Полный текст (628 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
نوح ﵇ إذ قال: إنه كان عبداً شكوراً. . . ونزيد هذا توكيداً وتبييناً بإيراد كلمة الراغب في الذّريعة، قال
الراغب - مع شيءٍ من التصرف -: الشكر تصوُّر المُنْعَمِ عليه النِّعمةَ، وإظهارُها، ويضادُّه الكفرُ، وهو - أي الكفر - من كفر الشيء: غطّاه، ودابةٌ شكور: أي مظهرةٌ بسِمَنِها إسْداءَ صاحبِها إليها؛ وقيل: أصله من عينٌ شكرى: أي ممتلئة، فالشكر هو: الامتلاء من ذكرِ المُنْعَم عليه المُنعِمَ، ومن هذا الوجه قيل: هو أبلغ من الحمدِ، لأن الحمد ذكر الشيء بصفاته، والشكر: ذكرُ الشيء بصفاته وبنعمه، فالشكر على ثلاثة أضرب: شكرٌ بالقلب، وهو تصوّر النعمة، وشكر باللسان، وهو الثناء على المُنْعِم، وشكر بسائر الجوارح، وهو مكافأتُه بقدر استحقاقِه، وهو أيضاً باعتبارِ الشاكرِ والمشكور: ثلاثة أضرب: شكر الإنسان لمن هو فوقَه، وذلك يكون بالخدمة والثناء والدعاء، وشكرٌ لنظيره، وهو بالمكافأة، وشكرٌ لمن هو دونه، وهو بالثواب والإفضال. وشكر العبد لله سبحانه هو: معرفةُ نعمته وحفظ جوارحه بمنعها من استعمال ما لا ينبغي. ثم قال: وشكر المنعم في الجملة واجبٌ بالعقل، كما هو بالشرع، - وهذه مسألةٌ كلامية انظرها في كليات أبي البقاء، - وأوجبُها شكرُ الباري تعالى، ثم شكر من جعلَه سبباً لوصول خيرٍ إليك على يدِه، ولهذا قال ﵊: (لا يشكرُ اللهَ من لم يشكرِ الناس)، قال: وقال بعضهم: كلُّ نعمةٍ يمكن شكرُها إلا نعمةَ الله، فإن شكرَ نعمته نعمةٌ منه، فيحتاج العبدُ أن يشكرَ نعمةَ الشكر، كما شكر أصل النعمة، وهكذا حتى يؤدّي ذلك إلى ما لا يتناهى، ومن هذا أخذ الشاعرُ الذي يقول:
إذا كان شُكري نعمةَ اللهِ نِعمةً ... عليَّ له في مِثْلِها يَجِبُ الشُكرُ
فكيف بُلوغُ الشّكرِ إلا بفَضْلِه ... وإن طالَتِ الأيّامُ واتّصَلَ العُمْرُ
стр. 212
ولهذا قيل: غايةُ شكرِ اللهِ تعالى الاعترافُ بالعجز عنه، بل قد قال الله تعالى: وإنْ تعدّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها، وأيضاً فكل ما يفعل اللهُ بعبده فهو نِعْمةٌ منه، وإن كان بعضُ ذلك يعدُّ بليةً، ولهذا قال بعض الصالحين: يا من منعُه عطاءٌ وبلاؤُه نعماءُ. . . ولأجلِ صعوبةِ شكر الله قال : ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. . .
عبقرياتهم في الشكر
حثهم على الشكر
قال حكيم: إذا قَصُرَت يدُك عن المكافأةِ فليَطُلْ لسانُك بالشكر؛ وقالوا: النِّعم إذا شُكرت قرَّت وإذا كُفِرت فرَّت. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن
كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. . . وقالوا: النعم وحشيّةٌ فاشْكُلوها بالشكر يقال: شَكَلَ الدابة يَشْكُلها: شدَّ قوائِمَها بحبل، واسم ذلك الحبل: الشِّكال وقال ابن المقفع: استوثقوا عُرى النِّعم بالشُّكر. العُرى جمع عُروة، والعُروة في الأصل تقال لعُرْوةِ الدّلو والكوز ونحوه، أي مقبضه. ولعُروة المزادة أي أذنها. ولعُروة القميص: مدخل زره، ولعروة النبات: ما بقي له خضرةٌ في الشتاء ترعاها الإبل إذا أجدب الناس، ومن
стр. 213
هذا استعاروا العُروة لكل ما يُلجأ إليه ويُعوّل عليه ويوثق به ويُتمسك؛ فيقال لقادة الجيش: العُرى، والصحابة رضوان الله عليهم: عُرى الإسلام، وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾؛ شُبِّه ما يُعتصم به من الدين بالعروة التي يُتمسّك بها ويُلجأ إليها، والوُثقى: المُحْكمة، فقول ابن المقفع: استوثقوا: أي أحكموها وقال البحتري:
يَزيدُ تَفضُّلاً وأزيدُ شُكْراً ... وذلك دأبُهُ أبداً ودأبي
وقال عمرو بن مَسْعَدة: لا تصحب من يكون استمتاعُه بمالِك وجاهِك أكثرَ من إمتاعِه لك بشكرِ لسانِه وفوائدِ عمله. وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون فأتيَ برجلٍ تُرْعَد فرائصُه، فلما مثل بين يديه قال المأمون: كفرتَ نعمتي ولم تشكُرْ معروفي! فقال: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شُكْري في جنبِ ما أنعم اللهُ بك عليَّ! قال يحيى: فنظر إليّ المأمون وقال متمثلاً:
ولو كان يَسْتغْني عن الشُّكْرِ ماجِدٌ ... لِرفعةِ قَدْرٍ أَوْ عُلوِّ مكانِ
لَمَا أمَرَ اللهُ العبادَ بشُكْرِه ... فقال: اشْكروا لي أيُّها الثَقَلانِ
ثم التفت إلى الرجلِ وقال: هلاَّ قلت كما قال أصرمُ بن حُمَيْد:
مُلِّكْتَ حَمْدِيَ حتَى إنِّني رَجلٌ ... كُلِّي بكلِّ ثَناءٍ فيكَ مُشْتَغِلُ
خُوّلْتَ شُكري لِمَا خَوَّلْتَ من نِعَمٍ ... فُحُرُّ شُكْري لمَا خَوَّلْتَني خَدَمُ
وقريبٌ من هذا قول أبي الفتح البُسْتي:
لئِنْ عَجِزَتْ عن شُكْرِ بِرِّك قُوَّتي ... وأقْوى الوَرَى عن شكر بِرِّكِ عاجِزُ
فإنّ ثَنائي واعتِقادي وطاقَتي ... لأفلاكِ ما أوْلَيْتَنيها مراكزُ
ومن أبرع ما قيل في الشكر قول البحتري:
فلَوْ كان للشُّكْرِ شَخْصٌ يَبينُ ... إذا ما تأَمَّلهُ الناظِرُ
стр. 214
لبَيَّنْتُه لك حتّى تَراهُ ... فتعْلَمَ أنِّي امْرُؤٌ شاكِرُ
ولكنّه ساكنٌ في الضَّميرِ ... يُحَرِّكهُ الكَلِمُ السَّائِرُ
وقال عبدُ الله بن الزبير الأسديُّ في عمرِو بن عثمان بن عفان - لما زاره فنظر عمرو فرأى تحت ثيابِه ثوباً رثّاً، فدعا وكيلَه وقال: اقترض لنا مالاً، فقال: هيهات ما يعطينا التُّجّار شيئاً، قال: فأربحهم ما شاؤوا: فاقترض له عشرةَ آلاف فوجّه بها إليه مع تَخْتِ ثياب التَّخْت: وعاء تصان فيه الثياب -:
سأشْكرُ عَمْراً ما تَراخَتْ مَنِيَّتي ... أَيادِيَ لم تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ
فتًى غيرُ مَحْجُوبِ الغِنى عن صديقِه ... ولا مُظْهِرِ الشَّكْوَى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ
رأى خَلَّتي من حيثُ يَخْفَى مَكانُها ... فكانَتْ قَذى عَيْنيه حتى تجَلَّتِ
قوله: سأشكر: فالعرب تستعمل السين إذا أرادت تكرارَ الفعل وتأكيدَه ولا تريد التنفّس فيه. ولم تمنن: لم يَتْبعها مَنّ، وإذا النعل زلت: يريد: إذا زلت قدمُه في مزالقِ الدّهر فلا يجد مركباً يقيه مصرعَ السوء ولا متّكأً يعتمد عليه في نهضتِه، والخَلّة: الحاجة، وقوله من حيث يخفى مكانها: أي من حيث لا يدرِكُها لحاظُ غيره، وفكانت قذى عينيه: أبرع كلمة في معنى الاهتمام بالحاجة. . .
وقال ابنُ عنقاءَ الفزاريُّ في عُمَيْلة الفزاريِّ - وكان قد وصله بنصف ماله لَمّا رأى من رثاثةِ حالِه، وكان عُمَيْلةُ غلاماً جميلاً -:
رآني على ما بي عُمَيلةُ فاشْتَكى ... إلى مالِه حالِي أَسَرَّ كما جَهَرْ
دَعاني فآساني ولو ضَنَّ لم أَلُمْ ... على حينَ لا بَدْوٌ يُرجَّى ولا حَضَرْ
غُلامٌ رَماهُ اللهُ بالخيْرِ يافِعاً ... له سِيمَياءُ لا تَشُقُّ على البَصَرْ
كأنّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ في جَبينِه ... وفي خَدِّه الشِّعْرَى وفي وَجْهِه القَمَرْ
стр. 215
إذا قِيلَتِ العَوْراءُ أَغْضَى كأنَّه ... ذَليلٌ بِلا ذُلٍّ ولَوْ شاَء لاَنْتَصَرْ
ولمّا رأى المَجْدَ استُعِيرَتْ ثِيابُه ... تَرَدَّى رِداءً واسِعَ الذِّيلِ وائْتَزَرْ
فقلتُ له خَيراً وأَثنَيْتُ فِعْلَه ... وأَوْفاكَ ما أَسْدَيْتَ مَن ذَمَّ أوْ شَكَرْ
السيما والسيميا والسيماء والسيمياء: العلامةُ يُعرف بها الخير والشر، وقوله: لا تَشُقُّ على البصر يريد: لا تؤذيه بل يُسرُّ بها، والثُّرَيّا: من الكواكب كثيرةُ الأنْجم مع صغر مرآتها،
والشِّعْرى يريد بها الشعرى العَبور، وهو كوكب نيِّر خلفَ الجوزاءِ يطلع في صميمِ الحرّ. والعوراء: الكلمةُ القبيحةُ، وأغضى: أطبق أجفانَه حياءً ونُبْلاً، واستعيرت ثيابه: كنى بذلك عن قلة الأمجاد.
