← Адаб

Адаб · id 36072

الذخائر والعبقريات

البرقوقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قلتُ - لمّا انْتَحى يَعُدُّ أُساهُ ... مِنْ مُصابٍ شبابُه فمُصابِ: ليس تأسُو كلومُ غيري كُلومي ... . . . . . . . . . . . . . . البيت وأما قولهم في التأسّي بِمَنْ مصيبتُه كمُصابِ المُصابِ أو تُربي عليه فمن ذلك قولُ أفلاطون لرجلٍ رآه مَغْموماً: لو أحضَرْتَ قلبَك ما فيه الناسُ من المصائب، لقلَّ همُّك. . . انظر مقالة الكاتب أديسون آخر هذا الباب. . . وقالت الخنساء: ولولا كثرةُ الباكِينَ حَولي ... على إخوانِهم لقَتَلْتُ نفسي وما يَبْكُون مثلَ أخي ولَكِنْ ... أُسَلِّي النَّفسَ عنهُ بالتأسِّي وقال حُرَيْث بْنُ سَلمةَ بنِ مُرارة بن مُحَفِّص، أحد بني خزاعيّ بن مازن - شاعر جاهلي -: ولولا الأُسَى ما عِشْتُ في النّاس بعدَه ... ولكن إذا ما شِئتُ جاوَبَني مِثْلِي عروة بن الزبير مثل أعلى للصبر والتأسي كان عُروةُ بن الزُّبَير، أحدُ الفقهاء السبعة بالمدينة، وابنُ الزبير بن العوّام - أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وابنِ صفيَّةَ عمَّةِ سيدنا رسول الله - وشقيقُ عبد الله بن الزبير - الذي وَلِيَ الخلافة في الحجاز حيناً من الدهر أزمانَ بني أميَّة والذي تولّى قتله الحجّاج - وأمُّ عروةَ أسماءُ بنت أبي بكر الصديق - وهي ذاتُ النِّطاقَين، وخالتُه عائشةُ أمُّ المؤمنين ﵂، وكان عالماً صالحاً،

стр. 247

أقول: كان عروةُ هذا من قوّة الإيمان والتسليم والرَّضا بالقدر خيرِه وشرِّه ورجَحان العقلِ، بحيث يعدُّ مثلاً أعلى للصَّبر والتسلّي، وذلك أنّه وَفَدَ من المدينة على الوليد بن عبد الملك بدمشق - عاصمة الأمويين - وكان معه ابنُه محمّد - وكان من أجمل الناس، فيقال: إن الوليدَ عانَه - أصابَه بعينِه - فدخل محمد دارَ الدّواب، فضربتْه دابّةٌ فخَرَّ ميِّتاً، ووقعت في رجلِ عُروةَ الأكِلَة - داءٌ في العضو يأتَكِلُ منه - ولم يَدَعْ وِرْدَه تلك الليلة، فقال له الوليد: اقْطَعْها وإلا أفْسَدَت عليك جسدَك، فلما دُعِيَ الجزّارُ ليقطعَها قال له: نسقيك الخمرَ حتّى لا تجدَ لذلك ألَماً، فقال: لا أستعينُ بحرامِ اللهِ على ما أرْجو من عافيتِه، قالوا: نسقيك المُرْقِدَ دواءٌ يرقد شاربَه كالأفيون قال: ما أحبُّ أن أسلَبَ عُضواً من أعضائي وأنا لا أجدُ ألمَ ذلك فأحتسبه أحتسبه: أطلبُ به الأجرَ. ودخل عليه قومٌ أنكرهم فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يُمسكونَك فإنَّ الألمَ ربّما يَعْزُبُ معه الصبر يعزب: يبعد قال: أرجو أن أكفيَكم ذلك من نفسي، فقُطِعَتْ كعبُه بالسكّين، حتّى إذا بلغ العظمَ وُضِعَ عليها المنشارُ، فقُطِعَتْ وهو يهلِّل ويكبّر يهلل: يقول: لا إله إلا الله، ويكبّر: يقول: الله أكبر ثمّ إنّه أغليَ له الزيتُ في مَغارفِ الحديد، فحُسِمَ به، فغشِيَ عليه، فأفاقَ وهو يمسح العرقَ عن وجْهِه، ولمّا رأى القدمَ بأيديهم دعا بها فقلَّبها

стр. 248

في يده، ثم قال: أما والذي حَملَني عليك، إنّه ليعلم أنّي ما مشيتُ بك إلى حرامٍ، ولمّا دخل ابنه إصطبلَ الوليد بن عبد الملك وقتلتْه الدَّابّة كما تقدَّم لَمْ يُسْمَعْ في ذلك منه شيءٌ إلا قوله ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ ولمّا قُطِعت رجلُه قال: اللهمَّ، إنّه كان لي أطرافٌ أربعةٌ فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثةً، فلك الحمد، وأيْمُ اللهِ، لئن أخذْتَ لقد أبقيتَ، ولئن ابتليتَ لقد عافيتَ. . . ولمّا مات ابنُه وقطعت رجلُه، وفد في هذه الأيام على الوليد قومٌ من بني عبس فيهم رجلٌ ضرير، فسأله الوليد عن عينيه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، بتُّ ليلةً في بطن وادٍ ولا أعلم عَبْسيّاً يزيدُ مالُه على مالي، فطرقنا سيلٌ فذهبَ بما كان لي من أهلٍ وولدٍ ومالٍ، غيرَ بعيرٍ وصبيٍّ مولود، وكان البعير صَعْباً، فنَدَّ، فوضعت الصبيَّ واتَّبعتُ البعيرَ فلم أجاوِزْ إلا قليلاً حتّى سمعتُ صيحةَ ابني ورأسُه في فَمِ الذئبِ وهو يأكلُه، فلَحِقْتُ البعيرَ لأحبسَه فنفَحني برجلِه ضربَه بحدِّ خُفّيه على وجهي، فحطَّمه وذهب بعينيّ؛ فأصبحتُ لا مالٌ لي ولا أهلٌ ولا ولدٌ ولا بصرٌ؛ فقال الوليد: انطلقوا به إلى عُروةَ ليعلمَ أنّ في الناسِ من هو أعظمُ منه بلاءً. . . وممّن عزّى عروة: إبراهيمُ بن محمد بنِ طلحة قال له: والله ما بك حاجةٌ إلى المشيِ ولا أربٌ في السَّعْيِ؛ وقد تقدّمك عضوٌ من أعضائك وابنٌ من أبنائك؛ إلى الجنّة؛ والكل تَبَعٌ للبعض، إنْ شاء الله تعالى؛ وقد أبقى اللهُ لنا منك ما كنّا إليه فقراءَ، وعنه غيرَ أغنياء؛ من علمِك ورأيِك؛ نفعك اللهُ وإيّانا به واللهُ وليُّ ثوابِك؛ والضمينُ بحسابِك. . .

стр. 249

مطرح الهموم وهذه كلمة طريفةٌ في معنى ما نحن بصدَدِه، كتبها الكاتبُ أديسون ونقلها المرحومُ محمد السباعي إلى مجلّة البيان التي كان يقوم بإخراجها مؤلِّفُ هذا الكتاب، قال أديسون: مما يؤثر عن الحكيم سُقراط أنه قال: إذا جُمعت مصائبُ البشر كلُّها في وعاءٍ، ثمّ قُسمت على جميعِ الناس بالسَّواء لأصبحَ من كان يحسِبُ نفسَه أشقى الناس وأخسرَهم يُفضِّل أولى الحالتين على الثانية، وجاء بعد سقراط الشاعر الروماني هوراس فعدّل هذا المعنى فقال: إنّ ما يكابد أحدنا من المصائب أخفُّ عليه من مصائب أيّ إنسانٍ آخرَ إذا وقع بين الرّجلين تبادلٌ. . . فبينا أنا ذات يوم متّكئٌ في خلوتي أفكّر في هاتين الحكمتين وقد أخذتني سِنةٌ من النوم إذ خُيّل إليّ أنّه بأمر إله الآلهة قد نُودي في الناس: أن يحملَ كلُّ امرئٍ مصائبَه فيأتوا بها جميعاً فيطرحوها بعضَها فوق بعض، في سهل فسيح، فوقفت وسطَ ذلك السهل، وسرَّني أن أرى الناس طُرّاً يأتون واحداً بعد واحدٍ يلقون أثقالَهم العديدة، حتى ارتفع من مجموعها جبلٌ طالت ذؤابتُه السحابَ. وكان هنالك امرأةٌ نحيلةٌ خفيفةٌ قد شمّرت عن ساعد الجد وسط هذه

стр. 250

الخلائق، تحمل في إحدى يديها مِجهراً، وعليها ثوبٌ فضفاضٌ هَفْهافٌ سابغُ الذيل موشَّى بعدد عديد من تصاوير الجان والعفاريت، كلّما ضربت الريحُ الجلبابَ تلوّنت وتشكّلت تلك التهاويلُ أشكالاً وألواناً؛ وكان في عينها وَلَهٌ وتلهُّفٌ وحيرةٌ، وكان اسمها الوهم وهي التي كانت تسوق كلّ فردٍ من البشر إلى المكان المعيّن بعد إعانتِها إيّاه على ربط حُزمته وحَبْكِها وإلقائِها على عاتقه، فأذاب قلبي رؤيةُ إخوتي وأبناء أمي وأبي ينوؤون بأحمالهم. ويئنّون تحت أثقالهم؛ وفتّت كبدي أن أبصرَ ذلك الجبلَ الباذخَ الذي من أحزانهم تكوّن، ومن آلامهم تألّف، على أنه ألهاني عند ذلك، وسلاني هنالك: عدةٌ من القوم، لغريبِ أحوالهم وعجيبِ هيئاتهم؛ فمن بين هؤلاء رجلٌ في حُلّة مطرزةٍ أقبل يسعى حتى جاء المكان، فأخرج من تحت حلّته الموشّاة المُزركشة حملاً، فألقاه فحَدَجْتُ ببصري أتبيّنه، فإذا هو: الفقر؛ وأقبل آخرُ يرزح تحت ثقلِه، وبعد كثير من التنفّس والزفير ألقى حملَه، فنظرت؛ فإذا هو؛ زوجته؛ ورأيت عدداً عديداً من العشّاق على كواهلِهم أثقالٌ عجيبةٌ من سهامٍ وشُعل؛ ولكن أعجبُ من ذلك أنّه برغم ما رأيته يكادُ يمزِّق قلوبَهم من غُلَواء الوجد وبُرَحاء الكمد؛ وبرغم زفرةٍ لهم ترقى؛ وعَبرة لا ترقا كانوا لا يستطيعون مطاوعةَ عقولهم على إلقاء تلك الأثقال عند ما بلغوا الكثيب؛ ولكنهم بعد قليلٍ من المحاولة - محاولة المتثاقل المتكرِّه - هزّوا رؤوسهم ورجعوا بأثقالهم أشدَّ ثقلاً وأفدحَ حملاً، وأبصرت كثيراً من العجائِزِ يُلقينَ تغاضِينَ وجوهِهنّ

