Полный текст (628 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وأظْلمَتْ سُبُلُ الآدابِ إذْ حُجِبَتْ ... شمْسُ المكارِمِ في غَيْمٍ مِنَ الكَفَنِ
وتقدم الثاني فقال:
تَرَكَ المنابِرَ والسَّريرَ تَواضُعاً ... وله مَنَابرُ لَوْ يَشا وسَريرُ
ولغيره يُجْبَى الخراجُ وإنّما ... تُجْبَى إليْهِ مَحَامِدٌ وأُجُورُ
وتقدم الثالث فقال:
وليس فَتِيقُ المسْكِ رِيحَ خُيُوطِهِ ... ولكنَّهُ ذاك الثناءُ المُخَلَّفُ
وليس صَريرُ النَّعْشِ ما تَسْمَعُونَهُ ... ولكنه أصْلابُ قوْم تَقَصَّفُ
رسالة للجاحظ ينضح فيها عن الجود
وبعد فلنعطف على كلامهم في الجود وذمِّ البخل: أورد الجاحظ في كتابه البخلاء رسالةً جميلةً جداً نسبها إلى أبي العاصي بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - أرسلها إلى رجلٍ من عشيرته، وقد سمع بأنه يجلس إلى قوم من البخلاء، أمثال سهل بن هارون والأصمعي، وقد تأثّر بمذهبهم في البُخل وامتداحهم إيّاه، فكتب إليه هذه الرسالةَ ينعى فيها على البخلاء مذهبَهم، ويذمُّ البخل وينوِّه بالجود - ونحن فإنّا نقتطف من هذه الرسالة نُتفاً ونترك سائرها لمن يحبّ أن يراجعها في كتاب البخلاء - قال:
стр. 107
وهل تزيد حالُ من أنفق جميعَ ماله، ورأى المكروهَ في عيالِه، وظهر فقرُه، وشَمَِت به عدوُّه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بُغض عيالِه، وعلى خُشونة الملبس، وجُشوبة المأكل؟ وهذا كلُّه، مجتمع في مَسك البخيل، ومصبوبٌ على هامةِ الشّحيح، ومعجَّلٌ للئيم وملازمٌ للممنوع؛ ألا إن المنفقَ قد ربح المحمدة، وتمتّع بالنعمة، ولم يعطّل المقدرة ووفّى كلَّ خصلة من هذه حقّها، ووفَّر عليها نصيبَها، والممسكُ معذَّب، بحصر نفسه، وبالكدِّ لغيره؛ مع لزوم الحجة، وسقوط الهمّة والتعرُّض للذمِّ والإهانة، ومع تحكيم المِرّة السوداء في نفسه وتسليطها على عرضِه، وتمكينها من عيشِه، وسرورِ قلبه.
إن الله جوادٌ لا يبخل، وصدوقٌ لا يكذب، ووفيٌ لا يغدر، وحكيمٌ لا يعجل، وعدلٌ لا يظلم. وقد أمرنا بالجود، ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق، ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم، ونهانا عن العجلة، وأمرنا بالعدل، ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالوفاء، ونهانا عن الغدر.
стр. 108
فلم يأمرنا إلا بما اختار لنفسِه، ولم يزجُرْنا إلا عمّا لم يرضَه لنفسه: وقد قالوا بأجمعهم: إنَّ الله أجودُ الأجودين، وأمجد الأمجدين؛ كما قالوا: أرحم الراحمين، وأحسن الخالقين. وقالوا في التأديب لسائليهم، والتعليمِ لأجوادِهم: لا تُجاوِدوا اللهَ فإنَّ الله - جلَّ ذكرُه - أجودُ وأمجدُ. وذكر نفسه ﷻ ، وتقدّست أسماؤه - فقال: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ و ﴿ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقال: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
وذكروا النبيَّ ﷺ ، فقالوا: لم يضع درهماً على درهمٍ، ولا لبنةً على لبنةٍ. وملك جزيرةَ العرب، فقبضَ الصدقاتِ، وجُبيت له الأموال، ما بين غُدرانِ العراق إلى
شَحْرِ عُمان إلى أقصى مَخاليفِ اليمن ثم تُوفّيَ وعليه دينٌ، ودِرْعُه مرهونةٌ. ولم يُسأل حاجةً قطّ فقال: لا. وكان إذا سُئل أعطى، وإذا وَعد أو أطمع، كان وعدُه كالعِيان، وإطماعُه كالإنجاز. ومدحته الشعراء بالجود. وذكرته الخطباءُ بالسَّماح. ولقد كان يهب للرجل الواحد الضَّاجعةَ من الشاءِ والعَرْجَ من الإبل - وكان أكثر ما يهب الملِكُ من العرب مائةَ بعير، فيقال: وَهب هُنيدةً. وإنما
стр. 109
يقال ذلك، إذا أريد بالقول غايةُ المدح، ولقد وهب لرجلٍ ألفَ بعير. فلمّا رآها تزدحم في الهوادي قال: أشهد أنّك نبيٌّ. وما هذا مما تجودُ به الأنفُسُ.
وأجْمعتِ الأممُ كلُّها بخيلُها وسخيُّها وممزوجُها على ذمِّ البخل، وحَمْدِ الجود، كما أجمعوا على ذمِّ الكذب وحَمْدِ الصدق.
فمن أراد أن يخالف ما وصف الله - جلَّ ذكرُه - به نفسَه، وما منح من ذلك نبيَّه ﷺ ، وما فَطرَ على تفضيله العربَ قاطبةً، والأممَ كافةً، لم يكن عندنا فيه إلا إكفارُهُ واستسقاطُه.
ولَمْ نرَ الأمةَ أبغضت جواداً قطّ ولا حقَرَتْه، بل أحبّته وأعظمته، بل أحبّت عَقِبَه وأعظمت من أجله رَهْطَه. ولا وجدناهم أبغضوا جواداً، لمجاوزته حدَّ الجود إلى السَّرف، ولا حقَرَتْه، بل وجدناهم يتعلمون مناقبَه، ويتدارسون محاسنَه، وحتى أضافوا إليه من نوادِرِ الجميل ما لم يفعله ونَحَلوه من غرائب الكرم ما لم يكن ليبلغَه، ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يُضاعف كما تُضاعف الحسنات في الآخرة. نعم، وحتى أضافوا إليه
стр. 110
كلَّ مديح شارد، وكلَّ معروفٍ مجهولِ الصاحب. ثمَّ وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضدِّ هذه الصفة، وعلى خلاف هذا المذهب: وجدناهم يُبغضونه مرَّة، ويُحقِّرونه مرَّة، ويُبغضون بفضل بغضه ولدَه، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رَهْطَه، ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلُغْه، ومن غرائب البُخل ما لم يفعله، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء.
وعلى أنَّا لا نجد الجوائحَ إلى أموال الأسخياء، أسرعَ منها إلى أموال البخلاء، ولا رأينا عددَ من افتقر من البخلاء أقلَّ.
والبخيل عند الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط، فقد يستحقّ عندهم اسمَ البخيل ويستوجب الذمَّ، من لا يدع لنفسه هَوىً إلا ركبَه، ولا حاجةً إلا قَضاها، ولا شهوةً إلا ركبها
وبلغ فيها غايتَه. وإنّما يقع عليه اسمُ البخيل، إذا كان زاهداً في كل ما أوجب الشكرَ، ونوّه بالذكر، وادّخر الأجر.
وقد يُعَلِّق البخيلُ على نفسِه من المُؤن، ويُلْزِمها من الكُلَف، ويتخذ من الجواري والخدم، ومن الدوابِّ والحشم، ومن الآنية العجيبة، ومن البِزَّة الفاخرة. والشّارة الحسنة، ما يُربي على نفقة السخيِّ المثري ويَضْعف على جودِ الجوادِ الكريمِ فيذهب مالُه وهو مذمومٌ، ويتغيَّر
стр. 111
حالُه وهو ملومٌ. وربّما غلب عليه حبُّ القِيان واستُهْتِرَ بالخصيان. وربما أفرط في حبِّ الصيد، واستولى عليه حبُّ المراكب، وربّما كان إتلافُه في العُرْس والخُرْس والوليمة، وإسرافُه في الإعذار وفي العقيقةِ والوكيرة، وربّما ذهبت أموالُه في الوَضائع والوَدائع. وربَّما كان شديدَ البخل، شديدَ الحبِّ للذِّكر ويكون بخلُه أوشجَ ولؤمُه أقبحَ، فينفق أمواله ويتلفُ خزائنَه، ولم يخرج كَفافاً ولم ينجُ سَليماً.
