Полный текст (628 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
صارَ إلى ما تَرَوْن.
وقال محمدُ بن وهيب:
نُراعُ لِذِكْرِ الموتِ ساعةَ ذِكْرِه ... وتَعْترِضُ الدُّنيا فنَلْهو ونَلْعَبُ
ونَحْنُ بَنُو الدُّنيا خُلِقْنا لِغَيْرها ... وما كنْتَ مِنْه فَهْوَ شَيْءٌ مُحَبَّبُ
يَقينٌ كأنَّ الشَّكَّ غالِبُ أمْرِه ... عليهِ وعِرفانٌ إلى الجَهْلِ يُنْسَبُ
أقول: لعلّه ينظرُ إلى قول جرير:
تُرَوِّعُنا الجَنائِزُ مُقْبِلاتٍ ... فنَلْهُو حينَ تَذْهَبُ مُدْبِرَاتِ
كَرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لمُغارِ ذِئْبٍ ... فلَمّا غابَ عادَتْ راتِعاتِ
قال أبو عمرو بن العلاء: جلستُ إلى جَريرٍ وهو يُمْلي:
وَدّعْ أُمامةَ حانَ مِنك رَحِيلُ
ثمَّ طلَعَتْ جِنازةٌ فأمْسَكَ وقال: شَيَّبَتْني هذه الجَنائِزُ، قلت: فلِمَ تُسابُّ النّاس! قال: يَبْدؤونَني ثَمَّ لا أعْفو وأعْتَدي ولا أبْتَدي، ثمَّ قال هذين البيتين. . . وقول محمد بن وهيب: يقينٌ كأنَّ الشكَّ غالِبُ أمْرِه. . . البيت فمَأخوذٌ من قولِ الحسنِ البصريّ: ما رأيْتُ يقيناً لا شكَّ فيه أشْبَهَ بِشَكٍّ لا يقينَ فيه، إلا الموت. . .
стр. 282
وقال أحدُ الظُّرفاء: إنَّ الدُّنيا قد اسْتَودَقَتْ وأنْعَظَ الناس: اسْتَوْدَقَتْ يقال: وَدَقَت الفرسُ تَدِقُ وَدْقاً واسْتَوْدَقَتْ: إذا طلَبَتِ الفَحْلَ وقال حكيم: مَنْ أرادَ الدُّنيا فلْيَتَهيَّأ للذلّ. ومن كلمةٍ لعليِّ بن أبي طالب: أهلُ الدُّنيا كَرَكْبٍ يُسارُ بِهِمْ وهم نِيام. ومن كلامِه ﵁ وقد قال له رجلٌ وهو في خُطبة: يا أميرَ المؤمنين، صِفْ لنا الدُّنيا فقال: ما أصِفُ من دارٍ أوَّلُها عَناءٌ وآخِرُها فناءٌ، في حَلالِها حسابٌ وفي حرامِها عِقابٌ، مَنْ صحَّ فيها ما أمِنَ، ومَنْ مَرِضَ نَدِمَ ومن اسْتَغْنى فُتِنَ، ومَنِ افتقرَ فيها حَزِنَ! وقال أيضاً: إنَّما المرءُ في الدنيا
غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فيه المَنايا، ونهبٌ للمَصائبِ، ومع كلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وفي كلِّ أُكْلَةٍ غَصَصٌ، ولا ينال العبدُ فيها نعمةً إلا بفِراق أخرى، ولا يستقبل يوماً من عُمْرِه إلا بهَدْمِ آخرَ مِنْ أجَلِه، فنحنُ أعوانُ الحُتوفِ، وأنفسُنا تسوقُنا إلى الفَناء، فمن أين نَرْجو البَقاء! وهذا الليلُ والنهارُ لم يَرْفعا من شيءٍ شَرَفاً إلا أسرعا الكرَّةَ في هَدْمِ ما بَنَيا، وتفريقِ ما جَمَعا، فاطلبوا الخيرَ وأهلَه، واعْلَموا أنَّ خيراً من الخيرِ مُعْطيه، وشَرّاً من الشَّرِّ فاعِلُه. . . الغرض: الهدف، والنّهب: المالُ المنهوبُ غنيمةً والجمعُ نِهابٌ وقد تقدّم شرحُ الجرعة والشرق والغصص، وقولُه: فنحنُ أعوانُ الحتوفِ فالحتف: الموت، ومعنى أنّنا أعوانُ الموتِ: أنّا نأكلُ ونشربُ ونُجامع ونركب الخيل والسفن والطائرات ونحوها ونتصرّف في أسبابِنا وحاجِنا ومآربِنا، والموتُ إنّما يكونُ بأحدِ هذه الأمور إمّا من أخلاطٍ تُحدثها المآكل والمشارب، أو مِنْ سقطةٍ يسقط الإنسانُ من دابّةٍ هو راكبُها أو من ضعفٍ يلحَقُه من الجِماعِ المُفرط أو مُصادمات واصطكاكات تصيبُه عند تصرُّفه في مآربِه وحَرَكتِه وسَعْيِه ونحو ذلك،
стр. 283
فكأنّا نحنُ أعنّا الموتَ على أنفُسِنا.
وقال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: مالكَ من عَيْشِك إلا لَذَّةٌ تَزْدَلِفُ بك إلى حِمامِك وتقرِّبُك من يومِك، فأيَّةُ أكلةٍ ليس معها غصصٌ أو شَرْبةٍ ليس معها شَرَق! فتأمّل أمْرَك فكأنّك قد صِرْتَ الحبيبَ المفقودَ والخيالَ المُخْتَرمَ، أهلُ الدُّنيا أهلُ سَفَرٍ لا يَحُلّون عقدَ رِحالِهم إلا في غيرِها قوله: تَزْدَلِفُ بك إلى حِمامك: أي تقرِّبك إلى موتِك، والمُخْتَرم المُسْتأصَل والمُقْتَطَع.
وقال حكيم: مَنْ ذا الذي يَبْني على موجِ البَحْرِ داراً! تِلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخِذوها قَراراً. . . وقيل لبعض الرُّهبان: كيف ترى الدَّهرَ؟ قال: يُخْلِقُ الأبدانَ، ويجدِّد الآمالَ، ويقرِّب المنيّة، ويباعدُ الأمنيّة، قيل: فما حالُ أهلِه؟ قال: مَنْ ظَفِرَ به تَعِب، ومن فاتَه اكْتأبَ، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
ومَنْ يَحْمَدِ الدُّنيا لِعَيْشٍ يَسُرُّهُ ... فسَوْف لعَمْري عن قليلٍ يَلومُها
إذا أدْبَرَتْ كانَتْ على المَرْءِ حَسْرَةً ... وإنْ أقبلَتْ كانَتْ كثيراً همومُها
قال حكيم: مِن عَيب الدُّنيا أنها لا تعطي أحداً ما يستحقّ، إمّا أن تَزيدَ له وإمّا أنْ تَنقص. . . وقال أبو العتاهية:
تَعالى اللهُ يا سَلْمُ بنَ عمْروٍ ... أذَلَّ الحِرْصُ أعناقَ الرِّجالِ
هَبِ الدُّنْيا تُسَاقُ إليْكَ عَفْواً ... ألَيْسَ مَصيرُ ذاكَ إلى الزَّوالِ
وما دُنْيَاكَ إلا مِثْلُ فَيْءٍ ... أظَلَّكَ ثُمَّ آذَنَ بِانْتِقالِ
ولنجتزئ بهذا المقدار فعبقرياتهم في الدُّنيا لا يكاد يبلغُها الإحصاء.
стр. 284
عبقريّاتُهم في الموتِ
أسماءُ الموتِ ووَصْفُه
الموت: ضدُّ الحياة، ويقال: مات يَموتُ ويَماتُ - لغةٌ طائيّة - وقالوا: مِتَّ تَموتُ؛ قال ابنُ سيدة: ولا نَظيرَ لَها من المُعْتلّ، ورجلٌ مَيِّت ومَيْت، وقيل: المَيْت: الذي مات، والمَيِّت والمائِت: الذي لَمْ يَمُتْ بَعد، يقال: هو مَيّتٌ غداً ومائِت ولا يُقال: مَيْتٌ، قالوا: وهذا خَطأٌ، وإنّما مَيِّت يصلح لما قد ماتَ ولِما سيَموت، وقد جمعَ بين اللُّغتين عَدِيُّ بنُ الرَّعْلاء الغَسّاني - والرَّعلاءُ أمُّه - فقال:
ليسَ مَنْ مات فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ... إنّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
إنَّما المَيْتُ مَنْ يَعيشُ كَئيباً ... كاسِفاً بالُه قليلَ الرّجاءِ
فأُناسٌ يُمصَّصُونَ ثِمَاداً ... وأُناسٌ حُلوقُهُمْ في الماءِ
فجَعلَ المَيْتَ كالمَيّت. . ويقال للموت: الهِمْيَعُ، وقيل: الهِمْيَعُ: الموتُ المُعَجّل: أقول: ولعلّه سُمّي كذلك لأنّ الروحَ تَهْمَعُ: أي تسيل، من هَمَعَ الدَّمعُ والماءُ: سال. ومن أسماء الموتِ أيضاً: النَّيْطُ، رُوي عن علي ﵁ أنه قال: لَوَدَّ معاويةُ أنّه ما بقيَ من بني هاشمٍ نافِخُ ضَرَمَةٍ إلا طُعِنَ في نَيْطِه، معناه: إلا ماتَ، قال ابنُ الأثير: والقياس: النَّوْطُ، لأنّه من ناطَ يَنوطُ: إذا عُلِّق، وقيل: النَّيْطُ، نِياطُ القلْبِ، وهو: العِرْق الذي يتعلَّق به القلبُ. . . ومن أسماءِ الموت: الرَّمْدُ قال أبو وَجْرة السَّعديُّ:
صَبَبْتُ علَيْكُمْ حاصِبي فَتركْتُكُمْ ... كأصْرامِ عادٍ حين جَلّلَها الرَّمْدُ
الحاصِب: العذاب يكون بالرّيح الشديدةِ تحملُ الحَصْباء، والأصْرامُ: الجماعاتُ
стр. 285
من الناس والرَّمادة: الهَلاك؛ ومنه قيل: عامُ الرّمادة؛ لأنّ الناسَ والأموالَ هلكَت فيه كثيراً ومن أسمائِه: أمُّ قَشْعَم، قال أبو عبيد: أمُّ قَشْعَم: المنيّة، ويقال للشيخ الكبير والمسنِّ من النُّسور والرَّخَم: قَشْعَم، لطولِ عُمْره. وأمُّ قَشْعَم في قول زهير في معلَّقته:
فَشَدَّ ولَمْ يُفْزِعْ بُيوتاً كثيرةً ... لَدَى حَيْثُ ألقَتْ رَحْلَها أُمُّ قَشْعَمِ
قيل: الحرب، وقيل: المنية، وقيل: الضَّبُعُ، وقيل: العنكبوت، وقيل: الذِّلّة. . . ومن أسمائِه: أمُّ اللَّهَيْم. قال الخليل بن أحمد: أمُّ اللَّهَيْم: المنيّة، لأنّها تَلْتَهِمُ كلَّ شيء. ومن أسمائِه: شَعوبُ، قال ابنُ السِّكِّيت: شَعوبُ: اسمُ المنيّة، مؤنّثة مُعرّفة لا تَنْصرفُ وأنشد:
ومَنْ تَدْعُ يَوْماً شَعُوبُ يُجِبْها
قال: وإنّما سُمّيت المنيّة شعوبَ لأنّها تَشْعَبُ - أي تُفرّق - يقال: شَعَبَ وأشْعَبَ وانْشَعَبَ: هلك. . ومن أسمائِه: الفَوْدُ، فادَ يَفودُ فَوداً: مات، قال لبيدُ بنُ ربيعةَ يذكرُ الحارثَ بن أبي شِمر الغسّانيَّ، وكان كلُّ ملكٍ منهم كلّما مضَتْ عليه سنةٌ زاد في تاجِه خَرَزةٌ، يُراد بذلك أنْ يُعْلَمَ عددُ السنين التي ملَكَها، فأراد أنّه عُمِّرَ حتّى صار في تاجِه خَرزاتٌ كثيرة:
رَعَى خَرَزاتِ المُلْكِ سِتِّينَ حِجَّةً ... وعِشْرينَ حَتَّى فادَ والشَّيْبُ شَامِلُ
ومن أسمائِه: الحِمامُ. يقال نزلَ به حِمامُه: أي موتُه وقدرُه، مِن حُمَّ كذا أيْ قُدِّرَ أنشد ابن بَرّي لِخَبّابِ بن غُزَيّ:
стр. 286
وأرْمِي بِنَفْسي في فُروجٍ كَثيرةٍ ... ولَيْسَ لأمْرٍ حَمَّهُ اللهُ صارِفُ
ومن أسمائِه: المَنون، قيل: المَنون تكونُ واحِداً وجَمْعاً، قال أبو ذؤيب الهذليُّ. . .
أمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِه تَتَوجَّعُ
ومِنْ جَمْعِه قولُ عَديِّ بن زيدٍ العبادي:
مَنْ رأيْتَ المَنونَ خَلَّدْنَ أمْ مَنْ ... ذا عليه مِنْ أنْ يُضَامَ خَفِيرُ
وقال الأصمعيُّ: المنونُ واحدٌ لا جمعَ له، فأمّا قولُ عديِّ بن زيد فَعلى معنى العُموم والكَثرة في الموت، إذ كان أدْهى الدَّواهي، وقال ابن جنّيّ: من أنّث المنونَ ذهبَ إلى مَعْنى المَنيّةِ ومن ذَكَّرَ أراد الدَّهر، وسُمّي الدهرُ مَنوناً لأنّه يذهبُ بِمُنَّةِ الإنسان: أي قوَّته. . . ومن أسمائِه: المُوتان والمَوْتانُ، قال صاحب اللسان: المُوتان والمَوْتان والمُوات كلُّه: الموت؛ وفي الحديث: يكونُ في الناس مُوتانٌ كَقُعاصِ الغَنم، فالموتان: الموتُ الكثيرُ الوقوع.
ومن صفات الموت: موتٌ زؤام: أي كريه، وقيل: عاجلٌ، وقيل: سريعٌ مُجْهِزٌ، والمعنى الأول هو الأصحّ؛ ومن أوصافِه أيضاً: موتٌ زُعافٌ وذُعافٌ وزُؤافٌ وجُحافٌ جُحاف: شديد يذهب بكلِّ شيء يقال: سيلٌ جُحاف وجُراف: يذهب بكلِّ شيء، وزُعاف وذُؤاف
وذُعاف: سريع وحِيّ، وقيل: شديد، ومنها: مات قَعْصاً: أي موتاً وحِيّاً، ويقال لمن مات فُجاءَةً: فَقَسَ يَفْقِسُ فُقوساً، وفَطَسَ يَفْطِسُ فُطوساً، ويقال لَعِقَ إصْبَعَه وطَنَّ وتَنَبَّلَ: أي مات، ويقال أطلى الرَّجلُ: أي مالت عنُقُه عند الموتِ، ويقال: جَرِضَ بريقِه، وأصلُ الجَرَضِ: الغُصّةُ، والمُراد: عانى غَصصَ الموت
стр. 287
ومن ذا المثل: حالَ الجَريضُ دون القَريض، قال عَبيد بن الأبرص للمنذرِ حين أراد قتلَه وقال له: أنشدني من قولك، فقال عند ذلك: حال الجريضُ دون القريض، الجريض: الغصصُ واختلافُ الفكَّين عند الموت، والقريضُ: الجِرّة - لأنه إذا غُصَّ لم يقدر على قرضِ جِرّته، والقريضُ أيضاً: الشِّعْر، ويقال استاثرَ اللهُ به، وانْحلَّ تركيبُه، ومضى لِما خُلِقَ له، وأتاه ما كان يحذرُ، وأكلَ الدَّهرُ عليهم وشَرِبَ، وهذا مقلوب، وإنّما هو: أكلوا على الدَّهرِ وشَربوا؛ وصَفِرَ وِطابُه، ومعناه: أنَّ جسمَه خلا من روحِه؛ وأجود وصف للموت قولُ سيّدنا رسول الله: (أكثروا من ذكر هاذِمِ اللّذّات). . ولنجتزئ بهذا المقدار.
تعظيم أمر الموت
قال الحسنُ البصريُّ: إنَّ الموتَ قد فَضَحَ الدُّنيا. . .
وكان كثيراً ما يقول: عندَ الموتِ يأتيك الخَبَرُ. . . وقال له رجلٌ يوماً إنْ عِشْتَ ترَ ما لَمْ تَرَه، فقال: إنْ مِتَّ تَرَ ما لَمْ تَره. . وفي الأثر: ما رأيْتُ مَنْظراً فظيعاً إلا والموتُ أعظمُ منه. .
стр. 288
حثُّهم على تصوُّر الموت
كان الحسنُ البصريُّ إذا خوَّف من الموتِ يقول للشيوخ: الزَّرْعُ إذا بلَغَ ما يُصْنَعُ به؟ قالوا: يُحْصد، ويقول: للشبّان: يا معشرَ الشُّبّان كَمْ مِنْ زَرْعٍ لم يبلغ أدركَتْه الآفةُ!
وقال بعضُ الخُلفاء لابنِ السّماك: عِظْني وأوْجِزْ، فقال: اعْلَمْ أنّك أوَّلُ خليفةٍ تموت؛ وهذا كما سألَ أرْدَشيرُ بعضَ الحكماءِ عن دارٍ بناها وقال: هل ترى فيها عيباً؟ قال الحكيم: نعم، عَيْباً لا يُمكِنُك إصلاحُه، فقال وما هو؟ قال: لكَ مِنها خرجةٌ لا عودَ بعدَها أو دَخْلةٌ لا خُروجَ بعدها. . . وقالوا: من ضاقَ به أمرٌ فليتذكَّرِ الموتَ فإنّه يَتَّسِعُ عليه. . . ونحوه: من أحسَّ بأنّه يموتُ فليس ينبغي أن يغتَمَّ لأمرٍ صعبٍ ينزل به.
وشكا رجلٌ إلى سيِّدنا رسولِ الله قساوةَ قلبِه فقال صلواتُ الله عليه: (أكثِرْ من ذِكرِ هاذِمِ
اللَّذّات، فإنّه ما ذكَرَه أحدٌ في ضيقٍ إلا وَسَّعه عليه ولا في سَعَةٍ إلا ضيَّقَها عليه). . وقال بعضُ الصالحين: نِعْم نصيحةُ القلبِ ذكرُ الموت، يطرد فضولَ الأمل، ويكفكِفُ غَرْبَ المُنى ويهوِّن المصائبَ، ويحول بين القلب وبين الطُّغيان. . وقال الحسن البصريُّ - وقد قعد عند رأسِ مَيِّتٍ: إنَّ أمراً هذا آخِرُه لأهلٌ أن يُزْهَدَ فيما قبلَه، وإن أمراً هذا أوَّلُه لأهلٌ أن يُحذرَ ما بعدَه، ونظر الحسنُ إلى صبيَّة بينَ جِنازةِ أبيها تقول: يا أبتِ مِثلَ يومِك لَمْ أرَه، فَضَمَّها الحسنُ وقال: أيْ بُنَيّةُ، وأبوك مثلَ هذا اليومِ لَمْ يَرَه؛ فبكى الناسُ. . . ومرَّ عليُّ بن أبي طالب ﵁ بمقابرِ
стр. 289
الكوفةِ فقال: السّلامُ عليكم أهلَ الدِّيارِ المُوْحِشة، والمَحالِّ المُقْفرة، أنتم لنا سلفٌ ونحن لكم تَبَعٌ، أمّا الأزواجُ فقد نُكِحَتْ، وأمّا الدِّيارُ فقد سُكِنَتْ، وأمّا الأموالُ فقد قُسِمَت، هذا خبرُ ما عِندنا، فما خبرُ ما عِندَكم؟ ثُمَّ التفت إلى أصحابِه فقال: أما إنّهم لَو تكلَّموا لقالوا: إنّا وجَدْنا خيرَ الزاد التقوى.