стр. 251

وكثيراً من الفتيات يلقين سُمْرَ جلودِهن. ورأيت كُوماً من أنوفٍ حمراء وأسنانٍ قلحاء وشفاهٍ فلحاء. والعجب العُجاب أنّي رأيت معظمَ الجبلِ مؤلّفاً من عاهاتٍ بدنية. وآفاتٍ جسدية، ثم لمحْتُ من بعيد رجلاً على ظهره حملٌ لم أرَ في سائر الأحمالِ ما يُدانيه عظماً، فأنعمتُ النظرَ فإذا هي حَدْبةٌ، فألقاها - فرحاً بذلك - بين سائرِ البلايا الآدمية. ورأيت كذلك عِللاً وأمْراضاً من كل ضربٍ وصنفٍ، غيرَ أنّي رأيت الوهميَّ من ذلك أكثرَ من الحقيقي وشاهدت بين هذه نوعاً قد ألِّف من جميع الأمراض والعللِ يحمله في الأكفِّ عددٌ عظيم من ذوي النعمة والرفاهية، واسمُ هذا الداء: المللُ، وأعظم عجبي وحيرتي أنّي لم أرَ أحداً قطُّ ألقى بين هذه الآفاتِ والمصائبِ شيئاً مما ابتليت به نفوسُ البشر من الرذائلِ والحماقاتِ والأضاليلِ والنقائصِ والسخافاتِ والأباطيل، فأدهشني ذلك أيَّما دَهَش، إذ كنت قد ظننت أنّها فرصةٌ لا يدعها أحدٌ حتى يطهِّرَ نفسَه من أدرانِ الأهواءِ والشهوات. ويخلصَ طبعَه من أكدارِ العيوب والعورات. ورأيت في الجماعة رجلاً فاسقاً لم أشكَّ في أنّه جاء مُثقلاً بأوزاره وآثامه: فلما أقبلتُ على ما رَماه أفتِّشه ألفيتُ أنّه لم يرمِ شيئاً من تلك الذُّنوب والآثام وإنّما رمى ذاكرته، وتبعه رجلٌ ساقطٌ جاهل، فنظرته فإذا هو قد نبذَ حياءَه لا جهلَه. . . ولمّا فرغَ الناسُ من طرح أثقالهم وفرغت الجِنّيَّةُ النحيلةُ الخفيفةُ من عملها وكانت قد رأت منّي رجلاً ينظر

стр. 252

ولا يعمل، دنت منّي، فلم يَرُعْني إلا رفعُها المجهرَ إزاءَ عيني، وكنت أعرف في وجهي القِصَرَ، فإذا هو قد تناهى قِصَراً حتّى عاد أبشعَ شيءٍ، فساءني منظرُه، فألقيتُه كما يُلقى القناع. وكنت قبل ذلك ببرهةٍ أبصرتُ رجلاً رمى بوجهه لِفرْطِ طوله، وكان أطولَ وجهٍ حتى لذقنُه وحدَها تطول وجهي بأكملِه، فاستراح من مصيبتِه واسترحت، واستراحَ الخلقُ طرّاً؛ وأطلِق لكلّ امرئٍ أن يستبدلَ ببلواهُ مِحنةَ غيره. على أنه لم يبقَ في الجمع إلا متعجبٌ من هذه المِحن كيف عدّها أهلُها محناً وكيف كان قد غُرّ بها وخُدع فيها، فحسِبَها نِعماً وفوائدَ! وبينا نحن نتأمّل خليطَ المصائب، ومزيجَ النّوائب، صدر أمرُ الإله الأكبر أن يستبدلَ كلُّ امرئ بمصابه ويرجِعَ إلى مثواه بحَظّه الجديد، عند ذلك تحرّكت الوهمُ وقسَمت الكثيبَ في أخفِّ نشاطٍ وأكملِ سرعة، فأعطت كُلاً نصيبَه، - وكأنّي باليراع يعجز أن ينعتَ ما حدث إذْ ذاك من هرجٍ ومرجٍ، ثم كانت أمورٌ كثيرة أذكر الآن بعضها: رمَى شيخٌ كبيرٌ على كثيبِ المصائبِ علَّةً كانت في بطنِه، وكان عاقِراً، يتمنّى ولداً يكون عمادَ شيخوخته ووارثَ ثروتِه، فمدَّ يدَه ليعتاضَ من دائه الذي طرحه فاختطفَ ولداً فاجِراً عاقّاً، كان آفةَ أبٍ له، وكان ذلك الأبُ قد نبذَه في النّبائذِ يريدُ به بديلاً، وقد أخذَ بدلَه مرضَ البطنِ الذي رمى به الرجلُ الأول. فلم تمضِ إلا برهةٌ حتى رأيتُ ذلك الغلامَ قد ثار بالشيخِ الكبيرِ فأخذ بلحيتِه وناصيتِه، وهمَّ أن يفلِقَ رأسَه. فما هو إلا أن أبصرَ الأبَ

стр. 253

الأصليَّ، وكان يسعى نحوه مُمسكاً بحشاه من وَجَعِ المعدة حتى صاح به: يرحمك الله وإيّانا، خذ ولدَك بارك اللهُ فيه وأعطِني علّتي، ولكن قُضي الأمرُ، وكان ما لا يكون تبديلُه، ولا يستطاع تحويلُه. . . يا ابْنَ بُورَانَ لا مَفرَّ مِنَ الل ... هِ ولا مِنْ قَضائِه المَحْتومِ ورأيتُ أسيراً مقيّداً خُلع قيدُه، وقُلِعَ صفدُه، فاعتاض منه النِّقرسَ ولكن أبدى من التأوُّه والتأفُّف والتلوّي والتنزّي ما دلّ على أنه لم يكن في تجارتِه تلك بالرابحِ الصفقة. ولقد كان من الممتع اللاذِّ أن تبصرَ ما وقع إذ ذاك من المبادلاتِ والمقايضاتِ، من عِلّةٍ بِخَلَّة وجوعٍ بفقدان شهوة، وهمٍّ وتسهيدٍ، بأسرٍ وتقييد. أما النساء فكُنَّ من تبادل الأعضاء - أعضاء الوجه والجسم - في شغلٍ شاغلٍ، فواحدةٌ تستعيض لِمّةً شمطاءَ، من جلدةٍ سمراء، وثانيةٌ تأخذ عنقاً قصيراً، وتعطي أنفاً كبيراً، وثالثةٌ ترمي عِرْضاً مفضوحاً، وتلتقط وجهاً مقبوحاً، وما منهنَّ إلا من تُدرك في الحال أنّها اعتاضت من سيّئ أسوأ، ومن رديءٍ أرْدأ، وكذلك حالُ سائر الجمع في كل بليّة وآفةٍ، لعلّه لأن ما أصابنا به اللهُ مناسبٌ لمقدار صبرنا واحتمالنا، أو لأنّ كلّ مصيبةٍ تذلِّلها العادة. . . فقلتُ لها: يا عَزُّ، كلُّ مُصيبةٍ ... إذا وُطِّنَتْ يوماً لها النَّفْسُ ذلَّتِ ولقد رحمت من صميمِ مهجتي ذلك الأحدبَ الآنفَ الذّكر، إذ راح معتدلَ القامةِ وافيَ الشَّطاط، لكن بداءٍ في كلاه، وعلّةٍ في حشاه، كما رحمت معاقدَه ومبايعَه الذي راح محدودبَ الظهر يَظلَع وسط سربٍ من الفتيات كنَّ قبلُ به مولعاتٍ

стр. 254

وفيه هائمات. ولست ناسياً ذكر شأني وشأن ذي الوجهِ الطويل، فإنّ ذلك الرفيق ما كاد يأخذ وجهي القصير حتى أضحى فيه أعجوبةَ الأعاجيب، فاستلقيت ضاحكاً من وجهي حتى أخجلتُ وجهي، وأدرك الرجلُ المسكين خطيئتَه وعرف غلطتَه، فخجل وأستحيى، غير أني ما لبثت أن فِئْتُ إلى نفسي فعلمت أنه ليس لي أن أُزهى وأختال وأسخر من الغيرِ وأنا سُخْرةٌ، وأضحك منهم وأنا ضُحْكة، وإن لي في غرابة هيئتي لشغلاً عن اللهو بهيئاتِ الناس ومندوحةً، وذلك، أيّها القارئ، أنّي رفعت يديَّ أريد جبهتي فلم تقع لطول وجهي إلا على الشفةِ العليا، وكذلك بينا أنا أجيلُ يدي في وجهي أريد إحدى عيني صكّت يدي أنفي، لبروزه وضخامته، مراراً. ثم نظرت ناحيةً منّي فأبصرت رَجلين في مثلِ حالنا من السُّخرية قد أحدثا تبادلاً في زوجين من الأرجل، زوج غليظ أعوج قصير، وزوج طويل نحيل، فكان صاحب الرجلين النحيلتين كأنّما قد رُفع في الهواء على عَمودي بيت، فهامتُه تدور مع الريح حيثما دارت، وأما صاحبُ الرجلين العوجاوين القصيرتين فكلّما حاول السيرَ دار في مكانه لا يبرحه. ولما رأيتُ على محيّاه سيما الحِلم والظُّرْف والفكاهة أقبلت عليه أمازحه فقلت له: سأجعل لك كذا وكذا إن استطعت أن تبلغَ هذا، ورسمت له خطاً على مسافة ذراعين من مُرسى قدميه، في مدّة نصف ساعة. وأخيراً تم توزيعُ كثيبِ المِحَنِ والآفاتِ على أهلها، من ذكرٍ وأنثى.

стр. 255

وأقبلوا جميعاً تحتَ أثقالها الجديدة رُزَّحاً حَسْرى، وُلَّهاً حَيْرى وقد ملؤوا السهلَ والحَزْنَ ضجّةً وأنينا. ورنةً وحنينا. ثم أدركتهم رحمةُ الله، فأمرهم بطرحِ أثقالِهم كَرّةً أخرى، فألقَوْها فرحين بإلقائِها مسرورين. وأمر الوهمَ تلك الشيطانة التي غرّرت بهم وضلّلتهم، أن تنصرفَ، فانصرفت، وأرسل الإلهُ بدلَها ملكاً كريماً، جِدَّ مخالفٍ لها هيئةً وشكلاً. مبايناً لها خَلقاً وخُلقاً، رزينَ الحركة ثابتَ الجنان، قد جمع في هيئتِه بين الطّلاقة والجِدِّ والوقار والبِشر، لا ينفكُّ من حينٍ إلى آخر يرفع نحو السماء طرفَه، ويسمو إلى عرش الله بأملِه، واسم هذا الملك. الصبر. وأعجب ما رأيت أنّ هذا الملك ما قام بجانبِ جبلِ الآلام إلا وأخذ الجبلُ يهبط ويَضْؤُل حتّى لم يبقَ منه أكثرُ من رُبْعه، ثمَّ أعاد ملكُ الصبرِ إلى كلٍّ حظَّه الأوّل، وألهمه الصبرَ الجميلَ، وأشعر قلبَه قوةَ الجَلَدِ ونورَ اليقين، فراح مُغتبِطاً سعيداً يَحْمد اللهَ على كلِّ ما أعطاه، تائباً ممّا اقترفَه من الجهلِ وجناه. فممّا أفدتُ من هذه العِظاتِ والعبر أنّي لستُ حقيقاً أن أتبرَّمَ بشيءٍ ممّا يصيبني به اللهُ أو أنفِسَ على امرئٍ هبةً أو نعمةً، إذ كان مستحيلاً على امرئٍ أن يعلمَ حقيقةَ جاره ويعرف سرَّ صاحبه ويقف على مبالغ أحزانه وأشجانِه وكربِه، ونُوَبِه، وبلاياه، ورزاياه، فكلٌّ لكلٍّ سرٌّ غامضٌ وخزانةٌ مقفلةٌ وسِفرٌ مطبقٌ. ولكني آليت على نفسي أن آخذَ نفسي بثلاث: كِتمان العلة، وكتمان الفاقة، وكتمان المصيبة، مع الصبر عليها جميعاً، وأنْ لا أحْسُدَ امرأً على شيءٍ، وأن أكون أبداً حاضرَ الصَّفح للناس، واسعَ العفو، إذ كان أعقلُ الناس أعذرَهم للناس. . .

