاظ النقاد؟ كلا، لا يقول ذلك عاقل، بل أقوال الحفاظ النقاد هي المقبولة، وما خالفها من توهمات ابن محمود وتخرصاته فهو مردود عليه. وأما قوله: ويبعد كل البعد أن يصدر هذا الخبر عن أم سلمة. فجوابه: أن يقال: بل البعيد كل البعد إنكار هذا الحديث الثابت واستبعاد صدوره عن أم سلمة ﵂، وقد روى الإمام أحمد ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ ما يشهد لهذا الحديث، وذلك في قصة الجيش الذي يخسف به بالبيداء، وروى الإمام أحمد أيضًا عن حفصة ﵂ نحوه، ورواه مسلم إلا أنه قال: عن أم المؤمنين ولم يقل حفصة، وقد ذكرت هذه الأحاديث وما في معناها في أول الكتاب فلتراجع (١). وأما قوله: إنها ليست معروفة برواية الحديث كهذا. فجوابه أن يقال: وهل يظن ابن محمود أن كلامه هذا يحط من شأن هذا الحديث أو يؤثر فيه، وهل يظن أنه قد بلغ في معرفة العلل مبلغ شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأمثالهم حتى يقبل تعليله لهذا الحديث. ويقال أيضًا: قد روى حديث أم سلمة ﵂ جماعة من أهل العلم بالحديث والعلل والرجال؛ منهم الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم، والطبراني، ولم يقدح فيه أحد منهم، ولم ينكر أحد منهم روايته عن أم سلمة ﵂، وقد تلقاه أهل العلم بالقبول، وصرَّح بعضهم بتصحيحه كما تقدم ذكره، وفي هذا أبلغ رد على ابن محمود. وأما قوله: وبطلانه يظهر من دراسته. فجوابه: أن يقال: هذه مجازفة مردودة بتصحيح من صححه من العلماء الذين تقدم ذكرهم، ولو كان الحديث باطلا ما سكت عليه أبو داود والمنذري.

стр. 252

وأما قوله: ولقد صرح السيوطي في كتاب "اللآلئ المصنوعة" بأنه موضوع، والموضوع هو المكذوب على الرسول. فجوابه: أن يقال: هذا من التقول على السيوطي، فإنه لم يقل في هذا الحديث إنه موضوع، وإنما ذكره مع الأحاديث الواردة في الأبدال ولم يتكلم فيه بشيء، وذلك أنه أورد الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي وقال: إنها موضوعة، ثم قال بعد إيرادها: "وقد ورد ذكر الأبدال من حديث علي، أخرجه أحمد في مسنده وسنده حسن، ومن حديث عبادة بن الصامت، أخرجه أحمد وسنده حسن، ثم ذكر جملة من الأحاديث الواردة في الأبدال، ولم يتكلم فيها بشيء ... إلى أن قال: ومن حديث أم سلمة، أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، وأبو داود في سننه، والحاكم والبيهقي" هذا ما ذكره السيوطي في صفحة (٣٣٢) من الجزء الثاني من "اللآلئ المصنوعة"، وقد أورده أيضًا في رسالة له في ذكر الأبدال، وهي مذكورة في الجزء الثاني من "الحاوي للفتاوي"، ذكره في صفحة (٢٤٩) ولم يتعقبه بشيء، وأورده أيضًا في رسالته التي جمعها في أخبار المهدي وسماها "العرف الوردي، في أخبار المهدي" وهي في الجزء الثاني من "الحاوي للفتاوي"، وحديث أم سلمة ﵂ مذكور في صفحة (٥٩) منه، ولم يتكلم فيه بشيء. ومما ذكرنا يعلم ما في كلام ابن محمود من التقول على السيوطي، وقد ذكرت فيما تقدم أنه قد نسب إلى عدد كثير من العلماء أقوالا لا تعرف عنهم، وهذا خلاف الأمانة في النقل، فلا يغتر أحد بنقول ابن محمود، فإنها غير مضبوطة، والله يسامحه ويغفر لنا وله. وأما قوله: ولما قتل ابن الزبير ألزم الحجاج الناس بأن يبايعوا لعبد الملك بن مروان بين الركن والمقام، أفيقال إنه هو؟ فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن أقول: إني لم أر أحدًا من المؤرخين الموثوق بهم في النقل ذكر أنه بويع لعبد الملك بن مروان بين الركن والمقام، وإنما روى ابن سعد عن الواقدي قال: "حدثني عبد الجبار بن عمارة، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: دخل الحجاج مكة فبايع من بها من قريش لعبد الملك بن مروان، ورواه ابن جرير في تاريخه من طريق ابن سعد، وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" نحو ذلك.

стр. 253

الوجه الثاني: أن يقال: إن الرجل الذي يبايع له بين الركن والمقام لا يأتي من الشام، وإنما يخرج من المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، وليس عبد الملك بن مروان من أهل المدينة، وإنما هو من أهل الشام، فلا ينطبق عليه حديث أم سلمة ﵂. يوضح ذلك الوجه الثالث؛ وهو أن الرجل القرشي الذي جاء ذكره في حديث أم سلمة ﵂ ليس هو من بني أمية، وإنما هو من بني هاشم، وقد جاء ذلك صريحًا في رواية عند الطبراني في الأوسط قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". الوجه الرابع: أن يقال: إن الرجل الذي جاء ذكره في حديث أم سلمة ﵂ هو الذي يباشر البيعة بنفسه، وأما عبد الملك بن مروان فإنما أخذ البيعة له نائبه الحجاج بن يوسف، وكان عبد الملك يومئذ في الشام. وأما قوله: وليس من شأن الرسول ولا من شأن عالم الغيب أن يخبر أمته بكل حادثة تحدث من بعد موته إلى يوم القيامة. فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: لا يخفى ما في كلام ابن محمود من الخليط، ولا أدري ماذا أراد بقوله: ولا من شأن عالم الغيب ... إلى آخر كلامه، فإن كان أراد به الله -تعالى-، قيل له: إن الله حي لا يموت وليست له أمة، وإنما الأمم للرسل، والله رب الجميع. وإن كان أراد به الرسول ﷺ قيل له: إن الرسول ﷺ لا يوصف بأنه عالم الغيب؛ لأن هذه الصفة من خصائص الرب ﵎ قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية، وقال -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا. والحاصل أن كلام ابن محمود باطل على الاحتمالين، وهو من مجازفاته التي قالها ارتجالا من غير تثبت ولا تعقل. الوجه الثاني: أن يقال: إن رسول الله ﷺ قد أخبر أمته بما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، وبما يكون بعد ذلك، حتى يدخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، وما يكون بعد ذلك أيضًا، وذلك مما أظهره الله عليه من أمور الغيب، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة ذكرتها في أول كتابي "إتحاف الجماعة بما جاء في .......................................

стр. 254

الفتن والملاحم وأشراط الساعة"، منها حديث حذيفة ﵁ قال: "لقد خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئًا إلى قيام الساعة إلا ذكره، عَلِمَه مَن علمه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه" رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود. ومنها ما رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به، ووصله الطبراني وأبو نعيم عن عمر ﵁ قال:" قام فينا النبي ﷺ مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حَفِظَ ذلك مَن حَفِظَه، ونَسِيَه مَن نَسِيَه". ومن أراد الوقوف على بقية الأحاديث في هذا المعنى فليطالعها في أول "إتحاف الجماعة"، ففيها أبلغ رد على قول ابن محمود إنه ليس من شأن الرسول أن يخبر أمته بكل حادثة تحدث من بعد موته إلى يوم القيامة. وأما قوله: وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا ينكر فيه حديث أبدال الشام ورايات العراق، ويقول إنه لا صحة له. فجوابه: أن أقول: إني لم أر لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كلامًا في حديث أم سلمة ﵂ الوارد في المهدي، وإنما رأيت له جوابًا في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى من صفحة (٤٣٣) إلى صفحة (٤٤٤)، وقد سئل عن الحديث المروي في الأبدال، هل هو صحيح أم مقطوع ... ؟ إلى آخر السؤال، وفيه السؤال عن قولهم: هذا غوث الأغواث، وهذا قطب الأقطاب، وهذا قطب العالم، وهذا القطب الكبير، وهذا خاتم الأولياء، فأجاب: أما الأسماء الدائرة على ألسِنة كثير من النساك والعامة؛ مثل الغوث الذي بمكة، والأوتاد الأربعة، والأقطاب السبعة، والأبدال الأربعين، والنجباء الثلاثمائة، فهذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله، ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي ﷺ بإسناد صحيح ولا ضعيف يحمل عليه ألفاظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: «إن فيهم- يعني أهل الشام- الأبدال الأربعين رجلا، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا». هذا جواب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عما يتعلق بالأبدال، ولم يتعرض فيه لحديث أم سلمة ﵂ فإن كان ابن محمود قد وجد لشيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا في حديث أم سلمة ﵂ فليذكر الكتاب الذي هو فيه، وليذكر الصفحة التي فيها كلامه، حتى يخرج من عهدة النقل، وإن لم .......................

