← Акыда

Акыда · id 36047

إجلاء الحقيقة في سيرة عائشة الصديقة

ياسين الخليفة الطيب المحجوب

Полный текст (236 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الرابع الفضائل التي انفردتْ بِها ﵂ انفردت عَائِشَة ﵂ بجملة من المناقب والفضائل التي ذكرتها كتب السنة وهي كثيرة جدًا، منها: أولاً: أنَّها من أفضل النساء، كما في حديث أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فَضْلُ عَائِشَة عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ (١) عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» (٢)، وحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَة عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» (٣). ثانيًا: أنها كانت أحب الأزواج إلى النَّبِيّ ﷺ ، ويدل على ذلك دلالة واضحة، حديث عمرو بن العاص ﵁ حينما سأل النَّبِيّ ﷺ فقال: «أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَة"، قَالَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا"» (٤)، والنصوص التي

стр. 72

تدل على محبة النَّبِيّ صلى الله عيه وسلم لعَائِشَة ﵂ كثيرة، قد سبق ذكر بعضها في المبحث الرابع: «مكانتها عند النَّبِيّ ﷺ وحبه لها». ثالثًا: أنَّ أباها كان أحبُّ الرجال إلي النَّبِيّ ﷺ ، وأعزهم عليه، ويدل لذلك حديث عمرو بن العاص السابق، وكان أبوها أيضًا أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، فعن ابن عمر ﵄، قال: «كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيّ ﷺ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵃» (١)، وفي رواية: «كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: "أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيّ ﷺ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ﵃ أَجْمَعِينَ"» (٢). وقد أجمع الصحابة ﵃ ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة والناس بعد النَّبِيّ ﷺ ، أبو بكر (٣)، قال الشافعي ﵀: "أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر ... " (٤). وقد نقل الإجماع على أن أفضل الناس بعد النَّبِيّ هو أبو بكر الصديق جماعة

стр. 73

من أهل العلم منهم: الإمام الشافعي (١)، وأبو طالب العشاري (٢)، والنووي (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والبيهقي (٥)، وابن حجر (٦) ﵏ جميعًا. رابعًا: أن النَّبِيّ ﷺ لم يتزوج بكراً غيرها، فعنها ﵂ قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرةً لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: "فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا" تَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا» (٧). وقالت أيضًا في حديث طويل: «أُعْطِيتُ تِسْعًا مَا أُعْطِيَتْهَا امْرَأَةٌ إِلا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ»، وفيه: «وَلَقَدْ تَزَوَّجَنِي بِكْرًا وَمَا تَزَوَّجَ بِكْرًا غَيْرِي» (٨)، وفي رواية: «فِيَّ سَبْعُ

стр. 74

خِصَالٍ لَيْسَتْ فِي أَحَدٍ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيّ ﷺ : تَزَوَّجَنِي النَّبِيّ ﷺ بِكْرًا، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ بِكْرًا غَيْرِي» (١). خامسًا: نزول براءتها من السماء بما نسبه إليها أهل الإفك في ست عشرة آية متوالية، وَجَعْلُه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، وشهد الله لها بأنها من الطيبات، ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢). سادسًا: لم ينزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجًا وللمسلمين بركة، ومن ذلك: حادثة الإفك السابقة، فإنها قد عادت عليها وعلى المسلمين، بالخيرات والبركات، كما أثبت ذلك الله في كتابه، حيث قال: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣).

стр. 75

وأيضًا مما أُنزل بسببها وبركتها، آية التيمم التي كانت رحمة ورخصة للمؤمنين، فعنها ﵂: «أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً (١) فَهَلَكَتْ (٢)، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ، إِلا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَجُعِلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةٌ» (٣). سابعًا: أن المَلَكُ جاء بصورتها إلى رسول الله ﷺ في سَرَقَةٍ من حرير، فعنها ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رَأَيْتُكِ فِي المَنَامِ يَجِيءُ بِكِ المَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ» (٤). وفي رواية: «أَنَّ جِبْرِيلَ، جَاءَ بِصُورَتِهَا فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: "هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ"» (٥).

стр. 76

ثامنًا: اختياره ﷺ أن يمرض في دارها، ووفاته في بيتها، بين سحرها ونحرها، واجتماع ريقه وريقها في آخر ساعة له من الدنيا، ودفنه في بيتها، فعنها ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، يَقُولُ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟، أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ " يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَة، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَة حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا، قَالَتْ عَائِشَة: فَمَاتَ فِي اليَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ، فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي (١) وَسَحْرِي (٢)، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي، ثُمَّ قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَضِمْتُهُ (٣)، ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي» (٤). تاسعًا: لم يكن ينزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها، فقد قال ﷺ : «لاَ تُؤْذِينِي فِي عَائِشَة، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا»، وفي رواية: «فَإِنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ، إِلا

стр. 77

عَائِشَة» (١). عاشرًا: أنَّ جبريل أرسلَ لها السَّلامَ مع رسول الله ﷺ ، فعنها ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ يومًا: «"يَا عَائِشَ (٢)، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلاَمَ"، فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لاَ أَرَى تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ » (٣). الحادي عشر: "أنها أول من بدأها النَّبِيّ ﷺ بالتخيير عند نزول آية التخيير وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً - وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤). وقَرَنَ ذلك بموافقة أبويها فاختارت رسول الله ﷺ قبل أن تستشيرهما فاستن بها بقية أمهات المؤمنين ﵅، فعن عَائِشَة ﵂ قالت: «لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ، بَدَأَ بِي، فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي (٥) أَبَوَيْكِ"، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ

