Полный текст (628 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وفي الحديث أيضاً: (الخيرُ أسرعُ إلى مُطعِم الطّعامِ مِنَ الشَّفْرةِ في سَنامِ البعير) الشفرة: السكين العظيمة العريضة وقال صلوات الله عليه: (ليس منّا من باتَ شبعانَ وضيفُه بطنُه طاوٍ). وقال تعالى في مدح القائم بخدمة ضيفه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾؟ قيل وصفهم بذلك لأنه قام بخدمتهم بنفسه. . . ونزل ضيفٌ على جعفر بن أبي طالب، فتَخفَّفَ هو وغِلمانه عند نزولِه وعاوَنوه في حلوله، فلما أراد الارتحالَ عنهم لم يُعِنْه غِلمانُه، فشكاهم فقال: إن غِلمانَنا لا يعينون على الارتحال. . . وقالوا: أمدحُ بيتٍ قالته العرب قولُ حسان بن ثابت:
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهُمْ ... لا يَسألونَ عن السَّوَادِ المُقْبلِ
يقول: قد أنِسَتْ كلابُهم بالزّوار فهي لا تَنْبَحُهم، وهم من شجاعتهم لا يسألون عن جيش يقبل نحوهم لقلّة اكتراثهم ولثقتهم ببسالةِ أنفسِهم وشدَّتهم على أعدائهم، ومثل هذا قول أبي تمام:
إذا اسْتُنْجِدُوا لم يسألوا مَنْ دَعاهُمُ ... لأيّةِ حربٍ أوْ لأيِّ مكانِ
أو تقول: لا يسألون عن السوادِ المقبل، أي أنّهم في سَعةٍ لا يَهولهم الجَمْعُ الكثير، لسَعَتِهم وسخائهم.
وقال إبراهيم بن هَرْمة من أبياتٍ في ابتهاجِ الكلبِ بالضّيف:
يَكادُ إذا ما أبْصَرَ الضّيفَ مُقْبِلاً ... يُكلِّمهُ مِنْ حُبِّه وهو أعجمُ
وقال حاتم الطائي وهو سيّد الأجواد بالطعام:
أُضاحِكُ ضَيْفي قبلَ إنْزالِ رَحْلِه ... ويُخْصِبُ عندي والمَحَلُّ جَديبُ
وما الخِصْبُ لِلأضيافِ أنْ يَكْثُرَ القِرَى ... ولكنّما وَجْهُ الكريمِ خَصِيبُ
стр. 142
ومن قولهم في الحثِّ على ترك التكلّف وتعجيل الحاضر: سُئل أقْرى أهلِ اليمامة للضيف: كيف ضبطتم القِرى؟ قال: بأن لا نتكلّفَ ما ليس عندنا. . . وقال بعضهم: الضيفُ إلى القليل العاجل أحوجُ منه إلى الكثير الآجل، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. وقال تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. . . أي غير منتظرين نُضْجَه وإدراكَه وبلوغه، يقال: أني يأنى: إذا نضج.
ومن قولهم فيمن آثر على نفسه: قولُ صوفيٍّ لآخرَ: كيف يعمل فقراؤكم؟ قال: إذا وجدوا أكلوا، وإذا عَدِموا صبروا، فقال: هذا فِعْلُ الكلاب، إنّ الفقير منّا إذا عَدِمَ صبر، وإذا وجَد طعاماً آثر به غيره. . .
وقالوا في وصف الرجل الكريم يَسوء خلقه مع أهله خوف التقصير: والقائل زينب بنت الطّثَرِيَّة ترثي أخاها يزيد:
إذا نزَلَ الأضيافُ كان عَذَوَّراً ... على الأهلِ حتّى تسْتَقِلَّ مراجلُهْ
يُعِينُكَ مَظْلوماً ويُنجِيكَ ظالِماً ... وكُلُّ الذي حُمِّلْتَهُ فهو حامِلُهْ
العذوَّر: السيّئ الخُلق القليل الصبر فيما يريده ويهمُّ به، وإنما جعلته عذوَّراً لشدّة تهمُّمه بأمرِ الأضياف وحِرْصِه على تعجيل قِراهم حتى تستقل المراجل على الأثافيّ، والمراجل:
القدور واحدها مِرْجل، وقوله: وينجيك ظالماً، أي إنْ ظَلَمْت فطُولبت بظُلْمك حَماك ومَنع منك.
стр. 143
هذا؛ ومن السُّنة - كما ورد في الحديث - أنْ يمشيَ الرجلُ مع ضيفه إلى بابِ الدار.
وقد كان الأضيافُ يُعطون النُّدُلَ ويَرضخون لهم بالمال فقد رَوى بعضهم قال: رأيت ابنَ عباس في وليمةٍ فأكلَ وألْقى للخَبّازِ درهماً.
محادثة الضيف
وكانوا تُجاه محادثةِ الضيف على الطّعام فريقين، ففريقٌ يستحبُّه ويستحْسِنه، ومِن صاحب الدعوةِ أحسنُ، وقالوا في ذلك: مُحادثةُ الإخوان - تزيدُ في لذَّة الطعام. وقال شاعرهم:
وأكثرُ ما أَلذُّ بهِ وأَلْهُو ... محادثةُ الضُّيوفِ على الطّعامِ
وأما الفريقُ الآخر فيكره الحديثَ على المائدةِ وقالوا في ذلك: مَنْ أكثرَ الكلامَ على طعامِه غشَّ بطنَه وثقُلَ على إخوانه. وقال الجاحظ في كتابه التاج: ولِشَيءٍ ما كانت ملوكُ آل ساسانَ - إذا قُدِّمت موائدُهم - زَمْزَموا عليها، فلم يَنْطِقْ ناطقٌ بحرفٍ حتى تُرفع، فإن اضطرّوا إلى كلام، كان مكانَه إشارةٌ أو إيماءٌ يدلّ على الغرض الذي أرادوا والمعنى الذي قصدوا. وكانوا يقولون إن هذه الأطعمة بها حياةُ هذا العالم، فينبغي للإنسان أن يجعلَ ذهنَه في مَطْعمِه ويشغلَ روحَه وجوارحَه فيه، حتى تأخذَ كلُّ جارحةٍ بقِسْطِها من الطّعام، فيغتذي بها البدنُ والروحُ الحيوانية التي في القلب والطبيعة التي في الكبد، اغتذاءً تاماً، وتقبله الطبيعة قبولاً جامِعاً. قال الجاحظ: وفي ترك الكلام على الطعامِ فضائلُ كثيرةٌ هي في آيينِهم. . .
стр. 144
وقال المسعوديُّ في مروج الذهب: ذكروا أن كيومرث هو أوّلُ مَنْ أمرَ بالسّكوت عند الطعام، لتأخذ الطبيعةُ بقسطِها، فيصلحَ البدنُ بما يردُ إليه من الغذاء، وتسكن النفس عند ذلك، فتدبّر لكل عضو من الأعضاء تدبيراً يؤدي إلى ما فيه صلاحُ الجسم من أخذ صفو الطعام، فيكون الذي يرد إلى الكبد وغيره من الأعضاء القابلة للغذاء ما يناسبها وما فيه صلاحها، وإنّ الإنسان متى شُغل عن طعامه بضرب من الضروب، انصرف قسطٌ من التدبير وجزءٌ من التغذّي إلى حيث انصبابِ الهمّة ووقوع الاشتراك، فأضرّ ذلك بالنفس الحيوانية والقُوى الإنسانية، وإذا كان ذلك دائماً أدّى ذلك إلى مفارقة النفس الناطقة المميزة الفكرية لهذا الجسدِ المرئي، وفي ذلك تركٌ للحكمة وخروج عن الصواب. . . أقول: وقد
أيدتِ التّجاريبُ الحديثة هذا المذهب، إذْ تحقّقت أنّ الكلام على الطعام مدرجةٌ لسوءِ الهضم. . . وإنّي بحمد الله لعلى هذا المذهب مُذْ نشأتي، أي أنّي بفطرتي لا أتحدث على الطعام، حتّى عدَّ ذلك أهلي ومن يُخالطونني مغمزاً فيّ يشفّ عما وراءه، مما يشبه النّهم وليس به يعلم الله وإنّما هي الفطرة التي فطرني اللهُ عليها، ومن خُلقي أنّي أعدُّ الكلام على الطعام ضرباً من التكلُّف الذي لا أستسيغه. . . على أن الأكلَ مهمّةٌ حيوانيّة سخيفة يجمل أن لا يُحتفلَ بها هذا الاحتفالَ الكِسرويَّ الذي نراه هذه الأيام، ورحم الله جمالَ الدين الأفغاني إذ يقول: وددت لو أنّي خُلِقْتُ مصمتاً! وقبله قال الخليل بن أحمد: أثقل ساعاتي الساعةُ التي آكلُ فيها، أو كما قال:
أمّا محادثةُ الأضيافِ على غير الطعام: فمن المُجمع على استحسانه، وفي
стр. 145
ذلك يقول مسكين الدّارمي أو عتبة بن بجير:
لِحَافِي لِحَافُ الضَّيْفِ والبيتُ بيتُهُ ... ولمْ يُلْهِني عنه الغَزالُ المُقنّعُ
أُحَدِّثهُ إنَّ الحديثَ مِنَ القِرَى ... وتَعْلَمُ نفسي أنّه سوف يَهْجَعُ
الغزال المقنّع: زوجته، ويهجع: ينام، يريد أنه يحدّثه ويقريه بهذا الحديث حتّى ينام.