стр. 255

يفعل فلا بُد أن يتصف بالأمر الثاني؛ وهو التقول على شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو الأحرى. وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "ومن ذلك أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها باطلة على رسول الله ﷺ "، ذكر هذا في صفحة (١٣٦) من النسخة التي حققها عبد الفتاح أبو غدة، ثم ذكر حديث أم سلمة ﵂ مع الأحاديث الواردة في المهدي، ذكره في صفحة (١٤٥) وقال: "والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح"، وقد ذكرت في أول الكتاب (١) أنه رواه ابن حبان في صحيحه، والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح"، وقد أقره الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني على هذا القول. وفي هذا رد على من طعن في الحديث وادعى أنه غير صحيح. وأما قوله: فكم من رجل من قريش تولى الحكم على الناس، وألقى الإسلام بجرانه في زمانه، واجتمعت عليهم كلمته، واستفادوا في زمانه بالإيمان والأمان وزيادة الاطمئنان، ثم نشر العدل في جميع الأوطان ومكث في ولايته سنين طويلة دون أن يسمى المهدي. فجوابه: أن يقال: إن هذه الصفات التي ذكرها ابن محمود لم توجد في أحد بعد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ إلا في عمر بن عبد العزيز مع قصر مدته في الولاية، وقد أجمع العلماء على أنه أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ومع هذا فقد رُوي عن طاووس أنه قال: "هو مهدي وليس به - أي ليس بالمهدي المبشر به- إنه لم يستكمل العدل كله" ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية"، وقد رواه ابن أبي شيبة ونعيم بن حماد بإسناد حسن، عن إبراهيم بن ميسرة قال: "قلت لطاووس: عمر بن عبد العزيز المهدي، قال: كان مهديًا، وليس بذاك المهدي". وأما قوله: واجتمعت عليهم كلمته. فجوابه: أن يقال: قد وقع في هذا التعبير انقلاب مع ما فيه من الخطأ الظاهر، فأما الانقلاب ففي قوله: واجتمعت عليهم كلمته، وصوابه أن يقال: واجتمعت عليه كلمتهم، وأما الخطأ الظاهر فلأن الذين اجتمعت عليهم الكلمة منذ زمان يزيد بن معاوية إلى أن اضطرب أمر بني أمية لم يكن فيهم خليفة عادل سوى عمر بن عبد ......................

стр. 256

العزيز -رحمه الله تعالى-، وقد تفرقت كلمة المسلمين في آخر زمان بني أمية، وخرج الأندلس عن ولاية بني العباس، ولم تجمع الأمة الإسلامية على إمام واحد منذ قامت الدعوة لبني العباس إلى يومنا هذا، ولا نعلم أحدًا نشر العدل في جميع الأوطان الإسلامية بعد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ سوى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-، وبالجملة فكلام ابن محمود كله مجازفة ولا حاصل تحته. وأما قوله: أما هذا الرجل الذي لا يمكث في ولايته على الناس إلا سبع سنين فإنه فيء زائل، وكيف يملأ الأرض عدلا في سبع سنين وقد ملئت جورًا وكفرًا؟! فجوابه: أن يقال: إن الله تعالى إذا أراد شيئًا هيأ أسبابه ويسر الوصول إليه، وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قد ملأ الأرض قسطًا وعدلا في عشر سنين، وقد كانت قبل ذلك مملوءة ظلمًا وجورًا، وهذا عمر بن عبد العزيز قد ملأ الأرض قسطًا وعدلا في سنتين وخمسة أشهر، وقد أخبر النبي ﷺ عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا في سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، وما أخبر به النبي ﷺ فهو واقع لا محالة، ولا يستنكر وقوعه إلا من يشك في عموم قدرة الرب ﵎ ونفوذ مشيئته، أو يشك في صدق النبي ﷺ فيما أخبر به عما كان فيما مضى وما سيكون في المستقبل. وأما قوله: فهل يغزو الناس بالأحلام في المنامات، أو يغزو الناس بالملائكة أو بالجن؟! فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام الوخيم من السخرية والاستهزاء بما أخبر به رسول الله ﷺ عن المهدي أنه يملك سبع سنين فيملأ الأرض قسطًا وعدلا، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فكل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر به فالواجب تصديقه، وأن لا يجد المسلم في نفسه حرجًا مما أخبر به الرسول ﷺ ، وأن لا يعارض أخباره بكيف ولِم وهل، فإن هذا عنوان على فساد العقيدة، وقد تقدم عن ابن محمود أنه قال نحو هذا الكلام السيئ في صفحة (٣٢) من رسالته، وتقدم الجواب عنه بأبسط مما هنا، فليراجع في أثناء الكتاب (١).

стр. 257

وأما قوله: وهل هذا الرجل أفضل من رسول الله ﷺ الذي جادل وجاهد ... إلى قوله: واستقام على ذلك ثلاثًا وعشرين سنة، ولم يتمكن من ملء الأرض عدلا إلا في الجزيرة العربية، التي هي بمثابة النقطة بالنسبة إلى سعة الدنيا. فجوابه: أن يقال: قد تقدم نحو هذا الكلام في أثناء الكتاب، وتقدم الرد عليه فليراجع (١). وأما قوله: ومتى صدقنا بهذا الحديث، فإننا نكون ممن يفضل هذا الرجل على النبي محمد ﷺ . فجوابه: أن يقال: ليس في التصديق بما جاء في حديث أم سلمة ﵂ محذور البتة، ولا يلزم من التصديق به أن يكون المُصَدِّق قد فَضَّل المهدي على النبي ﷺ ، وإنما هذا من أوهام ابن محمود ومجازفاته التي قالها من غير تثبت ولا تعقل. وأما قوله: مع العلم أنه لم يذكر اسم المهدي فيه فسقط الاستدلال به، إذ الرجل مبهم، وتعيين شخص معين هو تحكم بغير علم، إذ هذا يعود إلى علم الغيب. فجوابه: أن يقال: إن النبي ﷺ كان يصرح باسم الشخص تارة وتارة يذكره بصفاته، وتارة يذكره بأفعاله التي يتميز بها عن غيره، وقد جاءت الأحاديث في المهدي على نحو ما ذكرنا؛ فقد جاء التصريح باسمه في عدة أحاديث تقدم ذكرها في أول الكتاب (٢)، وجاء في بعضها أنه من أهل بيت النبي ﷺ ، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأنه يعيش سبع سنين وفي بعض الروايات سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، وهذا يوافق ما جاء في حديث أم سلمة ﵂ أن الرجل من قريش ومن بني هاشم، وأنه يعمل في الناس بسنة نبيهم ﷺ ، وأن الإسلام يلقي بجرانه إلى الأرض، وأنه يعيش سبع سنين، وهذه الصفات والعلامات التي جاءت في حديث أم سلمة ﵂ تقوم مقام التصريح باسم المهدي؛ لأن من عمل في الناس بسنة نبيهم ﷺ ، وألقى الإسلام بجرانه إلى الأرض في زمان ولايته، فهو مهدي بلا شك، سواء جاء التصريح باسمه في الحديث أو لم يجيء، ولهذا أورده غير واحد من أكابر العلماء مع الأحاديث الدالة على خروج المهدي في آخر الزمان؛ ومنهم عبد الرازق في مصنفه، وأبو داود في سننه، وابن حبان في صحيحه، وابن القيم في كتابه "المنار المنيف"، وابن كثير في كتابه "النهاية"، ........................

стр. 258

وغيرهم. وأما قوله: فسقط الاستدلال به. فجوابه: أن يقال: إن الساقط في الحقيقة قول من رد الحديث الصحيح وأطرحه، وقابل قول رسول الله ﷺ بالسخرية والاستهزاء، ولم يبال بما يترتب على ذلك من الحكم الصارم الذي لا يخفى على طلبة العلم. وأما قوله: وتعيين شخص معين هو تحكم بغير علم، إذ هذا يعود إلى علم الغيب. فجوابه: أن يقال: قد جاء في حديث أم سلمة ﵂ من ذكر صفات المهدي وأفعاله ما يقوم مقام التصريح باسمه، ومن كان سالمًا من اتِّباع الهوى والتقليد للعصريين الذين يعتمدون على تفكيراتهم ونظرياتهم لم يخف عليه ذلك. ويقال أيضًا: إن الخليق بوصف التحكم بغير علم والرجم بالغيب من يبالغ في إنكار المهدي، ويقول في صفحة (٣٧): إنه من المحال أن يكون على صفة ما ذكروا، ويقول أيضًا في صفحة (٤٢): على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا يحتمل أن يكون من المحال، ويقول أيضًا في صفحة (٣): ولن يزالوا يقاتلون كل من يدعي ذلك- أي من يدعي أنه المهدي- حتى تقوم الساعة، ويقول أيضًا في صفحة (٤٤): وقد صارت دعوى المهدي والاتصاف بالأوصاف المذكورة مركبًا للكذابين الدجالين، فكل واحد منهم يحاول أن يكون هو، فيقع الناس في مشكلة لم تحل، وفتنة لا تنتهي، يتوارثها جيل بعد جيل حتى تقوم الساعة. فهذا هو الرجم بالغيب والقول بغير علم، وأما الاستدلال بما جاء في حديث أم سلمة ﵂ من صفات المهدي وأفعاله، ومقارنتها بما جاء عن علي وابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة ﵃ فهذا من رد المجمل إلى المفسر، وليس من التحكم بغير علم كما قد توهم ذلك ابن محمود. وقال ابن محمود في صفحة (٣٧): "الحديث السادس: روى أبو داود بسنده إلى علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث بن حران، على مقدمته رجل يقال له منصور، يوطِّئ أو يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله ﷺ ، وجبت على كل مؤمن نصرته، أو قال: ............

стр. 259

إجابته». ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن هذا الحديث هو من جملة ما أورده أبو داود في سننه، وإنه يبعد كل البعد عن المعنى الذي أرادوا، فليس فيه ذكر للمهدي قطعًا لا باللفظ ولا بالمعنى، فليس هو بصحيح ولا بصريح ولا متواتر، وإن أمارات الكذب تلوح عليه جلية؛ إذ لا يوجب الرسول على أمته البيعة لرجل مجهول اسمه الحارث يخرج من وراء النهر، ويوطئ الملك لآل محمد". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن ابن محمود قد صحَّف في هذا الحديث وغيَّر فيه، فقال: «الحارث بن حران»، وصوابه «الحارث حراث» أي زراع، وقال أيضًا: «وجبت على كل مؤمن نصرته»، وصوابه «وجب على كل مؤمن نصره». الوجه الثاني: أن يقال: هذا الحديث ضعيف الإسناد فلا يعتمد عليه. الوجه الثالث: أن يقال: لو فرضنا أن الحديث صحيح، فليس الحارث هو المهدي الذي يبايع له كما قد توهم ذلك ابن محمود، وإنما هو من أنصار المهدي كما يدل على ذلك قوله في الحديث: «يوطئ أو يمكن لآل محمد». وقال ابن محمود في صفحة (٤٨): "والنبي ﷺ قال لأهل بيته: «إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تروني على الحوض» ". والجواب: أن يقال: هذا من الأوهام التي حصلت لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون، وهو خلاف الواقع في الحقيقة؛ لأن رسول الله ﷺ لم يقل هذه المقالة لأهل بيته، وإنما قالها للأنصار، حين قسم غنائم حنين، فأعطى المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئًا، فوجدوا في أنفسهم إذ لم يصبهم ما أصاب الناس من الغنيمة، فخطبهم النبي ﷺ وذكر لهم ما أنعم الله به عليهم من الهداية بسببه والإلفة والغنى، ثم قال في آخر خطبته: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق عن أنس بن مالك وعبد الله بن زيد بن عاصم ﵄. وفي الصحيحين وغيرهما عن أسيد بن حضير ﵁ أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ فقال: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وفي صحيح البخاري أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ قال: دعا النبي ﷺ الأنصار ليكتب لهم بالبحرين، فقالوا: لا والله حتى تكتب لإخواننا من قريش .............

