← Адаб

Адаб · id 36072

الذخائر والعبقريات

البرقوقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

واللهُ لا يَدْعُو إلى دارِه ... إلاّ مَنِ اسْتَصْلَحَ مِن ذِي العِبادْ والمَوْتُ نَقَّادٌ على كَفِّه ... جَواهِرٌ يَختارُ مِنْها الجِيادْ والمَرْءُ كالظِّلِّ، ولا بُدَّ أنْ ... يَزولَ ذاكَ الظِّلُّ بَعْدَ امْتِدادْ لا تَصْلُحُ الأرْواحُ إلاّ إذا ... سَرَى إلى الأجْسادِ هذا الفَسادْ أرْغَمْتَ يا مَوْتُ أُنوفَ القَنَا ... وَدُسْتَ أعْناقَ السُّيوفِ الحِدادْ وقال شاعر: فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ مَوْتِه وهْو ناشِئٌ ... ولا يُنْكِرَنْ هذا مَنْ جَرَّبَ الدَّهْرَا فكلُّ طَويلِ المَجْدِ يَقْصُرُ عُمْرُه ... كذاكَ سِباعُ الطَّيْرِ أقْصَرُها عُمْرَا إنكارهم الشماتة في الموت قال عدي بن زيد العِبادي: أيُّها الشَّامِتُ المُعَيِّرُ بالدَّهْ ... رِ أَأَنْتَ المُبَرَّأُ المَوْفورُ أمْ لَدَيْكَ العَهْدُ الوَثيقُ مِن الأيّ ... امِ بلْ أنْتَ جاهِلٌ مَغرورُ وقد تقدَّمت هذه الأبيات. . . وقال شاعر: تَمنَّى رِجالٌ أنْ أموتَ وإنْ أمُتْ ... فتِلْكَ سَبيلٌ لَسْتُ فيها بأَوْحَدِ ولمّا مات الحسنُ بن عليِّ بنِ أبي طالب ﵄ دخل عبدُ الله بنُ عبّاس على معاويةَ، فقال له معاويةُ: يا ابنَ عباس، مات الحسنُ بنُ علي؟ قال: نَعَمْ، وقد بلغني سُجودُك، أما واللهِ: ما سَدَّ جُثمانُه حُفْرَتَك، ولا زادَ

стр. 317

انقِضاءُ أجلِه في عُمُرِك، قال: أحْسَبُه تركَ صِبْيةً صِغاراً ولَمْ يَتْرُكْ عليهم كثيرَ مَعاش؟ فقال: إنّ الذي وَكَلَهم إليه غيرُك،. . . وقال الفرزدق: فقُلْ لِلشَّامِتينَ بِنا أفيقُوا ... سيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَما لَقينا وحكى المبرّد عن بعضهم: أنّه شَهِدَ رجلاً على قبرٍ وهو يُكثر البُكاءَ، فقلتُ: أعلى قريبٍ أو على صديقٍ؟ فقال: أخصُّ مِنهما، قد كان لي عَدُوّاً، فخرج إلى الصيد، فرأى ظَبْياً فتَبِعَه، فَعَثَرَ بالسَّهم، فخَرَّ هو والظّبْيُ ميِّتين، فدُفِنَ، فانْتَهَيْتُ إلى قبرِه شامِتاً به، فإذا عليه مكتوب: وما نَحْنُ إلا مِثلُهمْ غَيْرَ أنَّنا ... أقَمْنا قليلاً بَعْدَهُمْ وتَرَحَّلوا فها أنا ذا واقِفٌ أبكي على نَفْسي. . . ولمّا ماتَ الفَرزدقُ بكى عليه جريرٌ ورثاه، فقيل له: أبعدَ تلكَ العَداوة! فقال: لَمْ أرَ اثنينِ بلَغَا الغايةَ ومات أحَدُهما إلا ولَحِقَه الآخرُ عن كثَبٍ، فكان كذلك. . . وقال سيِّدُنا رسولُ الله: (لا تُظْهِرِ الشَّماتةَ لأخيك فيعافيه اللهُ ويَبْتليك) - أقول: يبدو أن الشَّماتةَ - وهي أنْ تَفْرحَ بالبليَّةِ تَنْزلُ بِمَنْ يُعاديك - من الغَرائِزِ الإنسانية اللّئيمة، ومِنْ ثَمَّ لم ينْهَ سيدُنا رسولُ الله عن كونِها - وجودِها - وإنّما نَهى عَنْ إظْهارها، لأنَّ ذلك هو الذي في استطاعةِ المَرْء، مِثْلها مثلُ الحَسدِ والظنِّ والطِّيرة، ولذلك ورد في الأثر أيضاً: (إذا ظنَنْتُمْ فلا تَحَقَّّقوا، وإذا حَسَدْتُمْ فلا تَبْغوا، وإذا تطيَّرْتُمْ فامْضوا، وعلى اللهِ فتَوكّلوا). . . يقول صلواتُ اللهِ عليه: إذا حَسَدْتم: أي تمنَّيْتُمْ زوالَ نعمةِ اللهِ على مَنْ أنْعَمَ عليه فلا تَتََعدّوا وتَفْعلوا ما يَقتضيه هذا الخلقُ الذَّميم، وإذا ظنَنْتُم سوءاً بِمَنْ ليس مَحَلاً لسوءِ الظنِّ به فلا تَتَحقّقوا ذلك باتِّباعِ مَوارِدِه والعملِ على مُقْتضاه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ والظنُّ أكْذَبُ الحَديثِ، ومَنْ أساءَ الظنَّ في غيرِ موضِعِه دلَّ على عدمِ

стр. 318

استقامتِه في نفسِه كما قال المتنبّي: إذا ساَء فِعْلُ المَرْءِ ساَءتْ ظُنونُه ... وصَدَّقَ ما يَعْتادُه مِنْ تَوَهُّمِ أمّا مَنْ كان مَظِنَّةً للظنِّ، بأن كان رجلاً شرّيراً فالحَزْمُ سوءُ الظنّ والاحتراس والحذر، ثم قال صلواتُ الله عليه: وإذا تَشاءَمْتُمْ بشَيْءٍ فامْضوا لِطيّتِكم ولا يلتفت خاطِرُكم لذلك. . . وسيمرُّ عليك كلُّ هؤلاء في كتاب الطبائع المذمومة. . . ومما يتصل بما نحن فيه من الشماتة بالميت ما يُروى: أنه لمّا أتى عبدَ الله بنَ الزُّبَيْر خبرُ قتلِ مُصْعَبٍ أخيه احْتَجَبَ أيّاماً، فخُبِّرَ بِمَجيءِ قومٍ للتّعزيةِ، فقال: أكْرَهُ وُجوهاً تُعزّي ألسِنتُها وتَشْمَتُ قلوبُها. لا عار بالموت قالت ليلى الأخيلية: لَعَمْرُكَ ما بِالموتِ عارٌ على امْرِئٍ ... إذا لَمْ تُصِبْه في الحَياةِ المَعَايِرُ المعايرُ: المَعايبُ والمَسابّ يقال: عارَه: إذا عابَه، وتعاير القوم: عيّر بعضُهم بعضاً. الموت نهاية كلِّ حيٍّ قال أبو بكر العَنْبري: كُنْتُ قاعِداً في الجامع فمَرَّ بي مَعْتوهٌ فأقْبَلَ عليَّ وقال: فهَبْكَ مَلكْتَ هذا النّاسَ طُرّاً ... ودانَ لكَ العِبادُ فكانَ ماذا ألَسْتَ تَصيرُ في لَحْدٍ ويَحْوِي ... تُراثَكَ عَنكَ هذا ثُمَّ هذا وقال الشّاعر: هَبْكَ قدْ نِلْتَ كُلَّ ما تَحْمِلُ الأرْ ... ضُ فَهَلْ بَعْدَ ذاكَ إلا المَنِيّهْ

стр. 319

وقال القائل: لِدُوا للمَوْتِ وابْنُوا لِلخَرابِ ... فكلُّكُمُ يَصيرُ إلى ذَهابِ وصيّة الميّت قالوا: كُنْ وَصِيَّ نفسِك ولا تَجْعلِ الرِّجالَ أوْصِياءَك، واعلَمْ صِدْقَ

стр. 320

الذي يقول: ولا يَغْرُرْكَ مَنْ تُوصِي إليه ... فقَصْرُ وصِيَّةِ المَرْءِ الضَّياعُ قَصْرُه وقُصاراه أنْ يفعلَ كذا: أي آخِرُ أمْرِه وغايةُ جُهْده هو أنْ يفعلَ كذا. . . وقال مالك بن ضَيْغَمٍ: لما احتُضِرَ أبي قُلْنا له: ألا تُوصي؟ قال: بَلى، أوْصيكُم بما أوْصى به إبراهيمُ بَنيهِ ويعقوبُ: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، وأوصيكم بِصِلَةِ الرَّحم وحسنِ الجِوار وفعلِ ما استطعْتُمْ من المعروف، وادْفِنوني مع المَساكين. . وقيل لهَرِم بنِ حِبّان: أوْصِ، فقال: قد صَدَقَتْني نفسي في الحياةِ، ما لي شيءٌ أوصي فيه، ولكن أوصيكم بخَواتيمِ سورةِ النَّحْل. . . إنكارهم وصيّة الميّت بما ليس له عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: (جاء النبيُّ ﷺ يَعودُني وأنا بمكةَ، وهو يكرَهُ أن يموتَ بالأرضِ التي هاجرَ منها، قال: يرحم اللهُ ابنَ عَفْراء، قلتُ: يا رسولَ الله: أُوصي بمالي كلِّه؟ قال: لا، قلتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: لا، قلتُ: الثلثُ؟ قال: فالثُّلثُ، والثُّلثُ كثير، إنّك أنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أغنياءَ خيرٌ من أنْ تدعَهم عالةً يتكفَّفون في أيديهم، وإنّك مَهْما أنْفَقْتَ مِنْ نَفقةٍ فإنّها صَدقةٌ، حتّى اللقمةَ تَرْفَعُها إلى فيِّ امْرأتِك، وعسى اللهُ أنْ يَرْفعَك فيَنْتَفِعَ بك ناسٌ ويُضَرَّ بِكَ آخرون،