стр. 78

الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً - وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) "، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ» (٢) " (٣). الثاني عشر: كان لها يومان وليلتان في القسم دون غيرها من أمهات المؤمنين، وذلك لما وهبتها سودة يومها وليلتها، فعن عَائِشَة ﵂: «أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لعَائِشَة، وَكَانَ النَّبِيّ ﷺ يَقْسِمُ لعَائِشَة بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ» (٤). الثالث عشر: أنَّها كانت من أعلم وأفقه نساء هذه الأمة، ولم تكن هنالك امرأة أكثر حديثاً منها فيما روته عن النَّبِيّ ﷺ ، قال الزهري ﵀: «لَوْ جُمِعَ عِلْمُ عَائِشَة إِلَى عِلْمِ جَمِيْعِ النِّسَاءِ، لَكَانَ عِلْمُ عَائِشَة أَفْضَلَ»، وفي رواية: «لَوْ جُمِعَ عِلْمُ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ فِيهِنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيّ ﷺ كَانَ عَلِمُ عَائِشَة

стр. 79

أَكْثَرَ مِنْ عِلْمِهِنَّ» (١). وعن محمود بن لبيد قال: «كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيّ ﷺ يَحْفَظْنَ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيّ ﷺ كَثِيرًا وَلا مِثْلاً لعَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ عَائِشَة تُفْتِي فِي عَهْدِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَتْ، يَرْحَمُهَا اللَّهُ، وَكَانَ الأكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرُ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ يُرْسِلانِ إِلَيْهَا فَيَسْأَلانِهَا عَنِ السُّنَنِ» (٢). وختامًا لهذه الفضائل، أسوق بعض الأبيات التي تذكر بعضًا من فضائل عَائِشَة ﵂: يقول القحطاني ﵀ في نونيته: أكرِم بِعائِشَةَ الرِضى مِن حُرَّةٍ ... بِكرٍ مُطَهَّرَةِ الإزارِ حَصَانِ هيَ زَوجُ خَيرِ الأَنبياءِ وَبِكرُهُ ... وَعَروسُهُ من جُملَةِ النِسوانِ هي عِرسُهُ هيَ أُنسه هيَ إِلفُهُ ... هيَ حِبُّهُ صِدقًا بِلا أَدهانِ أَوَلَيسَ والِدُها يُصافي بَعلَها ... وَهُما بِروحِ اللَهِ مُؤتَلِفانِ (٣)

стр. 80

الفصل الثالث العلاقة الحسنة بين أُمِّ المؤمنين عَائِشَة وآل البيت ... وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وعلي ﵄. المبحث الثاني: العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وفاطمة ﵄. المبحث الثالث: العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وذرية علي وبقية آل البيت.

стр. 81

المبحث الأول العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وعليّ ﵄ كانت علاقة عَائِشَة ﵂ بعليّ ﵁ قبل وفاة النَّبِيّ ﷺ ، علاقة حميمة، ثمّ بعد وفاة النَّبِيّ ﷺ حدثت فتنة الجمل، واختلف كل من عَائِشَة وعلي ﵄ في الاجتهاد، وحصل ما حصل، ولكن بالرغم من ذلك، لم تكن العلاقة بينهما علاقة عداء وجفاء، بل إن عَائِشَة ﵂ لما أرادت الخروج من البصرة - بعد انتهاء فتنة الجمل -، بعث إليها عليّ ﵁ بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج (١) فودعت الناس ودعت لهم، وقالت: «يَا بَنِيَّ لا يَعْتِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيٍّ فِي الْقِدَمِ إِلا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا، وَإِنَّهُ عَلَى مَعْتَبَتِي لَمِنَ الأخْيَارِ»، فقال علي ﵁: «صَدَقَتْ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا إِلا ذَاكَ، وَإِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، ثم سار علي معها مودعًا ومشيعًا أميالاً (٢).

стр. 82

فهذا الموقف من أصدق المواقف التي تبين عمق العلاقة بين علي وعَائِشَة ﵄، ولو كانت عَائِشَة ﵂ تحمل شيئًا في نفسها، لما قالت تلك المقالة، وأيضًا لو كان علي ﵁ يحمل على عَائِشَة ﵂ شيئًا لما أقرَّها على قولها، ولا قال هذه الكلمات التي تكتب بماء الذهب، ولا وقف معها هذا الموقف الرائع. والأعجب من ذلك أن عليًا ﵁ كان يعاقب من يتكلم بكلام فيه نيل من أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ بالجلد والضرب، فقد ذكر ابن الأثير ﵀: "أن رجلين وقفا على باب الدار الذي نزلت فيه أُمّ المؤمنين بالبصرة فقال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقًا، وقال الآخر: يا أمنا توبي فقد أخطأت - فبلغ ذلك عليًا - فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة وهما عجلان وسعد ابنا عبد الله فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما" (١). ويدل أيضًا على العلاقة الحسنة بين علي وعَائِشَة ﵂، ما روي عنها أنَّها كانت طلبتْ من الناس بعد مَقْتل عثمان أنْ يلزموا عليًّا ويبايعوه (٢)، وقد اعترف بعضُ الشيعة بهذا الأمر (٣). يقول عمر بن شَبَّه (٤) ﵀: "أَنَّ أحداً لم ينقل أن عَائِشَة ومن معها نازعوا