وكانوا لكرمهم يفضلون الاجتماع على الأكلِ ويستقبحون التفرّد: شكا رجلٌ إلى سيّدنا رسول الله قلّةَ البركة في طعامهم، فقال: لعلكم تتفرّقون على طعامكم! قال: نعم، قال: اجتمعوا عليه واذكروا اسمَ اللهِ لديه. . . وفي الحديث أيضاً: (ألا أخبركم بشِرارِكم؟: مَنْ أكل وحده، وضرب عبدَه، ومنع رِفْدَه الرِّفد: العطاء. . . وقال قيس بن عاصم المِنْقَري:
إذا ما صَنَعْتِ الزَّادَ فالْتَمِسِي له ... أَكِيلاً فإنّي لَسْتُ آكِلَهُ وَحْدي
стр. 146
وقال عبد الله بن المعتز في اجتماع الأيدي على الطعام:
كأنَّ أَكُفَّ القوْمِ في جَفَناتِه ... قَطاً لمْ يُنَفِّرْهُ عن الماءِ صارِخُ
وكانت العرب تعدُّ التفرَّدَ بالأكل احتقابَ وِزْرٍ حتى أنزل الله عز وتقدّس: (ليس عليكم جناحٌ أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً). . .
السؤال وعبقريّاتهم فيه
من جميع نواحيه
ذمُّ السؤال: لما احْتُضِر قيس بن عاصم المِنْقري سيّد أهلِ الوبر، قال
стр. 147
لبنيه: يا بَنيَّ، احفظوا
عني ثلاثاً، فلا أحد أنصحُ لكم مني، إذا أنا مِتُّ فسوِّدوا كبارَكم ولا تسوِّدوا صغارَكم، فيحقِّرَ الناسُ كبارَكم وتهونوا عليهم، وعليكم بحِفظ المال، فإنّه مَنْبهةٌ للكريم ويُستغنى به عن اللئيم، وإيّاكم والمسألةَ فإنها أخرُ كَسْبِ الرّجل. . . سوِّدوا كباركم: فالسيّد هنا الرئيس أي أسندوا رياستكم إلى كباركم، ومنبهة الكريم: أي مُشْعرٌ بقدره ومُعْلٍ له، وقوله: فإنها أخر كسبِ الرجل فأخر بقصر الهمزة: أي أدنى وأرذل، وإذا مُدّ فمعناه: أن السؤال آخر ما يكتسب به المرء عند العجز عن الكسب، وقد جاء في الحديث (إيّاكم والمسألة فإنها أخر كسب الرجل)، فلعل قيساً أخذها من سيّدنا رسول الله، لأن قيساً ممن أسلم ونزل البصرة وفي الحديث أيضاً: (من سأل وهو غنيٌّ جاءت مسألته يومَ القيامة خُدوشاً أو خُموشاً أو كُدوحاً في وجهه) الكدوح: الخُدوش، وكل أثرٍ من خدش أو عَضٍّ فهو كدح وقال صلوات الله عليه: (إن أحدكم يخرج بمسألته من عندي متأبِّطاً، وما هي إلا النار)، فقال عمر ﵁: ولِمَ تعطيه وهي نارٌ؟ فقال: (يأبون إلا أن يسألوا ويأبى اللهُ لي البخلَ). . وقالوا: إيّاك وطلبَ ما في أيدي الناس فإنّه فقرٌ حاضر، وقال ابن المقفّع: السّخاء سخاءان: سخاؤك بما في يدك، وسخاؤك بما في أيدي الناس، وهو أمْحضُ في
стр. 148
الكرم، وأبعدُ من الدّنس، ومن جمعهما فقد استكمل الفضل. . . وقال شاعر:
لا تَحْسَبَنَّ المَوْتَ مَوْتَ البِلَى ... وإنّما الموتُ سُؤالُ الرِّجالِ
كِلاهُما موتٌ ولكنَّ ذا ... أشدُّ من ذاكَ على كلِّ حالِ
وقد كانوا يتحمّلون المكارِهَ تفادِياً من السؤال: روى الأصمعي قال: مررت بكنّاس بالبصرة يكنس كَنيفاً ويغنّي:
أضاعوني وأيَّ فتًى أضاعوا ... لِيَومِ كَريهةٍ وسِدادِ ثَغْرِ
فقلت له: أمّا سِدادُ الكنيف فأنت مليءٌ به، فلا علمَ لي بك كيف أنت فيه! وكنتُ حديثَ السنِّ فأردت العبثَ به - فأعرض عنّي مليّاً ثم أقبل عليَّ وأنشد متمثِّلاً:
وأُكْرِمُ نفْسي إنّني إن أهَنْتُها ... وحَقِّكَ لم تَكْرُمْ على أحدٍ بعْدِي
قال الأصمعي: فقلت له: والله، ما يكون من الهوان شيءٌ أكثر مما بذلْتَها له، فبأي شيء أكرمتها؟ فقال: بلى، والله، إن من الهوان لشَرّاً مما أنا فيه، فقلت: وما هو؟ فقال: الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس، فانصرفت عنه أخزى الناس. . . ومثله ما رُوي أن أبا عمرو
بن العلاء قال: اجتزت بكنّاس ينشد:
إذا أنْتَ لم تَعْرِفْ لنفسِك قَدْرَها ... هَواناً لها كانَتْ على الناسِ أهونا
فقلت: سبحانَ الله، أتنشد مثلَ هذا وتتعاطى مثلَ هذا الفعل؟ فقال: إنَّ إنشادي لمثله أصارني إلى هذا، فَراراً من ذلِّ السؤال. . .
стр. 149
ذم الإلحاح والحث على الإجمال في الطلب
في الحديث: (إنّ اللهَ يُبغض من عباده السائلَ المُلْحِفَ)، وقال حكيم: لا يكثرن الرجل على أخيه المسألةَ، فإنَّ العجل إذا أفرط في مصِّ أمِّه نَطحته ونحَّته، وقال بشار بن برد:
ولَيْسَ لِلْمُلْحِفِ مثلُ الرّدِّ
ووقع بعض الكبار في قِصَّةِ مُلحٍّ مُكثرٍ للسؤال: دَعْ هذا الضَّرْعَ يَدِرَّ لغيرك كما دَرَّ لك. وقالوا: اطلبوا الحاجاتِ بعزّة النفس فإنَّ بيد اللهِ قضاءَها. . . وقال ابن الرومي في الإحسان يتوصّل إليه بهوان:
إذا أنا نالَتْني فواضِلُ مُفْضِلٍ ... فأهْلاً بها ما لَمْ تَكُنْ بِهَوانِ
فأمَّا إذا كان الهَوانُ قَرينَها ... فبُعْداً لها ما ينْقَضِي لأوانِ
ومَنْ ذا الذي يَلْتَذُّ شَهْداً بعَلْقَمٍ ... أبَتْ لَهَواتي ذاكَ والشَّفتانِ
أريدُ مَكاناً مِنْ كريمٍ يَصُونُنِي ... وإلا فلِي رِزْقٌ بِكُلِّ مكانِ
دِقَّةُ موقف السائل: ومن عبقريّاتهم في صعوبةِ موقف من يسأل لنفسه شيئاً ولاسيّما إذا كان ممّن يكرّمون أنفسهم:
قال سعيد بن العاص: موطنانِ لا أعتذر من العِيِّ فيهما: إذا سألت حاجةً لنفسي، وإذا كلّمت جاهلاً. . . وسار الفضل بن الربيع - الوزير كان - إلى أبي عبّاد في نَكبته يسأله حاجةً، فأُرْتِجَ عليه، فقال له أبو عباد: بهذا اللسان خدمت خليفتين! فقال الفضل: إنَّا تعوّدنا أن نُسألَ لا أن نَسأل. . . وكلّم أعرابيٌ خالدَ بنَ عبد الله، وتلجلج في كلامِه، فقال: لا تلُمْني على الاختلاط، فإن معي ذلَّ الحاجة ومعك عزُّ الاستغناء. . .
стр. 150
عبقرياتهم في آداب السؤال واستنجاح الحوائج
ولهم في السؤال وآدابه واستنجاح الحوائج ودستوره، مَحاسنُ رأينا أن نُلِمَّ بها، إتماماً لهذا الباب، فمن ذلك حثُّهم على سُؤال الشبان دونَ الشيوخ، والصِّباح دون القِباح، والكريمِ
الفقير دون الغنيِّ اللئيم. وهذا لَعْمري من حِذق الأوائل وتفطنهم إلى طبائع النفوس. . .
قال حكيم: طلبُ الحوائج عند الشبان أسهلُ منها عند الشّيوخ، ألا ترى أن يعقوبَ ﵇ لمّا سأله بَنوه أن يستغفرَ لهم قال: سوف أستغفر لكم ربّي، وقال يوسف ﵇: لا تثريبَ عليكم اليوم. . . وفي الأثر: اطلبوا الحوائجَ إلى حِسان الوجوه. . . وسُئل ابنُ عائشة عن هذا الحديث فقال: معناه: اطلبوها من الوجوهِ التي يَحسُن بالمرء أن يطلبها منها. . .
