← Адаб

Адаб · id 36072

الذخائر والعبقريات

البرقوقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عبقرياتهم في الوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومما يتصل بهذا الباب عبقرياتهم في الوَعْظِ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلنورد لك صدراً من ذلك إن شاء الله نهي من لم يتعظ عن الوعظ قال رجلٌ لعليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: عِظْني وأوْجِزْ، فقال: تَوَقَّ ما تَعيب. وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس ﵁ فقال: إنِّي أريد أنْ أعِظ، فقال أوَ بلغْتَ ذلك! إن لم تخشَ أن تفْتَضِحَ بثلاثِ آياتٍ من كتابِ الله فافْعل، قال: ما هي؟ قال: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ! كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾، وقول العبد الصالح شعيب ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أأحْكَمْتَ هذه الآيات؟ قال: لا، قال: فابدأ إذَن بنفسك. وقال شاعر: يا واعِظَ النَّاسِ قد أصْبَحْتَ مُتَّهما ... إذ عِبْتَ مِنهمْ أموراً أنْتَ تَأتيها كَمَنْ كَسا الناسَ مِنْ عُرْيٍ وعورتُه ... للناسِ باديةٌ ما إنْ يُواريها حثهم على الوعظ بالفَعال دونَ المَقال قال بعضهم: ليسَ الحكيمُ الذي يُلقِّنك الحِكْمةَ تلقينا، إنّما الحكيم

стр. 422

الذي يعمل العملَ الحكيمَ فتقتدي به. وقال آخر، أخذُ المرءِ نفسَه بِحُسْنِ الأدَبِ تأديبٌ لأهْله. ومن هذا يقول محمود الوراق: رأيْتَ صلاحَ المرءِ يُصْلِحُ أهْلَه ... ويُعْديهم داَء الفَسادِ إذا فَسَدْ التلطّف واللين في الوعظ تصدّى رجُلٌ للرشيد فقال: إنِّي أريد أن أغْلِظَ عليكَ في المَقال، فهل أنْتَ مُحْتمل؟ قال: لا؛ لأن الله تعالى أرسل من هو خيرٌ منك إلى مَنْ كانَ شرّاً مني، وأمَرَه باللين، فقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وقالوا: واجِبُ مَنْ يَعِظُ أن لا يَعْنُفَ، ومَنْ يُوعظ أن لا يأنف. الحث على الاتعاظ قالوا: السعيدُ مَن وُعِظ بغيره والشَّقيُّ من وُعِظَ به غيرُه. وقالوا: مَنْ لمْ يتَّعظ بغيره وَعظ الله به غيرَه وعظ مَنْ لا يتعظ قالوا: لا ينجح الوعْظُ في القلوب القاسية، كما لا يزكو البَذر في الأرض الجاسية. وقالوا: صَقْلُك سَيفاً ليس له سِنْخٌ تَعَبٌ، وبذرُك أرضاً سَبِخةً نَصَبٌ.

стр. 423

وقالوا: مَنِ اسْتَثقل سماعَ الحق فهو للعمل به أكثرُ استثقالاً. . . حثهم على قبول وعْظِ مَنْ ليسَ بمُتَّعظ قالوا: لا يَمنعنَّكم سوءُ ما تعلمون عنّا أنْ تَعملوا بأحسنِ ما تسمعون منا. وورد في الأثر: مُروا بالمعروفِ وإن لم تَعمَلوا به، وانْهَوْا عن المنكر وإن لم تَنتهوا عنه. وقال الحسن البصري يوماً لبعض الصالحين: عِظْ أصْحابَك، فقال له: إنّي أخافُ أن أقول ما لا أفعل، فقال له: يرحمك اللهُ، وأيُّنا يقول ما يفعل! يودُّ الشيطانُ أنّه ظفر بهذه منكم فلمْ يَأمُرْ أحدٌ بمعروف ولم ينهَ عن منكر. . . النهي عن الاقتداء بذوي الزّلات قال بعض العلماء: إيّاك والاقتداءَ بزلاتِ أصحابِ النبي ﷺ فتقول: فلانٌ شرب النبيذ، وفلانٌ لعِبَ بالشّطرنْجِ فيخرجَ منكَ فاسِقٌ تامّ. . . . وقالوا: من أخَذَ بِرُخْصةِ كلِّ فَقيهٍ خرج منه فاسقٌ. . . . الحث على الأمر بالمعروف والحال التي يجوز فيها قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

стр. 424

وقال رسول الله: (مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنكَراً واسْتطاعَ أنْ يُغيِّرَه بيدِه فَلْيُغيِّرْه بيدِه، فإنْ لمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِه، فإنْ لَمْ يَسْتطعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وفي الأثر: إنّ الناسَ إذا رأوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يدِه عَمَّهم اللهُ بعِقابِه. وأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقد قال الإمام البيضاوي: قوله: عليكم أنفسَكم، أي احْفَظوها والْزَموا إصلاحَها، ولا يضرُّكم. . . الآية: أي لا يضركم الضلالُ إذا كنتم مُهتدين، قال: ومن الاهتداء أنْ ينكر المنكر حسب طاقته، وقال: نزلت هذه الآية لمَّا كان المؤمنون يتحسّرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم، وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفَّهت آباءك فنَزَلَتْ وقال الراغب الأصبهاني: سُئل رسولُ الله ﷺ فقال صلوات الله عليه: (ائْتَمروا بالمعروفِ وتَناهَوْا عن المنكر، وإذا رأيْتَ شُحّاً مُطاعاً وهوى مُتّبعاً وإعجابَ كلِّ امرئٍ برأيه فعليك بِخُوَيْصةِ نفسِك

стр. 425

ودعْ أمْرَ العَوامّ) ثمَّ قال الراغِبُ: وقال أكثرُ المتكلِّمين: لا يجوزُ تركُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر في كلِّ مَوْضِع، لكن مَنْ عَلِمَ أو ظنّ أنّ قوله يَنْفُذ وأن لا ينالَه مكروهٌ إذا أمرَ أو نهى فعليه أن يفعل ذلك، ومتى خافَ على نفسِه فعليه أن ينكرَ المُنْكرَ بقلبه دون لِسانه. . . .

