← Адаб

Адаб · id 36072

الذخائر والعبقريات

البرقوقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وراجَعَ الشَّمسَ نورٌ كانَ فارقَها ... كأنّما فَقْدهُ في جِسْمها سَقَمُ قوله: وزال عنك إلى أعدائك الألم: إنما هو خبر وليس دعاءً، يريد: أنّ أعداءه تُؤلمهم عافيتُه لعوده بعد ذلك إلى غزوهم، كما أشار إلى ذلك في البيت التالي. وانهلّت: سالت، والديم جمع ديمة وهي: المطر الدائم في سكون. يقول: كانت الغاراتُ على بلاد الروم قد انقطعت فلمّا شُفي وصحَّ اتصلت الغاراتُ عليها، فكأنّ الغارات كانت عليلةً بعِلّته ثم صحّت بصحّته، وسُرَّت المكارمُ بصحّته لأنه صاحبُها، وكانت الأمطار منقطعةً فلما شُفي صادف اتصالُها شفاءَه، ويقول في البيت الثالث: إن الشمس فقدت بهجتَها في عيون أوليائِه لاغْتِمامِهم لعلّته فلمّا شُفي عاد إليها حسنُها تفدية المريض قال البُحتريُّ: بأنْفُسِنا لا بِالطَّوارِفِ والتُّلْدِ ... نَقيكَ الّذي تُخفي مِنَ الشَكْوِ أو تُبدي بِنا معشرَ العافينَ ما بِك من أذًى ... فإنْ أشْفَقوا ممّا أقولُ فَبي وحْدي الطوارف: جمع طارِفة مؤنث طارف وهو المال المُسْتَحدث وعكسُه التُلْدُ وهو المالُ القديم، والشكوُ مصدر شكا كالشكوى والشكاة، والعافي طالب المعروف، وأشْفَقوا: خافوا وقال آخر: يا ليْتَ عِلّتَه بي غيرَ أنّ له ... أجرَ العليلِ وأنِّي غيرُ مأجورِ

стр. 387

عبقريات شتى في الطب والمرض والعيادة قال جالينوس: المرضُ هرمٌ عارض، والهرمُ مرضٌ طبيعي؛ وله: مجالسةُ الثقيلِ حُمَّى الرُّوح. وقال ثابت بن قُرَّة: ليس شيء أضرّ بالشيخ من أن تكون له جارية حسناء، وطبَّاخٌ حاذق؛ لأنه يُكثر من الطعام فيَسقم، ومن الجماعِ فيَهرمُ: وقال آخر: ليس لثلاثٍ حيلةٌ: فقرٌ يخالِطه كسل، وخصومةٌ يخامِرها حسد، ومرضٌ يمازِجُه هرم. . . وقالوا: ثلاثةُ يُعْذَرون على سوء الخُلق: المريض، والمسافر، والصائم. . . وقالوا: فرط الغمِّ والسرور يقتلان، أما الغَمّ فإنه يجمِّد الدم. والسرور يُلهبه حتى تعلوَ حرارتُه على الحرارة الغريزية. . . وقال كسرى لوزيريه يوماً: أيُّ الفراش ألذّ؟ فقال أحدُهما: ألذُّ الفراش الخَزُّ مَحْشواً، وقال الآخر: ألذُّ الفراشِ الحريرُ محشوّاً - وكان بين يديه غلامٌ من الحُجّاب فقال: أيّها الملك، أتأذنُ لي في الكلام؟ فقال: نعم، قال: ألذُّ الفراش الأمْنُ، قال: صدقت، قال: فما ألذُّ الطعام؟ فقال: ما لا يهيج على طبيعة علةً، ولا يَعْقِدُ في عنق آكله مِنّةً، فقال: أحسنت، فما ألذُّ الشراب؟ فقال: ما لا يُزيلُ عقلاً عن محلّه ولا يهيج على طبيعة شيئاً من عِلل؛ قال: أحسنت، فما ألذُّ الريحان؛ قال: الولد السارُّ ريحانُ أبيه في حياته وخلفٌ له بعد وفاته؛ فرفع محله وألحقه بأكابر حشمه. . . ونالت أبا الطبيب المتنبي وهو بمصر عِلّةٌ، فكان بعض إخوانِه المصريين

стр. 388

يكثر الإلمامَ به، فلما أبلَّ قطعه، فكتب إليه: وصلتَني - أعزَّك اللهُ - مُعْتَلاً، وقطعتني مُبِلاً، فإنْ رأيتَ أن تُكدِّر الصحةَ عليَّ، وتحبِّب العلَّة إليّ، فعلتَ. . . وقال شاعر: إنَّ الجَهول تَضُرُّني أخلاقُه ... ضررَ السُّعالِ لمَنْ بهِ اسْتِسقاءُ وقال البُسْتي: أنا كالورْدِ فيهِ راحةُ قَوْمٍ ... ثمّ فيهِ لآخَرينَ زُكامُ

стр. 389

وقال المتنبي: لعلَّ عَتْبَكَ مَحْمودٌ عواقِبُه ... ورُبَّما صَحَّتِ الأجْسامُ بالعِلَلِ وقال: أعيذُها نَظراتٍ مِنْكَ صادِقةً ... أنْ تَحْسِبَ الشَّحْمَ فيمَنْ شَحْمُه وَرَمُ وقيل لبعض الأطباء وقد نهكتْه العلّة: ألا تتعالج؟ فقال: إذا كان الدّاءُ من السماء، بَطل الدواء، وإذا قدَّر الربُّ بَطلَ حذرُ المَرْبوب، ونِعمَ الدواءُ الأملُ، وبئس الداءُ الأجلُ. ومن أدْعيتهم: أغناك الله عن الطِّبِّ والأطباء، بالسَّلامة والشفاء، وجعل علَّتك تَمْحيصاً لا تنغيصاً، وتذكيراً لا تنكيراً، وأدَباً لا غضباً.

стр. 390

الباب الرابع في كتمانِ السرِّ وإفشائه وعبقرياتهم في ذلك وفيما يجري هذا المجرى من الشورى والاستبداد بالرأي والنصح والأناة والعجلة وهذا كتمانُ السِّرِّ هو الآخرُ لونٌ من ألوان الصبر الذي أسلفنا القولَ عليه في الباب الثالث، وهو معنى من المعاني الخُلقيَّة التي عُني بالقولِ عليها والحثّ على الاستمساك بعروتها سائرُ عقلاء الناس في كل جيل ممن حنَّكَتْهم التجاريبُ، ذاهبين إلى أنَّ إفشاء السرّ - كان ما كان لونه - آيةٌ من آياتِ الضّعفِ ودليلٌ على أن في عقل صاحبه عُهْدةً تُغْتَمز فيه، وأنّه ناشئٌ من قلة الصبر وضيقِ الصدر، وأنّه من خلائِق ضَعَفَةِ الرجال والنساء والصبيان. ومن السرِّ ما يُعدُّ كتمانُه من الحزم والاحتياط. وهذا أخصُّ ما يكون بالملوك والساسة ومَنْ إليهم، وهذا اللونُ من السر قد يؤدي إفشاؤُه إلى سفك الدماء وضياعِ الممالك والدول والدمار وخرابِ الديار. . . ومن السر ما يحدث من الإنسان ممّا تُستقبح إشاعتُه ويشنُعُ سماعُه. وإلى هذا اللون يشير سيدُنا رسول الله بقوله صلوات الله عليه: (مَنْ أتى مِنكمْ من هذهِ القاذورات بشيءٍ فليستتر بستر الله). . . وبعد فإياك إيّاك يا أخي أن يخدعَك عَنْ سرِّك مثلُ قول القائل: وأكتمُ السرّ فيه ضَرْبَةُ العُنُق

стр. 391

وقول الآخر: ويكاتِمُ الأسْرارَ حتّى إنّه ... ليَصونُها عنْ أنْ تَمُرُّ بِبالِه فذلك قول من يَسْتَنْزِلكَ عمّا في نفسِك حتى إذا استقْصى ما عندك لم يَرْعَ فيه حقَّك، وقد قالوا: إنَّ الصبرَ على القَبْضِ على الجَمْرِ أيسرُ من الصبرِ على كتمانِ السرّ. . . حفظ اللسان من قديم ما قيل في حفظِ اللسان قولُ امرئ القيس: إذا المَرْءُ لمْ يَخْزُنْ عليهِ لسانَه ... فليسَ على شَيْءٍ سِواه بِخَزّانِ لم يحزن عليه لسانه: لم يُحرِزْ لسانَه فيجعلَه في خِزانةِ قلبه، قال صاحب اللسان: وخزانة الإنسان قلبُه، وخازنُه: لسانُه، وقال لقمان الحكيم لابنه: إذا كان خازِنُك حفيظاً وخِزانتك أمينةً رَشَدْتَ في أمرَيْك: دُنياك وآخرتك، يعني: اللّسان والقلب وقالوا: من ضاق قلبُه اتَّسعَ لسانُه. . . . وقال أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري: لسانُ العاقلِ مِنْ وراء قلبه، فإنْ عرضَ له القولُ نظرَ فإنْ كان له أن يقولَ قال، وإنْ كانَ عليه القولُ أمْسك، ولسانُ الأحْمقِ أمامَ قلبه، فإذا عرض له القولُ قال، كان عليه أو له. . . وقالوا: مقتلُ الرجلِ بين فكَّيْه. ومن كلامهم: قِ فاكَ ما يَقْرعُ قَفاك قِ: فعل أمر من الوقاية ومنه: إنْ لمْ تملكْ فضلَ لسانِك، ملَّكت الشيطانَ فضلَ عنانِك. وفي اللسان ومكانته يقول زهيرٌ:

стр. 392

لسانُ الفتى نِصفٌ ونِصفٌ فؤادُه ... فلمْ يبقَ إلا صورةُ اللّحْمِ والدّمِ منعُ إظهارِ السِّرِّ قبل تمامه قال سيّدُنا رسول الله: (استعينوا على قضاءِ الحَوائجِ بالكِتْمان فإنَّ كلَّ ذي نعمةٍ محسودٌ). . . يقول صلوات الله عليه: إنّكم إنْ أظهرتم الناسَ على حوائِجِكم حَسدوكم فعارضوكم فيما تترامَوْنَ إلى قضائِه ووقَفوا في سبيل تحقيقِه وقالوا: مِنْ وَهْيِ الأمْرِ إعلانُه قبلَ إحْكامِه؛ وقالوا: منْ حصَّن سرَّه فله من تحصينه إياه خَلّتان: إمّا الظفرُ بما يُريد، وإما السلامةُ من العيب والضرر إن أخطأه الظفرُ. . . حثهم على حفظ السرّ قال الشاعر الجاهلي قيسُ بن الخطيم: إذا ما جاوزَ الإثنَيْنِ سِرٌّ فإنّه ... بِنَثِّ وإفْشاءِ الحَديثِ قمينُ وإنْ ضَيَّعَ الإخوانُ سِرّاً فإنّني ... كَتومٌ لأسْرارِ العَشيرِ أمينُ يكونُ لهُ عِندي إذا ما ضَمَمْتُه ... مَقَرٌّ بِسَوْداءِ الفؤادِ كنينُ رَوَوْا: أنّ ابنَ المُقفع لما سمع هذا البيت قال: أراد بالاثنينِ الشفتينِ كأنّه يقول: لا تُفْشِ سِرَّك إلى أحد. . . وهذا لَعَمْري بديعٌ من ابن المقفع

стр. 393

وكان علي بن أبي طالب ﵁ كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين: فلا تُفْشِ سِرَّكَ إلا إلَيْك ... فإنَّ لكلِّ نَصيحٍ نَصيحا وإنّي رأيْتُ غُواةَ الرِّجا ... لِ لا يترُكونَ أديماً صحيحا وقال الصّلَتانُ العبْدِيُّ من أبياتٍ أوردها أبو تمّام في حماسته: أشابَ الصغيرَ وأفنى الكبي ... رَ كَرُّ الغَداةِ ومَرُّ العَشِيْ إذا ليلةٌ هرّمَتْ يومَها ... أتى بعدَ ذلك يومٌ فَتِيْ نَروحُ ونَغْدو لحاجاتِنا ... وحاجةُ مَنْ عاشَ لا تَنْقَضيْ تموتُ مَعَ المَرْءِ حاجاتُه ... وتَبْقى له حاجةٌ ما بَقيْ بُنَيَّ بَدا خَِبُّ نجوى الرجال ... فكُن عندَ سِرِّكَ خَِبَّ النّجِيْ وسِرُّكَ ما كان عندَ امْرِئٍ ... وسرُّ الثلاثةِ غيرُ الخفيْ كما الصَّمْتُ أدْنى لِبَعْضِ الرَّشادِ ... فَبَعْضُ التَّكلُّمِ أدْنى لِغَيْ ومن قولهم: سرُّك مِنْ دمِك يعنون: أنّه ربَّما كان في إفشاء السرِّ سفكُ الدَّمِ وقال آخرُ لأخٍ لهُ وحدَّثَه بحديث: اجْعل هذا في وعاءٍ غيرِ سَرِبٍ السّرِبُ: السائل من يُكْره اطِّلاعُه على السر قيل: لا تُطلِعوا النساءَ على سِرِّكم تَصْلُحْ أمورُكمْ، وقالوا: ما كَتَمْتَه عَدوَّكَ فلا تُطِلِعْ عليهِ صديقَك

стр. 394

المُفْتَخِر بحفظ السر قال المتنبي: وِللسِّرِّ مِنّي مَوْضِعٌ لا يَنالُه ... نَديمٌ ولا يُفْضي إليهِ شَرابُ وقال مِسكين الدّارِميُّ: وفِتيانِ صِدْقٍ لَسْتُ مُطْلِعَ بَعْضِهِمْ ... على سِرِّ بَعْضٍ غيرَ أنّي جِماعُها لِكلِّ امْرئٍ شِعْبٌ مِنَ القلْبِ فارِغٌ ... ومَوْضِعُ نَجْوى لا يُرامُ اطّلاعِهُا يَظَلّونَ شتّىً في البِلادِ وسِرُّهُمْ ... إلى صَخْرةٍ أعيا الرِّجالَ انْصِداعُها الممدوح بحفظ السر قال الأحوصُ - شاعر إسلامي ترجم له صاحب الأغاني في الجزء الرابع -: كريمٌ يُميتُ السِّرَّ حتّى كأنّه ... عَمٍ بِنواحي أمْرِه وهْوَ خابِرُ وقال قيس بن الخطيم:

стр. 395

كَتومٌ لأسْرارِ الخَليلِ أمينُها ... يَرى أنَّ بَثَّ السِّرِّ قاصِمةُ الظَّهْرِ وقال كُشاجِم: ويُكاتِمُ الأسْرارَ حتّى إنّه ... لَيَصونُها عنْ أنْ تمُرَّ بِبالِِهِ وقد تقدّم آنفاً ودخل ابنُ أبي مِحْجَن الثَّقفيّ على معاويةَ، فقال له معاويةُ: أبوك الذي يقول: إذا مِتُّ فادْفِنّي إلى أصْلِ كَرْمةٍ ... تُروّي عِظامي بَعْدَ مَوْتي عُروقُها ولا تَدْفِنَنّي في الفَلاةِ فإنّني ... أخافُ وراَء المَوْتِ أنْ لا أذوقُها فقال ابنُ أبي مِحجِن: لوْ شِئْتَ ذكرتُ أحسنَ مِنْ هذا في شعره! فقال معاويةُ: وما ذاك؟ قال: قولُه:

стр. 396

لا تَسْألي القومَ ما مالي وما حَسَبي ... وسائِلي القومَ ما حَزْمي وما خُلُقي ألقَوْمُ أعْلَمُ أنّي مِنْ سَراتِهُِمُ ... إذا تَطيشُ يدُ الرِّعْديدةِ الفَرِقِ أعْطي السِّنانَ غداةَ الرَّوعِ حِصَّتَه ... وعامِلَ الرُّمْحِ أرْويهِ مِنَ العَلَقِِ قدْ أَطْعَنُ الطَّعْنةَ النَّجْلاَء عَنْ عُرُضٍ ... وأكْتُمُ السِّرَّ فيهِ ضَرْبَةُ العُنُقِ فقال معاويةُ: لَئِنْ كنّا أسأنا القولَ لَنُحْسِننَّ الفعلَ، وأجْزلَ صِلتَه. . صعوبة حفظ السرّ قالوا: أصبرُ الناسِ من صبرَ على كِتمانِ سِرِّه فلمْ يُبْدِه لصديقٍ فيوشكَ أن يصيرَ عدوَّاً فيُذيعَه وقالوا: الصبرُ على لهبِ النارِ أهْونُ من الصبرِ على كتمانِ السِّرِّ. . . من لا يحفظ سِرَّه ويَسْتَحْفظُه غيرَه قال الشاعر: فلا تُودِعنَّ الدَّهرَ سِرَّكَ أحْمقاً ... فإنّك إنْ أوْدَعْتَه مِنْه أحْمقُ إذا ضاقَ صَدْرُ المَرْءِ عَنْ كَتْمِ سِرِّه ... فَصَدْرُ الذي يُسْتودَعُ السِّرَّ أضْيقُ وقالَ بشار: تَبوحُ بِسرِّكَ ضيقاً بهِ ... وتَحْسَبُ كلَّ أخٍ يَكْتُمُ وكِتْمانُكَ السِّرَّ مِمّنْ تَخافُ ... ومَنْ لا تَخافَنَّه أحْزَمُ إذا ذاعَ سِرُّكَ مِنْ مُخْبَرٍ ... فأنْتَ مَتى لُمْتَهُ ألْومُ ذمُّ مَنْ يُفشي السرَّ يقولون: فلانٌ أضْيعُ للأسْرارِ مِنَ الغِرْبالِ للماء، وقال الحطيئة:

стр. 397

أغِرْبالاً إذا اسْتُودِعْتَ سِرّاً ... وكانوناً على المُتَحَدِّثينا الكانون: الثقيلُ من الناس، وقيل: الكانون: الذي يجلس حتى يتحصَّى الأخْبارَ والأحاديثَ لينقلَها، قال أبو دَهْبَل: وقدْ قطعَ الواشونَ بيني وبينَها ... ونحنُ إلى أنْ يُوصلَ الحبلُ أحْوجُ فليتَ كَوانينا مِنَ اهْلي وأهْلها ... بِأجْمَعِهمْ في لُجَّةِ البَحْرِ لجَّجوا وقالوا: فلانٌ أنمُّ منَ النسيمِ على الرِّياضِ. وقال ابنُ الروميِّ: كأنَّ سِرِّيَ في أحْشائِه لَهَبٌ ... فما تُطيقُُ له طيّاً حواشيها الأحوال التي يفشو فيها السرّ قالوا إذا أردْتَ أنْ تُنزلَ الرَّجلَ عن سِرِّه فتوصَّلْ إليه في حال سُكْره فالسُّكْرُ يُظْهِرُ سِرَّه المَكنونا المُساررة في المحافل قال سيدنا رسول الله: (إذا كنتم ثلاثةً فلا يَتناجى اثنانِ دون الثالث) وكان مالك بن مِسْمَع إذا سارَّه إنسانٌ يقول: أظْهِرْه فلو كانَ خَيْراً لم يكن مَكتوماً، وهذا من قول زهير بن أبي سُلمى: والسِّتْرُ دونَ الفاحِشاتِ ولا ... يَلْقاكَ دونَ الخَيْرِ مِنْ سِتْرِ يقول: إنَّ بين الممدوحِ وبين الفاحشاتِ سِتراً من الحياء والتُّقى، ولا سِتْرَ بينَه وبينَ الخَيرِ يحْجُبه عنه وقال الخُبْزَأرْزي: إذا أنْتَ سارَرْتَ في مَجْلسٍ ... فإنّك في أهْلِه مُتَّهَمْ فَهذا يقولُ: قدِ اغْتابَني ... وذا يَسْتَريبُ وذا يَتَّهمْ

стр. 398

المتبجِّح بإظهار أسرار أصدقائه قالَ أعْرابيٌّ: ولا أكْتُمُ الأسْرارَ لكنْ أنُمُّها ... ولا أدَعُ الأسْرارَ تَغلي على قلْبي وإنَّ قليلَ العَقلِ مَنْ باتَ لَيْلَه ... تُقلِّبُه الأسْرارُ جَنْباً إلى جَنْبِ وقال آخرُ: ولا تودِعُ الأسْرارَ قلبي فإنّما ... تَصُبَّنَّ ماءً في إناءٍ مُثلَّمِ وقال رجلٌ لصديقٍ له: أريدُ أنْ أفشيَ إليك سِرّاً تَحْفَظُه، فقال: كلا لستُ أشْغَلُ قلبي بِنَجْواكَ، ولا أجْعلُ صَدْري خِزانَةَ شَكْواك، فيُقْلِقَني ما أقْلَقَك، ويُؤَرِّقَني ما أرَّقَك، فتبيتَ بإفشائِه مُسْتَريحاً ويبيتَ قلبي بِحَرِّه جَريحاً. . . ولَعَمْري ما أصدقَ هذا وأكثرَه انطباقاً على الواقعِ! وفي الحقِّ أن هذا وأمثالَه يجبُ أنْ يكونَ عِظةً لِمَنْ لا يُطيقونَ كِتْمانَ أسْرارِهِمْ الرُّخصة في إفشاء السرّ إلى الصديق قال بعض الشعراء: وأبْثَثْتُ عَمْراً بَعْضَ ما في جَوانِحي ... وجَرَّعْتُه مِنْ مُرِّ ما أتَجَرَّعُ فلا بُدَّ مِنْ شَكْوى إلى ذي حَفيظةٍ ... إذا جَعَلَتْ أسْرارُ نَفْسي تَطَلَّعُ

стр. 399

وقال أبو تمام: شَكَوْتُ وما الشَّكْوى لِمِثليَ عادةٌ ... ولكِنْ تَفيضُ الكأسُ عِنْدَ امْتِلائِها وقالوا: لا يزالُ المَرْءُ في كُرْبةٍ ووَحْشةٍ ما لَمْ يجدْ مَنْ يشكو إليه. . . وممّا يتصل بهذا أنْ يخبرَ المريضُ طَبيبَه بِكُنْه دائِه. وقال محمود الوراق: إذا كَتمَ الصديقُ أخاه سِرّاً ... فما فَضْلُ الصَّديقِ على العَدوِّ عبقريات شتى في كتمان السر قال المُهلَّب بن أبي صُفرة: أدنى أخلاقِ الشريف كتمانُ السرّ، وأعلا أخلاقِه نسيانُ ما أسِرَّ إليه. ويُروى أنّ معاوية بن أبي سفيان أسرَّ إلى ابنِ أخيه عثمانَ بنِ عنبسة بن أبي سفيان حديثاً، قال عثمان: فجِئْتُ إلى أبي فقلت: إنّ أميرَ المؤمنينَ أسرَّ إليَّ حديثاًََََََ أفأحدِّثُك به فقال: لا، إنّه من كتمَ حديثَه كانَ الخيارُ إليه ومنْ أظْهَره كانَ الخيارُ عليه، فلا تَجْعلْ نفسَك مَمْلوكاً بعدَ أنْ كُنْتَ مالِكاً، فقلت له: أوَيَدْخلُ هذا بينَ الرَّجلِ وأبيه؟ فقال: لا، ولكنّي أكْرَه أنْ تُذلِّلَ لِسانَك بإفْشاءِ السرّ! قال: فرجعت إلى معاوية فذكرْتُ ذلك له، فقال معاوية: أعْنَقك أخي من رِقِّ الخطإِ. . . . وكان معاوية يقول: أعِنْتُ على عليٍّ ﵀ بأربعٍ: كنتُ رجلاً

стр. 400

أكْتمُ سرّي، وكان رجلاً ظُهَرَةً وكنْتُ في أطْوَعِ جندٍ وأصْلحِه، وكان في أخْبثِ جندٍ وأعْصاه، وتركْتُه وأصحابَ الجملِ وقلتُ: إنْ ظَفِروا به كانوا أهْونَ عليَّ منه، وإنْ ظَفِرَ بهم اعتَدَدْتُ بِها علَيْه في دينه، وكنتُ أحبَّ إلى قُريْشٍ منه. . . وجاء رجلٌ إلى القاضي شُرَيح فكلّمه بشيءٍ وأخفاه، فلما خرجَ قال له رجلٌ: يا أبا أميّةَ، ما قال لكَ؟ قال: يا ابنَ أخي، أوَ ما رأيتَه سَتَرَه عنك! وأسرَّ رجلٌ إلى صديقٍ له حديثاً فلما استقصاه قال: أفهِمْتَ؟ قال: لا، بل نَسيتُ. . وقال عبيدُ الله بن عبد الله بن عتبةَ بن مسعود الفقيه: إذا كان لي سِرٌّ فَحَدَّثتُه العِدا ... وضاقَ به صَدْري فَلَلناسُ أعْذَرُ هُوَ السِّرُّ ما اسْتُودِعْتَه وكَتَمْتَه ... ولَيْسَ بِسرٍّ حينَ يفشو ويَظْهرُ ويقال: إذا انتهى السرُّ مِن الجَنانِ إلى عَذَبةِ اللّسانِ فالإذاعةُ مُستوليةٌ عليه. . . . وقال عمر بن عبد العزيز: القلوبُ أوعيةٌ للأسْرارِ، والشِّفاهُ أقفالها والألسنُ مفاتيحُها، فلْيَحْفظ كلُّ امْرئٍ مِفتاحَ سِرِّه. . . . وقال شاعر: صُنِ السِّرَّ عَنْ كُلِّ مُسْتَخْبِرٍ ... وحاذِرْ فما الحَزْمُ إلا الحَذَرْ أسيرُك سِرُّك إنْ صُنْتَه ... وأنْتَ أسيرٌ له إنْ ظَهَرْ وقال جَميلُ بن مَعْمَر:

стр. 401

أموتُ وألقى اللهَ يا بَثْنُ لمْ أبُحْ ... بِسِرِّك والمُسْتَخْبِرونَ كَثيرُ وقال عمر بن أبي ربيعة: ولمّا تلاقَيْنا عَرَفْتُ الّذي بِها ... كَمِثْلِ الذي بي حَذْوَكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ فقالتْ وأرْخَت جانِبَ السِّتْرِ إنّما ... مَعي فتَكلَّمْ غيرَ ذي رِقْبةٍ أهْلي فقلتُ لها ما بي لهمْ مِنْ تَرقُّبٍ ... ولكنَّ سِرِّي ليسَ يَحْمِلُه مثلي يُريد: أنه ليس يحمله أحدٌ مثلي في صيانتِه وستره، أي فلا يبديه لأحدٍ وقال شاعر: أخْفِضِ الصَّوْتَ إنْ نَطقْتَ بِلَيْلٍ ... والْتَفِتْ بالنَّهارِ قبلَ الكلامِِ وقال مسلم بن الوليد صريعُ الغواني في الكتاب يأتيك فيه السرّ: الحَزْمُ تَخْريقُه إنْ كنتَ ذا حَذرٍ ... وإنّما الحَزْمُ سوءُ الظّنِّ بالنّاسِ إذا أتاكَ وقدْ أدَّى أمانَتَه ... فاجْعلْ صيانَتَه في بَطْنِ أرْماسِ أرْماس جمع رَمْس وهو القبر، والمراد إخفاؤه وتعفيتُه حتى لا يبقى له أثر وقال المعرّي: فظُنَّ بِسائِرِ الإخْوانِ شَرّاً ... ولا تَأمَنْ على سِرٍّ فُؤادا وقبله: نلومُ على تَبلُّدِها قُلوباً ... تُكابدُ مِن مَعيشتِها جِهاداً إذا ما النَّارُ لمْ تُطعَمْ وَقوداً ... فأوْشِكْ أنْ تمُرَّ بِها رَمادا فظُنَّ. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . البيت وبعده: فلَوْ خَبَرَتْهمُ الجَوزاءُ خُبْري ... لَما طلَعَتْ مَخافَة أنْ تُكادا

стр. 402

عبقرياتهم في المشورة والاستبداد بالرأي المشورة مشتقة من: شُرْتُ الدابةَ: إذا أجْرَيْتَها لِتَعرفَ قوّتها، وهي: استنباطُ المرءِ رأيَ غيره فيما يعرض له من الأمور المُعْضلة. حتى ينبثقَ له حاقُّ الأمْر. . ونِعْمَت العُدَّة هي إذا كان المستشارُ صديقاً مَجرَّباً حازِماً ناصِحاً رابطَ الجأشِ غيرَ مُعجبٍ بنفسه ولا متلوِّنٍ في رأيِه ولا كاذبٍ في مَقاله - فإنَّ مَنْ كَذَبَ لسانُه كذبَ رأيُه - فارغَ البال حينَ استشارته: فأنْفعُ مَنْ شاوَرْتَ مَنْ كانَ ناصِحاً ... شَفيقاً فأبْصرْ بَعْدَها مَنْ تُشاوِرُ وليسَ بِشافيكَ الشَّفيقُ ورأيُه ... عَزيبٌ ولا ذو الرّأيِ والصَّدْرُ واغِرُ وأيضاً: وما كُلُّ ذي لُبٍّ بِمُؤتيكَ نُصْحَه ... وما كلُّ مُؤتٍ نُصْحَه بِلَبيبِ ولكنْ إذا ما اسْتَجْمَعا عندَ واحدٍ ... فحُقُّ له مِنْ طاعَةٍ بِنَصيبِ مدح المشورة أمرَ اللهُ نبيَّه صلواتُ الله عليه بمشاوَرةِ مَنْ هو دونه من أصحابه فقال سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ ذَهب المفسِّرون إلى أنّ اللهَ تعالى لم يأمر نبيَّه بمُشاورةِ أصْحابِه لِحاجةٍ منه إلى رأيهم ولكن ليُعلَمَ ما في المُشاورة من البركة والنّماء، وقيل: أمَرَه

стр. 403

بذلك تألُّفاً لهم وتطييباً لنُفوسِهم، وقيل: ليَسْتَنَّ بذلك المسلمون. . . وقال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ وفي الأثر: والمشاورةُ حِصنٌ مِنٌ الندامة وأمْنٌ من الملامةِ وقالوا: ما هلكَ امْرؤٌ عن مشورة وقال عمر بن الخطاب: الرأيُ الفرْدُ كالخيطِ السَّحيلِ، والرَّأيان كالخَيْطينِ المُبْرَمين، والثلاثةُ مِرارٌ لا يكاد يُنْتَقضُ. . . السحيل: الخيط غير المفتول، والمِرار: الحبل الذي أجيدَ فتلُه وقالوا: نصفُ رأيِك مع أخيك فاسْتَشِرْه. . . حثهم على مُشاورةِ الحازمِ اللبيب قال بَشار بن بردٍ: إذا بلغَ الرأيُ المَشورةَ فاسْتَعِنْ ... بِعَزْمِ نَصيحٍ أو بِتأييدِ حازِمِ ولا تَجْعلِ الشُّورى عليكَ غَضاضةً ... مَكانُ الخوافي نافِعٌ للقَوادِمِ وخَلِّ الهُوَيْنى للضَّعيفِ ولا تَكُنْ ... نَؤوماً فإنَّ الحَزْمَ ليسَ بِنائِمِ وما خَيْرُ كَفٍّ أمْسكَ الغُلُّ أخْتَها ... وما خَيْرُ سيفٍ لم يُؤَيَّدْ بقائِمِ وأدْنِ مِنَ القُرْبى المُقَرِّبَ نَفْسَه ... ولا تُشْهِدِ الشّورى امْرأً غيرَ كاتِمِ فإنّك لا تَسْتَطْرِدُ الهمَّ بالمُنى ... ولا تَبلغُ العُليا بغيرِ المَكارِمِ

стр. 404

إذا كنْتَ فَرْداً هَرَّكَ الناسُ مُقبِلاً ... وإنْ كنتَ أدْنى لم تَفُزْ بالعَزائِمِ وما قَرَعَ الأقوامَ مثلُ مُشيَّعٍ ... أريبٍ ولا جلَّى العَمى مثلُ عالِمِ قال الأصمعيّ: قلت لبشار: إني رأيت رجالَ الرأي يتعجبون من أبياتِك في المشورة؛ فقال: أما علِمْتَ أنّ المُشاورَ بين إحدى الحُسنَيَيْن: بين صوابٍ يفوز بثمرته أو خطأٍ يُشارَك في مكروهه؛ فقلتُ أنت والله أشعرُ في هذا الكلام منك في الشعر. استشارة الكبار والصغار ومن يُعْتمد على مَشورته ورويَّته كانتِ العربُ تحمدُ آراءَ الشيوخ؛ لتقدُّمها في السِّنِّ، ولِما مرَّ عليها من التجارِب التي عَرفت بها عواقبَ الأمورِ حتى كأنها تنظرُها عِياناً، وطرأ عليها من الحوادث التي أوضحت لها طريقَ الصوابِ وبيّنَتْه تِبياناً، ولِما مُنِحَتْه من أصالةِ رأيِها، واستفادتِه بجميل سعيها، قال علي بن أبي طالب ﵁: رأيُ الشيخ خيرٌ من مَشهدِ الغُلام. ومن أمثالهم زاحِمْ بعَوْدٍ أو دَعْ وقال بعضُ الحكماءِ: عليك بِمَشورة من حلَبَ أشْطُرَ دهره، ومرّت عليه

стр. 405

ضروبُ خيرِه وشرِّه، وبلغَ من العمرِ أشُدَّه، وأورت التجربةُ زندَه، واستشار زياد بن أبيه رجلاً، فقال الرجل: حقُّ المستشارِ أنْ يكونَ ذا عقلٍ وافر، واختبارٍ مُتَظاهر، ولا أُراني كذلك. وقال ابن الرُّوميِّ يمدح يحيى بن عليٍّ المنجم: ألْمَعيٌّ يَرى بأوَّلِ ظَنٍّ ... آخِرَ الأمْرِ مِنْ وَراءِ المَغيبِ لا يُرَوّي ولا يُقلِّبُ كَفّاً ... وأكُفُّ الرِّجالِ في تَقْليبِ وقال: تُراهُ عَنِ الحَرْبِ العَوانِ بِمَعْزَلٍ ... وآراؤُه فيها وإنْ غابَ شُهَّدُ كَما احْتَجَبَ المِقْدارُ والحُكمُ حُكْمُه ... على الخلْقِ طُرّاً لَيْسَ عَنْه مُعَرَّدُ وقال إبراهيم بن العباس الصُّوليّ في الفضل بن سهل: يُمْضي الأمورَ على بَديهَتِه ... وتُريهِ فِكْرتُه عَواقِبَها فيَظلُّ يُصْدرها ويُورِدها ... فيَعُمُّ حاضِرَها وغائِبَها وإذا الحُروبُ غَلَتْ بَعَثْتَ لها ... رَأياً تَفُلُّ بهِ كَتائِبَها رأياً إذا نَبَتِ السُّيوفُ مَضى ... عزمٌ بها فَشَفى مَضارِبَها وإذا الخُطوبُ تأثَّلَتْ ورَسَتْ ... هَدّتْ فواصِلُه نوائِبَها وإذا جَرتْ بِضَميرِه يدُه ... أبْدَتْ به الدُّنْيا مَناقِبَها وقبلَهما قال أوسُ بن حجر: الألْمَعَيُّ الذي يَظُنُّ بِكَ الظَّ ... نَّ كأنْ قدْ رأى وقدْ سَمِعا وقال علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) في عبد الله بن عباس؛ إنَّه لينظرُ إلى الغيبِ من سِتْرٍ رقيق

