← Адаб

Адаб · id 36072

الذخائر والعبقريات

البرقوقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اللئام مولعون بإيذاء الكرام من أحسنِ ما قيل في شَقاءِ الكرامِ باللئامِ والأخْيارِ بالأشْرارِ قول الشاعر الطِّرمّاح بنِ حكيم - شاعر إسلامي، قال بعض العلماء: لو تقدَّمت أيامُه قليلاً لفُضِّل على الفرزدق وجرير - انظر ترجمته في الأغاني - قال: لقَدْ زادَني حُبّاً لِنَفسي أنَّني ... بَغيضٌ إلى كلِّ امْرئٍ غيرِ طائلِ وأنّي شَقيٌّ باللئامِ ولا تَرى ... شَقيّاً بِهمْ إلا كَريمَ الشَّمائِلِ إذا ما رآني قَطَّعَ الطَّرْفَ بينَه ... وبينيَ فِعْلَ العارِفِ المُتَجاهِلِ مَلأتُ عليهِ الأرْضَ حتَّى كأنّها ... مِنَ الضِّيقِ في عَيْنَيه كِفَّةُ حابِلِ أكلُّ امْرئٍ ألفى أباه مُقصِّراً ... مُعادٍ لأهلِ المَكْرُماتِ الأوائِلِ إذا ذُكِرَتْ مَسْعاةُ والِده اضْطَنى ... ولا يَضْطَني مِنْ شَتْمِ أهْلِ الفَضائِلِ قوله: لقد زادني. . . البيت يقول: لقد زادني أنني بغيضٌ إلى كل رجلٍ لا فضلَ فيه ولا خيرَ عنده حُبّاً لنفسي، لأن التمايزَ بيني وبينه هو الذي أدّاهُ إلى بُغضي، ولوْ كان بيننا تشاكلٌ لما كان كذلك، فازددتُ بذلك حباً لنفسي، لأني لو كنت مثله لأحبَّني؛ وغير طائل قال الخليل بن أحمد: يقال للشيء الدونِ: هذا غيرُ طائلٍ. . . وقوله: وأني شقي باللئام. . . البيت يقول: وزادني حبا لنفسي أيضاً شقوتي باللئام حتى تنقَّصوني وأصغوا إنائي واغتابوني؛ ثم قال: ولا ترى أحداً يشقى بهم إلا وهو كريم الأخلاق وقوله: إذا ما رآني. . . البيت يقول: إذا أبصرني ارْتدَّ طرْفُه عني وقطع

стр. 352

نظره، فِعْلَ مَنْ يعرف الشيءَ ويتكلَّفُ جهله؛ ويقال: ملأتُ عليه الأرضَ إذا ضيَّقْتَها عليه، أمّا إذا قلتَ: ملأت مِنْه الأرضَ فمعناهُ: أنّك قمتَ وقعدتَ بِذكْرِه؛ والحابِل: ناصبُ الحِبالة وهي التي يُصادُ بها، وكِفَّةُ الحابِل: حِبالته التي بها يَصيد، وكلُّ ما اسْتدارَ فَهْوَ كِفَّةٌ: يقول في هذا البيت: قد ضاقَتْ به الأرضُ مِنْ عداوتي فكأنّي مَلأتُها عليه، ويجوز أن يكون المرادُ: أنّه يخافُني في كل مَسْلكً يسلُكُه. . . وفي معنى هذا البيت قول القائل: كأنَّ فِجاجَ الأرْضِ وهْيَ عَريضَةٌ ... عَلى الخائِفِ المَطلوبِ كِفَّةُ حابِلِ وقوله: إذا ذُكِرَتْ. . . البيت فالمسعاةُ: السعي، وهو العمل، واضطنى: افتعل من الضَّنى، يقال: ضنى يَضنى: إذا دقَّ وصغُرَ جِسْمُه ومن ثمَّ سمِّيَ المرضُ ضَنىً، لما يورِثُ مِنَ الهُزالِ، يقول إنه يَضنى إذا ذُكرَ صَنيعُ والده، لِقُبْحِه: ومع هذا يشتُمُ أهْلَ الفَضائلِ ولا يَضْنى من ذلك، يصفه بالقِحَة. أبيات في الصبر والشجاعة والكرم قال عبد العزيز بن زرارة الكلبي - وقد كان في الجيش الذي بعثه معاوية بن أبي سفيان لغزو بلاد الروم سنة ٤٩هـ فأوغلوا فيها حتى بلغوا القسطنطينية، فاقتتل المسلمون والروم قتالاً شديداً، ولم يزل عبد العزيز هذا يتعرض للشهادة وهو يقول هذه الأبيات، ثم حَمَلَ على من يليه فقتل خلقاً كثيراً وانغمس بينهم فشَجَره الرومُ برماحِهم فقتلوه؛ والأبيات: قدْ عِشْتُ في الدَّهْرِ ألواناً عَلى طُرُقٍ ... شَتَّى وقاسَيْتُ فيها اللِّينَ والفَظَعا

стр. 353

كُلاًّ بَلَوْتَ فلا النَّعْماءُ تُبْطِرُني ... ولا تَخَشَّعْتُ مِنْ لأوائِها جَزَعا لا يَمْلؤ الهَوْلُ صَدْري قَبْلَ مَوْقِعه ... ولا أضيقُ بهِ ذَرْعاً إذا وَقَعا على طرق يُروى: على خلق، والفظع: مصدر فَظُع الأمرُ فَظاعة: اشتدَّ وشَنُع وجاوز المِقدار، وتُبْطِرني: تحملني على البَطَرِ، وهو: الطُّغْيانُ في النّعمة، واللأواء: الشدّة والمَشَقّةُ وضيقُ العيش، وقوله: لا يملؤ الهول. . . البيت من أحسن ما قيل في الشجاعة وقال الحطيئة من أبيات يمدح بها بعض الأجواد: فَتًى غَيْرُ مِفراحٍ إذا الخَيْرُ مَسَّهُ ... ومِنْ نائِباتِ الدَّهْرِ غَيْرُ جَزوعِ وذاكَ فَتًى إنْ تاتِهِ في صَنيعةٍ ... إلى مالِهِ لا تأتِهِ بِشَفيعِ الصنيعة: اسم لكل ما تسديه من إحسان يد وصلة معروف وأنشدوا: إذا اشْتَملَتْ على اليأسِ القُلوبُ ... وضاقَ بِما بهِ الصَّدْرُ الرَّحيبُ وأوْطنَتِ المَكارِهُ واطْمَأنَّتْ ... وأرْسَتْ في مَكامِنِها الخُطوبُ ولَمْ تَرَ لانْكِشافِ الضُّرِّ وَجْهاً ... ولا أغْنى بِحيلَتِه الأريبُ أتاكَ على قُنوطٍ مِنْكَ غَوْثٌ ... يَمُنُّ بهِ اللَّطيفُ المُسْتَجيبُ وكلُّ الحادِثاتِ وإنْ تَناهَتْ ... فَمَقْرونٌ بها الفَرَجُ القَريبُ أبيات حكيمة وإليك أبياتاً حكيمةً لشاعرٍ جاهِليٍّ قديمٍ يُسمَّى: الأضبط بن قُريع بن عوف بن كعب بن سعد، رهط الزِّبْرِقانِ بن بدر، وهو الذي أساء قومُه

стр. 354

مُجاورَته، فانتقل عنهم إلى آخرين ففعلوا مثل ذلك، فقال: أينما أُوَجّه ألْقَ سعدا وقال: بكلِّ وادٍ بنو سعد وإليك هذه الأبياتَ: لكلِّ ضيقٍ مِنَ الهُمومِ سَعَهْ ... والمُسْيُ والصُّبْحُ لا فلاحَ مَعَهْ ما بالُ مَنْ غَيُّهُ مُصيبُكَ لوْ ... يَملِكُ شيئاً من أمْرِه وَزَعَهْ أذودُ عنْ حَوْضِه ويَدْفَعُني ... يا قومُ مَنْ عاذِرِي مِنَ الخُدَعَهْ حَتَّى إذا ما انْجَلَتْ عَمايَتُهُ ... أقْبَلَ يَلْحى وغَيُّهُ فَجَعَهْ قدْ يَرْقَعُ الثَّوبَ غَيرُ لابِسهِ ... ويَلْبَسُ الثَّوبَ غَيرُ مَنْ رَقَعَهْ فاقْبَلْ مِنَ الدَّهْرِ ما أتاكَ بهِ ... مَنَّ قرَّ عَيْناً بِعَيْشِه نَفَعَهْ وصِلْ حِبالَ البَعيدِ إنْ وَصَلَ الْ ... حَبْلَ وأقْصِ القَريبَ إنْ قَطَعَهْ ولا تُهينَ الفَقيرَ عَلَّكَ أنْ ... تَرْكَعَ يَوْماً والدَّهْرُ قدْ رَفَعَهْ المُسْيُ: اسْمٌ من الإمساء، والصبح: اسمٌ من الإصباح، والفلاح هنا: البقاء والعيش قال عبيد بن الأبرص: أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُدْ ... رَكُ بِالضَّعْفِ وقدْ يُخْدَعُ الأريبُ يقول لا بقاء مع كرّ الليل والنهار. والفلاح أيضاً: الفوز ومنه قوله في الأذان: حيَّ على الفلاح، والغَيُّ: الخيبة والحرمان قال المرقّش الأكبر: فَمَنْ يَلْقَ خَيراً يَحْمَدِ الناسُ أمرَه ... ومَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِماً وجملة: لو يملك؛ حاليَّة، ووَزَعَه: منعه وكفّه، يقول: ما بال من تتألم لخيبته وسوء حاله فإذا وجد شيئاً من الخير كفه عنك، ويُروى هذا البيت على وجه آخر، وقوله أذود عن حوضه: هو مثل للحماية ودفع المكروه عنه، والخُدَعة: قوم من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. . . . . .

