← Адаб

Адаб · id 36072

الذخائر والعبقريات

البرقوقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الحكمة وهذا الحديث الشريف - على وضوحه وجماله وإشراقه وإنارته، وعلى أنه ممّا كنّا نستظهره إبّان الحداثة، إذ يلقّنوننا إيّاه أوائل التعليم في المكاتب لا بدَّ من التبسّط في القول عليه. قال صاحب القاموس: الحكمة تأتي بمعنى العدل والعلم والحلم والنبوة والقرآن والإنجيل ووضع الشيء في موضعه وصواب الأمر وسداده، وقال أبو البقاء في كلياته - بعد أن أورد ما قال صاحب القاموس -: والحكمة في عرف العلماء: استكمالُ النفس الإنسانية، باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة قدرَ طاقتها، قال: وقال بعضهم: الحكمة هي: معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبَّر عنه بمعرفة ما لها وما عليها، المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾. وإفراطُها الجَرْبزة وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات، وعلى وجه لا ينبغي كمخالفة

стр. 177

الشرائع، وتفريطها: الغباوة التي هي: تعطيل القوة الفكرية والوقوف عن اكتساب العلم. . . انتهى. وبعد فإن المستقصي لكل ما أوردوه من معاني هذه الكلمة - الحكمة - يرجع إلى إحكام الشيء، أي إتقانه، كيلا يتسرّب إليه خللٌٌ أو فسادٌ، وكي يبلغَ ذروةَ الكمال جُهْدَ الاستطاعة، حتى قيل لكل من يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم، ومن ثم يقال للعالم العامل بعلمه: حكيم، وللرجل العاقل المهذب الموفق: حكيم، وللقاضي العادل في أحكامه: حكيم، وللرجل المجرَّب الذي حنّكته التجاريبُ ووثّقته حتّى لا يصدرَ عنه إلا كلُّ ما هو سداد: حكيم، ويقال للمواعظ والأمثال التي ينتفع الناس بها: حكمة، ولكل كلامٍ نافعٍ يمنع من الجهل والسَّفه: حكمة، ومن ذا تسمية القرآن والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، وكل ما يحذو على حذوها، مما يتضمّن مواعظَ وآداباً وأخلاقاً فاضلة: حكمة، إذ كلُّ أولئك يرتدّ إلى معنى الإتقان والتوثيق والإصابة والسداد. . . وإذن يكون معنى قوله ﷺ : رأس الحكمة مخافةُ الله: أسُّ الحكمة وقوامها: الخوف منه سبحانه، لأن الحكمة من شأنها أن تمنع النفس عن كل ما نهينا عنه، ولا يحدو المرءَ على العمل بها إلا الخوفُ منه، عزّ وتقدّس، ومتى كان هذا الخوف شعارَه حاسب نفسه على كل خطرة ونظرة ولذّة؛ وبذلك تكون مخافة الله آكدَ أسبابِ النجاة ولا تتم الحكمة إلا بها. . .

стр. 178

هذا، ويعجبني من الشعر في باب الخوف من اللهِ قولُ محمود الوراق: يا ناظِراً يَرنْو بعيْنَيْ رافِدٍ ... ومُشاهِداً للأمْرِ غيرَ مُشاهِدِ مَنَّيْتَ نفْسَكَ ضَلّةً وأَبَحْتَها ... طُرُقَ الرَّجاءِ وهُنَّ غيرُ قواصِدِ تَصِلُ الذُّنوبَ إلى الذُّنوبِ وتَرْتَجي ... دَرَكَ الجِنانِ بها وفوْزَ العابِدِ ونَسِيتَ أنَّ اللهَ أخْرجَ آدَماً ... منها إلى الدُّنيا بذَنْبٍ واحدِ وقال الحسن البصري: إنّ خوفَك حتّى تلقى الأمن، خيرٌ من أمْنِك حتّى تلقى الخوف. . . وقال: ينبغي أن يكون الخوفُ أغلبَ على الرجاء، فإنَّ الرجاءَ إذا غلبَ الخوفَ فَسَدَ القلبُ. . . وقال بعضهم: قلت لسفيان: بلغني في قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أنه الذي يلقى ربّه وليس فيه أحدٌ غيرُه، فبكى وقال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا التفسير. . . وقالوا: من خاف اللهَ أخاف اللهُ منه كلَّ شيء، ومن لم يَخَفِ اللهَ أخافه اللهُ من كلِّ شيء. . . وقال الفضيلُ بن عياض: إني لأستحي من الله أن أقولَ توكلت على الله، ولو توكّلت عليه حقَّ التوكُّل، ما خفتُ ولا رَجَوْتُ غيرَه. وأما بعد فهو معلومٌ من الدين بالضرورة أنّ الله سبحانه خلق الإنسان وهو يعلم ما توسوس به نفسُه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد، وإنّ عليكم لحافظين كراماً كاتبين

стр. 179

يعلمون ما تفعلون: إنَّ مَنْ يَِركَبُ الفواحِشَ سِرَّاً ... حينَ يِخلو بِسرِّه غيرُ خالِ كيفَ يَخلو وعندَه كاتِباه ... شاهِداهُ، وربُّه ذو الجلالِ وكذلك هو معلومٌ أنّ الناسَ قواري اللهِ في أرضِه أي أنّ الناس ولا سيّما الصالحون منهم - شهودُ الله في أرضه - لأنّهم يتتبع بعضُهم أحوالَ بعضٍ، فإذا شهدوا لإنسانٍ بخيرٍ أو بِشَرٍّ فقد أوجب. . . وبعبارة أخرى: إنَّ على كلِّ إنسان رقباءَ هم له بالمرصاد، يُزَنِّؤون عليه، ويجعلون بالَهم إليه، ولا تكاد تخفى عليهم خليقةٌ لديه: ومَهْما يكُنْ عندَ امْرِئٍ من خليقةٍ ... وإنْ خالَها تَخفى على الناسِ، تُعْلَمِ أليس في نفس كلِّ إنسان قَبَسٌ من نور الله الذي هو نورُ السموات والأرض؟ الناسُ بهذا النور - ولاسيّما الصالحون منهم، أولئك الذين يبدو فيهم هذا النورُ خالصاً غيرَ مشوبٍ برَيْنٍ وطَبَعٍ وغيمٍ - يرون بعضهم من بعض ما قد يتوهّم الجاهلون أنّه لا يُرى، فكأنَّ الناسَ لذلك شهودُ الله في

стр. 180

الأرض، فإذا شهدوا لإنسانٍ بخيرٍ أو بِشَرٍّ، فلكل نفسٍ ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وكلٌّ مجزيٌّ بعمله، إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشَرٌّ، وهذا كله حقٌّ لا سبيلَ إلى الإلحاد فيه. . . وشيء آخر، وهو أن من كان شعارُه خوفَ الله في السرِّ والعلن وحسنت سريرتُه، رشد وحسنت سيرتُه، ومن عرّاه اللهُ من هذا الشعار وساءت سريرتُه، غيَّ وساءت سيرتُه. وجملةُ القولِ: أن خوف الله وما يستتبعه من قلَّة الاكتراثِ لما سواه من الخَلق في سبيل الحقّ، مما يورّث صاحبه ما يطلقون عليه اليوم الشجاعة الأدبيّة فضلاً عن الجُرأة والإقدام وسائر الخلال الكريمة النبيلة. فخوف الله كما ترى أسٌّ من أسس الأخلاق، وهذا مصداق الحديث الشريف، رأس الحكمة مخافةُ الله،. . . هذا، وقد يظنُّ ظانٌّ أنّ مخافةَ اللهِ مغزاها الخوفُ من عقابه والطمعُ في ثوابه، فمن عمل صالحاً فكي يُثابَ ويُجزى الجَزاء الأوفى، ومن أقلع فلكي ينجو من عذاب النار، وهذا لعمري، وإن عدَّ خوفاً بيدَ أنّه أدنى درجات الخوف، وهو خوف العامة وأشباه العامة. قال بعض الحكماء: إني لأستحي من ربي أن أعبدَه رجاءَ الجنّة فأكونَ كالأجير، أو خوفَ النارِ فأكونَ كعبدِ السّوء، إن خاف عمل، وإن لم يخف لم يعمل، لكن يستخرج منّي حبُّ ربي ما لا يستخرجه غيرُه. . . وقال بعضهم: من عبد اللهَ بعِوضٍ فهو لئيم. وقال بعض الصوفيّة: لو لم يكن للله ثوابٌ يُرجى ولا عقابٌ يُخشى لكانَ أهلاً أن لا يُعصى، ويذكر فلا ينسى، بلا رغبٍ في ثوابٍ ولا رهبٍ من عقابٍ، لكن لحبه، وهو أعلى الدرجات، أما تسمع قول موسى ﵇: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾، أقول: إذن فأفضل الأعمال ما كان

стр. 181

للحق والخير والجمال والمثل الأعلى في ذات الله العليّ الأقدس الذي له الأسماء الحسنى. وَلْتَفْعَلِ النَّفسُ الجميلَ لأنَّه ... خيرٌ وأحسنُ لا لأجْلِ ثوابِها أما الثواب والعقابُ فاللهُ سبحانه وما يعدُّ لعبدِه من ذلك، وحقيقٌ بالعبدِ أن يُحسنَ ظنَّه بربِّه ويرجو لديه رحمتَه التي وسعت كلَّ شيء، وليكن كما قال محمد بن وهيب: وإني لأرْجُو اللهَ حتّى كأنّني ... أرى بجميلِ الظَّنِّ ما اللهُ صانِعُ وسيمرّ عليك قريباً طرفٌ من قولهم في الرجاء. عبقرياتهم في التقوى ولنأخذ الآن في عبقرياتِهم في التقوى: قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ قال الإمام البيضاوي في تفسيره: فإنّ التقوى بها تكملُ النفوسُ وتتفاضلُ الأشخاصُ، فمن أراد شرفاً فليلتمِسْه فيها، كما قال ﵊: من سرّه أن يكونَ أكرمَ الناسِ فليتَّقِ اللهَ، ومن سرَّه أن يكونَ أقواهم فليتوكَّل على اللهِ، ومن سرَّه أن يكونَ أغنى الناس فليَكُنْ بما في يدِ الله أوثقَ منه بما في يديه. . . أقول: هذا كلامٌ عُلْويٌّ مُعْرَق له في الصدق والحق والكمال والمثل الأعلى.