استدلال الإنسان على موتِه بمن مات من أهله
قال أبو نواس من أبياتٍ قد أورَدْناها عليك في باب التقوى:
ألا يا ابْنَ الذين فَنُوا وماتوا ... أمَا واللهِ ما ماتوا لتَبْقَى
وقال بعضُ الصّالحين: إنّ امْرأً ما بينه وبين آدمَ أبٌ إلا مَيِّتٌ لَمُعْرِقٌ في الموت. . . وقال لبيد:
فإنْ أنتَ لم تَصْدُقْكَ نفْسُكَ فانْتَسِبْ ... لعلّكَ تَهْديكَ القُرونُ الأوائِلُ
فإنْ لم تَجِدْ مِن دونِ عَدْنانَ باقِياً ... ودُون مَعَدٍّ فلْتَزَعْكَ العَواذِلُ
وهذانِ البيتان من قصيدةٍ يَرْثي بها النُّعمانَ بن المنذر ملكَ الحيرة وأولُها:
ألا تَسْألانِ المَرَْء ماذا يُحاوِلُ ... أنَحْبٌ فيُقْضَى أَمْ ضَلالٌ وباطِلُ
وفيها يقول:
ألا كلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائِلُ
وكُلُّ أُناسٍ سوف تَدْخُلُ بينَهم ... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنها الأنامِلُ
وقوله: فإن أنت لم تصدقك. . البيت يقول: إنْ لََمْ تَصْدُقك نفسُك عن هذه الأخبار، بل كذَبَتْك، فانْتَسِبْ: أي قُلْ: أين فلانُ بن فلان، فإنّك لا ترى أحداً بقِي، ولعلك تهديك القرونُ وترشدُك، وقوله: فإن لم تجد. . . البيت
стр. 290
فزَعْك: تكفُّك، والعواذل هناك: حوادثُ الدَّهرِ
وزواجرُه، وقال بعضُ الشرّاح: العواذلُ: النساء، يقول: لم يبق لك أبٌ حيٌّ إلى عدنان فكفَّ عن الطمع في الحياة، ومعنى البيتين: إنَّ غاية كل حيٍّ الموتُ، فينبغي للإنسانِ أن يتَّعظ: بأن ينسبَ نفسَه إلى عدنان، فإن لم يجد مَنْ بينه وبينه من الآباءِ باقِياً فليعلَمْ أنّه يَصير إلى مصيرهم، فينبغي له أن ينزعَ عمّا هو عليه ومثله قول امرئ القيس:
فبَعْضَ اللَّوْمِ عاذِلَتي فإنِّي ... سيَكْفيني التَّجارِبُ وانْتِسابي
إلى عِرْقِ الثَّرى وشَجَتْ عُروقي ... وهذا المَوْتُ يَسْلُبُني شَبابي
وشَجَت: اشتبكت وقال أبو تمام في قصيدةٍ له يمدح مالكَ بنَ طوقٍ ويعزِّيه عن أخيه القاسم:
تأَمَّلْ رُوَيْداً هَلْ تَعُدَّنَّ سالماً ... إلى آدَمٍ أمْ هلْ تَعُدُّ ابنَ سالِمِ
متى تُرْعِ هذا الموتَ عيْناً بَصيرَةً ... تجِدْ عادِلاً منه شَبيهاً بِظالِمِ
قوله: متى ترعِ البيت يقول: متى أنعمتَ النظرَ وأفكرتَ في أمْرِ الموت وجدتَ منه عادلاً أشبهَ بظالم، وذلك أنه قد يَخترمُ من يكون اخترامُه أصلحَ له لدى العزيز الحكيم الذي يعلمُ مصالحَ خلقِه وقد يَخفى عليك وجهُ الحكمة فتظنُّ العدلَ جَوْراً.
وقال البحتري:
وما أهْلُ المَنازلِ غَيْرُ رَكْبٍ ... مَناياهُمْ رَوَاحٌ وابْتِكارُ
لَنا في الدَّهْرِ آمالٌ طِوالٌ ... نُرَجِّيها وأعْمارٌ قِصارُ
والبيت الثاني مثله قولُ ابنِ هانئٍ الأندلسي من أبياتٍ يرثي بها والدةَ يحيى وجعفر ابنَيْ علي صاحب المَسيلة بالمغرب، وهذه هي الأبيات:
стр. 291
صَدَقَ الفَناءُ وكُذِّبَ العُمُرُ ... وجَلاَ العِظاتِ وبالَغَ النُّذُرُ
إنَّا، وَفي آمالِ أنفُسِنا ... طُولٌ وفي أعْمارِنا قِصَرُ
لنَرَى بأعْيُنِنا مَصارِعَنا ... لو كانتِ الألبابُ تَعتَبِرُ
ممَّا دَهانا أنَّ حاضِرَنا ... أجْفانُنا، والغائِبُ الفكَرُ
وإذا تدَبَّرْنا جوارِحَنا ... فأَكَلُّهُنَّ العَيْنُ والنَّظَرُ
لو كانَ للألبابِ مُمْتَحنٌ ... ما عُدَّ منها السَّمْعُ والبَصَرُ
أيُّ الحَياةِ أَلَذُّ عِيشَتَها ... مِن بَعدِ عِلْمِي أنّني بَشَرُ
خَرِسَت لَعمرُ اللهِ ألْسُنُنا ... لمّا تكلّمَ فوقَنا القَدَرُ
الاعتبار بمن مات من الكبار
قال عدِيُّ بنُ زيد العِباديُّ:
أيُّها الشَّامِتُ المُعيِّرُ بالدَّهْ ... ر أأنتَ المُبَرَّأُ الموْفورُ
أمْ لَدَيْكَ العهدُ الوَثيقُ من الأيَّا ... مِ بلْ أنْتَ جاهِلٌ مَغْرُورُ
مَنْ رَأيْتَ المَنُونَ خَلَّدْنَ أمْ مَنْ ... ذا عليه مِن أن يُضامَ خَفيرُ
أينَ كِسْرى كِسْرَى الملوكِ أنُوشَرْ ... وانَ أمْ أيْنَ قَبْلَهُ سابورُ
وبنُو الأصْفرِ الكرامُ ملوكُ الرُّ ... ومِ لَمْ يَبْقَ مِنهمُ مَذكورُ
стр. 292
وأخو الحَضْرِ إذْ بَناهُ وإذْ دِجْ ... لَةُ تُجْبى إليه والخابورُ
شادَهُ مَرْمَراً وجَلّله كِلْ ... ساً فلِلطَّيْرِ في ذُرَاهُ وُكورُ
لمْ يَهبْهُ رَيْبُ المَنونِ فبادَ الْ ... مُلكُ عَنه فبابُه مَهْجورُ
وتَذَكَّرْ رَبَّ الخَوَرْنَقِ إذْ أَصْ ... بَحَ يَوْماً ولِلْهُدَى تفْكِيرُ
سَرّهُ حَالُهُ وكَثْرةُ ما يَمْ ... لِكُ والبَحْرُ مُعْرِضاً والسَّديرُ
فارْعَوَى قلبُه فقال: وما غِبْ ... طَةُ حَيٍّ إلى المماتِ يَصيرُ
ثُمَّ بعدَ الفَلاحِ والمُلكِ وَالنِّعْ ... مَةِ وَارَتْهُمُ هُناكَ القُبورُ
ثُمَّ صاروا كأنّهم وَرَقٌ جَفَّ ... فَألْوَتْ بهِ الصَّبَا والدَّبورُ
وممّا كان يصحُّ أن يذكرَ في هذا الباب مرثية الوزير الشاعر الأندلسي عبد المجيد بن عبدون التي يرثي بها بني الأفطس - من ملوك الطوائف بالأندلس - وذكر فيها عدّة من مشاهير الملوك والخلفاء والأكابر ممّن أبادهم الدهرُ بحوادثه ونكباته، ووثب عليهم الزمن فما وجدوا جُنَّةً تقيهم من وثباته، ودبَّت عليهم الأيامُ بصروفها، وسقتهم
стр. 293
المنية بكأس حتوفها، ومطلعها:
الدَّهْرُ يَفْجَعُ بَعْدَ العَينِ بالأثَرِ ... فما البُكاءُ على الأشباحِ والصُّوَرِ
بيدَ أنّا لطولِها رأينا أن نضربَ عن إيرادِها هنا صَفْحاً، وتراها في المجلد الخامس من نهاية الأرب للنويري الذي قامت بطبعه دارُ الكتب المصرية. . . وقد شرحها ابنُ بدرون، ومن أبياتها:
فلا تَغُرَّنْكَ مِنْ دُنياك نُوْمَتُها ... فما صِناعَةُ عَيْنَيْها سِوَى السَّهَرِ
ما لِلَّيالي - أقالَ اللهُ عَثْرَتَنا ... مِن اللَّيالي وخانَتْها يدُ الغِيَرِ
في كُلِّ حِينٍ لها في كلِّ جارِحَةٍ ... منّا جِراحٌ وإنْ زاغَتْ عَنِ البَصَرِ
تَسُرُّ بالشَّيْءِ لكِنْ كيْ تَغُرَّ به ... كالأيْمِ ثارَ إلى الجاني مِن الثَّمَرِ
وقال المتنبّي:
أبَني أبينا نَحْنُ أهْلُ مَنازِلٍ ... أبَداً غُرابُ البَيْنِ فيها يَنْعِقُ
نَبْكي على الدُّنيا وما مِنْ مَعْشَرٍ ... جَمَعَتْهُمُ الدُّنيا فلَمْ يَتَفَرّقُوا
أيْنَ الأكاسِرَةُ الجَبابِرةُ الأُلَى ... كَنَزُوا الكُنوزَ فَما بَقينَ ولا بَقُوا
مِنْ كلِّ مَنْ ضاقَ الفَضاءُ بِجَيْشِه ... حتّى ثَوَى فَحَوَاهُ لَحْدٌ ضَيِّقُ
خُرْسٌ إذا نُودُوا كأنْ لمْ يَعْلَموا ... أنَّ الكلامَ لَهُمْ حَلالٌ مُطْلَقُ
والمَوْتُ آتٍ وَالنُّفوسُ نَفائِسٌ ... والمُسْتَغِرُّ بِما لَدَيْهِ الأحْمقَ
والمَرْءُ يَأمُلُ، والحَياةُ شَهِيّةٌ ... والشَّيْبُ أوْقَرُ، والشَّبيبةُ أنْزَقُ
أبني أبينا: يا إخوتَنا، يا بني آدم، وأراد بغُرابِ البين: داعي المَوْت يقول: نحن نازلون في منازل يتفرّق عنها أهلُها بالموت، فقوله: نبكي على
стр. 294
الدنيا. . . البيت مثله قول جرير يرثي امرأته:
لا يَلْبَثُ القُرَناءُ أنْ يَتَفرَّقوا ... لَيْلٌ يَكُرُّ عليهِمُ ونَهارُ
وثوى - بالمثلّثة: أقامَ في القبر؛ وبالمثنّاة: هلك، وهذا البيتُ من قول أشْجَع:
وأصْبَحَ في لَحْدٍ مِن الأرْضِ ضَيِّقٍ ... وكانَتْ به حَيَّاً تَضِيقُ الصَّحاصِحُ
الصَّحاصِحُ جمع صَحْصَح: وأصله ما استوى من الأرضِ وكان أجردَ والمُسْتِغرُّ: المغرور، يقول في هذا البيت: النفوس يأتي عليها الموت وإن كانت عزيزة نفيسة لا يمنعه ذلك من أخذها، والأحمق هو المغرور بالدنيا وبما يجمعه فيها، أمّا العاقل فإنه لا يغتر بما جمعه لعلمه أنه لا يبقى هو ولا ما جمعه، وقوله: والمرء يأمل. . البيت يقول: المَرْءُ يرجو الحياةَ لطيبِها لديه، والشَّيبُ أكثرُ له وقاراً من الشّباب، يعني: أنَّ المرءَ يكره الشَّيبَ ويحبُّ الشبابَ والشيب خيرٌ له، لأنّه يكسبه الحِلمَ والأناةَ والوقارَ، والشبابُ شرٌّ له، لأنّه يحملُه على الطيشِ والنَّزقِ والحُمْق وقال الشاعر:
رُبَّ قَوْمٍ عَبَرُوا مِنْ عَيْشِهِمْ ... في نَعيمٍ وسُرورٍ وغَدَقْ
سَكَتَ الدَّهْرُ زماناً عَنْهُمُ ... ثُمَّ أبكاهُمْ دَماً حين نَطَقْ
الغدق المراد به الخصب والسعة وقال مالك بن دينار:
أتيتُ القُبورَ فنادَيْتُهنَّ ... أينَ المُعَظَّمُ والمُحْتَقَرْ
وأيْن المُدِلُّ بِسُلْطانِه ... وأيْنَ المُزَكَّى إذا ما افْتَخَرْ
قال: فنوديتُ مِن بينِها ولا أرى أحداً:
تَفانَوْا جَميعاً فَما مُخْبِرٌ ... وماتوا جَميعاً وماتَ الخَبَرْ
تَرُوحُ وتَغْدُو بَناتُ الثَّرى ... وتَمْحُو مَحاسِنَ تلكَ الصُّوَرْ
فيا سائِلي عن أُناسٍ مَضَوْا ... أما لَكَ فيما تَرى مُعْتَبَرْ!