стр. 426

الباب الخامس في الحلم وكظم الغيظ والعفو والغضب والانتقام وما إلى هذه المعاني والحلم كذلك لونٌ من ألوان الصبر، أليس هو تجرُّعَ الغيظ أو إمساكَ النفسِ عن ثورة الغضب وهيجه وانبعاثِه؛ وهو فضيلة عُليا ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ومن كلام النبوّة: كاد الحليم أن يكون نبياً. وهو نتاج العقل والأناة، أو قل: إنّه هُما. قال يذمُّ الكفَّار متعجِّباً منهم ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا﴾ وسأل عليٌّ ﵁ كبيرَ فارسَ عن الغالب كان على كسرى أنو شروان، قال: الحلم والأناة، قال: هما تَوْأمانِ يَنتِجُهما علوَّ الهمة وقال الشاعر: لنْ يُدْرِكَ المَجْدَ أقوامٌ وإنْ كَرُموا ... حتّى يَذِلّوا - وإنْ عَزُّوا - لأقْوامِ ويُشْتَموا فَترى الألوانَ مُسفرةً ... لا صَفْحَ ذلٍ ولكن صَفْحَ أحْلامِ

стр. 427

قالوا: ولنْ يتمَّ حِلمُ الإنسان إلا بإمساك الجوارح كلِّها: اليدِ عن البطش، واللسانِ عن الفحش، والعينِ عن النظرِ الشَّزْر، وأقرب لفظ يقابل الحلم هو التذمُّر. وقال أبو هلال العسكري: ومن أشرف نعوتِ الإنسان أن يُدعى حليماً، لأنه لا يُدعاه حتى يكون عاقلاً وعالِماً ومصطبِراً وعفوّاً وصافحاً ومُحْتمِلاً وكاظِماً، وهذه شرائِفُ الأخلاقِ وكرائِمُ السَّجايا والخِصال. والحلمُ: منه ما هو غريزيٌّ، وهو هبةٌ من الله لعبده يعفو عمَّن ظلمه، ويصِلُ من قَطَعه، ويُحسن إلى من أساءَ إليه، يَصدُرُ في ذلك عن نحيزةٍ كريمةٍ وغَريزةٍ سليمة وصدرٍ سالمٍ من الغوائل والأذى، صافٍ من شوائبِ الكدرِ والقَذى، وهذا هو الحلم الذي لا يُستطاع تعلُّماً ولا يُكْتسب تحلماً: وإذا الحِلْمُ لَمْ يكُنْ في طِباعٍ ... لَمْ يُحَلّمْ تقادُمُ الميلادِ (المتنبي) رُوي أنّ سيدنا رسول الله قال لأشجِّ عبد القيس: (يا أبا المنذر، إنَّ فيك خِصلتين يرضاهما الله ورسوله: الحِلْمُ والأناة فقال: يا رسول الله، أشيءٌ جَبلني اللهُ عليه أم شيءٌ اخترعْتُه من قِبلِ نفسي؟ قال: بل شيءٌ جبلك الله عليه قال: الحمد للهِ الذي جبلني على خُلقٍ يرضاه الله ورسوله) وهناك من يقول: إن الحلم ليس غريزةً ولا طبيعةً بل مكتسبٌ مستفاد. وأيّاً كان الحال فليس من يُنكر أن من الحِلمِ ما هو غريزيٌّ كما قلنا، كما أنّ هُناك حِلْماً يُكتسب بالتَّحلّم كما أن العلم بالتعلُّم قال حاتم: تَحَلَّمْ عَنِ الأدْنَيْنِ واسْتَبْقِ وُدَّهم ... فلَنْ تَستطيعَ الحِلمَ حَتَّى تَحلَّما يُروى أنّه كان عند جعفرٍ الصادق ﵁ عبدٌ سيّئُ الخلق، فقيل له: أما تأنَفُ مثلَ هذا عندك وأنت قادرٌ على الاستبدالِ به؟ فقال:

стр. 428

إنّما أتْرُكُه لأتعلمَ عليه الحِلمَ. . . وقال الشاعر: ولَيْسَ يَتمُّ الحِلْمُ للمرْءِ راضِياً ... إذا هُوَ عندَ السُّخْطِ لم يَتَحلَّمِ كما لا يَتمُّ الجودُ للمَرْءِ مُوسِراً ... إذا هو عِنْدَ القَتْرِ لم يَتَحشَّمِ (يتحشم: يتذمّم ويستحي) وهناك حِلم حادث عن الكِبْرِ والعجرفة، لا يَرى المسيءَ أهْلاً أنْ يجاريَه، كما أنّ هُناكَ حِلمَ مَهانةٍ وذِلّةٍ وعَجْزٍ وضعفَ نفسٍ وصِغر هِمَّةٍ الممدوحُ بالحلم وتمدُّحهم به قال مِهيار الديملي: وإذا الإباءُ المُرُّ قالَ لَكَ: انْتَقِمْ ... قالَتْ خَلائِقُكَ الكِرامُ: بَلِ احْلُمِ شَرْعٌ مِن العفوِ انْفردْتَ بِدينِه ... وفَضيلةٌ لِسواكَ لَمْ تَتقدَّمِ حتّى لَقَدْ وَدَّ البَريءُ لوَ انّه ... أدْلى إليكَ بِفضْلِ جاهِ المُجْرِمِ وقال بعضهم: فَدَهْرَه يَصفحُ عَنْ قُدْرةٍ ... ويَغفِرُ الذَّنْبَ على عِلْمِهِ كأنّه يأنَفُ مِنْ أنْ يَرى ... ذَنْبَ امْرِئٍ أعظمَ مِنْ حِلْمِهِ وقال المتنبّي: وأحْلُمُ عَن خِلِّي وأعْلَمُ أنَّه ... متى أجْزِهِ حِلْماً عَلى الجَهْلِ يَنْدَمِ وقال سالم بن وابِصة:

стр. 429

ونَيْرَبٍ مِنْ مَوالي السُّوءِ ذي حَسَدٍ ... يقتاتُ لَحْمي وما يَشفيهِ من قَرَمِ داويْتُ صَدْراً طويلاً غِمْرُه حَقِداً ... منهُ وقلَّمْتُ أظْفاراً بلا جَلَمِ بالحَزْمِ والخيرِ أسْديهِ وألْحِمُهُ ... تقوى الإلهِ وما لَمْ يَرْعَ مِنْ رَحِمِ فأصْبَحَتْ قوسُه دوني مُوَتَّرةً ... تَرْمي عَدَوِّي جِهاراً غيرَ مُكْتَتِمِ وإنَّ في الحِلمِ ذُلاً أنْتَ عارِفُه ... والحِلمُ عَنْ قُدْرةٍ فضلٌ مِنَ الكَرَمِ وقال معن بن أوس المُزَني: وذي رَحِمٍ قَلَّمْتُ أظْفارَ ضِغْنِه ... بِحِلْمِيَ عَنْهُ وهْوَ ليسَ له حِلْمُ

стр. 430

يُحاولُ رَغْمي لا يُحاولُ غيرَه ... وكالموْتِ عندي أنْ يَحُلُّ بهِ الرَّغْمُ ويَشْتِمُ عِرْضي في المُغيَّبِ جاهِداً ... وليسَ لهُ عندي هَوانٌ ولا شَتْمُ إذا سُمْتُه وَصْلَ القرابةِ سامَني ... قطيعَتَها، تلكَ السَّفاهةُ والإثْمُ فما زِلْتُ في ليني له وتَعَطُّفي ... عليهِ كما تَحْنو عَلى الوَلَدِ الأمُّ وصَبْري على أشياَء منهُ تُريبُني ... وكَظْمي على غَيْظي وقدْ يَنْفعُ الكظْمُ لأسْتلَّ منه الضِّغْنَ حتى اسْتَللْتُه ... وقد كان ذا ضِغْنٍ يَضيقُ به الحَزْمُ فداوَيْتُه حتَّى ارْفأنَّ نِفارُه ... فَعُدْنا كأنَّا لمْ يَكُنْ بَيْنَنا صَرْمُ وأطْفأتُ نارَ الحَرْبِ بَيْني وبَيْنَه ... فأصْبَحَ بعدَ الحَرْبِ وهْوَ لَنا سَلْمُ وقال شاعر: لَقَدْ أسْمَعُ القولَ الذي هُوَ كلَّما ... تُذَكِّرُنيه النَّفسُ قلبي يُصَدَّعُ فأبْدي لِمَنْ أبْداهُ مِنّي بَشاشةً ... كأنّيَ مَسْرورٌ بِما منهُ أسْمَعُ وما ذاكَ مِنْ عَجْزٍ بهِ غيرَ أنَّني ... أرى أنَّ تَرْكَ الشَّرِّ للشَّرِّ أدْفَعُ فضل كظم الغيظ يقال: كَظَمَ الرجلُ غَيْظَه يَكْظِمُه كَظْماً: ردَّه وحَبَسَه وتَجَرَّعَه. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ قال بعض اللغويين: يَعني أعدَّتْ الجنةُ للذين جرى ذكرُهم وللذين يكظمون الغيظ