العجز عن الشكر
قال بعضهم:
أَيادِيَ لا أسْطيعُ كُنْهَ صِفاتِها ... ولوْ أنَّ أعضائي جميعاً تَكلَّمُ
وقال آخر:
ولوْ أنّ لي في كلِّ مَنْبِتِ شَعْرةٍ ... لِساناً يَبُثُّ الشُّكْرَ فيكَ لقَصَّرا
وقال بعضهم: شكري لا يقعُ من نِعَمه الظاهرة: موقعَ النُّقْطةِ من الدائرة. وقال أبو نُواس:
قد قلتُ للعبّاسِ مُعْتذِراً ... عن ضَعْفِ شُكْرِيِه ومُعْتَرِفا
أنْتَ امْرُؤٌ جَلّلْتَني نِعَماً ... أوْهَتْ قُوَى شُكرِي فقد ضَعُفا
فإليِكَ مِنِّي اليومَ تقْدِمَةً ... تَلْقاكَ بالتَّصْريحِ مُنْكَشِفا
لا تُسْدِيَنَّ إليَّ عارِفةً ... حتّى أقومَ بشكرِ ما سَلَفا
стр. 216
شكريه: شكري إيّاه وقال المتنبي:
ولم نَمْلَلْ تفَقُّدَكَ المَوالِي ... ولم نَذْمُمْ أياديَكَ الجِساما
ولَكِنَّ الغُيُوثَ إذا تَوالَتْ ... بأرْضِ مُسافرٍ كرِهَ المُقاما
المَوالي جمع مولى: العبد، وتروى المُوالي: أي الذي يلي بعضُه بعضاً، والأيادي النعم، والجسام: العظام، وقوله ولكن الغيوث. . . البيت، فالغيوث جمع غيث: المطر، وتوالت: تتابعت، والمقام: الإقامة؛ يقول: إن المسافر إذا كثر عليه المطرُ مَلّ إقامتَه واحتباسَه، لأجل المطر، كذلك نحن، عطاياك تتوالى علينا وأنت قيّدتنا بإحسانِك وأنا مسافرٌ أريد الارتحال ولولا هذا لم أمَلَّ نعمتك، والمطر يسأله كلُّ أحدٍ إلا المسافر. . . وقال البحتري وأبدع:
أَخْجَلْتَني بنَدى يَدَيكَ فسَوَّدَتْ ... ما بيْنَنا تلْكَ اليَدُ البَيْضاءُ
وقَطعْتَني بالجُودِ حتّى إنَّني ... مُتَخَوِّفٌ أنْ لا يكونَ لِقاءُ
صِلَةٌ غَدَتْ في الناسِ وَهْيَ قطِيعةٌ ... عَجَبٌ، وبِرٌّ راحَ وهْوَ جَفاءُ
وقال أيضاً:
إيهاً أبا الفَضْلِ شُكْري منكَ في نَصَبِ ... أقْصِرُ فماليَ في جَدْواكَ من أرَبِ
لا أقْبَلُ الدَّهْرَ نَيْلاً لا يقومُ به ... شُكْري ولو كان مُسْدِيِه إليَّ أبي
ومن ألفاظهم في ذلك: شُكْرُه شأوٌ بعيدٌ لا تبلغه أشواطي، ولا أتلافى التفريطَ فيه بإفراطي الأشواط جمع شَوْط: الجَرْيُ مَرَّةً إلى غايةٍ تقول: عدا - جرى - شوطاً، أي طَلَقاً وعندي له مَبارٌّ أعجَزني شكرُها، كما أعوزني حصرُها مبارٌّ جمع مبرّة وقال بعض الشعراء في الصاحب بن عباد:
وَفَدْنا لنَشْكُرَ كافي الكُفاةِ ... ونَسْأَلَهُ الكَفَّ عن بِرِّنا
فقال بعض الحاضرين: قد كُفيت، فإنّ الصاحبَ صار لا يُعطي شيئاً. . .
стр. 217
من لا تخفى أياديه
قال نُصَيْبٌ:
فَعاجُوا فأثنَوْا بالذي أنْتَ أهْلُه ... ولو سكَتُوا أَثنتْ عليك الحَقائِبُ
وقال بعضهم:
وكيف بِكُفْراني صَنائِعَهُ التي ... إذا جُحِدتْ يَوماً أقرَّ بها جِلْدِي
ومثله:
وإذا سَكَتُّ فإنَّ أنَطقَ مِن فَمي ... عنِّي يدُ المعروفِ والإحسانِ
وقالوا في أمثالهم: لسانُ الحالِ أفصحُ من لسانِ الشكر. . . ومن كلمة للجاحظ: نحن نزخرف باللّسان، والناسُ يقضون بالعِيان، وفي أمرنا أثرٌ ينطق عنّا، ويتكلّم إذا سَكَتْنا. . .
الشكر بقدر الاستحقاق
وعتبهم من شكروه ولمّا يستوجب
قال علي بن أبي طالب: الثناء من غير الاستحقاق مَلَقٌ، والتقصير عن
стр. 218
الاستحقاق عِيٌّ وحسدٌ، وقال رجل لابن الأعرابي: إن نُصَيْباً - الشاعر الذي تقدم ذكره - يقول: إنّما تُمدح الرجالُ على قَدر ثوابِها، فقال: إن العرب تقول: على قدر ريحِكم تُمْطَرون. . . وقال الصاحب بن عباد:
وإذا الصّديقُ أدامَ شُكْري لِلَّتي ... لمْ آتِها إلا على التّقْديرِ
أَيْقَنْتُ أنَّ العَتْبَ باطِنُ أمْرِه ... فسَكَتُّ مُحْتشِماً على التَّقْصيرِ
من لم يردعه خوفه عن الشكر
بعث أبو جعفر المنصور إلى شيخٍ من بطانةِ هشام بن عبد الملك، فاستحضره وسأله عن تدبير هشام وأحواله، فأقبل الشيخ يقول: فعل ﵀، وقال يوم كذا ﵀، فقال المنصور: قم لعنَك الله، أتطأ بساطي وتترحّم على عدوّي! فقال الشيخ: إنَّ نعمةَ عدوك لقلادةٌ في عنقي لا ينزِعُها إلا غاسِلي، فقال المنصور: ارجع إلى حديثك، فإنّي أشهد أنّك غرسٌ شريفٌ وابنُ حرّة. . . ولما قتل مسلمة بن عبد الملك يزيدَ بنَ المهلّب أمر بأن يحضرَ الشعراءُ ليقولوا في ذلك، فلم يألوا أن ذكروه بأقبحِ ما قَدروا عليه، ما خلا رجلاً من بني دارمٍ فإنه قال: لا أذمُّ رجلاً لا أملك رَيْعاً ولا مالاً ولا أثاثاً إلا منه ولو قُطّعت إرباً إرباً، ولقد رثيتُه بأحسنِ ما يُرثى به رجلٌ - وأنشد أبياتاً رائعةً - فجزاه مَسلمةُ خيراً وقال: إذا اصْطُنِع فلْيُصْطَنَعْ مثلُ هذا. . . أقول: لا أدري: أبموقف هؤلاءِ البررةِ الأوفياءِ الشجعانِ الصُّرحاءِ يعجب المرءُ، أم بأولئك الملوك الذي يقدّرون هذا الوفاء ويطربون له ولو كان في جانب أعدائِهم! فلله درُّ أولئك الناس الذين شرّفوا الإنسانيةَ بهذه الخلائقِ الكريمةِ النبيلة، بينما غيرُهم من أهل النفاق والجبن والنذالة قد كَلَموا الإنسانيةَ
стр. 219
وهَوَوْا بها إلى الحضيضِ الأوْهَدِ. . .
شكر مَنْ همَّ بإحسان ولم يفعل
وقالوا: مَنْ لَمْ يَشْكُرْ على حُسْنِ النيّة، لم يَشْكُرْ على إسْداءِ العطيّة.
وقال شاعر:
لأشكرَنَّكَ مَعْروفاً هَمَمْتَ به ... إنَّ اهْتِمامَكَ بالمَعْروفِ مَعروفُ
ولا أَذُمُّكَ إنْ لَمْ يُمْضِهِ قَدَرٌ ... فالشَّيءُ بالقَدَرِ المَحْتومِ مَصْروفُ
ثِقَلُ الشكر والحمد
وقال أبو تمام في ثِقَلِ الشكر والحمد من أبياتٍ له في الحسن بن وهب:
والحَمْدُ شَهْدٌ لا تَرَى مُشْتارَه ... يَجْنِيهِ إلاَّ مِن نَقيعِ الحَنظَلِ
غُلٌّ لِحاملِه ويَحْسِبَهُ الذي ... لم يُوْهِ عاتِقَهُ خفيفَ المَحْمِلِ
وقيل لبعض الصالحين: مالك لا تطلب الدُّنيا؟ فقال: من خاف السؤالَ عن الشُّكرِ طابَتْ نفسُه عن المال. . .
وقال أبو العتاهية:
ما فاتني خيْرُ امْرِئٍ وَضَعَتْ ... عنِّي يَداهُ مَؤُونةَ الشُّكْرِ
ترغيبهم في الثناء ووصفهم إيّاه بالبقاء
وتفضيلهم إياه على المال والعطاء
قال عمر بن الخطاب لابنةِ هَرمِ بنِ سنان ممدوح زهير بن أبي سُلمى:
стр. 220
ما وهب أبوك لزُهير؟ فقالت: أموالاً فَنِيَت وأثواباً بَلِيَت وأشياءَ انْتُسِيَت، فقال الفاروق: لكن ما أعطاكموه زهيرٌ لا يفنى ولا يُنسى. . . وكتب أرسطو إلى الإسكندر المقدوني: إنّ كلّ عقيلةٍ يأتي عليها الدَّهرُ، فيُخلق أثرَها ويُميت ذكرَها، إلا ما رسخ في القلوب، من الذكرِ الحسنِ يتوارثه الأعقابُ. وقالوا: في الثناء الباقي على الدهر، خَلَفٌ من نفاد العمر.
قال الشاعر:
وإني أُحبُّ الخُلْدَ لوْ أَسْتطيعُه ... وكالخُلْدِ عندي أن أَبِيتَ ولم أُلَمْ
وقيل لبُزَرْجُمُهْر حين كان يقتل: تكلّم بكلامٍ نذكرُه، فقال: الكلامُ كثيرٌ، ولكن إن أمكنك أن تكونَ حديثاً حسناً فافعل.