стр. 295
بناتُ الثرى: الدّود. . .
ونزل النعمانُ بنُ المنذر ومعه عَدِيُّ بنُ زَيدٍ العِبادِيُّ في ظل شجرةٍ عظيمةٍ ليلْهُوا: فقال له عديّ: أتَدْري ما تقولُ هذه الشجرةُ؟ قال: لا، قال: تقول:
رُبَّ رَكْبٍ قدْ أناخُوا حَوْلَنا ... يَمزُجُونَ الخَمْرَ بالماءِ الزُّلالِ
ثُمَّ أضْحَوْا عَصَفَ الدَّهْرُ بِهِمْ ... وكَذاكَ الدَّهْرُ حالاً بَعْدَ حالِ
ونظرت امرأةٌ إلى جعفر بنِ يحيى البَرْمكيِّ وزيرِ الرشيد، وهو مصلوبٌ فقالت: لئِن كنتَ في الحياة غايةً فلقد صِرْت في المَمات آيةً. . . ولما مات الإسكندرُ المقدونيُّ وقف عليه أرسطو الفيلسوف فقال: طالما كان هذا الشخصُ واعِظاً بليغاً، وما وَعَظَ بموعظةٍ في حياتِه أبلغَ من عِظَتِه في مَماتِه، أخذ هذا المعنى أبو العتاهية فقال:
وكانَتْ في حَياتِكَ لي عِظَاتٌ ... وأنْتَ اليومَ أوْعَظُ مِنكَ حيَّا
من مات فَقَدْ تناهى في البعد
قال النّابِغةُ الذُّبيانيُّ:
حَسْبُ الخَليلَيْنِ نَأيُ الأرْضِ بينَهما ... هذا علَيْها وهذا تَحْتَها بالِي
وقال أبو حَيّةَ النُّميريُّ:
فلا غائِبٌ مَنْ كان يُرْجَى إيابُه ... ولكِنَّه مَنْ ضُمِّنَ اللَّحْدَ غائِبُ
стр. 296
غفلة الناس عن الموت
قال أبو العتاهية:
النّاسُ في غَفلاتِهِمْ ... ورَحَى المَنيَّةِ تَطْحَنُ
وقال الحسن البصريُّ: ما رأيتُ يَقيناً لا شكَّ فيه أشبهَ بشكٍّ لا يقينَ فيه مثلَ الموتِ وقد تقدم وقال عمر بن عبد العزيز في خُطبة له: ما هذا التغافلُ عمّا أمِرْتُمْ به، والتَّسَرُّعُ إلى ما نُهيتُم عنه! إنْ كُنْتُمْ على يقينٍ فأنتُمْ حَمْقى، وإنْ كُنتم على شكٍّ فأنتُمْ هَلْكى. . .
وقال شاعر:
ونأمُلُ مِن وعْدِ المُنَى غَيرَ صادِقٍ ... ونأمَنُ مِن وَعْدِ المَنَى غَيْرَ كاذِبِ
نُراعُ إذا ما شِيكَ إخْمَصُ بَعْضِنا ... وأقْدامُنا ما بينَ شَوْكِ العَقارِبِ
المُنى: جمعُ المُنْية وهو ما يتمنّاه المرءُ، والمَنى: الموت، وأصلُه القدر تقول: مَنى اللهُ لك ما يسرُّك: أي قدَّر اللهُ لك ما يسرُّك ويسمّى الموتُ بالمَنى لأنّه قُدِّر علينا وقيل: من لم يَرْتدِعْ بالموتِ وبالقُرآنِ ثم تناطَحَتِ الجبالُ بينَ يديْه لم يرتَدِعْ.
لا ينجو من الموت أحد
قيل: من لَمْ يمُتْ عاجلاً مات آجلاً؛ وقال أميّةُ بن أبي الصَّلت:
مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطةً يَمُتْ هَرَماً ... للمَوْتِ كأسٌ والمَرْءُ ذائِقُها
ما لَذّةُ النَّفْسِ في الحَياةِ وإنْ ... عاشَتْ قليلاً فالمَوْتُ لاحِقُها
يَقودُها قائِدٌ إليهِ ويَحْ ... دُوها حَثيثاً إليهِ سائِقُها
стр. 297
يقال: ماتَ فلانٌ عبطةً: أي شاباً، وقيل: شاباً صحيحاً، وأصلُ العَبيطِ من اللحم: ما كان سليماً من الآفاتِ ويقالُ: عَبَطَ الشاةَ والناقةَ وكلَّ دابةٍ: نَحَرَها أو ذبَحَها من غيرِ داءٍ وهي فتيَّةٌ.
وقيل لابن المقفَّع: قد كُنتَ نُعيتَ لنا! فقال: ما بَعُدَ كائِن ولا قَرُبَ بائن. . . وقال ابن المعتز:
أَلا إنّما جِسْمِي لِرُوحي مَطِيَّةٌ ... ولا بُدَّ يَوْماً أن يُعَرَّى مِنَ الرَّحْلِ
الرَّحْل: المنزل، والسرج يُوضع على ظهر الدابة، وعُرِيَ منه نُزِعَ عنه وهذا على المثل وقال محمود الورّاق:
وما صاحِبُ السَّبْعينَ والعَشْرِ بَعْدَها ... بأقْرَبَ مِمَّنْ حَنَّكَتْهُ القَوابِلُ
ولكِنَّ آمالاً يُؤَمِّلُها الفتَى ... وفيهِنَّ للرّاجِينَ حَقٌّ وباطِلُ
القوابل جمع قابلة: المرأةُ تتلقّى الولدَ لدى الولادة المُولِّدة وحنّكته فالتَّحْنيكُ: أن تَمْضَعَ التّمر ثم تَدْلُكُه بحَنَكِ الصَّبيِّ داخلَ فمِه. . .
وقال المتنبي:
وأوْفَى حَياةِ الغابِرينَ لِصَاحِبٍ ... حَياةُ امْرِئٍ خانَتْهُ بعدَ مَشِيبِ
يريد المتنبّي: أنَّ الحياةَ وإن طالت فهي إلى انقضاء، يقول: أوفى عُمر أن يبقى حتّى المَشيب ثم يخونُه عُمْرُهُ بعد ذلك، وقصاراه الموت، أو تقول: إذا عاش المرءُ إلى بلوغِ المَشيب ثم خانته حياتُه يومئذٍ فقد تَناهَتْ في الوفاء.
ومرَّ شيخٌ من العرب بغلامٍ فقال له الغُلام: أحْصَدْتَ يا عمّاه، فقال: يا بنيَّ، وتُخْتَضَرونَ أحْصَدْتَ: آن لك أن تُحْصدَ، وتُخْتَضَرونَ: تموتون خُضراً في شبابكم.
стр. 298
الموت لا يُتحرّز منه بشيء ولو كان الطِّبَّ
قال المتنبي:
يموتُ راعي الضأنِ في جَهْلِهِ ... مَوْتَةَ جالينُوسَ في طِبِّهِ
ورُبَّما زَادَ على عُمْرِه ... وزادَ في الأمْنِ على سِرْبِهِ
وقبل هذين البيتين:
لا بُدَّ للإنسانِ مِن ضَجْعةٍ ... لا تَقْلِبُ المُضْجَعَ عن جَنْبِهِ
يَنْسَى بها ما كان مِنْ عُجْبِهِ ... وما أذاقَ الموْتُ مِن كَرْبِهِ
نَحْنُ بنو الموْتى فما بالُنا ... نَعافُ ما لا بُدَّ مِنْ شُرْبِهِ
تَبْخَلُ أيدينا بأرْواحِنا ... على زمانٍ هيَ من كَسْبِهِ
فهذِه الأرْوَاحُ مِنْ جَوِّه ... وهذِه الأجسامُ من تُرْبِهِ
стр. 299
لَوْ فَكَّرَ العاشقُ في مُنْتَهَى ... حُسْنِ الذي يَسْبِيِهِ لمْ يَسْبِهِ
لمْ يُرَ قَرْنُ الشمْسِ في شَرْقِه ... فشَكَّتِ الأنفُس في غَرْبِهِ
إلى أن قال بعد البيتين المذكورين آنِفاً:
وغايةُ المُفْرِطِ في سِلْمِه ... كغايةِ المُفْرِطِ في حَرْبِهِ
فلا قَضَى حاجتَه طالبٌ ... فؤادُه يَخْفِقُ مِن رُعْبِهِ
وقيل للربيع بن خُثَيم في مَرَضِه: ألا ندعو لكَ طبيباً؟ قال: أنْظِرُوني، ثم فكَّر فقال: ﴿وَعَاداً
وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾، لقد كان فيهم أطِبّاءُ، فما أرى المُداوِي بَقِيَ ولا المُداوَى صَلُح. . .
ودخل الفرزدقُ على مريضٍ يَعودُه فسمِعَه يطلب طَبيباً فقال:
يا طالِبَ الطِّبِّ مِن داءٍ تَخَوَّنَهُ ... إنَّ الطَّبيبَ الّذي أبْلاكَ بالدّاءِ
هُوَ الطَّبيبُ الذي يُرْجَى لِعافيَةٍ ... لا مَنْ يَدُوفُ لكَ التِّرْياقَ بِالماءِ
الذي أبلى المريضَ بالدّاءِ والذي يُرجى لعافيةٍ: هو اللهُ ، ويَدوفُ: يخلُطُ. وتخوّنه: غيّر حالَه إلى أسوأَ منها، ويروى: تخونه والتِّرياق: الدّواء هنا، وأبلاه: صنع به ما يمتحن به ويختبر.