стр. 431

وفي الحديث: (ما مِنْ جُرْعةٍ يَتَجرَّعها الإنسانُ أعظمُ أجراً من جُرْعةِ غيظٍ في اللهِ وقالوا: الكَظْمُ يدفعُ مَحْذورَ الندم، كالماءِ يُطفئ حَرَّ الضَّرَم وقال بعضهم: كَظمٌ يتردَّدُ في حلقي أحبُّ إليّ من نقصٍ أجدُه في خُلُقي وقال: وأفضلُ حِلمٍ حِسْبةً حِلمُ مُغْضَبِ وقال معاوية: ما وَجَدْتُ لذَّةً هي عندي ألذّ مِنْ غيظٍ أتَجرَّعه وسَفَهٍ بِحِلمٍ أقْمَعُه. وقال لابنه يزيد: عليكَ بالحِلْمِ والاحْتمالِ حتّى تُمكنَك الفرصةُ فإذا أمْكنتْكَ فعليك بالصّفحِ، فإنّه يدفع عنك مُعضلاتِ الأمور، ويقيك مصارعَ المَحذور الغضب وألوانه وما يسكن به ثورانه قال الراغب: مثلُ الغضبِ مثلُ نارِ ما يشتَعِل، والناسُ فيه مختلفون، فبعضهم كالحَلْفاء سريعُ الوقود سَريعُ الخُمود، وبعضُهم كالغَضا بطيءُ الوُقود بَطيءُ الخُمود، وبعضُهم سَريعُ الوقود بطيءُ الخُمود، وبعضهم على العكس من ذلك، وهو أحْمدُهم، ما لَمْ يُؤدِّ به ذلك إلى زوال حميَّتِه، وفُقدانِ غيرتِه. واختلافُ الناس في الغضب قد يكون مردُّه اختلافَ الأمزِجة، وقد يكون

стр. 432

العادةَ، إذْ من الناسِ من اعْتاد السكونَ والهدوءَ من جَرّاء إلْفِه الذُّلَّ والانقيادَ والاستِخْذاء، ومنهم من تعوّد الطيشَ والانْزِعاجَ فيحتّدُّ من أدنى ما يُلمُّ به، مثلُه مثلُ كلب يَسْمعُ صَوْتاً فيَنْبِحُ قبلَ أن يَعْرفَ مَصْدَرَه: وأكثر الناس غضباً الصبيانُ والنّساء، وأكثرُهم ضَجراً الشيوخُ، وأجلُّ الناس شجاعةً وأفضلُهم مُجاهدةً وأعظمُهم قوةً منْ كظَمَ الغيظَ. قال رسول الله ﷺ : (ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعة، إنَّما الشَّديدُ الذي يَمْلكُ نفسَه عِنْدَ الغضب) ومرَّ صلوات الله عليه بقومٍ يرفعون حَجراً فقال: (ألا أخبرُكم بأشدِّكم؟: مَنْ مَلكَ نَفْسَه عِنْدَ الغضب) واعْلمْ أنَّ نارَ الغضبِ متى كانتْ عنيفةً تأجَّجتْ واضْطرمَتْ واحْتدَّ غليانُ الدَّمِ في القلبِ وامْتلأتِ الشرايينُ والدماغُ دُخاناً مُظلِماً يَسوء منه حالُ العقلِ ويَضْعُفُ فِعْلُه، وكما أنَّ الكَهْفَ الضيِّقَ إذا امتلأ حَريقاً واختنقَ فيه اللهبُ والدخان وعَلا الأجيجُ صَعُبَ عِلاجُه وإطفاؤه، وصار كلُّ ما يدنو منه مادةً لقوّته، كذلك النفسُ إذا اشْتعَلَتْ غضباً عَمِيَتْ عن الرشدِ وصمَّت عن الموعظةِ حتى تصير المواعِظُ مادةً لغَضبِها، وربّما أدّى الغضبُ إلى تلفٍ، وهو اخْتناق الحرارةِ في القلب الأمْرُ الذي قد يكونُ سبباً لأمراضٍ مُسْتَعْصِيةٍ تؤدي إلى التلف؛ ثمَّ قال وحَقُّ مَنْ يعتريهِ الغضبُ أنْ يُفكِّر، فإنْ كان المغضوبُ عليه تحتَ يدِه فلا مَعنى لاسْتِشاطَتِه؛ إذْ هو مُتَمكِّنٌ مِنَ الانْتقامِ منهُ مع سكونِ الجأشِ، وإنْ كان غضبُه على مَنْ لا سبيلَ إليه فلا مَعْنى لتعذيبِه نفسَه في الوقت وإنَّما الأخلقُ بهِ أنْ يصبرَ حتّى يتمكَّنَ منه ثمَّ يفعلَ الواجب، قال حكيمٌ: سُدَّ طريقَ الغضبِ قبلَ تلهُّبِ نارِه في لَحْمِكِ ودمِك فإنَّك إنْ لَمْ تُطْفئ نارَ الغضبِ