стр. 260

بمثلها، فقال ذلك لهم ما شاء الله كل ذلك يقولون له، قال: «فإنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وقال ابن محمود في صفحة (٤٨) وصفحة (٤٩): "الحديث السابع: روى الإمام أحمد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ياسين العجلي، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية، عن أبيه، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة». وقد رأيت من ينتقد هذا الحديث قائلا: والعجيب أن يكون المهدي بعيدًا عن التوفيق والفهم والرشد، ثم يهبط عليه الصلاح في ليلة ليكون في صبيحتها داعية هداية منقذ أمة، ورواه ابن ماجة عن عثمان بن أبي شيبة، وقال: ياسين العجلي ضعيف، فهذا من جملة الأحاديث التي فيها التصريح باسم المهدي لكنها ليست بصحيحة كما أشار ابن ماجة إلى تضعيفه، ومن الأمر العجيب في هذا الحديث كون المهدي بعيدًا عن الهداية والتوفيق والرشد، ثم يهبط عليه الصلاح في ليلة فيكون في صبيحتها هاديًا مهديًا، ومنقذ أمة من جورها وفجورها". والجواب: أن يقال: أما حديث علي ﵁ فهو حديث حسن، وقد صحَّحه أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد، وقد ذكرت كلام العلماء في ياسين العجلي في أول الكتاب فليراجع (١). وأما قوله: وقد رأيت من ينتقد هذا الحديث ..... إلى آخره. فجوابه: أن يقال: هذا الكلام لأبي عبية في تعليقه على النهاية لابن كثير، وقد ذكرته في صفحة (٩) من الجزء الثاني من كتابي "إتحاف الجماعة"، وقلت في الجواب عنه: "من علم أن الله على كل شيء قدير، وأن الخير كله في يديه، وأنه إذا أراد بعبد خيرًا هيَّأه لذلك متى أراد، لم يكن عنده شك ولا ارتياب فيما جاء في هذا الحديث، وأما استبعاد ذلك والتعجب من وقوعه فإنما هو ناشئ عن التردد في كمال قدرة الرب ﵎ ونفوذ مشيئته وإرادته". وقوله: يصلحه الله في ليلة يحتمل معنيين؛ أحدهما: أن يكون المراد بذلك أن الله يصلحه للخلافة أي يهيؤه لها، والثاني: أن يكون متلبسًا ببعض النقائص، فيصلحه الله ويتوب عليه، وهذا المعنى هو الذي قرره ابن كثير في كتابه "النهاية" مع الكلام على حديث أبي هريرة ﵁ في ذكر الرايات السود التي تخرج من خراسان لنصرة المهدي وإقامة سلطانه.

стр. 261

وأما قوله: ورواه ابن ماجة عن عثمان بن أبي شيبة، وقال: ياسين العجلي ضعيف. فجوابه: أن يقال: هذا من التقول علي ابن ماجة، فإنه لم يتكلم في هذا الحديث بشيء، فضلا عن تضعيف ياسين العجلي. وأما قوله: فهذا من جملة الأحاديث التي فيها التصريح باسم المهدي، لكنها ليست بصحيحة كما أشار ابن ماجة إلى تضعيفه. فجوابه: أن أقول: قد ذكرت قريبًا أن هذا الحديث حسن، وأن أحمد محمد شاكر قد صحَّحه. وأما قوله: كما أشار ابن ماجة إلى تضعيفه. فجوابه: أن يقال: إن الله -تعالى- يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وإنا نطالب ابن محمود بذكر الصفحة التي أشار ابن ماجة فيها إلى تضعيف حديث علي ﵁، ولن يجد إلى ذلك سبيلا. وأما قوله: ومن الأمر العجيب في هذا الحديث ..... إلى آخر كلامه. فجوابه: أن يقال: هذا مما أخذه ابن محمود من كلام أبي عبية في تعليقه على النهاية لابن كثير، مع أن ابن محمود قد ذم المقلدين في صفحة (٥) وصفحة (٨) من رسالته، وقال في صفحة (٨) ما نصه: "والمقلد لا يعد من أهل العلم" فقد حكم على نفسه بأنه لا يعد من أهل العلم، وكلام أبي عبية صريح في السخرية مما أخبر به رسول الله ﷺ عن المهدي، ومع هذا فقد قلده ابن محمود واعتمد على كلامه الباطل في رد الحديث الثابت عن النبي ﷺ ، وفي هذا دليل على فساد التصور عند الرجُلين، والحكم فيمن سخر بشيء مما ثبت عن النبي ﷺ لا يخفى على طالب العلم. وقال ابن محمود في صفحة (٤٩): "الحديث الثامن: روى أبو داود عن هارون بن المغيرة، حدثنا ابن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق قال: نظر علي إلي ابنه فقال: «إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله ﷺ ، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق، ثم ذكر قصة يملأ الأرض عدلا» وهذا يعد من كلام علي ﵁ وليس بحديث عن رسول الله، فسقط الاحتجاج به، ومن المحتمل أن يكون مكذوبًا على عليٍّ به". والجواب: أن يقال: هذا الحديث ضعيف فلا يعتمد عليه، وقد أسقط ابن ............

стр. 262

محمود منه اسم الحسن، لأنه قد جاء فيه عن أبي إسحاق قال: قال عليٌّ ﵁ ونظر إلى ابنه الحسن فقال فذكره، وأسقط ابن محمود أيضًا منه اسم عمرو بن أبي قيس. وأما قوله: وهذا يعد من كلام علي ﵁ وليس بحديث عن رسول الله، فسقط الاحتجاج به. فجوابه: أن يقال: لو كان هذا الحديث صحيح الإسناد لما سقط الاحتجاج به من أجل أنه موقوف على عليٍّ ﵁؛ لأن الأخبار عن المغيبات لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف، ولكن السبب في ترك الاحتجاج به كونه ضعيف الإسناد. وأما قوله: ومن المحتمل أن يكون مكذوبًا على عليٍّ به. فجوابه: أن يقال: إن الطعن في الحديث لا يكون بالاحتمال، وإنما يكون ببيان العلة القادحة في الإسناد، وليس في إسناد حديث علي ﵁ أحد ممن يتهم بالكذب حتى يتجه ما أبداه ابن محمود من احتمال أنه مكذوب على عليٍّ ﵁، وإنما العلة فيه ما قاله المنذري في "تهذيب السنن" إنه منقطع؛ لأن أبا إسحاق السبيعي رأى عليًا ﵁ رؤية، وقال فيه أبو داود: حُدِّثتُ عن هارون بن المغيرة، وهذه العلة تقتضي ضعف الحديث، ولا يتجاوز ذلك إلى القول بأنه مكذوب. وقال ابن محمود في صفحة (٤٩) وصفحة (٥٠): "الحديث التاسع: روى أبو داود في سننه، من حديث سفيان الثوري بسنده، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم، حتى يبعث فيه رجلا مِنِّي أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا» ورواه أحمد والترمذي، وقال: "حسن صحيح". ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن علماء الحديث قد تحاشوا عن كثير من أحاديث أهل البيت؛ كهذه الأحاديث وأمثالها؛ لكون الغلاة قد أكثروا من الأحاديث المكذوبة عليهم، وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة قلت لعلي ﵁:" هل خصَّكم رسول الله بشيء؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه ..........

стр. 263

الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر، وفي رواية: والمؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم"، ولم يذكر شيئًا من هذه الأحاديث التي هي من عالم الغيب، ولهذا تحاشى البخاري ومسلم عن إدخال شيء من أحاديث المهدي في صحيحيهما؛ لكون الغالب عليها الضعف والوضع". والجواب: أن يقال: إن أبا داود قد روي هذا الحديث من طريق عمر بن عبيد، وأبي بكر بن عياش، وسفيان الثوري، وزائدة بن قدامة، وفطر بن خليفة، كلهم عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، وقد اقتصر ابن محمود على ذكر سفيان الثوري وأعرض عن ذكر الباقين، وهذا خطأ ظاهر، ثم إنه أورد رواية زائدة، وما زاده فطر في الحديث زعم أنها رواية سفيان، وهذا خطأ آخر، فأما حديث سفيان فلفظه عند أبي داود: «لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي». قال أبو داود: "لفظ عمر وأبي بكر بمعنى سفيان". وقد رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة، وعمر بن عبيد، كلاهما عن عاصم، ورواه أيضًا عن يحيى بن سعيد- وهو القطان- عن سفيان- وهو الثوري- عن عاصم، ورواه الترمذي من طريق الثوري، ومن طريق سفيان بن عيينة، كلاهما عن عاصم، وقال في كل منهما: "حسن صحيح"، قال: "وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة". وأما قوله: إن علماء الحديث قد تحاشوا عن كثير من أحاديث أهل البيت؛ كهذه الأحاديث وأمثالها؛ لكون الغلاة قد أكثروا من الأحاديث المكذوبة عليهم. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هلاَّ ذكر ابن محمود علماء الحديث الذين تحاشوا عن كثير من أحاديث أهل البيت، حتى ينظر في كلامه هل هو صحيح أم لا؟ فأما التقول على علماء الحديث بمجرد الدعوى فذلك مردود عليه. الوجه الثاني: أن يقال: ليس في رواة هذا الحديث الصحيح أحد من أهل البيت ولا من الغلاة في أهل البيت، ورواته كلهم ثقات، فتعرض ابن محمود له خطأ محض. الوجه الثالث: أن يقال: إن العلماء لم يتحاشوا عن الروايات الصحيحة عن أهل البيت، ففي الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم أحاديث كثيرة جدًا عنهم، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالحديث.