стр. 300
وقال ابن الرومي:
غَلِطَ الطَّبيبُ عليَّ غَلْطَةَ مُورِدٍ ... عَجِزَتْ مَوارِدُه عَنِ الإصْدارِ
وَالناسُ يَلْحَوْنَ الطَّبيبَ وإنّما ... غَلَطُ الطبيبِ إصابَةُ المِقدارِ
وقال أبو ذُؤَيْبٍ الهُذَليُّ:
وإذا المَنِيَّةُ أنْشبَتْ أظفارَها ... ألفيْتَ كلَّ تَميمةٍ لا تَنْفَعُ
وقال عليُّ بن الجَهم:
كَمْ مِنْ عَليلٍ قد تَخَطَّاهُ الرَّدى ... فنَجا ومَاتَ طبيبُه والعُوّدُ
وقد أخذَ هذا من قولِ عديِّ بنِ زيد:
أيْنَ أهْلُ الدِّيارِ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ ... ثُمَّ عادٌ مِن بَعْدِهِمْ وثَمُودُ
بَيْنَمَا هُمْ على الأسِرَّةِ وَالأنْ ... ماطِ أفْضَتْ إلى التُّرابِ الخُدودُ
ثُمَّ لمْ يَنْقَضِ الحَديثُ وَلكِنْ ... بَعْدَ ذَا الوَعْدُ كُلُّهُ وَالوَعِيدُ
وَأَطِبّاءُ بَعدَهُمْ لحِقُوهُمْ ... ضَلَّ عَنْهمُ سَعُوطُهُمْ واللَّدُودُ
وَصَحيحٌ أضْحَى يَعودُ مَريضاً ... وهو أدْنى لِلموَتِ مِمَّن يَعودُ
السَّعوط: الدّواء الذي يُؤخذُ من الأنف، واللَّدودُ: ما يُؤخذ من الدّواء بالمِسْعَطِ ويُصبُّ في أحد شِقَّيْ الفم ويُروى: أنَّ عبد الملك بنَ مروانَ هربَ من الطاعون، فركِبَ ليلاً وأخرجَ غُلاماً معه؛ وكان ينام على دابَّته، فقال للغُلام: حدِّثني، فقال ومَنْ أنا حتّى أحدِّثَك! فقال: على كلِّ حالٍ حَدِّث حَديثاً سَمِعْتَه، فقال: بلَغَني: أنَّ ثعلباً يَخْدُمُ أسَداً ليَحْميَه ويمنعَه مِمَّن
يريدُه فكان يحميه، فرأى الثعلبُ عُقاباً، فلجأ إلى الأسدِ، فأقْعده على ظهرِه، فانقضُّ العُقاب واخْتَلَسَه، فصاحَ الثعلبُ: يا أبا الحارث، أغِثْني واذْكُرْ عهدَك لي
стр. 301
فقال الأسد: إنّما أقدِرُ على منعك من أهلِ الأرض، وأمّا أهلُ السماءِ فلا سبيلَ لي إليهم، فقال عبد الملك: وعَظْتَني وأحْسَنْت، انْصرِفْ ورَضِيَ بالقَضاء. . .
ولمناسبة الهربِ من الطاعونِ نُوردُ هنا ما أورَدْنا نظيرَه في قولنا على التوكُّل، وهو أنَّ عمر ابنَ الخطّاب رضوانُ الله عليه لما بلَغَه أنَّ الطاعونَ وقعَ بالشَّام فانصرفَ بالناس: قال له أبو عبيدةَ بنُ الجراح: أفِراراً من قَدَرِ اللهِ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال عمرُ: لو غيرُك قالَها يا أبا عبيدة! نَعَمْ نَفِرُّ من قَدَرِ اللهِ إلى قدرِ الله، أرأيْتَ لو أنَّ لك إبِلاً هَبَطْتَ بها وادِياً له جِهتان إحداهُما خصيبةٌ والأخرى جديبة، أليسَ لو رعَيْتَ في الخصيبة رعيتَها بقدرِ اللهِ، ولو رعَيْتَ الجديبةَ رعيتَها بقدرِ الله؟ وكان عبد الرحمن بن عوف غائِباً فأقبل، فقال: عندي في هذا عِلْمٌ سمعتُه من رسولِ الله ﷺ ، قال: (إذا سَمِعْتُم به - بالطاعون - في أرْضٍ فلا تَقْدَموا عليها، وإذا وَقَع في أرضٍ وأنتم بها فلا تَخرُجوا فِراراً منه)، فحَمِدَ اللهَ عمرُ ثُمَّ انصرفَ بالناس. . .
وقال المتنبّي:
نُعِدُّ المَشْرَفِيَّةَ والعَوَالي ... وتَقْتُلُنا المَنونُ بِلا قِتالِ
ونَرْتَبِطُ السَّوابِقَ مُقْرَباتٍ ... وَمَا يُنْجينَ من خَبَبِ اللّيالي
وَمَنْ لَمْ يَعْشَقِ الدُّنيا قَديماً؟ ... ولكِنْ لا سبيلَ إلى الوِصالِ
المَشْرفيّة: السيوف - والعوالي: الرّماح، والمَنون: الموت، والسَّوابق جمعُ سابقٍ وسابِقةٍ، والمُقْربات من الخيل هي الكِرامُ التي تُرْتَبط لكرامتِها على أصحابها أو لِفَرْطِ الحاجةِ إليها والخبب: عَدْوٌ لا يَسْتَفرغُ الجَهْدَ، يقول المتنبي: نحن نُعِدُّ السيوفَ والرماحَ لمنازلة الأعداء ومُدافعة الأقران؛ والموت يخترمُ نفوسَنا
стр. 302
دون قتالٍ أو نزال، لا يمكننا حِذارُه ولا يتهيّأ لنا دفاعُه، ثم قال في البيت الثاني: ونَرْتَبِط الخيولَ الكريمةَ ومع هذا لا تُنجينا من طلبِ الدَّهْرِ إيّانا وخَبَبِ لياليه في آثارنا:
كأنّنا في حُروبٍ مِن حَوادثِه ... فَنَحْنُ مِن بينِ مَجْروحٍ ومَطْعونِ
وقد تقدَّم معنى البيت الثالث.
موتُ الفُجاءةِ والصَّحيحُ يموت
قيل لأعرابيٍّ: مات فلانٌ أصحَّ ما كان! فقال: أوَصحيحٌ مَنِ الموتُ في عُنقِه! وكان الحسن البصريُّ يقول في دعائِه: اللَّهُمَّ أجِرني من أن أكونَ مُخْتلساً أي يختلسه الموتُ على غَفْلة وفي الحديثِ: (بادِروا بالأعمال مَرَضاً حابِساً أو مَوْتاً خالِساً) وقيل لأعرابيٍّ: كيف مات أبوك؟ قال: مات سِرّاً أي فَجْأة وقال الشاعر:
ورُبَّما غُوفِصَ ذو غِرَّةٍ ... أَصَحَّ ما كانَ وَلَمْ يَسْلَمِ
يقال: غافَصَ الرَّجلَ مغافَصَةً وغِفاصاً. أخذه على غِرَّةٍ فرَكِبَه بمَساءةٍ وقيل لرجل: ما كان سببُ موتِ فلان؟ قال: كونه أي وجودُه والبيتُ المشهورُ في هذا:
مَنْ لَمْ يَمُتْ بالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِه ... تَنَوَّعِتِ الأسْبابُ والموتُ واحِدُ
كل إنسان مُعرّض لموته أو موتِ أحِبّته
قال حكيم: من طالَ عُمُرُه رأى المصائِبَ في إخوانِه وجيرانِه، ومن قَصُرَ عُمُره كانت مصيبتُه في نفسِه؛ وقال الشاعر:
стр. 303
فمُؤَجَّلٌ يَلقَى الرَّدَى في أهْلِه ... ومُعَجَّلٌ يَلْقَى الرَّدَى في نَفْسِه
وقال يزيدُ بن الحَكَمِ الثّقَفيُّ:
كلُّ امْرئٍ سَتئِيمُ مِنْ ... هُ العِرْسُ أو مِنْها يَئيمُ
العِرْس: الزَّوجة، وآمَتِ المرأةُ من زوجِها تَئيمُ وتأيَّمَتْ ماتَ عنها زوجُها أو قُتلَ وأقامت لا تتزوَّجُ، وكذلك الرّجل. . .