стр. 433

قبلَ انتشارِها صعبٌ عليك إطفاؤها بعدَ أن تنْتشر. وقال بعضُ الملوك لِحكيم: كيفَ لي أنْ لا أغضبَ؟ فقال: بأنْ تكون كلَّ وقت ذاكراً أنّه يجبُ أنْ تُطيعَ لا أنْ تُطاعَ فقط، وأن تَخْدُمَ لا أنْ تُخْدَمَ فقط، وأنْ تتحقّقَ أنَّ اللهَ تعالى يَراكَ دائماً، فإذا فعلْتَ ذلك لم تغضَبْ وإنْ غضبْتَ غضبْتَ قليلاً. . . وقالوا: من غَضِبَ قائِماً فقَعَدَ سكَنَ غضبُه، وإنْ كان قاعِداً فاضْطَجَعَ سَكَنَ. وكانت العرب تقول: إنّ الرثيثةَ تَفْثأُ الغَضَبَ: الرثيثة: اللبنُ الحامِضُ يُصبُّ عليه الحليب، وهو أطيبُ اللّبن، وتفثأ الغضبَ: تُسْكنه وتكسِرُ حِدَّته وخطبَ معاويةُ يوماً فقال له رجلٌ: كذَبْتَ، فنزل مُغْضَباً، فدخل منزلَه، ثمَّ خرجَ عليهم تقطُرُ لِحيتُه ماءً، فصَعِدَ المِنْبرَ فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ الغضبَ مِنَ الشيطان، وإنَّ الشيطانَ مِن النار، فإذا غضِبَ أحدُكم فلْيُطْفِئَه بالماءِ؛ ثمَّ أخذَ في الموضِعِ الذي بلغَه مِنْ خُطْبته. وفي الحديث: (إنَّ الغَضبَ جَمْرةٌ تُوقَدُ في جوفِ ابْن آدمَ، ألَمْ تَرَوْا إلى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وانْتِفاخِ أوْداجِه). . . . من اجتُهد في إغْضابِه فَحَلِمَ خاطر رجلٌ آخرَ على أنْ يُغْضبَ الأحْنفَ بْنَ قيس، فجَاءَه فخَطَبَ إليهِ أمَّه، فقال: لَسْنا نردُّك انتقاصاً لِحَسَبِك، ولا قِلَّةَ رغبةٍ في مصاهَرَتِك ولكنَّها امرأةٌ قدْ علا سِنَّها، وأنْتَ تحتاج إلى امرأةٍ وَلودٍ وَدودٍ تأخذُ من خُلُقِك، وتستمِدُّ من أدبِك؛ ارْجِعْ إلى قومِك وأخبرهُمْ أنّك لمْ تُغضبْني.

стр. 434

وخطب آخرُ إلى معاويةَ أمَّه: فقال: ما الذي رغَّبك فيها وهْيَ عَجوزٌ؟ فقال: إنّها عجوزُ عَظيمةُ العَجُزِ! فقال: لعلّك خاطَرْتَ على أن تُغْضِبَ سيِّدَ بني تميم؟ قال: نعم، قال: ارْجِعْ فلست به. وشتَمَ رجلٌ الأحْنفَ وألحَّ عليه، فلمّا فرغَ قال له: يابْنَ أخي، هل لكَ في الغَداء؟ فإنّك منذُ اليومِ تَحْدو بجملٍ ثَفالٍ. . . . الثفال: البَطيءُ الثقيلُ الذي لا يَنْبَعِثُ إلا كَرْهاً ورُوي أنَّ رَجلاً خاطرَ آخرَ على أن يقومَ إلى معاويةَ إذا سجدَ فيضَعَ يدَه على كَفَلِه ويقول: سبحانَ اللهِ يا أميرَ المؤمنين! ما أشْبَه عُجَيْزَتَك بِعُجَيْزة أمِّك هندٍ! ففعل ذلك، فلمّا انْفتلَ معاويةُ عَنْ صَلاتِه قال له: يا أخي، إنَّ أبا سُفيانَ كان مُحْتاجاً إلى ذلك مِنْها، فخُذْ ما جَعلوهُ لك، فأخذه ثم خاطرَه آخرُ بعدَ ذلك أنْ يقومَ إلى زيادٍ وهْوَ في الخُطبة فيقول: أيُّها الأميرُ من أمُّك؟ ففعل؛ فقال زياد: هذا يُخبِرُك - وأشار إلى صاحبِ الشُّرطةِ - فَقدَّمه وضَرَبَ عنقَه، فلمّا بلغَ ذلك معاويةَ قال: ما قَتلَه غيري، ولوْ أدَّبْتُه على الأولى ما عادَ إلى الثانية. . . وقيل للأحنف: مِمّنْ تعلّمْتَ الحِلْمَ؟ قال: مِنْ قيس بن عاصِم المِنْقَريِّ، رأيته قاعِداً بفِناءِ دارِه مُحتبياً بِحَمائِلِ سيفِه يُحدِّث قَوْمَه، حتّى أتيَ بمَكتوفٍ ورجُلٍ مقتولٍ، فقيل له: هذا ابنُ أخيك قَتلَ ابنَك. قال: فو اللهِ ما حلَّ حُبْوتَه ولا قطع كلامَه، ثم التفتَ إلى ابن أخيهِ فقال: يا ابن أخي أثِمْتَ بِرَبِّك، ورمَيْتَ نفسَك بسهمِك، وقتلت ابْنَ عمِّك؛ ثمّ قال لابْنٍ له آخر: قُمْ يا بُنَيَّ فَوارِ أخاك وحُلَّ كِتافَ ابْنِ عَمِّك وسُقْ إلى أمِّك

стр. 435

مائةَ ناقةٍ ديّةَ ابْنِها فإنّها غَريبةٌ، ثم اتّكأ على شِقِّه الأيسرِ وقال: إنّي امْرؤٌ لا يَعْتري خُلُقي ... دَنَسٌ يُفنِّده ولا أفْنُ مِنْ مِنْقَرٍ في بيتِ مَكْرُمةٍ ... والفَرْعُ يَنْبتُ فوقَه الغُصْنُ خُطباءُ حين يقولُ قائِلُهُمْ ... بيضُ الوجوهِ أعِفّةٌ لُسْنُ لا يَفْطِنونَ لِعَيْبِ جارِهِمُ ... وهُمُ لِحِفْظِ جِوارِه فُطْنُ وأسمعَ رجلٌ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ بعضَ ما يكره، فقال: لا عليكَ إنّما أردْتَ أن يَسْتَفِزَّني الشيطانُ بِعِزِّ السُّلطانِ فأنالَ منكَ اليومَ ما تنالُه منّي غداً، انْصَرِفْ إذا شِئْتَ. . . وأمر محمدُ بن سليمانَ برجلٍ أن يُطرحَ من القصرِ كان قد غضِبَ عليه فقال الرَّجل: اتَّقِ اللهَ، فقال: خلّوا سبيلَه، فإنّي كرِهْتُ أنْ أكونَ من الذينَ قال اللهُ فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ حثهم على ترك الغضب المؤدي إلى الاعتذار قال حكيم: إيّاكَ وعِزَّةَ الغَضبِ فإنَّها تصيرُ بِكَ إلى ذِلَّة الاعْتِذار وقال شاعرٌ: مَتى تُرِدِ الشِّفاَء لِكُلِّ غَيْظٍ ... تَكُنْ مِمّا يَغيظُكَ في ازْدِيادِ