стр. 355

والعَماية: الشدة التي تلتبس منها الأمور، يقال: عَمِيَ عليه الأمر: إذا التبس، وأقبل: شرع، ويلحى: يلوم، وغَيّه: ضلاله، وفجعه: أصابه بمكروه وصل حبال البعيد. . . البيت يعني: تقرب إلى البعيد النسب إذا طلب قربك واهجر القريب النسب إذا هجرك، أخذه الأعشى فقال: ولا تُدْنِ وصْلاً مِنْ أخٍ مُتباعِدٍ ... ولا تَنأَ عن ذي بِغضةٍ إن تَقرّبا فإنَّ القريبَ مَنْ يُقرِّبُ نفْسَه ... لَعَمْرُ أبيكَ الخيرِ لا مَنْ تَنَسَّبا وقوله ولا تهينَ الفقير الخ فالإهانة: الإيقاع في الهون (بضم الهاء) والهوان وهما بمعنى الذل والحقارة، وعَلّ: لغة في لعل وهي هنا بمعنى عسى، والركوع أراد به الانحطاط في المرتبة والسقوط في المنزلة، ومثل هذا البيت في المعنى قول القائل: عَسى سائِلٌ ذو حاجةٍ إنْ مَنَعْتَه ... في اليومِ سُؤْلاً أنْ يكونَ لهُ غَدُ وهذا البيت يستشهد به النحاة على أن نون التوكيد الخفيفة تحذف لالتقاء الساكنين والأصل تُهيننْ بالنون الخفيفة، ويروى: ولا تعاد ويروى لا تحقرن الفقير فلا شاهد فيه؛ وفي معنى هذا البيت أيضا يقول عبّاد بن عباد بن حبيب بن المهلّب: إذا خَلَّةٌ نابَتْ صَديقَك فاغْتَنِمْ ... مَرَمَّتَها فالدَّهْرُ بالناسِ قُلَّبُ وبادِرْ بِمَعروفٍ إذا كنتَ قادِراً ... زَوالَ اقْتدارٍ أو غِنىً عنكَ يُعْقِبُ الخلة: الحاجة والفقر وفي المثل الخَلَّة تدعو إلى السَّلَّةِ السَّلَّة: السرقة ومرمَّتها: إصلاحُ ما فسدَ منها، وقلّب: كثير التقلب من حال إلى حال، وزوال: مفعول لبادر، وعنك: متعلق بزوال، ويعقب: صفة له، يقول: يأتي الزوال عقب الاقتدار والغنى ويقول تميم بن مقبل:

стр. 356

فأخْلِفْ وأتْلِفْ إنَّما المالُ عارةٌ ... فَكُلْه مَعَ الدَّهرِ الذي هو آكِلُهْ فأهْونُ مَفْقودٍ وأيْسرُ هالِكٍ ... عَلى الحَيِّ مَنْ لمْ يَبْلغِ الحَيَّ نائِلُهْ فأخلف: يريد استفد خلف ما أتلفت، وقد أخلف فلان لنفسه: إذا ذهب له شيء فجعل مكانه آخر، وعارة: معار، والعارة والعارية: ما يُتداول بين الناس ويقول جرير: وإنّي لأسْتَحْيي أخي أن أرَى له ... عليَّ مِنَ الحَقِّ الذي لا يَرى لِيا يقول جرير: إني لأستحيي أخي أن يكون له عليَّ فضلٌ ولا يكونَ لي عليه فضل ومني إليه مكافأة، فأستحيي أن أرى له عليَّ حقاً لما فعل إليّ ولا أفعل إليه ما يكون لي به عليه حقٌّ، قال المبرد: وهذا من مذاهب الكرام ومما تأخذ به أنْفُسَها أبياتٌ مَنْ لم يروِها فلا مروءةَ له وهذه أبيات كانوا يقولون: إنه من لم يروِها فلا مروءة له. وهي لشاعر يسمى أيمن بن خريم بن فاتِك الأسدي، شاعر شريف فارس، وكان يتشيع، وأبوه خريم له صحبة، وهو ممن اعتزل الجمل وصفِّين وما بعدهما من الأحداث، وقيل: إن هذه الأبيات للأقيشر، وهو شاعر إسلامي، قال: وصَهْباَء جُرجانيّةٍ لمْ يَطُفْ بها ... حَنيفٌ ولمْ تَنْغَرْ بها ساعةً قِدْرُ ولَمْ يَحْضُرِ القُسُّ المُهَيْنِمُ نارَها ... طُروقاً ولمْ يَشْهَدْ على طَبْخِها حَبْرُ أتاني بِها يَحيى وقدْ نِمْتُ نَوْمةً ... وقدْ غابتِ الشِّعْرى وقدْ طَلَعَ النَّسْرُ فقُلْتُ: اغْتَبِقْها أوْ لِغَيْرِيَ فاسْقِها ... فما أنا بَعْدَ الشِّيبِ وَيْبَكَ والخَمْرُ تَعَفَّفْتُ عَنها في العُصورِ الّتي خَلَتْ ... فكيفَ التَّصابي بَعْدَ ما كَلأ العُمْرُ إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعينَ ولمْ يَكُنْ ... لهُ دونَ ما يأنى حَياءٌ ولا سِتْرُ

стр. 357

فَدَعْهُ ولا تَنْفَسْ عليهِ الّذي ارْتأى ... وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحياةِ لهُ الدَّهْرُ الصهباء: الخمر، سميت بذلك للونها - والصُّهبة من الألوان: الشقرة - قيل: الصهباء هي الخمر التي عصرت من عِنبٍ أبيضَ، وقيل: هي التي تكون من العنب ومن غيره إذا ضَربت إلى البياض، وقال أبو حنيفة الدَّيْنوري: الصهباء اسم للخمر كالعلم. وجرجانية: نسبة إلى جُرجان، وكانت مشهورة بنوع من الخمر والحنيف: المُسلم، ونغرت القدر: غلت، والمهينم: الذي يقرأ بصوت خفي غير بيّن لا يُفهم، والطُّروق: الحضور ليلاً، والحبر واحد الأحبار: رئيس من رؤساء الدين المسيحي، ورئيس الكهنة عند اليهود، وقوله: وقد غابت الشعرى. . . . . قال البكري شارح الأمالي: هذه الرواية أما الرواية: وقد غابت الشعرى وقد جنح النسر، فهي خطأ، قال: لأن الشعرى العَبور إذا كانت في أفق المغرب كان النسر الواقع طالعاً من أفق المشرق على نحو سبع درجات، وكان النسر الطائر لم يطلع، وإذا كانت الشعرى الغُميضاء في أفق المغرب كان النسر الواقع حينئذ غير مُكبِّد - كبد النجم السماء: تَوسّطها - فكيف أن يكون جانحاً؟ وكان النسر الطائر حينئذ في أفق المشرق طالعاً على نحو سبع درجات أيضاً قال الشاعر: وإنّي وعبدَ الله بَعْدَ اجْتِماعِنا ... لَكالنَّسْرِ والشِّعْرى بِشَرْقٍ ومَغْربِ يلوحُ - إذا غابت من الشَّرقِ - شَخْصُه ... وإنْ تَلُحِ الشِّعْرى لهُ يَتَغَيَّبُ وقال أبو نواس: وخَمَّارةٍ نبَّهتُها بعد هَجْعةٍ ... وقد لاحتِ الجَوْزاء وانْغَمَسَ النَّسْرُ فقالت: مَنِ الطُّرَّاقُ؟ قلت: عصابةٌ ... خِفافُ الأداوى يُبْتَغى لَهُمُ الخَمْرُ والشِّعْرى سابقةٌ في الطلوع للجَوْزاء ولذلك سميت كلبَ الجبار، والجبار

стр. 358

اسم للجوزاء. . . والاغتباق شرب العشيّ، وويبك: ويلك، وكَلأ: انتهى إلى آخره وأقصاه، ويقال: بلغ الله بك أكْلأَ العمر: أي آخره، ولا تنفس: لا تحسد، وارْتأى: افتعل من الرأي. وفي هذا المعنى يقول الأعور الشَّنِّيّ: إذا ما المَرْءُ - قَصَّرَ ثُمّ مَرَّتْ ... عَليهِ الأرْبَعونَ - مِنَ الرِّجالِ ولَمْ يَلْحَقْ بِصالِحِهمْ فَدَعْهُ ... فلَيْسَ بِلاحقٍ أخْرى الليالي حكم ومواعظ قال عبد الله بن عباس: كتب إليّ علي بن أبي طالب ﵁ بموعظةٍ ما سررتُ بموعظةٍ سُروري بِها! أما بعد، فإن المرء يسُرُّه دَرْكُ ما لم يكن لِيفوتَه، ويسوؤه فوتُ ما لم يكن لِيُدْرِكَه، فما نالك من دنياك فلا تُكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا تُتبعه أسَفاً، فلْيَكُنْ سرورُك بما قدَّمت، وأسفُك على ما خَلفّت، وهَمُّك فيما بعد الموت. . . يقول عليٌّ: إن كل شيءٍ يصيب الإنسان في الدنيا من نَفْعٍ وضَرٍّ فَبِقضاءٍ مِنَ الله تعالى وقدره، غير أن الناس لا ينظرون حقَّ النظر في ذلك، فَيُسَرُّ الواحدُ منهم بما يصيبه من النفع، ويُساء بِفوتِ ما يفوته منه، غيرَ عالم بأن ذلك النفعَ الذي أصابه كان لابُدَّ أن يصيبه، وأنّ ما فاته منه كان لابد أن يفوتَه، ولو عرف ذلك حقَّ المعرفة لم يفرح ولم يحزن، وإنَّما الأخْلَقُ بالعاقل أن يأسفَ على ما فاته ويُسَرَّ بما قدمه، مِنَ الخَيْرِ والعملِ الصالح الذي يُجدي عليه في العالم الباقي - الآخرة ومن كلمةٍ للحسن البصريّ: تلْقى أحدَهم أبيضَ بضَّاً يمْلَخُ في الباطل مَلْخاً، يَنْفُضُ مِذْرَوَيْهِ، ويَضْرِبُ أصْدَرَيْه، يقول: ها أنا ذا فاعْرِفوني! قد عَرفْناك فمَقَتك اللهُ ومَقَتكَ الصَّالحون. . . قوله: أبيضَ بضاً

стр. 359

فالبض: الرقيقُ اللون الصافيه الذي يؤثّر فيه كلُّ شيءٍ، ويروون: أن معاوية بنَ أبي سُفيان قَدِمَ على عُمرَ بنِ الخطاب ﵁ من الشام وهو أبضُّ الناسِ - أرقُّهم لوناً وأحسنُهم بشرة - فضرب عُمرُ بيدِه على عَضُدِه، وقال: هذا، والله، لِتَشاغُلِكَ بالحمّامات وذَوو الحاجاتِ تُقطَّعُ أنْفُسُهمْ حَسراتٍ على بابِك. . . . وقوله: يملخ في الباطل ملخاً: أي يَكثرُ تردّده في الباطل، أو يمر فيه مَرّاً سهلاً، وقوله: يَنفُضُ مذرويه ويضرب أصدريه فينفض ويضرب: يحرّك، ومِذرواه: جانباه، وقيل: فرعا الألْيَتين، وقيل: طرفا كل شيء، وأراد الحسن: فرعَيْ المنكبين. ولا واحد لهما، وهو الصحيح، والأصْدران: عِرْقان يضربان تحت الصُّدْغَين، لا يفرد لهما واحد كذلك، ويريد الحسن: منكبيه أيضاً، والعرب تقول: جاء فلان يضرب أصدريه وينفض مذرَويْه يريدون: جاء مُختالاً، وقد يريدون: جاء باغِياً يَتَهدّد كما قال عنترة: أحَوْلي تَنْفُضُ اسْتُكَ مِذْرَوَيْها ... لِتَقْتُلَني فَها أنا ذا عُمارا عُمارا يريد: يا عُمارة وقال بعضهم: شهدت الحسن البصريَّ في جنازة أبي رجاء العُطارِدي وهو على بغلةٍ والفرزدق يُسايره على نجيبٍ، وكنتُ على حمارٍ لي، فدنوتُ منهما، فسمعت الفرزدق يقول للحسن: يا أبا سعيد، أتدري ما يقولُ أهل الجنازة؟ قال: وما يقولون؟ قال: يقولون: هذا خيرُ شيخٍ بالبصرة، وهذا شرُّ شيخٍ بالبصرة، قال: إذن يَكذِبوا يا أبا فِراس! رُبَّ شيخٍ بالبصرة مشركٍ بالله، فذلك شرٌّ من أبي فِراس، وربَّ شيخٍ بالبصرة ذي طِمْرَين لا يُؤبه