كأنك لم ترَ بخيلاً مخدوعاً، وبَخيلاً مضعوفاً، وبَخيلاً مِضياعاً، وبَخيلاً
стр. 112
نفّاجاً، وبخيلاً ذهب مالُه في البناء، وبخيلاً ذهب مالُه في الكيمياء، وبخيلاً أنفق مالَه في طمع كاذب، وعلى أمل خائب، وفي طلب الولايات، والدُّخول في القبالات، وكانت فتنته بما يؤمل من الإمْرة، فوق فتنتِه بما قد حواه من الذهب والفضة، وقد رأيناه ينفق على مائدتِه وفاكهتِه ألفَ درهم في كل يوم، وعنده في كل يوم عُرْس، ولأنْ يطعنَ طاعنٌ في الإسلام، أهونُ عليه من أن يطعن طاعنٌ في الرغيف الثاني، ولشقُّ عصا الدين، أهون عليه من شقِّ رغيف، لا يعد الثُّلْمَةَ في عِرْضِه ثلمة، ويعدّها في ثريدتِه من أعظم الثُّلم.
وإنّما صارت الآفاتُ إلى أموالِِ البخلاء أسرعَ والجوائحُ عليهم أكلبَ،
стр. 113
لأنّهم أقلُّ توكّلاً، وأسوأ بالله ظنّاً. والجوادُ إمّا أن يكونَ متوكّلاً، وإما أن يكون أحْسنَ بالله ظنّاً، وهو على كل حال بالمتوكّل أشبهُ، وإلى ما أشبهه أنزعُ، وكيفما دار أمرُه، فليس ممن يتّكل على حزمِه، ويلجأ إلى كَيْسِه ويرجع إلى جودة احتياطه وشدّة احتراسه.
واعتلال البخيل بالحدثانِ، وسوء الظنّ بتقلّبِ الزمانِ، إنّما هو كنايةٌ عن سوء الظنّ بخالق الحَدثانِ، وبالذي يحدث الأزمانَ وأهلَ الزمانِ. ولا تجري الأحداثُ إلا على تقديرِ المُحْدِث لها؟ وهل تختلف الأزمنة إلا على تصريفِ من دبّرها؟ أولسنا وإن جهلنا أسبابَها فقد أيقنّا بأنها تجري إلى غاياتها؟
والدليلُ على أنّه ليس بهم خوفُ الفقر، وأنّ الجمع والمنعَ إمّا أن يكون عادةً منهم، أو طبيعةً فيهم، أنك قد تجد المَلِكَ بخيلاً، ومملكتُه أوسع، وخرجُه أدرُّ، وعدوُّه أسكنُ وقد علمنا أن الزنج أقصرُ الناس مِرّةً ورويّةً وأذهلُهم عن معرفة العاقبة: فلو كان سخاؤهم إنّما هو لكَلالِ حدّهم،
стр. 114
ونقصِ عقولهم، وقلّةِ معرفتهم، لكان ينبغي لفارسَ أن تكونَ أبخلَ من الرّوم وتكونَ الرومُ أبخلَ من الصّقالبة، وكان ينبغي في الرجال، في الجملة، أن يكونوا أبخلَ من النساء، في الجملة، وكان ينبغي للصبيان أن يكونوا أسخى من النساء، وكان ينبغي أن يكونَ أقلُّ البخلاء عقلاً، أعقلَ من أشدِّ الأجوادِ عقلاً؛ وكان ينبغي للكلب - وهو المضروب به المثل في اللؤم - أن يكونَ أعرفَ بالأمور من الديك، المضروب به المثلُ في الجود.
ونحن لا نجد الجوادَ يَفِرُّ من اسم السّرفِ إلى الجودِ، كما نجد البخيلَ يَفِرُّ من اسم البخلِ إلى الاقتصاد. وتجد الشجاعَ يَفرّ من اسم المنهزم، والمستحي يفرّ من اسم الخجل. ولو قيل لخطيب ثابت الجَنان: وقاحٌ لجزع - فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضيلة - إلا الجواد، لقد كان في ذلك ما يبين قدرَه، ويظهر فضلَه.
ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدّون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم كثيراً ممّا يطلبون، ولتركوا محاسبتَهم في كثيرٍ ممّا يشتهون.
стр. 115
وهذا بعض ما بغَّض بعضَ المورثين إلى الوراثين، وزهّد الأخلاف في طول عمر الأسلاف. . .
ولو كانوا لأولادهم يُمهِّدون، ولهم يجمعون، لما جمع الخِصيانُ الأموال، ولَما كنزَ الرهبانُ الكنوزَ، ولاستراح العاقِرُ من ذلِّ الرغبة ولسلِمَ العقيمُ من كدِّ الحرص. وكيف؟ ونحن نجده بعد أن يموتَ ابنُه الذي كان يعتلُّ به، والذي من أجله كان يجمع، على حاله في الطلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع.
والعامة لم تقصِّر في الطلب والحُكْرة، والبخلاء لم يَحدّوا شيئاً من جهدهم ولا أعفوا بعدُ قدرتَهم، ولا قصّروا في شيء من الحرص والحَصْر، لأنهم في دار قُلْعَةٍ، بعرض نُقلَةٍ. حتى لو كانوا بالخلود موقنين، لأغفلوا تلك الفضول.
стр. 116
فالبخيل مجتهدٌ، والعاميُّ غير مقصِّرٍ. فمن لم يستعِنْ على ما وصفنا بطبيعةٍ قوية، وبشهوةٍ شديدة، وبنظرٍ شافٍ، كان إما عاميّاً، وإما بَخيلاً شقيّاً - ففيمَ اعتلالُهم بأولادهم، واحتجاجُهم
بخوف التلوُّن من أزمنتهم؟
قال رسول الله ﷺ لوافدٍ كذب عنده كَذْبةً، وكان جواداً: (لولا خَصْلةٌ وَمِقك اللهُ عليها، لشرَّدْتُ بك مِنْ وافدِ قومٍ). . . وقيل للنبي ﷺ : هل لك في بيضِ النساء وأُدْمِ الإبل؟ قال: ومن هم؟ قال: بنو مُدْلج. قال: يمنعني من ذاك قِراهم الضيفَ، وصلتهم الرّحمَ. وقال لهم أيضاً: إذا نَحروا ثجّوا، وإذا لبَّوا عجّوا.
وقال للأنصار: من سيّدكم؟ قالوا: الحُرُّ بن قيس، على أنه يُزَنُّ فينا ببخل، فقال: وأيُّ داء أدْوأ من البخل؟ جعلَه من أدوإ الداء.
стр. 117
وقال للأنصار: (أنا والله، ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع)، وقال: (كفى بالمرء حرصاً ركوبه البحر) -. وقال: (لو أنّ لابن آدمَ واديين من مال لابتغى ثالثاً، ولا يُشبع ابنَ آدمَ إلا الترابُ ويتوب الله على من تاب). وقال: (السّخاءُ من الحياء، والحياءُ من الإيمان) وقال: (إن الله جوادٌ يحبُّ الجود). وقال: (أنفق يا بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً).
هذا ما رأينا اختياره من هذه الرسالة الجاحظيّة البارعة الجامعة. ونعود إلى سائر عبقرياتهم في الجود والإحسان.
كلمة عُلْويّة لسيدنا رسول الله
عن أبي سعيد الخُدْريّ ﵁ قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر فقال: إنّي أخاف عليكم بعدي ما يُفتح عليكم من زهرةِ الدنيا وزينتِها. . . قال: فقال رجل: أوَيأتي الخيرُ بالشرِّ يا رسولَ الله؟ قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ ، ورأينا أنّه يُنْزَلُ عليه، فأفاقَ يسمح عنه الرُّحَضاءَ وقال: أين هذا السائل - وكأنّه حَمِدَه - فقال: إنّه لا يأتي
стр. 118
الخيرُ بالشّرِّ، وإنّ مما ينبت الربيعُ ما يقتلُ حَبَطاً أو يُلِمُّ، إلا آكلةَ الخَضِر، فإنها أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عينَ الشمسِ فثلَطَت وبالَتْ ثمَّ رَتَعتْ. وإنّ هذا المال خَضِرَةٌ حلوة، ونعم صاحبُ المسلمِ هو، إنْ أعطى المسكينَ واليتيمَ وابْنَ السبيل. أو كما قال رسول الله ﷺ .