стр. 83

عليًا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكرت هي ومن معها على عليِّ منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم" (١)، مع أَنَّ علي لم يمنع من قتلة عثمان، وإنما أخر ذلك، حتى تتضح الصورة وتستقيم الأمور. ومما يدل أيضًا على العلاقة الطيبة بين عَائِشَة وعليِّ ﵄، أن عَائِشَة ﵂ كانتْ أحيانًا تُحيلُ السائل على عَلِيِّ ليجيبَه، فعن شريح بن هانئ قال: «سَأَلْتُ عَائِشَة، عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: ائْتِ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ بِمِثْلِهِ»، وفي رواية: «عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢). وقد سأل عَائِشَة ﵂ آخر، فقال: «فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَتْ لَهُ: سَلْ عَلِيًّا، ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِالَّذِي يَقُولُ لَكَ، قَالَ: فَأَتَى عَلِيًّا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ"، فَرَجَعَ إِلَى عَائِشَة فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ: "صَدَقَ"» (٣).

стр. 84

المبحث الثاني العلاقة الحَسَنَة بين عَائِشَة وفاطمة ﵄ إِنَّ علاقة عَائِشَة بفاطمة ﵄ هي علاقة ود وحب ووئام واحترام وتقدير، ولم يَثْبت في الأحاديث الصحيحة أن واحدة منهما قد حملت شيئًا من البغض أو الكراهية تجاه الأخرى، بل أجمع أصحاب السير ورواة الأحاديث على أن الصلة بين عَائِشَة وفاطمة ﵄ كانت على أحسن ألفة، وأكمل مودة، كأسمى ما يكون من العلاقات بين الأحباء، وقد ورد في أخبار التاريخ ما يؤكد ارتباط نسيج المحبة بينهما. وهناك آثار كثيرة تُبيّن العلاقة الحسنة بين عائشة وفاطمة ﵄، ومن ذلك: ما رواه عمرو بن دينار (١) قال: قالت عَائِشَة ﵂: «مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَصَدَقَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا» (٢).

стр. 85

وأيضاً ما روت عَائِشَة بنت طلحة (١)، عن أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂، أنها قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلاَّ (٢) وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٣). وهنا وصفتْ أُمُّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ فاطمة بصفات حميدة تبين قدرها ومنزلتها حيث أنها تشبه النَّبِيّ ﷺ هيئةً وطريقةً وسمتًا وخلقًا. ووصفتها أيضًا بصدق اللهجة، فعن عبد الله بن الزبير، عن عَائِشَة ﵂ أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النَّبِيّ ﷺ قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَصْدَقَ لَهْجَةً

стр. 86

مِنْهَا، إِلا أَنْ يَكُونَ الَّذِي وَلَدَهَا» (١). وكانت فاطمة ﵂ إذا جاءت إلى النَّبِيّ ﷺ في حاجة ولم تجده أوصت بذلك عَائِشَة ﵂، فعن علي بن أبي طالب ﵁: «أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَتَتِ النَّبِيّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لعَائِشَة، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَة ... » الحديث (٢). فهذا يدل على ثقة فاطمة ﵂ بعائشة ﵂، ويدل أيضًا على اهتمام عَائِشَة ﵂ بتبليغ ما أوكلته إليها فاطمة ﵂. وأيضًا لما أرسل أمهاتُ المؤمنين فاطمةَ ﵂، إلى النَّبِيّ ﷺ تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: «يَا بُنَيَّة أَلاَ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟»، قالت: بلى، فرجعت إليهن، فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع (٣). وفي هذا تصريح واضح من فاطمة بمحبتها لعَائِشَة ﵄.

стр. 87

المبحث الثالث العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وذُرِّيَّة عليِّ وبقية آل البيت كانتْ علاقة عَائِشَة ﵂، بذرية علي ﵁ وبقية آل البيت، علاقة طيِّبة مِلْؤُهَا البرُّ والوفاء؛ بل روت عَائِشَة ﵂ الأحاديث التي تدل على فضلهم، ومن ذلك حديث الكِساء، حيث قالت ﵂: «خَرَجَ النَّبِيّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: " ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١)» (٢). "ولم تسجل لنا كتب الأحاديث واقعة صحيحة تدل على أن عَائِشَة ﵂، تحمل شيئًا من الكراهية أو البغض في قلبها تجاه أحد من آل البيت، بل أجمع أصحاب السير على أن الصلة بين عَائِشَة ﵂ وآل البيت كانت على أكمل ما ترضاه السجية الإنسانية" (٣). وقد نقلتْ لنا كتبُ الشيعة أن عددًا من أئمتهم كانوا يسمون بناتهم باسم عَائِشَة، ومن هؤلاء:

стр. 88

موسى الكاظم (١)، وعلي الهادي (٢)، فلو كانت عَائِشَة ﵂ تبغض وتعادي آل البيت لما سموا بناتهم باسمها. والشواهد على علاقة عَائِشَة الحسنة بآل البيت كثيرة جدًا، مبثوثة في كتب الأحاديث والتاريخ، بل وكتب الشيعة أنفسهم، ولا يتسع الوقت لحصرها وجمعها. وقد ثبت باليقين وبداهة العقول حسن الود بين عَائِشَة وبين علي وأبنائه، مع ما يعلم من ورع عَائِشَة وخوفها من ربها تعالى، ومعرفتها للحقوق والواجبات، وإنزالها للناس منازلهم.