стр. 360

له لو أقسم على الله لأبرَّه، فذلك خير من الحسنِ يا أبا فِراس. . . ولهذا الحديث تتمة ولكننا نَتجزَّأ بهذا الشَّطرِ منه لتكون المعاني متصلةً بعضُها ببعض. ونختتم هذا المعنى بأبيات مشهورة ولكنها لا تزال جديدة لأنها بعيدة الغَوْرِ مُوفِية على الغاية في الصدق والسَّداد، وهي أبيات اختارها أبو تمام في حماسته ونسبها لعباس بن مرداس الصحابي الشاعر، وقال أبو رياش: إنها لمعاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب مُعَوِّد الحُكماء وهذه هي الأبيات كما رواها أبو علي القالي في الأمالي: تَرى الرَّجُلَ النَّحيفَ فَتَزْدَريهِ ... وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصورُ ويُعْجِبُك الطَّريرُ فتَبْتَليهِ ... فَيُخْلِفُ ظنَّكَ الرَّجُلُ الطَّريرُ بُغاثُ الطيرِ أطولُها رِقاباً ... ولَمْ تَطُلِ البُزاةُ ولا الصُّقورُ

стр. 361

خَشاشُ الطيرِ أكْثرُها فِراخاً ... وأمُّ الصَّقْرِ مِقْلاتٌ نَزورُ ضِعافُ الأسْدِ أكْثرُها زَئيراً ... وأصْرمُها اللَّواتي لا تَزيرُ وقَدْ عَظُمَ البعيرُ بِغيرِ لُبًّ ... فلَمْ يَسْتَغْنِ بالعِظَمِ البَعيرُ يُنَوَّخُ ثُمّ يُضْربُ بالهَراوى ... فلا عُرْفٌ لَدَيْهِ ولا نَكيرُ يُقَوِّدُه الصَّبِيُّ بكلِّ أرْضٍ ... ويَنْحَرُه على التُّرْبِ الصَّغيرُ فما عِظَمُ الرِّجالِ لَهُمْ بِزَيْنٍ ... ولكِنْ زَيْنُهُمْ كَرَمٌ وخَيْرُ في الموت قال المتنبي في الموت: وما المَوْتُ إلا سارِقٌ دَقَّ شَخْصُه ... يُصولُ بِلا كَفٍّ ويَسْعى بِلا رِجْلِ ومن غريب ما قيل في مَدْحِ المَوْت قولُ ابنِ الرّوميّ: قَدْ قُلْتُ إذْ مَدَحوا الحَياةَ فأكْثَروا ... لِلْموتِ ألْفُ فَضيلةٍ لا تُعْرفُ فيها أمانُ لِقائِه بِلِقائِه ... وفِراقُ كُلِّ مُعاشِرٍ لا يُنْصِفُ أقول: لعل ابنَ الرومي يريد أن يقول: إنّ للموتِ مزايا لا تُحصى، وقلّ مَنْ يعرفها، ولو لم يكن فيها إلا أننا بلقاء الموت نظفر بلقاء المرئي - وناهيك بفضائله - وبفراق غيره من المعاشرين القليلي الإنصاف لكان في ذلك الفضل كله للموت، وقال المتنبي:

стр. 362

وقدْ فارَقَ النّاسُ الأحِبَّةَ قبْلَنا ... وأعْيا دواءُ الموتِ كلَّ طبيبِ سُبِقْنا إلى الدُّنيا فلَوْ عاشَ أهلُها ... مُنِعْنا بها مِنْ جَيْئَةٍ وذُهوبِ تَمَلَّكها الآتي تَملُّكَ سالِبٍ ... وفارقَها الماضي فِراقَ سَليبِ ولا فَضْلَ فيها للشَّجاعةِ والنَّدى ... وصَبْرِ الفَتى لولا لِقاءُ شَعوبِ يقول في البيت الرابع: لولا الموتُ لَما كان لهذه المعاني فضلٌ، وذلك أن الناس لو أمِنوا الموت لَما كان للشجاع فضلٌ على الجَبان، لأنّه قد أيقن بالخُلودِ، وكذلك لو أمِنوا الموتَ لاسْتوى الكريم والبخيل والصابر والجازع، وكذلك كل الأشياء وقال أيضاً: إلْفُ هذا الهَواءِ أوْقَعَ في الأنْ ... فُسِ أنَّ الحِمامَ مُرُّ المذاقِ والأسى قَبْلَ فُرْقةِ الرّوحِ عَجْزٌ ... والأسى لا يكونُ بَعْدَ الفِراقِ قال أبو العلاء المعري: إن هذين البيتين يَفضُلان كتبَ الفلاسفةِ لأنّهما متناهيانِ في الصدق وحسن النظام، ولو لم يقُل شاعِرُهما سِواهما لكان له شرفٌ منهما وجمال. يقول المتنبي: إن خوفَ الموت من أكاذيب النفس، ومن إلفنا هذا الهواء، وإلا فقد عُلِمَ أنَّ الحزن على فراقِ الروحِ قبل فراقِه عَجْزٌ، وعُلِمَ أيضاً أنّ الحزنَ على المُفارقة لا يكونُ بعدَ الموت، فلِماذا يَحْزنُ الإنْسانُ؟

стр. 363

طائفة من عبقرياتهم في التعازي ولنعطف الآنَ على الباب الثالث عبقرياتهم في الصبر والدنيا والموت والمرض فَلْنَسِرْ فيه ولنورد عليك سائرَ عبقرياتهم في التعازي ثم نختتم البابَ بعبقرياتهم في المرض وما يتصل به. التسلية بعد وقوع المحذور قالوا: كلُّ شيءٍ يبدو صغيراً ثم يعظمُ، إلا المصيبةُ، فإنها تبدو عظيمة ثم تصغر واشْتكى ابنٌ لعمر بن عبد العزيز ﵁ فجزِع عليه، ثم مات، فرُؤي متَسلّياً، فقيل له في ذلك؟ فقال: إنما كان جَزعي رقَّةً له ورحمةً، فلما وقع المصابُ زال المحذورُ. . . . ومَرِض ابْنٌ لبعض السلف فجزِع، ثم مات فلم يَجْزَعْ، فقيل له! فقال: أما بعدَ وقوعِ الأمْرِ فلم يبقَ إلا الرضا والتسليم. . . وقال البحتري: صعوبةُ الرُّزْءِ تُلْقى في تَوَقُّعِه ... مُسْتَقبَلاً وانْقِضاءُ الرُّزْءِ أنْ يَقَعا وقبله قال أوسُ بن حَجَر: أيَّتها النَّفْسُ أجْمِلي جَزَعاً ... إنَّ الّذي تَحْذَرينَ قدْ وَقَعا وما يتصل بهذا المعنى قولُ أبي نواس يرثي المأمون: وكُنْتُ علَيْهِ أحْذَرُ المَوْتَ وَحْدَه ... فلَمْ يبقَ لي شَيْءٌ عليه أحاذِرُ وقال بعضهم: نزلْتُ بامرأة ذاتِ أوْلادٍ وثروةٍ، فلمّا أرَدْتُ الارْتِحالَ قالت: لا تُخْلِني إذا وَرَدْتَ هذا الصُّقْعَ، ثم أتيتُها بعدَ أعْوامٍ، فوَجَدْتُها قد افْتَقرتْ وثَكَلَتْ أوْلادَها، وهْيَ ضاحِكةٌ مَسْرورةٌ، فَسَألتُها؟ فقالت: إنّي كنتُ ذاتَ ثروةٍ وجاهٍ، وكانت ليَ أحزانٌ، فعلِمْتُ أنّ ذلكَ لِقِلَّةِ الشّكْرِ،

стр. 364

وأنا اليوم بهذه الحالة أضْحَكُ شكراً لله تعالى على ما أعطاني من الصَّبر. . . . وقيل: إذا استأثر اللهُ بِشيء فالْهَ عَنْه الْهَ عنه: اتركْه وتَسلَّ من دواعي التّسلّي قُرْبُ اللّحوقِ بالميّت كتب بعضُهم: فيمَ الجزعُ ونحنُ على مَدْرجة المُتوفَّى! المَدْرجة: الطريق والمسلك،. . . دخل أحدُهم على آخرَ وقد تُوفّي له أخٌ فاشتدَّ جزعُه عليه، فقال: اذْكُرْ مصيبَتَك في نفسِك تُنْسِك فقْدَ غيرِك، واذْكرْ قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾، وخذْ بِقولِ الشاعر: وهَوَّنَ ما ألْقى مِنَ المَوْتِ أنَّ ما ... أصابَكَ مِنْه يا بُنَيَّ مُصيبي وقال إبراهيمُ بن المهدي: وإنّي وإنْ قُدِّمْتَ قبلي لَعالمٌ ... بِأنّي وإنْ أبْطأتُ عَنْك قَريبُ وقال آخرُ: وهَوَّنَ وَجْدي أنَّني سَوْفَ أغْتَدي ... على إثْرِه يَوْماً وإنْ نَفَّسَ العُمْرُ من تعازي الملوك وتَسلّيهم بأنّ الناسَ جميعاً مُصابون لما حَضَرت الإسكندرَ المَقْدونيَّ الوفاةُ كَتَبَ إلى أمِّه: أن اصْنَعي طعاماً يَحْضُرُه الناسُ، ثم تقدَّمي إليهم: أنْ لا يأكلَ منه محزونٌ، ففعلَتْ، فلَمْ يَبْسُطْ أحدٌ إليهِ يدَه، فقالت: ما لكم لا تأكُلون؟ فقالوا: إنَّكِ تقدَّمتِ إلينا أنْ لا يأكلَ منه مَحزونٌ، وليس مِنَّا إلا مَنْ قد أصيبَ بحميمٍ أو قريبٍ! فقالت: مات - والله - ابْني! وما أوْصى إليَّ بِهذا إلا لِيُعَزِّيني به. . .