стр. 256

عبقريّاتهم في الدُّنيا وأنّها دارُ مِحَنٍ وأكدار ولأنَّ الدُّنيا التي أسماها سيَّدُنا رسولُ الله: أمَّ دَفْر - والدَّفْرُ، النَّتَن، دَفْراً دافِراً لهذه الدنيا - أقول: لما كانت هذه الدنيا دارَ مصائبَ ومحنٍ وأكدار، وحسبُك بهادِمِ اللذّات - الموت - الذي فضحَ هذه الدُّنيا وبنيها أيَّما فضيحةٍ والذي هو نهاية كل حي، من مصيبة أيّ مصيبة - لأجل هذا قال الأوائل والأواخر في هذه الدنيا وأبدعوا وافتنّوا كلَّ الافتنان، ونحن فسوف نورد عليك أطيبَ ما قالوا في ذلك، لما بينه وبين الصبر من واشِجةِ الرحم، ولأنه كلامٌ خالد، لأنه حق وصدق، لا يليق بعاقل أن لا يكترثَ له، وإنّما الواجب أن يجعلَه دائماً نصب عينيه، وأن ينظر إليه نظرةَ رجلٍ ثاقبِ الرأي بعيد أفق الفكر. لا نظرةَ رجلٍ أحمقَ مُمْتَلَخِ العقل أعمته أباطيلُ هذه الحياة وألهاهُ التكاثرُ وبَهْرَجَها عن كُنْهِها فارْتَطمَ في أوْحالها وصار يَمْلَخ في لذاذاتها مَلْخاً، لاهياً عن المنهاة المؤسفة التي تنتظرنا جميعاً، جالباً بنفسه على نفسه ما يضاعف آلامَها، لا ما يخفِّف أحزانها ويهوّن ما أمكن شدائدَها وأكدارَها. ونحن إذْ نورد في هذا الكتاب ما قالوا في الدُّنيا فإنا لا ندعو إلى الزُّهد فيها وفي تعميرها - كما سيمرُّ عليك في هذا الفصل - ولكن ما دام كتابُنا في عبقريات الأوائل والأواخر، في كلِّ شيء، كان واجباً علينا أن نوردَ عبقرياتِهم في الدُّنيا، وفي الموت، كما نورد عبقرياتهم في سائر المعاني التي يعالجها الناس ويتداولونها فيما بينهم، على أنّهم إذ ذمّوا الدنيا إنّما يترامَوْن بذلك أوّلاً إلى أن يصدعوا بالحقيقة وهي أن الدُّنيا في الواقع دارُ أحزانٍ وأكدار، وثانياً إلى حثِّ الناس على الإجمال في الإقبال عليها، والتعقُّل في

стр. 257

التّهافتِ على شهواتها، والاعتبار بعبرها، والتزوّد فيها لما بعدها، ومن ينكر أن ذلك جميلٌ ونافعٌ! ذمَّ رجلٌ الدُّنيا بحضرة علي بن أبي طالب ﵁ فقال عليٌّ: اسكت، فإنّ الدنيا دارُ صدقٍ لمن صدَقَها، ودارُ غِنًى لمن تزوَّد منها، ودارُ عافيةٍ لمن فَهِمَ عنها، ودار موعظةٍ لمن اتّعظ بها، مَهْبِطُ وحي الله، ومَتْجَرُ أوليائه. . . إلى آخر ما قال. ومن كلامه أيضاً رضوان الله عليه: الناسُ أبناءُ الدُّنيا ولا يُلامُ المرءُ على حُبِّ أمّه. . . وسيمرّ عليك كثيرٌ من أمثال هذا. . . أسماء الدنيا الدُّنيا: اسْمٌ لهذه الحياة وتُكْنى الدُّنيا: أمُّ دَفْرٍ، أسماها بذلك - كما أسلفنا - سيّدُنا رسول الله، والدَّفْرُ: النَّتَن، وتُكنى كذلك: أمَّ شَمْلَةَ، أنشد ابن الأعرابي: مِنْ أُمِّ شَمْلَةَ تَرمِينا بذائفِها ... غَرَّارةً زِينَتْ منها التَّهاويلُ وكذلك تُكنى الخمر: أمَّ شملة، قال أبو عمرو بن العلاء: إنّما سُمّيت الدُّنيا والخمرُ بذلك لأنّهما يشتملان على عقل الإنسان فيُغيّبانِه. . . أقول: ومن ينكر أنّ أبناءَ الدنيا، من شدّة تعلُّقهم بها وتكالُبهم عليها، وضراوتِهم بشهواتِها، وافتتانهم بزينتِها وخوضِهم غمراتِها، بحيث يُعدُّون كأنّهم مُنْزفون مُسْتلبو العقول حتى إذا رماهم هاذمُ اللذّاتِ بِسهامِه صَحَوا وأفاقوا. . . وصدق سيدُنا رسولُ الله إذ يقول صلواتُ الله عليه: (الناسُ نِيامٌ فإذا ماتوا انْتَبهوا). . . أمّا الدهر - وهو اسمٌ لزمانٍ متصل، والزّمانُ اسمٌ لدهرٍ منفصل - فقد سمَّوه أبا العجب قال: وما الدَّهْرُ في فِعْلهِ إلا أبو العَجَبِ والنسبة إلى الدنيا: دنياوي، ويقال: دُنْيويّ ودُنْييٌّ - وجمعُها دُنًى، وإنّما

стр. 258

سُمِّيت دُنيا: لدنوِّها، لأنّها دنت وقرُبت، وتأخَّرت الآخرة، أما الدُّهر فالنسبةُ إليه دُهْرِيٌّ بضمِّ الدّال تقول: رجلٌ دُهْرِيٌّ: أي قديمٌ مسن، أما رجلٌ دَهْريٌّ بفتح الدّال فمعناه: مُلْحِدٌ لا يؤمن بالآخرة يقول ببقاء الدّهر، وقوله ﷺ : (لا تسبّوا الدَّهْرَ فإنّ اللهَ هو الدّهر)، فمعناه: أنّ العربَ كان من شأنها أن تذمَّ الدهرَ وتسبَّه عند الحوادث والنوازلِ تنزل بهم من موتٍ أو هَرمٍ فيقولون: أصابتهم قوارِعُ الدَّهر وحوادثُه وأبادهم الدَّهرُ، فيجعلون الدهرَ الذي يفعل ذلك فيذمّونه، وقد أخبر اللهُ بذلك في كتابه العزيز ثم كذّبهم فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، ثم قال الله: ﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، وجمعُ الدَّهرِ أدْهُرٌ ودُهور، أما الدَّهارير فهي تصاريفُ الدَّهر، وقيل جمعٌ للدهرِ على غير قياس، قال الشاعر القديم: فاسْتَقْدِرِ اللهَ خيراً وارْضَيَنَّ به ... فبَيْنما العُسْرُ إذْ دارَتْ مَياسيرُ وبينما المَرْءُ في الأحْياءِ مُغْتَبِطٌ ... إذا هو الرَّمْسُ تَعْفوهُ الأعاصيرُ يَبْكي عليه غَريبٌ ليسَ يَعرفهُ ... وذو قرابتِه في الحيِّ مَسْرورُ حتّى كأنْ لم يكنْ إلا تَذَكُّرُهُ ... والدَّهرُ أيَّتَما حِينٍ دَهاريرُ قوله: فاستقدر اللهَ خيراً: أي اطلب منه أن يقدِّرَ لك خيراً، وقوله: فبينما العسر؛ فالعسر مبتدأ خبره محذوف تقديره فبينما العسر كائن أو حاضر، إذ دارت مياسير: أي حدثت وحلت، والمياسير جمع ميسور، ومغتبط أي في غبطة: أي مسرّة وحسن حال، والرّمس: القبر، وتعفوه: تدرسه وتمحو أثرَه،

стр. 259

والأعاصير جمع إعصار وهي: الريحُ تهبُّ بشدة، وقوله؛ كأن لم يكن إلا تذكُّره فيكن تامةٌ وإلا تذكُّره فاعل بها واسم كأنْ مضمرٌ تقديره كأنّه لم يكن إلا تذكُّره والهاء في تذكُّره عائدة على الهاء المقدرة، والدهر مبتدأ ودهارير خبرُه وأيَّتما حال ظرف زمان والعامل فيه ما في دهارير من معنى الشدّة، والدّهارير قال الزمخشري: تصاريفُ الدهر ونوائبُه، مشتقٌّ من لفظ الدّهر ليس له واحدٌ من لفظه كعَبابيد. قلّة لبث الإنسان في الدنيا قال المصطفى صلواتُ الله عليه: (فيمَ أنا من الدُّنيا؟ وما لي ولَها! وإنَّما مَثلي ومَثلُها كراكبٍ سارَ في يومٍ صائفٍ، فرُفِعت له شجرةٌ فقالَ تحتها ساعةً من نَهارٍ، ثمَّ راحَ وتركَها) قالَ: من القيلولة وهي الاستراحة نصفَ النهار وإن لم يكن معها نومٌ، يقال: قالَ يَقيلُ قيلولةً فهو قائِل. وقال عليُّ بن أبي طالب: الدُّنيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مقرٍّ والناسُ فيها رجلانِ رجلٌ باعَ نفسَه فأوبقَها ورجلٌ ابتاعَ نفسَه فأعتقَها أوبقَها: أهلكَها بسبب تهافتِه على الدنيا وإعراضِه عن الآخرة، وابتاع: اشترى، وأعتقَها أي من النار، بتجنُّبِه المعاصي وشهواتِ الدنيا وقيل لنوحٍ ﵇ وهو الذي عاشَ ألفَ سنة إلا خمسين عاماً -: كيف وجدتَ الدُّنيا؟ قال: كدارٍ لها بابان دخلت من أحدِهما وخرجْتُ من الآخر. قلّة متاع الدنيا قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى﴾ قليل: سريعُ التقضّي وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ

стр. 260

السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾. قوله سبحانه: إنّما مثل الحياة الدنيا، أي في سرعة تقضِّيها وذهابِ نَعيمِها بعد إقبالِها واغترارِ الناسِ بها، وزخرفها: حسنُها وبهجتُها، وقادرون عليها: أي متمكّنون من حَصْدِها، وأتاها أمرنا، أي نزل بزرعِها ما يجتاحُه فجعلَها اللهُ كأنها حُصدت من أصلها فصار زرعُها كأنه لم يكن وقال أبو جعفر المنصور حين حضرتْه الوفاة: بِعْنا الآخرةَ بنَوْمةٍ. . . وقال شاعر: أراها وإنْ كانت تُحَبُّ فإنَّها ... سَحابَةُ صَيْفٍ عن قَليلٍ تَقَشَّعُ وقال أعرابي: ما كانت الدنيا على بني فلان إلا طيفاً لما انتبهوا ولّى عنهم، وقال آخر: مَرَرْتُ بِدُورِ بَني مُصْعَبِ ... بِدُورِ السُّرورِ ودُورِ الفَرَحْ فَشَبّهتُ سُرعةَ أيّامِهِمْ ... بسُرْعَةِ قَوسٍ يُسَمَّى قُزَحْ تَلَوّنَ مُعْتَرِضاً في السّماء ... فلمّا تَمَكَّنَ مِنْهَا نَزَحْ الماضي والحاضر والمستقبل قال الحسن البصري: أمْس أجل، واليوم عمل، وغداً أمل. . .، وقال حكيم: بيني وبين الملوك يومٌ واحد؛ أما أمس فلا يجدون لذَّتَه ولا أجد شدَّتَه وأما غدٌ فإنّي وإيّاهم منه على خطر، وما هو إلا اليوم، فما عسى أن يكون! تحذيرهم من تضييع الأيام قال حكيم: الليل والنهار يعملان فيك فاعْمَل فيهما.