стр. 182

كُليمة في التوكل وبعد فلمناسبةِ ذكرِ التوكُّل واقترانِه بالتّقوى فيما أوردنا عليك من الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الشريفة، وإشادة الإسلام به، والحثِّ على أن يكونَ شعارَ المؤمن في كلّ أسبابه، رأينا أن نلمَّ به وبحقيقته إلماماً. فنقول: التوكُّل: كلمةٌ يراد بها أمران، لا يعدُّ التوكل توكُّلاً على الحقيقة إلا إذا تحقّقا معاً. فأما أول الأمرين فهو: الاعتقاد بأنّ الله عزَّ وتقدّس هو وحده الذي بيده كل شيء، وأنّه لا سواه الذي له مقاليد السموات والأرض، وأن جميع الخلق فقراء كلَّ الفقر إلى عونه سبحانه، وأنه: إذا لَمْ يكُنْ عَونٌ من اللهِ للفَتى ... فأوَّلُ ما يَجني عليه اجْتِهادُهُ وكل هذا ممّا لا خفاءَ بأنّه ممّا تقتضيه عقيدةُ التّوحيد التي قام عليها الإسلام؛ وأما الأمر الآخر فهو: أن لا يكونَ المرءُ وَكَلةً، فلا يعتمد بعد اللهِ إلا على نفسِه، وهذا الأمر الثاني يكاد يكون ضربَ قولهم اليوم الاعتماد على النفس أو قول الطّغرائيّ: وإنّما رَجُلُ الدُّنيا وواحِدُها ... مَن لا يُعوِّلُ في الدُّنْيا على رَجُلِ والشطر الأول، يقتضي الاعتقادَ بالقدر خيرِه وشرِّه، والشطر الآخر يقتضي السَّعيَ والاحتياطَ لأمره، ولا تَنافرَ بينهما البتّة، وإنّما هما، لدى إنعام النظرِ، شيءٌ واحدٌ يُعبَّر عنه بالتوكل. . . جاء رجلٌ إلى سيدنا رسول الله فقال له: إنّي أرسل ناقتي وأتوكّل: فقال صلوات الله عليه: (بل اعْقِلْها وتوكَّل). . . ومرّ الشّعبيُّ بإبلٍ قد فشا فيها الجَرَب: فقال لصاحبها: أما تداوي إبلَك؟ فقال: إنّ لنا عجوزاً نتّكل على دُعائِها! فقال: اجْعل مع دعائِها

стр. 183

شيئاً من القَطِران. . . وقال أبو عبيدةَ بن الجراح لعمرَ ﵁ حين كره طواعين الشام ورجع إلى المدينة: أتفرُّ من قدرِ الله؟ قال: نعم، إلى قدرِ الله. . . فقال له أينفع الحذرُ من القدر؟ فقال: لسنا ممّا هناك في شيءٍ تأمل إنّ الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عما لا يضرُّ ألقِِ بالَك وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾. . . وفي كتاب كليلة: لا يمنع العاقلَ يقينُه بالقدرِ مِن توقّي المخوفِ، بل ليجمعَ تصديقاً بالقدرِ وأخذاً بالحزمِ، وقال شاعر: والمَرْءُ تَلْقاهُ مِضْياعاً لفُرْصَتِه ... حتّى إذا فاتَ أمْرٌ عاتَبَ القَدَرَا وقال آخر: إذا عُيِّروا قالوا مَقاديرُ قُدِّرَتْ ... وما العارُ إلا ما تَجُرُّ المَقادِرُ وقال آخر: وأوَّلُ عَجْزِ القومِ عمَّا ينوبُهُم ... تَدَافُعُهُمْ عنه وطُولُ التَّواكُلِ وقالوا في المثل: من العجز الإحالةُ على المقادير. . . وإليك ما قاله الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري، المسمّى فتح الباري تأييداً لهذا الذي قلنا في التوكّل: والمراد بالتوكّل اعتقادُ ما دلّت عليه الآية: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾، وليس المراد به تركَ التسبّب، والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين، لأنّ ذلك قد يجرّ إلى ضدِّ ما يراد من التوكّل، وقد سُئل أحمد - بن حنبل - عن رجلٍ جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال: هذا رجلٌ جهل العلمَ تأمل فقد قال النبي ﷺ : (إنَّ اللهَ جعل رزقي تحت ظلِّ رمحي)،

стр. 184

وقال: (لو توكّلتم على الله حقَّ توكُّله لزرقكم كما تُرزق الطّير تغدو خِماصاً وتروح بِطاناً)، فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق؛ قال: وكان الصحابة يَتَّجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوةُ بهم. . . انتهى. وبعد فإنّ التوكُّلَ كما ترى وعلى ضوء هذا الذي قلنا: أسٌّ من أسس الأخلاق، إذ أنه يكسب صاحبَه الجرأةَ والإقدامَ والشجاعة الأدبية وأن لا يخشى في الحقِّ لومةَ لائمٍ، وينفي عنه الجبنَ والتخاذلَ والخوفَ من الموت والجزعَ لدى نزول المصائب وما يجري هذا المجرى؛ ويكسب صاحبَه كذلك خُلُقَ الاعتماد على النفس وأن لا يتَّكل بعد اللهِ إلا على نفسه. ومصداق هذا كلِّه قوله ﷺ : (من سرّه أن يكون أعزَّ الناس فليكن بما في يدِ الله أوثقَ منه بما في يده، ومن سرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكَّل على الله). عودٌ إلى عبقرياتهم في التقوى وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ مخرجاً: مَخلصاً من مضايق الدهر، وقوله سبحانه: من حيث لا يحتسب، أي من وجه لا يخطر بباله ولا يقع في حسابه، وبالغ أمره: يبلغ ما يريد ولا يفوته مرادٌ ولا يعجزه مطلوب، وجعل لكل شيء قدراً: أي تقديراً وتوقيتاً، وهذا بيانٌ لوجوب التوكّل على الله وتفويضِ الأمر إليه، لأنه إذا عُلم أنَّ كلَّ شيءٍ من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته لم يبقَ إلا التسليمُ للقدر والتوكّل، ولا معنى للسخط وعدم الرضا وعنه ﷺ : إني لأعلم

стр. 185

آيةً لو أخذَ الناسُ بها لكفتهم: ومن يتق الله. . . الآية. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. حقّ تقاته أي حقّ تقواه، وهو استفراغُ الوُسْعِ في القيام بما أمر الله به واجتنابِ ما نهى الله عنه، ومثله: فاتقوا الله ما استطعتم، يريد: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع شيئاً، وعن عبد الله بن مسعود: هو أن يطاعَ فلا يُعصى ويُشكر فلا يُكفر ويُذكر فلا يُنسى، وقيل: هو أن تُنزَّه الطاعاتُ عن الالتفاتِ إليها، وعن توقّع المجازاة عليها، وقيل: هو أن لا تأخذَه في اللهِ لومةُ لائمٍ وأن يقومَ بالقِسْط - العدل - ولو على نفسِه أو ابنِه أو أبيه وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ محسنون: أي في أعمالِهم، من أحسنَ الشيء: أتقنَه. . . وقال بُزَرْجُمُهْر: مَنْ قَوِيَ فلْيَقْوَ على طاعةِ الله، ومن ضعف فليضعف عن معصيةِ الله. . . قال ابن المقفّع: ليَحْرِصِ البلغاءُ أن يزيدوا على هذه الكلمة - كلمة بزرجمهر - حرفاً، يريد: أنّها كلمةٌ جامعة وقال عبد الملك بن مروان لبنيه في مرضه: أوصيكم بتقوى الله، فإنّها أزينُ حُلَّةٍ وأحْصَنُ كَهْفٍ، فقال مسلمة بن عبد الملك - وكان حاضراً - وأقربُ إلى الصواب، وأنفع في المآب: فقال عبد الملك: هاتان لا الأُوْليان. . . الحُلّة: كل ثوب جديد، ولا يقال له حلةٌ إلا إذا اجتمع معه ثوب آخر وعمامة، والكهف: الملجأ، وأصله كالبيت المنقور في الجبل وقال الحطيئة: ولَسْتُ أرَى السَّعادةَ جَمْعَ مالٍ ... ولكن التَّقِيَّ هو السعيدُ وتقوى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْراً ... وعندَ اللهِ للأتقَى مَزيدُ وما لا بُدَّ أن يأتي: قريبٌ ... ولكنَّ الذي يَمضي بَعيدُ

стр. 186

وقال الأعشى في أبياته التي مدح بها سيّدَنا رسولَ الله: أَجِدَّكَ لم تَسمَعْ وَصاةَ مُحَمَّدٍ ... نبيِّ الإلهِ حيثُ أوْصَى وأشْهدَا إذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزادٍ من التُّقى ... ولاقَيْتَ بعدَ الموتِ مَنْ قد تَزَوَّدا نَدِمْتَ على أنْ لا تكونَ مكانَه ... فَتُرْصِدَ للموتِ الذي كانَ أرْصَدا قوله: أجِدَّك قال سيبويه: هو مصدرٌ كأنّه قال. أجِدّاً منك، ولكنّه لا يُستعمل إلا مضافاً، وقال الأصمعي: أجِدّك، معناه: أبجدٍّ هذا منك ونصبها بطرح الباء، وقال الليث: من قال: أجِدَّك بكسر الجيم فإنّه يستحلفه بجِدِّه وحقيقته، وإذا فتح الجيم استحلفه بجَدِّه، وهو بختُه تقول: أجِدَّك لا تفعل كذا، وأجَدَّك لا نفعل كذا. وأرصد: أعدّ وقال لبيد: إنَّ تَقْوَى رَبِّنا خَيرُ نفَلْ ... وبإذْنِ اللهِ رَيْثي وعَجَلْ أحْمَدُ اللهَ فلا نِدَّ له ... بيدَيْهِ الخيرُ ما شَاَء فعَلْ مَن هَداهُ سُبُلَ الخيرِ اهتدى ... ناعِمَ البالِ ومَن شاَء أضَلْ النفل: الغنيمة والجمع أنفال، ثم قال لبيد: وبإذن الله وتسهيله ريثي، أي بُطئي، وعجل: أي سرعتي، فحذف ياء الإضافة للوزن: يقول، إنّ الحركة والسكون بيد الله، ولا ندَّ له: لا مثل له، وبيده الخير: أي بقدرته التي هي كالآلة في أفعالِه تعالى، كاليدين في أفعالنا، وتثنية اليدِ للمبالغة في التشبيه، وما شاء فعل: أي ما أراده فعله وبيّن ذلك بالبيت الثالث. . . وقال أبو نواس: أخِي ما بالُ قلبِكَ ليسَ يَنْقَى ... كأنّكَ لا تَظُنُّ المَوتَ حَقَّا ألا يا ابْنَ الذين فَنوا وبادُوا ... أمَا واللهِ ما ذَهبوا لتَبْقى وما أحدٌ بزادِك منك أحْظى ... وما أحدٌ بزادِك منك أشْقى ولا لك غيرَ تَقْوى اللهِ زادٌ ... إذا جعلَتْ إلى اللهَواتِ تَرْقى