стр. 365

التسلّي بأنه مُعَزّى لا مُعَزًّى به قال أبو فراس الحَمْدانيٌّ في أبياتٍ يُعزِّي بها سيفَ الدولةِ بأخته: هَيْهاتَ ما في الناسِ مِنْ خالدِ ... لا بُدَّ مِنْ فَقْدٍ ومِنْ فاقِدِ كُنِ المُعَزَّى لا المُعَزَّى به ... إذْ كانَ لابُدَّ مِنَ الواحِدِ وقالَ المُتَنبي من أبياتٍ يَمْدحُ سيف الدولة ويَرْثي ابْنَ عَمّه أبا وائل: مَهْما يُعَزِّ الفتى الأميرَ به ... فلا بإقْدامِهِ ولا الجودِ ومِنْ مُنانا بَقاؤهُ أبداً ... حَتّى يُعَزَّى بكلِّ مَوْلودِ التسلّي عمَّن مَضى بِمَنْ بقي قيلَ لرَجلٍ ماتتْ إمْرأتُه نُفَساءَ: عظَّم اللهُ أجْرَك فيما أبادَ وباركَ فيما أفادَ. . . وقال المتنبي في مرثية يعزّي سيفَ الدولة بأخته الصغرى ويُسلّيه بالكبرى: قاسَمَتْكَ المَنونُ شَخْصينِ جَوْراً ... جَعَلَ القِسْمَ نَفْسَه فيكَ عَدْلاً

стр. 366

فَإذا قِسْتَ ما أخَذْنَ بِما أغْ ... دَرْنَ سرَّى عَنِ الفُؤادِ وسَلَّى ولمّا ماتتِ الأخْتُ الكُبْرى بعد ذلك رثاها فقال: قدْ كانَ قاسَمَك الشّخْصَيْنِ دَهْرُهما ... وعاشَ دُرُّهُما المَفْدِيُّ بالذَّهَبِ وعادَ في طَلَبِ المَتْروكِ تارِكُه ... إنَّا لَنَغْفُلُ والأيَّامُ في الطَّلبِ ما كانَ أقصرَ وقْتاً كانَ بَيْنَهما ... كأنّه الوقْتُ بينَ الوِرْدِ والقَرَبِ وفي هذهِ المرثيّةِ الثانيةِ هذانِ البيتانِ البديعان: طَوى الجَزيرةَ حتّى جاَءني خَبرٌ ... فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ حتّى إذا لَمْ يَدَعْ لي صِدْقُه أمَلاً ... شَرِقْتُ بالدَّمْعِ حتّى كادَ يَشْرَقُ بي مَنْ تسلّى بما له من الثوابِ وبعض تعازيهم دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك - وكان قد أصابه الطاعونُ - فقال: دعني أمَسَّ قَرْحَتكَ، - وكان يقال: إذا كانَ القرْحُ ليِّناً يُرْجى، وإنْ كانَ خَشِناً لا يُرْجى - فامتنع عبد الملك مِنْ أنْ يَمَسَّها، فعلم عمر لِمَ مَنَعه! فقال: دعْني أمَسَّها، فو اللهِ لأنْ أقدِّمَك فَتكونَ في ميزاني أَحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أكونَ في ميزانِك! فقال: واللهِ، لأنْ يكونَ ما تريدُ أحبُّ إليَّ

стр. 367

منْ أنْ يكونَ ما أريدُ، فلَمَسَها، فقال: يا عبدَ الملك، ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. . . فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. . . ولمّا ماتَ عبدُ الملكِ عزَّى أباه الحسنُ البصريُّ بهذا البيت: وعُوِّضْتَ أجْراً مِنْ فَقيدٍ فلا يَكُنْ ... فَقيدُكَ لا يَأتي وأجْرُكَ يَذْهَبُ وروي: أنّ رجلاً جَزِعَ على ابْنٍ له، فشكى ذلك إلى الحَسنِ، فقال له: هل كانَ ابْنُكَ يغيبُ عَنْك؟ فقال: نَعمْ، كان مغيبُه عَنّي أكثرَ مِنْ حُضوره قال: فاتْرُكْهُ غائِباً، فإنّه لم يَغِبْ عنكَ غَيْبةً الأجْرُ لكَ فيها أعْظمُ مِثْلَ هذه الغيبةِ. . . وقال أعرابيٌّ: وقد ماتَ له ثلاثةُ بنينَ في يومٍ واحدٍ، فَدَفنهمْ وعادَ إلى مَجْلِسِه، فجَعلَ يتحدثُ كأنْ لَمْ يَفْقِدْ واحِداً، فَليمَ على ذلك، فقال: ليسوا في الموت بِبِدْعٍ، ولا أنا في المصيبةِ بأوْحَدَ، ولا جَدْوى لِلْجَزَعِ، فَعَلامَ تلومونَني! مَنْ ماتَ له كثيرٌ مِنْ أهلِه فَصَبِرَ نظرَ رَجُلٌ بالبصرة إلى امْرأةٍ فقال: ما رأيتُ مثلَ هذه النَّضارةِ! وما ذاك إلا مِنْ قلّةِ الحُزن! فقالت: ما حزنٌ كَحُزني! ذَبح زوجي شاةً، ولي صبيّانِ يلْعَبانِ، فقال أحدُهما للآخر: تعالَ أريكَ كيفَ ذبحَ أبي الشاةَ، فذَبَحَه، ثم خاف فهَرَبَ إلى الجبلِ، فرَهِقَه ذِئْبٌ، فافْتَرسَه، وخرَجَ زوجي في طَلَبِه، فاشتدَّ عليهِ الحَرُّ فماتَ عَطَشاً! فقيل لها: كيف صَبَرْتِ؟ فقالت: لو وَجَدْتُ في الحزن دَرَكاً ما اخْتَرْتُ عليه. . . رَهِقَه: غَشِيَهُ، ودَرَكاً: تريدُ مُدارَكةً لما فات

стр. 368

ومِنْ أدْعَيتِهمْ لِذوي المصيبة ومن قولهم في الدُّعاءِ لِذَوي المصيبة: وهب الله لكَ عُمراً طويلاً وأجْراً جزيلاً وصبراً جميلاً؛ لقَّاكَ اللهُ الصبرَ ووَقاكَ ما يُحْبِطُ الأجْرَ. وقال رجلٌ لابْنِ عُمَرَ: عظَّمَ اللهُ أجْرَك، فقال: بلْ جعلَ اللهُ ليَ العافية. . . وذلك أنَّ تعظيمَ الأجْرِ في تعظيمِ ما يُؤْجَرُ عَلَيْهِ مِنَ المُصيبة وقالوا: التعزيةُ بَعْدَ ثلاثٍ تجديدٌ للمصيبة، والتَّهْنئةُ بعدَ ثلاثٍ اسْتِخْفافٌ بالمودَّة. . وبَعْدُ فأمَّا عبقرياتهم في المراثي فإنَّ لها موضعاً آخر في هذا الكتاب كما أنَّ عبقرياتهم في المدح والثناء تراها في باب قد أفرَدْناه لها. عبقرياتهم في الطب والمرض وعيادة المرضى معنى الطب كلُّ حاذِقٍ بعمله: طبيبٌ عندَ العرب، ورجلٌ طَبٌّ بِكَذا: أيْ عالِمٌ بهِ ثُمّ صارَ الطبيبُ اسْماً للعالِم بمُداواة أبدانِ الناس، وقالوا: حَدُّ الطبِّ: معرفةُ الداءِ وتسقّيه بالدَّواء، أو هو: اسْتِدامَةُ الصِّحَّةِ ومَرَمَّةُ السَّقَمِ. وصف طبيب حاذق قال السَّرِيُّ الرَّفَّاءُ في طبيب حاذق: أوْضَحَ نَهْجَ الطِّبِّ في مَعْشَرٍ ... ما زالَ فيهِمْ دارِسَ الرَّسْمِ كأنَّه مِنْ لُطْفِ أفْكارِه ... يَجُولُ بينَ الدَّمِ واللَّحْمِ

стр. 369

لو غَضِبَتْ روحٌ على جِسْمِها ... أصْلَحَ بَيْنَ الرُّوحِ والجِسْمِ وقال أيضاً: يَبْدو لهُ الدَّاءُ الخَفيُّ كَما بدا ... للعَيْنِ رَضْراضُ الغديرِ الصّافي الطبيب الجاهل رأى فيلسوف طبيباً جاهلاً فقال: هذا مُسْتَحِثٌّ للموت. . . . وقال الشاعر المعروف بِالخبْزَأرْزيِّ في طبيب اسمه نُعمانُ: أقولُ لِنُعمانٍ وقدْ ساقَ طِبُّه ... نُفوساً نَفيساتٍ على ساكِني الأرْضِ أبا مُنْذرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ... حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِنْ بَعْضِ أقول: إنّ البيتَ الثاني لطرفةَ بنِ العبد ضمَّنه الخبْزَأرْزِيُّ شِعْرَه وقال آخر في طبيب: لَمْ يأتِ في الأرْبِعا عَليلا ... إلا دَفَنّاهُ في الخَميسِ وكان رجل يحْترِف التصويرَ ثم تركه وتَطَبَّب، فقيل له في ذلك؟ فقال: الخطأ في التصوير تُدْرِكه العيون، وخطأ الطبيب تُواريهِ القبور. . . . مدح الحمية وذمّها قال قائلٌ للحارثِ بن كَلَدَة - وكان طبيبَ العرب - ما الطِّبُّ فقال: هو الأزْمُ. . . ومرادُه بالأزم: الحِمْيةُ والإمْساكُ عن الاسْتكثارِ مِنَ الطعام. . . . وقيل لجالينوسَ أو لأبُقراط: إنك تُقِلُّ من الطعام! قال: غَرَضي مِنَ الطعامِ أنْ آكلَ لأحْيا، وغَرضُ غيري من الطعامِ أنْ يَحْيا