стр. 89

الفصل الرابع أباطيل وشبهات حول أُمِّ المؤمنين عَائِشَة والرد عليها وفيه مبحثان: المبحث الأول: الافتراءات والأباطيل المكذوبة على عَائِشَة ﵂. المبحث الثاني: الشُّبُهَات المثارة حول عَائِشَة ﵂.

стр. 90

المبحث الأول الافتراءات والأباطيل المكذوبة على عَائِشَة ﵂ وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: أقوال أهل العلم في كذب الرَّافِضَة. المطلب الثاني: قول الرَّافِضَة: إِنَّ عَائِشَة سقت النَّبِيّ ﷺ السُّمَّ. المطلب الثالث: قولهم: إِنَّ عَائِشَة اتَّهمت مارية القبطية بالزِّنا فنزلت فيها آية الإفك. المطلب الرابع: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تبغض عثمان، وتقول: "اقتلوا نعثلاً فقد كفر". المطلب الخامس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة مَنَعتْ من دَفْنِ الحسن بن عليّ عند جَدِّه. المطلب السادس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تَكْذِبُ على رسول الله ﷺ . المطلب السابع: قولهم: إِنَّ عَائِشَة أغضبتْ فاطمة حتى أَبْكَتْها.

стр. 91

المطلب الأول أقوال أهل العلم في كَذِب الرَّافِضَة من المعلوم أن الرَّافِضَة أكذب الفِرَق المنتسبة إلى الإسلام، ودينَهم مبنيٌّ على الكَذب، وأبغض الناس إليهم الصحابة، قال الإمام الشافعي (١) ﵀: "لم أرَ أحدًا أشْهَدَ بالزور من الرَّافِضَة" (٢). وقال يزيد بن هارون (٣) ﵀: "يَكْتُبُ عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرَّافِضَة، فإنهم يكذبون" (٤). وقال محمد بن سعيد الأصبهاني (٥) ﵀: سمعتُ شَرِيْكًا يقول: "احْمِلِ العلمَ

стр. 92

عن كلِّ مَن لقِيتَ إلاَّ الرَّافِضَة؛ فإنهم يضعون الحديثَ، ويتَّخِذونه دِينًا" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد اتَّفقَ أهْلُ العلم بالنقْل والرواية والإسناد على أنَّ الرَّافِضَة أكذَبُ الطوائف، والكَذب فيهم قديمٌ؛ ولهذا كان أئمةُ الإسلام يعلمون امتيازَهم بكثرة الكَذب" (٢). وأقوال العلماء في كَذِب الرافضة أشهر من أن تُذكر، وأكثر من أن تُحصر، وفيما يلي ذكر لبعض الافتراءات التي اختلقها الرَّافِضَة على أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂:

стр. 93

المطلب الثاني قول الرَّافِضَة: إنَّ عَائِشَة سقتْ النَّبِيَّ ﷺ السُّمَّ يقول الرَّافِضَة: إنَّ عَائِشَة وحَفْصة تآمَرَتا مع أبويهما؛ لاغتيال النَّبِيّ ﷺ ، فقد وضَعَتا السُّمَّ في فَمِ النَّبِيّ ﷺ وأنَّه ماتَ نتيجة ذلك، وسلك الرَّافِضَة في هذه الفرية مسلكين: المسلك الأول: وضع الروايات المكذوبة: فجاء في 'البرهان في تفسير القرآن' (١) لهاشم البحراني (٢)، و'بحار الأنوار' (٣) للمجلسي (٤)، في تفسير قوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٥): "قال علي بن إبراهيم القمي (٦): كان سبب نزولها أن رسول الله

стр. 94

صلى الله عليه وآله كان في بعض بيوت نسائه، وكانت مارية القبطية معه تخدمه، وكان ذات يوم في بيت حفصة، فذهبت حفصة في حاجة لها، فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله مارية، فعلمت حفصة بذلك، فغضبت وأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالت: يا رسول الله، هذا في يومي، وفي داري، وعلى فراشي! فاستحيا رسول الله صلى الله عليه وآله منها، فقال: «كفي فقد حرَّمتُ مارية على نفسي، ولا أطأها بعد هذا أبداً، وأنا أفضي إليك سرًا، فإن أنت أخبرت به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». فقالت: نعم، ما هو؟ فقال: «إن أبا بكر يلي الخلافة من بعدي، ثم من بعده عمر أبوك». فقالت: من أخبرك بهذا؟ قال: «الله أخبرني». فأخبرت حفصة عَائِشَة من يومها بذلك، وأخبرت عَائِشَة أبا بكر، فجاء أبو بكر إلى عمر، فقال له: إن عَائِشَة أخبرتني عن حفصة كذا، ولا أثق بقولها، فسل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة، فقال لها: ما هذا الذي أخبرت عنك عَائِشَة؟ فأنكرت ذلك، وقالت: ما قلت لها من ذلك شيئاً، فقال لها عمر: إن كان هذا حقّاً فأخبرينا حتى نتقدم، فاجتمع أربعة على أن يسموا رسول الله - صلى الله عليه وآله -، فنزل جبرئيل ﵇ على رسول الله - صلى الله عليه وآله - بهذه السورة: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ يعني: قد أباح الله لك أن تكفر عن يمينك ﴿واللَّهُ