وقال البحتري:
مَنْ حَسّنَ اللهُ وَجْهَهُ وسَجَا ... يَاهُ وأَعْطاهُ كُلِّفَ الكُلَفَا
وقال السريّ الرفّاء:
صَرَفْتُ عن الكثيرِ الوفْرِ طَرْفي ... وها أنا للقليلِ الوفْرِ راجِ
وكم من نُطْفَةٍ عَذُبَتْ وكانَتْ ... أَحَبَّ إليَّ مِنْ بحرٍ أُجَاجِ
وقالت امرأةٌ من ولد حسان بن ثابت:
стр. 151
سَلِ الخَيْرَ أهْلَ الخَيْرِ قِدْماً ولا تَسَلْ ... فتًى ذَاقَ طَعْمَ العَيْشِ مُنْذُ قريبِ
وقال مسلم بن قتيبة: لا تطلبن حاجتك إلى كذّاب، فإنه يقرّبها وهي بعيدٌ، ويبعدها وهي قريبٌ، ولا إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعَك فيضرَّك، ولا إلى رجلٍ له عند من تسأله الحاجةَ حاجةٌ، فإنه لا يؤثرك على نفسه وقال شاعر:
لا تَطْلُبَنّ إلى لَئيمٍ حاجَةً ... واقْعُدْ فإنَّكَ قائِماً كالقاعِدِ
يا خادعَ البُخلاءِ عَنْ أَمْوَالِهمْ ... هَيْهَاتَ تَضْرِبُ في حَديدٍ باردِ
وقال بعض الأدباء: عليك بذي الحصَرِ البَكيِّ، وبذي الخِيمِ الرضِيِّ، فإنّ مثقالاً من شدّة الحياء والعِيِّ، أنفعُ في الحاجةِ من قنطارٍ من لسانٍ سليمٍ وعقلٍ ذكيٍّ، وعليك بالشهم النَّدْبِ الذي إن عَجِزَ أيأسَك، وإن قدرَ أطعمَك. . وقال الفاروق ﵁: لا تستعن على حاجتك إلا بمن يحبُّ نجاحَها لك. . وقال ابن عبّاس: لا تسألنْ حاجةً بالليل، ولا تسألنْ أعمى، فإنّ الحياء في العينين.
ومن آداب السؤال عندهم أن لا يُتجاوزَ الحدُّ فيه: قالوا: من سأل
стр. 152
فوق قدره، فقد استَوْجبَ الرّدّ، ومن لم يَرْجُ إلا ما هو مُسْتحِقٌّ له، فإلى الرّفْد. . . وقال الشاعر:
إنّكَ إنْ كلَّفْتَني ما لم أُطِقْ ... ساءكَ ما سَرَّكَ مِنِّي من خُلُق
وكانوا لا يرون بأساً بسؤال الملوك وسؤال الابن أباه: فقالوا: مسألةُ الرجلِ السلطانَ، ومسألةُ الابنِ أباه، لا تَنْقُصه ولا تَشينُه:
وإذا ابْتُليتَ ببَذْلِ وَجْهِكَ سائلاً ... فابْذُلْه لِلمُتَكَرِّمِ المِفْضالِ
وقال أبو جعفر المنصور لرجل أحْمَدَ منه أمراً: سَلْ حاجتك فقال: يُبقيك الله يا أمير المؤمنين، قال: سل، فليس يمكنك ذلك في كل وقتٍ، فقال: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟ فوالله، لا أستقصر عمرَك ولا أرهَبُ بخلَك ولا أغتنم مالك، وإن سؤالك لَزَيْن وإن عطاءَكَ لشرفٌ، وما على أحد بَذَلَ وجهَه إليك نقصٌ ولا شينٌ، فأمر حتى مُلِئَ فوه دُرّاً. . . وقال العتّابيُّ: إن طلبت حاجةً إلى ذي سلطانٍ، فأجْمِل في الطلب إليه، وإيّاك والإلحاحَ عليه، فإن إلحاحَك يَكْلُمُ عرضَك، ويريق ماءَ وجهِك، فلا تأخُذْ منه عِوَضاً لما يأخذ منك، ولَعلَّ الإلحاحَ يجمع عليك إخلاقَ ماءِ الوجه وحرمانَ النجاحِ فإنه ربّما ملَّ المطلوبُ إليه حتى يَسْتَخفَّ بالطالب.
ومن قولهم في الحثِّ على الحِذق واللّطافة في المسألة: قال رجل لآخر: لو أنا متُّ ما كنتَ تفعل؟ قال: كنت أكفِّنك وأدْفِنك، قال: فاكسُني الساعةَ بما تكفِّنني به، وإذا متُّ فادفِنّي عُرياناً. . . وقال شاعر:
أحْلُبْ لَبونَكَ إبْساساً وتَمْرِيَةً ... لا يَقطَعُ الدَّرَّ إلا عُنْفُ مُحْتَلِبِهْ
اللبون: الناقة أو الشاة ذات اللبن، والإبساس: أن يَمسحَ ضَرع الناقةِ ويسكِّنَها لتَدِرَّ، ومثله التّمرية، والدرُّ: اللبن،. . . وسأل أعرابيٌّ عبد الملك بن مروان -
стр. 153
وكان بخيلاً وكانوا يطلقون عليه: رَشح الحجر - فقال له: سلِ الله، فقال: سألْتُه فأحالَني عليك، فضَحِك منه وأعطاه. . وأتى رجلٌ بعضَ الولاة، وكان صديقَه، فتشاغل عنه، فتراءى له يوماً، فقال: اعذرني فإنّي مشغول، فقال لولا الشغلُ ما أتيتُك، لا بلّغني اللهُ يومَ فَراغِك. وفي هذا المعنى يقول أبو عليّ البصير:
لا تُصَيّرْ شُغْلَكَ اليو ... مَ اعْتِذاراً لِمِطالِكْ
إنّما يُحْمَدُ أن تَفْ ... رُغَ في وقْتِ اشتغالِكْ
لو تَفَرَّغْتَ مِن الشُّغ ... ل اسْتَوَيْنا في المَسالِكْ
وقال بعض الأدباءِ للصّاحب بنِ عباد: إنَّ جِرذانَ داري يَمشين بالعصا هِزالاً: فقال:
بَشِّرهنَّ بمَجيء الحِنْطة. . . وقسَم بعضُهم مالاً بين بنيه فقال له عبدٌ صغير: فأعْطِني أوّلاً، فقال له: ولِمَهْ؟ قال: لأنّ الله تعالى يقول: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فبدأ بالمال، وأنا مالك، فأعطاه وقدَّمه. . . ودخل محمد بن واسع على قتيبةَ بنِ مسلم، فقال له: إنّي أتيتك في حاجة، فإن شئتَ قضيتَها وكنّا جميعاً كريمين، وإن شئتَ منعتَها وكنا جميعاً لئيمين. قال ابن عبدِ ربّه صاحب العقد: أراد: إن قضيتَها كنتَ أنت كريماً بقضائِها، وكنتُ أنا كريماً بسؤالك إيّاها لأني وضعتُ طِلبتي في موضعها، فإن لم تقضِها كنتَ أنت لئيماً بمنعِك، وكنت أنا لئيماً بسوءِ اختياري لك، وسرق حبيب - أبو تمام - هذا المعنى فقال:
عيَّاشُ إنك لَلَّئيمُ وإنّني ... مُذْ صِرتَ مَوْضِعَ مَطْلَبي لَلَئيمُ
ومن مُلَحِ المُكْدين ووصاياهم: قيل لرجل مُكْدٍ: متى تعلمت الكُدْية والسّؤال؟ قال: يوم وُلدتُ، منعتُ الثَّدْيَ فصحْتُ، وبكيتُ فأعطيتُ
стр. 154
الثديَ، فسكتُّ. . . وقال رجل لآخر: قد وضع منك سؤالُك؟ فقال: لقد سأل موسى والخَضِرُ ﵉ أهلَ قرية، فأبوا أن يضيفوهما، فواللهِ ما وضعَ هذا من نبيِّ الله وعالِمه، فكيف يَضعُ مني! وقال بعض المُكْدين: مكتوبٌ على باب الجنة: من صَبَرَ عَبر. . . وقال آخر: كلبٌ طائِفٌ، خيرٌ من أسدٍ رابضٍ، وقالوا: الهيبةُ خيبةٌ، وقال سَلْمٌ الخاسر:
من راقَبَ الناسَ مات غَمّاً ... وفازَ باللَّذَّةِ الجَسورُ
وقال أشجع السُّلَمي:
ليسَ للحاجاتِ إلا ... مَنْ لهُ وَجْهٌ وَقَاحُ
وقال أبو تمام:
وَخُذْهُمْ بالرُّقى إنَّ المَهَارَى ... يُهَيِّجُها على السَّيْرِ الحُدَاءُ
وقال ابنُ الرومي:
وإنَّ الأُمَّ لَمْ تُرْضِعْ صَبيّاً ... مَعَ الإشْفاقِ لَوْ سَكَتَ الغُلامُ
ومن قولهم في الحثِّ على مُعاودةِ السُّؤال: قول عمر ﵁: إذا سألتمونا حاجةً فعاوِدونا فيها، فإنّما سُمِّيت القلوبُ قلوباً لتقلُّبِها. . . وقال عبد الملك بن مروان في خطبة له: لا يَمْنَعَنْ رجلاً سأل اليوم شيئاً فمَنَعْتُه، أن يسألَ غداً؛ فإنّ الأمورَ بيدِ الله لا بيدي. وقال شاعر:
لا يُؤْيِِسَنّكَ مِنْ كَرِيمٍ نَبْوَةٌ ... ينْبُو الفَتَى وهْوَ الجَوَادُ الخِضْرِمُ
فإذا نَبَا فاسْتَبْقِهِ وتأَنَّهُ ... حتَّى يَجِيَء بهَا الطِّبَاعُ الأكْرَم
стр. 155
ُ
وقالوا: إذا سألت كريماً حاجةً فدَعْه وسَوْمَ نفسِه فإنّه لا يفكّر إلا في خير، وإذا سألتَ لئيماً حاجةً فعاقِصْه ولا تدَعْه يتفكّر فيتغيَّر، وقال بعضهم في ضدِّ ذلك: إذا سألت لئيماً حاجةً فأجِّله حتى يروِّضَ نفسه. . . أي يعالج نفسَه الكزَّة اللئيمة.