стр. 436

حثّهم على التصامُم عن القبيح وتمدُّحهم بذلك قال المهلّب بن أبي صفرة: إذا سمع أحدُكم العوراءَ فَلْيُطأطِئْ لها تَتَخطّاه. . . العوراء: الكلمة القبيحة أو الفَعلَة القبيحة: ويقال للكلمة القبيحة عوراء، وللكلمة الحسناءِ عَيْناء قال الشاعر: وعَوْراَء جاَءتْ مِنْ أخٍ فَرَدَدْتُها ... بِسالِمَةِ العَيْنَيْنِ طالِبةً عُذْراً بِسالِمَةِ العَيْنَيْنِ: أي بكلمةٍ حسناءَ لم تكنْ عوراءَ. وعَوْرانُ الكلام: ما تَنْفيهِ الأذُن قال: وعوراَء قدْ قيلَتْ فلَمْ أسْتَمِعْ لَها ... وما الكلِمُ العَوْرانُ لي بِقَتولِ وقال حاتم طيءٍ: وأغْفِرُ عَوْراَء الكريمِ ادِّخارَه ... وأعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللّئيمِ تَكَرُّما وقال ابنُ عنقاءَ الفزاريّ مِنْ أبْياتٍ يَمْدحُ بها ابْنَ عمِّه عُمَيلَةَ: إذا قيلَتِ العَوْراءُ أغْضى كأنَّه ... ذَليلٌ بِلا ذُلٍّ ولَوْ شاَء لانْتَصرْ وقد تقدّم هذا البيت مع أبيات أخرى له جميلة حثهم على العفو مطلقاً قال الله جلَّ شأنُه: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وقال سبحانَه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

стр. 437

وقال عزَّ وتَقدَّس: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وقال تعالى لِنَبِيِّه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. . . ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، فالعفو: السهل المُيَسَّر والمعنى: احْتَمِلْ أخْلاقَ الناسِ واقْبلْ مِنها ما سَهُلَ وتَيَسَّر ولا تَسْتَقْصِ عليهم فيَسْتَقْصي اللهُ عليك مع ما فيه من العداوة والبغضاء، أقول: ولمّا حقَّقَ سيِّدُنا رسولُ اللهِ ما أدّبه الله به قال سبحانه في حقِّهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال الأحنفُ بن قيس: إيّاكَ وحَميَّةَ الأوْغادِ، قيل: وما حَمِيَّتُهم قال: يَرَوْنَ العفْوَ مَغْرماً والتَّحمُّلَ مَغْنَماً. . . التحمّل ههنا: الغضبُ وقد جاء في بعض الرّوايات بدل التّحمل: والبخُل وقيل لبعضهم: هل لكَ في الإنصاف أو ما هو خيرٌ من الإنصاف؟ فقال: وما هو خير من الإنصاف؟ قال: العفو. . . وقالوا: العفو زكاةُ النفس وقالوا: العفوُ عَنِ المُذْنِبِ من واجباتِ الكَرَم. . . وقالوا: لذَّةُ العَفْوِ أطْيَبُ مِنْ لَذّةِ التَّشفّي؛ لأنَّ لذّةَ العَفْو يَلْحَقُها حمدُ العاقِبة، ولذَّةُ التَّشفِّي يلْحقُها ذمُّ الندم. . . وقال الشاعر وقد نظم هذا المعنى: لذّةُ العَفْوِ إنْ نَظَرْتَ بِعَيْنِ ال ... عَدْل أشْفى مِنْ لَذَّةِ الإنْتقامِ هذه تُكسِبُ المَحامِدَ والأجْ ... رَ وهذه تَجيءُ بالآثامِ التحلُّم عنِ الخدمِ نَظَرَ معاويةُ إلى ابْنِه يزيدَ وهْوَ يَضْرِبُ غلاماً له، فقال له: أتُفْسِدُ أدبَك بأدبِه! فلَمْ يُرَ ضارِباً غُلاماً له بَعْدَ ذلك.

стр. 438

وقيلَ لِيَحْيى بن خالد البرمكي: إنّك لا تؤدِّب غلمانَك ولا تضرِبُهم! قال: هُمْ أمناؤُنا على أنفسنا فإذا نحنُ أخَفْناهُمْ فكيف نأمَنُهمْ! الرحمةُ ومَدْحُ ذويها قالوا من كَرُمَ أصلُه لانَ قلبُه وقالوا: من أماراتِ الكرم: الرَّحمةُ، ومن أمارات اللُّؤمِ: القَسْوةُ الكرم نقيض اللُّؤم وفي الحديث الشريف (ارْحَمْ مَنْ في الأرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ في السَّماءِ) وفيه أيضاً (لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلا مِنْ قَلْبٍ شقي) أمّا مَنْ ذَمَّ الرَّحْمةَ ونَعاها على أهْلِها مثلُ الوزيرِ مُحَمّد بن عبد الملك الزيات إذْ يقول: الرَّحمةُ خَوَرٌ في الطبيعة، ومثلُ غَيْرِه مِنْ فلاسِفةِ هذا الجيلِ كالفيلسوف نيتشه ومَنْ على شاكِلَته فأولئك إنّما يترامون إلى أهداف أخرى، وإلى مدح القُوّة في مواضعها، وهذه سوف تمرُّ عليك عبقرياتهم فيها. ما يُستحسنُ فيه الحِلْمُ من الكبار وما يُسْتقبح أغْلَظَ رجلٌ لِمُعاويةَ فَحَلُمَ عنه، فقيل له: تَحْلُمُ عن هذا! فقال: إني لا أحولُ بينَ الناسِ وبينَ ألْسِنَتِهِمْ ما لَمْ يحولوا بينَنا وبينَ سُلْطانِنا. . . . وقال المأمونُ: يَجْمُلُ الحِلْمُ بالملوك إلا في ثلاثة مواضع، مُذيعٍ لسرٍّ، ومُتَعرِّضٍ للحُرَمِ، وقادحٍ في مُلْك. . . حُرَمُ الرَّجلِ: عيالُه ونساؤه وما يَحْميه

стр. 439

وقال السفاح: الحِلْمُ يَحْسُنُ إلا ما أوْضَعَ الدِّينَ والسُّلطان. حثهم على درء الحدود في الحَديثِ الشريف: (ادْرَؤوا الحدودَ بالشُّبُهات، وأقيلوا الكِرامَ عَثراتِهم، وإنَّ الإمامَ لأنْ يُخْطِئَ في العَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أنْ يُخْطئَ في العقوبة) ادرؤوا: ادْفَعوا، والحدودُ جَمْعُ حدّ، وهو لغة، المنع وشرعاً: العقوبةُ التي جُعِلَتْ لمن يقترف ما نُهي عنه كحد السارق، وهو قطع يمينه في ربع دينار فصاعداً، وكحد الزاني البكر وهو جلده مائة وتغريبُه عاماً، وكحد المحصن إذا زنى، وهو الرجم، سميت حدوداً لأنها تحدُّ: أي تمنع من إتيان ما جعلت عقوبات فيها، والشَّبهات جمع شبهة وهي الالتباس يقال: تشابهت الأمور واشتبهت، أي التبست لاشتباه بعضها ببعض والعثرات: الزلات والكرام: خيار الناس ووجوههم حسباً ونسباً وعلماً وديناً وصلاحاً، ومعنى أقيلوا عثراتهم: لا تعاقبوهم عليها ولا تؤاخذوهم بها، إلا في حد من حدود الله فإنه لا تجوز إقالتهم فيه إذا ثبت عند الإمام وخلا عن الشبهة ولم يجد إلى دفعه سبيلا، ومعنى ادرؤوا الحدود بالشبهات: اعملوا ما وجدتم السبيل على أن لا تقيموا العقوبة على المسلم إلا بأمرٍ متيقنٍ لا يتطرَّق إليه التأويل. حث القادر على العفو قالت عائشة ﵂: إذا مَلَكْتَ فأسْجِحْ قالت ذلك لعليّ