قال الإمام اللغوي أبو منصور الأزهري: في هذا الحديث مَثلان، ضُرِبَ أحدُهما للمُفْرِطِ في جمع الدنيا مع مَنْعِ ما جمع من حقه، والآخرُ ضربه للمقتصد في جمع المال وبذلِه في حقّه،
فأما قوله ﷺ : وإنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حَبطاً، فهو مثلُ الحريصِ المفرطِ في الجمع والمنع، وذلك أنّ الربيعَ ينبت أحرار العشب التي تحلوليها الماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها وتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا ويحرص عليها ويشحُّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحقّ حقَّه منها، يهلك في الآخرة بدخول النار واستيجاب العذاب - أقول: ويهلك في الدنيا كذلك، وهل لا يعدُّ هلاكاً لمن هذه حالُه ما يلاقيه من إزراءِ الناسِ به وازوِرارِهم عنه وانطوائِهم له على البغضِ والحقدِ والحسدِ وصنوفِ الأذى وعدّهم إيّاه خنزيراً من خنازيرِ البشر أو مجنوناً من صرعى الأثرة والأنانية وحبِّ الذات، وبالحريّ لا خير فيه لأحد ولا لنفسه وإنما هو لا يعدو
стр. 119
أن يكون صيرفاً أو حارسَ مالٍ ليس غير:
يَجْني الغِنى لِلِّئامِ لو عقَلوا ... ما ليسَ يَجْني عليهمُ العَدمُ
هُمْ لأمْوالِهم ولَسْنَ لَهمْ ... والعارُ يَبْقَى والجُرْحُ يَلْتَئِمُ
أنْتَ للمالِ إذا أمْسَكْتَهُ ... فإذا أنفَقْتَه فالمالُ لَكْ
هذا إذا أضاف الشُّحَّ على نفسه إلى الشحِّ على ذوي الحقوق.
أما إذا آثرَ نفسَه بالتمتّع بلذّات الدّنيا فأيُّ هلاك بعد الذي يصيبُه من الأسقام والأوجاع وسائر أدواء التّرف والسّرف واجتواء المحرومين إيّاه وحنقهم عليه وما عساه يتولد من ذلك كله من الغوائل الاجتماعية التي نرى أفاعيلها اليوم - قال الأزهري: وأما مثل المقتصد المحمود فقوله ﷺ : إلا آكلةُ الخَضِرِ فإنها أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت، وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منها الماشية فتهلكها أكلاً ولكنه من الجَنْبَة التي ترعاها بعد هَيْج العشب ويُبْسِه، والماشية ترتع منها شيئاً شيئاً ولا تستكثر منها فلا تحبط بطونها عنه. فضرب النبي ﷺ آكلة الخضر مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها ولا يسرف في الحرص عليها وأنه ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال: فإنها إذا أصابت من الخضر استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت، وإذا ثلطت فقد ذهب
стр. 120
حبطها، وإنما تحبط الماشية إذا لم تثلط ولم تبل، ثم حث صلوات الله عليه على إعطاء المسكين واليتيم من هذا المال، مع حلاوته ورغبةِ الناس فيه، ليقيَه اللهُ ﵎ وبالَ نعمتها في دنياه وآخرته.
هيهات أن أبيت مبطاناً وحولي بطون غَرْثى
ومن كلمة لسيّدنا علي ﵁ في كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عاملِه على البصرة: ولو شئتُ لاهتديتُ الطريقَ إلى مصفّى هذا العسل، ولُبابِ هذا القمح، ونسائجِ هذا القزِّ، ولكن هيهات أن يغلبَني هواي، ويقودَني جشعي إلى تخيُّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز وباليمامة من لا طمع له في القُرص، ولا عهد له بالشّبَع! أوَأبيتُ مِبطاناً وحولي بطونٌ غرثى، وأكبادٌ حرَّى، أو أكون كما قال القائل:
وحَسْبُكَ عاراً أنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ ... وحَوْلَكَ أَكْبادٌ تحِنُّ إلى القِدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جُشوبة العيش! فما خلقت ليشغلَني أكلُ الطيّبات، كالبهيمة المربوطة همُّها علفُها، أو المرسلة شغلُها تقمُّمها، تكترش من أعلافِها، وتلهو عمّا يرادُ بها. . .
стр. 121
وكان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم - وكان من قبلهم مؤدِّبُهم سيّدنا رسول الله ﷺ يَرَوْن - ونعِمّا رأوا - أن السياسة الرشيدة وأن الطريق إلى الإحسان - ولا طريق غيرُها - إنّما تتحقق بالرغبة عن شهوات الحياة الدنيا، وتنكُّبِ السّرفِ والتّرف، وكانوا يريدون عمالهم على هذه السياسة التي لا سياسةَ غيرها.
كان الخلفاء الراشدون مُثُلاً عليا
في الرغبة عن شهوات الحياة الدنيا
قال الربيع بن زياد الحارثي: كنت عاملاً لأبي موسى الأشعري على البحرين، فكتب إليه عمر ابن الخطاب ﵁ يأمره بالقدوم عليه هو وعماله، وأن يستخلفوا جميعاً. قال: فلما قدمنا أتيت يَرْفأ مولى عُمر فقلت: يا يرفأ مُسْتَرْشِدٌ وابنُ سبيل. . . أيُّ الهيئات أحبُّ إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عمّاله، فأومأ إليّ بالخُشونة. فاتّخذت خُفَّيْن مُطارقين ولبست جُبّة صوف ولُثْتُ عمامتي على رأسي. فدخلنا على عمر، فصفّنا بين يديه، فصعد فينا وصوّب فلم تأخذ عينُه أحداً غيري، فدعاني فقال: من أنْت؟ قلت: الربيع بنُ زياد الحارثي، قال: وما تتولى من أعمالنا؟ قلت: البحرين، قال: كم ترتزق؟ قلت: ألفاً، قال: كثيرٌ. . . فما تصنع به؟ قلت: أتقوّت منه شيئاً وأعودُ به على أقاربَ لي، فما فَضُل عنهم فعلى فقراءِ المسلمين، قال: فلا بأسَ، ارجع إلى موضعك، فرجعت إلى موضعي من
الصّفّ، فصعد فينا وصوّب فلم تقع
стр. 122
عينه إلا عليّ فدعاني فقال: كم سِنّك؟ قلت: خمس وأربعون سنةً، قال: الآن حين استحكمت. ثم دعا بالطعام وأصحابي حديثٌ عهدُهم بلين العيش، وقد تجوّعت له، فأتِي بخبزٍ وأكسارِ بعير فجعل أصحابي يعافون ذلك وجعلت آكلُ فأجيد، فجعلت أنظر إليه يلحظُني من بينهم، ثم سبقت مني كلمة تمنيت أنّي سُخْتُ في الأرض فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الناس يحتاجون إلى صلاحك، فلو عمدت إلى طعامٍ ألينَ من هذا! فزجرني، ثم قال: كيف قلت! فقلت: أقول - يا أمير المؤمنين -: أن تنظر إلى قوتك من الطّحين فيخبز لك قبل إرادتِك إيّاه بيوم ويطبخ لك اللحم كذلك، فتؤتى بالخبز ليناً واللحم غريضاً. . فسَكَّن من غَرْبِه وقال: أهَهُنا غُرْتَ؟ قلت: نعم، قال: يا ربيع، إنّا لو نشاء ملأنا هذه الرحابَ من صلائقَ وسبائكَ وصِنابٍ، ولكني رأيت الله نعى على قومه شهواتِهم
стр. 123
فقال: أذهبتم طيّباتِكم في حياتِكم الدُّنيا. . ثمَّ أمر أبا موسى بإقراري وأن يستبدل بأصحابي. . . وهذا من الفاروق هو - فضلاً عن أنّه الأليقُ بكلِّ من وُلِّي أمرَ الناس - غايةٌ في السداد والسياسة الرشيدة الحازمة كما قلنا.