стр. 321

ولَمْ يكُنْ له يومئذٍ إلا ابنةٌ). . . رواه البخاريّ ومسلم وأصحاب السُّنن وغيرهم. وإليك شرح هذا الحديث الشريف: لما كان سيدُنا رسول الله بمكّة في حجّة الوَداع ذهب إلى سعد بن أبي وقاص - وهو الصّحابيُّ الجليل الذي هاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر إليها الرسول صلوات الله عليه، وقد شهد بدراً والمشاهِدَ كلَّها، وبَشّره الرسولُ بالجنة، وهو أحد رجال الشّورى السّتّة الذين رشَّحهم الفاروقُ للخلافة: وهو قائد جيوش عُمرَ في فتح العراق، ثمَّ مات بقصره في العقيق على مقربةٍ من المدينة سنة ٥٥ هـ بعد أن كُفّ بصرُه ﵁ أقول: لمّا كان الرسول بمكّةَ ذهبَ إلى سعد يعوده لمرضٍ اشتدَّ به حتى أشفى على الموت، وكان سعد يكره أن يموتَ بالأرض التي هاجر منها - مكّة - كما مات سعدُ بنُ خولة فلما سمع الرسولُ اسمَ سعد بنِ خولةَ من ابن أبي وقّاص ترحَّم عليه، وكان لسعد بن أبي وقاص إذ ذاك ابنةٌ واحدة ثم قال سعد لسيدنا رسول الله - كما جاء في بعض الرّوايات - إنه قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال، ولي ابنةٌ واحدةٌ، أفأوصي بمالي كلّه؟ قال الرسول: لا، قال: أفأوصي بالنّصف؟ قال: لا، قال: أفأوصي بالثلث؟ قال: فالثلثُ توصي به، والثلث كثير، ثم قال الرسول: - مُبيِّناً عن الحكمة في تركِ الوصيّة بالكثير إلى الوصيّة بالقليل: إنَّ تركَ ورثتِك أغنياءَ خيرٌ من تركِهم فقراءَ يمدّون أكفَّهم إلى الناس مُسْتَجْدين. . .

стр. 322

ثم بيَّن الرسولُ أن كل ما ينفقه على زوجِه أو ولدِه أو أقاربِه أو خدمِه صدقةٌ ولو كان قليلاً، حتى اللقمةَ يرفعُها إلى فمِ امرأته، يريد صلوات الله عليه: أنَّ المرءَ إن استقلَّ أمرَ الوصيّةِ بالثلثِ أو ما دونه فلْيَسْتَكْثِرْه بالإنفاق، والأقربون أولى بالمَعْروف، فإن امتدَّت به الحياةُ فليَسْلُك هذا الطريق، ثمَّ رجا له الرسولُ أن يبرأَ وتطولَ حياتُه ويرتفعَ شأنُه حتى ينتفع به أناسٌ ويَسْتَضِرَّ به آخرون، وقد تحقّق هذا كلُّه حتّى عزّ به الإسلامُ. هذا والوصيّةُ بالثلث فأقلّ قد استقرَّ عليه الإجماعُ إذا كان هناك ورثةٌ واختلفوا فيمَنْ ليس له وارثٌ راجع كتبَ الفقه. . . وعن أبي هريرة: قال رجل للنبي ﷺ : (يا رسولَ الله، أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: أنْ تصدَّقَ وأنت صحيحٌ حريصٌ تأمَلُ الغِنى وتَخْشى الفقرَ ولا تُمْهِل حتى إذا بلغتِ الحُلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا). . . وفي الأثر أيضاً: (مثلُ الذي يُعتق ويَتَصدَّق عند موته، مثلُ الذي يُهدي إذا شبع). . . وقال بعض الصالحين عن بعض المُتْرَفين: يَعْصون اللهَ في أموالِهم مرَّتين، يَبْخلون بها وهي في أيديهم - يَعني في الحياة - ويُسرفونَ فيها إذا خَرَجَتْ من أيديهم - يَعني بعدَ الموت. من أوصى بشرٍّ وكان قاسِياً لمّا حضرتِ الحُطيئةَ الوفاةُ اجتمعَ إليه قومُه فقالوا: يا أبا مُلَيْكة: أوْصِ، فقال: وَيْلٌ للشِّعْرِ من راوِيةِ السُّوء؛ قالوا: أوْصِ رَحِمَك اللهُ يا حُطَيْءُ قال: مَن الّذي يقول: إذا أَنْبَضَ الرّامونَ عَنْها تَرَنَّمَتْ ... تَرَنُّمَ ثَكْلَى أوْجَعَتْها الجَنائِزُ؟

стр. 323

قالوا: الشَّمّاخ؛ قال: أبْلِغوا غَطفانَ أنّه أشعرُ العَرب؛ قالوا: وَيْحك! أهذه وَصِيّةٌ! أوْصِ بما يَنْفَعك! قال: أبْلِغوا أهلَ ضابِئٍ أنّه شاعرٌ حيث يقول: لِكُلِّ جَديدٍ لَذَّةٌ غَيْرَ أنّني ... رأيْتُ جَديدَ المَوْتِ غَيْرَ لَذيذِ قالوا: أوْصِ وَيْحك بما يَنْفعُك! قال: أبلِغوا أهلَ امْرئِ القيسِ أنّه أشعرُ العربِ حيثُ يقول: فيا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كأنَّ نُجومَهُ ... بِكُلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بيَذْبُلِ قالوا: اتَّقِ اللهَ ودَعْ عنكَ هذا؛ قال: أبلِغوا الأنصارَ أنَّ صاحِبَهم أشعرُ العربِ حيث يقول: يُغْشَوْنَ حتّى ما تَهِرُّ كِلابُهم ... لا يَسْألونَ عَنِ السَّوادِ المُقْبِلِ قالوا: هذا لا يغني عنك شيئاً، فقُلْ غيرَ ما أنتَ فيه، فقال: الشِّعْرُ صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ ... إذا ارْتَقَى فيه الّذي لا يَعْلَمُهْ زَلَّتْ بهِ إلى الحَضِيضِ قَدَمُهْ ... يُريدُ أنْ يُعْرِبَه فيُعْجِمُهْ قالوا: هذا مثلُ الذي كنتَ فيه، فقال: قَدْ كُنْتُ أحياناً شديدَ المُعْتمَدْ ... وكنتُ ذا غَرْبٍ على الخَصْمِ ألَدّ

стр. 324

فَوَرَدَتْ نَفسي وما كادَتْ تَرِدْ قالوا: يا أبا مُلَيْكة، ألكَ حاجةٌ؟ قال: لا واللهِ، ولكِنْ أجْزَعُ على المديحِ الجيِّد يُمدَحُ به مَنْ ليس له أهلاً. قالوا: فمَنْ أشعرُ الناس؟ فأوْمَأ بيدِه إلى فيه وقال: هذا الجُحَيْرُ إذا طَمِعَ في خير يعني فمَه واسْتَعْبَرَ باكِياً؛ فقالوا له: قل لا إلهَ إلا الله، فقال: قالَتْ وفيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ... عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكمُ وحُجْرُ فقالوا له: ما تقولُ في عبيدِك وإمائِك؟ فقال: هُمْ عَبيدٌ قِنٌّ ما عاقبَ الليلُ النَّهارَ؛ قالوا: فأوْصِ للفقراءِ بشَيْءٍ، قال: أوصيهم بالإلحاحِ في المَسْألةِ فإنّها تجارةٌ لا تَبور، واسْتُ المَسؤول أضيقُ. قالوا: فما تقولُ في مالِك؟ قال: للأنثى مِنْ وَلدي مِثْلُ حظِّ الذكر. قالوا ليس هكذا قضى اللهُ جلَّ وعزَّ لَهُنَّ، قال: لكنّي هكذا قضيْتُ. قالوا فما توصي لليتامى؟ قال: كُلوا أموالَهم وانْكِحوا أمَّهاتِهم؛ قالوا: فهل شيءٌ تَعْهَدُ فيه غيرَ هذا؟ قال: نَعَم، تَحْمِلونَني على أتانٍ وتتركونَني راكِبَها حتى أموتَ، فإنَّ الكريمَ لا يموتُ على فراشِه، والأتانُ مَرْكَبٌ لم يَمُتْ عليه كريمٌ قطُّ، فحَمَلوه على أتانٍ وجَعلوا يذهبون به ويَجيئون عليها حتّى مات وهو يقول:

стр. 325

لا أحَدٌ ألأَمُ مِنْ حُطَيّهْ ... هَجا بَنِيهِ وهَجا المُرَيّهْ مِنْ لُؤمِه ماتَ على فُرَيّهْ المُرَيّة: تَصغير مَرَة - امرأة - يريد: زوجتَه، والفريّة يريد الفرا أي الحِمار. نهيهم عن الإفراط في البكاء وإظهار الجزع دخلَتْ أعْرابيّةٌ الحَضَرَ فسمعت بكاءً من دارٍ فقالت: ما هذا! أراهُمْ من ربِّهم يَسْتغيثون، ومن اسْتِرْجاعِه يَتَضَجّرون، ومِنْ جَزيلِ ثوابِه يَتَبَرّمون. . وقال أبو سعيدٍ البَلْخِيُّ: مَنْ أصابتْه مصيبةٌ فأكثرَ الغمَّ جعلَ اللهُ عقوبتَه غَمّاً مثلَه، قال الله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ﴾. . . الآية. . . وعن عبد الله بنِ مسعود ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : (ليس منّا من لَطَمَ الخُدودَ، وشَقَّ الجُيوبَ، ودَعا بِدَعْوى الجاهلية). . . ودعا بدعوى الجاهلية: أي مِنْ نحوِ قولهم: واأبَتاه، واأمّاه، واوَلَداه، وامُصيبتاه، ونحو ذلك من ضروبِ النّياحة والنُّدْبة. . . أمّا البكاءُ والجزعُ دون إفراطٍ فَمُرَخَّصٌ فيه، حدَّث أنسُ بن مالك قال: (دَخَلْنا على أبي سيف القين - وكان ظِئْراً لإبراهيمَ ﵇، فأخذ رسولُ الله ﷺ إبراهيمَ، فقبَّله وشَمَّه، ثُمَّ دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيمُ يجودُ بنفسِه، فجعلت عينا رسولِ الله تَذْرفانِ فقال له عبد الرحمن ابنُ عوفٍ