ولما وُضع الوزيرُ محمدُ بن عبد الملك الزيات في التَّنّور قال له خادمُه: يا سيّدي، قد صرت إلى ما صِرْتَ وليس لك حامدٌ! قال: وما نفعُ البرامكةِ مِنْ صنيعهم، قال: ذكرُك لهم السّاعة، فقال: صدقت. . . وقال شاعر:
لَئِنْ طِبْتَ نفْساً عن ثَنائي فإنَّني ... لأطيَبُ نفْساً عن نَداكَ على عُسْري
فلَسْتُ إلى جَدْوَاكَ أعظمَ حاجةً ... على شِدَّةِ الإعسارِ مِنكَ إلى شُكْرِي
وقال أبو تمام:
ومُحَجَّبٍ حاولتُه فوجدتُه ... نَجْماً عنِ الرَّكْبِ العُفاةِ شَسوعا
أعدمْتُه - لمَّا عَدِمتُ نَوالَه - ... شُكْرِي فرُحْنا مُعْدِمَيْنِ جَميعا
وقال عوفُ بن محلم الشيباني:
فتًى يَتَّقي أنْ يَخْدِشَ الذَّمُّ عِرضَه ... ولا يتّقي حَدَّ السُّيوفِ البَواتِرِ
стр. 221
وقال حكيم: من أحبَّ الثناء، فليَصْبرْ على بذلِ العطاء، وليوطِّن نفسَه على الحقوق المُرّة، وعلى احتمالِ المؤنة. . . وقال الشاعر في هذا المعنى:
ما أعْلمَ الناسَ أنَّ الجودَ مَكْسَبةٌ ... للحَمْدِ لَكِنَّه يأتي على النَّشَبِ
تسهيلُ القولِ على الشاكرين
بتوافر ما يُشكر عليهِ وعكسُ ذلك
قيل للفرزدق: أحسن الكُمَيْتُ في الهاشميات، فقال: وجد آجُرّاً وجِصّاً فبنى. . . وقال شاعر:
ما لَقِينا من جُودِ فضْلِ بنِ يَحْيى ... ترَكَ الناسَ كلَّهُمْ شُعراَءا
وقال ابن الرومي:
كرُمْتُمْ فَجاشَ المُفْحَمون لِمَدْحِكُمْ ... إذا رَجَزُوا فيكم أبيْتُمْ فقَصَّدوا
كَما أزْهرتْ جنّاتُ عدْنٍ وأثْمَرتْ ... فأضْحتْ وعُجْمُ الطيْرِ فيها تُغرِّدُ
وممّا كتبه بعضهم: فتحَتْ شِيَمُه على المُدّاح مُسْتَغْلَقاتِ الكلامِ. .
وقال أبو تمام:
ملِكٌ إذا ما الشِّعْرُ حارَ ببَلْدةٍ ... كانَ الطريقَ لِطَرْفِه المُتحيِّرِ
وقال المتنبي:
يا أيُّها المحْسِنُ المشكورُ مِنْ جِهتي ... والشُّكْرُ من قِبَلِ الإحسانِ لا قِبَلي
وقال ابنُ طَباطبا فيمن يُستفاد منه ما يُمدح به:
стр. 222
لا تُنْكِرَنْ إهْداَءنا لَكَ مَنْطِقاً ... مِنْكَ اسْتَفَدْنا حُسْنَهُ ونِظامَه
فاللهُ يشْكُرُ فِعْلَ مَنْ ... يَتلو عليهِ وَحْيَه وكلامَه
وقال القاضي علي بن عبد العزيز الجُرْجاني فيمن يليقُ به مدحُه:
وأرَى المَديحَ إذا عَداك نَقيصَةً ... فأعافُه ولَوَ انَّهُ في حاتمِ
فإذا امتدحْتُ سِواك قالَ الشِّعْرُ لي ... لَمْ تَرْعَ حقِّيَ إذْ أبَحْتَ مَحارمي
ووصف أعرابيٌّ رجلاً مُجمعاً على مدحه: كأنّ الألسنَ والقلوب ريضَت له، فما تُعقد إلا على ودِّه، ولا تنطق إلا بِحَمْده. وقال البحتريّ:
وأرَى الخَلْقَ مُجْمِعينَ على فَضْ ... لِكَ من بيْنِ سيِّدٍ ومَسودِ
عرَف الجاهلون فضلَكَ بِالعِ ... لْمِ وقال الجُهَّالُ بالتّقليدِ
وقال ابن الرومي:
يا مَن إذا قلتُ فيه صالِحةً ... عِندَ عَدوٍّ أقرَّ واعْترفا
وقال البحتريُّ في المستغني عن المدح لكثرةِ فَضْله:
جَلَّ عَنْ مَذْهَبِ المَديحِ فقدْ كا ... دَ يكونُ المَديحُ فيه هِجاَء
وقال المتنبي:
تجاوَزَ قدْرَ المَدْحِ حتّى كأنَّه ... بأكْثرِ ما يُثْنَى عَليهِ يُعابُ
حبُّ المنعم أن يُرى أثر إنعامه
قال سيِّدُنا رسولُ الله صلوات الله عليه: إنّ اللهَ يحبُّ أن يُرى أثرُ
стр. 223
نِعْمَتِه على عبده. . قال الإمام المناوي في شرحه على الجامع الصغير: قيل معنى يُرى: مزيد الشكرِ لله تعالى، بالعمل الصالح والثناء والذكرِ له بما هو أهلُه، والعطفُ والترحُّم، والإنفاقُ من فضل ما عنده وأحسن كما أحسنَ اللهُ إليك، والخلق كلُّهم عِيالُ الله، وأحبُّهم إليه أنفعُهم لِعيالِه، فيُرى أثرُ الجِدَّةِ عليه زيّاً وإنفاقاً وشُكراً إلى آخر ما قال وهكذا يحبُّ الناسُ أن يُرى أثرُ أنعامهم على من يُنعمون عليهم، روى أبو هلال العسكري عن العُتْبيِّ ما يلي: أراد جعفرُ بن يحيى حاجةً كان طريقُه إليها على باب الأصمعيّ فدفعَ إلى خادمٍ له كيساً فيه ألفُ دينار وقال: إنّي سأعَرِّج في رجعتي على الأصمعيّ، ثم سيحدثني ويضحكني، فإذا ضَحِكْتُ فَضَعِ الكيسَ بين يديه، فلمّا رجع ودخلَ إليه رأى حُبّاً مكسورَ الرأسِ وجَرّةً مكسورةَ العُنق، وقَصْعةً مُشَعّبة، وجفنةً أعشاراً، ورآه على مصلًى بالٍ وعليه بَرْنكان أجردُ، فغمز غلامَه أنْ لا يضعَ الكيسَ بين يديه، فلم يدعِ الأصمعيُّ شيئاً مما يضحكُ الثّكلان والغَضْبان إلا أوردَه عليه، فلَمْ يتبسّم، ثمّ خرجَ فقال لرجلٍ يسايرُه: مَن استرعى الذئبَ ظلَم، ومن زرعَ السّبْخةَ حصدَ الفقرَ، إنّي واللهِ لمّا علمت أنَّ هذا يكتم المَعْروفَ بالفعلِ ما حَفِلْتُ بِنَشْره له باللسان، وأين يقعُ مديحُ اللسانِ من آثارِ العِيان! إنّ اللسانَ قد يكذب، والحالُ لا تكذب، ولله درُّ نُصَيْبٍ حيث يقول:
فَعاجُوا فأثْنَوْا بالذي أنْتَ أهلُهُ ... ولو سَكَتوا أثْنَتْ عليكَ الحقائِبُ
ثم قال: أعَلِمْتَ أنّ ناووسَ أبْريزَ أمدحُ لأبْرويزَ من زهيرٍ لآلِ سنانٍ!
стр. 224
وقالت الحكماء: لسانُ الحالِ أصدقُ مِنْ لِسانِ الشُّكر: وقد أجاد ابن الرومي في هذا المعنى فقال:
حالي تبُوحُ بما أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍ ... فكُلُّ ما تَدَّعِيه غَيْرُ مَردُودِ
كلِّي هِجَاءٌ وقَتْلي لا يَحِلُّ لكُمْ ... فيما يُداوِيكُمُ منِّي سِوَى الجودِ
وقالوا: شهاداتُ الأحوالِ أعدلُ من شهاداتِ الرِّجال.
لا يَمدحون إلا إذا أُعطوا
واعتذارهم عن ذلك
قالت بنو تميم لسلامَةَ بن جندل: مَجِّدْنا بِشِعْرِك، فقال: افْعَلوا حتّى أُثني، ونحوُه قولُ عَمْرو بن معد يكرب:
فلَوْ أنّ قومي أنْطَقَتْني رِماحُهُمْ ... نَطقْتُ ولَكِنّ الرِّماحَ أجَرَّتِ
أجرَّت: قطعت، يقول: لو قاتل قومي أو أبلَوْا لذكرت ذلك وفخرت به، ولكن رماحَهم أجرَّتني: أي قطعت لساني عن الكلام بفِرارهم، أراد أنهم لم يقاتلوا.
وقال بعضُ الأكابر لأبي هفّان: مالك لا تمدحني؟ فقال:
لِسَانُ الشُّكْرِ تُنْطِقُهُ العَطَايا ... ويَخْرَسُ عند مُنْقَطَعِ النّوالِ
وعاتب يوماً محمد بن عبد الملك الزيات الوزير أبا تمّام على مدحه سواه فاعتذر إليه بأبياتٍ يقول فيها:
أمّا القوافي فقَدْ حَصَّلْتَ عُذْرَتَهَا ... فما يُصابُ دمٌ منها ولا سَلَبُ
стр. 225
مَنَعْتَ إلا مِنَ الأكْفَاءِ ناكِحَها ... وكان منْكَ علَيْهَا العَطْفُ والحدَبُ
ولو عَضَلْتَ عن الأكْفَاءِ أيِّمَهَا ... ولَمْ يكُنْ لك في أطْهارِها أرَبُ
كانَتْ بناتِ نُصَيْبٍ حينَ ضَنَّ بها ... على المَوالي ولم تَحْفِلْ بها العَرَبُ
العُذْرة: البَكارة، والحَدَب: الإشفاق، وعضل الأيِّم: فالأيِّم: التي لا زوجَ لها بكراً كانت أو ثيّباً والجمع: أيامى وأيايم، وعضل الرجل أيِّمَه يَعْضُلها ويَعْضِلُها عَضْلاً: منَعَها الزَّواجَ ظُلماً قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، نزلت في مَعْقلِ بنِ يسار المُزَني - وكان زوَّج أختَه رجلاً فطلّقها، فلما انقضت عدَّتُها خطبَها، فآلى أن لا يزوِّجَه إيّاها ورغبت فيه أختُه فنزلت الآية. . . وكان نُصيْبُ الشاعر الأسودُ له بناتٌ وكان يرغب عن أن يزوِّجَهن من الموالي، والعرب لا ترغب فيهن، فبقين بلا زواج، قيل له يوماً: ما حال بناتِك؟ فقال: صببت عليهِنَّ من جِلْدي فكَسَدْنَ عليَّ. . . وكتب هذا الوزير الزيات إلى أبي تمام يوماً يحتجُّ عليه بأنّه يمدح غيره وأنّه لو اقتصر عليه لأغناه وأنَّ كثرةَ مدحِه الناسَ
زهَّدته فيه:
رَأيْتُكَ سَمْحَ البَيْعِ سَهلاً وإنّما ... يُغالي إذا ما ضَنَّ بالشَّيْءِ بائِعُهْ
هُوَ الماءُ إنْ أجْمَمْتَه طابَ وِرْدُه ... ويَفْسُدُ منه ما تُباحُ شَرائِعُهْ
فكتب إليه أبو تمام:
أبا جَعْفرٍ إنْ كنتُ أصْبَحْتُ شاعِراً ... أُساهِلُ في بَيْعي له مَنْ أُبايِِعُهْ
فَقَدْ كُنْتَ قبْلي شاعِراً ذا رَوِيَّةٍ ... تُساهِلُ مَنْ هانَتْ عليه بَضائِعُهْ
وصِرْتَ وزيراً والوِزَارةُ مَشْرَبٌ ... يَغَصُّ به بعدَ اللَّذاذةِ كارِعُهْ
وكَمْ مِنْ وزيرٍ قد رأيْنَا مُسلَّطاً ... رأيْناه قد سُدَّتْ عليه مَطالِعُهْ
وللهِ قوْسٌ لا تَطِيشُ سِهامُها ... وللهِ سَيْفٌ لا تُفَلُّ مَقاطِعُهْ
стр. 226
يقول: إنّ سهامَ اللهِ مصيبةٌ لا تُخطئ وسيفَه لا يثلم البتّة، فهو الذي جعلك وزيراً ولو شاء لأنزلك عن دستك.