عظمة الفاروق في زهده وتقواه
هذا والله المُلْكُ الهنيء
ومما يصح إيراده هنا ما يأتي: لما أتِيَ بالهُرْمُزان صاحبِ تُسْتَر، إلى عمر بن الخطاب - وكان هذا الهُرمزان من أعظم قوّاد الفُرس، وكان على مَيْمنة جيش رُسْتم وزير ملك فارس يَزْدَجِرْدَ ابن شهريار بن ابرويز في حرب القادسية سنة ١٤ من الهجرة، فلما قتل رستم وانتصر المسلمون فرّ الهُرمزان بمن بقي من جنده، وما زال المسلمون يتابعونه الغارةَ بعد الغارةِ حتى لجأ إلى مدينة تُستر، وتحصَّنَ بها، فحاصروه أشدَّ حصار، ثم أنزلوه على حكم الفاروق، فأسلمه قائد جيش المسلمين أبو سَبْرَةَ بن أبي رُهْمٍ إلى وفد فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس، فأتوا به إلى الفاروق - وكان الفاروق يلتفُّ في كسائه وينام في ناحية المسجد، فجعلوا يسألون عنه! فيقال: مرّ ههنا آنفاً! فيصغر في قلب الهُرمزان، إذْ رآه كبعض السّوق. . . حتى انتهوا به إلى عُمرَ وهو نائم في ناحية المسجد. . فقال الهُرمزان: هذا والله المُلْكُ الهَنيء. . . فلما جلس عمر امتلأ قلبُ العِلْجِ منه هيبةً، لما رأى عنده
стр. 124
من الجدّ والاجتهاد، وأُلبِسَ من هيبة التّقوى. . . ثم نظر عمرُ إليه وقال: آلهُرْمزان! قال: نعم،
فقال عمر: الحمد لله الذي أذلَّ بالإسلامِ هذا وأشباهَه، وأمر بنزع ما عليه من الدّيباج المُذهّب، والتاج المكلَّل بالياقوت، وأمر له بثوب صفيقٍ، وهم بقتله، فطلب الهُرمزان ماءً، وقال: أخاف أن أقتلَ وأنا أشرب! فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربَ، فأراقه: فقال عمر: واللهِ لا أنْخَدِعُ حتى تُسلم، فأسلم، وفَرضَ له في العطاء ألفين، وأقام بالمدينة.
نعود إلى عبقرياتهم في الجود من بابات شتى. . . ولقد أسلفنا أن الأوائل لم يتركوا معنًى إلا طرقوه. و:
هل غادر الشعراء من متردَّم
وهو معلوم أن الخمرَ تحدث في شاربها إذا انتشى هِزّةً وطرباً وأريحيّة وقد تحيل البخيلَ كريماً، فماذا قالوا في ذلك؟ قالوا: - والقائل البحتري -:
تكرَّمْتَ مِنْ قَبلِ الكُؤُوسِ عليهِمِ ... فما اسْطَعْنَ أنْ يُحْدِثْنَ فيكَ تكرُّمَا
وقال أبو نواس:
فتًى لا تُذِيبُ الخمرُ شَحْمةَ مالِه ... ولكِنْ أيادٍ عُوَّدٌ وبَوَادِي
وقال المتنبي:
стр. 125
لا تجِدُ الخمرُ في مَكارِمِه ... إذا انْتَشَى - خَلَّةً تلافاهَا
والأصل في هذا قولُ عنترة في معلقته:
وإذا صَحَوْتُ فما أُقصِّرُ عنْ نَدًى ... وكما عَلِمْتِ شمائِلِي وتَكرُّمي
وقال زهير:
أخو ثِقةٍ لا تُهلِكُ الخمرُ مالَهُ ... ولكِنَّهُ قد يُهلِكُ المَالَ نائِلُهْ
وقد غَضّوا من قول عمرو بن كلثوم:
إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينَا
ومعنى ذلك كلّه أنهم لا يعدّون جودَ السكرانِ جوداً، وإنّما الجود عندهم ما كان من كرمٍ فطريٍّ لا تبعثه خمرٌ وما يشبه الخمرَ. وإذا هم وصفوا الخمرَ بأنها تورث شاربَها شيئاً يشبه الكرم، فذاك من باب استقصائهم لمعاني الخمرِ وما تحدثه في شاربِها، كما قد سيمرُّ بك في بابه. . .
ولقد سَمَت مكارمُ الأخلاق بكثير من ذوي الأريحيّة إلى أنّهم لا يقطعون نوالَهم عمّن
يغضبون عليهم ويَيْبس الثرى بينهم، وقد رُوي في ذلك أن
стр. 126
بعض النبلاء كان يُجري على رجل شيئاً، ثم غضب عليه، وحدث أن كتب ابنُه إطلاقاتٍ، ورفعت إليه الإطلاقاتُ، وترك اسم المغضوب عليه، فقال له أبوه: فأين ذكرُ رزقِ فلان؟ فقال: إنك قد كنت غضبْتَ عليه، فقال: يا بنيَّ، غضبي لا يُسقط هبتي. . . إن أباك لا يغضب في النّوال. . .
وحتّى المحتاجين المغضوب عليهم كانت أنفسُهم كريمةً أبيّة، فقد رُوي أن بعضَهم كان يُجري على رجل شيئاً، فغضب عليه، فقطعه، ثم رضيَ عنه فردَّه، فأبى الرجلُ أن يقبلَه وقال: إني كنت أظنُّ أنّ عطاءه مَكْرُمةً، فأما وقد صار غضبُه يقطعه، فلا حاجةَ لي فيه. . وكذلك بلغت بهم مكارمُ الأخلاق أن يعطوا المُعتفين، أكانوا فقراءَ أم أغنياء، فلا يخصّون، وقد رُوي في الخبر: أعطوا السائلَ ولو جاء على فرسٍ، ورُوي أيضاً: كلُّ معروفٍ صدقةٌ، لغنيٍّ أو فقير، ويشبّهون من هذا حاله بالغيث، قال ابن المعتز:
ويُصيب بالجودِ الفقيرَ وذا الغِنَى ... كالغيثِ يَسْقي مُجْدِبا ومَريعا
وقال المتنبي:
ويَدٌ لَها كرَمُ الغَمامِ لأنَّه ... يَسْقِي العِمارَةَ والمكانَ البَلْقَعا
وكذلك تساموا وبلغوا من عبقريّة الروحِ أنْ صاروا يعدّون الانخداع عن المالِ والتَّبالُهَ في ابتذالِه كرماً، وقالوا: إن الكريم إذا ما خادَعْته انْخدعا. . . وفي ذلك يقول البحتري:
وإذا خادَعْتَه عن مالِه ... عَرَفَ المَسْلَكَ فيه فانْخَدَعْ
ويقول:
стр. 127
وقدْ يَتَغابَى المَرْءُ عَنْ عُظْمِ مالِه ... ومِنْ تَحتِ بُرْدَيْه المُغيرَةُ أو عَمْرُو
المغيرة: هو المغيرة بن شعبة، وعمرو: هو عمرو بن العاص وكانا من الدهاة. . . وقيل لبعضهم: ما الشّرف؟ فقال: الانخداع عن المالِ، ولا تجد أحداً يتغافل عن مالِه إلا وجدْتَ له في قلبه فضيلةً لا تقدر على دفعها، وقد أدّبنا نبيُّنا ﷺ بقوله: (رحم الله سهلَ البيعِ سهلَ الشراء)، وهذا خلاف قول الناس: المَغبون غيرُ محمودٍ ولا مأجور، وقد قال ﷺ : (ألا أدلّكم على شيء يحبّه اللهُ ورسوله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: التَّغابُنُ للضعيف). . . ومما يُروى في هذا الباب ما أورده ابن خِلكان في ترجمة الوزير الخطير أبي الحسن علي بن الفرات وزير المقتدر بالله ابن المعتضد بالله العباسي -