стр. 370

ليأكلَ. . . . وقالوا: لا تأكلْ ما تَشْتَهي فَيُصيرَكَ إلى ما لا تشتهي. . . . وفي الحديث: (لا تُكرِهوا مَرْضاكُمْ على الطعامِ والشَّرابِ فإنَّ اللهَ يُطْعِمُهُمْ ويَسقيهم). . . . وقالوا: الحِمْيَةُ للصّحيحِ ضارّة، كما أنها للعليلِ نافِعةٌ. . . وقال الرشيد لِلْفَضْلِ: ما أطْيبُ ما في هذهِ الدُّنيا؟ فقال: رَفْضُ الحِشْمةِ وتَرْكُ عِلمِ الطِّبِّ، فلا عيْشَ لمُحْتَشِمٍ ولا لذَّةَ لِمُحْتَمٍ. . . وقالوا: من عرف ما يضُّرهُ ممّا ينفعُه فهْوَ مريض. . . وقال أفلاطون: الموت مَوْتان: طبيعيٌّ وإراديٌّ؛ فالطبيعيُّ مفارقة الرُّوحِ للبَدَن، والإراديُّ منْعُ الأبْدانِ مِنَ الشَّهوات. . . وقالوا: الأبْدانُ التي اعْتادتِ الحِمْية آفتُها التَّخْليط، والأبْدان التي اعْتادتِ التخليطَ آفتُها الحِمْية. . . شُرْبُ الدَّواء قال سيِّدُنا رسولُ الله: (مَنِ اسْتَقَلَّ بِدائِه فلا يَتَداوَنَّ، فإنه رُبَّ دواءٍ يُورِّثُ الدَّاء). . . وكانت الحُكماء تَقولُ: إيَّاك وشُرْبَ الدَّواء ما حَمَلَتْ صِحَّتُكَ داءَك. . . وقالوا: مَثَلُ شُرْبِ الدَّواءِ مَثلُ الصّابونِ للثَّوْبِ، يُنقِّيه ولكن يُخْلِقُه ويُبليه. . . وقال أبُقراط: الدَّواءُ مِنْ فوقُ، والدَّواءُ مِنْ تحتُ، والدَّواءُ لا فوق ولا تحت، وفسَّر ذلك مفسِّروه فقالوا: من كان داؤه في بَطنه فوق سُرَّتِه سُقي الدّواء، ومَنْ كانَ داؤه تحتَ سُرَّتِه حُقن، ومن لم يكن به داءٌ لا مِنْ فوق ولا من تحت لم يُسقَ الدَّواء، فإنَّ الدَّواءَ إذا لمْ يَجِدْ داءً يَعمل فيه وجد الصِّحة فَعَمِلَ فيها. . . . . . . .

стр. 371

سياسةُ الأبْدانِ بِما يُصلِحُها من الطعام وغيرِه قال الحجّاج بنُ يوسف الثقفيّ لِتَياذوقَ مُتَطبِّبه: صِفْ لي صِفةً آخذُ بها ولا أعْدوها، قال: تياذوقُ: لا تتزوَّج منَ النساءِ إلا شابَّةً، ولا تأكلْ مِنَ اللَّحْمِ إلا فتيّاً، ولا تأكلْه حتّى يُنْعَمَ طبْخُه، ولا تَشْربنَّ دواءً إلا مِنْ عِلَّةٍ، ولا تأكلْ مِنَ الفاكِهةِ إلا نَضيجَها، ولا تأكلْ طعاماً إلا أجدْتَ مَضْغَه، وكُلْ ما أحْبَبْتَ مِنَ الطَّعامِ واشْرَبْ عليه، وإذا شرِبْتَ فلا تأكلْ عليهِ شَيْئاً، ولا تَحْبِسِ الغائِطَ والبولَ، وإذا أكلْتَ بالنَّهارِ فَنَمْ، وإذا أكلْتَ بالليلِ فَتَمَشَّ ولو خمسينَ خطوةً. . . فقال له بعضُ مَنْ حضر: إذا كان الأمْرُ كما تقول فلِمَ هلك أبُقراط ولِمَ هلكَ جالينوس وغيرهما ولم يبقَ أحدٌ منهم؟ قال: يا بُنَيَّ، قد احْتَجَجْتَ فاسْمَعْ: إنَّ القومَ دَبَّروا أنفسَهُمْ بِما يَمْلِكون، وغلَبَهمْ ما لا يَمْلِكون - يعني الموتَ وما يَرِدُ مِنْ خارج، كالحرّ والبرد والوقوع والغرق والغمّ وما أشبه ذلك -. . . . وقال تياذوق أيضاً للحَجَّاج: أرْبعةٌ تَهْدُمُ العمرَ وربَّما قتلْنَ: دُخولُ الحَمّامِ على بِطْنةٍ، والمُجامَعةُ على الامتلاء، وأكلُ القديد الجاف، وشُرْبُ الماءِ الباردِ على الرِّيق؛ وما مجامعةُ العُجوزِ بِبَعيدةٍ مِنْهنَّ. . . ووجد الحجّاجُ في رأسِه صُداعاً فبَعثَ إلى تياذوقَ وأحْضره، فقال: اغْسلْ رِجْلَيْك بماءٍ حارٍّ وادْهَنْهما، وخَصِيٌّ للحجّاجِ قائمٌ على رأسه، فقال الخصيُّ: واللهِ، ما رأيْتُ طبيباً أقلَّ معرفةً

стр. 372

بالطِّب مِنْك! شكى الأميرُ الصُّداعَ في رأسِه فوصَفَ له دواءً في رجْليه! فقال له: أما إنّ علامةَ ما قُلْتُ فيك بيِّنةٌ! قال الخصيُّ: وما هي؟ قال: نُزِعَتْ خِصْيتاكَ فذَهَبَ شَعْرُ لِحْيتك! فضحك الحجّاجُ ومَنْ حَضَرْ. . . . . وقال عبد الملك بنُ مروانَ لأعْرابيٍّ: إنّكَ حَسَنُ الكُِدْنةِ! قال: إنّي أُدْفئُ رِجْليَّ في الشِّتاء، وأُغْفلُ غاشِيةَ الغمِّ، وآكلُ عِنْدَ الشَّهْوة. . . ويقال: ثلاثةُ أشياءَ تُورِثُ الهزالَ: شُرْبُ الماءِ على الرِّيق، والنَّوْمُ على غيرِ وِطاءٍ، وكَثْرةُ الكلامِ بِرَفْع الصوتِ. . . وقالوا: الدَّواءُ الذي لا داءَ معه: أن تجلِسَ على الطعامِ وأنْتَ تشتهيهِ وتقومَ عَنْه وأنْتَ تَشْتهيه. وقال أرسطوطاليس: المَطْعمُ والمَشْرب إذا كثُرا على المعدةِ أطفآ نارَها فَجَرتِ الأغْذيةُ في البَدنِ غيرَ نَضيجةٍ، فصارَ ذلك نُقصاناً للبَدَنِ يُورِثُ الفَتْرَةَ، كالشجرة، إذا كثُر ماؤُها عَفِنت وإنْ قلَّ جفَّتْ، وكالسِّراج، إذا قلّ دُهْنه أو كَثُرَ انْطفأ. . . . وقال بَعْضُهمْ: مَنْ تَغدّى وتَعشّى ولمْ يأكلْ فيما بَيْنَهما، سَلِمَ من الأوْجاع، لقول الله : ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. . . وقال بعضُ الأطِبّاء: أحبُّ الناسِ إلينا: الرَّغيبُ البَطْنِ، لِكَثْرةِ حاجاتِهم إليْنا. . . وأُخْبرَ بعضُ الأمراءِ بِشَيْخٍ قد أتتْ عليه مائة وخمسونَ سنةً في اعْتدالِ جِسْمٍ ونَضارةِ لوْنٍ، فاسْتَدْعاه وسألَه فقال: إنْ كان لِما ترى من هذه المَوْهبةِ الجميلةِ سَبَبٌ بعدَ تقديرِ اللهِ تعالى فما أصِفُه: ما احْتَملْتُ مُهِمّاً تَبْعُدُ عليَّ مُدافَعتُه، ولا رأيْت مِنْ زوجةٍ مكروهاً، ولا اجْتَمعَ في بطني طَعامان، وإذا شربْت شراباً تناوَلْتُه رقيقاً طيِّباً لا أثْمَلُ منه، ولا أسْتَدْعي

стр. 373

الطبيعةَ مِنْ غيرِ عارضٍ، وما اسْتَدْعَيتُ للْباهِ حركةً إلا أنْ يهيجَ بالطبيعةِ على القلب، وإذا فعلتُ ذلك أقْلَلْتُ الحَرَكةَ بقيَّةَ يَوْمي. . . وقالوا: أضرُّ الأشياءِ للبَدَنِ: الفكر والسهر، وأنْهَكُ الأشْياءِ للبَدَنِ: الخوف. وقال المأمون: قد أصَبْتُ دواءً يُمرِئ ولا يُؤكلُ ولا يُشرب! فقيل: ما هو؟ قال: النومُ إثْرَ الغَداء. . . وقالوا: إذا أكلت فاضْطَجِعْ على جَنبِك الأيسر، فإن الكبِدَ يقَع على المَعِدة فيُنْضِجُ الطَّعام فيَهْضِمُه. . . وقالوا: غِشيانُ المرأةِ المُولَّية يُضعِف القُوّة ويُسْقِم البَدن، لأنها كالشَّنِّ البالي، ماؤها سُمٌّ قاتل، تأخُذ منك ولا تُعطيك. . . مَنْ تَناولَ طعاماً وتحقَّقَ تولُّد عِلّة منه اجتازَ رجلٌ بصديقٍ له محمومٍ فسأله عن سبب عّلته؟ فقال: أكلت في هذا الصيف فراخاً وعسلاً وشربت خمراً صُلباً - شديدة - ونمت في الشمس! فقال له: عليَّ كلٌّ يمينٍ، لو كانت الحُمَّى من حَمَلةِ الشمس ورأتك بهذه الحالة لتركت عملها ووافتك. . . ونظر طبيب إلى دِهْقانٍ يغرس شجرة مشمشٍ فقال له: ما تصنع؟ قال: أعمل لي ولك! يعني أن الطبيب ينتفع بالمشمش، لسوء أثره على آكليه، وحاجتهم إلى الطبيب، لما يتولد فيهم من الأدواء لأكل الطريِّ منه، وفي هذا المعنى يقول ابن الرومي: إذا ما رأيْتَ الدَّهْرَ بُستانَ مُشْمُشٍ ... فأيْقِنْ بِحَقٍّ أنّه لطبيبِ يُغِلُّ لهُ ما لا يُغِلُّ لِرَبِّه ... يُغِلّ مَريضاً حَمْلُ كلِّ قَضيبِ