حثهم على الشكر ولو لِمَنْ ليس على دينهم
قال رجلٌ لسعيد بن جبير: المجوسيُّ يُوليني خيراً فأشكرُه، ويسلِّمُ عليَّ فأردُّ عليه؟ فقال سعيد: سألت ابنَ عبّاسٍ عن نحو هذا، فقال لي: لو قال لي فرعونُ خيراً لردَدْتُ عليه. . . وسلّم نصرانيٌّ على الشَّعبيِّ، فقال الشَّعبيُّ: وعليك السلامُ ورحمةُ الله، فقال له رجلٌ: سبحانَ الله، تقول لهذا النصرانيِّ ورحمةُ الله! فقال الشَّعبيُّ: أليس في رحمةِ اللهِ يعيش؟ قال: بلى، قال: فما وجهُ الإنكارِ عليّ عافاك اللهُ ورَحِمَنا وإيّاك برحمته؟
استحياؤهم من المديح
ولاسيَّما إذا كان مُتكلَّفاً أو مُبالغاً فيه
سمع سيدُنا رسولُ الله رجلاً يثني على آخرَ، فقال: (قَطَعْت مَطاه، لو سَمِعَ ما أفلحَ) المطا: الظهر وقالوا: استحياءُ الكريم من المدحِ أكثرُ من استحياءِ اللئيمِ من الذَّمِّ. . . وأثنى رجلٌ على هشام بن عبد الملك، فقال: إنّا نكره المدحَ، فقال: لست أمدَحُك ولكنّي أحمدُ اللهَ فيك. . . وكان أبو بكر الصديق رضوان الله عليه يقول إذا مُدِح: اللَّهمَّ، أنت أعلمُ منّي بنفسي منهم، اللهمّ، اجعلني خيراً مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون. . . وكان رجلٌ يكثر الثناء على علي بن أبي طالب ﵁، وعَلِمَ من قلبِه خلافَ
قوله، فقال له: أنا دونَ ما تقول، وفوقَ ما في نفسك؛ وقال الجاحظ: شرُّ الشُّكْرِ، ثناءُ المُواجِه لك المُسْرِف في مدحك،
стр. 227
وخيرُه، ثناءُ الغائبِ عنك، المقتصدِ في وصفك. وقالوا: كن ممّن أفرطَ في تزكيتك أحذرَ ممّن أفرطَ في الزِّرايةِ بك. وقالوا: من مدحَ الرجلَ بما ليس فيه فقد بالغَ في ذمِّه. وقال أبو فراس الحمداني:
ولا تَقبَلَنَّ القولَ مِنْ كلِّ قائلٍ ... سأُرْضِيكَ مَرأىً لَسْتُ أرْضيكَ مَسْمَعا
وقال الفضيلُ بن عياض: لو شممتم رائحةَ الذُّنوبِ منّي ما قَرِبْتموني. . . وأُثنِيَ على زاهدٍ، فقال: لو عَرَفْتَ مني ما عرفتُ من نفسي لأبْغَضْتَني. وقال المتنبّي:
يُحَدَّثُ عَنْ فَضْلِه مُكْرَهَاً ... كأنَّ له مِنه قلباً حَسُودا
من يمدح نفسه
خطب معاوية بن أبي سفيان ﵁ خطبةً حسنةً، فقال: هل من خللٍ؟ فقال رجلٌ من عُرْضِ الناس: خَلَلٌ كَخَلَلِ المُنْخُلِ، فاستدعاه وقال: ما ذاك الخلل؟ قال: إعجابُك به ومدحُك له. . . وقيل لحكيم: ما الذي لا يَحْسُنُ وإن كان حقاً؟ قال: مدحُ الرجلِ نفسَه. . . وقال معاوية لرجلٍ: من سيِّد قومك؟ فقال: أنا، فقال له: لو كنتَ كذلك لم تَقُلْه. . . ومن طرفهم في ذلك ما رُوي عن بعض الشعراء أنه سُئل: كيف أصبحتَ؟ فقال: أصبحتُ والله أظرفَ الناس وأشعرَ الناس وآدبَ الناس، فقال السائل: اسكت حتّى يقولَ الناسُ ذلك، فقال: أنا منذُ ثلاثين سنة أنتظر أن يقولَ الناس وليْسوا يقولون. . . ومدح أعرابيٌّ نفسَه فعُوتِبَ في ذلك، فقال: أأكِلُه إليكم! إذن واللهِ لا تقولوا أبداً. . .
стр. 228
عذر من يُضطرّ إلى مدح نفسه
قال ابنُ الروميِّ في ذلك:
وعَزيزٌ عليَّ مَدْحي لِنَفْسي ... غيرَ أنِّي جُشِّمْتُه لِلدَّلالَهْ
وهْوَ عَيْبٌ يكادُ يسْقُطُ فيه ... كلُّ حُرٍّ يُريدُ يُظْهِرُ حالَهْ
ووُصِفَ لأبي جعفر المنصور بعضُ الأفاضل، فأمر بإشْخاصِه إليه؛ فلمّا دخل قال له: أعالِمٌ أنت؟ فقال: أكره أن أقولَ: نعم، وفيه ما فيه، أو أقول: لا، فأكون جاهلاً. فأعجب المنصور بجوابه وألزمه المهديّ.
نهيُهم عن المدح قبل الاختبار
قالوا: لا تَهْرِف قبل أن تَعْرِف أي لا تمدح قبلَ التجربة، وأصل الهَرْفِ: الهذيان قال الأزهري: الهَرْفُ: شبه الهذيان من الإعجابِ بالشَّيء يقال: هو يَهْرَف بفلانٍ نهارَه كُلَّه هَرْفاً وقالوا: لا تَحْمَدَنَّ أمةً عام شرائِها، ولا حُرّةً قبل بِنائِها قبل الدخولِ بها. . . وقال رجلٌ لعمرَ ﵁: إنّ فلاناً رجلُ صِدْقٍ، فقال: هل سافرْتَ معه، أو ائْتَمَنْته؟ قال: لا، فقال: إذن لا تمدحْه، فلا علمَ لك به، لعلّك رأيتَه يَرْفَعُ رأسَه ويخفضُه في المسجد!
ختام الباب
عبقريات شتّى في الشكر
قال أبو ذرٍّ: قلت للنبي ﷺ : الرجلُ يعملُ العملَ ويحبُّه الناسُ؟ قال: تلك عاجِلُ بُشْرى المُؤْمن. . . وقال صلواتُ الله عليه: إذا أردْتم أن تعلموا ما للعبدِ عند الله فانْظُروا ماذا يتبعُه من الثناء. . .
стр. 229
وقال شاعرٌ:
عُثْمانُ يَعْلمُ أنّ الحمدَ ذُو ثَمنٍ ... لكنّه يَشْتَهي حَمْداً بمَجّانِ
والناسُ أكْيَسُ مِنْ أنْ يَحْمَدوا رَجُلاً ... حتّى يَرَوا قَبْلَه آثارَ إحْسانِ
وقال معاوية بن أبي سفيان يعاتب قريشاً:
إذا أنا أعْطَيْتُ القليلَ شَكوْتُمُ ... وإنْ أنا أعْطيتُ الكثيرَ فلا شُكْرُ
وما لُمْتُ نفسي في قضاءِ حُقوقِكم ... وقدْ كانَ لي فيما اعْتذَرْتُ به عُذْرُ
وأمْنَحُكمْ مالي وتُكْفَرُ نِعْمَتي ... وتَشْتِمُ عِرْضِي في مَجالِسِها فِهْرُ
إذا العُذْرُ لم يُقْبَلْ ولم يَنْفَعِ الأَسَى ... وضاقَتْ قلوبٌ مِنهُمُ حَشْوُها الغِمْرُ
فكيفَ أُداوي داَءكم ودَواؤُكم ... يَزيدُكم غَيّاً! فقَدْ عَظُمَ الأمْرُ
سَأَحْرِمُكمْ حتّى يَذِلَّ صِعابُكُمْ ... وأبْلَغُ شَيْءٍ في صلاحِكُمُ الفَقْرُ
وقال ابنُ الرومي:
كَمْ مِنْ يَدٍ بَيْضَاَء قدْ أَسْدَيْتَها ... تَثْني إليْكَ عِنانَ كُلِّ وِدَادِ
شَكَرَ الإلهُ صَنَائِعاً أوْلَيْتَها ... سَلَكَتْ مع الأرْواحِ في الأجسادِ
وقال الشّريف الرضيُّ:
أَلْبَسْتَني نِعَماً على نِعَمِ ... وَرَفَعْتَ لي عَلَماً على عَلَمِ
وعَلَوْتَ بي حتَّى مَشَيْتُ على ... بُسُطٍ مِنَ الأعْنَاقِ والقِمَمِ
فلأشْكُرَنَّ يَدَيْكَ ما شَكَرَتْ ... خُضْرُ الرِّياضِ مَصَانِعَ الدِّيَمِ
стр. 230
فالحمدُ يُبْقِي ذِكْرَ كُلِّ فتًى ... ويُبينُ قدْرَ مَوَاقِعِ الكَرَمِ
والشُّكْرُ مَهْرٌ لِلصَّنيعَةِ إنْ ... طُلِبَتْ مُهُورُ عَقائِلِ النِّعَمِ
القمم جمع قِمّة: أعلى الرأس وأعلى كل شيء، والديم جمع ديمة: المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق يدوم ثلث نهار أو ثلث ليل فأكثر، والصنيعة: ما أسديت من معروف، والعقائل: كرائم الأموال وقال رجل لبعض ذوي السلطان: المواجهةُ بالشكر ضَرْبٌ من المَلَقِ، منسوبٌ من عُرف به إلى التَّخَلُّقِ، وأنْتَ تمنعني من ذلك، وترفع الحال بيننا عنه، ولذلك تَرَكْتُ لِقاءَك به، غيرَ أنّي مِن الاعترافِ بِمَعْروفِك، ونَشْرِ ما تطوي منه، والإشادة بذكره عند إخوانك، والانتساب إلى التقصير مع الإطناب في وصفه، على ما أرجو أن أكون قد بلغتُ به حالَ المُحْتمل للصَّنيعة النّاهض بحقِّ النِّعْمَةِ. وقال أبو يعقوب الخُرَيميُّ:
زادَ مَعْروفَك عِندِي عِظَماً ... أنَّهُ عِنْدَكَ مَحْقُورٌ صَغِيرُ
تتناساهُ كأنْ لمْ تأتِهِ ... وهْوَ عند الناسِ مَشهورٌ كبيرُ
وقال بعضُهم: لا تَثِقْ بِشُكْرِ مَنْ تُعطيه حتّى تمنعَه، فإن الصابر هو الشاكرُ، والجازعَ هو الكافرُ. . . وقال الشاعر:
إذا أنا لم أشْكُرْ على الخَيْرِ أهْلَهُ ... ولمْ أذْمُمِ الجِبْسَ اللَّئيمَ المُذَمَّمَا
ففِيمَ عَرفْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ باسْمِهِ ... وشَقَّ ليَ اللهُ المَسامِعَ والْفَمَا
وقال ابنُ التَّوْءَم: كلُّ مَنْ كان، جودُه يرجع إليه، ولولا رجوعُه إليه لَما جاد عليك، ولو تهيّأ له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك، فليس يجب له عليك شكرٌ، وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ويشكر على
стр. 231
النفع في حُجّة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جودُه بشيءٍ من النفع على جهةٍ من الجهات، وهو اللهُ وحدَه لا شريكَ له، فإن شكرنا الناسَ على بعض ما جرى لنا على أيديهم، فلأمرين: أحدُهما التعبّد، وقد أمر الله تعالى بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين، وتعظيمِ من هو أسنُّ منّا وإن كنّا أفضلَ منه. والآخر: لأن النفسَ ما لا تُحصِّلُ الأمور وتميّز المعاني، فالسابق إليها حبُّ مَنْ جرى لها على يديه الخير وإن كان لم يُردْها ولم يقصد إليها. ألا ترى أنّ عطيةَ الرجلِ صاحبَه لا
تخلو أن تكونَ لله أو لغير لله، فإن كانت لله فثوابُه على الله، وكيف يجب في حُجّة العقل شكرُه وهو لو صادف ابن سبيلٍ غيري لما أعطاني، وإمّا أن يكونَ إعطاؤه إيّاي للذكر، فإن كان كذلك فإنّما جعلني سُلّماً إلى حاجته وسبباً إلى بُغيته، أو يكون إعطاؤه إيّاي طلباً للمكافأة فإنما ذلك تجارةٌ، أو يكون إعطاؤه لخوفِ يدي أو لساني أو اجترار معونتي ونُصرتي، وسبيلُ هذا معروف، أو يكون إعطاؤه للرحمة والرقَّة ولما يجد في فؤادِه من العَصْرِ والألم، فإنّما داوى بتلك العطية من دائِه، ورفَّه من خِناقه. . . وقال بشار بن برد:
أُثْني عليكَ ولي حالٌ تُكَذِّبُني ... فيما أقولُ فأسْتَحْيي من الناسِ
قد قلتُ إنّ أبا حَفْصٍ لأكرمُ مَنْ ... يَمْشي فخاصَمني في ذاكَ إفلاسي
وكانت السيدة عائشة ﵂ كثيراً ما تتمثل بقول الشاعر:
يَجْزِيكَ أو يُثْني عليكَ وإنّ مَنْ ... أَثْنى عليك بما فعلْتَ كَمَنْ جَزى
وقالوا: خمسةُ أشياءَ ضائعةٌ: سراجٌ يوقد في شمسٍ، ومطرٌ جَوْدٌ في سَبْخةٍ، وحَسناءُ تزفُّ إلى عِنّينٍ، وطعامٌ استُجيد وقُدِّم إلى سكران، ومعروفٌ صُنِعَ إلى من لا شُكْرَ له. . .
стр. 232
الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه
وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات
ماذا يُرادُ بالصَّبْرِ في هذا الباب
قال علماءُ اللغة: الصَّبْرُ، نقيضُ الجَزع، أو حَبْسُ النفسِ عندَ الجَزع، يقال: صَبَرَ فلانٌ عند المصيبةِ يَصْبِر صَبْراً، وصبَّرْته أنا: حَبَسْتُه، والتصبُّر: تكلّف الصبر، قال عمر ﵁: أفضل الصبر: التصبُّر. . . وقال الراغب الأصفهاني في الذريعة: الصَّبر ضربان: جسميٌّ ونفسيٌّ، فالجِسْميُّ: هو تحمُّل المشاقِّ بقدر القوّة البدنيّة، وأكثرُها لذوي الجسومِ الخَشِنة، وليس ذلك لفضيلةٍ تامة، وذلك في الفعل كالمشي ورفع الحَجَر، وفي الانفعال كالصَّبرِ على المرض، والنفسيّ - وبه تُعلَّق الفضيلةُ - ضربان: صبرٌ عن تناولِ مُشتهًى، ويقال له: العِفّة؛ وصبرٌ على تحمُّل مكروهٍ أو محبوب، وهذا تختلف أسماؤه بحسب اختلاف مواقعه، فإذا كان في نزول مصيبة فإنه مما استبدَّ به اسم الصبر، وضدُّه الجزع والهلع والحزن، وإن كان في احتمال غنى فقد سُمّي ضبطَ النفس ويضادُّه الدَّقْعُ والبَطَر، وإن كان في محاربةٍ سُمّي شجاعةً ويضادُّه: الجبن، وإن كان في إمساكِ النّفس عن قضاءِ وَطَرِ الغضبِ سُمّي حِلماً، ويضادُّه: التذمُّر، وإن كان في نائبةٍ مُضْجِرةٍ سُمّي سَعَةَ الصدر؛ ويضادُّه ضيقُ الصدر والضَّجر والتبرُّم، وإن كان في إمساك كلامٍ
стр. 233
في الضمير سُمّي كتمانَ سِرٍّ، ويضادُّه: الإفشاء، وإن كان في الإمساك عن فضولاتِ العيش سُمّي قناعةً وزُهْداً، وهذا يضادُّه: الحرصُ والشَّرَه. . .
وبعد فها أنت ذا ترى ممّا أوردنا عليك من كلام الراغب: أنّ الصبرَ ألوانٌ، ومن أخصِّ ألوانه: الصبرُ على المصائب، ذلك الذي يضادُّه الجزع وهذا اللون هو الذي سوف نتصدّى له في هذا الباب، أما سائرُ الألوان فإنّ لكل منها باباً لقد عقدناه فيما يلي هذا الباب من الأبواب.
عبقريّاتهم في الصبر
قال الراغب في فصل عنوانه مُداواةُ الغمِّ وإزالةُ الخوف مع شيءٍ من التصرف: خليقٌ بالإنسانِ أن يعلمَ أنّ الدنيا جمَّةُ المصائِبِ رَنْقةُ المشارِبِ تُثمر للبَرِيّةِ أضعافَ البليّة، فيها مع كل لقمةٍ غُصّة، ومع كل جُرْعةٍ شَرْقةٌ، فهي عَدوَّةٌ ومَحْبوبةٌ كما قال أبو نواس:
إذا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشّفَتْ ... لَهُ عن عَدُوٍّ في ثِيَابِ صَديقٍ
وكما رُوي عن الحسن البصري أنه قال: ما مثلُنا مع الدُّنيا إلا كما قال كثيّر:
أَسيِئي بِنَا أوْ أحْسِنِي لا مُلومَةٌ ... لَدَيْنا وَلا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
стр. 234
فما أحدٌ فيها إلا وهو في كلِّ حالاته غرضٌ لسِهامِها:
تُناضِلُهُ الآفاتُ مِنْ كلِّ جانبٍ ... فتُخْطِئُهُ يوماً ويوماً تُصِيبُهُ
وقال بعضُ الحكماء: أسبابُ الحزن فقدُ محبوبٍ أو فوتُ مطلوبٍ، ولا يسلم مِنْهما إنسانٌ، لأن الثّباتَ والدّوامَ معدومان في عالم الكون والفساد فمن أحبَّ أن يعيشَ هو وأهلُه وأحبابُه سالمين فهو غيرُ عاقلٍ، لأنّه يريدُ أن يملكَ ما لا يُملكُ، ويُوجِدَ له ما لا يُوجَدُ، فحقيقٌ بالمرءِ أن لا يُخلي قلبَه من الاعتبارِ بما يرى، من ارْتجاعٍ لودائِعِها من أربابِها، وحلولٍ لنوائبِها بأصْحابها.