стр. 261

وقال الحسن البصري: ما وعظني شيءٌ مثل ما وعظني كلامُ الحجّاج في خطبته: إن امرأً أتت عليه ساعةٌ من عمره لم يذكر فيها ربَّه أو يستغفر من ذنبِه أو يفكّر في معاده، لجديرٌ أن تطولَ حسرتُه يوم القيامة. . . وكان الحجاج بليغاً ومن مَصاقَعِ الخطباء، ومن كلماته التي تُشبه كلمات الحسن البصري، وهي ممّا قاله على ذؤابة المنبر: أيّها الناس؛ اقْدَعوا هذه الأنفسَ، فإنّها أسأل شيءٍ إذا أعطِيت، وأمنعُ شيءٍ إذا سُئلت، فرحم اللهُ امرأً جعل لنفسِه خِطاماً وزِماماً، فقادها بخِطامها في الله، وعَطفها بزِمامها عن معصيةِ الله، فإنّي رأيت الصبرَ عن محارمِ الله أيسرَ من الصبرِ على عذابِه. . . اقْدَعوا: أي امنعوا، والخِطام: حبلٌ من ليف أو شعر أو كتان يُثنى طرفُه على مِخْطم البعير ليقادَ به، والزِّمام: حبلٌ دقيقٌ يُجعل في أنفه. الأيام تهدم الحياة قال حكيم: من كان الليلُ والنهارُ مطيَّته، سارا به وإن لَمْ يَسِرْ، أخذه الشاعر فقال: رأيْتُ أخَا الدُّنيا وإنْ كان خافِضاً ... أخا سَفَرٍ يُسْرَى به وهْوَ لا يَدْرِي خافِضاً: يريدُ مُقيماً في خَفْضٍ ودَعَةٍ. وقالوا: أنفاسُ المرءِ خطاهُ إلى أجلِه، وأملُه خادِعُه عن عملِه؛ وقال الشاعر: ما ارْتَدَّ طَرْفُ امْرِئٍ بِلَحْظتِه ... إلا وشَيْءٌ يَموتُ من جَسَدِهْ وقال أبو العتاهية: تَظَلُّ تَفْرَحُ بالأيّامِ تَقْطَعُها ... وكُلُّ يومٍ مَضى يُدْنِي من الأجَلِ

стр. 262

وقال عمرو بن قُميئة - شاعرٌ قديمٌ في الجاهلية -: كأنّي وقدْ جاوَزْتُ تِسعينَ حِجَّةً ... خَلَعْتُ بِها عنّي عِذارَ لِجامِي على الرّاحتيْنِ مَرَّةً وعلى العَصا ... أنُوءُ ثَلاثاً بَعْدَهُنَّ قِيامي رَمَتْني بناتُ الدَّهْرِ من حيثُ لا أرَى ... فكيفَ بِمَنْ يُرْمَى وليس برَامِ فلَوْ أنّها نَبْلٌ إذَنْ لاتَّقيْتُها ... ولكنّني أُرْمَى بغيْرِ سِهامِ قوله: خلعت بها عني عِذار لِجامي: فالعرب تقول: خلَع فلانٌ العِذارَ يريد: خَلَعَ الحَياء، مثل للشاب المُنْهمك في غَيِّه كما يخلع الفرسُ العِذارَ فيجمحُ ويطمحُ لأنّ اللِّجامَ يُمسكه، والعِذار: الذي يَضُمُّ حبلَ الخِطام إلى رأسِ البعير والناقةِ وعلى ذلك يكون معنى قوله: أنّه أسام سرح اللهو حيث أسام الغواة في هذا العمر المديد، ولعله يريد بذلك عدم التماسك كما بينه في البيت الثاني، وقوله: أنوءُ ثلاثاً يعني: أنه ينهض ثلاثَ مرات بانحناء ثم يستقيم، وبنات الدهر: نُوَبه. البقاء في الدنيا سبب الفناء قال سيّدُنا رسولُ الله: (لو لم يكسبِ ابنُ آدم إلا الصحةَ والسلامةَ لكفى بهما داءً) لأن السَّلامةَ تُسلمه إلى الهَرمِ وما يستتبعُه من الهَمِّ والسَّقم. وقيل لأعرابي: كيف حالُك؟ فقال: ما حالُ مَنْ يَفْنى ببقائِه، ويَسْقمُ بسلامتِه، ويُؤْتى من مأمنِه! وقال حُمَيْدُ بن ثَوْرٍ الهلالي - وهو شاعرٌ إسلامي ترجم له أبو الفرج في الجزء الرابع من أغانيه -: أرَى بَصَري قَدْ رابَني بَعدَ صِحَّةٍ ... وحَسْبُكَ داءً أنْ تَصِحَّ وتَسْلَما ولا يَلبَثُ العَصْران: يومٌ وليلةٌ ... إذا طَلبَا أنْ يُدْرِكا ما تيَمَّما

стр. 263

وقال أبو حيّة النّميري - من شعراء الدّولتين -: ألا حَيِّ مِنْ أجلِ الحبيبِ المغَانِيا ... لَبِسْنَ البِلَى مِمّا لَبِسْن اللّيالِيا إذا ما تَقاضَى المَرَْء يومٌ وليلةٌ ... تَقاضاهُ شَيءٌ لا يَمَلُّ التَّقاضِيا وقال بعضُ شعراءِ الجاهلية - وقيل: القائل عبد الرحمن بن سُويدٍ المُرِّي -: كانَتْ قَناتِي لا تَلينُ لِغامِزٍ ... فأَلانَها الإصْباحُ والإمْساءُ ودَعَوْتُ رَبِّي في السَّلامَةِ جاهِداً ... لِيُصِحَّني فإذا السَّلامةُ داءُ كانت قناتي لا تلينُ لغامزٍ: من الغَمْز، وهو العَصْرُ باليد وهو مثلٌ يريد: أنه كان صُلْبَ العودِ شديدَ القوَّة على من يشتدّ ويجترئ عليه وقال النَّمِرُ بن تَوْلَب - شاعر جاهلي إسلامي، وفد على سيّدنا رسول الله وحَسُنَ إسلامُه، ومن قولِه: صُوْمُ شهرِ الصَّبْرِ، وصومُ ثلاثةِ أيّامٍ يُذهبن كثيراً من وَحَرِ الصَّدر - قال: تَدارَكُ ما قَبْلَ الشّبابِ وبَعْدَه ... حَوادِثُ أيّامٍ تَمُرُّ وأغْفُلُ يَسُرُّ الفتى طُولُ السّلامةِ والبَقَا ... فكيف يَرى طولَ السّلامةِ يَفْعَلُ يَرُدُّ الفتى بَعدَ اعْتِدالٍ وصِحَّةٍ ... ينُوءُ إذا رامَ القيامَ ويُحْمَلُ والبقاءُ مقصورٌ لضرورةِ الشعر وتروى: والغِنى. . . وقال الصَّلتانُ العَبْديُّ - شاعر إسلامي كان في زمن جرير والفرزدق -: إذا لَيْلةٌ هَرَّمَتْ يَومَها ... أتَى بعدَ ذلك يَوْمٌ فَتي وهذا البيت من أبياتٍ جميلةٍ للصَّلتان اختارها أبو تمام في حماسته يقول فيها: أشابَ الصَّغيرَ وأفنَى الكَب ... يرَ كَرُّ الغَداةِ ومَرُّ العَشِي إذا ليلة. . . البيت

стр. 264

نرُوحُ ونَغْدو لحاجاتِنا ... وحاجةُ مَنْ عاشَ لا تَنقَضِي تَموتُ مَعَ المَرْءِ حاجاتُهُ ... وتَبقَى لهُ حاجَةٌ ما بَقِي فرحُ الدُّنيا مشوبٌ بالتّرح مُعَقَّب بالهموم نظر كسرى أنو شروان إلى مُلكه يوماً فأعجبه فقال: هذا مُلكٌ إلا أنه هُلْكٌ، ونعيمٌ إلا أنه عديم، وغَناء لولا أنّه عناء، وسرور لولا أنه شُرور، ويوم لو كان يوثق له بغد. . . وقال المغيرةُ بن حَبْناء - هو وأخواه صخرٌ ويزيدُ كانوا شعراء، وكان المغيرة من رجال المهلّب بن أبي صفرة توفي سنة ٩١هـ: وكَذاكَ الدَّهْرُ مأْتَمُهُ ... أقْرَبُ الأشْياءِ مِنْ عُرُسِهْ الدنيا هموم وغموم سمع حكيم رجلاً يقول لآخر: لا أراك اللهُ مكروهاً، فقال: دعوتَ عليه بالمَوْت، من عاشَ لا بدَّ له من مكروه، وقيل للنظّام - إبراهيم بنُ سيّار المُعْتزلي - وفي يده قدحُ دواء -: كيف حالك؟ فقال: أصْبَحْتُ في دارِ بَليّاتِ ... أدْفَعُ آفاتٍ بآفاتِ وقال أبو الحسن عليُّ بن محمّد التّهامي المتوفى سنة ٤١٦هـ يصفُ الدنيا -: طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنْتَ تُريدُها ... صَفْواً مِنَ الأقْذاءِ والأكْدارِ ومُكَلّفُ الأيّامِ ضِدَّ طِباعِها ... مُتطَلّبٌ في الماءِ جُذْوةَ نارِ وإذا رَجَوْتَ المُسْتحيلَ فإنّما ... تَبْنِي الرَّجاَء على شَفِيرٍ هارِ