ولهم في الاعتذار عن سؤالِ اللئيم وأخذهم منه: قال أبو تمام:
خُذْ ما أتاك من اللِّئا ... مِ إذا نأَى أهْلُ الكرَمْ
فالأُسْدُ تَفْتَرِسُ الكِلا ... بَ إذا تَعَذَّرَتِ الغَنَمْ
وقال المتنبي:
غَيرَ اختيارٍ قَبِلْتُ بِرَّك بي ... والجوعُ يُرْضِي الأُسُودَ بالجِيَفِ
وقال المهلّبي الوزير:
ما كنْتَ إلا كَلَحْمِ مَيْتٍ ... دعا إلى أَكْلِهِ اضْطِرارُ
ولأبي عليٍّ البصير:
لعَمْرُ أبيكَ ما نُسِبَ المُعَلَّى ... إلى كرَمٍ وفي الدُّنيا كريمُ
ولكنَّ البلادَ إذا اقْشَعَرَّتْ ... وصَوّحَ نبتُها رُعِيَ الهشيمُ
اقشعرت: قال الأزهري: يقال: اقشعرّت الأرض من المحل - الجدب - وفي الحديث: (إن الأرض إذا لم ينزل عليها المطرُ ارْبَدَّت واقشعرّت): أي تقبّضت وتجمّعت، وصوّح نبتُها: يبس.
ومن قولهم في التعريض بالسؤال: قال أميّةُ بن أبي الصلت:
أأذْكرُ حاجَتي أمْ قدْ كَفاني ... حَياؤُكَ إنّ شِيمَتَك الحَياءُ
стр. 156
إذا أثنى عليكَ المرءُ يَوْماً ... كَفَاهُ مِنْ تَعرُّضِه الثّناءُ
وقال ابن الرومي:
يا مَن إذا التعريضُ صَافَحَ نَفْسَهُ ... أغْنَى العُفَاةَ بهِ عَنِ التَّصريحِ
وقال المتنبّي:
أُقِلّ سلامِي حُبَّ ما خَفَّ عنكُمُ ... وأَسْكُتُ كيما لا يكونَ جوابُ
وفي النَّفسِ حاجاتٌ وفيكَ فَطانةٌ ... سُكوتي بيانٌ عندها وخِطابُ
وقال أبو بكر الخوارزمي:
وإذا طلبتَ إلى كريمٍ حاجةً ... فلِقاؤُهُ يَكْفيكَ والتّسليمُ
فإذا رآكَ مُسَلِّماً عَرَف الذي ... حَمَّلْتَهُ فكأنَّه مَلزومُ
المسؤول تُجاهَ السائل
قال شُرَيحٌ: من سأل حاجةً فقد عرَض نفسَه على الرِّقِّ، فإن قضاها
стр. 157
المسؤول استَعْبَده بها، وإن ردَّه، رَجَع حُرّاً، وهما ذليلان، هذا بِذُلِّ اللؤم وهذا بذلِّ السؤال. وقال أبو تمام:
ما ماءُ كفِّكَ - إن جادَتْ وإنْ بَخِلَتْ ... من ماءِ وَجْهي إذا أَفنَيتُه - عِوَضُ
وقالوا: العَجَبُ لمَنْ يشتري العبيدَ بالأموالِ ولا يشتري الأحرارَ بالنّوال. . . وسُئل خالد بن يزيد: ما الجودُ؟ قال: أن تعطي مَنْ سألك، فقال ابنه: يا أبتِ، هذا هو الكَدُّ، إنّما الجودُ أن تعطي من سألَك ومَنْ لَمْ يسألْك. . وقالوا: أهنأُ المعروف أعجلُه. وقال بعض الناس: إذا أوليتني نعمةً فعجّلها، فإنَّ النفسَ مولعةٌ بحبِّ العاجل، وإنّ الله تعالى قد أخبر عمّا في نفوسنا فقال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾. . ولزم بعض الحكماء بابَ بعضِ ملوكِ العجم دَهْراً فلم يَصِلْ إليه، فتلطّف للحاجبِ في إيصال رُقْعةٍ، ففعل، وكان فيها أربعةُ أسطر:
السطر الأول: الأملُ والضرورةُ أقدماني عليك.
والسطر الثاني: هو العدمُ لا يكون معه صَبْرٌ على المطالبة.
والسطر الثالث: الانصرافُ بلا فائدةٍ شماتةٌ للأعداءِ.
والسطر الرابع: فإمّا نَعَمْ مثمرةٌ، وإمّا لا مريحةٌ.
فلما قرأها وقّع في كل سطرٍ: زِهْ، فأعطي ستةَ عشرَ ألفَ مثقالِ فِضّة. زِهْ في لغة الفرسِ معناها: أحسنت. . . ووقفت عجوزٌ على قيسِ بنِ سعد فقالت:
стр. 158
أشكو إليكَ قِلّةَ الجِرذان، قال: ما أحسنَ هذه الكناية؟ املؤوا بيتَها خُبزاً ولحماً وسَمْناً وتمراً. وقد تقدم مثلها.
الاعتذار عن المسؤول إنْ لَمْ يُعْطَ
قال أبو نواس:
فإن تُولِني مِنكَ الجميلَ فأهلُه ... وإلا فإنّي عاذِرٌ وشَكورُ
وقال ابن الرومي:
وإنْ عاقَ الفضاءُ نَداكَ عنّي ... فلَسْتُ أراك في مَنْعي مُليما
وما غَيْثٌ إذا يجتازُ أرْضاً ... إلى أُخْرى بمُعْتَدٍّ لَئيما
وكتب أبو العيناء إلى ابن أبي دُواد: مسّنا وأهلَنا الضُّرُّ، وبضاعتنا المودّة والشكر، فإن تعطِنا فأنت أهلٌ لذاك، وإن لم تعطنا فلسنا ممن يلْمِزُك في الصّدقات، فإنْ أعطوا منها رَضوا وإن لم يُعطَوْا مِنْها إذ هم يسخطون وهناك من لا يعذر، رووا أنّ الحجّاج لما دخل مكةَ قال لأهلها: أتيناكم وقد غاضَ الماءُ لكثرةِ النّوائبِ، فاعْذِرونا، فقال رجلٌ: لا عذَرَ اللهُ من عَذَرَك، وأنت أمير المِصْرَين وابنُ عظيمِ القريتين فقال: صدقْتُ. واستقرض مالاً من التُّجّار ففرّقه فيهم، وقال أبو تمام:
فلو حارَدَتْ شَوْلٌ عذَرْتُ لِقاحَها ... ولكن حُرِمْتُ الدَّرَّ والضَّرْعُ حافِل
стр. 159
ُ
طلب الكثير والرضا بالقليل
قال أعرابيٌّ لخالد بن عبد الله من أبيات:
أخالِدُ بينَ الحمدِ والأجرِ حاجَتي ... فأيُّهما تأتي فأنْتَ عمادُ
فقال له خالد: سَلْ ما بدا لك، فقال: مائةُ ألف درهم، قال: أسرفت، قال: ألفُ درهم، قال خالد: ما أدري أمِنْ إسْرافك أتعجب أمْ مِنْ حَطِّك، فقال: إنّي سألتك على قدرك، فلمّا أبيتَ سألتُ على قدري، فقال: إذن واللهِ لا تَغلِبَني على معروفي. . .
من يسأل حاجة يزعمها صغيرة
قال رجل لعمارةَ بن حمزة: أتيتك في حُوَيْجة، فقال: اطلب لها رُجَيْلاً. . . وقال آخر مثل هذا فقال: دَعْها حتّى تَكْبَر. . . وقال رجل لعبد الله بن عباس ﵁: أتيتك في حاجةٍ صغيرة، فقال: هاتِها، فالحُرُّ لا يصغُرُ عن كبيرِ أخيه ولا يكْبُرُ عن صغيره.
الحث على الصبر والأناة في طلب الحاجات
قال الشاعر:
إنّ الأمورَ إذا انسَدَّتْ مَسالِكُها ... فالصَّبرُ يفْتَحُ منها كلَّ ما ارْتُتِجا
أخْلِقْ بذِي الصَّبْرِ أنْ يَحْظى بحاجتِه ... ومُدْمِنِ القَرْعِ للأبوابِ أنْ يَلجِا
لا تأيَسَنَّ وإنْ طالتْ مُطالبَةٌ ... إذا استَعَنْتَ بصَبْرٍ أَنْ ترى فَرَجَا
وقال أبو نواس:
стр. 160
ولا يُدْرِك الحاجاتِ مِنْ حيثُ تُبْتَغَى ... من الناسِ إلاّ المُصْبِحون على رِجْلِ
تَأَنَّ مواعيدَ الكرامِ فرُبَّما ... أَصَبْتَ من الإلحاحِ سَمْحاً على بُخْلِ
وقال القطاميُّ:
قدْ يُدْرِكُ المُتأنِّي بَعْدُ حاجتَهُ ... وقد يكونُ مع المُستَعْجِلِ الزَّلَلُ
والعرب تقول: ربَّ عجلةٍ تَهَبُ رَيثاً، يريدون أن الرجلَ قد يَخْرَقُ ويَحْمُقُ فيَعْجَلُ في حاجته فتتأخَّر أو تبطل بذلك.