стр. 264

وأما قوله بعد إيراده لحديث أبي جحيفة ﵁ عن علي ﵁ في شأن الصحيفة: إنه لم يذكر شيئًا من هذه الأحاديث التي هي من عالم الغيب. فجوابه: أن يقال: إن كان مراد ابن محمود أنه لم يذكر في صحيفة علي ﵁ شيء من أخبار المهدي وغيرها مما سيكون في آخر لزمان، قيل له: إن صحيفة علي ﵁ ليست كتابًا كبيرًا مشتملاً على ما يعلق بالأصول، حتى يتجه قوله إنه لم يذكر فيه شيء من هذه الأحاديث التي هي من عالم الغيب، وإنما اشتملت الصحيفة على أحكام قليلة من الأحكام الفروعية مما ليس له علاقة بالأمور الغيبية، فما ذكره ابن محمود ههنا ليس لذكره وجه ولا مناسبة يتعلق بها المفتونون بالطعن في أحاديث المهدي. وأما قوله: ولهذا تحاشى البخاري ومسلم عن إدخال شيء من أحاديث المهدي في صحيحيهما؛ لكون الغالب عليها الضعف والوضع. فجوابه: أن يقال: قد ذكر ابن محمود نحو هذا في صفحة (٦) من رسالته، وفي صفحة (٢٦) وصفحة (٣١) وصفحة (٣٩)، وتقدم الجواب عنه مبسوطًا في أول الكتاب فليراجع (١). وأما قوله: لكون الغالب عليها الضعف والوضع. فجوابه: أن يقال: قد جاء عن النبي ﷺ من الأحاديث الجياد الدالة على خروج المهدي في آخر الزمان تسعة أحاديث، ولبعضها عدة طرق من الصحاح والحسان، وكل واحد من هذه الأحاديث يكفي لإثبات خروج المهدي، فكيف وقد تكاثرت وتعددت طرقها؟! وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع (٢). وذكر ابن محمود في صفحة (٥٠) وصفحة (٥١) حديث أنس بن مالك ﵁ الذي رواه ابن ماجة، وفيه «ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم»، ثم قال: "إنه ضعيف عندهم لمخالفته لسائر الأحاديث، قال: ولا يَقِلُّ عن ضعف سائر الأحاديث المذكورة في المهدي". والجواب: أن يقال: لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة ما في آخر كلام ابن محمود من المجازفة والتشكيك في الأحاديث الثابتة في المهدي، وذلك في قوله في ..................

стр. 265

حديث أنس ﵁ إنه لا يقل عن ضعف سائر الأحاديث لمذكورة في المهدي، فسوَّى بينه وبين الصحاح والحسان من أحاديث المهدي، وجعل حكم الجميع واحدًا وهو الضعف، وهذا خطأ كبير وتسوية بين ما فرق الله بينه، وقد ذكرت في غير موضع أن الأحاديث الواردة في المهدي تنقسم إلى صحيح وحسن وضعيف، وذكرت أيضًا عن ابن القيم أنه قال في أحاديث المهدي: "إنها أربعة أقسام؛ صحاح، وحسان، وغرائب، وموضوعة"، وذكرت أيضًا عن الشوكاني أنه قال: "الأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنجبر"، وذكرت عن صديق بن حسن أنه قال: "أحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف"، وذكرت عن عدد كثير من أكابر العلماء أنهم صححوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي وحسنوا بعضها، وذكرت جملة من الصحاح والحسان في أول الكتاب، فليراجع جميع ما ذكرته، ففيه أبلغ رد على من توهم أن أحاديث المهدي كلها ضعيفة (١). وقال ابن محمود في صفحة (٥١): "وهنا حديث كثيرًا ما يحتج به المتعصبون للمهدي، وهو أن المهدي مع المؤمنين يتحصنون به من الدجال، وأن عيسى ﵇ ينزل من منارة مسجد الشام، فيأتي فيقتل الدجال ويدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فيقول المهدي: تقدم يا روح الله، فيقول: إنما هذه الصلاة أقيمت لك، فيتقدم المهدي ويقتدي به عيسى ﵇ إشعارًا بأنه من جملة الأمة، ثم يصلي عيسى ﵇ في سائر الأيام، قال علي بن محمد القاري في كتابه "الموضوعات الكبير" بأنه حديث موضوع". والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد نقل ههنا كلام علي القاري من كتابه المسمى "بالأسرار المرفوعة، في الأخبار الموضوعة"، ولم يذكر أنه كلام القاري، وهذا خلاف الأمانة في النقل، ثم إنه أسقط من أول كلام القاري كلمة تخالف رأيه وتهدم مراده، وهي قول القاري بعد أن ذكر فضائل بيت المقدس: "وكذا ثبت أن المهدي مع المؤمنين، يتحصنون به من الدجال .... " إلى آخر كلامه الذي ساقه ابن محمود ولم ينسبه لقائله، ولما انتهى كلام القاري تقوَّل عليه ابن محمود ونقل عنه خلاف ما في أول كلامه، وقد ذكرت كلام القاري في أثناء الكتاب مع الرد على قول ابن محمود في صفحة (٩): إن الذهبي وعلي القاري قالا في حديث صلاة ................................................................

стр. 266

عيسى خلف المهدي إنه موضوع، وذكرت قبله الأحاديث الواردة في صلاة عيسى ابن مريم ﵊ خلف المهدي، فليراجع ذلك (١)؛ ليعلم ما في كلام ابن محمود من التضليل وعدم الأمانة من النقل. وقال ابن محمود في صفحة (٥١) وصفحة (٥٢): "وإننا متى حاولنا جمع أحاديث المهدي التي يقولون بصحتها وتواترها بالمعنى، وقابلنا بعضها ببعض لِنستخلص منها حديثًا صحيحًا صريحًا في المهدي فإنه يعسر علينا حصوله، وكلها غير صحيحة ولا صريحة ولا متواترة بالمعنى، بل هي متعارضة ومتخالفة، وغالبها حكايات عن أحداث، ومتى حاولت جمعها نتج لك منها عشرون مهديًا، صفة كل واحد غير الآخر، مما يدل بطريق اليقين أن رسول الله ﷺ لم يتكلم بها؛ منهم مثلا (١) مهدي يخرج من اثني عشر خليفة الذين يستقيم بهم الدين. (٢) ومهدي استخرجوه من حديث «لو لم يبق من لدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا». (٣) ومهدي منا أجلي الجبهة أقنى الأنف. (٤) ومهدي يقول فيه رسول الله ﷺ : «المهدي من عترتي ومن ولد فاطمة». (٥) ومهدي يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة إلى مكة فيبايعونه بين الركن والمقام. (٦) ومهدي يخرج من وراء النهر يقال له الحارث بن حران، وعلى مقدمته رجل يقال له منصور، يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله ﷺ . (٧) ومهدي قال فيه رسول الله: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة». (٨) ومهدي قال فيه رسول الله: «إنا أهل البيت أختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون ذلا وتشريدًا من بعدي، حتى يأتي قوم من المشرق معهم رايات سود، فيسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، ويعطون ما سألوا، فلا يقبلوها حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطًا كما ملئت جورًا». (٩) ومهدي أخواله كلب. (١٠) ومهدي قال فيه رسول الله: «لا مهدي بعدي إلا عيسى ابن مريم». وهذه الأحاديث هي التي يزعم المتعصبون لصحة خروج المهدي بأنها صحيحة ومتواترة بالمعنى، وهي لا صحيحة ولا صريحة ولا متواترة". والجواب: أن يقال: قد اعترف ابن محمود بما يدل على عدم معرفته بأحاديث المهدي، وأنه متى جمعها وقابل بعضها ببعض ليستخلص منها حديثًا صحيحًا صريحًا في المهدي فإنه يعسر عليه حصوله، وأقول: إذا كان الأمر قد بلغ بابن محمود ...........................

стр. 267

إلى هذه الحالة التي يرثى لصاحبها، فإنه يحرم عليه أن يتهجم على أحاديث المهدي، ويحكم عليها بالوضع، ويصفها بالصفات الذميمة، فقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾. ومن رزقه الله أدنى علم ومعرفة وكان سالمًا من اتباع الهوى والتقليد للعصريين لم يعسر عليه حصول الأحاديث الصحيحة الصريحة في المهدي ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. ويقال أيضًا: لا يخفى ما في كلام ابن محمود من التلبيس والمغالطة، وبيان ذلك من وجوه؛ أحدها: إنه حكم على أحاديث المهدي كلها بأنها غير صحيحة ولا صريحة ولا متواترة بالمعنى، وأقول: هذا مردود بما ذكرته في أول الكتاب من الأحاديث التي بعضها من الصحاح وبعضها من الحسان، وقد جاء التصريح باسم المهدي في سبع روايات عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفي حديثين عن علي ﵁، وفي حديثين عن أبي هريرة وجابر ﵄، فليراجع ما ذكرته في أول الكتاب (١)، ففيه أبلغ رد على قول ابن محمود إن أحاديث المهدي كلها غير صحيحة ولا صريحة، وليراجع أيضا ما ذكرته في أول الكتاب (٢) عن عدد كثير من أكابر العلماء أنهم صححوا بعض أحاديث المهدي، وما صرح به بعضهم من أنها متواترة، ففي ذلك أبلغ رد على قول ابن محمود إنها غير صحيحة ولا متواترة. الوجه الثاني: إن ابن محمود زعم أن أحاديث المهدي متعارضة ومتخالفة، وأقول: هذا غير صحيح؛ لأنه ليس بين الأحاديث الثابتة في المهدي تعارض ولا تخالف البتة، وإنما التعارض والتخالف في الأفهام القاصرة، وقد تقدم الجواب عن هذا الزعم الباطل مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٦): ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها. فليراجع ذلك في أول الكتاب (٣). الوجه الثالث: إن ابن محمود زعم أن غالب أحاديث المهدي حكايات عن أحداث، وأقول: هذا غير صحيح، فإن الأحاديث الثابتة في المهدي كلها تدل على خروجه في آخر الزمان، وأما الأحداث التي وقعت من الذين ادَّعوا المهدية كذبًا وزورًا فلا علاقة لها بأحاديث المهدي، وليس شيء من أحاديث المهدي ينطبق عليها.