стр. 265

الجُذْوة: الجَمْرة، والشَّفير: ناحيةُ الوادي من أعلاه، وهارٍ: يقال: هار الجرف والبناء: انهار وانهدم. وقال شاعر: أَمَرَّ الزَّمانُ لنا طَعْمَهُ ... فَما إنْ تَرى ساعَةً عَذْبَهُ وقال آخر: أُفٍّ مِنَ الدُّنيا وأسْبابِها ... فإنّها للحُزْنِ مَخْلوقَهْ هُمُومُها ما تَنقَضي ساعَةً ... عَنْ مَلِكٍ فيها ولا سُوقَهْ وقال آخر: تأتي المَكارِهُ حين تأتي جُمْلةً ... وتَرى السُّرورَ يُجيءُ في الفَلتَاتِ وقال ابن نُباتة السّعدي: وما خَيْرُ عَيْشٍ نِصْفُهُ سِنَةُ الكَرَى ... ونِصْفٌ به نَعْتلُّ أو نَتوَجّعُ مَعَ الوَقْتِ يَمْضِي بُؤْسُه ونَعِيمُه ... كأَنْ لَمْ يكُنْ والوَقْتُ عُمرُك أَجْمَعُ وقال الشريف الرضي: يا آمِنَ الأقْدارِ بادِرْ صَرْفَها ... واعْلَمْ بأنَّ الطَّالِبِينَ حِثَاثُ خُذْ مِن ثَرائِكَ ما اسْتَطَعْتَ فإنّما ... شُرَكاؤُكَ الأيَّامُ والوُرَّاثُ لمْ يَقْضِ حَقَّ المالِ إلا مَعْشَرٌ ... وَجَدوا الزّمانَ يَعيثُ فيه فَعَاثوا تحْثُو على عَيْبِ الغَنيِّ يدُ الغِنى ... والفقرُ عَنْ عَيْبِ الفَتى بَحَّاثُ المالُ مالُ المَرْءِ ما بلَغَتْ به الشَّ ... هواتُ أو دَفَعَتْ به الأحْداثُ ما كانَ منه فاضِلاً عَنْ قُوتِه ... فلْيَعْلَمَنَّ بأنَّه ميراثُ ما لي إلى الدُّنيا الغَرورَةِ حاجةٌ ... فليَخْزَ ساحِرُ كَيْدِها النَّفَّاثُ سَكَناتُها مَحْذورَةٌ وعُهودُها ... مَنْقوضَةٌ وحِبالُها أنكاثُ

стр. 266

أُمُّ المَصائبِ لا يَزالُ يَرُوعُنا ... منها ذُكورُ نَوائِبٍ وإناثُ إنِّي لأعْجَبُ مِن رِجالٍ أمْسَكوا ... بِحَبَائلِ الدُّنيا وهُنَّ رِثاثُ كنَزُوا الكُنوزَ وأغفَلوا شَهواتِهم ... فالأرْضُ تَشْبَعُ والبُطونُ غِراثُ صرفُها: حدَثانُها ونوائبها، وحِثاث: سِراعٌ، وحثا التراب: صبّه، يقول في هذا البيت: إن الغِنى يغطّي عيوبَ الأغنياء أمّا الفقرُ فإنّه يحمل الناسَ على أن يُفتّشوا عن عيوبِ الفقراء ويُلصقوا بهم العيوبَ إلصاقاً. ونكث الحبل: نقضَه، ورِثاث جمع رِث: بالٍ، وغِراث: جائعات. . . النقصان بعد التمام قالوا: مَنْ بلَغَ غايةَ ما يُحبُّ فلْيَتَوَقَّعْ غايةَ ما يَكْرَه. . . وقال الأصمعيُّ: وجدتُ لبعضِ العربِ بيتين كأنّهما أخِذا من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾، وهما: أحْسَنْتَ ظَنّكَ بالأيّامِ إذْ حَسُنَتْ ... ولَمْ تَخَفْ غِبَّ ما يأتي به القَدَرُ وسالَمَتْكَ اللّيالي فاغْتَرَرْتَ بِها ... وعندَ صَفْوِ اللّيالي يَحْدُثُ الكَدَرُ ومِنْ دُعاءِ بَعْضِهم: صَرفَ اللهُ عنك آفاتِ التَّمام. . . والبيت المشهور في هذا المعنى: إذا تَمَّ أمْرٌ بَدَا نَقْصُه ... توقَّعْ زَوالاً إذا قِيلَ تَم وقال عبد الله بن مسعود: عَرَضُ الدَّنيا عاريَّة، ومَن فيها ضيفٌ، والعاريّة مؤدّاةٌ، والضيف مُرْتَحل العاريَّة: ما تستعيرُه من قريبك أو صديقك أو جارك لتنتفِعَ به حيناً ثم تردُّه إلى صاحبه، وعرضُ الدُّنيا. ما نيلَ منها مِنْ متاعِها وحُطامها.

стр. 267

وقال حكيم: الدُّنيا تُطعم أولادَها، وتأكل أولادَها. وقال الشاعر: وما المالُ والأهْلونَ إلا وَدائِعٌ ... ولا بُدَّ يَوْماً أَنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ وقال المتنبي: أبداً تَسْتَرِدُّ ما تَهَبُ الدُّن ... يا فَيا ليْتَ جُودَها كانَ بُخْلا فكَفَتْ كَوْنَ فَرْحَةٍ تُورِثُ الغَمّ ... وخِلٍّ يُغادِرُ الوَجْدَ خِلاَّ يقول المتنبّي: شيمةُ الدُّنيا أن تستردَّ ما تهبُ وتُعطي، فليتها بخلت وما جادت إذ لو بخلت ولم تُعْطِ لكفتنا الفرحَ بوجود شيءٍ يُعقب لفقده الغمَّ، والفرحَ بوجودِ خليلٍ يُؤنس بقربِه ثم تخترمُه المنيةُ فيغادر الهمَّ خليلاً للحازن عليه وفي هذه القصيدة يقول المتنبّي: ولَذيذُ الحَياةِ أنْفَسُ في النَّفْ ... سِ وأشْهَى مِنْ أنْ يُمَلَّ وأحْلَى وإذا الشَّيْخُ قالَ أُفٍّ فما مَلَّ ... حَياةً وإنّما الضَّعْفَ مَلاّ آلةُ العَيْشِ صِحَّةٌ وشَبابٌ ... فإذا وَلَّيا عَنِ المَرْءِ وَلّى الدنيا لا يدوم فيها فرح ولا ترح قال شاعر: هَلِ الدَّهْرُ إلا ساعَةٌ ثُمَّ تَنْقَضي ... بما كانَ فيها مِن بَلاءٍ ومِنْ خَفْضِ فَهوْنَكَ لا تَحْفِلْ إساَءةَ عارِضٍ ... ولا فَرْحةً تأتي فكِلْتاهُما تَمْضي الخَفْضُ: الدَّعة ولينُ العيش وسعتُه، والهَوْنُ مصدر الهَيْن في معنى السكينة والتثبُّت والوقار والرّفق قال: فَهَوْنَكُما لا يَرُدُّ الدَّهْرُ ما فاتا ... لا تَهْلِكا أسَفاً في إثْرِ مَن ماتا وقال آخر:

стр. 268

وما اكتأَبَتْ نَفْسٌ فَدامَ اكْتِئابُهَا ... ولا ابْتَهَجَتْ نَفْسٌ فدامَ ابْتِهاجُها ودخل أعرابيٌّ عُمِّرَ مائة وعشرين سنة على معاوية ﵁، فقال له: صِفْ لنا الدُّنيا، فقال: سُنيّاتُ بلاء وسُنيّات رخاء، يُولدُ مولودٌ ويَهلِكُ هالكٌ ولولا المولودُ بادَ الخلقُ، ولولا الهالِكُ ضاقت الأرض. الدنيا غرّارة قال بعضهم: هذه الدُّنيا قَحْبَةٌ يوماً عند عطّار، ويوماً عند بيطار. . . وقال المتنبي: فَذي الدّارُ أَخْونُ مِن مُوْمِسٍ ... وأخْدَعُ من كفَّةِ الحابِلِ تَفَانى الرِّجالُ على حُبِّها ... وما يَحْصُلونَ على طائِلِ الحابل: الصائد ذو الحِبالة، وهي الشَّرك، والطائل: ما كان له قدر. يقول المتنبي: إن هذه الدنيا فاجرةٌ خوّانة لبنيها كالمومس تخلف من وَثِقَ بها، وهي كذلك أخدعُ من حِبالة الصائد تصرع من اطمأنَّ إليها، ثم قال في البيت الثاني: تفانى الناس على حبِّها ومع ذلك لم يحصلوا من أمرها على طائلٍ لأنها تستردُّ ما تعطيه وتهدم ما تبنيه، وتَمَرُّ بعد حلاوتها وتَعْوجُّ بعد استقامتها. وقالوا: مثلُ الدُّنيا مثلُ الحيّة ليِّنٌ مسّها وفي جوفها السُّمُّ النّاقع، يهوي إليها الصبيُّ الجاهل، ويحذرها الحازمُ العاقل. يهوي إليها: يسرع وذلك كما تقول رأيتُ فلاناً يَهْوي نحوك، معناه: يريدك، قال تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾: أي تريدهم وتسرع وقال أبو عمرو بن العلاء: كنت أدورُ في ضيعتي في شدّة الحرِّ فسمعت هاتِفاً يقول: وإنَّ امْرَأً دُنْياهُ أكْبَرُ هَمّهِ ... لَمُسْتَمْسِكٌ منها بِحَبْلِ غُرورِ

стр. 269

فنقشت ذلك على خاتمي. وقال الشاعر: ومَنْ عَرَفَ الأيّامَ لَمْ يَرَ خَفْضَها ... نَعِيماً ولَمْ يَعْدُدْ تَصَرُّفَها بَلْوَى حب الدنيا على الرغم من عيوبها قال علي بن أبي طالب ﵁ وقد ذُكر له قومٌ يحبّون الدُّنيا -: هُمْ أبناؤها، أفَيُلامُ الرجلُ على حبِّ والِدَيْه! وقال الشَّعبيُّ: ما أعلمُ لنا وللدنيا كقولِ كثيّر عزّة: أسِيئي بِنا أوْ أحْسِني لا مَلومَةٌ ... لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ وقد تقدّم وقال شاعر: يَذُمُّون دُنيا لا يُريحونَ دَرَّها ... ولَمْ أرَ كالدُّنيا يُذَمُّ ويُحْلَبُ لا يريحون درَّها فالدرُّ: اللبن يقول: إنّهم مع ذمِّهم إيّاها يُلحّون في الإقبال عليها ويَكلَبون ويَشْرَهون حتّى ما يتركونَ درَّها يستريح، وهذا على المثل. . . وقال أبو العتاهية: كُلُّنا يُكْثِرُ المَذمَّةَ للدُّنْ ... يا وكلٌّ بِحُبِّها مَفْتونُ الدنيا تضرُّ مُحبّيها قالوا في ذلك: الدُّنيا تضرُُّ محبّيها، وما كَرُمَت على أحدٍ نفسُه إلا هانت عليه الدُّنيا، وقالوا: أوحى اللهُ إلى الدُّنيا: أن اخْدُمي مَنْ جفاكِ واستخدمي مَنْ يهواك وهذا تمثيلٌ جميلٌ وحقٌّ وقال عمر بن عبد العزيز: الدُّنيا لا تضرُّ إلا مَنْ أمِنها ولا تنفع إلا مَنْ حَذِرها. وقال الفاروق ﵁: ما كانت الدُّنيا همَّ امْرئٍ إلا لَزِمَ قلبَه خصالٌ أربع: فقرٌ لا يُدْرك