العطية لا تجدي في غير وقتها
قال البحتري:
واعْلَمْ بأنَّ الغيثَ ليس بنافِعٍ ... للمرْءِ ما لَمْ يأتِ في إبَّانِهِ
وقال:
يُرْجَى الطبيبُ لِساعةِ الأوْصابِ
المسؤول أهلٌ لأن يُسأل
قال عَلْقَمةُ بن عَبَدَةَ الفَحْل من قصيدةٍ يخاطب الحارث بن أبي شمر الغساني - وكان أسر أخاه شأساً فرحل إليه يطلبه منه -:
وفي كُلِّ حَيٍّ قد خَبَطْتَ بِنِعْمةٍ ... فحُقَّ لِشأسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ
وقال أحمد بن أبي طاهر:
أتيتُكَ لَمْ أطمَعْ إلى غيْرِ مَطْمَعٍ ... كريمٍ وَلمْ أفزَعْ إلى غير مَفْزَعِ
стр. 161
التأسف على الحرمان
قال البحتري من أبياتٍ يمدح بها الفتحَ بنَ خاقان ويعاتبه:
سَحابٌ خَطَانِي جَوْدُه وَهْوَ مُسْبِلٌ ... وبَحْرٌ عَدَاني فَيْضُه وَهْوَ مُفْعَمُ
وبَدْرٌ أضاَء الأرْضَ شَرْقاً ومَغْرِباً ... وموضِعُ رَحْلِي منه أَسْوَدُ مُظْلِمُ
أأشْكو نَدَاهُ بَعْدَ أنْ وَسِعَ الوَرَى ... وما إنْ يَذُمُّ الغيْثَ إلاّ مُذَمَّمُ
تعريضهم بمن خيبهم
وَقَفَ أعرابيٌّ على دارٍ سائلاً: فقال له صبيٌّ من الدار: بورك فيك، فقال له: قبَّحَ اللهُ هذا الفم، فقد تعلَّمَ الشرَّ صغيراً. . . ووقف سائلٌ على قومٍ فقال أحدُهم: صناعتُنا واحدة، فقال
السائل: فأنا قوّادٌ فهل أنتم قوّادون؟
يَرَون الهدايا والرُّشَى مَدْرَجةً للنجاح
كانت العربُ تقول: مَنْ صانَعَ لَمْ يَحْتَشِمْ مِنْ طَلَبِ الحاجةِ صانع: هادى. . . وقال علي بن أبي طالب ﵁: نِعم الشيءُ: الهديةُ أمامَ الحاجة. . . وكانَ سفيانُ الثوريُّ يقول: إذا أردت أن تتزوّج فاهْدِ إلى الأمّ. . ومن أمثالهم: من يخطبِ الحسناءَ يُعْطِ مهراً. . . يريدون من طلب حاجة مهمّةً بذلَ فيها وقال شاعرهم:
стр. 162
ما مِنْ صديقٍ وإنْ تمَّتْ صَداقتُهُ ... يوْماً بأبجَحَ في الحاجاتِ مِن طَبَقِ
إذا تقنَّعَ بالمِنْديلِ مُنْطلِقاً ... لمْ يَخْشَ نَبْوةَ بَوّابٍ ولا غَلَقِ
لا تُكْذَبَنَّ فإنَّ الناسَ مُذْ خُلِقُوا ... لِرَغْبةٍ يُكْرِمُون الناسَ أو فَرَقِ
نبوة: جفوة، وفرق: خوف وقال رؤبة بن العجاج:
لمّا رأيتُ الشُّفَعاَء بَلَّدُوا ... وسألوا أميرَهم فأنْكَدُوا
نامَسْتُهُمْ بِرُشْوةٍ فأقْرَدُوا ... وسَهَّلَ اللهُ بها ما شَدَّدوا
بلّدوا: يقال: بَلدَ الرجلُ: إذا لم يتَّجه لشيء، وبلَّد: إذا نكس في العملِ وضَعُفَ حتّى في الجري. وقوله: فأنكدوا: أي وجدوه عَسِراً مقلِّلاً إذ لم يجدوا عنده إلا نزراً قليلاً، وقوله: نامستُهُمْ برُشوة: يقول: أفهمتهم أن يلجؤوا إلى رشوة الأمير ويحتالوا بذلك، قال في اللسان: نامس الرجل صاحبَه: سارَّه، ومنه الناموس، وهو صاحب سرِّ الرجل - ويقال له اليوم السكرتير الخاص - وقوله: فأقردوا: أي خَضعوا، وفي الحديث: (إيّاكم والإقرادَ، قالوا: يا رسول الله، وما الإقراد؟ قال: الرجل يكون منكم أميراً أو عاملاً فيأتيه المسكينُ والأرملةُ فيقول لهم: مكانَكم، ويأتيه الشريف والغني فيُدْنيه ويقول: عجّلوا قضاءَ حاجته ويُترك الآخرون مُقردين) أي ساكتين ذلاً.
قطع العادة
ومن أحسنِ ما قيل في قطعِ العادة قول أعرابيٍّ - وقد سأل قوماً، فرقّ له رجلٌ منهم فضمّه إليه وأجرى له رزقاً أيّاماً ثم قطع عنه - فقال الأعرابيُّ:
стр. 163
تَسَرَّى فلمّا حاسبَ المرْءُ نفْسَه ... رَأى أنّه لا يسْتقيمُ له السَّرْوُ
تسرّى: أي تكلّف السَّرْوَ، والسَّرْوُ: السخاء وقال شاعر - قيل هو أبو الأسود الدؤلي، وقيل
أنس ابن أبي أنس الليثي:
ليْتَ شِعْري عن أمِيري ما الذي ... غالَهُ في الوُدِّ حتَّى وَدَّعَهْ
لا تُهِنِّي بعْدَ إذْ أَكْرمْتَني ... وشديدٌ عادةٌ مُنْتَزَعهْ
لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقاً خُلَّباً ... إنّ خيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ معَهْ
البرق الخلّب: الذي لا مطر معه وفي الحديث: (الخير عادةٌ والشرُّ لجاجةٌ) يقال: لجَّ في الأمر يَلُجُّ ويَلِجُّ لَجاجة ولَجاجاً ولَجَجاً: إذا تمادى عليه وأبى أن ينصرف عنه وهو يعلم أنّه شرٌّ وأن غيره خيرٌ منه وتقول العرب فيمن اصطنع معروفاً ثم أفسده بالمنِّ أو قطعه حين كاد يتمُّ: شوى أخوك حتّى إذا أنضجَ رَمّد رمّد: ألقى الشيء في الرماد.
شكوى العافين
من تفضيل بعضهم على بعض في العطاء
قدم على سيّدنا رسول الله ﷺ وفدٌ من العرب، فأعطاهم وفضّل رجلاً منهم، فقيل له في ذلك، فقال: كلُّ القوم عِيالٌ عليه.
وأعطى سيدنا رسول الله يوم حُنين المؤلّفةَ قلوبُهم، وكانوا أشرافاً، يتألّفهم ويتألّف بهم قومُهم، فأعطى فيمن أعطى، عيينةَ بن حصن الفزاري، والأقرعَ بن حابس التميمي، أعطى كلاً منهما مائةَ بعير، وأعطى عباسَ بنَ مرداسٍ أباعرَ، وكان كذلك من المؤلفة قلوبُهم، وكان شاعراً، فسَخِطها وقال يعاتب سيدنا رسولَ الله:
стр. 164
أتَجْعَلُ نَهْبي ونَهْبَ العُبَيْ ... دِ بينَ عُيَيْنَةَ والأقرعِ
وما كان حَصْنٌ ولا حابِسٌ ... يفوقانِ مِرْداسَ في مَجْمعِ
وما كنتُ دونَ امْرئٍ مِنْهما ... ومَن تَضَعِ اليومَ لا يُرْفَعِ
وقد كنتُ في الحربِ ذا تُدْرَأٍ ... فلَمْ أُعْطَ شيئاً ولم أُمْنَعِ
إلاّ أفائِلَ أُعطِيتُها ... عديدَ قوائمِه الأربعِ
فلما أنشدها بين يديّ رسول الله قال لعلي بن أبي طالب: يا عليُّ، اقطع عنّي لسانَه، فقبض على يده وخرج به فقال: أقاطعٌ أنت لساني يا أبا الحسن؟ فقال: إني لَمُمْضٍ فيك ما أُمِرْت، ثمَّ مضى به إلى إبلِ الصدقة فقال خذ ما أحْبَبْت. . .
بلاغة المكدين
سأل أعرابيٌّ فقال في مسألته: لقد جُعْتُ حتى أكلتُ النَّوى المُحْرَق، ولقد مَشَيْتُ حتى انْتَعَلْتُ الدَّمَ، وحتّى سقط من رجلي بخَصُ لحمٍ، وحتى تمنّيت أن وجهي حِذاءٌ لقدمي، فهل من أخٍ يرحمنا! البخص: لحمٌ يخالطه بياضٌ من فسادٍ يَحُلّ به. . . ووقف أعرابيٌّ على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله امرءاً أعطى من سَعةٍ وواسى من كفافٍ وآثرَ من قوتٍ. فقال الحسن:
стр. 165
ما ترك أحداً منكم حتّى سأله. . وقال المازنيّ: وقف علينا أعرابيٌّ فقال: رحم الله امرءاً لم تَمْجُجْ أذناه كلامي، وقدّم لنفسِه مَعاذاً مِنْ سوء مقامي، فإنّ البلاد مُجْدبة والحال مُصْعبةٌ والحياء زاجرٌ يمنع من كلامكم، والعُدْم عاذرٌ يدعو إلى إخباركم، والدُّعاء أحد الصدقتين، فرحم الله امرءاً أمر بميرٍ ودعا بخير. فقال له رجل من القوم: ممّن الرجل؟ فقال: اللهم غَفْراً ممن لا تضرّك جهالته، ولا تنفعك معرفته، ذلُّ الاكتساب، يمنع من عزّ الانتساب.
حسن الخلق
وعبقرياتهم فيه وفيما يتأشّب إليه
وهذا هو أحد لوني الإحسان إلى الناس، وإن شئت قلت هو اللون الثالث من ألوان البِرّ، أعني حُسنَ الخلق.