стр. 406

وقال الشاعر: بَصيرٌ بأعْقابِ الأمورِ كأنَّما ... يَرى بِصَوابِ الرَّأيِ ما هُوَ واقِعُ وقال الآخر في مثله: عَليمٌ بأعْقابِ الأمورِ بِرَأيِه ... كأنَّ له في اليَوْمِ عَيْناً على الغَدِ وقال: بَصيرٌ بأعْقابِ الأمورِ كأنَّما ... يُخاطِبُه مِنْ كُلَِّ أمْرٍ عَواقِبُهْ وأيْنَ مَقرُّ الحَزْمِ مِنْهُ وإنّما ... مَرائي الأمورِ المُشكلاتِ تَجارِبُهْ ولقَدْ بالَغوا في الحثِّ على مشاورة ذوي الرأي والتجربة حتى ولَوْ كانوا أعداءً، قال ابن المقفع في كليلة ودمنة: لا ينبغي للعاقل أن يتركَ استشارةَ عدوّه ذي الرأي فيما يُشْركه ذلك العدوُّ في نفعِه وضرِّه. . . وقالوا: اسْتَشِرْ عَدوَّك تَعْرفْ مِقدارَ عداوَتِه. . . وقد رأى قومٌ خلافَ ذلك وذهبوا إلى أنّ رأيَ الشباب هو الرأي الصائِب، وفهمُهم هو الفهم الثاقب، إذْ أنّ عقولَهم سليمةٌ من العوارض، وآراءَهم خَضِرةٌ نَضِرةٌ لم يَهْتَصِرْ غُصْنَها هرمٌ، ولا أذوى زهرَتَها قِدَمٌ ولا خَبا من ذَكائِها بطول المُدّة ضرمٌ. قالوا: إنّ رأي الشَّيخ كالزّند قد انْثلم، أمّا رأي الشاب فكالزّندِ الصحيح الذي يُورى بأيسرِ اقْتِداح وقال الشاعر: رأيتُ العقلَ لمْ يكنِ انْتِهاباً ... ولمْ يُقْسمْ على عَددِ السِّنينا ولَوْ أنّ السنينَ تقسَّمتْه ... حَوى الآباءُ أنْصِبةَ البَنينا

стр. 407

من يجب أن تجتنب استشارتَه قال قسُّ بن ساعدة الإيادي لابنه: لا تشاوِرْ مَشْغولاً وإنْ كانَ حازِماً ولا جائِعاً وإنْ كان فَهِماً، ولا مَذْعوراً وإنْ كان ناصِحاً، ولا مَهْموماً وإن كان عاقِلاً، فالهُّم يَعْقِل العقلَ فلا يتولَّد منه رأيٌ ولا تصدق به رَوِيّة. . . وقالوا: لا تُدْخل في مشورتِك بخيلاً فيقصِّرَ بِفعْلك، ولا جَباناً فيخوِّفَك، ولا حريصاً فيَعِدَك ما لا يُرجى، وإنّ البخلَ والجبنَ والحرصَ طبيعةٌ واحدةٌ يجمعها سوءُ الظَّنِّ باللهِ. . . وقالوا: لا تُشاوِرْ مَنْ لَيْسَ في بيتِه دَقيق. . . وكان كِسرى إذا أرادَ أنْ يَسْتشيرَ إنساناً بَعثَ إليه بِنفقةِ سَنَةٍ ثم يَستشيرُه. وقال عليٌّ ﵁: إيّاك ومشاورةَ النِّساء فرأيُهنَّ إلى أفْنٍ وعزمُهنَّ إلى وَهْن. . . وورد في الأثر: شاوِروهُنَّ وخالِفوهُنَّ. . . وجوب نَصيحةِ مُستشيرِك قال سيِّدُنا رسولُ اللهِ: (المستشارُ مُؤتَمنٌ). . . وقال صلواتُ اللهِ عليه: (الدَّينُ النَّصيحةُ، قالوا: لِمَنْ يا رسولَ الله؟ قال: للهِ ولِكتابِه ولِرسوله ولأئِمّة المسلمينَ وعامَّتِهم). . . قال ابنُ الأثيرِ في النِّهاية: النَّصيحةُ كلمةٌ تُعبّرُ عن جملةٍ هي: إزادةُ الخيرِ لِلمَنْصوحِ له، ولَيْسَتْ كَلِمةٌ تُعبِّرُ عَنْ هذا المَعْنى سِواها، وأصلُ النُّصحِ في اللُّغة. الخُلوص، يقال: نصحته ونَصحْتُ له. . هذا: والنصيحةُ لله: الإيمانُ بهِ

стр. 408

وطاعةُ أمْره واجْتنابُ نَهْيِه، ومُوالاةُ مَنْ أطاعَه، ومُعاداةُ مَنْ عَصاه وما إلى ذلك مِمّا تَرْجعُ عائدتُه في الحقيقة إلى العبد، فهي نصيحةٌ إلى نفسه وكسبُ خيرٍ لها؛ والنصيحةُ لكتابه: الإيمانُ بأنّه من عند الله، وتحليلُ ما حلَّله وتحريمُ ما حرَّمه، والاهْتداءُ بما فيه، إلى أمثالِ ذلك؛ والنصيحةُ للرسول: تَصديقُه والاسْتنانُ بسُنَّتِه، إلى آخره؛ والنصيحةُ لأئِمّة المسلمين - والمُراد بهم أولوا الأمْر - إعانتُهم على الحَقِّ ونُصْحُهم في رفقٍ وعدلٍ، إلى آخره، والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادُهم إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة. وقال حكيم: لا تُشيرَنَّ على عدوِّك وصديقِك إلا بالنَّصيحة، فالصديقُ تقضي بذلك حَقّه والعدوُّ يَهابُك إذا رأى صوابَ رأيك. . . وقال آخر: إذا استشارك عدوُّك فجرِّد له النصيحةَ، لأنّه بالاستشارةِ قد خرج من عداوتِك إلى مُوالاتك. . ويُروى: أنّ زيادَ بنَ أبيه كتب إلى معاويةَ: يا أمير المؤمنين، قد ضبطْتُ لك العراق بشِمالي وفرغَتْ يميني لطاعتِك، فولِّني الحجازَ، فبلغَ ذلكَ الرجلَ الصالحَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ ﵁، - وكان مُقيماً بمكة - فقال: اللهمَّ اشْغلْ عنّا يمينَ زياد، فأصابه الطاعونُ في يمينه، فجمع الأطباءَ واستشارَهم، فأشاروا عليه بقَطْعِها، فاستدعى القاضي شُرَيْحاً وعرضَ عليه ما أشار به الأطِبَّاء، فقال: لك رزقٌ معلومٌ، وأجلٌ محتومٌ، وإنّي أكره إنْ كانت لك مدّة أنْ تعيشَ في الدنيا بلا يمين، وإنْ كانَ قد دنا أجلُك أن تلقى ربَّك مقطوعَ اليدِ، فإذا سألك لِمَ قطعْتَها قلتَ: بُغْضاً في لقائِك، وفِراراً من قضائِك، فمات زيادٌ من يومِه، فلامَ الناسُ شُرَيْحاً على منعه من القطع، لبُغْضِهمْ زياداً، فقال: إنّه استشارَني والمُستشارُ مؤتمن.

стр. 409

ولولا الأمانةُ في المشورة لَوَدِدْتَ أن تُقطعَ يدُه يوماً ورجلُه يوماً وسائرُ جسدِه يَوْماً يوماً. . . . . . الحثّ على قبول النصح وإن كان مُرّاً قالوا: من أحبّك نَهاك، ومن أبْغَضَك أغْراكَ وقال بعضُ الحكماءِ: من أوْجَرَكَ المُرَّ لتَبْرأ أشفقُ عليك مِمّنْ أوْجَرَك الحلوَ لتسقمَ. يقال: أوْجَرَه الدواء: سقاه إيّاه. والوَجور: الدواء الذي يُصبُّ في الفم عتاب من لم يقبل النصح قالوا: من لم يقبل رأيَ أصحابه وإن أحْزَنوه عاد ضررُه عليه، كالمريض الذي يتركُ ما يصف لهُ الطبيبُ ويعمِدُ إلى ما يشتهيه فيهلك. وقال الله تعالى حكاية عن صالح: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ وقال العَرْجيُّ: عَرضْتُ نصيحةً منّي ليحيى ... فقال: غَشَشْتَني والنُّصحُ مُرُّ ضياع النصح لمن لا يقبله قال الشاعر: وما خيرُ نصحٍ قيلَ لا يُتَقبَّلُ