стр. 187

جعلت: يريد النفسَ أو الروحَ وإن لم يتقدم لذلك ذكر، واللهوات جمع لَهاة وهي: لحمة حمراء في الحنك معلَّقة على عَكدَة اللسان، وقال أبو العتاهية: أطِعِ اللهَ بجُهْدِكْ ... عامِداً أو دُونَ جُهْدِكْ أعْطِ مَولاكَ كما تَطْ ... لبُ مِنْ طاعَةِ عَبْدِكْ وقال بعض المتصوّفة: من كان مع اللهِ فقَدْ هلك، وإنّما نَجا من كان اللهُ مَعَه، وقال رجلٌ للشّبلي: متى يقرُبُ العبدُ من ربّه؟ فزعق ثم أنشد: مَنْ لم يكُنْ للوصالِ أهْلاً ... فكلُّ إحسانِه ذنوبُ وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى ابنه عبد الله في غيبةٍ غابها: أما بعد، فإنّه من اتقى اللهَ وقاه، ومن توكَّل عليه كفاه، ومن شكَرَه زادَه، ومن أقرضَه جزاه، فاجعلِ التقوى جلاءَ بصرك، وعمادَ ظهرك، فإنّه لا عملَ لمن لا نِيّةَ له، ولا أجرَ لمن لا حسنة له، ولا جديدَ لمن لا خَلَقَ له. . . قوله: ومن شكره زاده: فسيمرّ عليك قريباً معنى الشكر، وقوله: ومن أقرضه جزاه، فالقرض في الأصل: ما يعطيه الرجلُ أو يفعله ليُجازى عليه، ولما كان الله سبحانه لا يستقرض مِنْ عوزٍ فقد قالوا في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾، و: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾: إنّ القرض معناه الفعلُ الحسن من إتباع أمر الله وطاعته، والعرب تقول لكل من فعل إليه خيراً: قد أحسنت قرضي وقد أقرضتني قرضاً حسناً، وفي الحديث: (أقرِضْ من عِرضِك ليوم فقرك). . . يقول صلوات الله عليه: (إذا نال عرضَك رجلٌ فلا تُجازِه، ولكن استَبْقِ أجرَه مُوفَّراً لك قرضاً في ذمّته لتأخذَه منه يومَ حاجتك إليه). . . وقال عمر بن عبد العزيز: ليست التقوى قيامَ الليل ولا صيامَ النهار والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى تركُ

стр. 188

ما حرّم اللهُ وأداءُ ما افترض اللهُ، فمن رزق خيراً بعد ذلك فهو خيرٌ. . . وقال رجل لحكيم: أوصِني. فقال: إن استطعت أن لا تُسيءَ إلى من تحبُّ فافعل، فقال: وهل يسيءُ المرءُ إلى من يحبُّ؟ قال: نعم، نفسُك إنْ عصيتَ الله. التقوى مع الجهل قال الحسن البصري: أدركتُ قوماً من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من عملَ بغيرِ علمٍ كان ما يفسدُه أكثرَ ممّا يصلحُه. . . وقال أيضاً: قصَمَ ظهري عالمٌ لا زُهْدَ معه، وزاهِدٌ لا عِلْمَ مَعَه، هذا يدعو إلى جَهْلِه بِزُهدِه، وهذا يُنَفِّر عن عِلمِه بِحِرْصِه. وقيل لأنوشروان: أيُّ الناس أولاهم بالسعادة؟ فقال: أقلُّهم ذنوباً، قيل: ومن أقلُّهم ذنوباً؟ قال: أكملُهم عَقلاً. . . وسيّد الكلام في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾، وقد تقدّم آنفاً. وفي الأثر: يكون في آخرِ الزَّمان قرّاءٌ فَسقةٌ وعُبّادٌ جَهَلة، وركعةٌ من عالِمٍ أفضلُ من سبعين ركعةً من عابدٍ لا عِلْمَ معه. التماوت والإفراط في الخشوع والأصلُ في هذا المعنى قولُه ﷺ لرجلٍ جدَّ في العبادة حتّى غارت عيناه: (إن هذا الدينَ متينٌ، فأوْغل فيه برِفق، ولا تُبغِّض إلى نفسك عبادةَ ربّك، فإنّ المُنْبَتَّ لا أرضاً قطعَ ولا ظهراً أبقى، ولن يُشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إلا غلبه). . . متين: أي شديد، من متن متانة: اشتد وقوي، قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، وقوله: فأوغل فيه برفق: أي ادخل، وأصل الإيغال: الإمعان في السير والإبعاد فيه يقول: سرْ في الدين برفق ولا تحْمِل

стр. 189

ْ على نفسك فتكلّفها ما لا تطيق فتعجِزَ وتتركَ العمل، والمنبتُّ: الذي أتعب دابَّتَه حتى عَطِبَ ظهرُه فبقي منقطعاً به، من الانبتات وهو الانقطاع. . . ورأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً مطأطئاً رأسَه، فقال له: ارْفَعْ رأسَك، فإن الإسلام ليس بمريض. . . ونظر يوماً إلى رجل مُظهرِ النسكِ متماوتٍ فخَفقَه بالدرَّة وقال: لا تُمِتْ علينا دينَنا أماتك الله. . ونظرت السيدة عائشة ﵂ إلى رجلٍ كاد يموتُ تَخافُتاً فقالت: ما لهذا؟ فقالوا: أحدُ القرّاء، فقالت: قد كان عمرُ بن الخطاب سيِّدَ القرّاء، فكان إذا قال أسمعَ، وإذا مشى أسرعَ، وإذا ضربَ أوْجعَ. . . وقال ﷺ : (إنّ الله بعثني بالحنيفية السَّمحة ولم يبعثني بالرَّهبانية، فمن رغب عن سنَّتي فليس مني). . . قلة اليقين في الناس قال الشَّعبي: لم يَقْسِم اللهُ بين الناس أقلَّ من اليقين. . . وقال ابن الرومي من همزيّته البارعة التي يعاتب فيها أبا القاسم الشَّطرنجي - ونذكر من أبياتها المختارة ما يصحُّ أن يُذكر هنا، كما يصح أن يذكر في باب القناعة قال: مَرْحباً بالكَفافِ يأتي هَنيئاً ... وعلى المُتْعِباتِ ذَيلُ العَفاءِ ضَلّةً لامْرِئٍ يُشَمِّرُ في الجَمْ ... عِ لِعيشٍ مُشمِّرٍ للفَناءِ

стр. 190

دائِباً يَكْنُزُ القَناطيرَ لِلوا ... رِثِ والعُمْرُ دائبٌ في انقِضاءِ حَبّذا كَثْرَةُ القناطيرِ لو كا ... نَتْ لِرَبِّ الكُنوزِ كَنْزَ بَقاءِ إلى أن قال: حَسْبُ ذِي إرْبةٍ ورأيٍ جَليٍّ ... نَظرَتْ عيْنُهُ بلا غُلَواءِ صِحَّةُ الدّينِ والجَوارِحِ والعِرْ ... ضِ وإحْرازُ مُسْكةِ الحَوباءِ تِلْكَ خيرٌ لعارفِ الخيرِ مِمَّا ... يجْمَعُ الناسُ مِنْ فُضولِ الثَّراءِ ولَها من ذَوي الأصالةِ عُشّا ... قٌ وليْسُوا بِتابِعي الأهْواءِ ليسَ للمُكْثِرِ المُنَغَّصِ عَيْشٌ ... إنّما عَيْشُ عائِشٍ بالهَناءِ إلى أن قال: ظُلِمَتْ حاجَتي فلاذَتْ بِحَقْوَيْ ... كَ فأسْلَمْتَها لكَفِّ القَضاءِ وقضاءُ الإلهِ أحْوَطُ للنّا ... سِ من الأمَّهاتِ والآباءِ غيرَ أنَّ اليقينَ أضْحَى مَريضاً ... مَرَضاً باطِناً شديدَ الخَفاءِ ما وَجَدْتُ امْرَءاً يُرَى أنَّه يُو ... قِنُ إلا وفيهِ شَوْبُ امْتراءِ لو يَصحُّ اليقينُ ما رَغِبَ الرَّا ... غِبُ إلا إلى مَليكِ السَّماءِ وعسيرٌ بُلوغُ هاتِيكَ جدّاً ... تلكَ عُلْيا مراتِبِ الأنبِياءِ

стр. 191

وقال حكيم: من الدّلالة على قلة اليقين، أنك تخيَّر يوماً عن خير الدنيا بالنَّسيئة: طمعاً في الربح، طفيفَ رِبْحٍ مع ما فيه من الخطر، وتأبى أن تقرضَ اللهَ درهماً بثمانمائة، مع زَعْمك وقولك إنَّ مستقرضَه مليءٌ وفي هكذا وردت هذه الكلمةُ في محاضراتِ الأدباء، ويظهر أنّها إمّا محرّفة وإما أنّها مُعاظلة وهي على الرغم من ذلك تكاد تكون مفهومةً، فالظّاهر أنّ قائلَها يريد أن يقول: إنَّ ممَّا يدلُّ على قلّة اليقين أنّك لو خُيّرت بين ربحٍ كثيرٍ آجلٍ نسيئةً عند الله، بأنْ تقرضَه مثلاً درهماً بثمانمائة، وبينَ ربحٍ طفيفٍ عاجلٍ في الدُّنيا وقد حُفّ بالخطر، لاخترت الثاني على الأول، مع زعمك بأن من تقرضُه - وهو اللهُ مضطلع بمُضاعفةِ القرضِ وتوفيتِك حقَّك وإعطائك إيّاه وافياً. . . إصلاح الضمير دخل حُمَيْد الطويل على سليمانَ بنِ علي والي البصرة فقال له: عِظني، فقال حُميد: لئن كنت حينَ عصيتَ ربّك ظننتَ أنّه يراك فقد اجترأت على الله، ولئن كنتَ ظننتَ أنّه لا يراك فقد كَفَرْتَ. . . وقالوا: إذا فسدت النيّة وقعت البَليّة، وقال رجلٌ لسيِّدنا رسول الله: لقد سمعناك يا رسولَ اللهِ تقول: شيّبتني هود، فما الذي شيّبك منها؟ قال: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. . . ورَوَوْا أن السيدَ المسيحَ صلواتُ الله عليه قال: يا ربِّ، من أشرفُ الناس؟ قال: من إذا خلا علمَ أنّي ثانيه فأجلَّ قدري عن أنْ يُظهرَني على معاصيه. . . ومرَّ