стр. 268

الوجه الرابع: إن ابن محمود زعم أنه متى حاول أحد جمع أحاديث المهدي نتج له منها عشرون مهديًا، صفة كل واحد غير الآخر، وأقول: هذه مغالطة مردودة بالأحاديث الثابتة في المهدي؛ لأنها تدور على شخص واحد يخرج في آخر الزمان، حتى لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعثه الله فيه، وهو من أهل بيت النبي ﷺ وعترته، وهو أجلى وأقنى، وهو الذي يخرج من المدينة هاربًا إلى مكة، فيبايع له بين الركن والمقام، وهو الذي يعمل بسنة النبي ﷺ ، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وهو من الخلفاء الذين يستقيم بهم الدين، وأما الذي جاء فيه أنه يخرج من وراء النهر يقال له الحارث فليس هو المهدي، وإنما هو من أعوان المهدي وأنصاره، وقد سمَّاه ابن محمود الحارث بن حران بالنون وكرر ذلك في ثلاثة مواضع من رسالته، وصوابه "الحارث حراث" بالثاء المثلثة أي زرَّاع، وهذه صفة له وليست اسمًا لأبيه كما توهم ذلك ابن محمود، وقد ذكرت قريبًا أن الحديث الوارد فيه ضعيف الإسناد، وأما الذي أخواله من كلب فليس بمهدي، وإنما هو الذي يبعث الجيش لقتال المهدي فيهزمهم المهدي وأصحابه ويظهرون عليهم، وأما الحديث الذي فيه «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فهو ضعيف جدًا، وإنما أورده ابن محمود ههنا للمغالطة، وكذلك إيراده للحارث، والذي أخواله من كلب، فكل ذلك للمغالطة، بل كل ما ذكره من تعدد المهديين فكله تلبيس ومغالطة. الوجه الخامس: أن يقال: إن ابن محمود لم يذكر في أغلوطته واستنتاجه سوى عشرة من الذين زعم أنه يقال إنهم مهديون ولم يستنتج بقية العشرين، ولو وجد إلى ذلك سبيلا لبادر إلى ذكرهم للاستكثار بذلك من المغالطة والتشكيك في أحاديث المهدي، ثم إن العشرة الذين استنتجهم يرجعون في الحقيقة إلى أربعة؛ وهم المهدي الذي تنطبق عليه جميع الأحاديث الثابتة في المهدي، والحارث الذي هو من أعوان المهدي وأنصاره وليس بمهدي، والرجل الذي أخواله من كلب وليس بمهدي، وما جاء في الحديث الضعيف أنه لا مهدي إلا عيسى ابن مريم ﵊. وبهذا يضمحل ما روَّجه ابن محمود من تعدد المهديين، ويعود الأمر إلى الحقيقة الثابتة عند أهل العلم، وهي أن جميع الصفات والعلامات المذكورة في الأحاديث الثابتة تدور على شخص واحد، يخرج في آخر الزمان ويسمى بالمهدي.

стр. 269

وأما قوله: وهذه الأحاديث هي التي يزعم المتعصبون لصحة خروج المهدي بأنها صحيحة ومتواترة بالمعنى، وهي لا صحيحة ولا صريحة ولا متواترة. فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث التي أشار إليها ابن محمود بالأرقام وأنهاها إلى عشرة وهي في الحقيقة تسعة تنقسم إلى صحيح وحسن وضعيف، فأما الصحيح منها فهي ثلاثة أحاديث؛ أولها حديث جابر بن سمرة ﵄ في ذكر الخلفاء الاثني عشر، وهو في الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، ومع هذا فقد زعم ابن محمود أنه من الأحاديث التي ليست بصحيحة، وهذه المكابرة نموذج من تحقيقه الذي زعم أنه تحقيق معتبر وأنه لا مزيد عليه. ثانيها حديث ابن مسعود ﵁ الذي أوله: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم» الحديث، وقد رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان بأسانيد صحيحة، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، ومع هذا فقد زعم ابن محمود أنه ليس بصحيح، وهذا أيضًا من مكابراته. ثالثها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي أوله: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي أجلى أقنى» الحديث، وقد رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة، بعضها على شرط الشيخين وبعضها على شرط مسلم، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، والرواية التي فيها: «أجلى أقنى» من روايات أحمد، وإسنادها صحيح على شرط مسلم، ومع هذا فقد زعم ابن محمود أنه ليس بصحيح وهذا أيضًا من مكابراته. وأما الحسن منها فهي ثلاثة أحاديث؛ أولها حديث أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»، رواه أبو داود، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه، وقد أورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، وقال العزيزي في "السراج المنير، شرح الجامع الصغير": "إسناده حسن". ثانيها حديث أم سلمة ﵂ الذي أوله: «يكون اختلاف عند موت خليفة» الحديث، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان في صحيحه، والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح"، وقال ابن القيم في "المنار المنيف": "والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح". ثالثها حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وإسناد كل منهما حسن.

стр. 270

وأما الضعيف منها فهي ثلاثة أحاديث؛ وهي التي ذكرها ابن محمود في رقم (٦) ورقم (٨) ورقم (١٠)، فالأول منها حديث علي ﵁ الذي أوله: «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث حراث» الحديث، رواه أبو داود. والثاني حديث ابن مسعود ﵁ قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبل فتية من بني هاشم» الحديث، رواه ابن ماجة. والثالث حديث أنس بن مالك ﵁ الذي فيه: «ولا مهدي إلا عيسى بن مريم» رواه ابن ماجة، والحاكم. فهذه الأحاديث الثلاثة لا أعلم أحدًا من العلماء صحَّحها، وكذلك الحديث الذي ذكره ابن محمود في صفحة (٥٠)، وهو ما رواه ابن ماجة والطبراني في الأوسط، عن الحارث بن جزء الزبيدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج ناس من المشرق فيوطِّئون للمهدي يعني سلطانه» وهذا الحديث لا أعلم أحدًا صححه. وقد زعم ابن محمود في صفحة (٥١) وفي آخر صفحة (٥٢) أن القائلين بصحة خروج المهدي قد صححوا هذه الأحاديث الضعيفة، وهذا من الخطأ والتقول على علماء السنة؛ فإنهم لم يصححوا شيئًا من الأحاديث الأربعة الضعيفة. ثم إن ابن محمود طعن في الصحاح والحسان من الأحاديث التي ذكرها فيما زعم أنه تحقيق معتبر، وأشار إليها بالأرقام في آخر صفحة (٥١) وصفحة (٥٢)، وأنهاها إلى عشرة، وجعل الصحاح والحسان والضعاف سواء، وطعن في الجميع، وزعم أنها غير صحيحة ولا صريحة، وأنها متعارضة ومتخالفة، وغالبها حكايات عن أحداث، وهذا من مجازفاته وتلبيسه وتشكيكه في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ . وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "مَن رد أحاديث رسول الله ﷺ فهو عل شفا هلكة"، وقد ذكرت أقوال العلماء في التشديد على من رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أول الكتاب، فلتراجع (١). وقال ابن محمود في صفحة (٤٣): (فصل من كلام ابن القيم في كتابه "المنار المنيف في الصحيح والضعيف") ثم ذكر أربعة من الأحاديث الضعاف التي ذكرها ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وأعرض عن الأحاديث التي صححها في صفحة (١٤٣) وصفحة (١٤٤) وصفحة (١٤٥) وصفحة (١٤٧) وصفحة (١٤٨)؛ فالأول عن ابن مسعود ﵁، والثاني عن أبي هريرة ﵁، والثالث عن أبي ................................

стр. 271

سعيد الخدري ﵁، والرابع عن أم سلمة ﵂، والخامس عن جابر ﵁، وأعرض أيضًا عن قول ابن القيم في صفحة (١٤٨) بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في المهدي: "وهذه الأحاديث أربعة أقسام صحاح وحسان وغرائب وموضوعة"، وأعرض أيضًا عما نقله في صفحة (١٤٢) عن أبي الحسين الآبري أنه قال: "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه". وقد أقر ابن القيم قول الآبري ولم يتعقبه بشيء. وأعرض ابن محمود أيضًا عما ذكره ابن القيم في صفحة (١٥٠) وصفحة (١٥١) عن المهدي، وأنه من ذرية الحسن بن علي ﵄، وأنه يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا فيملؤها قسطًا وعدلا، قال: "وأكثر الأحاديث على هذا تدل"، وما ذكره أيضًا من السِّر في كون المهدي من ذرية الحسن ﵁، ثم ما أورده في صفحة (١٥١) وصفحة (١٥٢) من حديث أبي سعيد، وأبي أمامة، وابن عباس ﵃ في ذكر المهدي، وقوله بعد إيرادها ما نصه: "وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة فهي مما يقوي بعضها بعضًا ويشد بعضها ببعض، ثم قال: فهذه أقوال أهل السنة"، فكل هذا قد أعرض عنه ابن محمود؛ لكونه يخالف رأيه وما تلقاه عن بعض العصريين من إنكار خروج المهدي وإطراح الأحاديث الثابتة فيه. ثم إن ابن محمود نقل من كلام ابن القيم في مهدي الرافضة الإمامية وهو محمد بن الحسن العسكري، ومهدي المغاربة وهو محمد بن تومرت، ومهدي الملاحدة الباطنية وهو عبيد الله بن ميمون القداح، ثم قال في صفحة (٥٥): "فهذا كلام ابن القيم قد أنحى فيه بالملام وتوجيه المذام على سائر الفرق التي تدعي بالمهدي، ولم يستثن فرقة من فرقة؛ لكونها دعوى باطلة من أصلها، ويشير إلى أن فكرة المهدي المنتظر قد سبق إلى ادعائها كثيرون، وأنهم كلهم لم يعدلوا في الأرض بل ملئوا الدنيا جورًا وظلمًا وعدوانًا، وسفكوا الدماء واستباحوا المحارم خلاف ما يدعون إليه". والجواب: أن يقال: إن ابن القيم -رحمه الله تعالى- إنما أنحى بالملام على الرافضة الإمامية، وعلى محمد بن تومرت، وعلى عبيد الله بن ميمون القداح، فأما أهل السنة .......