стр. 410

وقال غيره: إن كانَ حمْدي ضاع في نُصْحِكم ... فإنّ أجْري ليسَ بالضّائِعِ وقيل: أخذ رجلٌ ذئباً فجعل يَعِظه ويقول له: إيّاك وأخذَ أغنامِ الناسِ فيعاقِبَك اللهُ، والذئب يقول: خفِّف واخْتصر فقُدَّامي قطيعٌ من الغَنمِ لِئلا يفوتَني. . . معاتبة من يستنصح الناس ويستغشّ الناصح قال عبد الله بن هَمّام السَّلوليُّ: وقد يَسْتَغِشُّ المَرْءُ مَنْ لا يَغُشّه ... ويأمَنُ بالغيبِ امْرأً غيرَ ناصِحِ وقال أيضاً: ألا رُبَّ مَنْ تَغْتَشُّه لك ناصِحٌ ... ومُؤتَمَنٍ بالغيبِ غيرُ أمينِ تغتشّه: تعدُّه غاشّاً لك وقال غيره: نَصَحْتُ فلَمْ أفلِحْ وغَشّوا فأفلَحوا ... فأنْزَلني نُصحي بِشرِّ مَكانِ

стр. 411

وقال يزيد بن الحكم الثقفي من قصيدةٍ جيدة في بابها يعاتب ابن عمه عبد الرحمن بن عثمان بن العاص وأولُها: تُكاشِرُني كُرْهاً كأنَّك ناصِحٌ ... وعَيْنُكَ تُبدي أنَّ صدْرَك لي دَوي لِسانُكَ لي أرْيٌ وغيبُك عَلْقَمٌ ... وشَرُّكَ مبسوطٌ وخيرُك مُنْطوي تُصافِحُ مَنْ لاقيتَ لي ذا عَداوةٍ ... صِفاحاً وغَيِّي بينَ عَيْنَيْكَ مُنْزَوي تُفاوِضُ مَنْ أطْوي طَوى الكَشْحِ دونَه ... ومِنْ دونِ مَنْ صافَيْتُه أنْتَ مُنْطوي الناصح متهم من أمثالهم: المبالغةُ في النصيحة تهجمُ بِكَ على عَظيم الظِّنَّة. الظِّنَّة: التُّهمة وقال أكثمُ بن صيفيٍّ: إيّاكم وكثرةَ التنصُّحِ فإنّه يورِّثُ التُّهْمة التّنصُّح: كثرة النصح وقال قائلهم: وقد يستفيد الظِّنَّةَ المُتَنَصِّحُ

стр. 412

وشاور المأمون يحيى بنَ أكثم، فكانَ الرأيُ مُخالِفاً لِهوى المأمون، فقال يحيى: ما أحدٌ بالغَ في نصيحةِ المُلوك إلا اسْتَغَشّوه، قال: ولِمَ يا يحيى؟ قال: لِصَرْفِه لهمْ عمّا يُحبُّونَ إلى ما لعلَّهم يَكرهون في الوقت! والهوى إلهٌ مَعْبود! وصف غاش في نصحه من أمثالهم في الذي ينصح القومَ وهو غاشٌّ: أنْتَ شَوْلةُ الناصِحةُ قال ابن السِّكيت: كانتْ شوْلَةُ أمةً رَعْناءَ تنصحُ لمَواليها فتعودُ نصيحتُها وبالاً عليهم، لحُمْقِها. وقال معاوية يوماً لعمرِو بنِ العاص: هل غَشَشْتَني مُذ اسْتَنْصَحْتُك؟ قال: لا، فقال: ولا يومَ أشرْتَ عليَّ بمبارزةِ عليّ وأنْتَ تعلمُ مَنْ هو؟ فقال: كيفَ وقدْ دعاكَ رجلٌ عظيمُ الخَطرِ كنت من مُبارزتِه إلى إحْدى الحُسْنَيَيْن!! إنْ قتلتَه فُزْتَ بالمُلكِ وازْدَدْتَ شرفاً إلى شرفٍ، وإنْ قتلَك تَعجَّلْتَ من اللهِ تعالى ملاقاةَ الشهداءِ والصَّدِّيقين! فقال: وهذه أشدُّ من الأولى! فقال: أوَ كُنْتَ مِنْ جِهادِك في شكٍّ؟ فقال: دَعْني من هذا. . . وقال شاعر: أعاذِلَ إنَّ نُصحَكِ لي عَناءٌ ... فحَسْبُكِ قدْ سَمِعْتُ وقدْ عَصَيْتُ الاستبداد وكراهة المشورة ومن الناس من آثر الاستبدادَ برأيِه وكَرِه أنْ يستشيرَ، قال المُهلّب بن أبي صفرة: لو لمْ يكنْ في الاستبدادِ بالرأيِ إلا صونُ السِّرِّ وتوفيرُ

стр. 413

العقل لوجب التَّمسُّكُ به. . . وقال عبد الملك بن صالح: ما اسْتَشَرْتُ أحداً قطٌّ إلا تكبَّرَ عليَّ وتصاغَرْتُ له، ودخلَتْه العِزّةُ ودَخلَتْني الذِّلَّةُ، فعليكَ بالاسْتِبْدادِ، فإنَّ صاحبَه جليلٌ في العُيون، مَهيبٌ في الصُّدورِ، واعْلمْ أنّكَ مَتى اسْتَشَرْتَ تَضَعْضَعَ شأنُك، ورَجَفَتْ بكَ أركانُك؛ وما عزَّ سلطانٌ لم يُغْنِه عقلُه عن عقولِ وزرائِه، وآراءِ نُصَحائه؛ فإيّاك والمشورةَ وإنْ ضاقَتْ عليكَ المذاهبُ، واشتبَهَتْ لديكَ المَسالك. ورَوَوْا: أنّ أبا جعفرٍ المنصور كان يَستشيرُ أهلَ بيتِه حتّى مدَحَه ابْن هَرْمة بقوله: يَزُرْنَ امْرأً لا يُصْلِحُ القومُ أمْرَه ... ولا يَنْتَجي الأدْنَيْنَ فيما يُحاوِلُ فاستوى جالِساً وقال: أصبْتَ واللهِ! واستعادَه، وما اسْتَشار بعدها. وقال بعضُ جُلساءِ هارونَ الرشيد. أنا قتلتُ جعفرَ بنَ يحيى البَرْمكي وذلك أنّي رأيْتُ الرشيدَ وقدْ تَنفَّسَ تَنفُّساً مُنكراً فأنشدت في إثْر تَنَفُّسه: واسْتَبدَّتْ مَرّةً واحِدةً ... إنّما العاجِزُ مَنْ لا يَسْتَبِدْ فأصْغى إليه واسْتَعادَه، ثم قتل جعفراً. . . .

стр. 414

وكانتِ الفرسُ والرومُ مختلفينَ في الاستشارة، فقالَتْ الرُّومُ: نحنُ لا نُمَلِّكُ من يَحْتاجُ إلى أن يستشيرَ، وقالت الفرسُ: ونحنُ لا نُمَلِّكُ مَنْ يَستَغْني عَنِ المُشاورة، وقَدْ فُضِّلَ الفُرْسُ لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾. المتفادى من أن يُستشار ومن الناس من يكرَه أن يُشير: استشار عبدُ الله بنُ عليٍّ عبدَ اللهِ بنَ المقفَّع فيما كان بينه وبين أبي جعفر المنصور، فقال ابن المقفع: لَسْتُ أقودُ جيشاً، ولا أتقلَّد حَرْباً، ولا أشيرُ بِسَفْكِ دمٍ، وعثرةُ الحَرْبِ لا تُسْتَقال، وغيري أوْلى بالمَشورةِ في هذا المكان. . . واجْتَمعَ رُؤساءُ بني سعدٍ إلى أكثمَ بنِ صيفي يَسْتشيرونَه فيما دَهمَهُمْ يومَ الكُلاب، فقال: إنّ وهنَ الكِبَرِ قد فَشا في بَدني، وليسَ معي من حِدَّةِ الذِّهْنِ ما أبْتدِئُ بهِ الرأيَ، ولكن اجتمعوا وقولوا، فإنّي إذا مَرَّ بي الصوابُ عَرَفْتُه. الأناةُ والرَّويَّةُ والعَجلة مَدْحُ الأناة والروية وذمّ العجلة وكانوا يمدحون الأناةَ في الرأي وإجالةَ الفكرةِ فيه وعدم التسرع. كان عبد الله بنُ وَهْبٍ الراسيُّ يقول: إيّايَ والرأيَ الفطير! وكان يستعيذُ باللهِ من الرّأيِ الدَّبَرِيّ. الفطير: كلُّ ما أعْجِلَ عن إدْراكِه، تقول فَطَرْتُ العجينَ، وهو