ثمَّ من حقّه أن يقلّل من اقتناءِ ما يورثُه الحزنَ، فقد قيل لحكيم: لم لا تغتمُّ؟ فقال: لأنّي لم أقتنِ ما يغمُّني فقدُه، أخذه الشاعرُ فقال:
فمَنْ سَرَّهُ أن لا يَرى ما يسوؤُه ... فلا يَتَّخِذْ شَيْئاً يَخاف له فَقْدا
وقيل لحكيم: هل للإنسان أن يعيشَ آمِناًً؟ قال: نعم، إذا احترسَ من الخطيئةِ، وقَنِعَ بحلاله، ولم يحزن لما هو واقعٌ به لا محالة. واعلم أنّ الجزع على ما فات لا يَلُمُّ ما تشعَّث ولا يُبْرمُ ما انْتكَث؛ فأمّا غمُّه على المُستقبل فلا يخلو من ثلاثةِ أوْجهٍ: إمّا في شيءٍ ممتنعٍ كونُه، أو واجبٍ كونُه، أو ممكنٍ، فإن كان على ما هو ممتنعٌ كونُه فليس ذلك من شأنِ العقلاء، وكذلك إذا كان من قبيلِ الواجبِ كونُه، كالموتِ الذي هو حَتْمٌ في رقابِ العباد، وإن كان ممكناً كونُه فإن كان من الممكن الذي لا سبيلَ إلى دفعِه كإمكانِ الموتِ قبل الهرمِ فالحزنُ له جهل، واستجلابُ غَمٍّ، وإن كان من الممكن الذي يصحُّ دفعُه فالوجهُ أن يحتالَ إلى دفعِه بفعلٍ غير مشوبٍ بحزن، فإن دَفَعَه وإلا
стр. 235
تلقّاه بصبر، وليتحقّق قولُه : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾، فمَنْ علم أن ما جرى في حكمِه وسبقَ في علمِه لا سبيلَ إلى أن لا يكونَ، هانت عليه النُّوَبُ، واعلم أن الذي يَغرُّ الناسَ هو حسنُ ظنِّهم باغترار الآفات، واغترارُهم حالةً بعد حالة بصفاء الأوقات، ولو تأمّلوها لتحقّقوا أنّها كما قال علي رضي الله تعالى عنه: ما قال الناسُ لقومٍ طوبى لكم إلا وقد خبّأ الدهرُ لهم يومَ
سوءٍ:
إنَّ الليالِيَ لَمْ تُحسِنْ إلى أحدٍ ... إلا أساَءتْ إليهِ بَعْدَ إحسانِ
انتهى كلامُ الراغبِ، ومن أبدعِ ما قيل في الصَّبْرِ والجَزَعِ قولُ ابنِ الرّومي:
أرَى الصبرَ مَحْموداً وعنه مذاهِبٌ ... فكيفَ إذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْه مَذْهَبُ
هُناك يَحِقُّ الصَّبْرُ والصبرُ وَاجبٌ ... وما كان منه كالضَّرورةِ أوْجَبُ
فشَدَّ امْرُؤٌ بالصَّبرِ كَفَّاً فإنّه ... له عِصْمةٌ أسبابُها لا تَقَضَّبُ
هُوَ المَهْرَبُ المُنْجِي لِمَنْ أَحْدقَتْ بهِ ... مَكارِهُ دهْرٍ ليسَ مِنْهُنَّ مَهْرَبُ
أعُدُّ خِلالاً فيه ليسَ لِعاقِلٍ ... من الناسِ - إنْ أُنصِفْنَ - عَنْهُنَّ مَرْغَبُ
لَبُوسُ جَمالٍ، جُنَّةٌ مِنْ شَماتَةٍ ... شِفاءُ أسًى يُثْنَى به ويُثَوّبُ
стр. 236
فيا عَجَباً للشّيءِ هذي خِلالُه ... وتاركُ ما فيهِ من الحَظِّ أعْجَبُ
وقَدْ يَتَظَنَّى الناسُ أنَّ أساهُمُ ... وصَبْرَهُمُ فيهِمْ طِباعٌ مُركَّبُ
وأنّهُما ليسا كشَيْءٍ مُصرَّفٍ ... يُصرِّفُه ذو نَكْبَةٍ حين يُنكَبُ
فإنْ شاَء أن يأْسَى أطاعَ له الأَسَى ... وإنْ شاَء صبراً جاَءه الصَّبرُ يُجْلَبُ
ولكِنْ ضَروريّانِ كالشَّيْءِ يُبتَلى ... بهِ المرءُ مَغْلوباً وكالشَّيْءِ يذْهَبُ
ولَيْسا كَما ظَنُّوهُمَا، بل كِلاهُما ... لكُلِّ لَبِيبٍ مُسْتَطاعٌ مُسبَّبُ
يُصَرِّفهُ المُختارُ مِنَّا، فَتارةً ... يُرادُ فيأتي أوْ يُذادُ فيَذْهَبُ
стр. 237
إذا احْتَجَّ مُحْتجٌّ على النَّفْسِ لم تَكَدْ ... على قَدَرٍ يُمْنَى لها تَتَعَتَّبُ
وساعَدَها الصَّبْرُ الجميلُ فأَقبَلَتْ ... إليها له طَوْعاً جَنائِبُ تُجْنَبُ
وإنْ هو مَنَّاها الأباطيلَ لم تَزَلْ ... تُقاتِلُ بالعَتْبِ القضاَء وتُغْلَبُ
فتُضْحِي جَزوعاً إنْ أصابَتْ مُصيبةٌ ... وتُمْسِي هَلوعاً إنْ تَعذَّرَ مَطْلَبُ
فلا يَعذِرَنَّ التارِكُ الصَّبْرَ نفسَه ... بأنْ قيلَ: إنَّ الصَّبْرَ لا يُتَكَسَّبُ
وقال الأصمعيُّ: أحسنُ ما قيل في الصَّبر مع الشرح قولُ أبي ذؤيبٍ الهُذلي:
وتَجَلُّدِي للشّامِتينَ أُرِيهُمُ ... أنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أتَضَعْضَعُ
حتّى كأنّي للحَوادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا المُشَقَّرِ كلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
لا أتضعضع: لا أذلُّ ولا أخضع، وريْبُ الدّهر: صرفُه، والمروة واحدة المَرْوِ وهي:
حجارةٌ بيضٌ بَرّاقة يُقدحُ منها النار: ومروة المَسْعى التي تذكر مع الصفا في الحج - وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعيُ إليهما - سُمّيت بذلك، وبصفا
стр. 238
المشقَّر يُروى: بصفا المشرَّق، أمّا المُشقَّر فهو: موضع أو حصن بالبحرين قديم بناه كسرى، والمشرَّق فهو: جبلٌ بسوق الطائف، والصفا: جمعُ صَفاة: صخرةٌ ملساء وبه سُمّي أحدُ جبلَيْ المَسْعى، وهذانِ البيتانِ من قصيدة أبي ذؤيب التي يرثي بها بنيه الخمسة وقد ماتوا في عامٍ واحد، وأوّلها:
أمِنَ المَنُونِ ورَيبِها تتوجَّعُ ... والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
قالَتْ أُمامَةُ: ما لِجِسْمِكَ شاحِباً ... مُنْذُ ابْتُليتَ ومِثلُ مالِكَ ينْفَعُ
أمْ ما لِجِسْمِكَ لا يُلائِمُ مَضْجَعَاً ... إلا أقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضْجَعُ
يروى أن عبد الله بن عباس ﵁ استأذن على معاويةَ في مرضِ موتِه ليعودَه، فادَّهَنَ واكتحلَ - أي معاوية - وأمرَ أن يُقْعَدَ ويُسْندَ وقال: ائذنوا له، وليُسلِّم قائماً ولْيَنْصرِفْ، فلمّا سلّم عليه وولّى، أنشد معاويةُ قولَ أبي ذؤيب: وتجلُّدي للشّامتين. . . البيت، فأجابه ابنُ عبّاس على الفور:
وإذا المَنِيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفارَها ... ألْفَيْتَ كلَّ تَميمةٍ لا تَنْفَعُ
ثم ما خرجَ مِنْ دارِه حتى سمع نعيَه. . . وقال ضابئ بنُ الحارث البُرْجُميُّ من أبياتٍ قالها في سجن عثمانَ بنِ عفّان ﵁:
ورُبَّ أُمورٍ لا تَضِيرُكَ ضَيْرَةً ... ولِلْقَلْبِ مِنْ مَخْشاتِهِنَّ وَجِيبُ
ولا خَيْرَ في مَنْ لا يُوَطِّنُ نفسَه ... على نائِباتِ الدَّهْرِ حينَ تَنُوبُ
стр. 239
قوله: لا تضيرك ضيرةً، فالعرب تقول: ضارَه يَضيرُه ضَيْراً وضَيْرةً - المَرّةُ من الضّيْرِ - ولا ضَيْرَ عليك، وضَرَّه يَضُرُّه ولا ضَرَرَ عليه، والمَخْشاةُ مَصْدَرُ خَشِيَه يَخْشاه خَشْيةً ومَخْشاةً ومَخْشِيةً: خافَه، وفي معنى هذا البيت يقول أبو العتاهية:
وقد يَهْلِكُ الإنسانُ من بابِ أمْنِه ... ويَنْجو بإذْنِ اللهِ من حيثُ يَحْذَرُ
والأصلُ في هذا قولُه : ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾، وقوله: ولا خيرَ فيمن لا يوطّن نفسَه. . . البيت: نظيرُه قولُ كثيّر عزّة:
أقولُ لَها: يا عَزُّ، كلُّ مُصيبةٍ ... إذا وُطِّنَتْ يَوْماً لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ
قال عبد الملك: لو قال كثيّر هذا البيتَ في صفة الحرب لكان أشعرَ النّاس، وفي الأثر:
للمِحَنِ أوقاتٌ ولها غاياتٌ، واجتهادُ العبدِ في مِحْنَتِه قبل إزالةِ اللهِ لها، زيادةٌ فيها قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. . . وقالوا: المُمْتَحَنُ كالمُخْتَنِقِ كلّما ازدادَ اضْطراباً ازدادَ اخْتِناقاً. . . وحُكي عن بعضِ الصالحين: أنّ ابناً له مات فلم يُرَ به جزعٌ، فقيل له في ذلك فقال: هذا أمرٌ كنا نتوقَّعُه، فلمّا وقع لَمْ نُنْكره. . . وقالوا: من أراد طولَ البقاءِ فليوطِّن نفسَه على المصائب؛ وقالوا: المُصيبةُ للصّابرِ واحدةٌ وللجازعِ اثنتان، وقال أكثم بن صيفيٍّ: حيلةُ مَنْ لا حيلةَ له: الصبرُ. وسيّد الكلام في الصبر قولُ المصطفى صلوات الله عليه: (لو كان الصَّبْرُ رجلاً لكان رَجُلاً كريماً) الكريم ضِدُّ اللئيم.
стр. 240
عودٌ إلى أسباب الحزن
وقال الفيلسوف أبو يعقوبَ الكِنْديُّ: أسبابُ الحزن: فقدُ محبوبٍ، أو فوتُ مطلوبٍ، ولا يَسلَمُ منهما إنسانٌ، لأنَّ الثباتَ والدوامَ معدومان في عالم الكون والفساد؛ وقال الحسن البصري: الدُّنيا دارُ غُمومٍ، فمن عُوجِلَ فُجِعَ بنفسِه، ومن أُجّلَ فُجِعَ بأحبابه؛ وقال بعض الفلاسفة: من أراد أن لا يصابَ بمصيبةٍ، فقد أراد ما لا يكون، لأن المصائب في عالم الكون والفساد طبع بالطبع؛ فينبغي أن يكونَ منّا على بال: أنّ جميعَ الأشياء التي تصل إلينا كانت قبلنا لغيرِنا، فانتقلت إلينا على شريطةِ ما كان لِمَنْ قبلَنا. . . وقيل لسقراط: ما لك لا تجزع؟ قال: لأنّي لا أقتني ما يُحْزِنُني فقدُه. . . وقال ابن الرومي في هذا المعنى:
ومَنْ سَرَّه أنْ لا يَرى ما يَسُوؤُه ... فلا يَتَّخِذْ شيئاً يَخافُ له فَقْدَا
أقول: يريدون بذلك: أنّه لا بدَّ في هذه الدنيا من المصائبِ ما دام، هناك قِنْيةٌ من مالٍ وولدٍ وما إليهما من كلّ ما هو مستهدفٌ لِسهامِ الأيّام، ومن أراد أن لا يصابَ فلا يقتني ما يسوؤه فقدُه - والقِنيةُ لا بدَّ منها في هذه الحياةِ الدنيا، وإذن لا بدَّ من توطين النفس وإعدادِها لتلقي المصائب. . . وإذا كان هناك مَنْ يترامى بمثل هذا الكلام إلى الحثِّ على الزهد، فهذا مرمًى آخرُ، منهم من يفزع إليه لمثل هذا الغرض - توقّي المصائب ما أمكن - ولأغراضٍ أخرى تراها بعد. . . وقالوا: الجزعُ مَنْقصةٌ للحياة، ومن أعانَ على نقصانِ حياته، فقد عظُمَتْ خطيئتُه. . . وقالوا: التأسُّف على الفائِتِ تضييعُ وقتٍ ثانٍ، إن كنت جازعاً لِما أفلتَ منك فاجْزَعْ على ما لَمْ يصل إليك؛ وقال
стр. 241
علي كرَّم اللهُ وجهَه: الصَّبْرُ مَطيَّةٌ لا تكبو،
والقناعةُ سيفٌ لا ينبو. وقال عمرُ ﵁: لو كان الصبرُ والشكرُ بعيرين ما باليتُ أيَّهما ركبت؛ وقيل: الصبرُ يُناضِلُ الحدَثان، والجزعُ من أعوانِ الزمان، وما في الشكوى إلا أن تُحْزِنَ صديقَك وتُشْمِتَ عدوَّك؛ وقيل: اجعل صبرَك على النّوائب كِفاءَ شُكْرك على المواهب، الصبرُ عندَ النِّقم، والشكر عند النِّعم، وقال حكيم: جميعُ مكاره الدُّنيا تنقسم قسمين، ضربٌ فيه حيلةٌ، فالاضطراب دواؤه، وضربٌ لا حيلةَ فيه، فالصبر شفاؤه، وقالت الفرس: كلمتان يقولُهما العاقلُ عند نائبته: إحداهما: هذه الحال خيرٌ ممّا هو شرٌّ منها، والأخرى: لعلَّ اللهَ أن يجعلَ في هذا المكروه خيراً! وكلمتان يقولُهما الجاهل: لعلّ ما أصابني يدعو إلى شَرٍّ منه! والأخرى: لو كان بَدلَ كذا كذا من المصيبة! وقالوا: الصبرُ على مرارةِ العاجل، يُفضي إلى حلاوةِ الآجل، إنّك لا تنال قليلَ ما تحبُّ إلا بالصبرِ على كثيرِ ما تَكْره، وقالوا: لكلِّ شيءٍ ثمرةٌ، وثمرةُ الصبر الظفرُ، والصبرُ كاسْمِه، وعاقبتُه العسل، والصبر على المصيبة مصيبةٌ على الشّامت. وقال عليٌّ: إن صبرتَ فأنتَ مأجورٌ، وإن جَزِعْتَ جرى عليك المَقْدور.