تحضيضهم على حسن الخلق
قال الله : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: فالعفو: السهل الميسّر، يقول سبحانه: احتمل أخلاق الناس واقبل ما سَهُل منها وتيسّر، ولا تستقصِ عليهم فيستقصي الله عليك، مع ما فيه من العداوة والبغضاء قال شُرَيْح:
خُذِي العفْوَ مِنِّي تستديمي مودّتي ... ولا تَنطِقي في سَوْرَتي حين أغْضَبُ
стр. 166
فإني رأيتُ الحُبَّ في الصَّدْرِ والأذى ... إذا اجْتَمَعا لم يَلْبَثِ الحبُّ يَذْهَبُ
وقوله : ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: فالجهل هنا ما قابل العقل والجاهلون: الحمقى الأشرار السيّئو الأخلاق، أمر الله نبيه بأن لا يماري الجاهلين ولا يكافئهم بمثل أفعالهم.
وقال سيدنا رسول الله: (إنكم لن تَسعوا الناسَ بأموالِكم فسَعوهم بأخلاقكم). ومن ذا قولُ حكيم وقد قيل له: هل من جودٍ يُتناول به الخَلْقُ؟ فقال: نعم، أن تحسن الخُلُقَ وتنوي الخيرَ لكل أحد. . . وقال صلوات الله عليه: (ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم مني مجالسَ يوم القيامة!: أحاسنكم أخلاقاً الموطَّؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجالسَ يوم القيامة! الثّرثارون المتفيهقون). . . قوله: أحاسنكم أخلاقاً يريد: الأحاسنَ منكم على إرادة التفضيل لا الوصف، وذلك أن العرب تقول في الوصف: رجلٌ حَسنٌ ولم تقل رجلٌ أحسن، مع قولهم امرأة حسناء. ونظيره في عكسه: غلامٌ أمردُ ولم يقولوا جارية مرداء. وقوله: الموطؤون أكنافاً: يريد دماثة الخُلق ولينَ الجانبِ وأن ناحيته يتمكّن فيها صاحبه غير مؤذًى ولا نابٍ به موضعُه. وأصل التوطئة: التذليل والتمهيد يقال: فراشٌ وطيءٌ إذا كان وثيراً - أي ليّناً - والثرثارون: الذين يكثرون الكلامَ تكلّفاً وتجاوُزاً وخروجاً عن الحق، وأصل هذه اللفظة من العينِ الواسعة من عيون الماء يقال: عينٌ ثَرْثارة وثَرّارة: إذا كانت كثيرةَ الماء. . . والمتفيهقون: بسبيل من الثرثارون وهو تأسيس له، واشتقاقه من قولهم: فَهِقَ الغَديرُ يَفْهَقُ: إذا امتلأ ماءً فلم يكن فيه موضعٌ مزبدٌ: يصفهم
стр. 167
بأنهم يوسعون أشداقَهم ويملؤونها بالكلام. قال أبو العبّاس المبرّد بعد ما أورد ما أوردناه من تفسير هذا الحديث: وتصديقُ ما فسّرناه من قول رسول الله ﷺ أنه يريد الصدقَ في المنطق والقصدَ وتركَ ما لا يُحتاج إليه: قوله لجرير بن عبد الله البَجَلي: يا جرير: إذا قلتَ فأوْجِزْ وإذا بلغتَ حاجتَك فلا تتكلّف. وقال الله جل شأنه في الحث على لين الكلام: وقولوا للناس حسناً. وقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾، وقال: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾. وقال: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾. . . وقالوا: من لانت كلمته وجبت محبتُه. وقالت جدة سفيان بنِ عُيينة له:
بُنَيَّ إنَّ البِرَّ شيءٌ هَيْنُ ... المَفْرَشُ اللّيِّنُ والطُّعَيْمُ
ومَنْطِقٌ إذا نَطقْتَ لَيْنُ
قولها هَيْنٌ: فالعرب تقول: رجلٌ هَيْنٌ لَيْنٌ وهَيّنٌ لَيّنٌ وفي الحديث: (المؤمنون هيّنون ليّنون كالجملِ الأنِفِ إن قُدْتَه انقادَ وإن أنَخْتَه على صخرة اسْتَناخ) جمل أنفٌ: أي مأنوف، أي يشتكي أنفُه من خِشاشٍ أو بُرَةٍ أو خِزامة في أنفه فلا يمتنع على قائده في شيء للوجع، فهو
ذلول منقادٌ، ومعنى المؤمنون كالجمل الأنف: أنهم لا يَريمون التشكّي، أي يُديمون التشكي مما بهم إلى الله وحده لا إلى سواه. أقول: وأحسن من هذا التفسير قول بعضهم: الجمل الأنف: الذليل المُؤاتي الذي يأنَف من الزّجْر ومن الضرب ويُعطي ما عنده من السير عفواً سهلاً، كذلك المؤمن، لا يحتاج إلى زجر ولا
стр. 168
عتاب، وما لزمه من حقٍّ صَبرَ عليه وقام به، وهذا تفسير جميل، وهو أليق بكلام سيدنا رسول الله. وسُئلت عائشةُ ﵂ عن خُلق النبي ﷺ فقالت: أوما تقرؤون القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. . . وقالوا: صفاءُ الأخلاق من نَقاء الأعراق. الأعراق جمع عِرق وهو الأصل يقال رجل مُعْرِقٌ في الحسب والكرم قالت قُتيلة بنت النضر بن الحارث أو أخته:
أمُحمَّدٌ ولأَنتَ ضِنْءُ نجيبةٍ ... في قومها والفحلُ فحلٌ مُعْرِقُ
أي عريق النسب أصيل، ويستعمل في اللؤم أيضاً تقول: إنّ فلاناً لمُعْرقٌ في الكرم، ومعرق في اللؤم. والضنء: الولد والأصل والمعدن وقال البحتري:
سلامٌ على تلك الخلائق إنها ... مُسَلَّمةٌ من كلِّ عارٍ ومأْثَمِ
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أحسنُها أخلاقاً وأصبحُها وجوهاً وأشدُّها حياءً، إن حدثوك لم يكذِّبوك، وإن حدَّثتهم بحق أو باطل لم يكذبوك: أبو بكر الصديق، وأبو عُبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان ﵃. . .
وفي الأثر أيضاً: أن حُسنَ الخُلق وحُسن الجوارِ يُعمِّرانِ الديارَ ويزيدانِ في الأعمار. وفي كتاب الهند: من تزوّد خمساً بلّغته وآنَسَتْه: كفُّ الأذى، وحسنُ الخلق، ومُجانبةُ الرِّيَبِ، والنبلُ في العمل، وحسنُ الأدب.
نَهْيُهم عن سوء الخلق
وقالوا: سوء الخُلق يفسد العمل كما يفسد الصَّبِرُ العسلَ الصَّبِرُ هو هذا الدواء المُرّ ولا يسكَّن إلا في ضرورة الشعر وفي الحديث: من ساء خُلقه عذَّب نفسَه، وقال العتّابيّ:
стр. 169
وكُنتَ امرأً لو شئتَ أنْ تبْلُغَ المُنى ... بلغْتَ بأدْنى غايةٍ تسْتديمُها
ولكن فِطامُ النَّفْسِ أثقَلُ مَحْمِلاً ... من الصَّخرةِ الصَّمَّاءِ حينَ ترُومُها
وقال عِقال بن شَبَّةَ: كنتُ رديفَ أبي، فلقيَه جريرٌ على بغل، فحيّاه أبي وألطفه، فلما مضى قلت: أبعد ما قال لنا ما قال! قال: يا بنيَّ، أفَأُوَسِّع جرحي!. وقال ابن الحنفية: قد يُدْفَع
باحتمال مكروهٍ ما هو أعظم منه. . . وقال أبو الدرداء: إنا لنَكْشِرُ في وجوه قومٍ وإنَّ قلوبَنا لتقليهم.
وقالوا: لا مُداراةَ للخُلق السيّئ القبيح، كالشجرة المُرّة لو طُليَتْ بالعسلِ لَمْ تثمر إلا مُرّاً، وكذَنَبِ الكلبِ لو أدخلْتَه القالبَ سنينَ لعادَ إلى اعْوِجاجه. ومن طُرَفهم في هذا المعنى قولُ بعضِهم لأحمدَ بنِ أبي خالد: لقد أُعطيتَ ما لَمْ يُعْطَ رسولُ الله ﷺ ، فقال: لَئِنْ لَمْ تَخْرُجْ من ذلك لأضربنّك، فقال الرجل: إنّ اللهَ تعالى قال لنبيِّه: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾، وأنت فظٌّ ونحنُ لا ننفضُّ من حولك. وقال بعضهم: خَطبْتُ امرأةً، فأجابتني فقلت: إنّي سيّئ الخُلق؛ فقالت: أسوأ خلقاً منك من يُلْجِئك إلى سوءِ الخُلق. . . وقال بعضهم لرجل سيّئ الخلق: إن استطعت أن تغيّر خُلقَك وإلا فليَسَعْك من أخلاقنا ما ضاق به ذَرْعُك. . .
صعوبة تغيير الطّباع والمتخلّق يرجع إلى شيمته
قالوا في ذلك: تأبى الطّباع على الناقل؛ و: العادة طبيعةٌ ثانية، و:
ظَلَمْتَ امْرَءاً كلَّفْتَه غيْرَ خُلْقِه ... وهل كانتِ الأخْلاقُ إلا غَرائِزا
و: كل إناءٍ بما فيه يرشح.