стр. 272

فإنه ذكر أقوالهم الثلاثة في المهدي في صفحة (١٤٨) وما بعدها إلى أول صفحة (١٥٢)، ورجح القول الثالث من أقوالهم في صفحة (١٥١)، وذكر أن أكثر الأحاديث تدل عليه، وهذا نَصُّ كلامه، قال: "القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا فيملؤها قسطًا وعدلا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل". انتهى، ثم ذكر السر في كون المهدي من ولد الحسن ﵁، فكلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- صريح في موافقة أهل السنة على القول بخروج المهدي في آخر الزمان، ومن طالع ما ذكره في كتابه "المنار المنيف" من أول صفحة (١٤٢) إلى أثناء صفحة (١٥٢) من النسخة التي حققها عبد الفتاح أبو غدة، علم يقينًا أن كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- يخالف ما ذهب إليه ابن محمود من إنكار خروج المهدي في آخر الزمان، وعلم يقينًا أن ابن القيم إنما أنحى بالملام وتوجيه المذام على أهل البدع الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا، وعلم يقينًا ما في كلام ابن محمود من التمويه والتلبيس على ضعفة العقول والأفهام، وقد أمر الله -تعالى- بالتقوى والصدق، ونهى عن لبس الحق بالباطل وعن كتمان الحق، فقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وزعم ابن محمود في صفحة (٥٦) أن الجهل أدى إلى وضع خمسين حديثًا في المهدي عند أهل السنة، وأن مثل هذه الأحاديث هي التي أفسدت العقول، وجعلتهم يتبعون الملاحدة والمفسدين من دعاة المهدية. والجواب: أن يقال: بل الجهل كل الجهل في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي وإطراحها والاستخفاف بشأنها، كما قد فعل ذلك بعض العصريين ومن قلدهم وسار على نهجهم الباطل، وأما الأحاديث الواردة في المهدي فليست كلها موضوعة كما قد زعم ذلك ابن محمود ومن كان على شاكلته، بل فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وقد ذكرت أقوال العلماء فيها في أول الكتاب، فليراجع ذلك (١)، ففيه أبلغ رد على ابن محمود. وأما زعمه أن الأحاديث الواردة في المهدي هي التي أفسدت العقول. فجوابه: أن يقال: بل الذي أفسد العقول عند بعض الناس هو مخالفتهم للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، واستخفافهم بها، وتمسكهم بأقوال المنحرفين عن .....................

стр. 273

السُنة من العصريين، وهم الذين يعتمدون على النظريات والأفكار الخاطئة، ولا يبالون برد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ إذا كانت مخالفة لنظرياتهم وأفكارهم. وأما قوله: وجعلهم يتبعون الملاحدة والمفسدين من دعاة المهدية. فجوابه: أن يقال: لا عبرة بالجهال الذين يتبعون الملاحدة والمفسدين في الأرض فإنهم اتباع كل ناعق، وقد اتبع فئام من الناس كثيرًا من الدجالين المتنبئين، وكما أن ذلك لا يقدح في نبوة الأنبياء، فكذلك اتِّباع الجهال للملاحدة والمفسدين الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا، فإنه لا يقدح في الأحاديث الثابتة في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان. وقال ابن محمود في صفحة (٥٦) وصفحة (٥٧): "وإنه على فرض صحة هذه الأحاديث أو بعضها أو تواترها بالمعنى حسب ما يدعون، فإنها لا تعلق لها بالعقيدة الدينية، ولم يدخلها علماء السنة في عقائدهم؛ كشيخ الإسلام بن تيمية في رسائله الواسطية، والأصفهانية، والسبعينية، والتسعينية، ولم تُذكر في عقيدة الطحاوية وشرحها، ولا عقيدة ابن قدامة، ولا في الإبانة في أصول الديانة للأشعري، فعدم إدخالها في عقائدهم مما يدل على أنهم لم يعتبروها من عقائد الإسلام والمسلمين، ثم إن غالب الأحاديث التي زعموها صحيحة ومتواترة بالمعنى ما هي إلا حكاية عن أحداث تقع مع أشخاص؛ كرجل هرب من المدينة إلى مكة فيبايع له بين الركن والمقام، ورجل يخرج من وراء النهر فيبايع له، ورجل يخرج بعد موت خليفة، ورجل يخرج اسمه الحارث، ورجل يصلحه الله في ليلة، فهذه كلها ليست من العقائد الدينية كما زعم دعاة المهدي والمتعصبين لصحة خروجه، لهذا يجب طرح فكرة المهدي جانبًا ... إلى أن قال: وأرجو بهذا البيان أن تستريح نفوس الحائرين، ويعرفوا رأي أهل العلم والدين في هذه المشكلة التي تُثَار من آنٍ لآخر". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: كل ما أخبر به رسول الله ﷺ من أنباء الغيب مما مضى وما سيأتي، فإنه يجب الإيمان به، وهو مما يتعلق بالعقائد الدينية، سواء ذكره العلماء في عقائدهم أو لم يذكروه، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. ومن ذلك ما أخبر به رسول الله ﷺ عما سيكون بعده إلى قيام الساعة، وما بعد قيامها إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وما يكون بعد ذلك مما ......................

стр. 274

جاءت به الأخبار الثابتة، فكل ذلك حق يجب الإيمان به، سواء ذكر في كتب العقائد أولم يذكر. الوجه الثاني: أن يقال: قد ذكر غير واحد من العلماء في عقائدهم أنه يجب الإيمان بكل ما ثبت عن النبي ﷺ ، وهذا يشمل ما ذكروه في عقائدهم وما لم يذكروه، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في "العقيدة الواسطية": "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتِّباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا" انتهى. وقال شارح العقيدة الطحاوية: "لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملا"، وقال الطحاوي: "فإنه ما سلم في دينه إلا من سلّم لله ولرسوله ﷺ وردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالِمِه"، قال شارح العقيدة الطحاوية: "أي سلَّم لنصوص الكتاب والسنة، ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة"، وقال الشارح أيضًا: "الواجب كمال التسليم للرسول ﷺ ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل، نسميه معقولا، أو نحمله شبهة أو شكا، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المُرسِل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما؛ توحيد المُرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفَّذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرَّفه عن مواضعه وسمَّى تحريفه تأويلا وحملا، فقال نؤوله ونحمله. فلأن يلقى ربه بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خير له من أن يلقاه بهذه الحال، بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله ﷺ ، فهل يسوغ أن يؤخر قبوله والعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه؟ بل كان الفرض المبادرة إلى امتثاله من غير التفات إلى سواه، ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل يستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتتلقى نصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبوله على موافقة فلان دون فلان كائنًا من كان".

стр. 275

وقال الطحاوي أيضًا: "ولا تَثبُت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام"، قال الشارح: "أي لا يثبت إسلام من لم يُسلِّم لنصوص الوحيين، ويَنقَد إليها، ولا يعترض عليها، ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه، روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀ أنه قال: "مِن الله الرسالة، ومِن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"، قال الشارح: "وهذا كلام جامع نافع". انتهى. وقد ذكرت في أول الكتاب قول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: "إذا حدَّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت، ولا يترك لرسول الله ﷺ حديث أبدًا، إلا حديث وُجد عن رسول الله ﷺ آخر يخالفه". وذكرتُ أيضًا قول الإمام أحمد: "كل ما جاء عن رسول الله ﷺ إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ". وذكرت أيضًا قول ابن شاقلا: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع في سندها ولا جرح في ناقليها، فقد هجم على رد الإسلام؛ لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت". وذكرت أيضا قول أبي الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين": "جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئًا". وذكرت أيضًا قول الموفق أبي محمد المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل". انتهى. وفيما ذكرته عن هؤلاء الأئمة أبلغ رد على من استهان بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي ولم يبال بردها وإطراحها زاعمًا أنه لا تعلق لها بالعقيدة. وإذا علم هذا فقد صرح الإمام أبو محمد البربهاري في كتابه "شرح السنة" بذكر المهدي فقال: "والإيمان بنزول عيسى ابن مريم، ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج، ...................

стр. 276

ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ". انتهى، وقد نقله عنه القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة، وقد كان البربهاري في آخر القرن الثالث من الهجرة وأول القرن الرابع، وهو من أعيان العلماء، ومن الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد، وهو شيخ الحنابلة في وقته. وقد ذكرتُ في أول الكتاب قول أبي الحسين الآبري في كتابه: "مناقب الشافعي": "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه". انتهى، وقد نقله عنه جماعة من أكابر العلماء وأقروه، وقد ذكرت أسماءهم في أول الكتاب، فليراجع ما تقدم (١). الوجه الثالث: أن يقال: إن العلماء الذين ذكروا بعض أشراط الساعة في كتب العقائد إنما ذكروا منها ما لا نظير له وما ليس بمألوف عند الناس؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم من السماء، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة من الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، فأما ما كان له نظير وكان مألوفًا عند الناس فهذا مما لا تمس الحاجة إلى ذكره في العقائد، وقد أخبر النبي ﷺ بعدة أشياء من هذا القبيل تكون في آخر الزمان؛ مثل خروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأخبر أيضًا بالجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف بهم بالبيداء، وأخبر أيضًا بالرجل المؤمن الذي يخرج من المدينة فيقول للدجال: أشهد أنك الدجال، فيقتله الدجال ثم يحييه، وأخبر أيضًا بالرجل الأسود الأفحج الذي يقلع الكعبة حجرًا حجرًا، وأخبر أيضًا بانحسار الفرات عن كنز من ذهب أو قال عن جبل من ذهب، إلى غير ذلك من الأمور التي أخبر النبي ﷺ أنها ستكون في آخر الزمان، والأحاديث الواردة فيها بعضها في الصحيحين وبعضها في صحيح مسلم، ومع هذا لم تُذكر في كتب العقائد، فهل يقول عاقل إن عدم إدخالها في كتب العقائد يدل على أنها ليست بصحيحة، وأنه لا يجب الإيمان بوقوعها، وأنها لا تعلق لها بالعقيدة الدينية؟ كلا، لا يقول ذلك من له أدنى عقل ودين، والقول في المهدي مثل القول في هذه الأمور التي ذكرنا سواء بسواء. وأما قوله: ثم إن غالب الأحاديث التي زعموها صحيحة ومتواترة بالمعنى، ما هي إلا حكاية عن أحداث تقع مع أشخاص؛ كرجل هرب من المدينة إلى مكة فيبايع ............