стр. 270

غِناه، وهمٌّ لا ينقضي مَداه، وشُغلٌ لا يَنْفد أُوْلاه، وأملٌ لا يُدرك مُنْتهاه. وقال الشاعر: أرَى الدُّنيا لِمَنْ هيَ في يَدَيْهِ ... عَذاباً كلَّما كَثُرَتْ لَدَيْهِ تُهينُ المُكْرِمين لَها بِصُغْرٍ ... وتُكْرِمُ كلَّ مَنْ هانَتْ علَيْهِ الصُّغر: الصَّغار، أي الذلُّ والضَّيم. وقال المتنبي: ومَنْ لَمْ يَعْشَقِ الدُّنيا قَديماً؟ ... ولكنْ لا سبيلَ إلى الوِصالِ من: استفهامية، يقول المتنبي: من ذا الذي لم يعشقِ الدُّنيا من قديمِ الدَّهر؟ كلُّ أحدٍ يهوى الدُّنيا ولكن لا سبيلَ إلى دوام وِصالِها، أي أنَّ كثيراً من عشّاقها واصَلَها وواصَلَتْه ولكن لا سبيلَ إلى دَوامِ الوِصالِ فإنَّ وصالَها يعقبه الهَجْرُ وسرورَها يعقبه الحزنُ وأيامها تنتهي بالموت. بنو الدُّنيا أغراضٌ لضروب المحن قيل للحسن البصري: كيف أصبحت؟ فقال: كيف يصبحُ مَنْ هو غَرَضٌ لثلاثةِ أسْهُمٍ: سهمُ رزيّةٍ، وسهمُ بليّةٍ، وسهمُ منيَّةٍ. وقالوا: مَنْ أخطأه سَهْمُ المنيّة لم يُخْطِئْه سَهْمُ الرزيّة، وقال ابن المعتز: الدَّهْرُ يَطرِفُ بالعَنا ... والنّاسُ بين جُفونِهِ يقال: طَرَفَ بَصَرَه يَطْرِفُه طَرْفاً: إذا أطبقَ أحدَ جَفْنَيْه على الآخر؛ والعَنا هو العناء أي النَّصَب وقال أبو العتاهية: أُفٍّ لدُنْيا تَلاعَبَتْ بي ... تَلاعُبَ المَوجِ بالغَريقِِ

стр. 271

الأيّام تمضي في تَراذلها سمع زيادُ بن أبيه امرأةً تقولك اللَّهمَّ اعزِلْ عنّا زياداً، فقال: زيدي في دعائِك: وأبْدِلنا خيراً منه، فإنَّ الأخيرَ أبداً شرٌّ. . . وقال أبو الدّرداء: معروفُ زمانِنا مُنْكَرُ زمانٍ قد فات، ومنكرُه معروفُ زمانٍ لَمْ يأتِ. حمدُهم ماضي الزمان وذمُّهم حاضره كانت السيدة عائشةُ ﵂ كثيراً ما تنشد قولَ لبيد: ذَهَبَ الذينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ... وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجلْدِ الأجْرَبِ وتقول: رحم اللهُ لبيدا، كيف لو عاش إلى زمانِنا! وكان عبد الله بن الزبير ينشد هذا البيت ويقول: رحمَ اللهُ عائشة، كيف لو عاشت إلى زمانِنا! ومن كلام الحسن البصري: كان الناس وَرَقاً بلا شوكٍ فصاروا شوكاً بلا وَرَقٍ. . . وقالوا: رُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتُ فيه فَلمَّا ... صِرْتُ في غيرِه بَكَيْتُ عَلَيْهِ وهناك من يذهب إلى أنّ ماضي الزمانِ كحاضرِه، لا يَفْضُل قديمُ الزمانِ حديثَه، وإنّما الأيّام كلُّها، أو الناسُ جميعاً، قُداماهم ومُحْدثوهم وأوّلُهم وآخرُهم سواسيةٌ في أنّهم خَلْفٌ كجلد الأجربِ، ومن أحسن ما قيل في ذلك تلك الكلمةُ التي كتبها بديع الزمان الهَمذاني في رسالةٍ له إلى أستاذه أبي الحسين بن فارس صاحب المُجمل في اللغة، جواباً على رسالةٍ كتبها ابن فارس إلى البديع

стр. 272

في ذمِّ الزمان، قال البديع: نَعَمْ أطالَ اللهُ بقاءَ الشيخِ الإمام، إنّه الحَمَأ المَسْنون، وإنْ ظُنَّت الظُّنون، والنَّاسُ لآدَمَ، وإنْ كان العهدُ قد تقادَمَ، وارتبكَتِ الأضدادُ، واختلط الميلادُ؛ والشيخ يقول: فَسُدَ الزمانُ، أفلا يقول: متى كان صالِحاً؟ أفي الدَّولة العباسية وقد رأيْنا آخِرَها وسمعنا أوَّلَها؛ أم المدَّةِ المَروانيّة وفي أخبارِها لا تَكْسَعِ الشَّوْلَ بأغبارِها. . . أم السِّنين الحربيّة: والسَّيْفُ يُعْمَلُ في الطُّلَى ... والرُّمْحُ يُرْكَزُ في الكُلَى

стр. 273

ومَبيتُ حُجْرٍ في الفَلاَ ... والحَرَّتانِ وكَرْبَلاَ أم البَيعة الهاشميّة وعليٌّ يقول: ليتَ العشرةَ منكم بِراس، مِن بني فراس؛ أم الأيّام الأُمويّة والنفيرُ إلى الحِجاز، والعيونُ إلى الأعْجاز؛ أم الإمارةِ العدويّةِ وصاحبُها يقول: وهَلْ بعدَ البُزولِ إلا النزول، أم الخلافةُ التيميّة وهو يقول: طوبى لِمَنْ ماتَ في نأنأةِ الإسلام أم على عهد الرسالة ويومَ الفتح قيل: اسكُتي يا فلانة، فقد ذَهَبتِ الأمانةُ، أم في الجاهليّة ولبيدٌ يقول: ذهَبَ الذين يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ... وبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ

стр. 274

أم قبلَ ذلك وأخو عادٍ يقول: بِلادٌ بِها كُنّا وكُنّا نُحِبُّها ... إذِ النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانُ أم قبلَ ذلك ويروى لآدمَ ﵇: تَغيَّرَتِ البِلادُ ومَنْ عَلَيْها ... فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ أم قبلَ ذلك والملائكةُ تقول لبارئِها ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾؛ ما فَسَدَ الناس، ولكن اطَّرد القياس؛ ولا أظلمتِ الأيّام، وإنّما امتدَّ الإظلام؛ وهل يَفْسُدُ الشَّيءُ إلا عن صلاح، ويُمسي المرءُ إلا عَنْ صَباح! إنكار ذمِّ الدَّهر رَوَوْا لنا عن سيدِنا رسولِ اللهِ (لا تسبّوا الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هو الله)، وفي روايةٍ: (فإنَّ اللهَ هو الدَّهر) يقول صلوات الله عليه: إنّ ما أصابك من الدَّهرِ فاللهُ فاعلُه ليس الدَّهر، فإذا شتمت الدَّهرَ فكأنّك أردت به اللهَ: وكان من شأنِ العربِ أن تَذُمَّ الدَّهرَ وتسبّه عند الحوادثِ والنّوازلِ تنزل بهم من موتٍ أو هَرَمٍ ويقولون: أبادَهم الدهرُ وأصابتهم قوارِعُ الدّهرِ وحوادثُه، فيجعلون الدَّهْرَ الذي يفعل ذلك فيَذُمّونه، وقد ذكروا ذلك في أشعارِهم وأخبرَ اللهُ تعالى عنهم بذلك في كتابه العزيز ثم كذَّبهم فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، قال الله : ﴿وَمَا لَهُم

стр. 275

بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، والدَّهر: الزمانُ الطويل ومُدَّةُ الحياةِ الدنيا فقال النبي ﷺ : لا تسبّوا الدهرَ، على تأويل: لا تسبّوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء فإنكم إذا سببتم فاعلَها فإنّما يقع السبُّ على الله تعالى لأنّه الفاعلُ لها لا الدهر. . . وقد تقدم ذلك. وقال أبو بكر الخوارزمي قريباً من هذا المعنى الذي نُعالجه: وكم نَكْنِي وكَمْ نَهْجُو اللَّيالي ... وليسَ بِخَصْمِنا إلا القَضاءُ وقال رجلٌ للأصمعيّ: فَسَدَ الزمانُ، فقال: إنّ الجَديدَينِ في طُولِ اخْتِلافِهِما ... لا يَفْسُدَانِ ولَكِنْ يَفْسُدُ الناسُ والبيت المشهور في هذا هو قول بعضهم: نَعيبُ زَمانَنا والعيبُ فينا ... ولو نَطَقَ الزَّمانُ بِنا هَجانا وقال المتنبّي: ألا لا أُرِي الأحْداثَ حَمْداً ولا ذَمّا ... فما بَطْشُها جَهْلاً ولا كفُّها حِلْما وقال بعض الصالحين لأبي العتاهية: أيُّ خلقِ اللهِ أصغرُ عندَه؟ قال: الدُّنيا، لا تساوي عندَ اللهِ جناحَ بعوضة، قال: أصغر منها مُحِبُّها. . . المسرّة من حيث تُخشى المضرّة قال أبو عمرو بن العلاء: طلب الحجّاجُ بن يوسف الثقفيّ أبي، فخرج

стр. 276

منه هارِباً إلى اليمن، فإنّا لَنسيرُ بصحراءِ اليمن إذْ لَحِقَنا لاحقٌ ينشد: رُبَّما تَكْرَهُ النُّفوسُ مِنَ الأمْ ... رِ له فَرْجةٌ كحَلِّ العِقالِ فقال أبي: ما الخبرُ؟ قال: ماتَ الحجّاج، قال أبو عمرو: فأنا بقوله: له فَرْجةٌ أشدُّ سُروراً مني بموتِ الحجّاج، قال: فقال أبي: اصرِفْ رِكابَنا إلى البصرة، قال: وكنت يومئذٍ قد خَنَّقْتُ بِضْعاً وعشرين سنة. . . ربّما تَكره النفوسُ. . . البيت هو لأميّةَ بنِ أبي الصَّلت وقبله: لا تَضِيقَنَّ في الأمورِ فَقَدْ تُكْ ... شَفُ غَمَّاؤُها بغيرِ احْتيالِ ومن بديعِ هذه اللُّغةِ العربية الكريمة أنّها تفرِّق بين فَرْجة بفتح الفاء وبينها بالضّم، فالأولى: التفصّي من الهَمِّ، والأخرى، أي الفُرْجة بالضّم: كلّ منفرجٍ بين جبلين ونحوِهما. والغمّاء: الكرب وقالوا: خَفِ المَضارَّ مِنْ خَلَلِ المَسار، وارْجُ النَّفعَ مِن مَوضعِ المَنْع، فأكثرُ ما يأتي الأمنُ مِنْ مَحَلِّ الفَزَع، وقالوا: أعناقُ الأمورِ تتشابه، فرُبَّ مَحبوبٍ في مكروهٍ ومكروهٍ في محبوبٍ ومغبوط بنعمةٍ هي داؤُه ومرحومٍ مِنْ داءٍ فيه شفاؤُه. . . وقالوا: ربَّ سلامةٍ تكونُ للتَّلفِ سبباً، ومكروهٍ يكون للنجاةِ مُفْتاحاً: وقد يَأسَفُ المَرْءُ مِن فَوتِ ما ... لَعلَّ السَّلامةَ في فَوْتِهِ وقال حكيم: لله مصالحُ في مكارِه عبادِه، وقالوا: العاقلُ لا يجزعُ لأوَّلِ نكبةٍ ولا يفرحُ بأوَّلِ نعمةٍ فربّما أقلعَ المحبوبُ عمّا يَضُرُّ وأسفرَ المكروهُ عمّا يَسُرُّ. . . وقال سيّدُنا رسولُ الله (اشْتدّي أزمةُ تَنْفَرجي) الأزمة: الشِّدّةُ والقَحْط ويُقال في ذلك: إنَّ الشدَّةَ إذا تتابَعَتْ انفرجَتْ وإذا توالَتْ تولّت. . والأصلُ في هذا المعنى قولُ اللهِ جلَّ شأنُه ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾.