стр. 326

رضي الله عنه: وأنت يا رسولَ الله! فقال: يا ابنَ عوفٍ، إنّها رحمةٌ، ثمَّ أتبعها بأخرى - أي أتبعَ الدمعةَ الأولى بأخرى - وقال صلواتُ اللهِ عليه: إنّ العينَ تدمعُ، والقلبَ يحزنُ، ولا نقول إلا ما يُرضي الله، وإنّا بفِراقِك يا إبراهيمُ لمَحْزونون). . قوله صلوات الله عليه: ولا نقول إلا ما يُرضي اللهَ وفي رواية: ولا نقول ما يُسخِطُ الرّب: أي من النّياحة والصُّراخ وما إلى ذلك ممّا يُوجب سُخْطَ الله وقيل لأعرابيٍّ: اصبر فالصَّبرُ أجرٌ، فقال: أعلى اللهِ أتَجَلَّد! واللهِ: لَلْجَزَعُ أحبُّ إليه، لأنَّ الجزعَ استكانةٌ والصبرَ قَساوة. . . وقيل لفيلسوف: أخرجِ الحُزنَ من قلبك فقال: لم يَدْخُلْه بإذْني فأخْرِجُه بإذني. . . وأفرطت امرأةٌ في الجزعِ على ابنها، فعُوتبت في ذلك، فقالت: إذا وقعَ حكمُ الضَّروريّات لم يَقَعْ عليها حكمُ المُكْتَسبات، فأمّا جَزعي فليسَ في الطَّاقةِ صرفُه، ولا في القُدْرَةِ مَنْعُه، ولي عُذْرٌ للضّرورة، فإنّ اللهَ تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. . . في البكاء تخفيف من الحزن قال ابن عبّاسٍ ﵁: كنتُ إذا أصابتني مُصيبةٌ وأنا شابٌّ لا أبكي، وكان يُؤذيني ذلك، حتّى سَمِعْت أعرابيّاً ينشد: لَعَلَّ انْحِدارَ الدَّمْعِ يُعْقِبُ رَاحَةً ... مِنَ الوَجْدِ أوْ يَشْفِي شَجيَّ البَلابِلِ فسألتُه لِمَنِ الشِّعرُ؟ فقال: لِذي الرُّمَّة، فكنتُ إذا أصِبْتُ بَكَيْتُ، فاسْتَرَحْتُ. . . ضعف بنية الإنسان سُئِلَ جالينوس عن الإنسان فقال: سِراجٌ ضعيفٌ، وكيفَ يدوم ضَوْؤه

стр. 327

بينَ أربعِ رياحٍ! يعني بالسِّراج: روحَه، وبالرّياح الأرْبَعِ: طبائِعَه. وقال الشاعر لبيد: وما المَرْءُ إلا كالشِّهابِ وضَوْئِه ... يَحورُ رَمَاداً بَعْدَ إذْ هوَ ساطِعُ كلُّ شَيْءٍ تغيَّر من حالٍ إلى حالٍ فقد حارَ يَحورُ حوراً وقال أفلاطون: إذا كانتِ الطّينةُ فاسدةً والبِنْيةُ ضعيفةً، والطَّبائِعُ مُتَنافيةً، والعُمْرُ يَسيراً، والمَنِيَّةُ صادِقَةً، فالثِّقَةُ باطِلةٌ. . . استنكافهم من أن يموتَ المرءُ حَتْفَ أنْفِه قال خالد بنُ الوليد: لقد لقيتُ كذا وكذا زَحْفاً، وما في جَسدي موضِعُ شِبْرٍ إلا وفيهِ طَعْنةٌ أو ضَرْبةٌ أو رَمْيةٌ ثُمَّ ها أنا ذا أموتُ على فِراشي حَتْفَ أنفي، فلا نامت أعْيُنُ الجُبَناء. وقال الشَّنْفرى:

стр. 328

ولا تَقْبِرُوني إنّ قَبْري مُحَرَّمٌ ... علَيْكُمْ ولكِنْ أبْشِرِي أمَّ عامِرِ وقال السَّمَوْءلُ أو غيرُه: وما ماتَ مِنّا سَيّدٌ حَتْفَ أنْفِه ... ولا طُلَّ مِنّا - حيثُ كانَ - قَتيلُ تَسيلُ على حَدِّ السُّيوفِ نُفوسُنا ... ولَيْسَ على غَيْرِ السُّيوفِ تَسيلُ طُلَّ: أهْدِرَ دمُه، وقيل: أنْ لا يُثْأرَ به وتُقْبَل ديتُه، وقال أبو تمّام: لَوْ لَمْ يَمُتْ تَحْتَ أسْيافِ العِدَا كَرَماً ... لمَاتَ - إذْ لَمْ يَمُتْ - مِنْ شِدَّةِ الحَزَنِ وقال آخر: إنّ مَوْتَ الفِراشِ ذُلٌّ وعارٌ ... وهْوَ تَحْتَ السُّيوفِ فَضْلٌ شَريفُ وقال: وأتْعَبُ مَيْتٍ مَنْ يَمُوتُ بِداءِ وسَيَمرُّ عليكَ كثيرٌ من عبقريّاتِهم في هذا المَعنى، في باب الشجاعة تَمَّ الجُزْءُ الأوّل من الذخائر والعبقريات

стр. 329

الجزء الثاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق فهو المسدِّد إلى سواء الطريق وبعدُ فإنَّا نَفْتَتِحُ هذا الجزء الثانيَ من الذخائر والعبقريات بصَدْرٍ من عبقرياتهم في أكثر المعاني التي أوردنا ما أوردنا من عبقرياتهم فيها، في أبواب الجزء الأول، وكان المتوقَّعُ أن نَفْتَتِح هذا الجُزْءَ بسائر عبقرياتهم في التعازي، وفي المرض، بَيْدَ أنّا قد استحسنَّا أن نصدِّر هذا الجزءَ الثانيَ بطائفة من عبقرياتهم في معانٍ شتَّى تَنْدَرِجُ في الأبواب السابقة، وذاك لأمرين: أما أولهما فلأن في هذا الصَّنيعِ مُبادَرَةً باسْتِدْراكِ ما قدْ كانَ يَصحُّ إيرادُه هناك، وأما الآخر: فذلك لأنا لم نَسْتَحْسِنْ أن نَفْجَأَ المتصفح لهذا الجزء بما عسى أن يُفْزِعَه ويَنْفِرَ منه، وتَنْقَبِضَ نفسُه عنه، على أن هذه العبقرياتِ وإن جاءت في البَيْنِ وفَصَلَت بين عبقريات الباب الثالث غير أنها جاءت كالدُّرَّةِ الفريدة تَفْصِل بين ذهب القلادة؛ إلى ما في ذلك من استراحة للقارئ وتنقُّل به من معانٍ قد تكثَّرنا منها إلى معانٍ أُخرى قد يستريح إلى جِدَّتها؛ وبعد أن نَفْرُغَ من هذه العبقريات نَعْطِف على عبقرياتهم في التعازي، وفي المرض، وقانا الله جميعاً مِحْنَته، وخَفَّف - إذا هو قُدِّر علينا - وطْأَتَه.

стр. 330

عبقريات شتَّى تندرج في الأبواب السابقة سموّ أخلاق الخلفاء الراشدين ومما يُؤثَر في باب الخلق ما حدَّث به العُتبيُّ في إسناد ذكره قال: دعا طلحة بن عبيد الله أبا بكر وعمر وعثمانَ رَحْمةُ اللهِ عليهم، فأبطأَ الغلامُ - الخادم - عنه بشيءٍ أراده، فقال طلحةُ: يا غلام: فقال الغلام: لَبَّيك، فقال طلحةُ: لا لبَّيك؛ فقال أبو بكر: ما يسرُّني أنّي قُلتُها وأنّ ليَ الدُّنيا وما فيها، وقال عمر: ما يسرني أني قلتها وأنّ لي نِصفَ الدُّنيا، وقال عثمان: ما يسرّني أنّي قلتها وأن لي حُمْرَ النَّعَم؛ قال العُتبيُّ: وصمت أبو محمد - هو طلحة - فلما خرجوا من عنده باع ضيعةً بخمسةَ عشَرَ ألفَ دِرْهم، فتصدَّق بثمنها. . . فَهَل رأيْتَ أو سَمِعْتَ بمثل هذا الأدب العُلْوي الرَّبانيِّ! وأنت إذا نظرْتَ إلى هذا الحديث من أيّ أقطاره رأيتَ أدباً باسقاً وخُلقاً سامياً! فهذا الصِّدِّيق ﵁ يُنكر في كِياسَةٍ وأدبٍ قَوْلةَ

стр. 331

أبي محمدٍ لغُلامه: لا لبَّيك، ثم يجيء بعده عمر فينكر هو الآخرُ إنكاراً لاحظَ فيه التأدَّب مع الخليفة أبي بكر، وكذلك فعل عثمان مع عُمرَ، وأخيراً يكفِّر أبو محمد عن هذه البادرة بخمسةَ عشرَ ألفَ دِرْهم. . . لا جرم لقد أدَّبهم المُصطفى صلوات الله عليه، الذي أدَّبه ربُّه فأحْسنَ تأديبَه. طلحة بن عبيد الله وهذا طلحةُ بن عبيد الله هو الصحابي الجليل أحدُ العشرة المبشَّرين بالجنة وأحدُ الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحدُ الخمسةِ الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد السِّتةِ أصحاب الشورى، وأحدُ أغنياء الصحابة، وأحدُ أجواد قريش، بل كان نبيَّ الجود، إن كان للجود نَبيٌّ. . . وقد كان يقال له: طلحةُ الفيّاض، وطلحة الجود، وطلحة الخير، ويقال إنه فرق في يوم سبعمائة ألف، باع أرضاً له من عثمان بن عفان بسبعمائة فحملها إليه، فبات ورُسُلُه تختلف بها في سكك المدينة حتى أسْحرَ وما عنده منها دِرهم! ويُروى أنّه وصل أعرابيّاً من أقاربه بثمانمائة ألف درهم؛ وكان لا يدعُ أحداً من بني تَيْمٍ عائِلاً إلا كفاه مؤنته ومؤنة عياله وزوَّج أياماهُمْ وأخْدمَ عائِلَهم وقضى دينَ غارمهم! وكان يرسل إلى السيدة عائشة إذا جاءت غَلّته كلَّ