стр. 192

عمرُ ﵁ بمملوكٍ يرعى غنماً، فقال: أتبيعني مِنها شاةً؟ قال: ليست لي، قال: فأين العِلَلُ؟ قال: فأين الله: فاشتراه عمرُ وأعتقَه، فقال المملوكُ: اللَّهمَّ قد رزقتني العِتقَ الأصْغرَ فارزقني العِتقَ الأكبرَ، أعوذُ بك من قلبٍ غائبٍ عنك. . . وقال السّريُّ السّقطي: بتصحيحِ الضَّمائر تُغتفرُ الكبائرُ؛ وفي الأثر: تعرّف إلى اللهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّة أي تعرَّف إليه في الرخاءِ بالشُّكر وذكرِ الآلاءِ يَعْرِفْك في الشِّدَّة بالعِصْمة. . وقال بعض المتصوّفة: إنّ اللهَ لا يشغلُه عنك شيءٌ فإن استطعت أن لا يشغلَك عنه شيءٌ فافْعَلْ. . . احتمال المكاره في العاجل رجاء المسارّ في الآجل ومن جوامع الكَلِمِ في ذلك قول سيّدنا رسول الله: (حُفَّت الجنةُ بالمكارهِ وحُفّت النارُ بالشهوات) حفّت: أحيطت، والمكاره جمع مَكْرُهة وهي: ما يكرهه المرءُ ويشقُّ عليه، والشهوات: كل ما يوافق النفسَ وتصبو إليه. قال الإمام القرطبي: أصل الحَفّ: الدائرُ بالشيء المحيطُ به الذي لا يُتوصَّل إليه إلا بعد أن يُتَخطّى، فمثّل المصطفى المكارهَ والشهواتِ بذلك، فالجنّة لا تُنالُ إلا بقطع مفاوزِ المكارهِ والصبرِ عليها، والنارُ لا يُنْجى منها إلا بفطمِ النفسِ عن مطلوباتها، وقال ابن حجر: هذا من جوامعِ كلمِ المصطفى وبديعِ بلاغتِه في ذمِّ الشهوات وإن مالت إليها النفوس، والحثّ على الطاعات وإن كرهتها وشقَّت عليها ولما تاب بعضُ الصوفيّة كان لا يَتَهنّأ بطعامٍ ولا شرابٍ فقالت له أمُّه: ارْفِقْ بنفسِك، فقال: الرِّفْقَ أطلبُ لها. . . وهذا كقول الربيع بن خُثَيم وقد صلى طولَ ليلته حتى أصبحَ وقال له رجل: أتْعَبْتَ نفسَك فقال: راحتَها أطلب. . .

стр. 193

ومثل هذا - وإن كان من بابةٍ أخرى - قول العباس بن الأحنف: سأطلُبُ بُعْدَ الدّارِ عَنْكم لتَقْرُبوا ... وتَسْكُبُ عيْنايَ الدُّموعَ لتَجْمُدَا وقول الآخر: تقولُ سُلَيْمَى لو أَقَمْتَ بأرْضِنا ... ولم تَدْرِ أنّي للمُقامِ أُطَوِّفُ مراعاة الدّين والدّنيا معاً قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. . . وقال سيدنا رسول الله: (ليس بخيرِكم من تركَ دنياه لآخرته، ولا آخرتَه لدُنياه، حتى يصيبَ منهما جميعاً، فإنّ الدُّنيا بلاغٌ إلى الآخرة، ولا تكونوا كَلاً على الناس). . . كَلاًّ: عِيالاً وثِقلاً وكان محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يقول: اللهمّ أعنّي على الدُّنيا بالغِنى، وعلى الآخرةِ بالتّقوى. وقال مروان بن أبي حفصة لعمارة بن حمزة: أنشدت المأمونَ قولي: أضْحَى إمامُ الهُدى المأمونُ مُشْتَغِلاً ... بالدِّينِ والناسُ بالدُّنيا مَشاغيلُ فلم يهتمّ لذلك! فقال عِمارة: ما زِدْتَ على أن صيَّرتَه عَجوزاً مُعتكِفةً في محرابها،

стр. 194

فمَنْ لأمورِ المسلمين! هلا قلت كما قال جرير: فلا هُوَ في الدُّنيا مُضِيعٌ نصِيبَه ... ولا غَرَضُ الدُّنيا عَنِ الدِّينِ شاغِلُه! والمشهورُ في هذا المعنى قولُ الفاروق ﵁: اعمل لدُنياك كأنّك تعيشُ أبداً واعمل لآخرتِك كأنّك تموتُ غداً. . . وقال الشاعر: ولله مِنِّي جانِبٌ لا أُضيعُهُ ... ولِلَّهْوِ مِنّي والخَلاعةِ جانِبُ وسيمرُّ بكَ كثيرٌ من عبقرياتهم في هذا المعنى، في مواضعَ أخرى من هذا الكتاب. الرجاء والجمع بينه وبين الخوف من الله قال تعالى: في صفة المؤمنين: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، وقال حكيم: ارْجُ إذا خِفت وخَفْ إذا رجوت، وكُنْ كالمرأة الحامل ليس رجاؤُها أن تلدَ ولداً ذكراً بأكثرَ مِنْ خوفِها أن تلدَ أنثى. وقريب من هذا قولُ رجلٍ لابنه: خَفِ اللهَ خوفاً لا يمنعك من الرجاء، وارْجُه رجاءً لا يمنعك من الخوف، فالمؤمن له قلبان: يرجوه أحدُهما ويخافُه الآخرُ وقال: أنا بينَ الرجاءِ والخوفِ منه ... واقِفٌ بين وَعْدِه والوَعيدِ وقال أبو نواس: لا تَحْظُرِ العَفْوَ إنْ كنتَ امْرَءاً حَرِجاً ... فإنَّ حَظْرَكَهُ بالدِّينِ إزْراءُ وقال أيضاً: يا كثيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللهِ مِنْ ذَنْبِكَ أكْثَرْ وقال:

стр. 195

تَبَسَّطْنا على الآثامِ لمَّا ... رأيْنا العفوَ من ثَمَرِ الذُّنوبِ وقال: تَكثَّرْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطايا ... فإنَّك بالِغٌ رَبَّاً غَفورا سَتُبْصِرُ إنْ وَرَدْتَ عليهِ عَفْواً ... وتَلْقَى سيِّداً مَلِكاً كَبيرا تَعَضُّ نَدامةً كفّيْك ممّا ... تركتَ مخافةَ النّارِ السُّرُورا وفي الأثر: ما أُحِبُّ أنَّ ليَ الدُّنيا وما فيها بهذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. . . وقال ابن عباس لعبد الله بن عمر ﵄: أيُّ آيةٍ أرجى؟ قال: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، فقال: إنَّ هذه لمَرْجوّةٌ، وأرجى منها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. . وقال أعرابي لابن عباس: من يحاسب الخلقَ يوم القيامة؟ قال: يحاسبهم الله تعالى قال: نجونا وربِّ الكعبة، فقال: كيف! قال: إنَّ الكريمَ إذا قدر غَفَر. . . وسمع أعرابي عبد الله بن عباس يقرأ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾، فقال: والله ما أنقذنا منها وهو يريد أن يلقينا فيها! فقال ابن عباس: خُذوه من غَيْرِ فقيهٍ. . . العبادة لا طلباً للثواب ولا خوفاً من العقاب وقد تقدّم لنا آنفاً في ذلك ونزيد فنوردُ طرفاً من عبقريّاتهم في هذا المعنى: قال الشّبلي: من عبَدَه رجاءَ الجنَّة فهو عبدُها، أو خوفَ النار، فهو عبدُها، لأنَّ من خاف شيئاً أو رجاه فهو معبودُه، وقال بعضهم: من عبدَ

стр. 196

الله بعوضٍ فهو لئيم، وقال آخر: اللَّهمَّ إن كنتَ تعلم أني أعبدُك خوفاً من نارِك فأحرقني، أو طمعاً في جنّتك فاحرمنيها، وإن كنتَ تعلمُ أنّي أعبدك حبّاً لك وشوقاً إلى لقائِك فأبِحْنيه. . وقيل لرابعةَ العدوية: ما لكِ لا تسألينَ اللهَ الجنَّة في دعائِك؟ فقالت: الجارُ ثمَّ الدار. . . تعني بالجار: ذا الجلالِ والإكرام وقد أوردنا بيتَ المعرّي: ولْتَفْعَلِ النَّفْسُ الجميلَ لأنّه ... خيرٌ وأحسنُ لا لأجلِ ثوابِها غير مرَّةٍ فيما أسلفنا، وقال بعضهم في قوله ﷺ : (أكثر أهل الجنّة البُلْهُ)، قال: لأنهم في شغلٍ فاكهون، شغلهم النَّعيمُ عن المُنْعم، ومن رضيَ بالجنّة عنِ اللهِ فهو أبْلَهُ. أقول: حديث: أكثر أهل الجنة البُلْهُ: حديث ضعيف انظر شرح الجامع الصغير للمناوي وعلى أنّه ضعيفٌ فقد أوّلوه تأويلاً حسناً: فقال الأزهري: الأبله: الذي طُبِعَ على الخير، فهو غافلٌ عن الشرِّ لا يعرفه - أقول: أو يعرفه ولكن يتجنَّبه - وقال النَّضْرُ بن شُمَيل: الأبله: الميّت الداء، أي أن شرَّه ميّتٌ لا ينبه له. والمرأة بَلْهاء، قال الشاعر: ولقدْ لَهوْتُ بِطِفْلةٍ مَيَّالَةٍ ... بَلْهاَء تُطْلِعُني على أسرارِها أراد: أنّها غِرٌّ لا دهاءَ لها فهي تخبرني بأسرارِها ولا تفطنُ لما في ذلك عليها. وقال الزِّبْرقان ابن بدر: خيرُ أولادِنا الأبْلَه العَقول، يعني: أنّه لشدَّة حيائِه كالأبله وهو عقول مبالغةٌ من العقل وقال الزمخشري في صفة الصلحاء: هيّنون ليّنون، غير أن لا هوادةَ في الحقِّ ولا دهانةَ، بُلْهٌ، غوصهم على الحقائقِ يعمرُ الألبابَ والأذهانَ، وذلك لأنّهم أغفلوا أمرَ دنياهم فجهلوا حِذْقَ التصرّف فيها فأقبلوا على آخرتِهم فشُغلوا بها فاستحقّوا أن يكونوا أكثرَ أهلِها.