стр. 277

له بين الركن والمقام، ورجل يخرج من وراء النهر فيبايع له، ورجل يخرج بعد موت خليفة، ورجل يخرج اسمه الحارث، ورجل يصلحه الله في ليلة. فجوابه: أن يقال: إن الذي ذكره ابن محمود ههنا وزعم أنه مع أشخاص متعددين يدور على رجلين؛ أحدهما المهدي، الذي جاء في الحديث أن الله يصلحه في ليلة، وهو الذي يخرج من المدينة هاربًا إلى مكة فيبايع له بين الركن والمقام، ويكون ذلك بعد موت خليفة، وبعد اختلاف يكون بعد موت ذلك الخليفة. وأما الرجل الذي يخرج من وراء النهر فهو الذي اسمه الحارث، وهو من أعوان المهدي وأنصاره، وليس هو الذي يبايع له كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما يبايع للمهدي. والحديث الوارد في الحارث ضعيف، وقد تقدم التنبيه على ذلك قريبًا، ولا يخفى ما في كلام ابن محمود من المغالطة والتلبيس. وقد لحن ابن محمود في قوله: كما زعم دعاة المهدي والمتعصبين لصحة خروجه، وصوابه: والمتعصبون بالرفع؛ لأنه معطوف على فاعل زعم. وأما قوله: لهذا يجب طرح فكرة المهدي جانبًا، فعندنا كتاب الله نستغني به عن كل دعي مفتون، كما أن لدينا سنة رسول الله ﷺ . فجوابه: أن يقال: إن خروج المهدي في آخر الزمان ثابت عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، وليس ذلك من قبيل الأفكار كما زعم ذلك ابن محمود تقليدًا لأحمد أمين، وقد ذكرت الأحاديث الثابتة في المهدي في أول الكتاب فلتراجع (١)، وما كان ثابتًا عن النبي ﷺ فطرحه حرام، ومن طرحه متعمدًا فإنه يخشى عليه من الفتنة والعذاب الأليم، قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وأما قوله: فعندنا كتاب الله نستغني به عن كل دعي مفتون، كما أن لدينا سنة رسول الله ﷺ . فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن المهدي الذي جاءت بذكره الأحاديث .....

стр. 278

الثابتة عن النبي ﷺ ليس من الأدعياء المفتونين، حاشا وكلا، وإنما هو من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، الذين يعملون بالسنة ويملئون الأرض قسطًا وعدلا، ولا يضره إنكاره من أنكره من العصريين، ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من ذوي الجراءة على رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ . الوجه الثاني: أن يقال: إن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا يستغنى بهما عن أئمة العدل الذين يعملون بهما، ويحملون الناس على العمل بهما، وينصفون المظلوم من الظالم، وقد تقدم الجواب عن هذا الزعم الباطل في أثناء الكتاب بأبسط من هذا فليراجع (١). وأما قوله: وأرجو بهذا البيان أن تستريح نفوس الحائرين، ويعرفوا رأي أهل العلم والدين في هذه المشكلة التي تثار من آن لآخر. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ليس في كلام ابن محمود شيء من البيان البتة، وإنما هو تمويه وتلبيس ومغالطة ومجازفة، من أول الرسالة إلى آخر كلامه في يأجوج ومأجوج، وكلامه مما يزيد الحائرين حيرة وضلالا عن الحق الثابت عن النبي ﷺ . الوجه الثاني: أن يقال: إنما تستريح نفوس الحائرين إلى خبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- لا إلى زبالة أذهان العصريين وآرائهم الفاسدة المعاكسة لأخبار رسول الله ﷺ ، فمن أراد لنفسه الراحة في شأن المهدي وغيره فليتمسك بما جاء عن الله -تعالى-، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، ولا يلتفت إلى ما خالف ذلك من أقوال الناس وتفكيراتهم وآرائهم. الوجه الثالث: أن يقال: من أطرح الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي أو في غيره متعمدا فليس بأهل أن يُعد من أهل العلم والدين، وإنما يوصف بضد ذلك، وليس لهؤلاء حرمة ولا كرامة، قال الله -تعالى-: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. الوجه الرابع: أن يقال: لا يخفى على من له أدنى علم وفهم ما في كلام ابن محمود من الإعجاب برأيه المخالف للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، ..................

стр. 279

وكل رأي خالف الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فهو فاسد ومردود على صاحبه، وكذلك لا يخفى ما في كلامه من دعوى العلم والدين وتزكية النفس بذلك، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. وقال ابن محمود في صفحة (٥٨): "ودعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح والاعتقاد السيئ القبيح، وهي في الأصل حديث خرافة يتلقفها واحد عن آخر، وقد صيغت لها الأحاديث المكذوبة سياسة للإرهاب والتخويف، حيث غزا بها قوم على آخرين، وإلا فمن المعلوم قطعًا أن الرسول الكريم لن يفرض على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به، ثم يترك أمته يتقاتلون على التصديق والتكذيب به إلى يوم القيامة. إن هذا من المحال أن تأتي الشريعة به؛ إذ هو جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل، والرسول جاء بمحاربة الفتن وقال: «أعوذ بالله من مضلات الفتن»، وقال: «لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، وقال: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله»، وقال: «إياكم ومحدثات الأمور». والمهدي واعتقاده هو من محدثات الأمور". والجواب: أن يقال: أما قوله: إن دعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح والاعتقاد السيئ القبيح. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذه مجازفة قبيحة جدًا وليس الأمر على ما زعمه ابن محمود، بل إن القول بظهور المهدي في آخر الزمان ثابت عن النبي ﷺ برواية الثقات عن الثقات، ولا يرد الأحاديث الثابتة فيه إلا من هو مكابر لا يبالي بمعارضة النبي ﷺ ورد الأحاديث الثابتة عنه. الوجه الثاني: أن يقال: إن الكذب الصريح والاعتقاد السيئ القبيح في الحقيقة هو قول المكابر: إن دعوى المهدي مبنية على الكذب والاعتقاد السيئ، وإنها في الأصل حديث خرافة، وإنها قد صيغت لها الأحاديث المكذوبة. الوجه الثالث: أن يقال: كيف يستجيز المسلم أن يصف الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ بأنها كذب صريح، وأن اعتقاد ما جاء فيها اعتقاد سيئ قبيح، إن هذا القول الباطل المستهجن لإحدى الكبر من مجازفات ابن محمود التي قالها من غير ...................

стр. 280

تثبت ولا تعقل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ومن تعزيز النبي ﷺ وتوقيره احترام الأحاديث الثابتة عنه والتسليم والانقياد والإذعان لها على أكمل الوجوه وأحسنها، وأن لا يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، فضلا عن مقابلتها بالتكذيب ووصفها بأنها كذب صريح، وأن اعتقاد ما جاء فيها اعتقاد سيئ قبيح، فهذا مما لا يتوقع صدوره من رجل مسلم. الوجه الرابع: أن يقال: إن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» رواه مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁، ومن قال في الأحاديث الثابتة في المهدي إنها كذب صريح، وإن اعتقاد ما جاء فيها اعتقاد سيئ قبيح، فهو خليق بأن تطبق عليه أحكام هذا الحديث الصحيح. وأما قوله: إنها في الأصل حديث خرافة يتلقفها واحد عن آخر. فجوابه: أن يقال: بل الخرافة كل الخرافة ما جازف به ابن محمود في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، وما تلقاه عن بعض العصريين من الشبه والشكوك والآراء الفاسدة في معارضتها وإطراحها. وأما قوله: وقد صيغت لها الأحاديث المكذوبة سياسة للإرهاب والتخويف. فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث الثابتة في المهدي رواتها كلهم ثقات من لدن الصحابة الذين رووها عن النبي ﷺ إلى الأئمة الذين خرجوها في كتبهم المشهورة، وليس في رواتها أحد من المتروكين ولا من الكذابين والوضاعين ولا من المغفلين الذين يقبلون التلقين، وإذا فما زعمه ابن محمود من أن دعوى المهدي قد صيغت لها الأحاديث المكذوبة فهو قول لا أساس له من الصحة، وإنما هو مجازفة وتمويه وتلبيس على ضعفاء العقول والأفهام، وهلا أورد ابن محمود الأحاديث في المهدي بأسانيدها، وذكر أسماء الكذابين من رواتها الذين صاغوها للإرهاب والتخويف على حد زعمه؟ ولن يجد إلى الطعن المؤثر في أسانيد الأحاديث الثابتة في المهدي سبيلا البتة. وقد زعم في صفحة (٤) أن عبد الله بن سبأ وشيعته أخذوا يعملون عملهم ..........

стр. 281

في صياغة الأحاديث ووضعها على لسان رسول الله بأسانيد منظمة عن أهل القبور، وأخذوا في نشرها في مجتمع الناس، وهذا الزعم لا أساس له من الصحة، إذ لا علاقة لابن سبأ وشيعته بشيء من الأحاديث الثابتة في المهدي، وليس في رواتها أحد منهم، وقد ذكرت الجواب عما ألصقه ابن محمود بابن سبأ وشيعته في أول الكتاب، فليراجع (١). وأما قوله: وإلا فمن المعلوم قطعًا أن الرسول الكريم لن يفرض على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به، ثم يترك أمته يتقاتلون على التصديق والتكذيب به إلى يوم القيامة. فجوابه: أن يقال: قد كرر ابن محمود هذا القول المستهجن في ستة مواضع سوى هذا الموضع، وقد تقدم الجواب عنه في أول الكتاب، وفي موضعين في أثنائه فليراجع (٢). وأما قوله: إن هذا من المحال أن تأتي الشريعة به، إذ هو جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل. فجوابه: أن يقال: إن الله -تعالى- قد فرض الإيمان به وبرسوله ﷺ فقال -تعالى-: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». ومن الإيمان بالله ورسوله ﷺ الإيمان بكل ما ثبت عن النبي ﷺ من الأوامر والنواهي والأخبار، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقد ثبت عنه ﷺ أنه أخبر بخروج رجل من أهل بيته في آخر الزمان، يعمل بسنته ..........................