стр. 332

سنةٍ بعشرة آلاف. . . إلى آخرِ أنباء جوده وكرمه؛ ولما انقضى يومُ الجَملِ خَرج عليُّ بن أبي طالب في ليلة ذلك اليوم ومعه قَنْبَر، وفي يده مَشعَلةٌ من نار يَتَصفَّح القتلى، حتى وقف على طلحة فقال: أعْزِزْ عليَّ أبا محمد أن أراك مُعَفَّراً تحت نجوم السماء وفي بطون الأودية: شَفَيتُ نفسي وقَتلتُ معشري! إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري ثم تمثّل فتىً كانَ يُدنيه الغِنى من صَديقِه ... إذا ما هُوَ اسْتغنَى ويُبعِدُه الفَقْرُ فتىً لا يَعدُّ المال رَبّاً ولا تُرى ... به جَفوةٌ إن نالَ مالاً ولا كِبْرُ فتىً كان يُعطي السيفَ في الرّوعِ حقَّه ... إذا ثوَّبَ الدّاعي وتشقى بهِ الجُزْرُ وهَوَّنَ وَجْدي أنَّني سَوفَ أغْتدِي ... على إثْرهِ يوماً وإن نَفَّس العُمْرُ قوله فتى كان يدينه الغنى من صديقه. . . ألبيت: هو معنى جميل مطروق وفيه يقول إبراهيم بن العباس الصُّوليّ في محمد بن عبد الملك الزيّات:

стр. 333

أسدٌ ضارٍ إذا مانَعْتَهُ ... وأبٌ بَرٌّ إذا ما قَدَرا يَعْرف الأبْعدَ إن أثْرى ولا ... يَعْرِف الأدْنى إذا ما افْتقَرا ويقول الأديب أبو بكر الخوارزمي: رأيْتُكَ إنْ أيْسَرْتَ خَيَّمْتَ عِندنا ... لِزاماً وإنْ أعْسَرْتَ زُرْتَ لِماماً فَما أنْتَ إلا البدْرُ إن قَلَّ ضوؤُهُ ... أغبَّ وإنْ زاد الضِّياءُ أقاما وقد تقدمت أبيات لعبد الله بن الزُّبير الأسدي في هذا المعنى؛ وما أبْرعَ أبياتاً لابن المعتزّ يقول فيها: إذا ما أرادَ الحاسِدونَ انْهِدامَه ... بَناهُ إلهٌ غالِبُ العِزِّ قاهِرُهْ وماذا يُريدُ الحاسِدونَ مِنِ امْرِئٍ ... تَزينُهُمُ أخْلاقُه ومآثِرُهْ إذا ما هُوَ اسْتَغْنى اهْتدى لافْتِقارِهمْ ... ولا تَهْتدي يَوْماً إليهمْ مَفاقِرُهْ وكانوا كَرامٍ كَوْكَباً بِبُصاقِه ... فَرُدَّ عليهمْ وبْلُه ومَواطِرُهْ حادث تلاقى فيه الكرم بالشجاعة والمروءة والحياء والنُّبل تحدَّث رجلٌ من الأعراب قال: نزلت برجلٍ من طيّءٍ، فنحر لي ناقة

стр. 334

فأكلت منها، فلما كان الغدُ نَحرَ أخرى فقلت: إنّ عندك من اللحم ما يُغني ويكفي! فقال: إني والله لا أطعم ضيفي إلا لحماً عبيطاً! قال: وفعل ذلك في اليوم الثالث، وفي كلِّ ذلك آكل شيئاً ويأكل الطائي أكل جماعة، ثم نؤتى باللبن فأشرب شيئاً ويشرب عامّةَ الوَطْبِ! فلما كان في اليوم الثالث ارتقبت غفلته، فاضطجع، فلما امتلأ نوماً استقت قطيعاً من إبله، فأقبلته الفجّ، فانتبه، واختصر عليّ الطريق حتى وقف لي في مضيقٍ منه، فألقم وَتَره فوق سَهْمه، ثم نادى بي: لِتَطِبْ نفسُك عنها، قلتُ: أرني آيةً، فقال: انظر إلى ذلك الضَّبِّ، فإني واضعٌ سهمي في مَغْرِزِ ذنبه، فرماه، فأنْدر ذنَبَه، فقلت: زِدْني، فقال، انظر إلى أعلى فَقاره، فرماه، فأثبت سهمه في المَوْضع، ثم قال لي: الثالثةُ والله في كَبِدك! فقلت: شأنَك بإبلك! فقال: كلا، حتى تسوقَها إلى حيث كانت! قال: فلما انتهيت بها قال: فكَّرْت فيك فلم أجدْ لي عندك تِرَةً تطالبني بها، وما أحْسِب الذي حملك على أخْذ إبلي إلا الحاجة! قال: قلت: هو والله ذاك، قال: فاعْمد إلى عشرين من خِيارِها فخذها! فقلت: إذن والله لا أفعل حتى تسمعَ مدْحَك، والله ما رأيت رجلاً أكرم ضيافةً ولا أهدى لسبيلٍ ولا أرمى كفاً ولا أوسعَ صدراً ولا أرْغبَ جَوْفاً ولا أكْرمَ عفواً، منك! قال: فاستحيا فصرف وجهه عنِّي، ثم قال: انصرف بالقطيع مبارَكاً لك فيه. . . قوله: عبيطاً يقال: عَبَط فلانٌ ناقَتَه: إذا نحرها من غير داءٍ ولا كسرٍ وهي شابَّةٌ سمينةٌ، والعبيط أيضاً: اللحم الطريّ غير النضيج، والوَطْبُ: سِقاءُ اللبن خاصة من جلد، والفجُّ: الطريق الواسع بينَ جَبلين، والجمع: فِجاج؛ واختصر الطريق: سلكَ أقربَه، وفوق السهم: مَشَقُّ رأسِه حيث

стр. 335

يقعُ الوتر، وقوله: فأندر ذنبه: أي أسقطه، وقد ندر الشيء يندُرُ نُدوراً: سقط أو سقط من جوف شيءٍ أو من بين أشياء فظهر، ومنه نوادر الكلام وهي ما شذَّت وخرجت عن جمهوره فظهرت. وقوله: ولا أرغبَ جوفاً: من الرُّغب وهو: سعة البطن وكثرة الأكل حلم وأدب وسمو خلق روى المبرِّد: أنَّ رجلاً من أهل الشام قال: دخلت المدينة، فرأيت رجلاً راكباً على بغلةٍ لم أرَ أحسنَ وجهاً ولا سمتاً ولا ثوباً ولا دابةً، منه! فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل لي: هذا الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، فامتلأ قلبي له بُغْضاً وحَسَدْتُ علياً أن يكون له ابن مثلُه! فصرت إليه، فقلت له: أَأَنْتَ ابن أبي طالب؟ فقال: أنا ابن ابنه، فقلت فبِك وبأبيك أسبُّهما، فلما انقضى كلامي قال لي: أحْسِبك غريباً! قلت: أجل قال: فَمِلْ بنا فإن احتجت إلى منزلٍ أنزلناكَ، أو إلى مال آسيناك، أو إلى حاجةٍ عاوَنّاك، قال: فانصرفت عنه ووالله ما على الأرض أحدٌ أحبُّ إليَّ منه. . . وقال رجل لرجلٍ من قريش: إني مررت بقوم من قريش يشتمونك شتماً رَحِمْتك منه! قال القُرشي: أفسمعتني أقول إلا خيراً؟ قال: لا، قال: إياهم فارْحَمْ. . . وقال ابن مسعود: إن الرجل ليظلمني فأرْحمه! وقال رجل للشَّعبيِّ كلاماً أقذعَ له فيه، فقال له الشَّعبيُّ: إن كنْتَ صادِقاً فغفر اللهُ لي، وإن كنت كاذِباً فغفرَ اللهُ لك. . . ويُرْوى أنه أتى مَسْجداً، فصادفَ فيه قوماً يغتابُونَه، فأخذ بِعَضادَتي البابِ ثم تمثل بقول كثير عزِّة:

стр. 336

هَنيئاً مَرِيئاً غَيْرَ داءٍ مُخامِرٍ ... لِعَزَّةَ مِنْ أعْراضِنا ما اسْتَحلَّتِ وقال محمود الورّاق: إني شَكَرْتُ لِظالمي ظُلْمي ... وغَفَرْتُ ذاك له على عِلْمي ورَأيْتُه أسْدى إليَّ يَداً ... لمّا أبانَ بِجَهْلِه حِلْمي رَجَعَتْ إساَءتُه علَيْه وإحْ ... ساني فَعادَ مُضاعَفَ الجُرْمِ وغَدَوْتُ ذا أجْرٍ ومَحْمَدَةٍ ... وغَدا بِكَسْبِ الظُّلمِ والإثْمِ فَكأنَّما الإحْسانُ كانَ لهُ ... وأنا المُسيءُ إليهِ في الحُكْمِ مازالَ يَظْلِمُني وأرْحَمُه ... حتّى بَكَيْتُ لهُ مِنَ الظُّلْمِ خير ما يُرْزقه العبد قالَ بَعْضُ المُلوكِ لِبَعْضِ وُزَرائِه - وأراد مِحْنَته -: ما خيرُ ما يُرْزَقُه العَبْدُ؟ قال: عقلٌ يعيش به، قال: فإنْ عَدِمَه؟ قال: فأدبٌ يَتَحلّى به، قال: فإن عَدِمَه؟ قال: فمالٌ يَسْتُره، قال: فإن عَدِمَه؟ قال: فَصاعِقةٌ تُريحُ مِنْه العِبادَ والبِلادَ. . . لا تزال العرب عرباً ما حافظت على زيها كان الأحنف بن قيس يقول: لا تزال العربُ عَرباً ما لَبِسَتِ العَمائم، وتَقَلَّدَتِ السُّيوف، ولم تعُدَّ الحِلْمَ ذُلا، ولا التَّواهُبَ فيما بينَها ضَعَةً. . . قوله: ما لَبِسَتِ العَمائم، يريد: ما حافظت على زيِّها، وقوله: وتقلدت السيوف، يريد الامْتِناع من الضَّيْم، وقوله: ولم تعُدَّ الحِلْمَ ذُلا، يقول: ما عَرفت مَوْضع الحِلْم، وذلك أن الرجل إذا أغْضَى للسلطان، أو أغْضَى