стр. 197

الرياء الرياء: ترك الإخلاصِ في العملِ بملاحظةِ غيرِ اللهِ فيه؛ ومن عبقريّاتهم فيه: قال سيدنا رسول الله: (إنّ أخوفَ ما أخافُ على أمّتي الرياءُ الظاهرُ والشهوةُ الخفيّة). وقالوا: أعظمُ الرياءِ حبُّ المَحْمَدة. وقالوا إذا عمل الرجلُ العملَ وكتمَه وأحبَّ إعلامَ الناسِ أنّه كتمَه، فذلك أقبحُ الرّياء، وقال أبو نواس: وإذا نَزَعْتَ عَنِ الغَوايةِ فليَكُنْ ... للهِ ذاكَ النَّزْعُ لا للنّاسِ وقال لقمانُ لابنه: اتقِ اللهَ ولا تُرِ الناسَ أنّك تخشاه ليُكْرِموك. . . وقال بعضهم: كان الناس يراؤون بما يفعلون فصاروا يراؤون بما لا يفعلون. وقالوا: ما الدُّخان بأدلَّ على النارِ من ظاهرِ أمرِ الرجلِ على باطنِه. . . وقالوا في وصف المُرائي: له سَمْتُ أبي ذرٍّ على قلب أبي جهل، وقال ﷺ فيمن تنسّك طمعاً في عرَضِ الدنيا: (أكثرُ منافقي هذه الأمّة قُرّاؤها) قال ابن الأثير: أي أنّهم يحفظون القرآنَ نفياً للتُّهمة عن أنفسِهم وهم معتقدون تضييعَه، وكان المنافقون في عصر النبي بهذه الصّفة. وقال

стр. 198

الزّمخشريُّ: أراد بالنفاقِ الرياءَ، لأنَّ كلاً منهما إرادةُ ما في الظاهر خلافَ ما في الباطنِ. وقال الغزاليُّ: احذر من خِصال القرّاءِ الأربعة: الأمل والعجلة والكِبر والحسد، قال: وهي عِلَلٌ تعتري سائرَ الناس عموماً والقرّاءَ خصوصاً، ترى القارئ يطوِّلُ الأملَ فيوقعُه في الكسل، وتراه يستعجل الخيرَ فيُقْطعُ عنه، وتراه يحسد نظراءَه على ما آتاهم اللهُ من فضلِه فربَّما يبلغ به مبلغاً يحملُه على فضائحَ وقبائحَ لا يقدم عليها فاسقٌ ولا فاجر. وقال الفضيل بن عياض لابنه: اشتروا داراً بعيدةً عن القُرّاء، ما لي والقوم! إن ظهرت منّي زلّةٌ قتلوني، وإن ظهرت عليَّ حسنةٌ حَسدوني، ولذلك ترى الواحدَ منهم يتكبّر على الناس ويستخفُّ بهم مُعْبِساً وجهَه كأنّما يمنُّ على الناسِ بما يصلي زيادةَ ركعتين، أو كأنما جاءَه من اللهِ منشورٌ بالجنة والبراءةِ من النار، أو كأنّه استيقن السعادةَ لنفسِه والشقاوةَ لسائر الناس، ثم هو مع ذلك يلبَسُ لباسَ المُتواضعين ويتماوت، وهذا لا يليقُ بالتكبُّر والترفُّع ولا يلائِمُه لكنَّ الأعمى لا يبصر. . . أقول: كل ما قالوه في القُرّاء ممّا يصح أن يقال في علماء الدين وفي المتنسِّكين، لأنه يقال تقرّأ فلانٌ أي تفقّه، ويقال: تقرّأ: أي تنسّك، قال زيد بن تركي الزُّبيديُّ: وقال الفراء: أنشدني أبو صَدْفة الدبَيْري: ولقد عَجِبْتُ لكاعِبٍ مَودُونةٍ ... أطرافُها بالحَلْيِ والحِنَّاءِ بيضاَء تصْطادُ القَويَّ وتَسْتَبي ... بالحُسْنِ قلْبَ المُسْلِمِ القُرَّاءِ مودونة: مليّنة وأطرافها نائب فاعل مودونة، ورووا أن بلال بن أبي بردة وفد على عمر بن عبد العزيز فجعل يديم الصلاةَ فقال عمر: ذلك التصنُّع، فقال له العلاءُ: أنا آتيك بخبرِه، فجاءه وهو يصلّي فقال له: ما لي عندك إنْ بعثْتُ أميرَ المؤمنين على توليتِك العراقَ؟ قال عُمالتي سنةً أي وظيفتي ومُرتّبي - وكان مبلغُه عشرين

стр. 199

ألف درهم، فقال: اكتب به خطَّك، فكتب إليه، فجاء العلاءُ إلى عمر فأخبرَه، فقال: أراد أن يغرَّنا بالله. . . ودخل على أبي جعفر المنصور رجلٌ بين عينيه كرُكْبةِ البعير - وذلك يكون من أثرِ السُّجود - يريد القضاءَ، فقال المنصور: إن كنت أبْرَرْتَ اللهَ بهذا فما ينبغي أن نشغلَك عنه، وإن كنت أردْتَ خِداعَنا فما ينبغي أن ننْخَدِعَ لك. وقال شاعر: لا تَصْحَبَنَّ صحابةً ... حلَقوا الشوارِبَ لِلطَّمَعْ يَبكي وجُلُّ بُكائِه ... ما لِلْفَريسةِ لا تَقَعْ وقال آخر: عَمَّرُوا مَوْضِعَ التَّصَنُّعِ منهُمْ ... ومكانُ الصلاحِ منهُمْ خَرابُ ويروى هذا البيت على وجه آخر. . . . ورووا أن بعض الناس كان يبيع زكاتَه من الفقيرِ ويسترجعُها منه بدرهم أو درهمين. ويروى أغربُ من ذلك وأقعدُ في باب الحيل الشرعية المحرّمة، وذلك أنّ أحدَ مشيختنا الذين تولّوا مشيخةَ الإسلام والإفتاء في الجيل الغابر بمصر - وكان غنيّاً مثرياً - كان يحتال في زكاة المال بأنْ يضعَ قيمةَ ما يجبُ عليه أن يزكيه عن ماله في العِياب الزكائب المملوءة قمحاً ثم يُفهمُ الفقراءَ أنَّ هذه هي زكاتُهم ثمَّ يشتريها منهم بثمن مُغْرٍ، وبذلك يظن أنّه قد قام بفريضة الزكاة ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. التوبة التوبة: الرجوعُ عن الذنب، يقال: تابَ إلى اللهِ يتوبُ تَوْبةً وتَوْباً ومَتاباً: أناب ورجع عن المعصيةِ إلى الطاعة، وتاب اللهُ عليه: وفَّقه إلى التوبة أو

стр. 200

عادَ عليه بالمغفرة، وقال علي بن أبي طالب ﵁: التوبةُ على أربعةِ دعائم: استغفار باللسان ونيّة بالقلب وترك بالجوارح وإضمار أنْ لا يعود. وفي الحديث: (من تابَ قبل موتِه بفُواقِ ناقةٍ حرَّم اللهُ وجهَه على النار) الفواق: أن تُحلبَ الناقةُ ثم تترك لحظةً يَرْضِعُها الفصيلُ لتدرَّ ثُمّ تُحلب. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ التوبة النصوح: الخالصةُ التي لا يُعاوَد بعدها الذنبُ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، يقول سبحانه: إنّما قبولُ التوبة كالمحتوم على الله لمن أذنب بجهالةٍ وسفَهٍ - فإنَّ ارتكابَ الذَّنْبِ سَفَهٌ وتجاهلٌ، ومن ثم قيل: من عصى اللهَ فهو جاهلٌ حتى ينزِعَ عن جَهالته - ثم يتوبون قبل الموتِ قال ﵇: (إنّ اللهَ يقبل توبةَ عبده ما لم يُغَرْغِر)، قال المفسرون: وسمّاه قريباً لأن أمدَ الحياة قريبٌ، أو قبل أن يُشْرَبَ في قلوبهم حبُّه فيتعذرَ عليهم الرجوعُ. المبادرة إلى التوبة وقد حثّوا مع ذلك على المبادرةِ بالتّوبةِ والإقلاعِ عن المعاصي فرَووا أنّه قيلَ لرجلٍ: أوْصِ، فقال: أحَذِّركم سوف وقال شاعر: والمَرْءُ مُرْتَهَنٌ بسَوْفَ ولَيْتَني ... وهلاكُهُ في سَوْفِهِ واللَّيْتِ وقال آخر: أُسَوِّفُ تَوْبَتي خَمْسينَ عاماً ... وظَنِّي أنَّ مِثْليَ لا يَتوبُ