стр. 374

يُغلُّ له: أي يعطي الطبيب من الغَلّة - وهي الدخل - مالا يعطيه لصاحبه، وذلك أنّ حمْلَ الغصن الواحد من كل شجرة مشمش من أشجار ذلك البستان إذا أكله إنسان فإنّه ينقلب مريضاً فيلجأُ إلى الطبيب الحمى قال المتنبي: وزائِرَتي كأنَّ بِها حَياءً ... فلَيْسَ تَزورُ إلا في الظَّلامِ بَذَلْتُ لَها المَطارِفَ والحَشايا ... فَعافَتْها وباتَتْ في عِظامي يَضيقُ الجِلْدُ عِنْ نَفْسي وعَنْها ... فَتُوسِعُه بأنْواعِ السَّقامِ إذا ما فارَقَتْني غَسَّلَتْني ... كأنَّا عاكِفانِ على حَرامِ كأنَّ الصُّبحُ يَطْرُدها فَتَجْري ... مَدامِعُها بأرْبعةٍ سِجامِ أراقِبُ وَقْتَها مِنْ غَيْرِ شَوْقٍ ... مُراقَبَةَ المَشوقِ المُسْتَهامِِ ويَصْدُقُ وَعْدُها والصِّدقُ شَرٌّ ... إذا ألْقاكَ في الكُرَبِ العِظامِ وقوله: وزائرتي. . . البيت يقول: إنّ الحمُّى التي كانت تأتيه ليلاً، كأنّها حَيِيَّةٌ فليست تزورُ إلا في الليل. . . والمطارِف في البيت الثاني: جمع مُِطْرَف وهي: أرْديةٌ مُربَّعةٌ من خَزٍّ في جنبها علمانِ، والحشايا جمع حَشيّة: ما حُشِي من الفرش مما يُجْلَس عليه، يقول: إنّ هذه الزائرة - الحُمّى - لا تُبيت في الفِراش وإنما تَبيتُ في عظامي. وقوله: يضيق الجلد. البيت يقول: يضيق جِلْدُه فلا يَسعها ولا يَسَعُ أنفاسي التي أتنفّسها، وهي مع ذلك تذهب بِلَحْمي فتوسِعُ جلدي بما تُورد عليه من ضُروبِ السقم، وقوله: إذا ما فارقتني غسّلتني. . . يقول: إنه يَعْرَق عِنْدَ فراقها، فكأنّها

стр. 375

تغسله لِعُكوفِهما على ما يُوجب الغُسْل، وإنّما خَصَّ الحَرام لأنّه جعلها زائرة غريبة ولم يَجْعلْها زوجةً ولا مملوكةً. . . وقوله: كأنّ الصبحَ. . . البيت يقول: إنّها تفارقه عند الصبح فكأنَّ الصُّبحَ يطردها، وأنّها إذا فارقته تجري مدامعُها من أربعةٍ سِجامٍ، يريد كثرةَ العرق - عرق الحمُّى - فكأنّها تبكي عند فراقِه لِحُبِّها إياه، وأراد بالأربعة: اللَّحاظين والمُوقَين للعينَين. وقوله: أراقبُ وقتها إلخ يقول: أنتظر وقتَ مجيئِها كما ينتظرُ المَشوقُ مجيءَ حبيبه، وذلك أنّ المريض يجزعُ لوُرودِ الحُمّى، فهو يُراقب وقتها خوفاً لا شوقاً. ثم قال: ويَصدق وعدُها، يقول: إنّها صادقةُ الوعد في الورود وذلك الصدق شَرٌّ من الكذب، لأنه صدقٌ يضر ولا ينفع كمن أوْعدَ ثم صَدقَ في وعيدِه. . . وقال المتنبي أيضاً: ومَنازلُ الحُمَّى الجسومُ فقلْ لَنا ... ما عُذْرُها في تَرْكِها خَيْراتِها أعْجَبْتها شَرفاً فطالَ وُقوفُها ... لِتأمُّلِ الأعْضاءِ لا لأذاتِها يقول المتنبي لهذا الممدوح - وكان مُصاباً بالحمُّى - إنَّ جِسمكَ خيرُ الأجْسامِ فلا عُذْرَ للحمُّى في تركه، لأنّ محلَّها الأجْسام! ثمّ قال: إنّ الحمُّى لمَّا رأتْكَ في المَحَلِّ الأرْفعِ من الشرفِ والكرمِ والنُّبْل أعْجَبْتها فأقامَتْ في بدنِكَ لتأمُّلِ أعْضائِكَ التي اشْتَملتْ على تلك المحامِدِ، لا لأنّها تريد أن تؤذيَك. . . وقال الشاعر أبو الفتح كُشاجم في عليّ بن سليمان الأخفش: ولقَدْ أخْطأ قَوْمٌ زَعَموا ... أنّها مِنْ فَضْلِ بَرْدٍ في العصَبْ

стр. 376

هوَ ذاكَ الذِّهْنُ أذكى نارَهُ ... والمِزاجُ المُفْرطُ الحَرِّ الْتَهَبْ ودَخَلَ بَخْتَيْشوعُ على يحيى بنِ خالدِ بنِ برمك بِعَقِبِ حُمّى فقال له: توقَّ فإنَّ حمّى ليلةٍ يبقى في البَدنِ تأثيرها سنة! - وعنده وكيع فقال: صدق، فقال يحيى: ما أقربَ تصْديقَكَ إيَّاه! قال: لأن النبيَّ ﷺ قال: (حُمّى ليلةٍ كفَّارة سنة)، فعَلِمْتُ أنَّ هذا مِنْ ذاك. . . الرمد مِمّا يُسْتَحْسنُ في عَيْنِ مَحْبوب رَمْداء قولُ ابْنِ المَعتزّ: قالوا: اشْتَكَتْ عَيْنُه فَقُلْتُ لَهُمْ: ... من شِدَّةِ الفَتْكِ نالَها الوَصَبُ حُمْرَتُها مِنْ دِماءِ مَنْ قَتَلتْ ... والدَّمُ في النَّصْلِ شاهِدٌ عَجَبُ وفي معنى هذين البيتين قولُ بعضهم: قالوا: الحَبيبُ شَكا جُعِلْتُ فِداَءه ... رَمَداً أضَرَّ بِعَيْنِه كالْعَنْدمِِ فأجَبْتُهُمْ: مازالَ يَفْتِكُ لَحْظُه ... في مُهْجَتي حَتّى تلَطَّخَ بالدَّمِ

стр. 377

النقرس كانَ أبو الفَضْلِ بنُ العميد يَكثُرُ بِرِجْلِه النِّقْرِس، فقيلَ له: لا تَغتمَّ فإنّ ذلكَ يُؤْذِنُ بِطولِ العمر! فقال: طول العمر هو أنَّ من به النِّقرسُ يَسهرُ، فيصيرُ ليلهُ نَهاراً، فكأنَّما يَتضاعَفُ عُمْرُه. . . . وقال المبرِّدُ: ذكر أعرابيٌّ رَجلاً قد أثرى فقال: تَنَقْرس! كأنّه سَمِعَ أنّ النِّقرسَ يكونُ معَ النِّعْمة. . . . ومنه قول الأعرابي: ألا فاعْجَبوا مِنْ مُفْلسٍ حِلْفِ نِقْرِسٍ ... أما نِقْرِسٌ في مُفْلِسٍ بِعَجيبِ فلانٌ حِلْفُ كذا أي: حليفُه ومُلازِمُه عَودٌ إلى عبقرياتهم في التّداوي والأدوية قيل لأبُقراط: ما بالُ الإنسانِ يكونُ أثْورَ ما يكونُ بَدناً إذا شَرِبَ الدَّواءَ؟ فقال: مثلُ البيت تراه أكثرَ ما يكونُ غُباراً إذا كُنِسَ. . . ومن قولِهم: مَثلُ الدَّواء مَثلُ عَدَوٍّ إلى جانبِه صديق، ترمي العدوَّ فلا تأمنُ أن تصيبَ الصَّديقَ. . وقالوا لا تُستعمل الأدويةُ فيما تَنفعُ فيهِ الأغْذية. وفي الحديث الشريف: (تداوَوْا فإنَّ اللهَ ما أنْزلَ داءاً إلا أنْزلَ له دواءً، إلا الهرم). . . وقالوا: حقُّ الطبيب أن يَتأنَّى في المداواةِ فَعَثْرتُه لا تُقال. . . . وقالوا المُتأنِّي في علاجِ الدّاء بعد معرفة الدواء كالمُتأنِّي في إطفاء النارِ وقد أخَذَتْ بِحواشي ثيابِه.

стр. 378

شهوة المريض إلى الطعام قال أبُقراط: المريضُ الذي يَشتهي أرْجى عِندي مِنَ الصَّحيحِ الذي لا يَشْتهي. . . وقال المتنبي: ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ ... يَجِدْ مُرّاً بهِ الماَء الزُّلالا وقيل للخليل بن أحمد في عِلّته: أتَشْتهي شيئاً؟ قال: لا! وبِوُدِّي أنْ أشْتَهي. وقيل ذلك لآخر فقال: أشتهي أن لا أموتَ. شكوى العلة وكان مِنْهم من لا يَرى بأساً في شكوى عِلّته، ومنهم من ينكر ذلك فمِمَّنْ شكا عِلَّته أبو نواس إذْ يقول: دَبَّ فيَّ السَّقامُ سُفلاً وعُلْواً ... وأراني أموتُ عُِضْواً فَعُِضْوا لَيْسَ يَمْضي مِنْ ساعةٍ بيَ إلا ... نقَّصَتْني بِمَرِّها بي جُزْوا لَهْفَ نَفْسي عَلى لَيالٍ وأيّا ... مٍ تَمَتَّعْتُهنَّ لِعْباً ولَهْوا وقالوا: ولا بُدَّ مِنْ شَكوى إذا لمْ يَكُنْ صَبْرُ ولمّا مَرِضَ بعضُ الصالحين وعاده الناسُ قالوا له: كيف تَجِدُك؟ قال: بِشَرٍّ، قالوا: هذا كلامُ مِثْلك! قال: أجَلْ، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ فالخيرُ الصِّحّة، والشّرُّ المرض. وقالوا: الشكوى تُخفِّفُ الهَمّ وتُزيلُ الألم. . . ولما وجَّه المتوكلُ في السَّنةِ التي قُتل فيها أنْ يُحْملَ إليه الجاحظُ من البصرة قال لمن أراد حَمْلَه: وما يصنع أمير المؤمنين بامْرئٍ ليس بطائلٍ، ذي شِقٍّ مائلٍ، ولُعاب سائلٍ، وفَرْجٍ بائِلٍ، وعَقْلٍ حائلٍ! حائل: متغيّر

стр. 379

وحدّثَ المبرِّد قال: دخلت على الجاحظِ في آخر أيّامه فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نِصْفُه مَفلوج لو حُزَّ بالمناشيرِ ما شَعَرَ به، ونِصْفُه الآخرُ مُنَقْرَس لو طار الذُّبابُ بِقُرْبِه لآلمَه، وأشدُّ من ذلك سِتٌّ وتِسعون سنةً أنا فيها، ثم أنشدنا: أتَرْجو أنْ تكونَ وأنْتَ شيخٌ ... كما قدْ كُنْتَ أيَّامَ الشبابِ لقدْ كَذَبَتْكَ نَفْسُك، ليْسَ ثوبٌ ... دَريسٌ كَالجديدِ مِنَ الثيابِ دريس: بالٍ وقيل لآخر ما تشكو؟ فقال: تمامُ العِدِّة وانْقضاءُ المُدّة. . . وقال بعضهم لمن يشكو: أتشكو مَنْ يَرْحمُك إلى مَنْ لا يَرْحَمُك! وقيل لسعيدِ بنِ عمرِو بنِ سعيدِ بنِ العاص وهْوَ مريض: إنّ المريضَ يتفرَّجُ إلى الأنينِ وإلى أن يصفَ ما بهِ إلى الطبيب، فقال: أمّا الأنينُ فوَ اللهِ إنّه لجزع ولا يَسْمعُ اللهُ مِنّي أنيناً فأكونَ عِنده جزوعاً، وأمّا الطبيبُ فَوَ اللهِ لا يَحْكمُ غيرُ اللهِ في نفسي، فإنْ شاءَ قبَضَها إليه وإنْ شاءَ منَّ بها عليَّ. . . . . فضل الصحة والعافية قالوا: شيئان لا يعرف فضلَهما إلا من فَقدَهما: الشّبابُ والعافية. وقالوا: لا يعرف طعمَ العافية إلا من نالَتْهُ يدُ العِلّة، ولا طعمَ الرخاءِ إلا مَنْ مَسَّته يدُ البلاء.