стр. 337

عَنِ الجواب وهو مأسُورٌ لم يُقَلْ: حَلُمَ، إذا ترَكَ أنْ يقولَ الشيءَ لِصاحِبه مُنتصراً ولا يَخافُ عاقِبَةً يَكْرَهُها. فهذا الحِلْم المحضُ، فإذا لم يَفْعَلْ ذلك ورأى أنَّ تَرْكَه الحِلْمَ ذلٌ فَهْوَ خَطأٌ وسَفَهٌ؛ وقوله: ولم ترَ التواهُبَ بينها ضَعَةً، نحوٌ مِن هذا، وهو: أنْ يَهَبَ الرَّجل من حقِّه مالا يُسْتَكْرَه عليهِ. . . وكان يقال: أحْيوا المعروفَ بإِماتَتِه، ومعنى ذلك: أنّ الرجلَ إذا امْتَنَّ بِمعْروفِه كَدَّره، وقيل: المِنَّةُ تَهْدِم الصنيعة، وقد قال قيسُ بنُ عاصِمٍ المِنْقَري: يا بَني تميم، اصْحَبوا مَنْ يذكُرُ إحْسانَكم إليه ويَنْسى أياديَه إليكم. . . توقير العالم والشريف والكبير والترفع عن الوضيع كان زياد بن أبيه يقول: أُوصيكم بثلاثة: بالعالِم، والشريف - يعني العظيم القدر - والشيخ - يريد: الذي تقدمت به السن - فو الله لا أُوتى بوضيع سَبَّ شريفاً، أو شابٍّ وَثَبَ بشيخ، أو جاهلٍ امتَهَنَ عالماً، إلا عاقبتُ وبالغْتُ. . . وقال عُمارَة بن عقيل بن بلال بن جرير لبني أسد بن خزيمة: يا أيّها السائلي عمداً لأُخْبِرَه ... بذاتِ نَفْسي وأيدي اللهِ فوقَ يدي إنْ تَسْتَقِمْ أسدٌ ترشَدْ وإنْ شَغَبَتْ ... فلا يَلُمْ لائِمٌ إلا بَني أسدِ إني رأيتكُمُ يُعْصَى كبيرُكم ... وتَكْنَعونَ إلى ذي الفَجْرَةِ النَّكِدِ

стр. 338

فباعَدَ اللهُ كلَّ البُعْدِ دارَكُمُ ... ولا شَفاكُمْ مِنَ الأضْغانِ والحَسَدِ فرأى عِصْيانَهمْ الكبيرَ مِنْ أقْبحِ العيب وأدلِّه على ضِغْنِ بعضهم لبعض وحَسَدِ بعضهم بعضا، والوضيع ينقلب إلى الشريف لأنه يرى مُقاولته فخرا، والاجْتراء عليه ربحا، كما أن مُقاولة الشريف للئيم ذلُّ وضَعةٌ قال الشاعر: إذا أنْتَ قاوَلْتَ اللئيمَ فإنّما ... يكونُ عليك العَتْبُ حينَ تُقاوِلُهْ ولستَ كَمَنْ يَرضى بما غيرُهُ الرِّضا ... ويَمْسحُ رأسَ الذِّئْبِ والذِّئْبُ آكِلُهْ قال المبرد: وفي هذا الشعرِ بيتان يقدّمان في باب الفَتك - وفي باب العَزْم والشجاعة والإقدام - وهما: فلا تَقْرِنَنْ أمْرَ الصَّريمةِ بامْرئٍ ... إذا رامَ أمْراً عَوَّقَتْهُ عَواذِلُهْ وقلْ للفُؤادِ إنْ نزا بكَ نزوةٌ ... من الرَّوعِ: أفْرِخْ أكْثرُ الرَّوعِ باطِلُهْ قال المبرد: وقد امتنع قوم من الجواب - أي من مُقاولةِ اللئيم - تنبلاً - يريد ترفعاً - ومواضِعهم تُنْبئُ عن ذلك - أي أن مراكِزَهم تدلُّ على أن امْتِناعهم ترفّعٌ - وامتنع قوم عِيّاً بلا اعتلال - يريد دون أن يُبدوا عِلَّةً لِهذا الإعْراضِ عن اللئام - وامتنع قوم عَجزاً واعتلُّوا بكراهة السَّفه، وبعضهم معتلٌّ برفعة نفسه عن خصمه، وبعضهم كان يسُبُّه الرجل الرّكيكُ من العشيرة، فُيعرضُ ويسبُّ سيِّدَ قَوْمه، وكانت الجاهلية ربَّما فعلته في الذُّحول

стр. 339

- جمع ذُحْل وهو الثأر - قال الراجز: إنّ بَجيلاً كلّما هجاني ... مِلْتُ على الأغْطَشِِ أو أبانِ أو طلْحةِ الخيرِ فتى الفتيانِ ... أولاكَ قومٌ شأنُهمْ كَشاني ما نِلْتُ مِنْ أعْراضِهمْ كَفاني ... وإنْ سَكَتُّ عَرفوا إحْساني وقال أحد المحدثين: إنَي إذا هَرَّ كلْبُ الحيِّ قلتُ لهُ ... إسْلَمْ وربُّكَ مخنوقٌ على الجِرَرِ وفي مثلِ اخْتيارِ النّبيل لتتكافأَ الأعْراض قول الأخطل: شَفى النفسَ قَتْلَى من سُليمٍ وعامرٍ ... ولم يَشْفِها قَتلَى غَنيّ ولا جَسْرِ ولا جُشَمٍ شَرِّ القبائلِ إنّها ... كبيضِ القَطا ليسوا بِسودٍ ولا حُمْرِ ولَوْ بِبَني ذُبيانَ بُلَّتْ رِماحُنا ... لقَرَّتْ بِهمْ عَيْني وباَء بِهمْ وِتْري وقال رجلٌ من المحدثين وهو حمدانُ بنُ أبان اللاّحِقي: ألَيْسَ مِنَ الكَبائرِ أنّ وَغْداً ... لآلِ مُعَذَّلٍ يَهْجو سَدوسا هَجا عِرْضاً لَهمْ غَضًّا جَديداً ... وأهْدفَ عِرْضَ والِدِه اللَّبيسا وقال آخر: اللّؤْمُ أكْرمُ مِنْ وَبْرٍ ووالدِه ... واللّؤْمُ أكْرمُ مِنْ وَبْرٍ وما وَلَدا قومٌ إذا جَرَّ جاني قومِهم أَمِنوا ... مِنْ لُؤْمِ أحْسابِهمْ أنْ يُقتلوا قَوَدا اللّؤْمُ داءٌ لِوَبْرٍ يُقْتَلونَ بهِ ... لا يُقْتَلونَ بِداءٍ غَيْرِه أبَدا وقال أحد المحدثين هو - دِعْبِل بن علي الخزاعي -:

стр. 340

أمّا الهجاء فَدَقَّ عِرْضُك دونَه ... والمَدْحُ عَنْك كَما عَلِمْتَ جليلُ فاذْهَبْ فأنْتَ عَتيقُ عِرْضِك إنّه ... عِرْضٌ عَزَزْتَ بهِ وأنْتَ ذَليلُ وقال آخر: نُبِّئْتُ كلْباً هابَ رمْيي لَه ... يَنْبَحُني مِنْ مَوْضعٍ نائي لَوْ كنتَ مِنْ شيءٍ هَجَوْناك أوْ ... لوْ بِنْتَ للسَّامعِ والرائي فعَدِّ عَنْ شَتْمي فإنّي امْرؤٌ ... حَلَّمَني قِلَّةُ أكْفاني وقال دعبل أيضاً: فلَوْ أنّي بُليتُ بِهاشِمِيٍّ ... خُؤولتُه بَنو عَبْدِ المدانِ صَبَرْتُ على عَداوَتِه ولكِنْ ... تَعالَيْ فانْظُري بِمَنِ ابْتلاني ووقف رجلٌ عليه مقطَّعاتٌ على الأحنف بن قيس يسبُّه، وكان عمرو بن الأهْتم جعلَ له ألفَ دِرهمٍ على أن يُسفِّه الأحنف، فجعل لا يَأْلو أنْ يَسبَّه سبًّا يُغضِب، والأحْنَفُ مُطْرقٌ صامتٌ، فلما رآه لا يُكلمه أقبل الرجلُ يَعَضُّ إبْهامَيْه ويقول: يا سَوْأتاه، والله ما يمنعُه من جوابي إلا هَواني عليه. . . وفعلَ ذلك آخرُ فأمسكَ عنه الأحنف، فأكثرَ الرجلُ، إلى أن أراد الأحنفُ القيامَ للغَداء فأقبَل على الرَّجل فقال: يا هذا، إنَّ غَداءَنا قدْ حَضَرَ فانْهَضْ بنا إليه إن شئتَ فإنك مُذ اليوم تحْدو بِجَملٍ ثَفال.

стр. 341

قال: بما رأيت، قال: مات عُمرُ بْنُ عبد العزيز وخلَّف أحدَ عشر ابْناً وبلغت تَرِكَتُهُ سبعةَ عشرَ دينارا، كُفِّنَ منها بخمسة، واشترى موضعاً لقبره بدينارين، وأصابَ كلُّ واحدٍ من أولاده ثمانيةَ عشرَ قيراطاً من دينار. . . ومات هشامُ بن عبد الملك فخلَّف أحدَ عشرَ ابْنا أصاب كلُّ واحدٍ من أولاده ألفَ ألفِ دينار، فرأيت رجلاً من أولاد عمر بن عبد العزيز قد حَمَّل في يوم واحد على مِائةِ فَرَسٍ في سبيل الله، ورأيت رجلاً من أولاد هشام على قارعة الطريق يسأل الصدقة. . . لا تشْكُ إلى غير الله حدَّث بعضُهم قال: سمعني شُريحٌ القاضي وأنا أشكو بعضَ حالي إلى صديقٍ لي، فأخذ بيدي وقال: يا ابن أخي، إياك والشكوى إلى غير الله ، الصديقُ تُحزنه، والعدو تُشْمِتُه؛ انظر إلى عيني هذه - وأشار إلى إحدى عينيه - وقال: والله ما أبصرْتُ بها شخصاً ولا طريقاً مُنذ خمسَ عشْرةَ سنة، وما أخبرت بها أحداً إلى هذه الغاية سواك. . . نبالة ومروءة حدَّث العَسْجَديُّ قال: جاء رجلٌ إلى أبي إسحاق الكسائيِّ ليلاً فقال: ما جاءَ بك؟ قال: رَكِبني دَيْنٌ، فقال: كم هو؟ قال: أربعمائة دِرهم، فأخرجَ كيساً فأعْطاه، فلما رجع عنه بكى، فقال له أهله: ما يُبكيك؟ فقال: بكائي أنّي لم أبْحَثْ عن حالِه وألْجَأتُه إلى الذلِّ. . .