стр. 95

مَوْلاكُمْ وهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ - وإِذْ أَسَرَّ النَّبِيّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي أخبرت به ﴿وأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يعني أظهر الله نبيه على ما أخبرت به وما هموا به من قتله ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أي أخبرها وقال: «لم أخبرت بما أخبرتك به؟» ". وجاء في نفس الكتابين السابقين في موضع آخر: "عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله ﵇، قال: تدرون مات النَّبِيّ صلى الله عليه وآله أو قتل؟، إن الله يقول: ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ فسم قبل الموت، إنهما سقتاه، فقلنا: إنهما وأبويهما شر من خلق الله" (١). ويقول ياسر الحبيب (٢) في احتفاله بوفاة عَائِشَة ﵂: "ماذا أقول، وماذا أعدد أو أذكر؟ أأذكر سمَّها لرسول الله صلى الله عليه وآله وقتلها إياه؟ " (٣)، فهو

стр. 96

ينقل هذه الفرية عن أسلافه، ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (١). المسلك الثاني: صرف معنى الأحاديث الصحيحة إلى ما يوافق هواهم: استغل الرَّافِضَة قصة سقي عَائِشَة وحفصة النَّبِيّ ﷺ الدواء في مرضه، فقالوا: سقتاه السُّمَّ، وهذا هو نص الرواية الصحيح: عن عَائِشَة ﵂، قالت: «لَدَدْنَا (٢) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: "لاَ تَلُدُّونِي"، قَالَ: فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي" قَالَ: قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاّ لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلاّ العَبَّاسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ"» (٣). وعن أسماء بنت عميس ﵂، قالت: «أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "مَا هَذَا؟ " فَقُلْنَا: هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَاهُنَا - وَأَشَارَ [الراوي] إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ - وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ، قَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ فِيكَ ذَاتَ

стр. 97

الْجَنْبِ (١) يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "إِنَّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللهُ لَيَقْرَفُنِي بِهِ (٢) لاَ يَبْقَيَنَّ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلاّ الْتَدَّ إِلاّ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَعْنِي الْعَبَّاسَ، قَالَ: فَلَقَدِ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ يَوْمَئِذٍ وَإِنَّهَا لَصَائِمَةٌ لِعَزْمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٣). الرد على هذه الفرية من وجوه (٤): الوجه الأول: أن القصة في مسلكهم الأول من الأباطيل المكذوبة، ومن الدَّعاوى الغريبة التي سوّد الرَّافِضَة بها كتبهم، فالرَّافِضَة إذا أرادوا أن يؤيدوا باطلهم عمدوا إلى بعض الآيات القرآنية، فاخترعوا في تفسيرها قصصًا مختلقة تُؤيِّد إفكهم، حتى يُوهموا أبناء طائفتهم، ومن يُسقطونه في حبائلهم أنّ هذا الإفك الذي زعموه قد نزلت في بيانه وتأكيده آيات القرآن الكريم، وهذا ما فعلوه في هذه الافتراءات

стр. 98

التي أرادوا إلصاقها بخير عباد الله بعد الأنبياء والمرسلين؛ بأبي بكر وعمر، وبابنتيهما ﵃ أجمعين (١). وهذه الأكذوبة التي ذكروها في سبب نزول آيات سورة التحريم، لم أجدها في غير كتب الرَّافِضَة، والصحيح أن سبب نزول هذه الآيات كان في تحريم النَّبِيّ ﷺ للعسل كما في الصحيح، فعن عَائِشَة ﵂ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ: "لاَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، لاَ تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا"» (٢). وبهذا يتبين كذب وافتراء الرَّافِضَة، واختلاقهم الروايات التي توافق قصدهم السيئ، وتخدم مذهبهم الفاسد. الوجه الثاني: بالنِّسبة لقصة اللدود في المسلك الثاني، التي روتها عَائِشَة وأسماء ﵄، وفهمها الرافضة فهماً يوافق إفكهم، أقف عندها وقفات: أولاً: أن اللَّدُود: هو الدواء الذي يُصبُّ في أحَدِ جانبي فمِ المريض (٣)، فكيف عَرَف الرَّافِضَة مكوِّنات الدواء الذي وضعَتْه عَائِشَة للنبي ﷺ ؟!

стр. 99

ثانياً: أنَّ مَن نقَلَ هذه الحادثة هو عَائِشَة ﵂ فكيف تنقل قتْلَها لنبيِّها، وزوجها، وحبيبها ﷺ ؟! ثالثاً: السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة في الطعام الذي قُدِّم للنبي ﷺ كُشِفَ أمرُه من الله تعالى وأخبرتِ الشاة النَّبِيّ ﷺ أنّها مسمومة، فلماذا لم يحصل معه ﷺ الأمر نفسه في السُّمِّ الذي وضعته عَائِشَة في فمه؟! رابعًا: لم يُعطَ الدواءُ للنبي ﷺ من غير عِلّة، بل أُعطِيَه مِن مَرضٍ ألَم به. خامسًا: لم يُعطَ النَّبِيّ ﷺ الدواء إلاَّ بعد أن تشاورَ نساؤه ﵅ في ذلك الإعطاء. سادسًا: لا ننكر أن يكون النَّبِيّ ﷺ مات بأثَر السُّم! لكن أيُّ سُمٍّ هذا؟ إنَّه السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة للنبيِّ ﷺ في طعام دَعَتْه لأكْله عندها، وقد لفَظَ ﷺ اللُّقمة؛ لإخبار الله تعالى بوجود السُّم في الطعام، فأخبرَ النَّبِيّ ﷺ في آخر أيامه أنّه يجد أثرَ تلك اللُّقمة على بَدَنه، ومِن هنا قال مَن قال من سلف هذه الأُمة: إنَّ الله تعالى جمع له بين النبوَّة والشهادة. سابعًا: من الواضح في الرواية أنَّ نساء النَّبِيّ ﷺ لم يفْهَمنَ مِن نَهْي النَّبِيّ ﷺ بعدم لَدِّه أنَّه نهْي شرعي، بل فهِموا أنَّه من كراهية المريض للدواء، وفَهْمُهم هذا ليس بمستنكرٍ في الظاهر، وقد صرَّحوا بأنهم وإن لم يكنْ لهم عذرٌ عند النَّبِيّ، ﷺ ؛ لأنَّ الأصْلَ هو الاستجابة لأمرِه، ﷺ قد أخطؤوا في تشخيص دَائه ﷺ لذا فقد ناوَلوه دواءً لا يُناسب عِلَّته. قال ابن حجر ﵀: "وإنَّما أنْكَرَ التداوي؛ لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنّوا أنَّ به "ذات الْجَنْب"، فداووه بما يلائمها، ولم يكنْ به ذلك؛ كما هو ظاهر في