وكانت وفاته سنة ٣٢٧هـ وهو: أنّ رجلاً اتصلت عطلته، وانقطعت مادّتُه، فزوّر كتاباً من أبي الحسن بن الفرات إلى أبي زُنْبور المارِداني عامل مصر، يتضمّن الوَصاةَ به والتأكيدَ في الإقبال عليه والإحسان إليه، وخرج إلى مصر، فلقيَه به، فارتاب أبو زُنبور في أمره لتغيّر الخطاب على ما جرت به العادة، وكون الدعاء أكثرَ مما يقتضيه محلّه فراعاه مراعاةً قريبةً ووصلَه بصلةٍ قليلةٍ، واحتبسه عنده على وعدٍ وعده به وكتب إلى أبي الحسن بن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه، وأنفذه بعينه إليه، واستثبته فيه، فوقف ابن الفرات على الكتاب المزوّر، فوجد فيه ذكرَ الرجل وأنّه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه، وعرضَه على كُتّابه وعرّفهم الصورة فيه وعَجِبَ إليهم منها وممّا أقدم عليه الرجل، وقال لهم: ما الرأيُ في أمر هذا الرجل عندكم؟! فقال بعضهم: تأديبه أو حبسُه، وقال آخر: قطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا، ولئلا يقتدي به غيرُه فيما هو
стр. 128
أكثرُ من هذا، وقال أجملهم محضراً: يُكشف لأبي زُنْبور قصتُه، ويرسم له طردُه وحِرمانُه، فقال ابن الفرات: ما أبعدَكم من الحرية والخيريّة، وأنفر طباعكم عنها! رجلٌ توسّل بنا وتحمّل المشقّة إلى مصر في تأميلِ الصّلاح بجاهنا، واستمدادِ صنعِ الله بالانتساب إلينا، ويكون أحسنُ أحواله عند أحسنكم محضراً تكذيبَ ظنّه وتخييبَ سعيِه! والله لا كان هذا أبداً، ثم إنه أخذ القلم من دواتِه ووقّع على الكتاب المزوّر: هذا كتابي، ولست أعلم لم أنكرتَ أمرَه واعترضَتْك شبهةٌ فيه! وليس كل من خدمنا وأوجب حقاً علينا تعرفه! وهذا رجل خدمني في أيام نكبتي، وما أعتقده في قضاء حقّه أكثر ممّا كلّفتك في أمره من القيام به، فأحسِنْ تفقُّدَه ووفّر رِفدَه وصَرِّفْه فيما يعود عليه نفعُه. . . وردّه إلى أبي زُنبور من يومه، فلما مضت على ذلك مدة طويلة دخل على أبي الحسن بن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة وبِزّةٍ جميلة، وأقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي ويقبّل الأرض، فقال له ابن الفرات: من أنت بارك اللهُ فيك! - وكانت هذه كلمته - فقال: صاحب الكتاب المزوّر إلى أبي زُنبور، الذي صحّحه كرمُ الوزير وتفضُّله، فعل الله به وصنع، فضحك ابن الفرات، وقال: كم وصل إليك منه؟ قال: وصل إليّ من ماله ومما قسّطه على عُمّاله وعملٍ صرّفني فيه، عشرون ألف دينار، فقال ابن الفرات: الحمدُ لله، الْزَمنا، فإنا نعرِّضك لما يزداد به صلاحُ حالك، ثم اختبره فوجده كاتباً مبيناً، فاستخدمه وأكسبه مالاً جزيلاً. . .
стр. 129
قرى الأضياف
وهناك لون من ألوان الجود، لقد أكثروا فيه القول وافتنّوا، وأطالوا في التفاخر به والإشادة بمحاسنه، وجعلوه عنوان الكرم والنجدة والمروءة ووضعوا له آداباً ودساتير. ذلك هو قرى الأضياف، ونحن فإنا نختار ذَرْواً من عبقرياتهم في هذا المعنى. وفيما يتأشّب إليه وينشعب منه والله المستعان. . .
معنى قرى الضيف: قال علماء اللغة: يقال: قَرى الضيفَ قِرًى وقَراءً: أضافه وأحسن إليه، واستقراني واقتراني وأقراني: طلب مني القِرى، وإنه لقَرِيٌّ للضيف، والأنثى قريّةٌ، وكذلك: إنه لمقرًى للضيف ومِقراء، والأنثى مِقراةٌ ومِقراء. . .
وأما بعد فقد قلنا في البخل إنه جِبِلّةٌ وإنّه الأصل وإنّ الناس لقد خُلقوا بُخلاء، إلى آخر ما قلنا صدرَ هذا الباب، وهذا الذي قلنا يقال في قِرى الأضياف، وأنَّ الأصل هو البخلُ بالقِرى، فلنورد عليك شيئاً مما قالوا في البُخل بالقِرى ثم نُردفه بالقول على الجود بالقِرى وحثِّهم عليه، والكلام يدخل بعضُه في بعض.
طرف من مُلَحِهم في ذلك: قال بعضُ البخلاء لغُلامه: هاتِ الطعامَ، وأغلق البابَ، فقال الغلام: يا مولاي، ليس هذا بِحَزْمٍ! وإنما أغلق البابَ، وأقدّم الطعامَ، فقال له: أنت حُرٌّ لوجه الله. . . وطبخَ بعضُ البخلاءِ قِدراً، وجلس يأكل مع زوجته فقال: ما أطيبَ هذا الطعامَ لولا كثرة الزِّحام! فقالت: وأيُّ زِحام وما ثمَّ إلا أنا وأنت! قال: أحبُّ أن
стр. 130
أكون أنا والقِدْر. . . وعزم بعض إخوان أشعبَ عليه ليأكلَ عنده، فقال: إنّي أخاف من ثقيلٍ يأكل معنا فينغِّص لذّتنا، فقال: ليس عندي إلا ما تحبُّ، فمضى معه، فبينما هما يأكلان، إذا بالباب قد طُرق، فقال أشعبُ: ما أرانا إلا قد صِرْنا لما نكره، فقال صاحب المنزل: إنّه صديقٌ لي: وفيه عشرُ خصالٍ إن كرهت منها واحدة لم آذن له، قال أشعب: هاتِ، قال: أوّلها أنه لا يأكل ولا يشرب، فقال: التِّسعُ لك ودَعْه يدخل، فقد أمِنَّا منه ما نخافه. . .
وأكل رجل مع بعض البخلاء، وكان على مائدته أرغفةٌ هُنا وهناك، فلما فرغ من رغيفه قال: يا غلام، فَرسي، فقال الداعي البخيل: وما تصنع به؟ قال: أركبه إلى ذلك الرغيف. . وحدث أبو نواس قال: قلت لرجلٍ من أهل خراسان: لمَ تأكلُ وحدك؟ قال: ليس عليّ في هذا الموضع سؤال، إنما السؤال على من أكل معَ الجماعة، لأن ذاك تكلُّف، وأكلي وحدي
هو الأكلُ الأصلي. . . وأضاف رجلٌ أعرابياً، فلم يأتِه بشيء يأكله حتى غُشِيَ عليه من الجوع، فأخذ يقرأ عليه القرآن، فقال:
لَخُبْزٌ يَا أُخَيَّ علَيْهِ لَحْمٌ ... أحَبُّ إليَّ مِنْ حَسَنِ القُرَانِ
تَظلُّ تُدَهْدِهُ القرآنَ حَوْلي ... كأنِّي مِنْ عَفاريتِ الزَّمانِ
وقيل للجمّاز: من يَحضُر مائدةَ فلان؟ فقال: أكرمُ خلقِ الله: الكرامُ الكاتِبون. . . واصطحب رجلان فقال أحدهما للآخر: تعالَ حتّى نأكلَ معاً، فقال: معي خبزٌ ومعك خبزٌ، فلولا أنك تريد الشرّ لأكلتَ وحدك. . . وقيل لآخر: ألا تأكلُ معنا؟ فقال: الجماعة مَجاعة. . . ودَخل على ابنٍ لرجلٍ من الأشراف داخِلٌ وبين يديه فراريجُ، فغطّى الطبقَ بمِنْديلِه وأدخل رأسَه في جَيْبِه وقال للداخل عليه: كُنْ في الحُجْرة الأخرى حتى