جهل الإنسان بوقت موته
قال اللهُ جلّ شأنه: ﴿تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. . . . وقيل لجعفر بن محمد بن علي ﵃: كيفَ يأتي الموتُ من وُجوهٍ شتّى، على أحوالٍ شتّى؟ فقال: إنَّ اللهَ أرادَ أن لا يُؤمنَ في حالٍ. . . وقالوا: أمرٌ لا تدري متى يَغشاك ألا تستَعِدُّ له قبلَ أنْ يَفْجَأكَ! وقال ديكُ الجنّ:
والنّاسُ قَدْ عَلِموا أنْ لا بَقَاَء لَهُمْ ... لَوْ أنَّهم عَمِلوا مِقدارَ ما عَلِموا
الموت يسوّي بين الأفاضل والأراذِلِ
قال المتنبّي في رثائِه أبا شجاع فاتكاً:
стр. 304
وَصَلتْ إليْكَ يَدٌ سَواءٌ عِندَها ... ألبازُ الاشْهَبُ والغُرابُ الأبْقَعُ
البازُ الأشهب: الذي غلبَ عليه البياضُ، والأبقعُ: الذي في صدره بياضٌ يقول المتنبي: وصلت إليك يدٌ - يريد المنية - الشريفُ والوضيعُ لديها سواء، فِعلُها مع الباز الأشهبِ مع كرمِه كفعلِها بالغرابِ الأبْقَعِ مع قبحِه ودمامتِه، وهذا على المثل. . . ويُروى أنّ الإسكندر المقدونيَّ مرَّ بمدينةٍ قد ملَكَها غيرُه من الملوكِ؛ فقال: انظُروا هل بقيَ بها أحدٌ من نَسْلِ مُلوكِها؟ فقالوا: رجلٌ يسكنُ المقابِرَ، فأحضرَه وسألَه عن إقامتِه هذه؛ فقال: أرَدْتُ أنْ أميِّزَ عظامَ الملوكِ من عظامِ عبيدِهم فوجدتُها سواءً، فقال: هل تتَّبِعُني فأحْيي لك شرفَك إن كان لك همَّةٌ؟ فقال: هِمَّتي عظيمةٌ إن أنَلْتَنيها، فقال: ما هي؟ قال: حياةٌ لا موتَ معها، وشبابٌ لا هرمَ معه، وغِنًى لا فقرَ معه، وسرورٌ لا مكروهَ فيه، فقال: ليس عندي هذا، فقال دَعْني ألْتَمِسْه مِمَّن هو عندَه، فقال: ما رأيتُ مثلَه حكيماً؛. . . وقال مالك بن دينار: قدِمَ علينا بِشرُ بنُ مروان أخو الخليفة - عبد الملك بن مروان - فطُعن - أصابه الطاعون - فماتَ فأخْرَجْناه إلى القبر، فلما صِرْنا إلى الجبّان - الجبّانة - إذا نحنُ بِسودانٍ يَحمِلون صاحِباً لهم إلى القبر، فدَفَنّاه ودَفَنوا صاحبَهم، فعُدْتُ قبل الأسبوعِ فلَمْ أعرف قبرَ الأسودِ من قبرِه؛ وفي هذا يقول الشاعر:
ولَقَدْ مَرَرْتُ على القُبورِ فما ... مَيّزْتُ بينَ العَبْدِ والمَوْلى
وقال صالحُ بنُ عبد القدّوس:
فيا مَنْزِلاً سَوَّى البِلَى بينَ أهْلِه ... فلَمْ يَسْتَبِنْ فيه الملوكُ مِنَ السُّوَقْ
стр. 305
انقضاء ناسٍ بعد ناس
ورجوعهم إلى الموت
قال عليٌّ كرَّم اللهُ وجهَه: إنَّ للهِ في كلِّ يَوْمٍ ثلاثَ عَساكِرَ: عسكرٌ يَنْزِلُ من الأصْلابِ إلى الأرْحام، وعَسْكرٌ ينزل من الأرْحامِ إلى الأرضِ، وعسكرٌ ينتقلون من الدُّنيا إلى الآخرة، وقال الشاعر:
وما نَحْنُ إلا رُفْقةٌ غيرَ أنّنا ... أقَمْنا قليلاً بَعْدَهم ونَرُوحُ
وقال آخر:
إذا زُرْتُ أرْضاً بعدَ طُولِ اجْتِنابِها ... فقَدْتُ صديقاً والبِلادُ كَما هِيَا
وقال:
أرَى الأرْضَ تَبْقَى والإخِلاّءُ تَذْهَبُ
وقيل للبَهلول - وقد أقبلَ من الجبّان -: من أين؟ فقال:
مِنْ عَسْكرِ المَوْتى، فقيل ما قلت وما قالوا؟ فقال: سألتُهم: مَتى يَرْحلون؟ فقالوا: ننتظرُ قدومَكم ثُمَّ نَرْتحل. . . ورَوَوْا: أنَّ راهبين دَخلا البصرةَ من ناحيةِ الشَّامِ فنظرا إلى الحسنِ البصري، فقال أحدُهما: مِلْ بِنا إلى هذا الذي كأنَّ سَمْتَه سَمْتُ المسيح، فعَدلا إليه، فألْفَياه مُفْتَرِشاً بذَقْنِه ظاهرَ كفِّه وهو يقول: يا عَجباً لقومٍ قد أمِروا بالزَّاد وأُذِنوا بالرَّحيل، وأقام
стр. 306
أوَّلُهم على آخرِهم، فليتَ شِعْري ماذا يَنْتَظرون! وفي روايةٍ أخرى هذه الزيادةُ بعد قوله: وأقام أولهم على آخرهم: وآخرهم قعودٌ يلعبون قوله: أمِروا بالزّاد يعني زادَ الآخرة، وهو العملُ الصالح، وقوله: وأذنوا بالرحيل: أذِنوا: أُعْلِموا، والرحيل يريد به الموتَ، وقوله: وأقام أوّلُهم على آخرِهم: لعلّه يريد: أنّ أوّلَهم يرضى فعلَ آخرِهم فلَمْ يُنْكِرْ عليه، ولعلّه يريد أن موتَ أوّلهم كان يجب أن يكون عبرةً لآخرِهم ومن المشهور في هذا أبياتُ قُسِّ بنِ ساعدةَ الأيادي:
في الذَّاهِبينَ الأوَّلِي ... نَ مِنَ القُرونِ لنا بَصائِرْ
لمّا رأيْتُ مَوارِداً ... للمَوْتِ لَيْسَ لَها مَصادِرْ
ورَأيْتُ قَوْمي نَحْوَها ... يَمْضي الأصاغِرُ والأكابِرْ
لا يَرْجِعُ الماضي إليَّ ... ولا مِنَ الباقِينَ غابِرْ
أيْقَنْتُ أنّي لا مَحا ... لةَ حَيْثُ صارَ القومُ صائِرْ
في الذاهبين: متعلّق ببصائِر في آخر البيت، وبصائر: عِبَر، والقُرونُ جمع قَرْنٍ والقَرْنُ من الناس: أهلُ كلّ زمان، قال:
إذا ذَهَبَ القَرْنُ الذي أنْتَ فيهمُ ... وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فأنْتَ غَريبُ
ولعلّه مأخوذٌ من الاقترانِ، فكأنّه المِقدارُ الذي يقترن فيه أهلُ ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، ومن هنا اختلفوا في تحديدِ القَرن من الزمان فقيل: أربعونَ سنةً، وقيل: ثمانون، وقيل مائة سنة، والموارِد جمع مورد وهو:
стр. 307
محلُّ الوُرود، أي الإتيان، والمصادر جمع مَصدر، وهو: موضع الصُّدور، أي الانصراف والرُّجوع، وغابر اسم فاعل من غَبَرَ
بمعنى: مَكَثَ وبَقِي، وبمعنى: مضى أيضاً، فهو من الأضداد.
مَنْ يَخافُ الموت ولا يستعدُّ له
وحثُّهم على تعاطي ما يهوّن أمرَ الموت
جاءَ رجلٌ إلى سيّدنا رسولِ الله فقال: (يا نبيَّ الله، ما لي لا أحبُّ الموتَ؟ فقال له: هل لك مالٌ؟ قال: نَعَم؛ قال: قدِّمْه بين يَديك؛ قال: لا أطيقُ ذلك، فقال سيدُنا رسولُ الله: إنَّ المرءَ مع مالِه إنْ قدَّمه أحبَّ أنْ يلحقَ به وإنْ أخَّرَه أحَبَّ أن يتخلَّفَ معه). . . وقال الحسنُ البصريُّ لشيخٍ في جنازة: أتُرى هذا الميّت لو رجعَ إلى الدُّنيا أكان يعمل صالحاً؟ قال: نعم، قال: إن لم يكن ذاك فكُنْ أنتَ ذاك. . . وقال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجُرجانيّ:
إذا قُلْتُ لَمْ يَبْلُغْ بيَ السِّنُّ مَبلغاً ... وُعِظْتُ بِطفْلٍ صارَ قَبلي إلى التُّرْبِ
وقال عليٌّ ﵁ لرجلٍ: كيف أنتم؟ قال: نرجو ونَخاف، قال: من رجا شيئاً طلبَه ومن خاف شيئاً هرَبَ منه. . . وقال أبو الدَّرداء: العجبُ
стр. 308
لِمَنْ يكره الموتَ لإساءتِه ولا يكره الإساءةَ في حياتِه!. . . وقال رجل لأبي الدّرداء: ما بالُنا نكره الموتَ! قال: لأنّكم أخْرَبْتم آخرتَكم وعَمَرْتم دُنياكم فكرِهْتُم أن تُنقلوا من العُمرانِ إلى الخرابِ. . . وقال أبو حازم: كلُّ عملٍ تكره الموتَ لأجلِه فدَعْه كيلا تخافَ منه متى أتاك. . .
من أمر ذويه بالبكاء عليه
رُوي عن سيِّدنا رسول الله: (إنَّ الميِّتَ ليُعَذَّب ببُكاءِ أهلِه عليه). . . قال العلماء: أراد صلواتُ الله عليه إذا وَصَّى الميتُ بذلك وأمرَ به على نحو ما كان يفعلُ أهلُ الجاهلية، كقولِ طرفةَ بن العبد:
إذا مِتُّ فانْعَيْني بما أنا أهْلُه ... وشُقِّي عليَّ الجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعْبَدِ
وقول الفرزدق:
إذا مِتُّ فانْعَيْني بِما أنا أهلُه ... فَكلُّ جَميلٍ قُلْتِ فيَّ مُصَدَّقُ
وقول ابن المعتز:
إذا مِتُّ فانْعَيْني بما أنا أهلُه ... ولا تَذْخَرِي دَمْعاً إذا قامَ نائِحُ
وَقُولِي: تَوَى طَودُ المَكارِمِ والعُلَى ... وعُطِّلَ ميزانٌ مِن الحِلْمِ راجِحُ
توى: هلَك، وتُقرأ: ثوى والطّود: الجبل العظيم، والحِلم: الأناةُ والعقل وقال بعض العلماء: الأَوْلى: أنْ يقالَ في تأويل الحديث: سماعُ صوتِ البكاء هو نفسُ العَذاب، كما أنّا نُعذَّب ببكاء الأطفالِ، فالحَديث على ظاهره.
стр. 309
من أظهر الندم عند الموت على ما فرط منه
لما احتُضِرَ عمرو بنُ العاص جعلَ يدَه في موضع الغُلِّ القيد من عُنُقِه ثم قال: اللَّهمَّ إنك أمَرْتَنا ففرّطنا، ونَهَيْتَنا فرَكِبْنا، اللَّهمَّ إنّه لا يَسَعُنا إلا رحمتُك، فلَمْ يزَلْ ذلك هِجِّيراه حتّى قُبِضَ. . . وقيل لبعض الملوك حين احتُضِرَ: ما حالك؟ فقال: ما حالُ مَنْ يريدُ سفراً بعيداً بلا زادٍ، وينزل حفرةً من الأرض موحشةً بلا مُؤنس، ويَقْدَمُ على ملكٍ جبّار قد قدَّم إليه العُذْرَ بلا حُجّة! وقال عبد الملك بن مروان عند موتِه: وَدِدْتُ أنّي كنتُ غَسّالاً آكلُ كلَّ يومٍ كسبَ يومي لا يفضُلُ عنّي. . . فقيل ذلك لأبي حازم فقال: الحمدُ لله الذي جعلَنا بحيث يتمنّى الملوكُ حالَنا عند الموتِ ولا نتمنّى حالَهم. . . ولمّا أدْنَفَ المأمونُ بن الرشيد أمرَ أن يُفرشَ له جِلٌّ - بساط - فجَعلَ يتمرَّغ فيه ويقول:
كلُّ عَيْشٍ وإنْ تَطاوَلَ دَهْراً ... صائِرٌ مَرَّةً إلى أنْ يَزولا
ليْتَني كنْتُ قبْلَ ما قدْ بَدَا لي ... في رُؤوس الجِبالِ أرْعَى الوُعولا
وأغمِيَ عليه ثُمَّ أفاقَ وهو يقول:
لبَّيْكُما لبَّيْكُما ... ها أنا ذا لَدَيْكُما
اللَّهمَّ لا بَرِيءٌ فأعْتَذِرُ ولا قوِيٌّ فأنْتَصِر
ثُمّ أغمِيَ عليه فلمّا أفاقَ قال:
إنْ تَغْفِرِ اللَّهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وأيُّ عَبْدٍ لكَ لا ألمَّا
стр. 310
وقال أبو جعفر المنصور عند موتِه: اللَّهمَّ إنْ كنتَ تعلمُ أنّي قد ارتكبتُ الأمورَ العظامَ جُرأةً منّي عليك؛ فإنّك تعلمُ أنّي قد أطعْتُك في أحبِّ الأشياءِ إليك: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا أنْتَ، مَنّاً منك لا مَنّاً عليك. . . وكان سببُ إحرامِه من الخَضْراءِ أنّه كان يوماً نائماً فأتاه آتٍ في منامِه فقال:
كأنّي بِهذا القَصْرِ قَدْ بادَ أهلُهُ ... وعُرِّيَ مِنْهُ أهلُهُ ومَنازِلُهْ
وصَارَ عَميدُ القَومِ مِنْ بَعْدِ نِعْمَةٍ ... إلى جَدَثٍ تُثْنَى عَليه جَنَادِلُهْ
فَلَمْ يَبْقَ إلا رَسْمُه وَحَدِيثُهُ ... تُبَكِّي عليه مُعْوِلاتٍ حَلائِلُهْ
فاستيقظَ مَرْعوباً ثُمّ نامَ فأتاه الآتي فقال:
أبا جَعْفرٍ حانَتْ وفاتُكَ وانقْضَتْ ... سِنُوكَ وأمْرُ اللهِ لابُدَّ واقِعُ
فهَلْ كاهِنٌ أعْدَدْتَهُ أو مُنَجِّمٌ ... أبا جَعْفرٍ عنكَ المَنيَّةَ دافِعُ
فقال: يا ربيعُ ائْتِني بِطَهوري، فقام واغتسلَ وصلَّى ولبَّى وتجهَّز للحَجِّ، فلمّا صار في الثلثِ الأوَّل اشتدَّت عِلَّتُه، فجعل يقول: يا ربيعُ ألقِني في حَرَمِ اللهِ، فماتَ ببِئْرِ مَيْمون. . . وقالوا: لَقِّنْ ميِّتَك - أي لا إله إلا الله - فإذا قالَها فدَعْه يتكلَّمْ بغيرِها من أمرِ الدُّنيا ولا تُضجِّرْه.