стр. 100

سياق الخبر كما ترى" (١). وأخيراً أقول: إن سلوك الرَّافِضَة في افتراءاتهم وشبهاتهم أكثر من مسلك، دليلٌ واضحٌ على كذبهم وتدليسهم.

стр. 101

المطلب الثالث قولهم: إِنَّ عَائِشَة اتَّهمتْ مارية القبطية بالزِّنا فنزلتْ فيها آية الإفك والرَّافِضَة لهم في تقرير هذه الشُّبْهَة عدة مسالك: المسلك الأول: التشكيك في قصة الإفك، وإنكار براءة عَائِشَة ﵂: "وقد أنكر جَمعٌ من الشيعة ذلك زاعمين أنّ هذا من قول العامّة - يعنون أهل السنة - إذ رواية أهل السنةّ عندهم مردودة بالإجماع، بل إنّهم يرون أيضًا أن الخبر إذا جاء متناقضًا عن واحدٍ من أئمّتهم من طريقين، وافق أحدهما مذهب أهل السنّة: يُترك الخبر الموافق لمذهب أهل السنّة لاحتمال خروجه على التقية (١)، وعلى هذا: فقد أنكر جمعٌ من الشيعة - كما تقدّم - نزول آيات سورة النّور في تبرئة عَائِشَة؛ لأنّ ذلك من قول أهل السنّة. أما هم: فيرون أنّ هذه الآيات نزلت في براءة مارية القبطية ممّا رمته بها عَائِشَة ﵂؛ كما تقدّمت مزاعمهم في هذا. وقد حاول بعض الشيعة المعاصرين التشكيك في قصّة الإفك، ومن هؤلاء المشككين: جعفر مرتضى الحسينيّ صاحب كتاب 'حديث الإفك'، والذي ألّف كتابه هذا بغرض نَقْض حديث الإفك؛ فقد حاول من أوّل صفحات هذا الكتاب، إلى آخر صفحاته، ردّ حديث الإفك بشتى الوسائل والحجج؛ من طعنٍ في رواة أهل السنةّ، إلى زعمٍ بتناقض هذا الحديث واضطرابه، أو دعوى ضعف السند دون بيان سبب الضعف، أو غير ذلك من الافتراءات (٢).

стр. 102

وممّن أنكر قصّة الإفك أيضًا هاشم معروف الحسيني في كتابه 'سيرة الأئمة الاثني عشر' (١)، وغيرهما. والرد على هذه الفرية: أنَّ إنكار الرَّافِضَة لبراءة عَائِشَة ﵂ والتشكيك في قصة الإفك يتعارض مع إقرار جمعٍ كبيرٍ من علمائهم، واعترافهم بأنّ اللَّه قد برّأ عَائِشَة ﵂ ممّا نُسب إليها من الإفك، وبأنّ رسول الله ﷺ قد جلد من جاء به، واستشهدوا بقصّة الإفك على وجود العداوة بين عليّ ﵁ وعَائِشَة ﵂، وبأنهّا أي العداوة ظهرت منذ ذلك الحين (٢) " (٣). بل إِنَّ بعضَ أئمتهم يؤكد أَنَّ براءة عَائِشَة ﵂ أمرٌ متواترٌ علم بالضرورة، وإنكاره إنكار للضروري. فيقول ابن أبي الحديد (٤): "وقوم من الشيعة زعموا أن الآيات التي في سورة النور لم تنزل فيها وإنما أنزلت في مارية القبطية وما قذفت به مع الأسود القبطي، وجحدهم