стр. 131
أفرغَ مِنْ بَخوري. . . ودخل رجلٌ على رجلٍ يوماً والمائدة موضوعةٌ والقوم يأكلون وقد رفع بعضُهم يدَه، فمدَّ يدَه ليأكلَ، فقال: أجْهِزْ على الجَرْحى، ولا تتعرّض للأصحّاء. . . يريد: كُل ما كُسِرَ ونيلَ منه ولا تَعْرِضْ إلى الصحيح ورأى رجلٌ الحطيئةَ - الشاعرَ المخضرمَ العبقريَّ اللئيمَ - وبيده عَصاً فقال: ما هذه؟ قال: عَجْراء من سَلَم، قال: إني ضيف، قال: للضّيفانِ أعددتُها. . . ووصف أعرابيٌّ قوماً فقال: ألغَوْا من الصلاة الأذان، مخافة أن تسمعَه الآذان، فيَهُلَّ عليه الضّيفان. . . وفي هذا المعنى يقول شاعرٌ:
تَرَاهُمْ خَشْيَةَ الأضْيافِ خُرْساً ... يقيمونَ الصلاةَ بلا أذانِ
وكانوا يعدّون أن يبيت الرجلُ شبعانَ وجارُه جَوْعانُ، عاراً وشَناراً ولؤماً ونذالة، ويتهاجون بذلك، وأحسن ما قيل في هذا قول الأعشى - ميمون بن قيس - في علقمة بن عُلاثة:
تبيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكم ... وجاراتكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا
وقول بشار بن برد:
وضَيْفُ عَمْرٍو وعَمْرٌو يَسْهَرانِ مَعاً ... عَمْروٌ لِبِطْنتِه والضَّيْفُ لِلْجُوعِ
وقال شاعرٌ:
وَجِيرَةٍ لا تَرَى في الناسِ مِثْلَهُمُ ... إذا يكونُ لهم عِيدٌ وإفْطارُ
إنْ يُوقِدُوا يُوسِعونا مِن دُخانِهمِ ... وليس يَبْلُغُنا ما تُنْضِجُ النَّارُ
ومن مُلَحِهم فيمن لا يُظْفَرُ بِخُبزه قولُ أبي نواس:
стр. 132
وما خُبْزُهُ إلاَّ كعَنْقاءِ مُغْرِبٍ ... تُصَوَّرُ في بُسْطِ المُلوكِ وفي المَثَلْ
وقال الآخر:
قد فَرَّ مِنْ مَنْزِلِهِ فأرُهُ ... وعاذَ بالجيرانِ مُرْتَزِقا
وهذا من قول امرأةٍ لزوجها: واللهِ ما يقيمُ الفأرُ في دارِك إلا لحبّ الوطن، وقد تقدم آنفاً. . . وقيل لبخيل: إنّك تُكرِم خبزَك وتهينُ لإكرامه نفسَك! فقال: كيف لا أفعل ذلك والخبزُ هو الذي أخرج آدمَ وحوّاء وإبليسَ والطاووس من الجنة. . . وتغدّى الجمّاز عند هاشميٍّ، فمرَّ الغلامُ بصَحْفةٍ فقطر منها قطرةً على ثوبِ الجَمّاز، فقال الهاشميُّ: ائته بطِسْتٍ يغسِلُها، فقال الجمّاز: دَعْه، فمرقتكم لا تغيّر الثّيابَ. . . يريد: لا دَسَمَ فيها.
تفاخرهم بالإحسان إلى الضيف والجار: ولأنّهم يعدّون شِبَعَ المرءِ وجارُه جائعٌ، عاراً - كما تقدم - تراهم يتفاخرون بإكرام الضيف والجار، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول عروة بن الورد:
وإني امْرؤٌ عافِي إنائيَ شِرْكةٌ ... وأنْتَ امرؤٌ عافي إنائِكَ واحِدُ
стр. 133
أُقَسِّمُ جِسْمي في جُسوُمٍ كثيرةٍ ... وأَحْسُو قَراحَ الماءِ والماءُ بارِدُ
العافي: طالب المعروف، يريد بالبيت الأول: أنه ليس من شِرار الناس يأكل وحده، وقوله: والماء بارد: كنى بذلك عن تحمّله ضررَ نفسِه وعبارة بعض الشراح: يقول عروة: إن قوته الذي هو قوامُ رَمَقِه ومُقيم جِسمِه، يطعمُه ويؤثرُ به على نفسه، وأنّه عند الجَهْدِ وشدَّة الزمان يحسو الماء ويسقي اللبن، فإنّما رغبةُ الجواد في المال ليَهبَه، وطلبُه له ليُنْهِبَه.
وفي هذا المعنى يقول مسكين الدارمي - وهو شاعر شجاعٌ من أهل العراق كان في زمن معاوية بن أبي سفيان -:
إنْ أُدْعَ مِسْكيناً فما قَصَرَتْ ... قِدْرِي بيُوتُ الحَيِّ والجُدْرُ
ما مَسَّ رَحْلي العَنْكبوتُ ولا ... جَدَياتُه مِنْ وَضْعِه غُبْرُ
لا آخُذُ الصِّبْيانَ أَلْثَمُهُمْ ... والأمرُ قد يُغْزَى به الأمْرُ
ولَرُبَّ أمْرٍ قد تَرَكتُ وما ... بيني وبين لِقائِه سِتْرُ
لا يَرْهبُ الجيرانُ غَدْرَتَنا ... حتّى يُوارِيَ ذِكْرَنا القبْرُ
стр. 134
لَسْنا كأقوامٍ إذا كَلَحَتْ ... إحْدى السِّنينَ فجارُهُمْ تَمْرُ
مولاهُمُ لَحْمٌ على وَضَمٍ ... تنْتابهُ العِقْبانُ والنَّسْرُ
نارِي ونارُ الجارِ واحدةٌ ... وإليه قَبْلي تُنْزَلُ القِدْرُ
ما ضَرّ جارِيَ إذْ أُجاوِرُهُ ... أنْ لا يكونَ لبَيْتِه سِتْرُ
أَعْشَى إذا ما جارَتي خَرَجتْ ... حتى يُوارِيَ جارَتي الخِدْرُ
ويَصَمُّ عمَّا كانَ بينَهما ... سَمْعي وما بي غيْرَهُ وَقْر
стр. 135
ُ
وصيّة بخيلٍ لابنه
وهاك وصيّةَ بخيلٍ لابنه أراد بها أن ينصحَ ابنه بالتقليلِ من الطعام، شُحّاً وكزازةً، ولكنه أودعها على الرغم منه نصائحَ قيِّمةً يجمل أن تتخذ دُستوراً في الطعام لمن أراد أن يَصِحَّ ويُعافى، فهي حق أريد بها باطلٌ، ومن ثم اخترناها، وهي وصيّة جاحظيّة أوردها الجاحظ في كتابه البخلاء ونسبها إلى رجلٍ يسمّى أبا عبد الرحمن الثوري كان يحب الرؤوس - رؤوس الضأن وغير الضأن - قال الثوري لابنه -:
إيّاك ونَهَمَ الصّبيان، وشَرَهَ الزُّرّاع، وأخلاقَ النّوائح، ودَعْ عنك خَبْطَ المَلاحين والفَعلة ونَهْشَ الأعراب والمَهَنة. وكل ما بينَ يديك؛ فإنّما هو حقّك الذي وقع لك، وصار أقربَ إليك؛ واعلم أنّه إذا كان في الطعام شيءٌ ظريفٌ، ولقمة كريمة، ومُضغةٌ شهيّة، فإنّما ذلك للشيخ المُعظّم، والصّبيِّ المدلّل. ولست واحداً منهما. فأنت قد تأتي الدعواتِ
стр. 136
والولائمَ، وتدخلُ منازلَ الإخوان، وعهدُك باللحم قريب. وإخوانك أشدُّ قَرَماً إليه منك، وإنّما هو رأس واحد، فلا عليك أن تتجافى عن بعضٍ وتصيبَ بعضاً. وأنا - بعدُ - أكره لك الموالاةَ بينَ اللحم، فإن الله يبغض أهلَ البيت اللّحِمين، وكان يقول: إيّاكم وهذه المجازرَ فإنّ لها ضراوةً كضراوة الخَمْر، وكان يقول: مدمن اللّحم كمُدمن الخمر. وقال الشيخ - ورأى رجلاً يأكل اللحم، فقال: لحم يأكل لحماً. . . أفٍّ لهذا عملاً!