стр. 201

ُوقال بعضهم: نحن لا نريدُ أن نموتَ حتّى نتوبَ ولا نتوبُ حتّى نموتَ. . . وقال بعضهم لرجل: عظني، فقال: قد قطعْتَ عامّةَ سَفَرِك، فإن استطعت ألا تضلَّ في آخرِه فافعل. . . وقال مصعب ابن الزبير: ادْفع سطوةَ اللهِ بسُرعةِ النزوعِ، وحسنِ الرُّجوع، فيوشكُ أنَّ المنايا تسبق الوصايا، وقالوا في قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: يكثرُ الذنوبَ ويؤخرُ التوبة أو يُسوِّف بالتوبة ويقدِّم الأعمال السيئة، وقال مؤرِّج السّدوسي: فَجَر: إذا ركب رأسَه فمضى غيرَ مكترث، وقوله: ليفجر أمامه: ليمضِ أمامه راكِباً رأسَه. . . وقال سيدنا رسول الله لرجلٍ وهو يعظه: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتَك قبل موتك، وصحَّتَك قبل سَقَمك، وفراغَك قبل شغلك، وشبابَك قبل هرمك، وغناك قبْلَ فَقْرك). اغتنم حياتك قبل موتك: اغتنم ما تلقى نفعه وثوابه بعد موتك. وصحتك قبل سقمك: اغتنم العملَ حالَ الصحة فقد يمنع مانعٌ كالمرض فتُقْدِم بغير زاد. وفراغك قبل شغلك: اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال ما بعد الموت، أي اغتنم فرصةَ الإمكان لعلّك تسلم من الهوان. وشبابك قبل هرمك: اغتنم الطاعةَ وفعلَ الخير حالَ قدرتك قبلَ هجوم عجز الكبر عليك فتندمَ على ما فرّطت في جنب الله. وغناك قبل فقرك: اغتنم الإحسانَ والتصدُّقَ بفضول مالك قبل أن تنزل جائحةٌ تفقرك. ولك أن تقول: إن هذه الوصية الكريمة مغزاها عامٌ شامل يُراد بها المبادرةُ إلى العمل وانتهازُ الفرص قبل فواتها وقال الشاعر: إذا أنْتَ لم تَزْرَعْ وأبْصرتَ حاصِداً ... نَدِمْتَ على التَّفْريطِ في زَمَنِ البَذْرِ وقال أبو العتاهية: فوا عجباً كيف يُعْصى المَليكُ أَمْ كيفَ يَجْحَدُه الجاحِدُ

стр. 202

وللهِ في كلِّ تحْرِيكةٍ ... وتَسكينةٍ في الوَرَى شاهِدُ وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدُلُّ على أنّه واحِدُ وقال الآخر: تَرجو النَّجاةَ ولَمْ تسلُكْ مَسالِكَها ... إن السَّفينةَ لا تَجْري على اليَبَسِ وجاء حبيب بن الحارث إلى سيّدنا رسول الله فقال: إني مقارفٌ للذنوب، فقال: تُبْ، فقال: إني أتوبُ ثم أعود، فقال: كلّما أذْنَبْتَ ذنباً فتُبْ، فعفوُ اللهِ أكبرُ من ذنوبك. وفي الحديث: (إنّ الرجل ليذنبُ الذنبَ فيدخل به الجنة، فقيل: وكيف يا رسول الله؟ قال: يكونُ نصبَ عينِه خائِفاً منه حتى يدخلَ الجنة). . . واجتمع ثلاثة من الحكماء عند كسرى فتذاكروا في شرِّ الأشياء فقال أحدهم: الهمُّ يقترن بالعُدْم - الفقر - وقال الثاني: سُقْمُ البدن ودوامُ الحزْنِ، وقال الثالث: دُنوُّ أجلٍ وسوءُ عملٍ. . . فحَكَمَ لهذا. . . ودعا بعضُ الصالحين فقال: أعوذ بالله من وقوعِ المنيّةِ ولمّا أبلغِ الأمنية. . . وقال حكيم: الأيام صحائفُ آجالِكم فأوْدِعوها أجملَ أفعالكم. . . وقال علي بن الحسين ﵄: عجبت لمن يحتمي عن الطعام لمَضرَّته ولا يحتمي عن الذَّنب لمعرَّته! وقال بعضهم حضرت مجلس الشّبلي فقام إليه رجل من أصحابه وقال له: أوصِني، فقال له: لقد أوصاك الشاعر بقوله: قالوا توَقَّ دِيارَ الحيِّ إنَّ لَهُمْ ... عيْناً عليكَ إذا ما نِمْتَ لم تنَمِ

стр. 203

وقال يحيى بن معاذ: اجتنابُ السيئاتِ أشدُّ من اكتسابِ الحسنات. . وسمع الحسن البصري رجلاً يقول: اللَّهمَّ اجلعنا منك على حذرٍ، فقال: إنّه فعل ذلك، أليس قد سترَ عنك أجلَك، فلست من حياةِ ساعةٍ على يقين! الاستغفار قال علي بن أبي طالب: العجبُ لِمَنْ يَقْنَطُ ومعه النجاة: الاستغفار. . . وقالوا لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار. وقال حكيم: أيّها السلاطين، لا بدَّ لكم من المعاصي الكبار فافعلوا بإزائِها طاعاتٍ عظيمةً، أيّها الأوساطُ، يمكنكم الطاعات العظيمة، كالمصالح التي لا يقدر عليها إلا السلطان، فلا تركبوا المعاصي الكبيرة. . . وقال بعضهم: سمعني راهبٌ أقول: أستغفر اللهَ، فقال: يا فتى، سرعةُ اللسانِ بالاستغفارِ توبةُ الكذّابين. . ويدلُّ على ما قاله قوله ﷺ : (المستغفرُ باللسانِ المصرُّ على الذنبِ كالمُسْتهزئ بربّه). وقال الربيع بن خثيم: لا يقولنَّ أحدكم: أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه فيكون ذَنْباً جديداً إذا لم يفعل، ولكن ليقل: اللَّهُمّ، تُبْ عليّ واغفر لي، فقيل: ولِمَ؟ فقال: انْتِه عمّا ينهاك عنه فإنه يُغْفرُ لك. . . وقال عمر ﵁: لم أرَ أشدَّ طلباً وأسرعَ دَرَكاً من حسنةٍ حديثةٍ لذنبٍ قديم. دَرْكاً بسكون الراء وفتحها: لحاقاً وإدراكاً. . . وسئل بعضُ المجّان: كيف أنتَ في دينك؟ قال: أُخْرِّقه بالمعاصي وأرقِّعه بالاستغفار. . . وأما بعد فلو يؤاخذ اللهُ الناسَ بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابّة ولكن يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى فإذا جاء أجلهم فإنّ الله كان بعباده بصيراً.

стр. 204

يا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَناحَها ... في ظُلْمةِ الليلِ البهيمِ الألْيلِ ويَرى عُروقَ نِياطِها في نَحْرِها ... والمُخَّ في تِلْكَ العِظامِ النُّحَّلِ اغْفِرْ لِعبْدٍ تابَ من فَرَطاتِه ... ما كان مِنهُ في الزَّمانِ الأوَّلِ عبقريات شتى في الخوف والتقوى ورد في الحديث الصحيح: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولَمَا ساغ لكم الطعامُ ولا الشرابُ) لضحكتم قليلاً: أي لم تضحكوا البتّة إذ القليل ههنا بمعنى العدم. . . وجاء في خطبة لسيدنا رسول الله: (أيها الناس، إن لكم معالمَ فانتهوا إلى معالِمِكم، وإنّ لكم نهايةً فانتهوا إلى نهايتِكم، فإنَّ العبد بين مخافتين: أجلٌ قد مضى لا يدري ما اللهُ فاعلٌ فيه، وأجلٌ باقٍ لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذِ العبدُ من نفسِه لنفسِه، ومن دنياه لآخرتِه، ومن الشبيبةِ قبلَ الكِبَر ومن الحياة قبل المَمات، فوالذي نفسُ محمدٍ بيدِه، ما بعدَ الموت من مُسْتَعْتَبٍ، وما بعد الدنيا من دارٍ إلا الجنةُ والنارُ). . . معالمُ جمعُ مَعْلم، وهو ما جُعِلَ علامةً للطرق والحدود، ضربه مثلاً لأحكام الله وحدوده.

стр. 205

﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ومستعتب: مصدر ميميٌّ معناه طلبُ الرّضا، تقول: استعتب فلاناً: إذا طلبتُ منه العُتبى، وهي الرضا: يريد: ليس بعد الموت من استرضاءٍ، لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانُها، وما بعد الموت دارُ جزاءٍ لا دارُ عملٍ. وقال أبو العتاهية: يا عَجباً للناسِ لو فكَّروا ... وحاسَبُوا أَنفُسَهم أبْصَروا وعَبَرُوا الدُّنيا إلى غيرِها ... فإنّما الدُّنيا لهم مَعْبَرُ الخيْرُ ممّا ليسَ يَخْفَى هو ال ... مَعروفُ والشَّرُّ هو المُنْكَرُ والمَوْعِدُ المَوتُ وما بعدَه ال ... حَشْرُ فذاكَ المَوْعِدُ الأكْبَرُ لا فَخْرَ إلا فخرُ أهْلِ التُّقَى ... غَداً إذا ضَمَّهُمُ المَحْشَرُ لَيَعْلَمَنَّ الناسُ أنَّ التُّقى ... والبِرَّ كانا خيْرَ ما يُذْخَرُ عجِبْتُ للإنسانِ في فَخْره ... وهْو غدا في قَبْرِه يُقْبَرُ ما بالُ من أوَّلُهُ نُطْفةٌ ... وجيفةٌ آخِرُه يَفْخَرُ أصْبَحَ لا يَمْلِك تقديمَ ما ... يَرْجو ولا تأخيرَ ما يَحْذَرُ وأصْبحَ الأمْرُ إلى غيرِه ... في كلِّ ما يُقْضَى وما يُقْدَرُ أما قوله: يا عجباً للناس لو فكّروا. . البيت، فمأخوذٌ من قولهم: الفِكرة مرآةٌ تريك حَسنَك من قبيحك؛ ومن قول لقمانَ لابنه: يا بنيَّ، لا ينبغي لعاقلٍ أن يُخليَ نفسَه من أربعة أوقاتٍ، فوقتٌ منها يناجي فيه ربَّه، ووقتٌ يحاسب فيه نفسَه، ووقت يكسب فيه لمعاشِه، ووقت يُخلي فيه بين نفسِه وبين لذَّتها ليستعينَ بذلك على سائر الأوقات. وقوله: وعبروا الدنيا إلى غيرها. . . البيت مأخوذٌ من قول الحسن البصري: اجعل الدنيا كالقنطرةِ تجوز عليها ولا تَعْمُرُها،