стр. 277

الفرج بعد الشدّة أتِيَ يزيدُ بخارجيٍّ، فهَمَّ بقتلِه فقال الخارجيُّ: عَسَى فَرَجٌ يأتي به اللهُ إنَّهُ ... لهُ كلَّ يَوْمٍ في خَليقَتِه أمْرُ فقال يزيد: واللهِ، لأضْرِبَنَّ عُنقَك، اقتُلوه، فدَخَلَ الهيثمُ بنُ الأسودِ النَّخَعيّ، فقال: أمسكوه قليلاً، فدَنا منه فقال: يا أميرَ المؤمنين، هَبْ مُجْرِمَ قومٍ لوافِدِهم، فقال: هو لك، فخرج الخارجيُّ وهو يقول: تأبّى على اللهِ فأبى إلا أنْ يُكذِّبَه وغالبَه فأبى إلا أنْ يَغلِبَه. . . وأحْضِرَ رجلٌ أمام بعض الملوك، فدعا بطعامٍ فأخذ يأكل ويَضحكُ، فقيل له: تَضحكُ وأنت مقتولٌ؟ فقال: من الساعة إلى الساعة فرجٌ، فسُمِعَتْ صيحةٌ فقيل: ماتَ الملكُ، فخلّوا الرجلَ. . . وشدَّ بعضُ العمّال - الولاة - رجلاً إلى أسطوانةٍ - عمود - يريد ضربَه، فقال حُلَّني من هذه إلى هذه، فحلَّه، فما حلَّه إلا وقد عُزِلَ وشُدَّ إلى الأسطوانَةِ بعَيْنِها. . . من زال كربُه فنسيَ صنعَ الله قالوا: ما صاحبُ البلاءِ الذي طال بلاؤُه بأحقَّ بالدُّعاءِ من المُعافى. وقيل: من سبحَ في النّهرِ الذي فيه التمساحُ عرَّض نفسَه للهَلَكة. وشكا يوسفُ ﵇ طولَ الحبس، فأوحى الله تعالى إليه: أنتَ حَبَسْتَ نفسك حيث قلت: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾. وقال الله عزَّ وتقدّس ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. . . وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا

стр. 278

مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. لا تُعرف النعمةُ إلا عند فقدِها قالوا: كم من نعمةٍ عُرفت ببليّةٍ نزلت، ونقمةٍ جُهلت بسلامةٍ لبثت. وقالوا: شيئان لا يَعرف فضلَهما إلا مَنْ فقدهما: الغِنى والعافية. . وقال الشاعر: فالوَجْهُ مِثْلُ الصُّبْحِ مُبْيضٌّ ... والشَّعْرُ مِثْلُ اللَّيْلِ مُسْوَدُّ ضِدّانِ لمّا اسْتَجْمَعا حَسُنا ... والضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُ وقال المتنبّي: وبِضدِّها تَتَبيَّنُ الأشْياءُ وقال أبو تمام: وليسَ يَعْرِفُ طيبَ الوَصْلِ صاحبُهُ ... حتَّى يُصابَ بِنَأيٍ أو بِهِجْرانِ وقال المتنبّي: ولولا أيادي الدَّهْرِ في الجَمْعِ بَيْنَنا ... غَفَلْنا فلَمْ نَشْعُرْ لهُ بِذُنوبِ يقول المتنبي: إنّ الدَّهرَ تارةً يُحسنُ وتارةً يُسيءُ فلو لَمْ يُحسن إلينا بالجَمْعِ بيننا لَما شعرْنا بذُنوبِه في تفريقنا، فبِإحْسانِه عَرَفْنا إساءتَه. فضل العافية وسلامة الدين قال سيدُنا رسولُ الله (مَنْ أصبحَ آمناً في سِرْبِه مُعافًى في بَدَنِه عندَه قوتُ يومِه فكأنّما حيزَتْ له الدُّنيا بِحَذافيرِها). قال ابن بري: قال جماعةٌ من أهل اللّغة: السِّرْبُ: النَّفْس قال: وأنكر

стр. 279

ابنُ دَرَسْتَوَيْه قولَ مَنْ قالَ في نفسِه قال: وإنّما المعنى: آمنٌ في أهلِه ومالِه وولدِه، ولو أمِنَ على نفسِه وحدَها دونَ أهلِه ومالِه وولدِه لم يُقَلْ هو آمنٌ في سِرْبِه، وإنّما السِّربُ ههُنا: ما للرجلِ من أهلٍ ومالٍ، ولذلك سُمِّيَ قطيعُ البقرِ والظّباء والقَطا والنّساء سِرْباً، وكان الأصلُ في ذلك أن يكونَ الراعي آمِناً في سِرْبه والفحلُ آمناً في سربِه، ثم استُعمل في غيرِ الرُّعاةِ استعارةً فيما شبِّه به. وحيزت: جُمعت وضُمَّتْ، وبِحَذافيرِها: بأسْرِها. وقال ابن الرومي: إذا ما كَساكَ اللهُ سِرْبالَ صِحَّةٍ ... ولم تَخْلُ من قُوتٍ يَحِلُّ ويَعْذُبُ فلا تَغْبِطَنّ المُتْرَفينَ فإنّهُمْ ... على حَسْبِ ما يُعْطِيهِمُ الدَّهْرُ يَسْلُبُ السِّرْبال: القميصُ، وحلَّ: من الحلال مقابل الحرام، والغبطةُ: أن تتمنّى مثلَ حالِ المغبوط - الحسنِ الحال - من غيرِ أن تريدَ زوالَها، وعلى حسب: على قَدر وعدد وقالوا: من أوتِيَ العافيةَ فظنَّ أنَّ أحداً أوتِيَ أكثرَ منه فقد قلَّلَ كثيراً وكثَّر قليلاً كثّر قليلاً، لأنّ ما عدا العافية فهو قليلٌ بالإضافةِ إليها. . . عبقريّاتٌ شتى في الدنيا قال أبو حازم: وما الدُّنيا! أمّا ما مضى فَحُلمٌ وأمّا ما بقيَ فأمانيُّ، وقال بكر بنُ عبد الله: المُسْتغني عن الدُّنيا بالدُّنيا كالمُطْفئ النّارَ بالتِّبْنِ. وقال ابنُ مسعود: الدُّنيا كلُّها غُموم، فما كان فيها من سرورٍ فهو رِبْح. وقال بعضُ الحُكماء: مثلُ الدُّنيا والآخرةِ مثلُ رجلٍ له ضرّتان إنْ أرْضى إحداهُما أسخطَ الأخرى. . . وقال سُفيانُ الثّوريُّ: تَركَ الملوكُ لكم الحكمةَ فاتركوا لَهُم الدُّنيا. وقال يحيى بن خالد البرمكيّ: دخلنا في الدُّنيا دُخولاً

стр. 280

أخْرَجَنا منها. وكان الحسن البصريُّ كثيراً ما يتمثل كلّما جرى ذِكْرُ الدُّنيا -: اليومَ عِندَكَ دَلُّها وحَديثُها ... وغداً لغيرِك كَفُّها والمِعْصَمُ وهذا البيت كذلك يُقال في غدرِ المَرْأةِ وقلَّةِ وفائِها. وكان إبراهيمُ بنُ أدْهَمَ العِجليُّ يقول: نُرَقِّعُ دُنْيانا بتَمْزيقِ دينِنا ... فلا دِينُنا يَبْقى ولا ما نُرَقِّعُ وقال السيد المسيح: أنا الذي كَفَأتُ الدُّنيا على وجهِها، فليست لي زوجةٌ تَموتُ ولا بيتٌ يَخْربُ. وقيل لمحمد بنِ واسع: إنّك لتَرْضى بالدُّون فقال: إنّما رَضِيَ بالدُّون من رَضِيَ بالدُّنيا. . . وقالت امرأةٌ لزوجِها ورأتْه مَهْموماً: مِمَّ هَمُّك؟ أبالدُّنيا فَقَدْ فَرَغ اللهُ منها أم بالآخرةِ فزادَك اللهُ همَّاً؟ وقال السيد المسيح: حبُّ الدُّنيا أصلُ كلِّ خطيئةٍ والمالُ فيها داءٌ كثير، قيل: ما داؤه؟ قال: لا يسلمُ صاحبُه من الفخرِ والكِبْر، قيل: وإن سَلِمَ؟ قال: يَشْغلُه إصلاحُه عن ذكرِ الله. وقال سيدنا رسولُ الله: (مَنْ أصبحتِ الدُّنيا همَّه وسَدَمَه نَزعَ اللهُ الغِنى من قلبِه، وصيَّرَ الفقرَ بينَ عَيْنَيْه ولَمْ يأتِه من الدُّنيا إلا ما كُتِبَ له؛ ومَنْ أصْبَحتِ الآخرةُ همَّه وسَدَمَه نَزَعَ اللهُ الفقرَ من قلبِه وصيَّرَ الغِنى بين عَيْنَيْه وأتَتْه الدُّنيا وهي راغِمة). . . وقال سيدنا رسولُ اللهِ للضَّحاك بنِ سُفيان: (ما طعامُك؟ قال: اللَّحْمُ واللَّبنُ قال: ثمَّ يَصيرُ إلى ماذا؟ قال: ثمَّ يصيرُ إلى ما قد عَلِمْتَ، قال: فإن اللهَ ضربَ ما يَخْرجُ من ابْنِ آدمَ مثلاً للدنيا). . وكان بِشْرُ بنُ كعبٍ يقول لأصحابِه إذا فرغ من حديثِه: انطلقوا حتّى أريكُمُ الدُّنيا، فيَجيءُ فيقفُ بهم على السُّوق، وهي يَوْمَئذٍ مَزْبلةٌ، فيقول: انْظُروا إلى عَسَلِهم وسَمْنِهم وإلى دجاجِهم وبَطِّهم

стр. 281

صارَ إلى ما تَرَوْن. وقال محمدُ بن وهيب: نُراعُ لِذِكْرِ الموتِ ساعةَ ذِكْرِه ... وتَعْترِضُ الدُّنيا فنَلْهو ونَلْعَبُ ونَحْنُ بَنُو الدُّنيا خُلِقْنا لِغَيْرها ... وما كنْتَ مِنْه فَهْوَ شَيْءٌ مُحَبَّبُ يَقينٌ كأنَّ الشَّكَّ غالِبُ أمْرِه ... عليهِ وعِرفانٌ إلى الجَهْلِ يُنْسَبُ أقول: لعلّه ينظرُ إلى قول جرير: تُرَوِّعُنا الجَنائِزُ مُقْبِلاتٍ ... فنَلْهُو حينَ تَذْهَبُ مُدْبِرَاتِ كَرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لمُغارِ ذِئْبٍ ... فلَمّا غابَ عادَتْ راتِعاتِ قال أبو عمرو بن العلاء: جلستُ إلى جَريرٍ وهو يُمْلي: وَدّعْ أُمامةَ حانَ مِنك رَحِيلُ ثمَّ طلَعَتْ جِنازةٌ فأمْسَكَ وقال: شَيَّبَتْني هذه الجَنائِزُ، قلت: فلِمَ تُسابُّ النّاس! قال: يَبْدؤونَني ثَمَّ لا أعْفو وأعْتَدي ولا أبْتَدي، ثمَّ قال هذين البيتين. . . وقول محمد بن وهيب: يقينٌ كأنَّ الشكَّ غالِبُ أمْرِه. . . البيت فمَأخوذٌ من قولِ الحسنِ البصريّ: ما رأيْتُ يقيناً لا شكَّ فيه أشْبَهَ بِشَكٍّ لا يقينَ فيه، إلا الموت. . .