стр. 380

نفع المرض اعتلَّ الفضلُ بن سهلٍ بخراسانَ، ثم بَرَأ، فجلسَ للناس فهنّؤوه بالعافية وتصرَّفوا في فنون الكلام، فلمّا فرغوا أقبلَ على الناسِ فقال: إنَّ في العللِ نعماً ينبغي للعاقلِ أن يعرفَها: تمحيصُ الذنبِ، والتعرُّضُ للثوابِ، والإيقاظُ من الغَفْلةِ، والإذْكارُ بالنِّعْمةِ في حال الصِّحةِ، والاسْتدعاءُ للتوبةِ، والحَضُّ على الصدقةِ، وفي قضاء الله وقدره الخيار. . . . . واعتلَّ بَعْضهم فقال: اللَّهمَّ اجْعلْه أدَباً لا غَضَباً. . . وفي الحديث الشريف: (إنَّ المريضَ تَتحاتُّ عنهُ خطاياه كما يَتَحاتُّ ورقُ الشجرِ). . . . وذُكرَتْ الأدواءُ عندَ أبي الدَّرْداءِ فقال رجلٌ: ما اشْتَكَيْتُ قطُّ، فقال: لا جرم أنَّ ذنوبَك لم تُحَطَّ عَنْكَ. . . وصفُ العِلَّةِ بأنّها تنال الأماثِلَ قال أبو تمام من أبياتٍ في مرض إلياسَ بنِ أسدٍ: فإنْ يكنْ وَصَبٌ عايَنْتَ سورتَه ... فالوِرْدُ حِلْفٌ لليثِ الغابةِ الأضِمِ إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ ... عَيْدانَ نَجْدٍ ولا يَعْبَأنَ بالرَّتَمِ بناتُ نَعْشٍ ونَعْشٌ لا كُسوفَ لَها ... والشَّمْسُ والبَدْرُ مِنها الدَّهرَ في الرَّقَمِ قدْ يُنْعِمُ اللهُ بالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ ... ويَبْتلي اللهُ بعضَ القومِ بالنِّعَمِ الوصب هنا: المَرض، وسورته: شِدّته: والوِرد: الحِمَّى، والأضِم: الغضبان: وعَيْدان (بالفتح) جَمْع عَيدانة وهي: النّخلةُ الطويلة والشجرة

стр. 381

الصُّلْبة القديمة. والرَّتَم: نباتٌ من أدقِّ الشجر، وبناتُ نعشٍ كبرى وهي سبعة كواكب أرْبعةٌ مِنها نعشٌ وثلاثُ بنات؛ وصُغرى: وهْيَ مثلها، ومِنها أي من دونها، والرَّقَم: السَّواد، ويعني به الخفاءَ للكسوف والخسوف وقال البحتري: وما الكلْبُ مَحْموماً وإنْ طالَ عُمْرُه ... ألا إنَّما الحُمَّى على الأسَدِ الوَرْدِ قيل للأسد وَرْدٌ لأنّ لونَه أحمرُ يضربُ إلى صُفرة، وفي الحديث الشريف: (مثلُ المؤمنِ مثلُ الخامَةِ من الزَّرع تُفَيِّئها الرّيحُ مرّةً وتَعْدِلُها مَرة، ومثلُ الكافرِ مثلُ الأرْزةِ لا تزالُ حتّى يكونَ انْجِعافُها مرةً واحدة). الخامة: الزَّرْعُ أول ما ينبت على ساقٍ واحدة، وقيل: السنبلة، وقيل: الطاقة الغَضَّةُ من الزرع، وقيل: الشجرة الغَضَّة الطرية. وتُفيِّئها: تحرّكها وتُميلُها يميناً وشِمالاً، والأرْزة: واحدة الأرْزِ: شجر معتدلٌ صُلْبٌ لا يُحرِّكه هبوبُ الريح يقال له الأرْزة معروفٌ بِلبْنان، وقيل: شجر الصَّنوبر والجمعُ أرْز، وانْجعافها: انْقلاعها. ومعنى الحديث: أنّ المؤمن ينبغي له أن يتلقى المكارة صابراً راجياً الخير من ورائها، وأن يعد نفسه كأوائلِ الزرع تُميله الرياح يَمنةً ويَسرةً، فهو في الدنيا هدفٌ تَنْتضِلُ فيه الرَّزايا، فليس له إلا أن يعتصمَ بالصبر والرضا، وأن يعلم علماً ليس بالظن أن كلَّ ما يُرْزَؤُه من فُقدان مالٍ وولدٍ وما إليهما، وما يصيبه من مرضٍ ووصبٍ، إنما هو مكفِّرٌ لسيئاته رافعٌ لدرجاته؛ أما الكافرُ، أما العِفْرية النِّفْرية، فإنَّ كلَّ همِّه أنْ يستمتعَ بشَهَواتِ الدُّنيا ولذَّاتِها، فإذا رُزِئَ في مالِه وولدِه ونَفْسِه تَسخَّطَ ولمْ يَذْخَرْ لنفسه ما ينفعُه في آجله ومِنْ ثَمَّ يموتُ إذْ يموتُ كما تَنْعَجِفُ شَجَرةُ الأرْزَة وتُجتثُّ من أصْلِها فيَلقى اللهَ بِذُنوبه حالَّة. هذا، ولك أنْ

стр. 382

تقولَ: إَّن المَعنى بِسبيل من قولهم: المُؤمنُ مُصابٌ، ومعنى هذا أنّ المؤمن لأنه يتقي اللهَ في سائرِ أسبابه ولا يُقدم على ما حرّم الله، لا تُواتيه الدّنيا كما تواتي من لا يتّقي الله فيعيشَ مَنْ كان هذا شأنه مُرزَّأً وإنْ كان في آخرته من الفائزين. وهذا في الغالب، وإلا فهناك من المؤمنين الصادقين من كان إيمانهم مَدْرَجةً إلى أنْ يعيشوا عيشةً راضيةً يُحسدونَ عليها. وعلى أيّة حال فإنّ المرادَ بمثل هذا الحديث هو تعزية المُصابين في الدنيا من المؤمنين بأنّ الآخرة خيرٌ وأبقى. . . . عيادة المريض وجوبُ عيادة المريض ورد في الحديث الشريف: (حقّ المسلم على المسلم ثلاثٌ: عيادةُ المريض، وتشْميتُ العاطِس، وتشييع الجنازة) وفي الحديث أيضاً (من عاد مريضاً لم يزل في خُرْفةِ الجنة حتى يرجع). . . . الخُرْفة بضم الخاء وفتحها: ما يُخْتَرفُ أي يُجتنى من الثمر، أي لم يزل في بستانٍ يَجتني منه الثمرَ، شبه صلوات الله عليه ما يحوزه مَنْ يعودُ المريضَ من الثوابِ بما يحوزه المُخْترف من الثمر أدب عيادة المريض قالوا: سوءُ العيادةِ تلقيحٌ للعِلّة. . . . وقال الفضلُ بنُ الربيع: لا تقولوا: كيفَ حالُ أميرِ المؤمنين، ولا تسألوه عن حالِه فتُكَلّفوه الجوابَ، ولعله يثقُلُ عليه الكلام، ولكن اجعلوا مسألتَكم الدعاءَ له وقولوا بدلَ كيف يجد أمير المؤمنين نفسه: أنزلَ اللهَ عليه الشفاءَ والرحمةَ. . . . ودخل قوم على

стр. 383

السَّرِيِّ السَّقَطي ﵀ وهو عليلٌ فأطالوا الجلوسَ وقالوا: ادْعُ لنا، فقال: ارفعوا أيديَكم وقولوا: اللهمَّ اجعلنا ممن علَّمتهم عيادةَ المرضى. . . ودخلَ قومٌ على مريضٍ فأطالوا الجلوسَ ثم قالوا: أوْصنا، فقال أوصيكم ألَّا تُطيلوا الجلوسَ عند المريضِ إذا عُدْتُموه. . . ودخل ثقيلٌ على مريضٍ فأطال الجلوسَ ثمّ قال: ما تشتكي؟ قال: قُعودك عندي. . . شكايةُ مَنْ لا يعودُه إخوانُه قال: جَحظة البرمكيّ: مَرِضْتُ فلمْ يُكُنْ في الأرْضِ حُرٌّ ... يُشَرِّفني بِبِرٍّ أو سَلامِ وضَنّوا بالعِيادةِ وهْيَ أجْرٌ ... كأنَّ عِيادَتي بذلُ الطّعامِ الاعتذار عن ترك العيادة قال شاعر: إنْ كُنْتُ في تَرْكِ العِيادةِ تارِكاً ... حَظّي فإنّي في الدُّعاءِ لَجاهِدُ ولربَّما تركَ العِيادةَ مُشْفقٌ ... وأتى على غِلِّ الضَّميرِ الحاسِدِ من عاده ممرّضه قال العوّامُ بنُ كعب بن زهير في ليلى الغطفانية: وخُبِّرْتُ ليلى بالعِراقِ مَريضةً ... فأقْبَلْتُ من أهْلي بِمِصْرَ أعودُها