حثُّهم على تصوّر المصائب
والاستعداد لها كي تَخِفَّ وطأتُها
وقالوا في ذلك: مَنْ كان متوقِّعاً، لم يُلْفَ مُتوجِّعاً، وقال بعضهم -
стр. 242
قيل لابن الرومي، ولَمْ أرَها في ديوانه، وإن كانت أشبهَ بمذهب ابنِ الرّومي -:
أَلَمْ تَرَ رُزَْء الدَّهْرِ مِنْ قبلِ كَوْنِه ... كِفاحاً إذا فكَّرْتَ في الخَلَواتِ
فَما لَكَ كالمَرْمِيِّ في مَأمَنٍ لهُ ... بِنَبْلٍ أَتَتْهُ غيرَ مُرْتَقَباتِ
فإنْ قُلْتَ مَكْرُوهٌ أتاني فُجَاَءةً ... فمَا فُوجِئَتْ نَفْسٌ مَع الخَطَرَاتِ
ولا عُوقِبَتْ نَفْسٌ بِبَلْوى وقد رأتْ ... عِظاتٍ من الأيّام بَعدَ عِظَاتِ
إذا بُعِثَتْ أشياءُ قد كان مِثْلُها ... قديماً فلا تَعْتَدَّها بَغَتاتِ
وهذه الأبياتُ من الوضوح والإنارةِ بحيث لا يعوزُها شرح، وقالوا: ما أمتعَ الدَّهرُ إلا ليَمْنعَ، ولا أعطى إلا ليَسْتردَّ، ولولا اغترارُ الجاهلِ بعوائِدِه، لخلت النفوسُ من الحسرةِ على نوائبِه، وقالوا: لا تُخْلِ فكرَك من عوارضِ الفكرِ وخواطرِ الذكرِ فيما تعروكَ به الأيّام، من ارتجاعِ ودائِعِها، وحلول وقائعِها، - وهذا ما قاله ابن الروميِّ آنفاً -.
الغَمُّ يُورِثُ السَّقَمَ والهَرَم
قال المتنبّي:
والْهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسيمَ نَحافَةً ... ويُشيبُ ناصِيَةَ الصَّبيِّ ويُهْرِمِ
يخترم: يستأصل ويقتطع، والجسيم: العظيم الجسم، والنحافة: الهزال، والناصية: شعر مقدَّم الرأس، يقول: إنّ الحزن إذا استولى على المرء أذهبَ جسمَ العظيمِ الجسدِ وهَزَله حتى يأتي عليه من الهزال، ويُشيب الصبيَّ قبل الأوان حتى يصيرَ كالهرم من الضعف والعجز. . . وسُئل عبد الله بن عباس عن الحزن والغضب فقال: أصلاهُما واحدٌ، وذلك وقوعُ الأمر
стр. 243
على خلاف المحبّة، فأمّا فرعاهُما فمُخْتلفان، فالمكروهُ ممّن فوقك يُنْتج حُزْناً وممَّن دونَك ينتج غَضباً:
فَحُزْنُ كلِّ أخِي حُزْنٍ أخو الغَضَبِ
الحزن يبلى بتقادم العهد
وقالوا في الحزن يبلى بعد انقضاءِ مدّة: الحزن ينضو عن ابن آدم كما ينضو الصبغ عن الثوب ولو بقي لقتَلَه.
وقال المتنبّي:
إذا اسْتَقْبَلَتْ نَفْسُ الكَرِيمِ مُصابَها ... بِخُبْثٍ ثَنَتْ فاسْتَدْبَرَتْهُ بِطيبِ
وللواجِدِ المكروبِ من زَفَراتِه ... سُكونُ عَزاءٍ أو سُكونُ لُغُوبِ
قوله: إذا استقبلت. . . البيت، فالمصاب مصدرٌ بمعنى الإصابة، والخبث هنا: الجزع، والطيب هنا: الصبر وترك الجزع، وثنَتْ: صرفته - أي الجزع - النفس، يقول: إذا جزع الكريم - ضدُّ اللئيم - في أول نزول المصيبة، وراجع أمرَه، عاد إلى الصَّبْر والتسليم، ومن لم يوطّن نفسَه على المصيبة في أوّل الأمر صَعُبَ عليه عند وقوعها. وقوله: وللواجد المكروب. . البيت
стр. 244
يقول: لا بدُّ للمحزونِ من سكون، إمّا أن يَسْكنَ عزاءً، أو يَسْكنَ إعياءً، وإذن فحقيقٌ بالعاقل أن يسكنَ تعزّياً، كما قال محمود الوراق:
إذا أنْتَ لمْ تَسْلُ اصْطِباراً وحِسْبَةً ... سَلَوْتَ على الأيّامِ مِثْلَ البَهائِمِ
وكما قال أبو تمام:
أتصْبِرُ لِلْبَلْوَى عَزَاءً وحِسْبَةً ... فتُؤْجَرَ أمْ تَسْلو سُلُوَّ البَهائِمِ
الحِسْبة: طلب الأجر والثواب.
ومن أحسن ما قيل من الشعر القديم، في أنَّ الحزن يبلى إذا تقادم عهدُه قول أبي خراش الهُذلي - شاعر مخضرم أسلم وهو شيخٌ كبير، يوم حنين -:
على أنّها تَعْفُو الكُلومُ، وإنّما ... نُوَكَّلُ بالأدْنى وإنْ جَلَّ ما يَمْضِي
وقبل هذا البيت:
حَمِدْتُ إلَهي بَعدَ عُرْوَةَ إذْ نَجا ... خِرَاشٌ، وبعضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعضِ
فواللهِ: ما أنْسَى قَتِيلاً رُزِئْتُهُ ... بِجَانِبِ قُوسَى ما مَشَيْتُ على الأرْضِ
على أنّها تعفو الكُلومُ. . . البيت
ولَمْ أدْرِ مَنْ ألْقَى عليه رِداَءهُ ... على أنّه قَدْ سُلَّ عن ماجِدٍ مَحْضِ
وكان من حديث هذا الشعرِ، أنَّ عروةَ بنَ مُرّة أخا أبي خِراش، وخِراشَ بن أبي خِراش، اصطحبا في متصرَّف لَهما؛ فأسرهما بطنانِ من ثُمالة: بنو رازم وبنو بلال - وكانا موتورين - فاختلفوا في الإبقاءِ عليهما وقتلهما، فمال بنو بلال إلى قتلهما، وتفاقم الأمرُ بينهما في ذلك، إلى أن صار يؤدي إلى المقاتلة، فتفرّد أولئك بعروةَ فقتلوه، وتفرّد هؤلاء بخِراشٍ فخلا به واحدٌ منهم، منتهزاً للفرصة في الإسداء، فقال له: كيف دليلاكَ؟ فقال: قَطاةٌ، فألقى عليه رداءَه، وقال: انْجُهْ، فمَرَّ لِطِيَّتِه، فلمّا انحرفوا للنظرِ
стр. 245
في أمره قال لهم ممسكُه! إنّه أفلت، فطردوه - أي تبعوا خِراشاً - فأعياهم، فلما وصل خِراش إلى أبيه وخبّره بما جرى على عروةَ وبما اتفق من صاحبه في بابه، اقتصَّ قصَّته في هذه الأبيات. . . وقُوسى اسمُ مكان، وقوله: على أنّها تعفو الكلوم. . . البيت فإنَّ هذا يجري مَجْرى الاعتذارِ منه والاستدراك على نفسه فيما أطلقه من قوله: لا أنسى قتيلاً رُزِئْته ما مشيت على الأرض أي مدّة حياتي؛ والضمير في أنها: للقصة، وخبر أن: الجملة بعدها؛ والعَفاء: الدّروس والذهاب؛ والكلوم جمع كَلم، ويعني به: الحَزَّ عند ابتداء الفجيعة، وجلّ: عظم؛ يقول: لا أنساه ولو طال عهدُه وعفَت آثاره؛ وإنما قال هذا لأن الإنسان يوكَّل بالجزع للمصيبة القريبة العهد؛ فأمّا المتقادمُ من الأرزاءِ فإن مضيَّ الزمن يُعْفيه. وقوله: ولم أدرِ. . . البيت؛ قال الأصمعيُّ وأبو عبيدةَ لا نعرف من مدحَ مَنْ لا يعرفه غيرَ أبي خراش.
التأسّي بِمَنْ مصابُه كمُصاب المُصاب أو يُربي عليه
وقولهم في عكس ذلك
أمّا قولُهم في عكس ذلك فأحسنُ ما قيل فيه قولُ ابنِ الرّومي:
لَيْسَ تأْسُو كُلُومُ غيري كُلُومي ... ما بِهِ ما بِهِ وما بِيَ ما بي
تأسو: تداوي، والكُلوم: الجروح وقبل هذا البيت - وهي أبيات يندب بها الشبابَ -:
يا شَبابي! وأينَ مِنِّي شَبابي؟ ... آذَنَتْني حِبالُه بانْقِضابِ
لهْفَ نَفْسي على نَعيمي ولَهْوي ... تَحْتَ أفْنانِه اللِّدانِ الرِّطابِ
ومُعَزٍّ عَنِ الشّبابِ مُؤَسٍّ ... بمَشيبِ اللِّدَاتِ والأتْرابِ
стр. 246
قلتُ - لمّا انْتَحى يَعُدُّ أُساهُ ... مِنْ مُصابٍ شبابُه فمُصابِ:
ليس تأسُو كلومُ غيري كُلومي ... . . . . . . . . . . . . . . البيت
وأما قولهم في التأسّي بِمَنْ مصيبتُه كمُصابِ المُصابِ أو تُربي عليه فمن ذلك قولُ أفلاطون لرجلٍ رآه مَغْموماً: لو أحضَرْتَ قلبَك ما فيه الناسُ من المصائب، لقلَّ همُّك. . . انظر مقالة الكاتب أديسون آخر هذا الباب. . .