стр. 170
و:
إنّ التَخَّلُّقَ يأتي دونَهُ الخُلُقُ
وقال ذو الإصبع العدواني:
ومَنْ يَبْتدِعْ ما ليسَ مِن خِيمِ نفْسِه ... يدَعْهُ ويَغْلِبْهُ على النَّفْسِ خِيمُها
الخيم: السّجيّة والطبيعة والأصل وقال زهير بن أبي سُلمى:
ومَهْما يَكنْ عند امرئٍ من خَليقةٍ ... وإنْ خالَها تَخْفَى على الناسِ تُعْلَمِ
وقال أبو تمام:
والسّيفُ ما لمْ يُلْفَ فيه صَيْقَلٌ ... من سِنْخِه لَمْ يَنتفِعْ بِصقالِ
السِّنخ: الأصل، والصِّقال: الجِلاء وقال المتنبي:
وكُلٌّ يَرى طُرُقَ الشَّجاعةِ والنَّدى ... ولكنَّ طبْعَ النَّفْسِ لِلنّفْسِ قائِدُ
وقال:
ولِلنّفْسِ أخلاقٌ تدُلُّ على الفتَى ... أكانَ سَخاءً ما أتى أمْ تَساخِيَا
مداراة الناس
قال النظّام: ما يسرّني تركُ المداراة ولي حُمْرُ النّعَم، فقيل له: ولِمَ؟ قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخَصْتَ له أرْداك، وإذا طأطأت له تخطّاك. . . وقال شاعر:
وأَنْزَلَني طُولُ النَّوى دارَ غُرْبةٍ ... إذا شِئْتُ لاقَيْتُ امْرَءاً لا أُشاكِلُهْ
فحامَقْتُه حتى يقالَ سَجِيَّةٌ ... ولو كانَ ذا عَقْلٍ لكنْتُ أعاقِلُهْ
وقال بشار بن برد:
وما أَنا إلا كالزَّمانِ إذا صَحَا ... صَحْوتُ وإنْ ماقَ الزمانُ أَمُوقُ
ماق يَموقُ مَوْقاً ومُوقاً ومُؤوقاً واستماق، كل أولئك: حَمُقَ في
стр. 171
غباوة، ويقال: فلان أحمق مائق: والعرب تقول: أنت تئق وأنا مئق، أي أنت ممتلئٌ غضباً وأنا سيّئ الخلق، فلا نتفق وقال معاوية بن أبي سفيان ﵁: لو كان بيني وبين الناس شعرةٌ ما انقطعت، لأنّهم إذا جذبوها أرسلتها، وإذا أرسلوها جذبتُها، وهكذا كان معاوية نبيّ الحِلم والأناة والكياسة والرياسة والسياسة.
من حسن خَلْقه وخُلُقه ومن اختلف خَلقه وخُلقه
قال ابن الرومي:
كلُّ الخِلالِ التي فيكم محاسِنُكم ... تشابَهَتْ فيكم الأخلاقُ والخِلَقُ
كأنّكم شجرُ الأُتْرُجِّ طاب معاً ... حَمْلاً ونَوْراً وطاب العودُ والورَقُ
الأترُجّ والتُّرُنج: ثمر من فصيلة الليمون ويسميه أهل الشام الكبّاد، والحمل بفتح الحاء - والكسر لغة - ثمر الشجرة؛ ومن دقائق هذه اللغة الكريمة أنّها تفرق بين الحِمْل الذي يحمل على ظهر أو رأس، وبين الحَمل الذي يحمل في البطن من الأولاد في جميع الحيوانات، فالأول يكسرون حاءه، والآخر يفتحون حاءه، قائلين: ما كان لازماً للشيء فهو حَمل وما كان بائناً فهو حِمل وأما حَِمل الشجرة فلما كان شبيهاً بحمل المرأة لاتصاله فتحوا حاءَه ولما كان يشبه حِمل الشيء على الرأس لبروزه من جهة ولأنه ليس مستبطناً كحَمل المرأة من جهة أخرى كسروا حاءه، والنَّور بفتح النون: الزهر وفي الأثر: ما أحسنَ اللهُ خَلقَ أحدٍ وخُلُقَه فأطعمه النارَ. . . ووصف بعضهم رجلاً فقال: يَقْري العينَ جمالاً والأذُنَ بياناً. . .
وقال قتادة: ما بعث الله نبياً إلا حَسَن
стр. 172
َ الخُلُق حَسنَ الوجه. . . وقال الفلاسفة: قلّ صورةٌ حسنةٌ تَتْبَعها نَفس رديئة. وقال جالينوس: ينبغي للرجل أن ينظرَ إلى وَجْهِه في المرآة، فإن كان حسنَ الوجهِ جعل عنايتَه أن يضمَّ إلى جَمالِ وجهه كمالَ خُلُقه وكمالَ نَفْسِه، وإن رأى صورةً سَمِجَةً تحرَّز من أن يكونَ دميمَ الخَلق ذَميم الخُلُق. . . ونظر فيلسوفٌ إلى غلامٍ حسن الوجه يتعلّم العلمَ فقال: أحسنتَ، إذْ قرنتَ بحسن خَلْقك حسنَ خُلقك. . . ونظر فيلسوفٌ إلى رجلٍ حسن الوجه خبيثِ النفس فقال: بيتٌ حسنٌ وفيه ساكِن نذلٌ. . . ورأى آخرُ شاباً جميلاً فقال: سلبَتْ محاسنُ وجْهِك فضائلَ نَفْسِك. . . وقالوا:
فلا تجعل الحُسنَ الدَّليلَ على الفتى ... فما كلُّ مصْقُولِ الحديدِ يمانِ
و:
ألمْ ترَ أنّ الماَء يخلُفُ طعمُه ... وإن كان لَونُ الماءِ في العين صافِيا
واستَعْرضَ المأمونُ الجُندَ فمرّ به رجلٌ دميمٌ، فاستنطقه، فرآه ألْكَنَ، فأمر بإسقاطه وقال: إن الروحَ إذا كانت ظاهرةً كانت وَسامةً، وإذا كانت باطِنةً كانت فَصاحةً، وأراه لا ظاهرَ له ولا باطن. . .
وبعد فسيمرُّ بك كثيرٌ من عبقرياتهم فيما يتصل بهذه المعاني ويمتّ إليها بسبب واصل، في باب الطبائع. . . وباب الصداقة والصديق. . . وباب عبقرياتهم في معانٍ شتى. . .
التقوى
وهاك اللونَ الأخيرَ من ألوان البِرِّ، ولقد أسمعناك فيما أسلفنا أن التقوى
стр. 173
هي عمادُ البِرِّ وقَوامُه، على جميع ألوانه، أي أنه ما دام هناك تقوى بمعناها الصحيح كان هناك صلة الرحم، وكان هناك الإحسانُ، وكان هناك مكارمُ الأخلاق، وكان هناك الخيرُ كله والبِرَّ في جميع ما يشتمل عليه وينتظمه، ولنورد عليك بادئ ذي بدء قولَهم في التقوى والمراد بها، ثم نردف ذلك بعبقرياتهم في التقوى وما يتأشّب إليها. . . ويجري منها على عِرْق. . .
معنى التقوى
التقوى في اللغة من الاتّقاء، بمعنى اتّخاذ الوقاية، وفي اصطلاحهم: صيانةُ النفسِ عمّا تستحق به العقوبةَ من فعل أو ترك، وقال أبو البقاء في كلياته: التقوى - على ما قاله عليٌّ ﵁ تركُ المعصية وتركُ الاغترار بالطاعة، وهي التي يحصل بها الوقايةُ
من النار والفوزُ بدار القرار، وغايةُ التقيّ البراءةُ من كل شيء سوى الله، ومبدؤها اتّقاء الشرك، وأوسطها اتّقاء الحرام، وغايتُها مُنتهى الطاعات، قال: وقد تُسمى التقوى خَوْفاً وخِشية. . . أقول:
فإنْ لا يَكُنْها أو تَكُنْه فإنّه ... أخوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بلِبانِها
وقد عقد الإمام أبو حامد الغزالي للخوفِ كتاباً في كتابه الإحياء جاءَ فيه: إن التقوى والورع أسامٍ اشتُقّت من معانٍ شرطُها الخوف، فإن خَلَتْ من الخوفِ لم تُسَمَّ بهذه الأسامي. . . أقول: ومن أروع ما قيل في الخوف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾. . . أقول: وإذن يكون: كلّما ازدادَ المرءُ علماً بالله سبحانه ازدادَ منه خوفاً، كما جاء في الأثر: أعلمُكم بالله أشدُّكم له
стр. 174
خشيةً. . . ومن كان من العلماء لا يخشى الله ولا يراقبُه في سائر أحواله، فليس من العلم بالله في كثيرٍ ولا قليل. . . وما أجمل ما يقول عبد الله بن همّام السَّلولي في وصف هذا الصنف من العلماء:
إذا نَصَبوا لِلقول قالوا فأحْسَنُوا ... ولكنَّ حُسْنَ القوْلِ خالَفَه الفِعْلُ
وذَمُّوا لَنا الدُّنيا وهم يَرْضِعُونَها ... أفاوِيقَ حتّى ما يَدِرُّ لها ثُعْلُ
قوله: إذا نصبوا الخ يريد: إذا نصبوا أنفسَهم للقول وأعدّوها له، والأصل في النصب: أن يقومَ رافعاً رأسَه؛ ورَضَع يَرضِع كضَرَبَ يضْرِب في لغة قيس، وكسَمِعَ يَسْمَعُ في لغة أهل الحجاز، فقوله: يَرْضِعونها: تقرأ
стр. 175
بكسر الضاد وبفتحها، وأفاويق جمع أفواق جمع فِيقه بكسر الفاء، وهو اسمٌ للبن الذي يجتمع بين الحلبتين، يريد: أنّهم يَرْضعونها ثم يتركونَها مقدارَ ما يجتمع اللبن فيرضعونها، وهكذا، والثُّعل بضم الثاء وفتحها: خِلْف زائد صغير من أخلاف الناقة وضرع الشاة لا يَدِرُّ من اللبن شيئاً، يصفهم بأنّهم أحرصُ الناس على طلب المال يستنزفونه من خزائنه حتّى لم يبقَ منه شيءٌ، وإنّما ذكر الثعلَ للمبالغةِ في الارْتضاع، والثّعْلُ لا يَدِرُّ، وهي مبالغة حسنةٌ في معنى الاستئصال والنفاد.