стр. 206

وقوله: الخير مما ليس يخفى. . . البيت، مأخوذ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : (يا عبدَ الله، كيف بك إذا بقيت في حُثالةٍ من الناس مَرِجَتْ عهودُهم وأماناتُهم وصار الناسُ هكذا، وشبّك بين أصابعه؟ فقلت: مُرْني، يا رسول الله، فقال: خُذْ ما عرفت ودَعْ ما أنكرتَ وعليك بخُوَيْصةِ نفسِك وإيّاك وعوامَّها). . . وقوله: ليعلمن الناس. . . البيت، مأخوذ من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا حُشر الناسُ في صعيدٍ واحدٍ نادى مُنادٍ من قبل العرش: ليعلمن أهلُ الموقفِ من أهلُ الكرم اليوم؟ ليقم المتّقون، ثم تلا رسول الله: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وقد تقدّم صدرَ بابِ البِرِّ أنّ الأخطل سبق أبا العتاهيةِ في هذا بقوله: وإذا افْتَقَرْتَ إلى الذَّخائرِ لَمْ تَجِدْ ... ذُخْراً يكونُ كصالحِ الأعمالِ وقوله: ما بال من أوله نطفة. . . البيت، مأخوذ من قول علي ﵁: وما ابن آدم والفخر وإنّما أوله نطفةٌ وآخِرُه جيفة، لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفَه وكان عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه يقول: أيّها النّاس إنّما خلقتم للأبد، ولكنّكم تنقلون من دارٍ إلى دار. . وقال مالك ابن دينار:

стр. 207

جاهدوا أهواءَكم كما تُجاهدون أعداءَكم. . . وقال علي ﵁: من سرّه الغنى بلا مالٍ، والعزُّ بلا سلطان، والكثرةُ بلا عشيرة، فليَخْرُجْ من ذلِّ معصيةِ الله إلى عزِّ طاعته، فإنه واجدٌ ذلك كله. . . وقال يزيد بن الصَّقيلِ العَقيلي - وكان يسرق الإبلَ في عهد بني أميّة ثم تاب وقُتل في سبيل الله -: أَلاَ قُلْ لأرْبابِ المَخائِضِ أهْمِلوا ... فقد تابَ مِمَّا تعْلمونَ يَزيدُ وإنَّ امْرَءاً يَنْجُو من النارِ بَعْدَمَا ... تزَوَّدَ من أَعْمالِها لَسَعيدُ المَخائض جمع مَخاض - ومخاض واحده خَلِفَة - الناقة استبانَ حملُها - فمَخائض جمع الجمع، ومَخاض: جمع على غير واحد، كما تقول: امرأةٌ ونساء، وقوله: أهملوا: أي اسرحوا إبلَكم - وفي هذا الشعر: إذا ما المَنايَا أخْطَأَتْكَ وصادَفَتْ ... حَميمَكَ فاعْلَمْ أنّها ستعودُ وفي معنى هذا البيت ما يروى عن محمد بن الحنفية - ابن الإمام علي - أنّه كان يقول - إذا مات له جارٌ أو حميم -: أولى لي، كدت واللهِ أكونُ السوادَ المُخْتَرم. . . أولى لي، مثله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، وهي كلمة تهديدٍ ووعيد، معناها: قاربك ما تكره، أو الشرُّ أقرب إليك، والسواد: شخصُ الإنسانِ وكلُّ شيء من متاع وغيره، وفي الحديث: (إذا رأى أحدكم سواداً بليلٍ فلا يكن أجبنَ السَّوادَيْن، فإنّه يخافُك كما تخافُه)، والمُخْتَرم - من اخترمتْه المنيّة: أخذته من بين أصحابه. . . وقال أبو نواس: ولقد نَهَزْتُ مع الغُواةِ بدَلْوِهِمْ ... وأَسَمْتُ سَرْحَ اللَّهوِ حيث أساموا وبلَغْتُ ما بلغَ امْرُؤٌ بشَبابِه ... فإذا عُصارَةُ كلِّ ذاكَ أَثَامُ

стр. 208

أثام كسلام: عقابُ الإثم وجزاؤه، ونهزت بدلوهم يقال: نهزت بالدّلو في البئر: إذا حرّكتها لتمتلئ. . . وهو هنا على المثل. . . يقول أبو نواس: لقد غويت زماناً مع الغُواة ولهوت كما لهوا وخلعت عِذاري كما خلعوا عِذارَهم وبلّغت شبابي المبالغَ، من اللهو والبغي والفساد، وأنلته أقصى ما يشتهي من شهواتِ الحياة الدنيا، فوجدت كل ذلك ضلالاً في ضلال وعبثاً في عبث وظلماتٍ بعضها فوق بعض، وما جنيت من ورائِه إلا المرَّ والحنظل، من الأدواء والأسقام والبعد عن ملكوت الله وقدسيته، وكل ما تورثه المعاصي من الدنس والطَّبَعِ والرَّيْنِ، وإنَّ في ذلك لعبرةً لمن اعتبر. وقال هشام بن عبد الملك - وهو من الأبيات المنفردة القائمة بنفسها -: إذا أنْتَ لم تَعْصِ الهوَى قادَكَ الهوى ... إلى بَعْضِ ما فيهِ عليكَ مَقالُ وهذا بكلام الملوكِ أشبه، ومن كلمة للسيدة عائشة ﵂: من أرضى اللهَ بإسخاطِ الناس، كفاه اللهُ ما بينه وبين الناس، ومن أرضى الناسَ بإسخاطِ الله وكَلَه اللهُ إلى الناس، ومن أصلح سريرتَه، أصلح اللهُ علانيَّته. وفي حديث الدعاء: لا تكلني إلى نفسي طَرْفةَ عينٍ فأهلك. . . تولانا اللهُ برعايته الصّمدانيّة إنّه سميعُ الدعاء. . .

стр. 209

الباب الثاني في الشكر والحمد والثناء وهذا بابُ الشكر بابٌ له مكانتُه فيما خلّفوه لنا من آدابٍ وذخائرَ، وإنَّ بينه وبين البر على جميع ألوانه لَرَحِماً ماسةً وقرابةً قريبةً، ومن ثمَّ جعلناه رِدْفاً له، وأفردنا له هذا الباب. معنى الشكر والشكر: مقابلةُ النعمةِ بالقولِ والفعلِ والنيةِ، فيثني المُنْعَم عليه على المُنْعِم بلِسانه، ويذيبُ نفسَه في طاعته، ويعتقد أنّه موليها؛ وهو من شَكَرَت الإبل تَشْكُرُ: إذا أصابت مرعىً فسَمِنَتْ عليه. وإذن يكون معنى شُكْرِ العبدِ لربّه: أن يجهدَ العبدُ جُهْدَه في طاعةِ الله، ويؤدّي ما وظّف اللهُ عليه من عبادته، ويعتقد أنّه هو وحده وليُّ نعمته، وأن يكثرَ من الثناءِ عليه عزَّ وتقدَّس. . . وقد جاء الشكور وصفاً للهِ ، ومعناه أنه يزكو عندَه القليلُ من أعمالِ العبادِ فيُضاعفُ لهم الجزاءَ، وقد يكون معناه: المغفرة. . . هذا؛ وإنَّ فرقاً بين الشكرِ والحَمْدِ، فالشكرُ لا يكونُ إلا عن يدٍ، والحمدُ عن يدٍ وعن غيرِ يدٍ وأنشدوا لأبي نُخَيْلةَ:

стр. 210

شكَرْتُكَ إنَّ الشُّكْرَ حبْلٌ من التُّقَى ... وما كلُّ مَنْ أَوْليْتَه نِعمَةً يَقْضِي فنبَّهْتَ من ذِكرِي وما كان خامِلاً ... ولكنَّ بعضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ من بَعْضِ قال ابن سيده: وهذا يدلُّ على أنَّ الشكرَ لا يكون إلا عن يدٍ، ألا تراه يقول: وما كلُّ من أوليته نعمةً يقضي؟ أي ليس كلُّ من أوليته نعمة يشكرك عليها. . . ويقال: شكرَه وشكرَ له، وباللام أفصح، وتقول: شكرت نعمة الله، ولنعمته: وتشكر له بلاءَه، كشكره، وتشكر له مثل شكر له، هذا خلاصة ما قاله علماء اللغة. وقال أبو البقاء فيما قال، إذ أطال: الشكر: عرفانُ الإحسان، ومن الله المجازاة، وأصل الشكر: تصوُّر النعمةِ وإظهارُها وحقيقتُه: العجزُ عن الشكر، إلى أن قال: والشكر العُرْفيُّ: صَرْفُ العبد جميعَ ما أنعم الله به عليه من السمع والبصر والكلام وغيرها، إلى ما خُلِقَ له وأُعطاه لأجله، كصرف النظر إلى مصنوعاته، والسمعِ إلى تلقي إنذاراته، والذهن إلى فهم معانيها، وعلى هذا القياس، وقليلٌ ما هم، إلى أن قال: وتوفية شكرِ الله صعبٌ، ولذلك لم يُثْنِ بالشكر من أوليائه إلا على إبراهيمَ صلوات الله عليه، إذ قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾؛ وعلى

стр. 211

نوح ﵇ إذ قال: إنه كان عبداً شكوراً. . . ونزيد هذا توكيداً وتبييناً بإيراد كلمة الراغب في الذّريعة، قال الراغب - مع شيءٍ من التصرف -: الشكر تصوُّر المُنْعَمِ عليه النِّعمةَ، وإظهارُها، ويضادُّه الكفرُ، وهو - أي الكفر - من كفر الشيء: غطّاه، ودابةٌ شكور: أي مظهرةٌ بسِمَنِها إسْداءَ صاحبِها إليها؛ وقيل: أصله من عينٌ شكرى: أي ممتلئة، فالشكر هو: الامتلاء من ذكرِ المُنْعَم عليه المُنعِمَ، ومن هذا الوجه قيل: هو أبلغ من الحمدِ، لأن الحمد ذكر الشيء بصفاته، والشكر: ذكرُ الشيء بصفاته وبنعمه، فالشكر على ثلاثة أضرب: شكرٌ بالقلب، وهو تصوّر النعمة، وشكر باللسان، وهو الثناء على المُنْعِم، وشكر بسائر الجوارح، وهو مكافأتُه بقدر استحقاقِه، وهو أيضاً باعتبارِ الشاكرِ والمشكور: ثلاثة أضرب: شكر الإنسان لمن هو فوقَه، وذلك يكون بالخدمة والثناء والدعاء، وشكرٌ لنظيره، وهو بالمكافأة، وشكرٌ لمن هو دونه، وهو بالثواب والإفضال. وشكر العبد لله سبحانه هو: معرفةُ نعمته وحفظ جوارحه بمنعها من استعمال ما لا ينبغي. ثم قال: وشكر المنعم في الجملة واجبٌ بالعقل، كما هو بالشرع، - وهذه مسألةٌ كلامية انظرها في كليات أبي البقاء، - وأوجبُها شكرُ الباري تعالى، ثم شكر من جعلَه سبباً لوصول خيرٍ إليك على يدِه، ولهذا قال ﵊: (لا يشكرُ اللهَ من لم يشكرِ الناس)، قال: وقال بعضهم: كلُّ نعمةٍ يمكن شكرُها إلا نعمةَ الله، فإن شكرَ نعمته نعمةٌ منه، فيحتاج العبدُ أن يشكرَ نعمةَ الشكر، كما شكر أصل النعمة، وهكذا حتى يؤدّي ذلك إلى ما لا يتناهى، ومن هذا أخذ الشاعرُ الذي يقول: إذا كان شُكري نعمةَ اللهِ نِعمةً ... عليَّ له في مِثْلِها يَجِبُ الشُكرُ فكيف بُلوغُ الشّكرِ إلا بفَضْلِه ... وإن طالَتِ الأيّامُ واتّصَلَ العُمْرُ