стр. 342

دعوة الله قال أعرابي: وإنّي لأُغْضي مُقْلتَيَّ على القَذى ... وألْبَسُ ثَوْبَ الصَّبْرَ أبْيَضَ أبْلَجا وإنّي لأدْعو اللهَ والأمْرُ ضَيِّقٌ ... عَلَيَّ فما يَنْفَكُّ أنْ يَتَفرَّجا وكمْ مِنْ فَتًى ضاقَتْ عَلَيْه وُجوهُه ... أصابَ لَها في دَعْوةِ اللهِ مَخْرَجا كلمات في السؤال قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: فَوْتُ الحاجةِ خيرٌ مِنْ طَلبِها من غيرِ أهلها. . . قال: وسمعت آخرَ يقول: عِزُّ النّزاهةِ أشْرفُ من سرورِ العائِدة، قال: وسمعت آخرَ يقول: حَمْلُ المِننِ أثقلُ من الصّبْرِ على العَدَمِ. . . وفي الحديث الشريف: (والّذي نفسي بِيده لأنْ يأخُذَ أحدُكُمْ حبلَه ثمّ يَغدوَ إلى الجبلِ فيَحْتطبَ فيبيعَ فيأكلَ ويتصدّقَ خيرٌ له من أنْ يسألَ أحَداً فيُعطيَه أو يَمْنَعَه). كانوا يرون أنّ الملوك لا يُستحى من مَسألتهم ولِمناسبةِ السُّؤالِ نوردُ عليكَ مايلي: كانَ لبيدُ بنُ ربيعةَ الشاعرُ المخضْرمُ شريفاً في الجاهلية والإسلام، وكان نذرَ أنْ لا تهُبَّ الصَّبا إلا نَحَرَ وأطْعمَ حتّى تَنقَضي، فَهبَّتْ بالإسلامِ وهْوَ بالكوفةِ مقتِرٌ مُمْلقٌ،

стр. 343

فعلم بذلك الوليدُ بن عقبة بنِ أبي مُعَيط - وكان واليها لعثمان بن عفَّان - وكان أخاه لأمه - فخطب الناسَ وقال: إنَّكم قدْ عَرفْتمْ نَذْرَ أبي عقيلٍ وما وكَّد على نفسه، فأعينوا أخاكم، ثم نزل، فبعث إليه بمِائةِ ناقة وأبياتٍ يقول فيها: أرَى الجَزَّارَ يشْحَذُ شَفْرَتَيْهِ ... إذا هَبَّتْ رِياحُ أبي عَقيلِ أشمُّ الأنْفِ أصْيَدُ عامِرِيٌّ ... طويلُ الباعِ كالسَّيْفِ الصَّقيلِ وَفى ابْنُ الجَعْفريِّ بما نَواه ... على العِلاّتِ والمالِ القليلِ بِنَحْرِ الكُومِِ إذْ سُحِبَتْ عليه ... ذُيولُ صَباً تَجاوبُ بالأصيلِ فلمّا أتَتْه قال: جزى اللهُ الأميرَ خيراً، قد عَرفَ الأميرُ أنّي لا أقولُ شِعْراً ولكنِ اخْرُجي يا بُنَيَّتي، فَخَرَجَتْ خُماسِيَّةٌ فقال لها: أجيبي الأميرَ، فأقْبلتْ وأدْبَرتْ، وبعثَ الناسُ، فقَضى نَذْرَهُ، ففي ذلك تقول ابنةُ لبيد: إذا هبَّتْ رِياحُ أبي عَقيلٍ ... دَعَوْنا عندَ هَبَّتها الوَليدا طويلَ الباعِ أبْيضَ عَبْشَمِيّاً ... أعانَ عَلى مُروَءتِه لَبيدا

стр. 344

بِأمْثالِ الهِضابِ، كأنَّ رَكْباً ... عَلَيْها مِنْ بَني حامٍ قُعودا أبا وَهْبٍ جزاكَ اللهُ خيراً ... نَحَرْناها وأطْعَمْنا الثَّرِيدا فعُدْ إنّ الكَريمَ لهُ مَعادٌ ... وَظَنِّي بِابْنِ أرْوى أنْ يَعودا فقال لها لبيد: أحْسَنْتِ يا بُنَيَّتي لولا أنكِ سألت! فقالت: إنّ المُلوكَ لا يُستَحى من مَسْألتهمْ! ولو كان سُوقةً لم أفْعلْ. . . فقال لها: وأنتِ في هذا أشْعرُ! مثلٌ في الرياء عن وهب بن مُنَبِّه قال: نَصبَ رجلٌ مِنْ بني إسرائيل فَخّاً، فجاءت عصفورةٌ فنزلت عليه، فقالت: مالي أراك منحنياً؟ قال: لِكثرة صلاتي انحنيت! قالت: فمالي أراكَ باديةً عظامُك؟ قال: لكثرة صيامي بدَتْ عظامي! قالت: فمالي أرى هذا الصُّوفَ عليك؟ قال: لِزهادتي في الدنيا لبستُ الصوف! قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكأ عليها وأقضي حوائجي، قالت: فما هذه الحَبَّة في يدك؟ قال: قُربانٌ إنْ مرَّ بي مسكينٌ ناوَلْتُه إيّاه، قالت: فإنّي مسكينة! قال: فخذيها، فَدَنتْ فقبضت على الحبّة، فإذا الفخُّ في عُنقها، فجعلت تقول: قعي قعي! تفسيره: لا غَرَّني ناسِكٌ مُراءٍ بَعْدَكَ أبداً. . .

стр. 345

الهم نصف الهرم من كلمةٍ لسيدنا علي بن أبي طالب: والهمُّ نصف الهَرم، وقال حكيم: الهمُّ يشيبُ القلبَ، ويُعقِم العقلَ، فلا يتولد معه رأيٌ، ولا تَصْدُقُ معه رويَّةٌ، وقال أبو تمام: شابَ رأسي وما رأيْتُ مَشيب الرَّأ ... سِِ إلا من فَضْلِ شَيْبِ الفؤادِ وكذاكَ القلوبُ في كُلِّ بُؤسٍ ... ونَعيمٍ طلائعُ الأجْسادِ وقال أبو نواس: وما إنْ شِبْتُ مِنْ كِبَرٍ ولكِنْ ... لَقيتُ مِنَ الحَوادِثِ ما أشابا وقد تقدم قول المتنبي: والهَمُّ يَخْترِمُ الجَسيمَ نَحافةً ... ويُشيبُ ناصِيةَ الصَّبيِّ ويُهْرِمُ مثلُ الدنيا وآفاتها والخوف من نهايتها جاءَ في كِتاب كليلةٍ ودمنة: وجدتُ مَثلَ الدُّنيا والمغرورِ بها، مع امتلائها بالآفات، مَثَلَ رجلٍ ألْجأهُ خوفُ فيلٍ هائجٍ إلى بِئرٍ، فتَدلَّى فيها وتَعلَّق بغُصنينِ نابِتينِ على شفيرِ البئر، فوقعت رجلاه على شيء في طيِّ البِئر، فَنَظر فإذا بحيَّاتٍ أربعٍ قدْ أطلعْنَ رُؤسَهُنّ من جُحورِهنَّ، ونظر إلى أسْفلِ البئرِ فإذا بتِنِّينٍ فاغرٍ فاهُ نَحْوَه، مُنتظرٍ له لِيقَعَ فيأخذَه، فرفع بَصره

стр. 346

إلى الغُصنينِ فإذا في أصْلهما جُرَذان أسْودُ وأبيضُ، وهما يَقرِضانِ الغصنين دائبين لا يَفْتُرانِ، فبينما هو في النظر لأمره والاهتمامِ لنفسه، إذْ أبصرَ قريباً منه كِوارةً فيها عسلُ نحلٍ؛ فذاق العسل؛ فشَغلَتْه حلاوتُهُ وألهتْهُ لذَّتُهُ عن الفكرة في شيءٍ من أمره، وأن يلتمسَ الخلاصَ لنفسهِ؛ ولم يذَّكرْ أنَّ رجليه على حيَّاتٍ أربعٍ لا يدري متى يقع عَليهِنَّ، ولم يذَّكرْ أن الجُرذينِ دائبانِ في قطع الغُصنين؛ ومتى انقطعا وقع على التنِّين. فلم يزل لاهياً غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك. فشَبَّهْتُ بالبئرِ الدُّنيا المملوءةَ آفاتٍ وشروراً، ومَخافاتٍ وعاهات، وشبَّهتُ بالحيَّات الأربعِ الأخلاطَ الأرْبعةَ التي في البدن: فإنّها متى هاجت أو أحدها كانت كَحُمة الأفاعي والسُّمِّ المُميت، وشبَّهتُ بالغُصنين الأجلَ الذي لابُدَّ من انقطاعهِ؛ وشبَّهتُ بالجُرذين الأسودِ والأبيضِ الليلَ والنهارَ اللذينِ هُما دائبانِ في إفناء الأجل؛ وشبَّهتُ بالتنينِ المصيرَ الذي لابُدَّ منه؛ وشبَّهتُ بالعسلِ هذه الحلاوةَ القليلةَ التي ينالُ منها الإنسان فيَطْعَمُ ويسمع ويَشمُّ ويَلْمسُ، ويتشاغلُ عن نفسه، ويلهو عن شأنه، ويُصَدُّ عن سبيلِ قَصْدِه. . . عمرو بن العاص يصف حاله في احتضاره قال عبد الله بن عباس: دخلت على عَمْرِو بن العاص وقد احْتُضِرَ، فدخل عليه ابنه عبد الله فقال: يا عبد الله، خذ ذلك الصندوقَ، فقال: لا حاجة لي فيه، قال: إنه مملوءٌ مالاً، قال: لا حاجة لي به، فقال عمرو:

стр. 347

ليْتَه مملوءٌ بَعْراً! قال ابن عباس: فقلت: يا أبا عبد الله، إنك كنت تقول: أشتهي أن أرى عاقلاً يموت حتى أسألَه: كيف يَجِدُ، فكيف تَجِدُك؟ قال: أجدُ السماءَ كأنَّها مُطْبَقَةٌ على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنّما أتَنفَّس من خَرْتِ إبرة! ثم قال: اللهم، خذ مني حتى ترضى، ثم رفع يديه فقال: اللهم، أمَرْتَ فعَصَيْنا، ونَهيْتَ فَرَكِبْنا، فلا بريءٌ فأعْتذر ولا قويٌّ فأنتصر ولكن لا إله إلا الله - ثلاثاً - ثمَّ فاظَ. . . قوله: من خَرْتِ إبرة يعني: من ثَقب إبرة، وقوله: فاظ: أي مات ماذا قال عبد الله بن الزبير حين أتاه خبر مقتل أخيه المصعب لمّا أتى عبد اللهَ بنَ الزبيرِ خبرُ قتلِ المُصْعب بنِ الزبيرِ خطبَ الناس فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه ثم قال: إنّه أتانا خبرُ قتلِ المصعب فسُرِرْنا بهِ واكْتَأبْنا له، فأمّا السُّرورُ: فلِما قُدِّر لهُ من الشهادةِ وحيزَ له مِن الثوابِ، وأمّا الكآبةُ فلَوْعةٌ يَجدها الحميمُ عند فِراقِ حَميمه، وإنَّا واللهِ ما نموت حَبَجاً كميتة آل أبي العاصي، إنّما نموتُ واللهِ قتلاً بالرِّماح وقَعْصاً تحتَ ظلالِ السيوف، فإن يَهْلكِ المصعبُ فإنَّ في آلِ الزُّبيرِ منه خَلفاً. . . الحَبَجُ: أن يأكل البعير لِحاءَ العَرْفَجِ فيتكبَّبُ في بطنه ويضيق مبعَرُه عنه فلا يَخْرُجُ من جوفه فَيَهلِكُ، يُعرّض بِبني مروان ويَنعي عَليْهمْ كثرةَ أكْلِهِمْ وإسْرافِهمْ في ملاذِ الشَّهواتِ وأنَّهم يموتون بالتُّخْمة. واللوعةُ: الحُرْقة، والقَعْص: القتل المعجل وقد قعصه: إذا ضربَه أو رماه فماتَ مكانَه، وأقْعَصه كذلك والمُقْعص: المقتول

стр. 348

إِذا ضيقت شيئاً ضاق جداً ومما يؤثر في باب الصبر قول الشاعر: إذا ضَيَّقتَ شيئاً ضاقَ جِداً ... وإنْ هَوَّنْتَ ما قدْ عَزَّ هانا فلا تَهْلِكْ لِشيْءٍ فاتَ يأساً ... فَكَمْ أمْرٍ تَصَعَّبَ ثُمَّ لانا سَأصْبِرُ عَنْ رفيقي إنْ جَفاني ... عَلى كُلِّ الأذى إلا الهَوانا فإنَّ المَرْء يَجْزعُ في خَلاءٍ ... وإنْ حَضَرَ الجَماعة أنْ يُهانا يأساً مردود إلى قوله تهلك يقول: لا تهلك يأساً. وقوله: فإن المرء. . . البيتُ يقول: إنّ المرء يجزع أن يهانَ كان وحده أو في جماعة لا تلهفنَّ على ما فاتك ونُورد هنا هذا المثل البديع وإن كانت شهرته قد كادت تبتذله. . . روى الشَّعْبيُّ: أنّ رجلاً من بني إسرائيل صاد قُبَّرةً، فقالت: ما تريد أن تصنعَ بي؟ قال أذْبَحُكِ فآكلك! قالت: والله ما أشْفي من قَرَمٍ ولا أغْني من جوع، أُعلِّمك ثلاثَ خصالٍ هي خيرٌ لك من أكلي: أما الواحدة فأُعلِّمُكَها وأنا في يدك، والثانيةُ إذا صرْتُ على هذه الشجرة، والثالثةُ إذا صِرْتُ على الجبلِ، فقال: هاتي! قالت: لا تلهَفَنَّ على ما فاتك، فَخلّى عنها، فلمّا صارت فوق الشجرة قال: هاتي الثانية، قالت: لا تُصَدِّق بما لا يكون أنّه يكون، ثم طارت فصارت على الجبل، فقالت: يا شقيُّ! لو ذَبَحْتَني لأخْرَجْتَ مِنْ حَوْصَلتي دُرَّةً فيها زِنةُ عشرينَ مِثقالاً! قال: فعَضَّ على شَفَتَيْه وتلهَّفَ؛ ثم قال: هاتي الثالثة، قالت له: أنْت قدْ نَسيتَ الاثنتين، فكيفَ أعلِّمك الثالثة! ألَمْ أقُلْْ لك لا تلهفنَّ على ما فاتك؟ فقد تَلهَّفْتَ عليَّ إذْ فُتُّكَ، وقلتُ لك لا تُصَدِّقَنَّ بما

стр. 349

لا يكون أنه يكون! فصدَّقت! أنا وعظمي وريشي لا أَزِنُ عشرينَ مِثقالا، فكيف يكون في حَوْصَلَتي ما يَزِنها! ومن قولهم في الحث على التعزي ومما قيل في الحث على الصبر والتعزي قول صالح بن عبد القدوس: إنْ يكنْ ما أُصِبْتُ به جَليلا ... فَذَهابُ العَزاءِ فيهِ أجَلُّ كلُّ آتٍ لا شكَّ آتٍ وذو الجَهْ ... لِ مُعَنّى والغَمُّ والحُزْنُ فَضْلُ وقال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة بن المهلَّب بن أبي صفرة لطاهر بن الحسين: لمَّا رَأيْتُكَ قاعِداً مُسْتَقْبِلاً ... أيْقَنْتُ أنَّكَ لِلهُمومِ قَرينُ فارْفُضْ بِها وتَعرَّ مِنْ أثوابها ... إنْ كانَ عِنْدكَ لِلقَضاءِ يَقينُ ما لا يكونُ فلا يكونُ بِحيلةٍ ... أبَداً وما هو كائنٌ سَيكونُ يسعى الذّكيُّ فلا ينالُ بِسَعْيهِ ... حَظّاً ويَحْظى عاجِزٌ ومَهينُ وكان ابنُ شبْرَمة إذا نَزَلتْ به نازلةٌ يقول: سَحابةٌ ثمَّ تتقشَّع وكان

стр. 350

يقال: أربعٌ من كنوز الجنة: كِتمانُ المصيبة، وكِتمانُ الصدقة، وكِتمانُ الفاقةِ، وكِتمانُ الوجعِ. . . لكل غد طعام قال أَوسُ بنُ حَجَر: ولَسْتُ بِخابِئٍ أبَداً طَعاماً ... حِذارَ غَدٍ لكلِّ غَدٍ طعامُ وقبل هذا البيت: ولَيْسَ بِطارقِ الجيرانِ منِّي ... ذُبابٌ لا يُنيمُ ولايَنامُ ولَسْتُ بأطْلَسَ الثّوبَيْنِ يُصبي ... حَليلَته إذا هَدأَ النِّيامُ ومن كلام سيدنا علي: يا ابن آدم، لا تحمل همَّ يومِك الذي لمْ يأتِ على يومِك الذي أنْتَ فيه، فإنّه إنْ يُعلمْ أنّه مِن أجَلِك يأتِ فيه رزقُكَ، واعْلمْ أنّك لا تكْسِبُ من المالِ شيئاً فوق قوتِكَ إلا كُنْتَ خازِناً لِغيرِك فيه. . . والأصل المُقدَّم في هذا المعنى قولُ سَيِّدنا رسولِ الله: من كان آمناً في سِرْبِه، مُعافىً في بَدَنِه، عِنْده قوتُ يَوْمِه، كانَ كَمَنْ حيزَتْ له الدُّنيا بِحَذافيرها. . . وقد تقدم.

стр. 351

اللئام مولعون بإيذاء الكرام من أحسنِ ما قيل في شَقاءِ الكرامِ باللئامِ والأخْيارِ بالأشْرارِ قول الشاعر الطِّرمّاح بنِ حكيم - شاعر إسلامي، قال بعض العلماء: لو تقدَّمت أيامُه قليلاً لفُضِّل على الفرزدق وجرير - انظر ترجمته في الأغاني - قال: لقَدْ زادَني حُبّاً لِنَفسي أنَّني ... بَغيضٌ إلى كلِّ امْرئٍ غيرِ طائلِ وأنّي شَقيٌّ باللئامِ ولا تَرى ... شَقيّاً بِهمْ إلا كَريمَ الشَّمائِلِ إذا ما رآني قَطَّعَ الطَّرْفَ بينَه ... وبينيَ فِعْلَ العارِفِ المُتَجاهِلِ مَلأتُ عليهِ الأرْضَ حتَّى كأنّها ... مِنَ الضِّيقِ في عَيْنَيه كِفَّةُ حابِلِ أكلُّ امْرئٍ ألفى أباه مُقصِّراً ... مُعادٍ لأهلِ المَكْرُماتِ الأوائِلِ إذا ذُكِرَتْ مَسْعاةُ والِده اضْطَنى ... ولا يَضْطَني مِنْ شَتْمِ أهْلِ الفَضائِلِ قوله: لقد زادني. . . البيت يقول: لقد زادني أنني بغيضٌ إلى كل رجلٍ لا فضلَ فيه ولا خيرَ عنده حُبّاً لنفسي، لأن التمايزَ بيني وبينه هو الذي أدّاهُ إلى بُغضي، ولوْ كان بيننا تشاكلٌ لما كان كذلك، فازددتُ بذلك حباً لنفسي، لأني لو كنت مثله لأحبَّني؛ وغير طائل قال الخليل بن أحمد: يقال للشيء الدونِ: هذا غيرُ طائلٍ. . . وقوله: وأني شقي باللئام. . . البيت يقول: وزادني حبا لنفسي أيضاً شقوتي باللئام حتى تنقَّصوني وأصغوا إنائي واغتابوني؛ ثم قال: ولا ترى أحداً يشقى بهم إلا وهو كريم الأخلاق وقوله: إذا ما رآني. . . البيت يقول: إذا أبصرني ارْتدَّ طرْفُه عني وقطع