стр. 282

وقال أحدُ الظُّرفاء: إنَّ الدُّنيا قد اسْتَودَقَتْ وأنْعَظَ الناس: اسْتَوْدَقَتْ يقال: وَدَقَت الفرسُ تَدِقُ وَدْقاً واسْتَوْدَقَتْ: إذا طلَبَتِ الفَحْلَ وقال حكيم: مَنْ أرادَ الدُّنيا فلْيَتَهيَّأ للذلّ. ومن كلمةٍ لعليِّ بن أبي طالب: أهلُ الدُّنيا كَرَكْبٍ يُسارُ بِهِمْ وهم نِيام. ومن كلامِه ﵁ وقد قال له رجلٌ وهو في خُطبة: يا أميرَ المؤمنين، صِفْ لنا الدُّنيا فقال: ما أصِفُ من دارٍ أوَّلُها عَناءٌ وآخِرُها فناءٌ، في حَلالِها حسابٌ وفي حرامِها عِقابٌ، مَنْ صحَّ فيها ما أمِنَ، ومَنْ مَرِضَ نَدِمَ ومن اسْتَغْنى فُتِنَ، ومَنِ افتقرَ فيها حَزِنَ! وقال أيضاً: إنَّما المرءُ في الدنيا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فيه المَنايا، ونهبٌ للمَصائبِ، ومع كلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وفي كلِّ أُكْلَةٍ غَصَصٌ، ولا ينال العبدُ فيها نعمةً إلا بفِراق أخرى، ولا يستقبل يوماً من عُمْرِه إلا بهَدْمِ آخرَ مِنْ أجَلِه، فنحنُ أعوانُ الحُتوفِ، وأنفسُنا تسوقُنا إلى الفَناء، فمن أين نَرْجو البَقاء! وهذا الليلُ والنهارُ لم يَرْفعا من شيءٍ شَرَفاً إلا أسرعا الكرَّةَ في هَدْمِ ما بَنَيا، وتفريقِ ما جَمَعا، فاطلبوا الخيرَ وأهلَه، واعْلَموا أنَّ خيراً من الخيرِ مُعْطيه، وشَرّاً من الشَّرِّ فاعِلُه. . . الغرض: الهدف، والنّهب: المالُ المنهوبُ غنيمةً والجمعُ نِهابٌ وقد تقدّم شرحُ الجرعة والشرق والغصص، وقولُه: فنحنُ أعوانُ الحتوفِ فالحتف: الموت، ومعنى أنّنا أعوانُ الموتِ: أنّا نأكلُ ونشربُ ونُجامع ونركب الخيل والسفن والطائرات ونحوها ونتصرّف في أسبابِنا وحاجِنا ومآربِنا، والموتُ إنّما يكونُ بأحدِ هذه الأمور إمّا من أخلاطٍ تُحدثها المآكل والمشارب، أو مِنْ سقطةٍ يسقط الإنسانُ من دابّةٍ هو راكبُها أو من ضعفٍ يلحَقُه من الجِماعِ المُفرط أو مُصادمات واصطكاكات تصيبُه عند تصرُّفه في مآربِه وحَرَكتِه وسَعْيِه ونحو ذلك،

стр. 283

فكأنّا نحنُ أعنّا الموتَ على أنفُسِنا. وقال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: مالكَ من عَيْشِك إلا لَذَّةٌ تَزْدَلِفُ بك إلى حِمامِك وتقرِّبُك من يومِك، فأيَّةُ أكلةٍ ليس معها غصصٌ أو شَرْبةٍ ليس معها شَرَق! فتأمّل أمْرَك فكأنّك قد صِرْتَ الحبيبَ المفقودَ والخيالَ المُخْتَرمَ، أهلُ الدُّنيا أهلُ سَفَرٍ لا يَحُلّون عقدَ رِحالِهم إلا في غيرِها قوله: تَزْدَلِفُ بك إلى حِمامك: أي تقرِّبك إلى موتِك، والمُخْتَرم المُسْتأصَل والمُقْتَطَع. وقال حكيم: مَنْ ذا الذي يَبْني على موجِ البَحْرِ داراً! تِلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخِذوها قَراراً. . . وقيل لبعض الرُّهبان: كيف ترى الدَّهرَ؟ قال: يُخْلِقُ الأبدانَ، ويجدِّد الآمالَ، ويقرِّب المنيّة، ويباعدُ الأمنيّة، قيل: فما حالُ أهلِه؟ قال: مَنْ ظَفِرَ به تَعِب، ومن فاتَه اكْتأبَ، وفي هذا المعنى يقول الشاعر: ومَنْ يَحْمَدِ الدُّنيا لِعَيْشٍ يَسُرُّهُ ... فسَوْف لعَمْري عن قليلٍ يَلومُها إذا أدْبَرَتْ كانَتْ على المَرْءِ حَسْرَةً ... وإنْ أقبلَتْ كانَتْ كثيراً همومُها قال حكيم: مِن عَيب الدُّنيا أنها لا تعطي أحداً ما يستحقّ، إمّا أن تَزيدَ له وإمّا أنْ تَنقص. . . وقال أبو العتاهية: تَعالى اللهُ يا سَلْمُ بنَ عمْروٍ ... أذَلَّ الحِرْصُ أعناقَ الرِّجالِ هَبِ الدُّنْيا تُسَاقُ إليْكَ عَفْواً ... ألَيْسَ مَصيرُ ذاكَ إلى الزَّوالِ وما دُنْيَاكَ إلا مِثْلُ فَيْءٍ ... أظَلَّكَ ثُمَّ آذَنَ بِانْتِقالِ ولنجتزئ بهذا المقدار فعبقرياتهم في الدُّنيا لا يكاد يبلغُها الإحصاء.

стр. 284

عبقريّاتُهم في الموتِ أسماءُ الموتِ ووَصْفُه الموت: ضدُّ الحياة، ويقال: مات يَموتُ ويَماتُ - لغةٌ طائيّة - وقالوا: مِتَّ تَموتُ؛ قال ابنُ سيدة: ولا نَظيرَ لَها من المُعْتلّ، ورجلٌ مَيِّت ومَيْت، وقيل: المَيْت: الذي مات، والمَيِّت والمائِت: الذي لَمْ يَمُتْ بَعد، يقال: هو مَيّتٌ غداً ومائِت ولا يُقال: مَيْتٌ، قالوا: وهذا خَطأٌ، وإنّما مَيِّت يصلح لما قد ماتَ ولِما سيَموت، وقد جمعَ بين اللُّغتين عَدِيُّ بنُ الرَّعْلاء الغَسّاني - والرَّعلاءُ أمُّه - فقال: ليسَ مَنْ مات فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ... إنّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ إنَّما المَيْتُ مَنْ يَعيشُ كَئيباً ... كاسِفاً بالُه قليلَ الرّجاءِ فأُناسٌ يُمصَّصُونَ ثِمَاداً ... وأُناسٌ حُلوقُهُمْ في الماءِ فجَعلَ المَيْتَ كالمَيّت. . ويقال للموت: الهِمْيَعُ، وقيل: الهِمْيَعُ: الموتُ المُعَجّل: أقول: ولعلّه سُمّي كذلك لأنّ الروحَ تَهْمَعُ: أي تسيل، من هَمَعَ الدَّمعُ والماءُ: سال. ومن أسماء الموتِ أيضاً: النَّيْطُ، رُوي عن علي ﵁ أنه قال: لَوَدَّ معاويةُ أنّه ما بقيَ من بني هاشمٍ نافِخُ ضَرَمَةٍ إلا طُعِنَ في نَيْطِه، معناه: إلا ماتَ، قال ابنُ الأثير: والقياس: النَّوْطُ، لأنّه من ناطَ يَنوطُ: إذا عُلِّق، وقيل: النَّيْطُ، نِياطُ القلْبِ، وهو: العِرْق الذي يتعلَّق به القلبُ. . . ومن أسماءِ الموت: الرَّمْدُ قال أبو وَجْرة السَّعديُّ: صَبَبْتُ علَيْكُمْ حاصِبي فَتركْتُكُمْ ... كأصْرامِ عادٍ حين جَلّلَها الرَّمْدُ الحاصِب: العذاب يكون بالرّيح الشديدةِ تحملُ الحَصْباء، والأصْرامُ: الجماعاتُ

стр. 285

من الناس والرَّمادة: الهَلاك؛ ومنه قيل: عامُ الرّمادة؛ لأنّ الناسَ والأموالَ هلكَت فيه كثيراً ومن أسمائِه: أمُّ قَشْعَم، قال أبو عبيد: أمُّ قَشْعَم: المنيّة، ويقال للشيخ الكبير والمسنِّ من النُّسور والرَّخَم: قَشْعَم، لطولِ عُمْره. وأمُّ قَشْعَم في قول زهير في معلَّقته: فَشَدَّ ولَمْ يُفْزِعْ بُيوتاً كثيرةً ... لَدَى حَيْثُ ألقَتْ رَحْلَها أُمُّ قَشْعَمِ قيل: الحرب، وقيل: المنية، وقيل: الضَّبُعُ، وقيل: العنكبوت، وقيل: الذِّلّة. . . ومن أسمائِه: أمُّ اللَّهَيْم. قال الخليل بن أحمد: أمُّ اللَّهَيْم: المنيّة، لأنّها تَلْتَهِمُ كلَّ شيء. ومن أسمائِه: شَعوبُ، قال ابنُ السِّكِّيت: شَعوبُ: اسمُ المنيّة، مؤنّثة مُعرّفة لا تَنْصرفُ وأنشد: ومَنْ تَدْعُ يَوْماً شَعُوبُ يُجِبْها قال: وإنّما سُمّيت المنيّة شعوبَ لأنّها تَشْعَبُ - أي تُفرّق - يقال: شَعَبَ وأشْعَبَ وانْشَعَبَ: هلك. . ومن أسمائِه: الفَوْدُ، فادَ يَفودُ فَوداً: مات، قال لبيدُ بنُ ربيعةَ يذكرُ الحارثَ بن أبي شِمر الغسّانيَّ، وكان كلُّ ملكٍ منهم كلّما مضَتْ عليه سنةٌ زاد في تاجِه خَرَزةٌ، يُراد بذلك أنْ يُعْلَمَ عددُ السنين التي ملَكَها، فأراد أنّه عُمِّرَ حتّى صار في تاجِه خَرزاتٌ كثيرة: رَعَى خَرَزاتِ المُلْكِ سِتِّينَ حِجَّةً ... وعِشْرينَ حَتَّى فادَ والشَّيْبُ شَامِلُ ومن أسمائِه: الحِمامُ. يقال نزلَ به حِمامُه: أي موتُه وقدرُه، مِن حُمَّ كذا أيْ قُدِّرَ أنشد ابن بَرّي لِخَبّابِ بن غُزَيّ:
следующие страницы →