وقالت الخنساء:
ولولا كثرةُ الباكِينَ حَولي ... على إخوانِهم لقَتَلْتُ نفسي
وما يَبْكُون مثلَ أخي ولَكِنْ ... أُسَلِّي النَّفسَ عنهُ بالتأسِّي
وقال حُرَيْث بْنُ سَلمةَ بنِ مُرارة بن مُحَفِّص، أحد بني خزاعيّ بن مازن - شاعر جاهلي -:
ولولا الأُسَى ما عِشْتُ في النّاس بعدَه ... ولكن إذا ما شِئتُ جاوَبَني مِثْلِي
عروة بن الزبير
مثل أعلى للصبر والتأسي
كان عُروةُ بن الزُّبَير، أحدُ الفقهاء السبعة بالمدينة، وابنُ الزبير بن العوّام - أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وابنِ صفيَّةَ عمَّةِ سيدنا رسول الله - وشقيقُ عبد الله بن الزبير - الذي وَلِيَ الخلافة في الحجاز حيناً من الدهر أزمانَ بني أميَّة والذي تولّى قتله الحجّاج - وأمُّ عروةَ أسماءُ بنت أبي بكر الصديق - وهي ذاتُ النِّطاقَين، وخالتُه عائشةُ أمُّ المؤمنين ﵂، وكان عالماً صالحاً،
стр. 247
أقول: كان عروةُ هذا من قوّة الإيمان والتسليم
والرَّضا بالقدر خيرِه وشرِّه ورجَحان العقلِ، بحيث يعدُّ مثلاً أعلى للصَّبر والتسلّي، وذلك أنّه وَفَدَ من المدينة على الوليد بن عبد الملك بدمشق - عاصمة الأمويين - وكان معه ابنُه محمّد - وكان من أجمل الناس، فيقال: إن الوليدَ عانَه - أصابَه بعينِه - فدخل محمد دارَ الدّواب، فضربتْه دابّةٌ فخَرَّ ميِّتاً، ووقعت في رجلِ عُروةَ الأكِلَة - داءٌ في العضو يأتَكِلُ منه - ولم يَدَعْ وِرْدَه تلك الليلة، فقال له الوليد: اقْطَعْها وإلا أفْسَدَت عليك جسدَك، فلما دُعِيَ الجزّارُ ليقطعَها قال له: نسقيك الخمرَ حتّى لا تجدَ لذلك ألَماً، فقال: لا أستعينُ بحرامِ اللهِ على ما أرْجو من عافيتِه، قالوا: نسقيك المُرْقِدَ دواءٌ يرقد شاربَه كالأفيون قال: ما أحبُّ أن أسلَبَ عُضواً من أعضائي وأنا لا أجدُ ألمَ ذلك فأحتسبه أحتسبه: أطلبُ به الأجرَ. ودخل عليه قومٌ أنكرهم فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يُمسكونَك فإنَّ الألمَ ربّما يَعْزُبُ معه الصبر يعزب: يبعد قال: أرجو أن أكفيَكم ذلك من نفسي، فقُطِعَتْ كعبُه بالسكّين، حتّى إذا بلغ العظمَ وُضِعَ عليها المنشارُ، فقُطِعَتْ وهو يهلِّل ويكبّر يهلل: يقول: لا إله إلا الله، ويكبّر: يقول: الله أكبر ثمّ إنّه أغليَ له الزيتُ في مَغارفِ الحديد، فحُسِمَ به، فغشِيَ عليه، فأفاقَ وهو يمسح العرقَ عن وجْهِه، ولمّا رأى القدمَ بأيديهم دعا بها فقلَّبها
стр. 248
في يده، ثم قال: أما والذي حَملَني عليك، إنّه ليعلم أنّي ما مشيتُ بك إلى حرامٍ، ولمّا دخل ابنه إصطبلَ الوليد بن عبد الملك وقتلتْه الدَّابّة كما تقدَّم لَمْ يُسْمَعْ في ذلك منه شيءٌ إلا قوله ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ ولمّا قُطِعت رجلُه قال: اللهمَّ، إنّه كان لي أطرافٌ أربعةٌ فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثةً، فلك الحمد، وأيْمُ اللهِ، لئن أخذْتَ لقد أبقيتَ، ولئن ابتليتَ لقد عافيتَ. . . ولمّا مات ابنُه وقطعت رجلُه، وفد في هذه الأيام على الوليد قومٌ من بني عبس فيهم رجلٌ ضرير، فسأله الوليد عن عينيه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، بتُّ ليلةً في بطن وادٍ ولا أعلم عَبْسيّاً يزيدُ مالُه على مالي، فطرقنا سيلٌ فذهبَ بما كان لي من أهلٍ وولدٍ ومالٍ، غيرَ بعيرٍ وصبيٍّ مولود، وكان البعير صَعْباً، فنَدَّ، فوضعت الصبيَّ واتَّبعتُ البعيرَ فلم أجاوِزْ إلا قليلاً حتّى سمعتُ صيحةَ ابني ورأسُه في فَمِ الذئبِ وهو يأكلُه، فلَحِقْتُ البعيرَ لأحبسَه فنفَحني برجلِه ضربَه بحدِّ خُفّيه على وجهي، فحطَّمه وذهب بعينيّ؛ فأصبحتُ لا مالٌ لي ولا أهلٌ ولا ولدٌ ولا بصرٌ؛ فقال الوليد: انطلقوا به إلى عُروةَ ليعلمَ أنّ في الناسِ من هو أعظمُ منه بلاءً. . .
وممّن عزّى عروة: إبراهيمُ بن محمد بنِ طلحة قال له: والله ما بك حاجةٌ إلى المشيِ ولا
أربٌ في السَّعْيِ؛ وقد تقدّمك عضوٌ من أعضائك وابنٌ من أبنائك؛ إلى الجنّة؛ والكل تَبَعٌ للبعض، إنْ شاء الله تعالى؛ وقد أبقى اللهُ لنا منك ما كنّا إليه فقراءَ، وعنه غيرَ أغنياء؛ من علمِك ورأيِك؛ نفعك اللهُ وإيّانا به واللهُ وليُّ ثوابِك؛ والضمينُ بحسابِك. . .
стр. 249
مطرح الهموم
وهذه كلمة طريفةٌ في معنى ما نحن بصدَدِه، كتبها الكاتبُ أديسون ونقلها المرحومُ محمد السباعي إلى مجلّة البيان التي كان يقوم بإخراجها مؤلِّفُ هذا الكتاب، قال أديسون:
مما يؤثر عن الحكيم سُقراط أنه قال: إذا جُمعت مصائبُ البشر كلُّها في وعاءٍ، ثمّ قُسمت على جميعِ الناس بالسَّواء لأصبحَ من كان يحسِبُ نفسَه أشقى الناس وأخسرَهم يُفضِّل أولى الحالتين على الثانية، وجاء بعد سقراط الشاعر الروماني هوراس فعدّل هذا المعنى فقال: إنّ ما يكابد أحدنا من المصائب أخفُّ عليه من مصائب أيّ إنسانٍ آخرَ إذا وقع بين الرّجلين تبادلٌ. . . فبينا أنا ذات يوم متّكئٌ في خلوتي أفكّر في هاتين الحكمتين وقد أخذتني سِنةٌ من النوم إذ خُيّل إليّ أنّه بأمر إله الآلهة قد نُودي في الناس: أن يحملَ كلُّ امرئٍ مصائبَه فيأتوا بها جميعاً فيطرحوها بعضَها فوق بعض، في سهل فسيح، فوقفت وسطَ ذلك السهل، وسرَّني أن أرى الناس طُرّاً يأتون واحداً بعد واحدٍ يلقون أثقالَهم العديدة، حتى ارتفع من مجموعها جبلٌ طالت ذؤابتُه السحابَ.
وكان هنالك امرأةٌ نحيلةٌ خفيفةٌ قد شمّرت عن ساعد الجد وسط هذه
стр. 250
الخلائق، تحمل في إحدى يديها مِجهراً، وعليها ثوبٌ فضفاضٌ هَفْهافٌ سابغُ الذيل موشَّى بعدد عديد من تصاوير الجان والعفاريت، كلّما ضربت الريحُ الجلبابَ تلوّنت وتشكّلت تلك التهاويلُ أشكالاً وألواناً؛ وكان في عينها وَلَهٌ وتلهُّفٌ وحيرةٌ، وكان اسمها الوهم وهي التي كانت تسوق كلّ فردٍ من البشر إلى المكان المعيّن بعد إعانتِها إيّاه على ربط حُزمته وحَبْكِها وإلقائِها على عاتقه، فأذاب قلبي رؤيةُ إخوتي وأبناء أمي وأبي ينوؤون بأحمالهم. ويئنّون تحت أثقالهم؛ وفتّت كبدي أن أبصرَ ذلك الجبلَ الباذخَ الذي من أحزانهم تكوّن، ومن آلامهم تألّف، على أنه ألهاني عند ذلك، وسلاني هنالك: عدةٌ من القوم، لغريبِ أحوالهم وعجيبِ هيئاتهم؛ فمن بين هؤلاء رجلٌ في حُلّة مطرزةٍ أقبل يسعى حتى جاء المكان، فأخرج من تحت حلّته الموشّاة المُزركشة حملاً، فألقاه فحَدَجْتُ ببصري أتبيّنه، فإذا هو: الفقر؛ وأقبل آخرُ يرزح
تحت ثقلِه، وبعد كثير من التنفّس والزفير ألقى حملَه، فنظرت؛ فإذا هو؛ زوجته؛ ورأيت عدداً عديداً من العشّاق على كواهلِهم أثقالٌ عجيبةٌ من سهامٍ وشُعل؛ ولكن أعجبُ من ذلك أنّه برغم ما رأيته يكادُ يمزِّق قلوبَهم من غُلَواء الوجد وبُرَحاء الكمد؛ وبرغم زفرةٍ لهم ترقى؛ وعَبرة لا ترقا كانوا لا يستطيعون مطاوعةَ عقولهم على إلقاء تلك الأثقال عند ما بلغوا الكثيب؛ ولكنهم بعد قليلٍ من المحاولة - محاولة المتثاقل المتكرِّه - هزّوا رؤوسهم ورجعوا بأثقالهم أشدَّ ثقلاً وأفدحَ حملاً، وأبصرت كثيراً من العجائِزِ يُلقينَ تغاضِينَ وجوهِهنّ
следующие страницы →