стр. 212

ولهذا قيل: غايةُ شكرِ اللهِ تعالى الاعترافُ بالعجز عنه، بل قد قال الله تعالى: وإنْ تعدّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها، وأيضاً فكل ما يفعل اللهُ بعبده فهو نِعْمةٌ منه، وإن كان بعضُ ذلك يعدُّ بليةً، ولهذا قال بعض الصالحين: يا من منعُه عطاءٌ وبلاؤُه نعماءُ. . . ولأجلِ صعوبةِ شكر الله قال : ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. . . عبقرياتهم في الشكر حثهم على الشكر قال حكيم: إذا قَصُرَت يدُك عن المكافأةِ فليَطُلْ لسانُك بالشكر؛ وقالوا: النِّعم إذا شُكرت قرَّت وإذا كُفِرت فرَّت. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. . . وقالوا: النعم وحشيّةٌ فاشْكُلوها بالشكر يقال: شَكَلَ الدابة يَشْكُلها: شدَّ قوائِمَها بحبل، واسم ذلك الحبل: الشِّكال وقال ابن المقفع: استوثقوا عُرى النِّعم بالشُّكر. العُرى جمع عُروة، والعُروة في الأصل تقال لعُرْوةِ الدّلو والكوز ونحوه، أي مقبضه. ولعُروة المزادة أي أذنها. ولعُروة القميص: مدخل زره، ولعروة النبات: ما بقي له خضرةٌ في الشتاء ترعاها الإبل إذا أجدب الناس، ومن

стр. 213

هذا استعاروا العُروة لكل ما يُلجأ إليه ويُعوّل عليه ويوثق به ويُتمسك؛ فيقال لقادة الجيش: العُرى، والصحابة رضوان الله عليهم: عُرى الإسلام، وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾؛ شُبِّه ما يُعتصم به من الدين بالعروة التي يُتمسّك بها ويُلجأ إليها، والوُثقى: المُحْكمة، فقول ابن المقفع: استوثقوا: أي أحكموها وقال البحتري: يَزيدُ تَفضُّلاً وأزيدُ شُكْراً ... وذلك دأبُهُ أبداً ودأبي وقال عمرو بن مَسْعَدة: لا تصحب من يكون استمتاعُه بمالِك وجاهِك أكثرَ من إمتاعِه لك بشكرِ لسانِه وفوائدِ عمله. وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون فأتيَ برجلٍ تُرْعَد فرائصُه، فلما مثل بين يديه قال المأمون: كفرتَ نعمتي ولم تشكُرْ معروفي! فقال: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شُكْري في جنبِ ما أنعم اللهُ بك عليَّ! قال يحيى: فنظر إليّ المأمون وقال متمثلاً: ولو كان يَسْتغْني عن الشُّكْرِ ماجِدٌ ... لِرفعةِ قَدْرٍ أَوْ عُلوِّ مكانِ لَمَا أمَرَ اللهُ العبادَ بشُكْرِه ... فقال: اشْكروا لي أيُّها الثَقَلانِ ثم التفت إلى الرجلِ وقال: هلاَّ قلت كما قال أصرمُ بن حُمَيْد: مُلِّكْتَ حَمْدِيَ حتَى إنِّني رَجلٌ ... كُلِّي بكلِّ ثَناءٍ فيكَ مُشْتَغِلُ خُوّلْتَ شُكري لِمَا خَوَّلْتَ من نِعَمٍ ... فُحُرُّ شُكْري لمَا خَوَّلْتَني خَدَمُ وقريبٌ من هذا قول أبي الفتح البُسْتي: لئِنْ عَجِزَتْ عن شُكْرِ بِرِّك قُوَّتي ... وأقْوى الوَرَى عن شكر بِرِّكِ عاجِزُ فإنّ ثَنائي واعتِقادي وطاقَتي ... لأفلاكِ ما أوْلَيْتَنيها مراكزُ ومن أبرع ما قيل في الشكر قول البحتري: فلَوْ كان للشُّكْرِ شَخْصٌ يَبينُ ... إذا ما تأَمَّلهُ الناظِرُ

стр. 214

لبَيَّنْتُه لك حتّى تَراهُ ... فتعْلَمَ أنِّي امْرُؤٌ شاكِرُ ولكنّه ساكنٌ في الضَّميرِ ... يُحَرِّكهُ الكَلِمُ السَّائِرُ وقال عبدُ الله بن الزبير الأسديُّ في عمرِو بن عثمان بن عفان - لما زاره فنظر عمرو فرأى تحت ثيابِه ثوباً رثّاً، فدعا وكيلَه وقال: اقترض لنا مالاً، فقال: هيهات ما يعطينا التُّجّار شيئاً، قال: فأربحهم ما شاؤوا: فاقترض له عشرةَ آلاف فوجّه بها إليه مع تَخْتِ ثياب التَّخْت: وعاء تصان فيه الثياب -: سأشْكرُ عَمْراً ما تَراخَتْ مَنِيَّتي ... أَيادِيَ لم تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ فتًى غيرُ مَحْجُوبِ الغِنى عن صديقِه ... ولا مُظْهِرِ الشَّكْوَى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ رأى خَلَّتي من حيثُ يَخْفَى مَكانُها ... فكانَتْ قَذى عَيْنيه حتى تجَلَّتِ قوله: سأشكر: فالعرب تستعمل السين إذا أرادت تكرارَ الفعل وتأكيدَه ولا تريد التنفّس فيه. ولم تمنن: لم يَتْبعها مَنّ، وإذا النعل زلت: يريد: إذا زلت قدمُه في مزالقِ الدّهر فلا يجد مركباً يقيه مصرعَ السوء ولا متّكأً يعتمد عليه في نهضتِه، والخَلّة: الحاجة، وقوله من حيث يخفى مكانها: أي من حيث لا يدرِكُها لحاظُ غيره، وفكانت قذى عينيه: أبرع كلمة في معنى الاهتمام بالحاجة. . . وقال ابنُ عنقاءَ الفزاريُّ في عُمَيْلة الفزاريِّ - وكان قد وصله بنصف ماله لَمّا رأى من رثاثةِ حالِه، وكان عُمَيْلةُ غلاماً جميلاً -: رآني على ما بي عُمَيلةُ فاشْتَكى ... إلى مالِه حالِي أَسَرَّ كما جَهَرْ دَعاني فآساني ولو ضَنَّ لم أَلُمْ ... على حينَ لا بَدْوٌ يُرجَّى ولا حَضَرْ غُلامٌ رَماهُ اللهُ بالخيْرِ يافِعاً ... له سِيمَياءُ لا تَشُقُّ على البَصَرْ كأنّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ في جَبينِه ... وفي خَدِّه الشِّعْرَى وفي وَجْهِه القَمَرْ

стр. 215

إذا قِيلَتِ العَوْراءُ أَغْضَى كأنَّه ... ذَليلٌ بِلا ذُلٍّ ولَوْ شاَء لاَنْتَصَرْ ولمّا رأى المَجْدَ استُعِيرَتْ ثِيابُه ... تَرَدَّى رِداءً واسِعَ الذِّيلِ وائْتَزَرْ فقلتُ له خَيراً وأَثنَيْتُ فِعْلَه ... وأَوْفاكَ ما أَسْدَيْتَ مَن ذَمَّ أوْ شَكَرْ السيما والسيميا والسيماء والسيمياء: العلامةُ يُعرف بها الخير والشر، وقوله: لا تَشُقُّ على البصر يريد: لا تؤذيه بل يُسرُّ بها، والثُّرَيّا: من الكواكب كثيرةُ الأنْجم مع صغر مرآتها، والشِّعْرى يريد بها الشعرى العَبور، وهو كوكب نيِّر خلفَ الجوزاءِ يطلع في صميمِ الحرّ. والعوراء: الكلمةُ القبيحةُ، وأغضى: أطبق أجفانَه حياءً ونُبْلاً، واستعيرت ثيابه: كنى بذلك عن قلة الأمجاد. العجز عن الشكر قال بعضهم: أَيادِيَ لا أسْطيعُ كُنْهَ صِفاتِها ... ولوْ أنَّ أعضائي جميعاً تَكلَّمُ وقال آخر: ولوْ أنّ لي في كلِّ مَنْبِتِ شَعْرةٍ ... لِساناً يَبُثُّ الشُّكْرَ فيكَ لقَصَّرا وقال بعضهم: شكري لا يقعُ من نِعَمه الظاهرة: موقعَ النُّقْطةِ من الدائرة. وقال أبو نُواس: قد قلتُ للعبّاسِ مُعْتذِراً ... عن ضَعْفِ شُكْرِيِه ومُعْتَرِفا أنْتَ امْرُؤٌ جَلّلْتَني نِعَماً ... أوْهَتْ قُوَى شُكرِي فقد ضَعُفا فإليِكَ مِنِّي اليومَ تقْدِمَةً ... تَلْقاكَ بالتَّصْريحِ مُنْكَشِفا لا تُسْدِيَنَّ إليَّ عارِفةً ... حتّى أقومَ بشكرِ ما سَلَفا
следующие страницы →