من امتنع من التوبة عند موته
اعتلّ أعرابيٌّ، فقيل له: لو تُبْتَ، فقال: لَسْتَ ممَّن يُعطي على الذُّلِّ،
стр. 311
إن عافاني اللهُ تُبْتُ وإلا مِتُّ هكذا. . . وقيل للحجّاج: ألا تتوب؟ فقال إنْ كنتُ مُسيئاً فليَسَتْ هذه ساعةَ التوبة، وإن كنت مُحسناً فليست ساعةَ الفَزَع الفزع: الاسْتِغاثة والاسْتِصْراخ، ولعلّه يريد: أنَّ وقتَ الموتِ ليسَ وقت الحسابِ والمجازاةِ وإنّما ذلك يوم الفزعِ الأكبرِ - يوم البعث - ولعلَّ المعنى: ما دُمْت مُحْسناً فليسَ ثَمَّتَ داعٍ للخوف.
من يحبّون الموت
قال عبد الله بن مسعود: ما مِنْ نَفْسٍ حيَّةٍ إلا والموتُ خيرٌ لها، إن كان برّاً فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾، وإن كان فاجراً فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، وحضر أحدَ الصالحين الموتُ، ففَرِحَ فقيل له: تستبشرُ بالموت؟ فقال: أتَجْعلون قُدومي على خالقٍ أرجوه كمَقامي على مَخْلوقٍ أخافُه! وسُئِل حكيمٌ عن الموت، فقال: هو فزعُ الأغنياء وشَهْوةُ الفقراء. . . وقال بعضهم: لا يكونُ الحكيمُ حكيماً حتّى يعلمَ أن الحياةَ تسترقُّه والموتُ يُعتقُه. . . وقال المتنبي:
تَغُرُّ حَلاواتُ النُفُوسِ قلوبَنَا ... فتَخْتَارُ بَعضَ العَيْشِ وَهْوَ حِمامُ
يقول المتنبِّي: حبُّ الحياةِ يَغُرُّ القلبَ حتى يختارَ عيشاً فيه ذلٌّ:
стр. 312
وشَرُّ الحِمامين الزُّؤَامَيْنِ عِيشَةٌ ... يَذِلُّ الذي يَختارُها ويُضَامُ
وقال أيضاً:
وما الدَّهْرُ أهْلٌ أن تُؤَمَّلَ عِندهُ ... حَياةٌ وأنْ يُشْتاقَ فيهِ إلى النَّسْلِ
وقد تقدم وفي هذه القصيدة يقول المتنبي:
نُبَكِّي لِمَوْتانا على غَيْرِ رَغْبةٍ ... تفُوتُ مِنَ الدُّنيا ولا مَوْهِبٍ جَزْلِ
إذا ما تَأمَّلْتَ الزَّمانَ وصَرْفَهُ ... تيَقّنْتَ أنَّ الموتَ ضَرْبٌ من القَتْلِ
يقول: نحن نَبْكي على موتانا ونحزن لهم ونأسَف لفراقِهم ونحن على يقين من أنهم لا يفوتهم من الدنيا ما يُرغَبُ في مِثلِه ولا يمتعون منها بما يصحُّ أن يتنافس في نيله، ثم قال في البيت التالي: وأنت إذا ما تأمَّلت وأنعمتَ النظرَ في تصاريف الدهر وخطوبه تيقَّنْتَ أنّ الموت المحتوم على المرء كالذي يتوقّعُه من القتل وإذن لا داعيَ للجُبن والذعر ولا مُوْجِبَ لحبِّ الحياة والتهافت عليها قال عنترة:
فأجَبْتُها: إنّ المَنِيّةَ مَنْهَلٌ ... لا بُدَّ أنْ أُسْقَى بذاكَ المَنْهَلِ
فاقْنَيْ حَياَءكَ لا أبا لَكِ واعْلَمِي ... أنِّي امْرؤٌ سأموتُ إنْ لَمْ أُقْتَلِ
فاقْنَيْ حَياءَكَ: فالْزَميه واحفظيه واتخذيه قُنيَةً وقال الإمام الجنيد: مَن كان حياتُه بنفسِه يكون مماتُه بذهابِ روحِه، فتَصْعُبُ عليه، ومن كان حياتُه برَبِّه فإنّه يَنْتَقِلُ من حياة الطبع إلى حياة الأصل، وهي الحياة الحقيقيَّةُ.
تمنّي الموت
قال أعرابيٌّ: خيرٌ من الحياةِ ما إذا فقَدْتَه أبغَضْتَ لفقدِه الحياةَ، وشرٌّ
стр. 313
مِن المَوْتِ ما إذا نَزَلَ بك أحْبَبْتَ لنزولِه الموتَ. . . وقال المتنبّي:
كَفَى بِكَ داءً أن تَرى الموتَ شافِيا ... وحَسْبُ المَنَايا أنْ يكُنَّ أمانِيا
تَمَنَّيْتَها لمّا تمنّيت أنْ ترى ... صَديقاً فأعيا أو عدُوَّاً مُداجِيا
وقال المُهَلَّبي الوزير:
ألا مَوْتٌ يُباعُ فأشتريه ... فهذا العيشُ ما لا خيرَ فيهِ
ألا موتٌ لذيذُ الطَّعمِ يأتي ... يُخلِّصُني من العيشِ الكريهِ
إذا أبْصَرْتُ قبراً من بعيدٍ ... وددْت لو انَّني ممّا يليِهِ
ألا رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حُرٍّ ... تَصَدَّقَ بالوَفاةِ على أخيهِ
واعْتَلَّ الشبْلِيُّ ثم بَرَأ، فقال له بعضُ أصحابه كيف أنت: فقال:
كلما قُلتُ: قد دنا حَلُّ قَيدِي ... قَدَّمُوني وأوْثَقوا المِسمارَا
الحياة لا تمل
قال حكيم: الحياةُ وإنْ طالَتْ لا تُملُّ، وإنّما يَمَلُّ المَرْءُ تكاليفَ الحياة،
стр. 314
ولهذا فُضِّلَ قولُ زهير بن أبي سُلمى:
سَئِمْتُ تَكاليفَ الحَياةِ ومَنْ يَعِشْ ... ثمانينَ حَوْلاً لا أبَا لكَ يَسْأَمِ
على قول لبيد:
ولَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الحَياةِ وطولِها ... وسُؤالِ هذا النّاسِ: كيفَ لَبيدُ
تكاليف الحياة: مشاقُّها وشدائِدُها، أمّا لبيدُ فإنه يكادُ يكون مَعذوراً إذا هو ملَّ الحياةَ نفسَها ولِمَ لا وقد عُمِّر حتّى بلغَ الثلاثين ومائةَ سنة؟ وقال المتنبّي:
ولَذيذُ الحَياةِ أنْفَسُ في النَّفْ ... سِ وَأَشْهَى مِنْ أنْ يُمَلَّ وأحْلَى
وإذا الشَّيْخُ قالَ أُفٍّ فما مَ ... لَّ حَياةً وإنّما الضُّعْفَ مَلاَّ
آلَةُ العَيْشِ صِحّةٌ وشَبابٌ ... فإذا وَلَّيا عَنِ المَرْءِ وَلَّى
وقد تقدّمت ودخل سليمان بنُ عبد الملك مسجدَ دمشقَ، فرأى شيخاً، فقال: يا شيخُ، أيسرُّك أن تموتَ؟ فقال: لا واللهِ، قال: ولِمَ وقد بَلَغْتَ من السِّنِّ ما أرى! قال: مَضى الشبابُ وشرُّه، وبَقِيَ الشّيْبُ وخيرُه، فأنا إذا قعَدْتُ ذكرْتُ اللهَ، وإذا قُمْتُ حَمِدْتُ اللهَ، فأحِبُّ أنْ تدومَ لي هاتان الحالتان. . .