стр. 415

أن تعجنَه ثُمّ تَخْتَبِزَه من ساعته. والدَّبْريّ: الذي يَسنَحُ بَعْدَ الفوتِ يقال: شرُّ الرأيِ الدَّبَرَيّ، وهو الذي يَسْنَحُ أخيراً عِنْدَ فوتِ الحاجة، أيْ أنَّ شَرَّه إذا أدبرَ الأمرُ وفات، ومن ذا قولُهم: عَرفَ الأمر تَدَبُّراً، أي بأَخَرَةٍ قال جرير: ولا تَتَّقونَ الشَّرَّ حتّى يُصيبَكم ... ولا تَعْرفونَ الأمْرَ إلا تَدبُّرا ويقال: إنّ فُلاناً لو اسْتَقبلَ مِن أمرِه ما اسْتَدْبَرَه لَهُدي لِوِجْهةِ أمْرِه، أي لو علمَ في بدء أمره ما علمه في آخره لاسْتَرْشَدَ لأمْرِه وكان عامر بنُ الظّرِبِ حكيمُ العربِ يقول: دَعوا الرأيَ يغِبْ حتّى يختمرَ، وإيّاكم والرأيَ الفطيرَ! يريدُ الأناةَ في الرأيِ والتثبُّتَ فيه. وقال الشّعبيّ - عامر ابْنُ شراحيل -: أصابَ مُتأمِّلٌ أو كاد، وأخْطأ مُسْتَعْجِلٌ أو كاد المتأمّل: المُتثبّت تقول: تأمل فلان: إذاً تثبّت ونَظَرَ في الأمر وقال شاعر: تأنَّ وشاوِرْ فإنَّ الأمو ... رَ مِنْها مُضيءٌ ومُسْتَغْمِضُ فَرَأيانِ أفضلُ مِنْ واحدٍ ... ورأيُ الثلاثةِ لا يُنْقَضُ وقال المتنبي: الرأيُ قبلَ شَجاعةِ الشُّجْعانِ ... هُوَ أوَّلٌ وهْيَ المَحَلُّ الثّاني فإذا هُما اجْتَمَعا لِنَفْسٍ مُرّةٍ ... بَلَغَتْ مِنَ العلياءِ كُلَّ مَكانِ ولَرُبَّما طَعنَ الفتى أقْرانَه ... بالرأيِ قبلَ تَطاعُنِ الأقْرانِ

стр. 416

لولا العقولُ لكانَ أدْنى ضَيْغَمٍ ... أدْنى إلى شَرَفٍ مِنَ الإنْسانِ ولمّا تَفاضَلَتِ العُقولُ ودَبَّرَتْ ... أيدي الكُماةِ عواليَ المُرَّانِ وفي الأثرِ: ما دَخَلَ الرِّفْقُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا الخُرق إلا شانَه. وقال القطامي: قد يُدْرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجتِه ... وقدْ يكونُ معَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقال: وخيرُ الأمْر ما اسْتقْبَلْتَ مِنْه ... وليسَ بأنْ تَتَبَّعَه اتِّباعا وقبله: ومعصيةُ الشَّفيقِ عليكَ ممّا ... يَزيدُك مرةً منه اسْتِماعا مدح العجلة وانتهاز الفرص وهناك من الخُطوبِ ما تُمدح فيه العجلةُ: قيل لأبي العَيْناء: لا تعجل فالعَجلةُ من الشيطان! فقال: لو كانَ ذلك كذلك لَما قال نبيُّ اللهِ موسى ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ وقال معاوية: ما من شيءٍ يَعْدِلُ التثبُّتَ! فقال الأحنفُ بنُ قيس: إلا أنْ تُبادرَ بالعمل الصالح أجَلك. . .

стр. 417

وقالوا المتأنّي في علاج الدَّاء، بَعْدَ أن عرف الدواء، كالمتأني في إطفاءِ النار وقد أخذَتْ بِحواشي ثِيابه. . . وسأل أبو عليٍّ البصيرُ بعضَ الأمراءِ حاجةً: فقال له: رُحْ إلى وقْتِ العصر فجاء وقتَ الظهر، فقال: ألمْ أعِدْك وقتَ العَصْر؟ فقال: نعم، ولكن رأيتُ الإفراطِ في الاسْتِظْهارِ أحْمدَ من الاستظهارِ في التواني. . . والاستظهار هنا معناه: الاحتياطُ والاستيثاق ومِنْ قولِهمْ في انْتهازِ الفرصِ: الهيبةُ خيبةٌ والفرصة تَمُرُّ مرَّ السّحابِ. . . وقالوا: انتهزِ الفرصةَ قبل أنْ تعودَ غصَّةً. وقالوا: الافتراض اقتناص. . عبقريات شتى في المشورة قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - شاعر ضخمٌ أدرك الدولة العباسية -: إذا كنْتَ في حاجَةٍ مُرْسِلاً ... فأرْسِلْ حَكيماً ولا تُوصِهِ وإنْ بابُ أمْرٍ عليكَ الْتَوى ... فشاوِرْ لَبيباً ولا تَعْصِهِ ولا تَنْطِقِ الدَّهْرَ في مَجلسٍ ... حَديثاً إذا أنْتَ لمْ تُحْصِهِ ونُصَّ الحديثَ إلى أهْلِه ... فإنَّ الوثيقةَ في نَصِّهِ وإنْ ناصِحٌ منك يَوْماً دَنا ... فلا تَنأ عَنْهُ ولا تُقْصِهِ وكَمْ مِنْ فَتًى شاخِصٍ عقلُه ... وقد تَعْجَبُ العينُ مِنْ شَخْصَهِ وآخَرَ تَحْسَبُه جاهِلاً ... ويأتيكَ بالأمْرِ مِنْ فُصِّهِ

стр. 418

وقال ابنُ المقفَّع: لا يُقْذَفنَّ في روعِك أنّك إذا اسْتشرْتَ الرجالَ ظهر للناسِ منكَ الحاجةُ إلى رأيِ غيرِك فتَنْقَطِعَ بذلك عن المَشورة، فإنّك لا تريدُ الرأيَ لِلْفَخْرِ ولكن للانتفاعِ به، ولو أنّك أردْتَ الذِّكْرَ لكانَ أحسنُ الذِكر عند الألِبَّاءِ أنْ يُقال: لا يَنفردُ برأيِه دون ذَوي الرأيِ من إخْوانه. . . . ولما سار سيّدُنا رسولُ اللهِ إلى قريشٍ في غَزاةِ بدرٍ نزل ﷺ أدنى ماءٍ من مياه بدر، فقال له الحباب بنُ المُنذر: يا رسول الله، أرأيْتَ هذا المنزلَ أمَنْزِلٌ أنزَلَكَه اللهُ ليس لنا أن نتقدَّمه ولا أن نتأخّرَ عنه، أمْ هو الرأيُ والحربُ والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحربُ والمكيدة؛ فقال: يا رسول الله، فإنّ هذا ليسَ لك بمَنْزل، فانْهضْ بالناس حتى نأتيَ أدنى ماءٍ من مياه القوم فنَنْزلَه، ثم نُعَوِّرَ ما سواه من القُلْبِ، ثمَّ نبني عليه حوضاً فنَملأه ماءً، ثم نقاتلَ القومَ فنشربَ ولا يشربوا، فقال رسول الله ﷺ : لقدْ أشَرْتَ بالرأيِ وفعل ما أشار به الحُباب. وفي حديث أبي هريرة: ما رأيْتُ أحداً أكثرَ مشورةً لأصحابِه من النبيّ ﷺ . . . أقول: وإنّما كان يشاورُهم - كما قال علماؤنا - فيما ليس فيه نَصٌّ، وفي أمور الدّنيا، ومَنْ ظنَّ أنه كان يشاورُهم في الأحكام فقد غَفَلَ غفلةً عظيمةً كما قال الأئمة، وكذلك إنّما كانت المشاورة قبل العزمِ والتبيُّن، فإذا عزم الرسول لم يكن لبشرٍ التَّقدُّمُ على الله ورسوله، قال العلماء: فلقد شاور النبيّ أصحابَه يوم أحُدٍ في المُقام

стр. 419

والخُروج، فرأوا له الخروجَ، وكان صلواتُ الله عليه يرى أن يقيمَ بالمدينة فيقاتلَهم فيها، فما زالوا برسولِ الله حتّى لبِس لأْمَتَه فلما لبِسها نَدِموا وقالوا: يا رسول الله أقمْ فالرأيُ رأيُك، فلم يَمِلْ إليهم بعد العزْمِ وقال: لا ينبغي لنبيٍّ يلبس لأْمَتَه أن يضعَها حتّى يحكمَ الله. . . . وكذلك كان الخلفاء الراشدون يَستشيرونَ الأمناءَ من أهل العلم في الأمور التي لم يكن فيها نَصٌّ بحكمٍ معين ليأخذوا بأيسرها، فإذا وضح الكتاب والسنّة لم يتعدَّوْه إلى غيره، فقد كان أبو بكر ﵁ إذا ورد عليه أمرٌ نظر فإن وجد في كتاب الله أو سُنّة رسوله ما يقضي به قضى وإلا دَعا رؤوس المسلمينَ وعلماءَهم واستشارهم، وكذلك كان يفعل الفاروق وسائر الخلفاء رضي اللهُ عن الجميع قالوا: وكانت الرومُ والفرسُ لا يجمعون وزراءَهم على الأمر يستشيرون فيه، وإنّما كانوا يستشيرون الواحدَ منهم من غير أن يعلم الآخرُ به؛ وذلك لمعانٍ: منها أن لا يقعَ بين المستشارينَ منافسةٌ تذهب بأصالةِ الرأيِ وصحة النظرِ، لأنّ من طباع المشتركين في الأمر التّنافسَ والتّغالبَ والطَّعن من بعضهم على بعض، وربّما أشار أحدُهم بالرأيِ الصوابِ وسبق إليه فحسَدَه الآخرون فتَعقبّوه بالإعراضِ والتأويلِ والتهجينِ وكدّروه وأفسدوه ومنها أنّ في اجتماعِهم على المشورةِ تعريضَ السّرِّ للإضاعة والإفشاءِ والإذاعةِ ولذلك قالت الفرس: إنّما يُراد الاجتماعُ والكثرة والتآصُرُ في الأمور التي يُحتاج فيها إلى القوة، أمّا الأمورُ الغامضة فإنّ الاجتماع يُفسدُها ويولِّد فيها التضاغُنَ والتنافسَ. . . وجاء في كتابٍ للهِنْد: أنّ ملكاً استشار وزراءَ له، فقال أحدهم:

стр. 420

الملكُ الحازم يزداد برأي الوزراء الحَزَمَةِ كما يزداد البحر بموادِّه من الأنهارِ وينال بالحَزْمِ والرأيِ مالا يناله بالقوة والجنود؛ وللأسْرارِ منازلُ، منها ما يدخل الرهطُ فيه، ومنها ما يُستعان فيه بقومٍ، ومنها ما يُستغنى فيه بواحدٍ وفي تحصين السرّ الظفرُ بالحاجة والسلامةُ من الخلل، والمستشير وإن كان أفضلَ رأياً من المُشير فإنّه يزدادُ برأيه رأياً كما تزداد النارُ بالسّليطِ ضَوْءاً؛ وإن كان الملك محصِّناً لسرَّه بعيداً من أنْ يُعرف ما في نفسه مُتخيّراً للوزراء مَهيباً في أنفُسِ العامة كافياً بِحُسنِ البلاء لا يخافُه البَريء ولا يأمنُه المُريب مُقدِّراً لِما يفيدُ ويُنفق، كان خليقاً لبَقاءِ مُلْكِه. ولا يصلح لسِرِّنا هذا إلا لِسانانِ وأرْبعُ آذانٍ. ثمَّ خَلا به. . . وبعدُ فإنّ دولةَ الاستبدادِ قد أديلَ مِنها في هذه الأجيالِ وشالَ أمرُها في الميزان، ورَجَحَتْ كفَّةُ الشُّورى ونَفَقَتْ سوقُها، وخَطتْ في عصرنا هذا خطواتٍ رغيبةً موفَّقةً، وعمَّتْ أكثر الأمم التي أعْرَقت في الحضارة، وظهر أنَّ مجالسَ الشورى على عِلاتها هي خَيْرُ ألوان الحكم، ومَن الذي يقول إنّ الاستبدادَ أو الحكم المطلقَ الذي لا رِقبة عليه هو أفضلُ من الشورى أياً كان لونُها! اللهم إلا رَجُلٌ أحْمقُ مأفون ليس بثاقبِ الرأي، وإذا كانت الشورى لا تَعْرى من العُيوب فأين لا أين الخير مَحْضاً والكمال صرفاً. . .

стр. 421

عبقرياتهم في الوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومما يتصل بهذا الباب عبقرياتهم في الوَعْظِ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلنورد لك صدراً من ذلك إن شاء الله نهي من لم يتعظ عن الوعظ قال رجلٌ لعليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: عِظْني وأوْجِزْ، فقال: تَوَقَّ ما تَعيب. وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس ﵁ فقال: إنِّي أريد أنْ أعِظ، فقال أوَ بلغْتَ ذلك! إن لم تخشَ أن تفْتَضِحَ بثلاثِ آياتٍ من كتابِ الله فافْعل، قال: ما هي؟ قال: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ! كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾، وقول العبد الصالح شعيب ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أأحْكَمْتَ هذه الآيات؟ قال: لا، قال: فابدأ إذَن بنفسك. وقال شاعر: يا واعِظَ النَّاسِ قد أصْبَحْتَ مُتَّهما ... إذ عِبْتَ مِنهمْ أموراً أنْتَ تَأتيها كَمَنْ كَسا الناسَ مِنْ عُرْيٍ وعورتُه ... للناسِ باديةٌ ما إنْ يُواريها حثهم على الوعظ بالفَعال دونَ المَقال قال بعضهم: ليسَ الحكيمُ الذي يُلقِّنك الحِكْمةَ تلقينا، إنّما الحكيم

стр. 422

الذي يعمل العملَ الحكيمَ فتقتدي به. وقال آخر، أخذُ المرءِ نفسَه بِحُسْنِ الأدَبِ تأديبٌ لأهْله. ومن هذا يقول محمود الوراق: رأيْتَ صلاحَ المرءِ يُصْلِحُ أهْلَه ... ويُعْديهم داَء الفَسادِ إذا فَسَدْ التلطّف واللين في الوعظ تصدّى رجُلٌ للرشيد فقال: إنِّي أريد أن أغْلِظَ عليكَ في المَقال، فهل أنْتَ مُحْتمل؟ قال: لا؛ لأن الله تعالى أرسل من هو خيرٌ منك إلى مَنْ كانَ شرّاً مني، وأمَرَه باللين، فقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وقالوا: واجِبُ مَنْ يَعِظُ أن لا يَعْنُفَ، ومَنْ يُوعظ أن لا يأنف. الحث على الاتعاظ قالوا: السعيدُ مَن وُعِظ بغيره والشَّقيُّ من وُعِظَ به غيرُه. وقالوا: مَنْ لمْ يتَّعظ بغيره وَعظ الله به غيرَه وعظ مَنْ لا يتعظ قالوا: لا ينجح الوعْظُ في القلوب القاسية، كما لا يزكو البَذر في الأرض الجاسية. وقالوا: صَقْلُك سَيفاً ليس له سِنْخٌ تَعَبٌ، وبذرُك أرضاً سَبِخةً نَصَبٌ.

стр. 423

وقالوا: مَنِ اسْتَثقل سماعَ الحق فهو للعمل به أكثرُ استثقالاً. . . حثهم على قبول وعْظِ مَنْ ليسَ بمُتَّعظ قالوا: لا يَمنعنَّكم سوءُ ما تعلمون عنّا أنْ تَعملوا بأحسنِ ما تسمعون منا. وورد في الأثر: مُروا بالمعروفِ وإن لم تَعمَلوا به، وانْهَوْا عن المنكر وإن لم تَنتهوا عنه. وقال الحسن البصري يوماً لبعض الصالحين: عِظْ أصْحابَك، فقال له: إنّي أخافُ أن أقول ما لا أفعل، فقال له: يرحمك اللهُ، وأيُّنا يقول ما يفعل! يودُّ الشيطانُ أنّه ظفر بهذه منكم فلمْ يَأمُرْ أحدٌ بمعروف ولم ينهَ عن منكر. . . النهي عن الاقتداء بذوي الزّلات قال بعض العلماء: إيّاك والاقتداءَ بزلاتِ أصحابِ النبي ﷺ فتقول: فلانٌ شرب النبيذ، وفلانٌ لعِبَ بالشّطرنْجِ فيخرجَ منكَ فاسِقٌ تامّ. . . . وقالوا: من أخَذَ بِرُخْصةِ كلِّ فَقيهٍ خرج منه فاسقٌ. . . . الحث على الأمر بالمعروف والحال التي يجوز فيها قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

стр. 424

وقال رسول الله: (مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنكَراً واسْتطاعَ أنْ يُغيِّرَه بيدِه فَلْيُغيِّرْه بيدِه، فإنْ لمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِه، فإنْ لَمْ يَسْتطعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وفي الأثر: إنّ الناسَ إذا رأوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يدِه عَمَّهم اللهُ بعِقابِه. وأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقد قال الإمام البيضاوي: قوله: عليكم أنفسَكم، أي احْفَظوها والْزَموا إصلاحَها، ولا يضرُّكم. . . الآية: أي لا يضركم الضلالُ إذا كنتم مُهتدين، قال: ومن الاهتداء أنْ ينكر المنكر حسب طاقته، وقال: نزلت هذه الآية لمَّا كان المؤمنون يتحسّرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم، وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفَّهت آباءك فنَزَلَتْ وقال الراغب الأصبهاني: سُئل رسولُ الله ﷺ فقال صلوات الله عليه: (ائْتَمروا بالمعروفِ وتَناهَوْا عن المنكر، وإذا رأيْتَ شُحّاً مُطاعاً وهوى مُتّبعاً وإعجابَ كلِّ امرئٍ برأيه فعليك بِخُوَيْصةِ نفسِك

стр. 425

ودعْ أمْرَ العَوامّ) ثمَّ قال الراغِبُ: وقال أكثرُ المتكلِّمين: لا يجوزُ تركُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر في كلِّ مَوْضِع، لكن مَنْ عَلِمَ أو ظنّ أنّ قوله يَنْفُذ وأن لا ينالَه مكروهٌ إذا أمرَ أو نهى فعليه أن يفعل ذلك، ومتى خافَ على نفسِه فعليه أن ينكرَ المُنْكرَ بقلبه دون لِسانه. . . .
следующие страницы →