стр. 352

نظره، فِعْلَ مَنْ يعرف الشيءَ ويتكلَّفُ جهله؛ ويقال: ملأتُ عليه الأرضَ إذا ضيَّقْتَها عليه، أمّا إذا قلتَ: ملأت مِنْه الأرضَ فمعناهُ: أنّك قمتَ وقعدتَ بِذكْرِه؛ والحابِل: ناصبُ الحِبالة وهي التي يُصادُ بها، وكِفَّةُ الحابِل: حِبالته التي بها يَصيد، وكلُّ ما اسْتدارَ فَهْوَ كِفَّةٌ: يقول في هذا البيت: قد ضاقَتْ به الأرضُ مِنْ عداوتي فكأنّي مَلأتُها عليه، ويجوز أن يكون المرادُ: أنّه يخافُني في كل مَسْلكً يسلُكُه. . . وفي معنى هذا البيت قول القائل: كأنَّ فِجاجَ الأرْضِ وهْيَ عَريضَةٌ ... عَلى الخائِفِ المَطلوبِ كِفَّةُ حابِلِ وقوله: إذا ذُكِرَتْ. . . البيت فالمسعاةُ: السعي، وهو العمل، واضطنى: افتعل من الضَّنى، يقال: ضنى يَضنى: إذا دقَّ وصغُرَ جِسْمُه ومن ثمَّ سمِّيَ المرضُ ضَنىً، لما يورِثُ مِنَ الهُزالِ، يقول إنه يَضنى إذا ذُكرَ صَنيعُ والده، لِقُبْحِه: ومع هذا يشتُمُ أهْلَ الفَضائلِ ولا يَضْنى من ذلك، يصفه بالقِحَة. أبيات في الصبر والشجاعة والكرم قال عبد العزيز بن زرارة الكلبي - وقد كان في الجيش الذي بعثه معاوية بن أبي سفيان لغزو بلاد الروم سنة ٤٩هـ فأوغلوا فيها حتى بلغوا القسطنطينية، فاقتتل المسلمون والروم قتالاً شديداً، ولم يزل عبد العزيز هذا يتعرض للشهادة وهو يقول هذه الأبيات، ثم حَمَلَ على من يليه فقتل خلقاً كثيراً وانغمس بينهم فشَجَره الرومُ برماحِهم فقتلوه؛ والأبيات: قدْ عِشْتُ في الدَّهْرِ ألواناً عَلى طُرُقٍ ... شَتَّى وقاسَيْتُ فيها اللِّينَ والفَظَعا

стр. 353

كُلاًّ بَلَوْتَ فلا النَّعْماءُ تُبْطِرُني ... ولا تَخَشَّعْتُ مِنْ لأوائِها جَزَعا لا يَمْلؤ الهَوْلُ صَدْري قَبْلَ مَوْقِعه ... ولا أضيقُ بهِ ذَرْعاً إذا وَقَعا على طرق يُروى: على خلق، والفظع: مصدر فَظُع الأمرُ فَظاعة: اشتدَّ وشَنُع وجاوز المِقدار، وتُبْطِرني: تحملني على البَطَرِ، وهو: الطُّغْيانُ في النّعمة، واللأواء: الشدّة والمَشَقّةُ وضيقُ العيش، وقوله: لا يملؤ الهول. . . البيت من أحسن ما قيل في الشجاعة وقال الحطيئة من أبيات يمدح بها بعض الأجواد: فَتًى غَيْرُ مِفراحٍ إذا الخَيْرُ مَسَّهُ ... ومِنْ نائِباتِ الدَّهْرِ غَيْرُ جَزوعِ وذاكَ فَتًى إنْ تاتِهِ في صَنيعةٍ ... إلى مالِهِ لا تأتِهِ بِشَفيعِ الصنيعة: اسم لكل ما تسديه من إحسان يد وصلة معروف وأنشدوا: إذا اشْتَملَتْ على اليأسِ القُلوبُ ... وضاقَ بِما بهِ الصَّدْرُ الرَّحيبُ وأوْطنَتِ المَكارِهُ واطْمَأنَّتْ ... وأرْسَتْ في مَكامِنِها الخُطوبُ ولَمْ تَرَ لانْكِشافِ الضُّرِّ وَجْهاً ... ولا أغْنى بِحيلَتِه الأريبُ أتاكَ على قُنوطٍ مِنْكَ غَوْثٌ ... يَمُنُّ بهِ اللَّطيفُ المُسْتَجيبُ وكلُّ الحادِثاتِ وإنْ تَناهَتْ ... فَمَقْرونٌ بها الفَرَجُ القَريبُ أبيات حكيمة وإليك أبياتاً حكيمةً لشاعرٍ جاهِليٍّ قديمٍ يُسمَّى: الأضبط بن قُريع بن عوف بن كعب بن سعد، رهط الزِّبْرِقانِ بن بدر، وهو الذي أساء قومُه

стр. 354

مُجاورَته، فانتقل عنهم إلى آخرين ففعلوا مثل ذلك، فقال: أينما أُوَجّه ألْقَ سعدا وقال: بكلِّ وادٍ بنو سعد وإليك هذه الأبياتَ: لكلِّ ضيقٍ مِنَ الهُمومِ سَعَهْ ... والمُسْيُ والصُّبْحُ لا فلاحَ مَعَهْ ما بالُ مَنْ غَيُّهُ مُصيبُكَ لوْ ... يَملِكُ شيئاً من أمْرِه وَزَعَهْ أذودُ عنْ حَوْضِه ويَدْفَعُني ... يا قومُ مَنْ عاذِرِي مِنَ الخُدَعَهْ حَتَّى إذا ما انْجَلَتْ عَمايَتُهُ ... أقْبَلَ يَلْحى وغَيُّهُ فَجَعَهْ قدْ يَرْقَعُ الثَّوبَ غَيرُ لابِسهِ ... ويَلْبَسُ الثَّوبَ غَيرُ مَنْ رَقَعَهْ فاقْبَلْ مِنَ الدَّهْرِ ما أتاكَ بهِ ... مَنَّ قرَّ عَيْناً بِعَيْشِه نَفَعَهْ وصِلْ حِبالَ البَعيدِ إنْ وَصَلَ الْ ... حَبْلَ وأقْصِ القَريبَ إنْ قَطَعَهْ ولا تُهينَ الفَقيرَ عَلَّكَ أنْ ... تَرْكَعَ يَوْماً والدَّهْرُ قدْ رَفَعَهْ المُسْيُ: اسْمٌ من الإمساء، والصبح: اسمٌ من الإصباح، والفلاح هنا: البقاء والعيش قال عبيد بن الأبرص: أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُدْ ... رَكُ بِالضَّعْفِ وقدْ يُخْدَعُ الأريبُ يقول لا بقاء مع كرّ الليل والنهار. والفلاح أيضاً: الفوز ومنه قوله في الأذان: حيَّ على الفلاح، والغَيُّ: الخيبة والحرمان قال المرقّش الأكبر: فَمَنْ يَلْقَ خَيراً يَحْمَدِ الناسُ أمرَه ... ومَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِماً وجملة: لو يملك؛ حاليَّة، ووَزَعَه: منعه وكفّه، يقول: ما بال من تتألم لخيبته وسوء حاله فإذا وجد شيئاً من الخير كفه عنك، ويُروى هذا البيت على وجه آخر، وقوله أذود عن حوضه: هو مثل للحماية ودفع المكروه عنه، والخُدَعة: قوم من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. . . . . .

стр. 355

والعَماية: الشدة التي تلتبس منها الأمور، يقال: عَمِيَ عليه الأمر: إذا التبس، وأقبل: شرع، ويلحى: يلوم، وغَيّه: ضلاله، وفجعه: أصابه بمكروه وصل حبال البعيد. . . البيت يعني: تقرب إلى البعيد النسب إذا طلب قربك واهجر القريب النسب إذا هجرك، أخذه الأعشى فقال: ولا تُدْنِ وصْلاً مِنْ أخٍ مُتباعِدٍ ... ولا تَنأَ عن ذي بِغضةٍ إن تَقرّبا فإنَّ القريبَ مَنْ يُقرِّبُ نفْسَه ... لَعَمْرُ أبيكَ الخيرِ لا مَنْ تَنَسَّبا وقوله ولا تهينَ الفقير الخ فالإهانة: الإيقاع في الهون (بضم الهاء) والهوان وهما بمعنى الذل والحقارة، وعَلّ: لغة في لعل وهي هنا بمعنى عسى، والركوع أراد به الانحطاط في المرتبة والسقوط في المنزلة، ومثل هذا البيت في المعنى قول القائل: عَسى سائِلٌ ذو حاجةٍ إنْ مَنَعْتَه ... في اليومِ سُؤْلاً أنْ يكونَ لهُ غَدُ وهذا البيت يستشهد به النحاة على أن نون التوكيد الخفيفة تحذف لالتقاء الساكنين والأصل تُهيننْ بالنون الخفيفة، ويروى: ولا تعاد ويروى لا تحقرن الفقير فلا شاهد فيه؛ وفي معنى هذا البيت أيضا يقول عبّاد بن عباد بن حبيب بن المهلّب: إذا خَلَّةٌ نابَتْ صَديقَك فاغْتَنِمْ ... مَرَمَّتَها فالدَّهْرُ بالناسِ قُلَّبُ وبادِرْ بِمَعروفٍ إذا كنتَ قادِراً ... زَوالَ اقْتدارٍ أو غِنىً عنكَ يُعْقِبُ الخلة: الحاجة والفقر وفي المثل الخَلَّة تدعو إلى السَّلَّةِ السَّلَّة: السرقة ومرمَّتها: إصلاحُ ما فسدَ منها، وقلّب: كثير التقلب من حال إلى حال، وزوال: مفعول لبادر، وعنك: متعلق بزوال، ويعقب: صفة له، يقول: يأتي الزوال عقب الاقتدار والغنى ويقول تميم بن مقبل:
следующие страницы →