ومما جاء في الخوف أيضاً قوله سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، وقوله جل شأنه: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وقال عز وتقدس: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾. . قال سفيان بن عُيينة: لو لم ينزّل الله تعالى علينا إلا هذه الآية لكان قد أعذَرَ أعذر: بلغَ أقصى الغاية في العذر، أي صار معذوراً عندك إذ حذّرك أن لا تحذره وهو يعلم ما في أنفسنا، ومن هذا المثل: مَنْ أنْذرَ فقد أعْذرَ.
ومما يؤثر في باب الخوف قوله ﷺ : (رأسُ الحكمة مخافة الله).
стр. 176
الحكمة
وهذا الحديث الشريف - على وضوحه وجماله وإشراقه وإنارته، وعلى أنه ممّا كنّا نستظهره إبّان الحداثة، إذ يلقّنوننا إيّاه أوائل التعليم في المكاتب لا بدَّ من التبسّط في القول عليه. قال صاحب القاموس: الحكمة تأتي بمعنى العدل والعلم والحلم والنبوة والقرآن والإنجيل ووضع الشيء في موضعه وصواب الأمر وسداده، وقال أبو البقاء في كلياته - بعد أن أورد ما قال صاحب القاموس -: والحكمة في عرف العلماء: استكمالُ النفس الإنسانية، باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة قدرَ طاقتها، قال: وقال بعضهم: الحكمة هي: معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبَّر عنه بمعرفة ما لها وما عليها، المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾. وإفراطُها الجَرْبزة وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات، وعلى وجه لا ينبغي كمخالفة
стр. 177
الشرائع، وتفريطها: الغباوة التي هي: تعطيل القوة الفكرية والوقوف عن اكتساب العلم. . . انتهى.
وبعد فإن المستقصي لكل ما أوردوه من معاني هذه الكلمة - الحكمة - يرجع إلى إحكام الشيء، أي إتقانه، كيلا يتسرّب إليه خللٌٌ أو فسادٌ، وكي يبلغَ ذروةَ الكمال جُهْدَ الاستطاعة، حتى قيل لكل من يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم، ومن ثم يقال للعالم العامل بعلمه: حكيم، وللرجل العاقل المهذب الموفق: حكيم، وللقاضي العادل في أحكامه: حكيم، وللرجل المجرَّب الذي حنّكته التجاريبُ ووثّقته حتّى لا يصدرَ عنه إلا كلُّ ما هو سداد: حكيم، ويقال للمواعظ والأمثال التي ينتفع الناس بها: حكمة، ولكل كلامٍ نافعٍ يمنع من الجهل والسَّفه: حكمة، ومن ذا تسمية القرآن والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، وكل ما يحذو على
حذوها، مما يتضمّن مواعظَ وآداباً وأخلاقاً فاضلة: حكمة، إذ كلُّ أولئك يرتدّ إلى معنى الإتقان والتوثيق والإصابة والسداد. . . وإذن يكون معنى قوله ﷺ : رأس الحكمة مخافةُ الله: أسُّ الحكمة وقوامها: الخوف منه سبحانه، لأن الحكمة من شأنها أن تمنع النفس عن كل ما نهينا عنه، ولا يحدو المرءَ على العمل بها إلا الخوفُ منه، عزّ وتقدّس، ومتى كان هذا الخوف شعارَه حاسب نفسه على كل خطرة ونظرة ولذّة؛ وبذلك تكون مخافة الله آكدَ أسبابِ النجاة ولا تتم الحكمة إلا بها. . .
стр. 178
هذا، ويعجبني من الشعر في باب الخوف من اللهِ قولُ محمود الوراق:
يا ناظِراً يَرنْو بعيْنَيْ رافِدٍ ... ومُشاهِداً للأمْرِ غيرَ مُشاهِدِ
مَنَّيْتَ نفْسَكَ ضَلّةً وأَبَحْتَها ... طُرُقَ الرَّجاءِ وهُنَّ غيرُ قواصِدِ
تَصِلُ الذُّنوبَ إلى الذُّنوبِ وتَرْتَجي ... دَرَكَ الجِنانِ بها وفوْزَ العابِدِ
ونَسِيتَ أنَّ اللهَ أخْرجَ آدَماً ... منها إلى الدُّنيا بذَنْبٍ واحدِ
وقال الحسن البصري: إنّ خوفَك حتّى تلقى الأمن، خيرٌ من أمْنِك حتّى تلقى الخوف. . . وقال: ينبغي أن يكون الخوفُ أغلبَ على الرجاء، فإنَّ الرجاءَ إذا غلبَ الخوفَ فَسَدَ القلبُ. . . وقال بعضهم: قلت لسفيان: بلغني في قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنه الذي يلقى ربّه وليس فيه أحدٌ غيرُه، فبكى وقال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا التفسير. . . وقالوا: من خاف اللهَ أخاف اللهُ منه كلَّ شيء، ومن لم يَخَفِ اللهَ أخافه اللهُ من كلِّ شيء. . . وقال الفضيلُ بن عياض: إني لأستحي من الله أن أقولَ توكلت على الله، ولو توكّلت عليه حقَّ التوكُّل، ما خفتُ ولا رَجَوْتُ غيرَه.
وأما بعد فهو معلومٌ من الدين بالضرورة أنّ الله سبحانه خلق الإنسان وهو يعلم ما توسوس به نفسُه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد، وإنّ عليكم لحافظين كراماً كاتبين
стр. 179
يعلمون ما تفعلون:
إنَّ مَنْ يَِركَبُ الفواحِشَ سِرَّاً ... حينَ يِخلو بِسرِّه غيرُ خالِ
كيفَ يَخلو وعندَه كاتِباه ... شاهِداهُ، وربُّه ذو الجلالِ
وكذلك هو معلومٌ أنّ الناسَ قواري اللهِ في أرضِه أي أنّ الناس ولا سيّما الصالحون منهم - شهودُ الله في أرضه - لأنّهم يتتبع بعضُهم أحوالَ بعضٍ، فإذا شهدوا لإنسانٍ بخيرٍ أو بِشَرٍّ
فقد أوجب. . . وبعبارة أخرى: إنَّ على كلِّ إنسان رقباءَ هم له بالمرصاد، يُزَنِّؤون عليه، ويجعلون بالَهم إليه، ولا تكاد تخفى عليهم خليقةٌ لديه:
ومَهْما يكُنْ عندَ امْرِئٍ من خليقةٍ ... وإنْ خالَها تَخفى على الناسِ، تُعْلَمِ
أليس في نفس كلِّ إنسان قَبَسٌ من نور الله الذي هو نورُ السموات والأرض؟ الناسُ بهذا النور - ولاسيّما الصالحون منهم، أولئك الذين يبدو فيهم هذا النورُ خالصاً غيرَ مشوبٍ برَيْنٍ وطَبَعٍ وغيمٍ - يرون بعضهم من بعض ما قد يتوهّم الجاهلون أنّه لا يُرى، فكأنَّ الناسَ لذلك شهودُ الله في
стр. 180
الأرض، فإذا شهدوا لإنسانٍ بخيرٍ أو بِشَرٍّ، فلكل نفسٍ ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وكلٌّ مجزيٌّ بعمله، إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشَرٌّ، وهذا كله حقٌّ لا سبيلَ إلى الإلحاد فيه. . . وشيء آخر، وهو أن من كان شعارُه خوفَ الله في السرِّ والعلن وحسنت سريرتُه، رشد وحسنت سيرتُه، ومن عرّاه اللهُ من هذا الشعار وساءت سريرتُه، غيَّ وساءت سيرتُه. وجملةُ القولِ: أن خوف الله وما يستتبعه من قلَّة الاكتراثِ لما سواه من الخَلق في سبيل الحقّ، مما يورّث صاحبه ما يطلقون عليه اليوم الشجاعة الأدبيّة فضلاً عن الجُرأة والإقدام وسائر الخلال الكريمة النبيلة. فخوف الله كما ترى أسٌّ من أسس الأخلاق، وهذا مصداق الحديث الشريف، رأس الحكمة مخافةُ الله،. . .
هذا، وقد يظنُّ ظانٌّ أنّ مخافةَ اللهِ مغزاها الخوفُ من عقابه والطمعُ في ثوابه، فمن عمل صالحاً فكي يُثابَ ويُجزى الجَزاء الأوفى، ومن أقلع فلكي ينجو من عذاب النار، وهذا لعمري، وإن عدَّ خوفاً بيدَ أنّه أدنى درجات الخوف، وهو خوف العامة وأشباه العامة. قال بعض الحكماء: إني لأستحي من ربي أن أعبدَه رجاءَ الجنّة فأكونَ كالأجير، أو خوفَ النارِ فأكونَ كعبدِ السّوء، إن خاف عمل، وإن لم يخف لم يعمل، لكن يستخرج منّي حبُّ ربي ما لا يستخرجه غيرُه. . . وقال بعضهم: من عبد اللهَ بعِوضٍ فهو لئيم. وقال بعض الصوفيّة: لو لم يكن للله ثوابٌ يُرجى ولا عقابٌ يُخشى لكانَ أهلاً أن لا يُعصى، ويذكر فلا ينسى، بلا رغبٍ في ثوابٍ ولا رهبٍ من عقابٍ، لكن لحبه، وهو أعلى الدرجات، أما تسمع قول موسى ﵇: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾، أقول: إذن فأفضل الأعمال ما كان
следующие страницы →