وقال الأول: أهلك الرجالَ الأحمران: اللحم والخمر، وأهلك النِّساء الأحمران! الذهب والزّعفران. . . أي بُنيَّ، عوِّد نفسَك الأثرةَ، ومجاهدةَ الهوى والشَّهوة. ولا تَنْهَشْ نهشَ الأفاعي، ولا تَخْضَم خَضْمَ البَراذين، ولا تُدِمِ الأكلَ إدامةَ النِّعاج، ولا تَلْقَمْ لَقْمَ الجِمال، إنّ
стр. 137
الله قد فضّلك، فجعلك إنساناً، فلا تجعل نفسك بهيمةً ولا سبعاً، واحْذَرْ سُرْعةَ الكِظَّة، وسَرَفَ البِطْنة، وقد قال بعضُ الحكماء: إذا كنت بَطيناً فَعَُّد نفسَك في الزَّمْنَى. وقال
الأعشى:
والبِطنةُ ممَّا تُسَفِّهُ الأحلامَا
واعلم أن الشِّبَعَ داعيةُ البَشم، وأنَّ البَشمَ داعيةُ السّقم، وأنَّ السَّقمَ داعيةُ الموت. ومن مات هذه الميتةَ فقد مات ميتةً لئيمةً. وهو قاتل نفسِه، وقاتل نفسِه ألومُ من قاتلِ غيرِه أي بُنيّ، إنّ القاتل والمقتولَ في النار ولو سألت حُذّاقَ الأطبّاء لأخبروك أنّ عامّةَ أهلِ القبور إنّما ماتوا بالتُّخم واعرف خطأ من قال: أُكْلَةٌ ومَوْتةٌ! وخُذْ بقول من قال: رُبَّ أُكْلةٍ تمنعُ أكْلات. وقد قال الحسن - البَصري -: يا ابن آدم كُلْ في ثلثِ بطنِك، واشْرَبْ في ثلثِ بطنِك، ودَعِ الثلثَ للتفكُّر والتنفُّس. وقال بكر بن عبد الله المُزَنيّ: ما وجدتُ طعمَ العيشِ حتّى استبدلت الخُمْصَ بالكِظّة، وحتّى لم ألبس من
стр. 138
ثيابي ما يستخدِمني، وحتّى لم آكل إلا ما لا أغسل يدي منه! يا بنيَّ، والله ما أدّى حقَّ الركوع، ولا وظيفةَ السّجود، ذو كِظّة، ولا خَشَعَ للهِ ذو بِطْنة، والصَّوْمُ مَصَحّة، والوَجباتُ عيشُ الصّالحين، ثم قال: لأمرٍ ما طالت أعمارُ الهند، وصحّت أبدانُ الأعراب. لله درّ الحارث بن كَلَدَة، حين زعم أنّ الدواءَ هو الأزمُّ، وأنّ الداءَ هو إدخالُ الطعامِ في أثرِ الطّعام!
أي بُنيَّ لِمَ صفت أذهانُ العَربِ؟ ولِمَ صدقت أحساسُ الأعراب ولِمَ صحّت أبدانُ الرُّهبان، مع طول الإقامة في الصّوامع؟ وحتَى لم تَعرف النِّقْرسَ، ولا وجعَ المفاصلِ، ولا الأورام؛ إلا لقلّة الرُّزْء من الطعام، وخِفّة الزّاد، والتبلُّغ باليسير.
أي بنيَّ، إن نسيمَ الدّنيا ورَوْحَ الحياةِ أفضلُ من أن تبيت كظيظاً،
стр. 139
وأن تكونَ لقصر العمر حليفاً. وكيف لا ترغب في تدبيرٍ يَجْمع لك صحّة البدن، وذكاءَ الذهن، وصلاحَ المِعَى، وكثرة المال، والقربَ من عيش الملائكة؟ أي بُنيَّ، لِمَ صار الضّبُّ أطولَ شيءٍ عُمراً؛ إلا لأنه إنّما يعيش بالنسيم، ولِمَ قال الرسول ﷺ إنّ الصوم وِجاءٌ، إلا ليجعل الجوعَ حِجازاً دون الشهوات. أي بُنيّ. قدْ بَلغت تسعين عاماً ما نَغَضَ لي سنٌّ، ولا تحرّك لي عظمٌ، ولا انتشر بي عصبٌ، ولا عَرفت ذنينَ أنْفٍ، ولا سيلانَ عينٍ، ولا سلسَ بولٍ، ما لذلك عِلّةٌ إلا التخفيف من الزاد، فإن كُنْتُ تحبُّ الحياةَ! فهذه سبيلُ الحياة، وإنْ كنتَ تُحِبُّ الموتَ، فلا يُبعدُ اللهُ إلا من ظلم.
بخيل يبيع القرى
ونزل جريرٌ - الشاعر الإسلامي الأشهر - بقومٍ من بني العنبر بن عمرو بن تميم فلم يَقْروه، حتى اشترى منهم القِرى، فانصرف وهو يقول:
стр. 140
يا مالِكُ ابنَ طَريفٍ إنَّ بَيْعَكُمُ ... رِفْدَ القِرَى مُفْسِدٌ لِلدِّينِ وَالحَسَبِ
قالوا نَبيعُكَهُ بَيْعاً فقلتُ لهُم ... بيعُوا المَوالِيَ واسْتَحْيُوا مِنَ العَرَبِ
لولا كِرامُ طَريفٍ ما غَفَرْتُ لَكمْ ... بَيْعي قِرَايَ ولا أنسأْتُكُمْ غَضبي
هلْ أنتمُ غَيرُ أَوْشابٍِ زَعانِفةٍ ... رِيشِ الذُّنابَى وليس الرأْسُ كالذَّنَبِ
قوله: بيعوا الموالي واستحيوا من العرب، قال المبرّد: تزعم الرواة: أنَّ جِلّةَ الموالي - عظماءَهم - أنِفوا من هذا البيت، لأنّه حطَّهم ووَضَعهم ورأى أنّ الإساءة إليهم غيرُ محسوبةٍ عيباً. . . وقوله: ولا أنسأتكم غَضبي، يقول: لم أؤخِّره عنكم، وقوله: هل أنتم غير أوشاب زعانفة، فالأشابةُ الجماعةُ تدخل في قومٍ وليست منهم وقد تطلق الأوشاب على أخلاطِ الناس تجتمع من كل أوْبٍ، مأخوذٌ من أشَبَ الشيءُ كضَرب. خلَطه، وأما الزّعانف فأصلها أجنحة السمك، سُمّي بذلك الأدعياءُ لأنّهم التصقوا بالصّميم كما التصقت تلك الأجنحةُ بعِظام السمك.
عبقرياتهم في قرى الأضياف
قال الله جلّ شأنه في مدح قوم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾. . . وقال سيدنا رسول الله: (أيُّما رجلٍ ضافَ قوماً فأصبح الضيفُ مَحْروماً، فإنَّ نصرَه حقٌّ على كل مسلم حتّى يأخذَ بقِرى ليلته من زَرْعِه ومالِه). . .
стр. 141
وفي الحديث أيضاً: (الخيرُ أسرعُ إلى مُطعِم الطّعامِ مِنَ الشَّفْرةِ في سَنامِ البعير) الشفرة: السكين العظيمة العريضة وقال صلوات الله عليه: (ليس منّا من باتَ شبعانَ وضيفُه بطنُه طاوٍ). وقال تعالى في مدح القائم بخدمة ضيفه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾؟ قيل وصفهم بذلك لأنه قام بخدمتهم بنفسه. . . ونزل ضيفٌ على جعفر بن أبي طالب، فتَخفَّفَ هو وغِلمانه عند نزولِه وعاوَنوه في حلوله، فلما أراد الارتحالَ عنهم لم يُعِنْه غِلمانُه، فشكاهم فقال: إن غِلمانَنا لا يعينون على الارتحال. . . وقالوا: أمدحُ بيتٍ قالته العرب قولُ حسان بن ثابت:
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهُمْ ... لا يَسألونَ عن السَّوَادِ المُقْبلِ
يقول: قد أنِسَتْ كلابُهم بالزّوار فهي لا تَنْبَحُهم، وهم من شجاعتهم لا يسألون عن جيش يقبل نحوهم لقلّة اكتراثهم ولثقتهم ببسالةِ أنفسِهم وشدَّتهم على أعدائهم، ومثل هذا قول أبي تمام:
إذا اسْتُنْجِدُوا لم يسألوا مَنْ دَعاهُمُ ... لأيّةِ حربٍ أوْ لأيِّ مكانِ
أو تقول: لا يسألون عن السوادِ المقبل، أي أنّهم في سَعةٍ لا يَهولهم الجَمْعُ الكثير، لسَعَتِهم وسخائهم.