стр. 103

لإنزال ذلك في عَائِشَة جحد لما يعلم ضرورة من الأخبار المتواترة" (١). ونجد أيضًا أَنَّ ابن أبي الحديد نفسه في موضعٍ آخر يثبت براءة عَائِشَة ﵂ حيث يقول: "وقُذِفَتْ عَائِشَة في أيام رسول الله ﷺ بصفوان بن المعطل السلمي، والقصة مشهورة؛ فأنزل الله - تعالى - براءتها في قرآنٍ يُتْلَى وَيُنْقَل، وَجُلِدَ قاذفوها الحد" (٢). المسلك الثاني: استغلال روايات ضعيفة منكرة وقعت في كتب أهل السنة: ومن المعروف أنَّ من مسالك الرَّافِضَة في تقرير شبهاتهم وافتراءاتهم أنهم يعمدون إلى رواية ضعيفة منكرة أو موضوعة وردت في كتب أهل السنة، فيوردونها مؤكدين بها ما يقولونه، ثم يلزمون أهل السنة بها. وفي هذه الفرية بالذات عمد بعضهم إلى روايةٍ ضعيفة جدًا، بل باطلة وردت في كتب أهل السنة، ويتصدر هذا التيار المدعو عبد الحسين الرافضي في كتابه 'المراجعات'. وهذه هي الرواية التي يستندون إليها: فعن عَائِشَة ﵂ قالت: «أُهْدِيَتْ مَارِيَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا، قَالَتْ: فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَقْعَةً فَاسْتَمَرَّتْ حَامِلاً، قَالَتْ: فَعَزَلَهَا عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا، قَالَتْ: فَقَالَ أَهْلُ الإِفْكِ وَالزُّورِ: مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى الْوَلَدِ ادَّعَى وَلَدَ غَيْرِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَلِيلَةَ اللَّبَنِ فَابْتَاعَتْ لَهُ ضَائِنَةَ لَبُونٍ فَكَانَ يُغَذَّى بِلَبَنِهَا، فَحَسُنَ عَلَيْهِ لَحْمُهُ، قَالَتْ عَائِشَة ﵂: فَدُخِلَ بِهِ عَلَى النَّبِيّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: كَيْفَ تَرَيْنَ؟ فَقُلْتُ: مَنْ غُذِّيَ بِلَحْمِ الضَّأْنِ يَحْسُنُ لَحْمُهُ، قَالَ: وَلاَ الشَّبَهُ قَالَتْ:

стр. 104

فَحَمَلَنِي مَا يَحْمِلُ النِّسَاءَ مِنَ الْغَيْرَةِ أَنْ قُلْتُ: مَا أَرَى شَبَهًا، قَالَتْ: وَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَقَالَ لِعَلِيٍّ: خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَانْطَلِقْ فَاضْرِبْ عُنُقَ ابْنِ عَمِّ مَارِيَةَ حَيْثُ وَجَدْتَهُ، قَالَتْ: فَانْطَلَقَ فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ عَلَى نَخْلَةٍ يَخْتَرِفُ رُطَبًا قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَلِيٍّ وَمَعَهُ السَّيْفُ اسْتَقْبَلَتْهُ رِعْدَةٌ قَالَ: فَسَقَطَتِ الْخِرْقَةُ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ شَيْءٌ مَمْسُوحٌ» (١). فنجد أَنَّ هذه الرواية قد استغلها عبد الحسين الشيعي في "مراجعاته" أسوأ استغلال، واتكأ عليها في اتهامه للسيدة عَائِشَة في خُلُقِها ودينها، فقال: "وحسبك مثالاً لهذا ما أيدته - نزولاً على حكم العاطفة - من إفك أهل الزور إذ قالوا - بهتانًا وعدوانًا - في السيدة مارية وولدها ﵇ ما قالوا، حتى برأهما الله من ظلمهم براءة - على يد أمير المؤمنين - محسوسة ملموسة! ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ (٢)! " (٣). وعلق على هذا بقوله:"من أراد تفصيل هذه المصيبة؛ فليراجع أحوال السيدة مارية ﵂ في (ص ٣٩) من الجزء الرابع من 'المستدرك' للحاكم، أو من 'تلخيصه' للذهبي"!. يشير بذلك إلى هذا الحديث المنكر، وأنه لم يكتف في الاعتماد عليه - مع ضعفه الشديد - بل إنه زاد على ذلك أنه لم يسق لفظه؛ تدليسًا على الناس

стр. 105

وتضليلاً؛ فإنه لو فعل وساق اللفظ؛ لتبين منه لكل من كان له لب ودين أن عَائِشَة بريئة مما نسب إليها في هذا الحديث المنكر من القول - براءتها مما اتهمها به المنافقون؛ فبرأها الله تعالى بقرآن يتلى -، آمن الشيعة بذلك أم كفروا، عامل الله الكذابين والمؤيدين لهم بما يستحقون! وإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم إن الحديث؛ أخرجه ابن شاهين أيضًا من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري به؛ كما في 'الإصابة' (١) للحافظ العسقلاني؛ وقال: "وسليمان ضعيف" (٢). والجواب على هذا الكلام من وجوه: أولاً: هذه الرواية باطلة وضعيفة جدًا لا يجوز الاحتجاج بها أبدًا: فالحديث من رواية سليمان بن أرقم، والأئمة متفقون على تضعيفه (٣)، بل هو ضعيف جدًا. ولظهور ضعف هذا الحديث فقد سكت عنه الحاكم في 'مستدركه' - على تساهله في التصحيح -، وكذلك سكت عنه الذهبي في 'تلخيصه عليه'، وقد أورد هذا الحديث الشيخ الألباني في كتابه 'السلسلة الضعيفة' (٤): وقال: "ضعيف جدًا". ثانيًا: أَنَّ الحديث أصله صحيح ثابت، وليس فيه هذه الزيادات المنكرة: وهذه الزيادات زادها ابن الأرقم على الحديث، وهذا إِنْ دل على شيءٍ إنما