стр. 384

فوَ اللهِ ما أدْري إذا أنا عُدْتُها ... أأُبْرِئُها مِنْ دائِها أمْ أزيدُها مريض عاد صحيحاً قال العباس بن الأحنف: قالَتْ: مَرِضْتُ فعُدْتُها فتَبَرَّمَتْ ... وهْي الصَّحيحةُ والمَريضُ العائِدُ واللهِ: لوْ أنَّ القلوبَ كقَلْبِها ... ما رقَّ للوَلدِ الضَّعيفِ الوالِدُ وقال آخر: إذا مَرِضْنا أتَيْناكُمْ نَعودُكُمُ ... وتُذنِبونَ فنأتيكُمْ ونَعْتَذِرُ حثهم العائد على تنشيط المريض قال بعضُ الأطباء القُدامى: بشِّروا المريضَ بالبُرْءِ، ونشِّطوه لِشُرْبِ الدَّواء، ولا تُصعِّبوا عليه العِلّة، فَتَخافَ نَفْسُه، ويموتَ حِسُّه، وقال: أبُقراط: حَدِّثوا المريضَ بحالِ مَنْ كان في أصعبَ مِنْ عِلّته فَبَرأ، ولا تُحدّثوه عمَّن كان في مثلِ علَّتِه فمات. . . حثُّهم على تخويفه ليتجنبَ المضارَّ قالوا: خَوِّفوا المريضَ ليتجنَّبَ المضارَ، فمَنْ خَوَّفكَ لِتَلْقى الأمْنَ خيرٌ لك ممِّن أمَّنك لِتلْقى الخوفَ. . . وقالوا: مَنْ أوْجَرَكَ المُرَّ لِتَبْرأ خيرٌ ممَّنْ أوْجَرَك الحُلْوَ لِتَسْقَم تغير اللون قال الصُّوليُّ: لم يُسمع أحسنُ من قول البحتريِّ في صُفرةِ اللون: بَدَتْ صُفرةٌ في لونهِ، إنَّ حَمْدَهُمْ ... مِنَ الدُّرِّ ما اصْفَرَّتْ نَواحيهِ في العِقْدِ

стр. 385

وقال أبو تمام: لمْ تَشِنْ وجْهَهُ البَهيجَ ولكِنْ ... جَعَلتْ وَرْدَ وَجْنَتَيْهِ بَهارا البَهار: نَبْتٌ بَرّي طيّب الرائحةِ له فُقَّاحة - زهرة - صَفراءُ ينبت أيّامَ الربيع، يقال له: العَرار وعين البقر. . تهنئة مَنْ برأ من المرض قال أبو تمام: سُقْمٌ أتيحَ له بُرْءٌ فزَعْزَعَهُ ... والرُّمْحُ ينآدُ طَوْراً ثُمَّ يَعْتَدِلُ قدْ حالَ لونٌ فردَّ اللهُ نضرتَهُ ... والنَّجْمُ يخمُدُ حيناً ثمَّ يَشْتَعِلُ يقال: زَعْزَعَ الشيءَ: حرَّكه ليقلَعَه، والمراد هنا: دَفَعَه وأزاحَه، وينآد: يميل، وحال لونٌ: تغيَّر، والنُّضرة: الحسن والجمال وقال أشجعُ بنُ عمرو السُّلَميُّ: لَئِنْ جَرَحَتْ شكاتُك كُلَّ قلبٍ ... لقد قرَّتْ بِصحَّتِك العيونُ وقيل لأعرابيٍّ بَرَأ مِنْ عِلَّته: الحمدُ للهِ الذي سلَّمك، فقال: أوَ يَسلم مَنْ الموتُ في عُنِقِه؟ وقد تقدم وقال المتنبي: المَجْدُ عُوفيَ إذْ عوفيتَ والكَرمُ ... وزالَ عنكَ إلى أعْدائِك الألَمُ صَحَّتْ بِصِحَّتِك الغاراتُ وابْتَهَجَتْ ... بِها المَكارِمُ وانْهلَّتْ بِها الدِّيَمُ

стр. 386

وراجَعَ الشَّمسَ نورٌ كانَ فارقَها ... كأنّما فَقْدهُ في جِسْمها سَقَمُ قوله: وزال عنك إلى أعدائك الألم: إنما هو خبر وليس دعاءً، يريد: أنّ أعداءه تُؤلمهم عافيتُه لعوده بعد ذلك إلى غزوهم، كما أشار إلى ذلك في البيت التالي. وانهلّت: سالت، والديم جمع ديمة وهي: المطر الدائم في سكون. يقول: كانت الغاراتُ على بلاد الروم قد انقطعت فلمّا شُفي وصحَّ اتصلت الغاراتُ عليها، فكأنّ الغارات كانت عليلةً بعِلّته ثم صحّت بصحّته، وسُرَّت المكارمُ بصحّته لأنه صاحبُها، وكانت الأمطار منقطعةً فلما شُفي صادف اتصالُها شفاءَه، ويقول في البيت الثالث: إن الشمس فقدت بهجتَها في عيون أوليائِه لاغْتِمامِهم لعلّته فلمّا شُفي عاد إليها حسنُها تفدية المريض قال البُحتريُّ: بأنْفُسِنا لا بِالطَّوارِفِ والتُّلْدِ ... نَقيكَ الّذي تُخفي مِنَ الشَكْوِ أو تُبدي بِنا معشرَ العافينَ ما بِك من أذًى ... فإنْ أشْفَقوا ممّا أقولُ فَبي وحْدي الطوارف: جمع طارِفة مؤنث طارف وهو المال المُسْتَحدث وعكسُه التُلْدُ وهو المالُ القديم، والشكوُ مصدر شكا كالشكوى والشكاة، والعافي طالب المعروف، وأشْفَقوا: خافوا وقال آخر: يا ليْتَ عِلّتَه بي غيرَ أنّ له ... أجرَ العليلِ وأنِّي غيرُ مأجورِ

стр. 387

عبقريات شتى في الطب والمرض والعيادة قال جالينوس: المرضُ هرمٌ عارض، والهرمُ مرضٌ طبيعي؛ وله: مجالسةُ الثقيلِ حُمَّى الرُّوح. وقال ثابت بن قُرَّة: ليس شيء أضرّ بالشيخ من أن تكون له جارية حسناء، وطبَّاخٌ حاذق؛ لأنه يُكثر من الطعام فيَسقم، ومن الجماعِ فيَهرمُ: وقال آخر: ليس لثلاثٍ حيلةٌ: فقرٌ يخالِطه كسل، وخصومةٌ يخامِرها حسد، ومرضٌ يمازِجُه هرم. . . وقالوا: ثلاثةُ يُعْذَرون على سوء الخُلق: المريض، والمسافر، والصائم. . . وقالوا: فرط الغمِّ والسرور يقتلان، أما الغَمّ فإنه يجمِّد الدم. والسرور يُلهبه حتى تعلوَ حرارتُه على الحرارة الغريزية. . . وقال كسرى لوزيريه يوماً: أيُّ الفراش ألذّ؟ فقال أحدُهما: ألذُّ الفراش الخَزُّ مَحْشواً، وقال الآخر: ألذُّ الفراشِ الحريرُ محشوّاً - وكان بين يديه غلامٌ من الحُجّاب فقال: أيّها الملك، أتأذنُ لي في الكلام؟ فقال: نعم، قال: ألذُّ الفراش الأمْنُ، قال: صدقت، قال: فما ألذُّ الطعام؟ فقال: ما لا يهيج على طبيعة علةً، ولا يَعْقِدُ في عنق آكله مِنّةً، فقال: أحسنت، فما ألذُّ الشراب؟ فقال: ما لا يُزيلُ عقلاً عن محلّه ولا يهيج على طبيعة شيئاً من عِلل؛ قال: أحسنت، فما ألذُّ الريحان؛ قال: الولد السارُّ ريحانُ أبيه في حياته وخلفٌ له بعد وفاته؛ فرفع محله وألحقه بأكابر حشمه. . . ونالت أبا الطبيب المتنبي وهو بمصر عِلّةٌ، فكان بعض إخوانِه المصريين

стр. 388

يكثر الإلمامَ به، فلما أبلَّ قطعه، فكتب إليه: وصلتَني - أعزَّك اللهُ - مُعْتَلاً، وقطعتني مُبِلاً، فإنْ رأيتَ أن تُكدِّر الصحةَ عليَّ، وتحبِّب العلَّة إليّ، فعلتَ. . . وقال شاعر: إنَّ الجَهول تَضُرُّني أخلاقُه ... ضررَ السُّعالِ لمَنْ بهِ اسْتِسقاءُ وقال البُسْتي: أنا كالورْدِ فيهِ راحةُ قَوْمٍ ... ثمّ فيهِ لآخَرينَ زُكامُ

стр. 389

وقال المتنبي: لعلَّ عَتْبَكَ مَحْمودٌ عواقِبُه ... ورُبَّما صَحَّتِ الأجْسامُ بالعِلَلِ وقال: أعيذُها نَظراتٍ مِنْكَ صادِقةً ... أنْ تَحْسِبَ الشَّحْمَ فيمَنْ شَحْمُه وَرَمُ وقيل لبعض الأطباء وقد نهكتْه العلّة: ألا تتعالج؟ فقال: إذا كان الدّاءُ من السماء، بَطل الدواء، وإذا قدَّر الربُّ بَطلَ حذرُ المَرْبوب، ونِعمَ الدواءُ الأملُ، وبئس الداءُ الأجلُ. ومن أدْعيتهم: أغناك الله عن الطِّبِّ والأطباء، بالسَّلامة والشفاء، وجعل علَّتك تَمْحيصاً لا تنغيصاً، وتذكيراً لا تنكيراً، وأدَباً لا غضباً.

стр. 390

الباب الرابع في كتمانِ السرِّ وإفشائه وعبقرياتهم في ذلك وفيما يجري هذا المجرى من الشورى والاستبداد بالرأي والنصح والأناة والعجلة وهذا كتمانُ السِّرِّ هو الآخرُ لونٌ من ألوان الصبر الذي أسلفنا القولَ عليه في الباب الثالث، وهو معنى من المعاني الخُلقيَّة التي عُني بالقولِ عليها والحثّ على الاستمساك بعروتها سائرُ عقلاء الناس في كل جيل ممن حنَّكَتْهم التجاريبُ، ذاهبين إلى أنَّ إفشاء السرّ - كان ما كان لونه - آيةٌ من آياتِ الضّعفِ ودليلٌ على أن في عقل صاحبه عُهْدةً تُغْتَمز فيه، وأنّه ناشئٌ من قلة الصبر وضيقِ الصدر، وأنّه من خلائِق ضَعَفَةِ الرجال والنساء والصبيان. ومن السرِّ ما يُعدُّ كتمانُه من الحزم والاحتياط. وهذا أخصُّ ما يكون بالملوك والساسة ومَنْ إليهم، وهذا اللونُ من السر قد يؤدي إفشاؤُه إلى سفك الدماء وضياعِ الممالك والدول والدمار وخرابِ الديار. . . ومن السر ما يحدث من الإنسان ممّا تُستقبح إشاعتُه ويشنُعُ سماعُه. وإلى هذا اللون يشير سيدُنا رسول الله بقوله صلوات الله عليه: (مَنْ أتى مِنكمْ من هذهِ القاذورات بشيءٍ فليستتر بستر الله). . . وبعد فإياك إيّاك يا أخي أن يخدعَك عَنْ سرِّك مثلُ قول القائل: وأكتمُ السرّ فيه ضَرْبَةُ العُنُق
следующие страницы →