تسلّي الناس عمّن مات
قالوا: إذا أردْتَ أن تنظرَ الناسَ مِنْ بعدِك فانْظُرْ إليهم بعدَ مَنْ ماتَ قبلك. . . وقال أبو العتاهية:
سَيُعْرَضُ عن ذِكْري وتُنْسَى مَودَّتي ... ويَحْدُثُ بَعْدِي للخَليلِ خَليلُ
وقال منصور الفقيه:
стр. 315
كلُّ مَذْكورٍ مِنَ النَّا ... سِ إذا ما فَقَدوهُ
صارَ في حُكْمِ حَديثٍ ... حَفِظوهُ فنَسُوهُ
وقال آخر:
هالُوا علَيْه التُّرْبَ ثُمَّ انْثَنَوْا ... عَنْهُ وخَلَّوْهُ وأعْمالَهُ
لمْ يَنْقَضِ النَّوْحُ مِن دارِه ... علَيْهِ حتّى اقْتَسَموا مالَهُ
سهم المنايا بالذخائر مولع
قال أبو تمام:
عليكَ سلامُ اللهِ وَقْفاً فإنَّني ... رأيْتُ الكريمَ الحُرَّ ليس له عُمْرُ
وقال من أبياتٍ يرثي بني حميد أيضاً:
إنْ يَنْتَحِلْ حَدثانُ المَوْتِ أنفُسَكم ... ويَسْلَمِ النّاسُ بينَ الحَوْضِ والعَطَنِ
فالماءُ ليسَ عَجيباً أنَّ أعْذَبَه ... يَفْنَى ويَمْتَدُّ عُمْرُ الآجِنِ الأسِنِ
وقال ابنُ النّبيه المصريّ من أبياتٍ مختارةٍ نُورِدُها عليك:
النَّاسُ للمَوْتِ كَخَيْلِ الطِّرَادْ ... فالسّابقُ السّابِقُ مِنْها الجَوادْ
стр. 316
واللهُ لا يَدْعُو إلى دارِه ... إلاّ مَنِ اسْتَصْلَحَ مِن ذِي العِبادْ
والمَوْتُ نَقَّادٌ على كَفِّه ... جَواهِرٌ يَختارُ مِنْها الجِيادْ
والمَرْءُ كالظِّلِّ، ولا بُدَّ أنْ ... يَزولَ ذاكَ الظِّلُّ بَعْدَ امْتِدادْ
لا تَصْلُحُ الأرْواحُ إلاّ إذا ... سَرَى إلى الأجْسادِ هذا الفَسادْ
أرْغَمْتَ يا مَوْتُ أُنوفَ القَنَا ... وَدُسْتَ أعْناقَ السُّيوفِ الحِدادْ
وقال شاعر:
فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ مَوْتِه وهْو ناشِئٌ ... ولا يُنْكِرَنْ هذا مَنْ جَرَّبَ الدَّهْرَا
فكلُّ طَويلِ المَجْدِ يَقْصُرُ عُمْرُه ... كذاكَ سِباعُ الطَّيْرِ أقْصَرُها عُمْرَا
إنكارهم الشماتة في الموت
قال عدي بن زيد العِبادي:
أيُّها الشَّامِتُ المُعَيِّرُ بالدَّهْ ... رِ أَأَنْتَ المُبَرَّأُ المَوْفورُ
أمْ لَدَيْكَ العَهْدُ الوَثيقُ مِن الأيّ ... امِ بلْ أنْتَ جاهِلٌ مَغرورُ
وقد تقدَّمت هذه الأبيات. . . وقال شاعر:
تَمنَّى رِجالٌ أنْ أموتَ وإنْ أمُتْ ... فتِلْكَ سَبيلٌ لَسْتُ فيها بأَوْحَدِ
ولمّا مات الحسنُ بن عليِّ بنِ أبي طالب ﵄ دخل عبدُ الله بنُ عبّاس على
معاويةَ، فقال له معاويةُ: يا ابنَ عباس، مات الحسنُ بنُ علي؟ قال: نَعَمْ، وقد بلغني سُجودُك، أما واللهِ: ما سَدَّ جُثمانُه حُفْرَتَك، ولا زادَ
стр. 317
انقِضاءُ أجلِه في عُمُرِك، قال: أحْسَبُه تركَ صِبْيةً صِغاراً ولَمْ يَتْرُكْ عليهم كثيرَ مَعاش؟ فقال: إنّ الذي وَكَلَهم إليه غيرُك،. . . وقال الفرزدق:
فقُلْ لِلشَّامِتينَ بِنا أفيقُوا ... سيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَما لَقينا
وحكى المبرّد عن بعضهم: أنّه شَهِدَ رجلاً على قبرٍ وهو يُكثر البُكاءَ، فقلتُ: أعلى قريبٍ أو على صديقٍ؟ فقال: أخصُّ مِنهما، قد كان لي عَدُوّاً، فخرج إلى الصيد، فرأى ظَبْياً فتَبِعَه، فَعَثَرَ بالسَّهم، فخَرَّ هو والظّبْيُ ميِّتين، فدُفِنَ، فانْتَهَيْتُ إلى قبرِه شامِتاً به، فإذا عليه مكتوب:
وما نَحْنُ إلا مِثلُهمْ غَيْرَ أنَّنا ... أقَمْنا قليلاً بَعْدَهُمْ وتَرَحَّلوا
فها أنا ذا واقِفٌ أبكي على نَفْسي. . . ولمّا ماتَ الفَرزدقُ بكى عليه جريرٌ ورثاه، فقيل له: أبعدَ تلكَ العَداوة! فقال: لَمْ أرَ اثنينِ بلَغَا الغايةَ ومات أحَدُهما إلا ولَحِقَه الآخرُ عن كثَبٍ، فكان كذلك. . . وقال سيِّدُنا رسولُ الله: (لا تُظْهِرِ الشَّماتةَ لأخيك فيعافيه اللهُ ويَبْتليك) - أقول: يبدو أن الشَّماتةَ - وهي أنْ تَفْرحَ بالبليَّةِ تَنْزلُ بِمَنْ يُعاديك - من الغَرائِزِ الإنسانية اللّئيمة، ومِنْ ثَمَّ لم ينْهَ سيدُنا رسولُ الله عن كونِها - وجودِها - وإنّما نَهى عَنْ إظْهارها، لأنَّ ذلك هو الذي في استطاعةِ المَرْء، مِثْلها مثلُ الحَسدِ والظنِّ والطِّيرة، ولذلك ورد في الأثر أيضاً: (إذا ظنَنْتُمْ فلا تَحَقَّّقوا، وإذا حَسَدْتُمْ فلا تَبْغوا، وإذا تطيَّرْتُمْ فامْضوا، وعلى اللهِ فتَوكّلوا). . . يقول صلواتُ اللهِ عليه: إذا حَسَدْتم: أي تمنَّيْتُمْ زوالَ نعمةِ اللهِ على مَنْ أنْعَمَ عليه فلا تَتََعدّوا وتَفْعلوا ما يَقتضيه هذا الخلقُ الذَّميم، وإذا ظنَنْتُم سوءاً بِمَنْ ليس مَحَلاً لسوءِ الظنِّ به فلا تَتَحقّقوا ذلك باتِّباعِ مَوارِدِه والعملِ على مُقْتضاه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ والظنُّ أكْذَبُ الحَديثِ، ومَنْ أساءَ الظنَّ في غيرِ موضِعِه دلَّ على عدمِ
стр. 318
استقامتِه في نفسِه كما قال المتنبّي:
إذا ساَء فِعْلُ المَرْءِ ساَءتْ ظُنونُه ... وصَدَّقَ ما يَعْتادُه مِنْ تَوَهُّمِ
أمّا مَنْ كان مَظِنَّةً للظنِّ، بأن كان رجلاً شرّيراً فالحَزْمُ سوءُ الظنّ والاحتراس والحذر، ثم قال صلواتُ الله عليه: وإذا تَشاءَمْتُمْ بشَيْءٍ فامْضوا لِطيّتِكم ولا يلتفت خاطِرُكم لذلك. . . وسيمرُّ عليك كلُّ هؤلاء في كتاب الطبائع المذمومة. . . ومما يتصل بما نحن فيه من
الشماتة بالميت ما يُروى: أنه لمّا أتى عبدَ الله بنَ الزُّبَيْر خبرُ قتلِ مُصْعَبٍ أخيه احْتَجَبَ أيّاماً، فخُبِّرَ بِمَجيءِ قومٍ للتّعزيةِ، فقال: أكْرَهُ وُجوهاً تُعزّي ألسِنتُها وتَشْمَتُ قلوبُها.
لا عار بالموت
قالت ليلى الأخيلية:
لَعَمْرُكَ ما بِالموتِ عارٌ على امْرِئٍ ... إذا لَمْ تُصِبْه في الحَياةِ المَعَايِرُ
المعايرُ: المَعايبُ والمَسابّ يقال: عارَه: إذا عابَه، وتعاير القوم: عيّر بعضُهم بعضاً.
الموت نهاية كلِّ حيٍّ
قال أبو بكر العَنْبري: كُنْتُ قاعِداً في الجامع فمَرَّ بي مَعْتوهٌ فأقْبَلَ عليَّ وقال:
فهَبْكَ مَلكْتَ هذا النّاسَ طُرّاً ... ودانَ لكَ العِبادُ فكانَ ماذا
ألَسْتَ تَصيرُ في لَحْدٍ ويَحْوِي ... تُراثَكَ عَنكَ هذا ثُمَّ هذا
وقال الشّاعر:
هَبْكَ قدْ نِلْتَ كُلَّ ما تَحْمِلُ الأرْ ... ضُ فَهَلْ بَعْدَ ذاكَ إلا المَنِيّهْ
стр. 319
وقال القائل:
لِدُوا للمَوْتِ وابْنُوا لِلخَرابِ ... فكلُّكُمُ يَصيرُ إلى ذَهابِ
وصيّة الميّت
قالوا: كُنْ وَصِيَّ نفسِك ولا تَجْعلِ الرِّجالَ أوْصِياءَك، واعلَمْ صِدْقَ
стр. 320
الذي يقول:
ولا يَغْرُرْكَ مَنْ تُوصِي إليه ... فقَصْرُ وصِيَّةِ المَرْءِ الضَّياعُ
قَصْرُه وقُصاراه أنْ يفعلَ كذا: أي آخِرُ أمْرِه وغايةُ جُهْده هو أنْ يفعلَ كذا. . . وقال مالك بن ضَيْغَمٍ: لما احتُضِرَ أبي قُلْنا له: ألا تُوصي؟ قال: بَلى، أوْصيكُم بما أوْصى به إبراهيمُ بَنيهِ ويعقوبُ: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، وأوصيكم بِصِلَةِ الرَّحم وحسنِ الجِوار وفعلِ ما استطعْتُمْ من المعروف، وادْفِنوني مع المَساكين. .
وقيل لهَرِم بنِ حِبّان: أوْصِ، فقال: قد صَدَقَتْني نفسي في الحياةِ، ما لي شيءٌ أوصي فيه، ولكن أوصيكم بخَواتيمِ سورةِ النَّحْل. . .
إنكارهم وصيّة الميّت بما ليس له
عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: (جاء النبيُّ ﷺ يَعودُني وأنا
بمكةَ، وهو يكرَهُ أن يموتَ بالأرضِ التي هاجرَ منها، قال: يرحم اللهُ ابنَ عَفْراء، قلتُ: يا رسولَ الله: أُوصي بمالي كلِّه؟ قال: لا، قلتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: لا، قلتُ: الثلثُ؟ قال: فالثُّلثُ، والثُّلثُ كثير، إنّك أنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أغنياءَ خيرٌ من أنْ تدعَهم عالةً يتكفَّفون في أيديهم، وإنّك مَهْما أنْفَقْتَ مِنْ نَفقةٍ فإنّها صَدقةٌ، حتّى اللقمةَ تَرْفَعُها إلى فيِّ امْرأتِك، وعسى اللهُ أنْ يَرْفعَك فيَنْتَفِعَ بك ناسٌ ويُضَرَّ بِكَ آخرون،
следующие страницы →