وقال إبراهيم بن هَرْمة من أبياتٍ في ابتهاجِ الكلبِ بالضّيف:
يَكادُ إذا ما أبْصَرَ الضّيفَ مُقْبِلاً ... يُكلِّمهُ مِنْ حُبِّه وهو أعجمُ
وقال حاتم الطائي وهو سيّد الأجواد بالطعام:
أُضاحِكُ ضَيْفي قبلَ إنْزالِ رَحْلِه ... ويُخْصِبُ عندي والمَحَلُّ جَديبُ
وما الخِصْبُ لِلأضيافِ أنْ يَكْثُرَ القِرَى ... ولكنّما وَجْهُ الكريمِ خَصِيبُ
стр. 142
ومن قولهم في الحثِّ على ترك التكلّف وتعجيل الحاضر: سُئل أقْرى أهلِ اليمامة للضيف: كيف ضبطتم القِرى؟ قال: بأن لا نتكلّفَ ما ليس عندنا. . . وقال بعضهم: الضيفُ إلى القليل العاجل أحوجُ منه إلى الكثير الآجل، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. وقال تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. . . أي غير منتظرين نُضْجَه وإدراكَه وبلوغه، يقال: أني يأنى: إذا نضج.
ومن قولهم فيمن آثر على نفسه: قولُ صوفيٍّ لآخرَ: كيف يعمل فقراؤكم؟ قال: إذا وجدوا أكلوا، وإذا عَدِموا صبروا، فقال: هذا فِعْلُ الكلاب، إنّ الفقير منّا إذا عَدِمَ صبر، وإذا وجَد طعاماً آثر به غيره. . .
وقالوا في وصف الرجل الكريم يَسوء خلقه مع أهله خوف التقصير: والقائل زينب بنت الطّثَرِيَّة ترثي أخاها يزيد:
إذا نزَلَ الأضيافُ كان عَذَوَّراً ... على الأهلِ حتّى تسْتَقِلَّ مراجلُهْ
يُعِينُكَ مَظْلوماً ويُنجِيكَ ظالِماً ... وكُلُّ الذي حُمِّلْتَهُ فهو حامِلُهْ
العذوَّر: السيّئ الخُلق القليل الصبر فيما يريده ويهمُّ به، وإنما جعلته عذوَّراً لشدّة تهمُّمه بأمرِ الأضياف وحِرْصِه على تعجيل قِراهم حتى تستقل المراجل على الأثافيّ، والمراجل:
القدور واحدها مِرْجل، وقوله: وينجيك ظالماً، أي إنْ ظَلَمْت فطُولبت بظُلْمك حَماك ومَنع منك.
стр. 143
هذا؛ ومن السُّنة - كما ورد في الحديث - أنْ يمشيَ الرجلُ مع ضيفه إلى بابِ الدار.
وقد كان الأضيافُ يُعطون النُّدُلَ ويَرضخون لهم بالمال فقد رَوى بعضهم قال: رأيت ابنَ عباس في وليمةٍ فأكلَ وألْقى للخَبّازِ درهماً.
محادثة الضيف
وكانوا تُجاه محادثةِ الضيف على الطّعام فريقين، ففريقٌ يستحبُّه ويستحْسِنه، ومِن صاحب الدعوةِ أحسنُ، وقالوا في ذلك: مُحادثةُ الإخوان - تزيدُ في لذَّة الطعام. وقال شاعرهم:
وأكثرُ ما أَلذُّ بهِ وأَلْهُو ... محادثةُ الضُّيوفِ على الطّعامِ
وأما الفريقُ الآخر فيكره الحديثَ على المائدةِ وقالوا في ذلك: مَنْ أكثرَ الكلامَ على طعامِه غشَّ بطنَه وثقُلَ على إخوانه. وقال الجاحظ في كتابه التاج: ولِشَيءٍ ما كانت ملوكُ آل ساسانَ - إذا قُدِّمت موائدُهم - زَمْزَموا عليها، فلم يَنْطِقْ ناطقٌ بحرفٍ حتى تُرفع، فإن اضطرّوا إلى كلام، كان مكانَه إشارةٌ أو إيماءٌ يدلّ على الغرض الذي أرادوا والمعنى الذي قصدوا. وكانوا يقولون إن هذه الأطعمة بها حياةُ هذا العالم، فينبغي للإنسان أن يجعلَ ذهنَه في مَطْعمِه ويشغلَ روحَه وجوارحَه فيه، حتى تأخذَ كلُّ جارحةٍ بقِسْطِها من الطّعام، فيغتذي بها البدنُ والروحُ الحيوانية التي في القلب والطبيعة التي في الكبد، اغتذاءً تاماً، وتقبله الطبيعة قبولاً جامِعاً. قال الجاحظ: وفي ترك الكلام على الطعامِ فضائلُ كثيرةٌ هي في آيينِهم. . .
стр. 144
وقال المسعوديُّ في مروج الذهب: ذكروا أن كيومرث هو أوّلُ مَنْ أمرَ بالسّكوت عند الطعام، لتأخذ الطبيعةُ بقسطِها، فيصلحَ البدنُ بما يردُ إليه من الغذاء، وتسكن النفس عند ذلك، فتدبّر لكل عضو من الأعضاء تدبيراً يؤدي إلى ما فيه صلاحُ الجسم من أخذ صفو الطعام، فيكون الذي يرد إلى الكبد وغيره من الأعضاء القابلة للغذاء ما يناسبها وما فيه صلاحها، وإنّ الإنسان متى شُغل عن طعامه بضرب من الضروب، انصرف قسطٌ من التدبير وجزءٌ من التغذّي إلى حيث انصبابِ الهمّة ووقوع الاشتراك، فأضرّ ذلك بالنفس الحيوانية والقُوى الإنسانية، وإذا كان ذلك دائماً أدّى ذلك إلى مفارقة النفس الناطقة المميزة الفكرية لهذا الجسدِ المرئي، وفي ذلك تركٌ للحكمة وخروج عن الصواب. . . أقول: وقد
أيدتِ التّجاريبُ الحديثة هذا المذهب، إذْ تحقّقت أنّ الكلام على الطعام مدرجةٌ لسوءِ الهضم. . . وإنّي بحمد الله لعلى هذا المذهب مُذْ نشأتي، أي أنّي بفطرتي لا أتحدث على الطعام، حتّى عدَّ ذلك أهلي ومن يُخالطونني مغمزاً فيّ يشفّ عما وراءه، مما يشبه النّهم وليس به يعلم الله وإنّما هي الفطرة التي فطرني اللهُ عليها، ومن خُلقي أنّي أعدُّ الكلام على الطعام ضرباً من التكلُّف الذي لا أستسيغه. . . على أن الأكلَ مهمّةٌ حيوانيّة سخيفة يجمل أن لا يُحتفلَ بها هذا الاحتفالَ الكِسرويَّ الذي نراه هذه الأيام، ورحم الله جمالَ الدين الأفغاني إذ يقول: وددت لو أنّي خُلِقْتُ مصمتاً! وقبله قال الخليل بن أحمد: أثقل ساعاتي الساعةُ التي آكلُ فيها، أو كما قال:
أمّا محادثةُ الأضيافِ على غير الطعام: فمن المُجمع على استحسانه، وفي
стр. 145
ذلك يقول مسكين الدّارمي أو عتبة بن بجير:
لِحَافِي لِحَافُ الضَّيْفِ والبيتُ بيتُهُ ... ولمْ يُلْهِني عنه الغَزالُ المُقنّعُ
أُحَدِّثهُ إنَّ الحديثَ مِنَ القِرَى ... وتَعْلَمُ نفسي أنّه سوف يَهْجَعُ
الغزال المقنّع: زوجته، ويهجع: ينام، يريد أنه يحدّثه ويقريه بهذا الحديث حتّى ينام.
وكانوا لكرمهم يفضلون الاجتماع على الأكلِ ويستقبحون التفرّد: شكا رجلٌ إلى سيّدنا رسول الله قلّةَ البركة في طعامهم، فقال: لعلكم تتفرّقون على طعامكم! قال: نعم، قال: اجتمعوا عليه واذكروا اسمَ اللهِ لديه. . . وفي الحديث أيضاً: (ألا أخبركم بشِرارِكم؟: مَنْ أكل وحده، وضرب عبدَه، ومنع رِفْدَه الرِّفد: العطاء. . . وقال قيس بن عاصم المِنْقَري:
إذا ما صَنَعْتِ الزَّادَ فالْتَمِسِي له ... أَكِيلاً فإنّي لَسْتُ آكِلَهُ وَحْدي
следующие страницы →