стр. 106

يدل على أنه سيء الحفظ جدًا، أو أنه يتعمد الكذب والزيادة؛ لهوى في نفسه، ثم يحتج بها أهل الأهواء! وأما الرواية الصحيحة في ذلك فهي عند مسلم من حديث أنس ﵁: «أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ إِبْرَاهِيمَ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِىٍّ: اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَأَتَاهُ عَلِيٌّ، فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اخْرُجْ. فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِىٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ» (١). المسلك الثالث: إدخالهم زيادات منحولة على النص الصحيح ليتمموا بها فريتهم: إِنَّ من الأمور التي يتفنن فيها الرَّافِضَة أنهم يعمدون إلى روايةٍ صحيحةٍ، ثم يدخلون عليها زياداتٍ تفسد النص؛ ليسوِّغوا بذلك ما يريدونه من كذبٍ وافتراءٍ ودسٍّ، وقد يجعلون هذه الرواية المكذوبة سببًا لنزول آيةٍ في كتاب الله تعالى ليتم لهم إتقان التلبيس والتضليل. فقد ذكر علي بن إبراهيم القُمِّي في 'تفسيره' (٢)، في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣) قال: إن

стр. 107

العامة رووا أنها نزلت في عَائِشَة، وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية، وما رمتها به عَائِشَة. ثم روى علي بن إبراهيم القُمِّي بسنده قال: "لما مات إبراهيم بن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حزن عليه حزنًا شديدًا، فقالت عَائِشَة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جُرَيْح ... " (١). فهذه الرواية هي رواية صحيحة ثابتة - عند الرَّافِضَة السبئيين -، ولذلك يعتمدون عليها أيما اعتماد، وقد صرح كبار علمائهم بصحة هذه الرواية. فهذا المفيد - وهو من كبار علمائهم - يُؤكِّد أنّ هذه الروايات صحيحة ومسلَّمة عند الشيعة، فيقول: "خبر افتراء عَائِشَة على مارية القبطية خبٌر صحيحٌ مسلَّمٌ عند الشيعة" (٢)، فالخبر إذًا صحيح مسلَّمٌ (٣). وقد روى الرَّافِضَة أيضًا هذه القصة في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٤). قال علي بن إبراهيم القُمِّي في "تفسيره' (٥): "إنها نزلت في مارية القبطية أم

стр. 108

إبراهيم، وكان سبب ذلك أن عَائِشَة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وآله -: إن إبراهيم ليس هو منك، وإنما هو من جريح القبطي، فإنه يدخل إليها في كل يوم، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وآله -، وقال لأمير المؤمنين ﵇: خذ هذا السيف وأتني برأس جريح ... "، إلى أن قال: "فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (١) " (٢). وتأكيدًا لما ذكرناه آنفًا من مسلك الرَّافِضَة في إدخال زيادات فاسدة على نصوص صحيحة نورد في هذا المقام روايةً صحيحةً في كتب أهل السنة، ونرى كيف شوهها الرَّافِضَة، وغيروا فيها: روى الطَّحَاوي من طريق: عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي، والبزار وأبو نُعَيْم، وابن عساكر، والضياء المقدسي من طريق: أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، كلهم من طريق: يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال: «كَانَ قَدْ تَجَرَّؤُوا (وفي رواية: كَثُرَ أو أُكْثِرَ) عَلَى مَارِيَةَ فِي قِبْطِيٍّ ابْنِ عَمٍّ لَهَا كَانَ يَزُورُهَا، وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَانْطَلِقْ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ عِنْدَهَا فَاقْتُلْهُ، ... » الحديث (٣).

стр. 109

وليس في هذا الحديث ذكر لعَائِشَة، فلينظر المنصف المتبع للحق كيف غير الرَّافِضَة في هذه الرواية ودسوا فيها الدسائس؟، فالرواية الصحيحة التي بهذا السياق وردت في المنافقين وليست في عَائِشَة ﵂. فالمنافقون هم الذين كانوا يشيعون الأخبار الكاذبة عن مارية برأها الله، يفعلون ذلك طعناً في رسول الله ﷺ كما فعل رأس النفاق عبد الله بن أُبي بعائشة قبلها وقد برأها الله، والذي يؤمن برسول الله ويحترمه لا يجعل زوجاته بين قاذفة ومقذوفة لاسيما بعد ما نزلت براءة عَائِشَة في قرآن يتلى في مشارق الأرض ومغاربها إلى يوم القيامة، ويؤمن ببراءتها وفضلها ومكانتها وما أنزل في شأنها من قرآن كل مؤمن، ولا يقدح فيها إلا كل زنديق حاقد على رسول الله ﷺ وعلى أسرته وأصحابه (١).

стр. 110

المطلب الرابع قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تبغض عثمان وتقول: "اقتلوا نعثلاً (١) فقد كفر" استدل الرَّافِضَة على بغض عَائِشَة لعثمان، وأمره بقتله بما أورده سيف بن عمر (٢) في كتابه 'الفتنة ووقعة الجمل' عن عَائِشَة ﵂ لما انتهت إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة، لقيها عبد بن أم كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة، ينسب إلى أمه - فقالت له: مهيم (٣)؟ قال: قتلوا عثمان ﵁، فمكثوا ثمانيا، قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على علي بن أبي طالب فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك! ردوني ردوني، فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلومًا، والله لأطلبن بدمه، فقال لها ابن أم كلاب: ولم؟ فو الله إن أول من أمال حرفه لأنت! ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر، قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول ... فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب
следующие страницы →