стр. 282

ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وسماه في بعض الأحاديث بالمهدي، فوجب الإيمان بخبره الصادق، ومن لم يؤمن به فلا شك أنه لم يحقق الشهادة بالرسالة. ومن زعم أنه ليس في الشريعة الإيمان بخروج المهدي، وأنه من المحال أن تأتي الشريعة به، فذلك دليل على بعده عن معرفة ما جاءت به الشريعة. وأما قوله: إذ هو جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل. فجوابه: أن يقال: أما المهدي الذي أخبر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان فليس خروجه فتنة ولا مشكلة، وإنما هو نعمة عظيمة على المؤمنين؛ لأن الله -تعالى- يزيل الفتن والمشاكل والجور والظلم على يديه، ويبدل ذلك بالقسط والعدل والأمن والطمأنينة والرخاء والنعم الكثيرة، كما قد جاء ذلك في بعض الأحاديث التي تقدم ذكرها في أول الكتاب (١)، وأما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا وحصل بسببهم فتن ومشاكل فهؤلاء إنما كانوا يسعون لتحصيل الملك والأغراض الدنيوية، وبين صفاتهم وصفات المهدي الذي يخرج في آخر الزمان بَون عظيم وفرق شاسع، ودعاواهم الكاذبة لا تؤثر في الأحاديث الواردة في المهدي، كما أن دعاوى الدجالين المدعين للنبوة لا تؤثر في نبوة الأنبياء، وقد وجد من هؤلاء وهؤلاء عدد كثر، وحصل بسببهم فتن ومشاكل كثيرة، ومن لم يفرق بين المهدي الذي بشر به رسول الله ﷺ وبين الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا وجعل الجميع من باب واحد، فحري به أن لا يعرف الفرق بين الأنبياء وبين المتنبئين. وأما قوله: والرسول جاء بمحاربة الفتن وقال: «أعوذ بالله من مضلات الفتن». فجوابه: أن يقال: قد أخبر النبي ﷺ عن المهدي أنه يعمل بسنته، وأن خُلُقه يواطئ خُلُقه، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وفي هذا أوضح دليل على أن المهدي يحارب الفتن وأهل الفتن كما كان النبي ﷺ يحارب الفتن وأهل الفتن، وفيه أيضًا أبلغ رد على من زعم أن المهدي جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل. وأما قوله: وقال: «لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».

стр. 283

فجوابه: أن يقال: إن المحجة البيضاء هي التمسك بالكتاب والسنة، لما رواه مالك في الموطأ بلاغًا أن النبي ﷺ قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصولا من حديث ابن عباس ﵄، وصححه وأقرَّه الذهبي. وإذا علم هذا فمن المحجة البيضاء ما ثبت عن النبي ﷺ من عدة أوجه، أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فمن لم يؤمن بخروجه ففيه من الزيغ عن المحجة البيضاء بقدر ما أعرض عنه من السنة. وأما قوله: وقال: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله». فجوابه: أن يقال: إن الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان من الاعتصام بكتاب الله -تعالى- لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقد أمر الله -تعالى- بالإيمان بالرسول ﷺ في آيات كثيرة، ومن الإيمان بالرسول ﷺ الإيمان بما أخبر به من الغيوب الماضية والآتية، ومن الغيوب الآتية خروج المهدي في آخر الزمان، فمن لم يؤمن بخروجه فلا شك أنه لم يحقق الاعتصام بكتاب الله ولا الإيمان بالرسول ﷺ . وأما قوله: وقال: «إياكم ومحدثات الأمور» والمهدي واعتقاده هو من محدثات الأمور. فجوابه: أن يقال: بل الذي هو من محدثات الأمور على الحقيقة إنكار خروج المهدي في آخر الزمان ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه وردها وإطراحها، فأما إثبات خروجه فهو من لزوم السنة، ومن التسليم لما جاء عن النبي ﷺ . وقال ابن محمود في صفحة (٦٢): "وإني أرجو بعد دراستهم لهذه الرسالة بأن ينتبهوا ويتناصحوا، فيغسلوا قلوبهم عن اعتقاد هذه الخرافة التي ستضرهم وتضر أبناءهم ومجتمعهم من بعدهم". والجواب: أن يقال: إنه ينبغي لأهل العلم أن يحذروا الناس من دراسة رسالة ابن محمود، لما فيها من التهجم على الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، ومعارضتها بالشبه والشكوك والآراء الفاسدة، ووصفها بالصفات الذميمة؛ كقوله إنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وإنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، ..............................

стр. 284

وما فيها أيضًا من السخرية والاستهزاء بما أخبر به رسول الله ﷺ عن المهدي، أنه يملك سبع سنين فيملأ الأرض قسطًا وعدلا، وما فيها أيضًا من التهجم على العلماء عامة، وعلى الشافعي وأحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية خاصة، وزعمه أن الناس مقلدة، وأن المحدثين والفقهاء ينقل بعضهم عن بعض الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، وما فيها أيضًا من التقوُّل على ابن ماجة، والدارقطني، والعقيلي، والمنذري، وابن القيم، والذهبي، والشاطبي، وابن خلدون، وعلى القاري، والسيوطي، وقد تقدم ذكر ذلك والتعقب عليه، إلى غير ذلك مما في رسالته من الفضول والكلام المستهجن، الذي هو مضرة عليه في دينه ومضرة على كل من اغتر برسالته. ونقل ابن محمود في صفحة (٦٢) وصفحة (٦٣) عن رشيد رضا أنه قال في تفسيره "المنار" عند تفسير سورة الأعراف: "أما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان- البخاري ومسلم- بشيء من روايتها ... إلى أن قال: وقد جاءهم النذير، وهو ابن خلدون الشهير، وصاح فيهم قائلا: إن لله سننا في الأمم والدول، والعمران مطرد في كل زمان ومكان، كما ثبت في مصحف القرآن وصحف الأكوان، ومن المعلوم وقوع الاختلاف والاضطراب في أحاديث المهدي"، ونقل ابن محمود أيضًا في صفحة (٦٤) وصفحة (٦٥) من جواب لرشيد رضا أنه قال: "وردت أحاديث في المهدي، منها ما حكموا بقوه إسناده، ولكن ابن خلدون عني بإعلالها وتضعيفها كلها، ومن استقصى ما ورد في المهدي المنتظر من الأخبار والآثار وعرف مواردها ومصادرها يرى أنها كلها منقولة عن الشيعة ... إلى أن قال: أما سائر المسلمين فالأمر عندهم أهون، فإن منكر المهدي عندهم لا يعد منكرًا لأصل من الدين ... إلى أن قال: وجملة القول أننا لا نعتقد بهذا المنتظر، ونقول بضرر الاعتقاد به". هذا حاصل كلام رشيد رضا الذي اعتمد عليه ابن محمود في رسالته، وخالف لأجله الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي. والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إنه لا يستكثر من رشيد رضا أن يشن الحملة على أحاديث المهدي، فقد شن الحملة على ما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما من أحاديث الفتن وأشراط الساعة وخوارق الأنبياء ......................................

стр. 285

ومعجزاتهم، وقد رد عليه تلميذه محمد عبد الرازق حمزة في ضمن رده على أضاليل أبي رية، فقال في صفحة (٢٣٦) وصفحة (٢٣٧) من كتابه المسمى "ظلمات أبي رية" ما نصه: "ونقل أبو رية (ص٢١٥) تحت عنوان (كلمة جامعة في أحاديث أشراط الساعة وأمثالها) كلمة في نحو صفحتين عن السيد رشيد رضا من تفسير (٥٠٤ - ٥٠٧) ج٩، فيما جاء من الأحاديث في أشراط الساعة، وخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم وغيرها، شكك فيها بأن الرواة رووها بالمعنى - يعني ويجوز الخطأ عليهم فيما فهموه من كلام النبي ﷺ ، وأن الصحابة كان فيهم منافقون، وفي الرواة وضاعون تظاهروا بالصلاح، فلم يعرف ما وضعوه إلا بعد توبة بعضهم وإقراره بما وضع - إلى آخر ما هو دفع في صدر الأحاديث الصحيحة وعجزها، وإضعاف الثقة بها والاحتجاج بما جاءت به". ونقول كلمة موجزة في سبب هذا التشكيك من السيد رشيد، تخرج على أستاذه الإمام الشيخ محمد عبده، الذي تمهر في فلسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ورضعا جميعًا لبان فلسفة جوستاف لوبون، وكانت، ونتشه، وسبنسر، وغيرهم من أساطين الفلسفة المادية، التي تقول بجبرية الأسباب والمسببات، وإن العالم يسير بنواميس لا يمكن أن تتخلف أو أن ينفك مسبب عن سببه عقلا، فلم تتسع الفلسفة المادية في تفكيرهما للإيمان بالمعجزات والخوارق؛ من انفلاق البحر لموسى والعصا له، وآيات عيسى ابن مريم، ورفعه للسماء، ونزوله، وخروج الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وانشقاق القمر، وغيرها من الآيات، ولما لم تتسع فلسفتهما- فلسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر- لهذه الخوارق والآيات والمعجزات، أخذا في تأويلها في القرآن والشك في أحاديثها، ولو عاش الإمامان الشيخ محمد عبده، والسيد رشيد رضا إلى منتصف القرن العشرين، وعلما فلسفته التي نفت الجبرية، وأنها ذهبت إلى غير رجعة، وأن العالم مسير بحكمة فاعل مختار، لا بجبرية حتمية، كما أعلن ذلك مشرفة باشا في مقال له "تطور العلم"، والعالم الطبيعي الفلكي الإنكليزي جنز في كتاب "الكون الخفي" أو المستور، ورئيس الأكاديمية الأمريكية في نيويورك صاحب كتاب "الإنسان لا يقوم وحده" الذي يرد على هكسلي خليفة دارون في كتابه "الإنسان يقوم وحده"، وقد عرب كتاب "الإنسان لا يقوم وحده" باسم "العلم يدعو إلى الإيمان".
следующие страницы →