стр. 440

بن أبي طالب ﵁ يوم الجمل حين ظهر على الناس فَدنا مِنْ هودجها ثم كلمها بكلام، فأجابته: ملكت فأسْجِحْ، أي ظفرت فأحسن وقدرت فسهل وأحسن العفو، فجهزها عند ذلك بأحسن الجهاز إلى المدينة فالإسجاح: حسن العفو ومن كلمة لعلي ﵁: إذا قدرت على العدوِّ فاجْعلِ العفوَ شكرَ قدرتك. وقالوا: المقدرة تذهب الحفيظة الحفيظة: الغضب، وقولهم: إنَّ الحَفائظ تذهب الأحقادَ فمعناه: إذا رأيْتَ حميمَك يُظلم حميتَ له وإنْ كان عليه في قلبِك حقْدٌ. . . . وظفِر الإسكندر المقدونيّ ببعض الملوك، فقال له: ما أصنع بك؟ قال: ما يجمل بالكرام أن يصنعوه إذا ظفِروا، فخلّى سبيلَه وردّه إلى مملكته. ولما ظفِر أنو شروانَ بِبُزْرُ جُمَهرَ قال: الحمد لله الذي أظفرني بك، فقال: كافئ من أعطاك ما تحبُّ بما يحبُّ. . . وقيل ليوسفَ ﵇: بعفوك عن إخوتك عند قدرتك رُفِعَ قَدْرُك. . . . . ذمُّ المُتشفّي من الغيظ قال معاويةُ ﵁: العقوبةُ ألأم حالاتِ ذي القدرة. . . وقال حكيم: التّشفّي طرفٌ من الجزع، فمن رضي أن لا يكونَ بينه وبين الظالم إلا سِترٌ رقيقٌ وحجابٌ ضعيفٌ فلينْتَصِفْ. . . . .

стр. 441

مدح من صَفح عند القدرة قال الأخطل من أبيات يمدح بها بني أمية: شُمْسُ العَداوةِ حتّى يُسْتقادَ لَهُمْ ... وأعْظمُ الناسِ أحلاماً إذا قَدَروا وقال أشجع السُّلَمي: يَعْفو عَنِ الذَّنْبِ العظي ... مِ وليس يُعْجِزُه انْتِصارُهْ صَفْحاً عَنِ الجاني علَيْ ... هِ وقدْ أحاطَ بهِ اقْتِدارُهْ وقال المُتَنبّي: فتىً لا تَسلُبُ القَتْلى يَداه ... ويَسْلُبُ عَفْوُه الأسْرى الوَثاقا يقول المتنبّي: إذا قَتلَ المَمْدوحُ قتيلاً لم يأخذ سلَبَه، ترفُّعاً عَنْ ذلك ولكنَّ عفوَه يسلُبُ أسراه أغلالَهم وقيودَهم، أي يعفو عنهم ويطلقهم الحث على إقالة من سَلِمَ ظاهرُه قالوا لا تَعْتَدَّ بما لَمْ تَسْمَعْه أذناك، فإنّ السيِّد إذا حضر هيب وإذا غاب اغْتيب. وقال بعض الملوك: إنّما نَمْلِكُ الأجسادَ دون النيّات، ونفحص عن الأعمالِ لا عَنِ السَّرائِر. . . وقال البحتريُّ: إذا عَدوُّكَ لَمْ يُظْهِرْ عَداوتَه ... فَما يَضرُّكَ إنْ عاداكَ إسرارا

стр. 442

وقال العلاء بن الحضرمي يخاطب سيَّدنا رسولَ الله: وإن دَحَسوا بالشّرِّ فاعْفُ تَكرُّماً ... وإنْ خَنَسوا عنكَ الحديثَ فلا تَسَلْ وإن دحسوا: قال ابن الأثير يريد: إنْ فعلوا الشَّر من حيث لا تعلمه. وخنسوا الحديث يريد: وارَوْه وغيَّبوه وأخّروه عنك العفو عمن سلم باطنه قد يهفو المرء ونيَّتُه سليمة، ويزل وطريقته مستقيمة. قال إبراهيم بن المهدي في عينيَّته للمأمون وقد عفا عنه: قَسماً وما أدْلي إليكَ بِحُجَّةٍ ... إلا التَّضرُّعَ مِنْ مُحِبٍّ خاشِعِ ما إنْ عَصَيْتُك والغُواة تَمُدُّني ... أسبابُها إلا بِنيَّةِ طائِعِ وقال الفرزدق: فلستَ بِمَأخوذٍ بِلَغْوٍ تَقولُه ... إذا لَمْ تَعمَّدْ عاقِداتُ العَزائِمِ تعمد: تتعمد

стр. 443

عتب من يحفظ الذنب بعد تقادمه قال البحتري: تناسَ ذنوبَ قَوْمِك إنَّ حِفْظَ الذُّ ... نوبِ - إذا قَدُمْنَ - مِنَ الذُّنوبِ العفو عن المقرّ المعترف قال بعضهم: إذا ما امْرؤٌ مِنْ ذَنْبِه جاَء تائِباً ... إلَيْكَ فلَمْ تَغْفِرْ له، فَلَكَ الذَّنْبُ ومن قولهم: التوبةُ تغسلُ الحوبة الحوبة: الخطيئة وقالوا: لا عَتْبَ مع إقرارٍ، ولا ذنبَ مع اسْتِغفار. وقال بعضُهم لصديقٍ له أنْكَرَ ذنباً: إمّا أنْ تُقِرَّ بِذَنْبك فيكونَ إقرارُك حُجَّةً لَنا في العفو، وإلا فَطِبْ نَفْساً بالانْتِصارِ مِنْك، فإن الشاعر يقول: ذلك أقْرِرْ بِذَنْبِك ثُمَّ اطْلُبْ تَجاوُزَنا ... عَنْهُ فإنَّ جُحودَ الذَّنْبِ ذَنْبانِ ومن كلامٍ لابْنِ المُعْتز: تَجاوزْ عَنْ مُذْنِبٍ لم يَسلكْ بالإقرارِ طَريقاً حتّى اتَّخَذَ مِنْ رَجائِك رَفيقاً. وقال بعض الأمراء لرجلٍ عاتبَه: بلغَني أنّك تُبْغضني، فلم ينكر الرجلُ وقال: أنْتَ كما قال الشاعر: فإنّك كالدُّنْيا نذُّمُ صُروفَها ... ونُوسِعُها ذَمّاً ونحنُ عُبيدُها وقال أبو فراس الحَمْداني:

стр. 444

إنْ لمْ تَجافَ عَنِ الذنو ... بِ وَجَدْتَها فينا كَثيرهْ لكنَّ عادَتك الجَمي ... لةَ أنَّ تَغُضَّ عن الجريرهْ وقال السَّريُّ الرَّفَّاء: فإنْ تَعْفُ عنِّي تَعْفُ عَنْ غيرِ جاحِدٍ ... لِما كانَ والإقرارُ بالذَّنْبُ أرْوحُ وقال آخر: فلَسْتُ بأوَّلِ عَبْدٍ هَفا ... ولَسْتَ بِأوَّلِ مَوْلًى عَفا وقال غيره: صَفْحاً فلَوْ شُقَّ قلبي عَنْ صَحيفَته ... لظلَّ يُقْرأ منهُ الخوفُ والنَّدمُ وأُتِيَ أبو جعفر المنصور برجلٍ أذنبَ. فقال: إنّ اللهَ يأمر بالعدل والإحسان: فإنْ أخذْتَ في غيري بالعدل فَخُذْ فيَّ بالإحسان. . . . . حسن العفو عن المصِرِّ سمع حكيم رجلاً يقول: ذنبُ الإصرار، أولى بالاغْتِفار، فقال: صَدقَ والله، ليس فضلُ من عفا عن السَّهو القليل كَمَنْ عفا عن العمد الجليل. . . اسْتِعفاء من خلط إقراراً بإنكار قال بعضهم في ذلك:

стр. 445

هَبْني أسَأتُ كَما ظَنَنْ ... تَ فأيْنَ عاقِبةُ الأخُوّهْ وإذا أسَأتَ كَما أسأتُ ... فأيْنَ فَضْلُكَ والمُرُوَّهْ وقال آخر: وَهَبْني - وما أجْرَمْتُ - أجْرَمْتُ كلَّ ما ... أتاكَ بهِ الواشي فَجُدْ باحْتِمالِهِ وقال الشعبي لبعض الولاة - وقد كلَّمه في قومٍ حَبَسَهم -: إن حَبَسْتَهم بالباطلِ فالحقُّ يُخْرجهم، وإن حَبسْتهم بحقٍّ فالعفوُ يَسَعَهم؛ فأمر بإطلاقهم. معتذر مع إنكار قال الرشيد لرجلٍ يُرْمى بالزَّندقة: لأضْرِبنَّكَ حتَّى تُقِرَّ بالذَّنْبِ، فقال: هذا خلافُ ما أمرَ اللهُ به، لأنّه أمرَ أنْ يُضربَ الناسُ حتى يُقرّوا بالإيمان وأنْتَ تَضرِبُني حتّى أقِرَّ بالكُفْر! فخجل وعفا عنه. وكان الرشيد قد حبس عبد الملك بن صالح، فلمّا أخرجه الأمينُ من الحبس، وذكر الرشيدَ وفِعلَه به قال: واللهِ إنّ المُلْكَ لَشيءٌ ما نويتُه ولا تمنَّيْتُه، ولو أردتُه لكان إليَّ أسرعَ من الماءِ إلى الحَدور، ومن النار إلى يَبسِ العَرْفجِ، وإنّي لمأخوذٌ بِما لمْ أجْنِ، ومسؤولٌ عمّا لا أعرف، ولكن لمَّا رآني بالمُلْكِ قَميناً، وإنْ لمْ أترشَّحْ له في سرٍّ ولا جَهْرٍ، ورآه يَحِنُّ إليَّ حنين الوالدة الوالهة، وتميلُ ميلَ الهَلوكِ

стр. 446

عاقبني عِقابَ من سَهِرَ في طلبِه، فإنْ كانَ إنّما حسِبَني أنِّي أصلُحُ له ويصلُحُ لي فلَيْسَ ذلك ذَنْباً فأتوبَ منه. وقال التَّنوخيُّ: إنْ كانَ إقراري بِما لَمْ أجْنِه ... يُرضيك عَنّي قُلْتَ إنّي ظالِمُ مُعْتذرٌ بتكذيبِ نَفْسِه خَرَجَ النُّعمانُ بنُ المنذرِ في غِبِّ سماءٍ فمرَّ بِرَجُلٍ مِنْ بَني يَشْكُرَ جالِساً على غَديرِ ماءٍ، فقال له: أتعْرِفُ النُّعمانَ؟ قال اليَشْكُريُّ: ألَيْسَ ابْنَ سَلْمى؟ قال: نَعَمْ، قال: واللهِ لَرُبَّما أمْرَرْتُ يَدي على فَرْجها، قال له: وَيْحَك، النُّعْمانُ بنُ المُنذر! قال: قَدْ خَبّرْتُك، فَما انْقَضى كلامُه حتَّى لَحِقَتْه الخيلُ وحَيَّوْه بِتَحيَّةِ المُلْكِ، فقال له: كيفَ قلتَ؟ قال: أبَيْتَ اللَّعنَ، إنّك واللهِ ما رأيْتَ شَيْخاً أكذبَ ولا ألأمَ ولا أوْضعَ ولا أعَضَّ بِبَظْرِ أمِّه من سيخٍ بين يديك، فقال النُّعمانُ: دعوه، فأنشأ يقول: تَعْفو المُلوكُ عَنِ العَظي ... مِ مِنَ الذُّنوبِ لِفَضْلِها ولَقَدْ تُعاقِبُ في اليَسي ... رِ وليسَ ذاكَ لِجَهْلِها إلا لِيُعْرَفَ فَضْلُها ... ويُخافَ شِدّةُ نَكْلِها وانقطعَ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ عن أصْحابِه. فانتهى إلى أعْرابِيٍّ، فقال:

стр. 447

أتَعْرِفُ عبدَ المَلِكِ؟ قال: نَعَمْ، جائِر بائِر، قال: ويحك أنا عبدُ الملك! قال: لا حيَّاك اللهُ ولا بيّاكَ ولا قرَّبك، أكلْتَ مالَ الله، وضيَّعْتَ حُرْمتَه، قال: وَيْحك أنا أضرُّ وأنفعُ، قال: لا رزقني الله نفْعَك ولا دَفَعَ عنِّي ضُرَّك، فلَمَّا وَصَلَتْ خيلُه عَلِمَ صِدْقَه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، اكْتُمْ ما جرى فالمَجالِسُ بالأمانة. . . . . استعفاء من زعم أن ذنبه كان خطأ قال غلام هاشميٌّ أراد عمُّه أن يجازيَه بسَهْوٍ منه: يا عمِّ، إنّي قد أسأتُ وليس معي عقلي فلا تُسيءْ ومعك عقلُك. . . وقال المتنبي: وعينُ المخطِئينَ هُمُ ولَيْسوا ... بأوَّلِ مَعْشَرٍ خَطِئوا فَتابوا وأنْتَ حَياتُهمْ غَضِبَتْ عَليْهمْ ... وهَجْرُ حَياتِهمْ لهُمُ عِقابُ وما جَهِلَتْ أياديكَ البَوادي ... ولكنْ رُبَّما خَفِيَ الصَّوابُ وقال أبو تمام: فإنْ يكُ جُرْمٌ عَنَّ أوْ تكُ هَفْوةٌ ... على خَطَأٍ مِنّي فَعُذْري على عَمْدِ والأصل في هذا المعنى قولُ سيّدنا رسول الله: (رُفِعَ عن أمَّتي الخَطأُ والنِّسيانُ وما اسْتُكْرِهوا عليه) وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾

стр. 448

مستعفٍ سأل أن يقوّم ويؤدّب قال أحمد بن أبي فَنَنٍ: أحينَ كَثَّرْتَ حُسّادي وساَءهُمُ ... جَميلُ فِعلِكَ بي أشْمتَّ حُسَّادي! فإنْ تَكُنْ هَفْوةٌ أو زلَّةٌ سَلَفَتْ ... فأنْتَ أوْلى بِتَقويمي وإرْشادي مستعف سأل العفو لفرط خوفه قال علي بن الجَهم من أبياتٍ أرسلها إلى المتوكّل وهْوَ محبوس: وعَفْوَكَ عَنْ مُذْنبٍ خاضِعٍ ... قَرَنْتَ المُقيمَ بهِ المُقْعِدا إذا ادَّرَعَ اللَّيْلَ أفْضى به ... إلى الصُّبحِ مِنْ قبلِ أنْ يَرْقُدا ألَمْ تَرَ عَبْداً عدا طورَه ... ومولىً عَفا ورشيداً هَدى ومُفْسِدَ أمْرٍ تلافَيْتَه ... فَعادَ فأصْلَحَ ما أفْسَدا فلا عُدْتُ أعْصيكَ فيما أمَرْ ... تَ حتَّى أزورَ الثَّرى مُلْحَداً وإلا فَخالَفْتُ ربَّ السَّماءِ ... وخُنْتُ الصَّديقَ وعِفْتُ النَّدى مستعف اتكل على سالف حرمته قال زُفَرُ بن الحارث: أيذْهَبُ يومٌ واحدٌ إنْ أسأتُه ... بِصالحِ أيَّامي وحُسْنِ بَلائيا

стр. 449

وقال جل شأنه: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ والمُرادُ بالسّيّئاتِ: الصغائرُ، والكبائرُ هن: الذُّنوبُ التي رتَّبَ الشّارِعُ عليها حُدوداً أو صرّح بالوعيد فيها الاستعفاءُ لِمُذْنبٍ من قومٍ مُحْسِنين قال إبراهيم بنُ العبّاس الصُّوليّ: أساؤوا وفيهِمْ مُحْسِنونَ فإنْ تَهَبْ ... لِمُحْسِنِهم أهْلَ الإساءةِ يَصْلُحوا متوصل إلى العفو بمراجعة أو حجة رَوَوْا أنَّ الفاروقَ ﵁ كان يَعُسُّ ليلةً، فسمع غِناءَ رجلٍ من بيت، فتسوَّر عليه، فرآه مع امْرأةٍ يشربانِ الخمرَ، فقال: يا عدوَّ الله، أظننْتَ أن يسترَك اللهُ وأنْتَ على مَعْصية؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، لا تَعْجَلْ إنْ كنتُ عَصَيْتُ اللهَ في واحدةٍ فقد عَصَيْتَ في ثلاثٍ: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ وقد تجسَّست، وقال: ﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ وقد تسوَّرْتَ عليَّ، وقال: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ وقد دخلت بغيرِ سلام، فقال عمر: أسأتُ فهَلْ تعفو؟ قال: نَعم، وعليَّ أن لا أعودَ. . . وقد أوْرَدْنا هذه الأحدوثة كما أوردها الأدباء، وإن في النفس منها بعدُ لأشياءَ مستعف ذكر فرط خوفه من الوعيد قال سَلْمٌ الخاسر: لقدْ أتَتْني مِنَ المَهْديِّ مَعْتَبةٌ ... تَظلُّ مِنْ خَوْفِها الأحْشاءُ تَضْطَرِبُ وقال أبو تمام من قصيدة يمدح بها أحمد بن أبي دُواد ويعتذر إليه:

стр. 450

أتاني عائِرُ الأنْباءِ تَسْري ... عَقارِبُه بِداهِيةٍ نآدِ فيا خَبَراً كأنَّ القلبَ أمسى ... يُجَرُّ به على شَوْكِ القَتادِ وقال البحتري: عَذيري مِنَ الأيَّامِ رَنَّقْنَ مَشْربي ... ولقَّيْنَني نَحْساً مِنَ الطَّيْرِ أشْأما وأكْسَبْنَني سُخْطَ امْرِئٍ بِتُّ مَوْهِناً ... أرى سُخْطَه ليلاً مع الليلِ مُظلِما من اسْتَعْفى واسْتَوهب معاً أخذ مصعب بنُ الزبير رجلاً من أصْحابِ المختار، فأَمَرَ بِضَرْبِ عُنقِه، فقال: أيّها الأمير، ما أقْبحَ بكَ أنْ أقومَ يوم القيامةِ إلى صورتك هذه الحسنة، ووجْهِك هذا الذي يُستضاء به، فأتعلَّقَ بأطْرافِك وأقول: أي ربِّ سلْ مُصْعَباً فيمَ قتلني، قال: أطلقوه، قال: اجْعلْ ما وَهَبْتَ لي من حياتي في خَفْض، قال: أعطوه مائةَ ألفٍ، قال: بأبي أنت وأمِّي، أشْهدُ اللهَ أن لابن قيس الرقَيَّات منهما خمسينَ ألفا، قال: ولم؟ قال: لقوله فيك: إنّما مُصْعَبٌ شِهابٌ مِنَ اللهِ تَجلَّتْ عَنْ وَجْهِه الظَّلماءُ مُلْكُه مُلكُ رحمةٍ ليس فيه ... جَبَروتٌ يُخْشى ولا كِبْرياءُ يَتَّقي اللهَ في الأمورِ وقدْ أفْ ... لَحَ مَنْ كانَ همَّه الاتِّقاءُ

стр. 451

فضحك مصعب وقال: أرى فيك مَوْضِعاً للصَّنيعة، وأمَرَه بلُزومِه وأحسنَ إليه، فلم يزل معه حتى قُتل. . . وقال المتنبي: فاغْفِرْ فِدىً لَكَ واحْبُني مِنْ بَعْدِها ... لتَخُصَّني بِعَطيَّةٍ مِنْها أنا المتوصل إلى العفو بالتثبت إلى حين التبيُّن قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. . . . قال الإمام البيضاوي: فتبيَّنوا: فتعرَّفوا وتصفَّحوا قال: وتنكير الفاسق والنبأِ للتّعميم؛ وتعليقُ الأمْر بالتبيُّن على فسق المُخبر يقتضي جوازَ قبول خبر العدل. . . وأن تصيبوا: أي كراهةَ إصابتكم وغضب الرشيدُ على رجلٍ، فقال له جَعْفَرُ بن يحيى: غَضِبْتَ لله، فأطِعِ اللهَ في غَضبِك بالوُقوفِ إلى حال التبيُّن كما غَضِبْتَ له. . وقال الشعبي لعبد الملك بن مروان: إنّك على إيقاعِ ما لَمْ تُوقِعْ أقدرُ مِنك على ردِّ ما أوْقَعْتَ. . . . نهي العافي عن التثريب رضي بعضُ الملوك عن رجل، ثم أخذ يُوبِّخه، فقال: إنْ رأيتَ ألا

стр. 452

تخدِشَ وجْهَ رضاك بالتَّثريب فافعل. وقالوا: ما عفا عن الذنب من قرَّع به. . . وقال شاعرٌ فيمن يُعاقب ثم يعاتب: إذا عُوقِبَ الجاني على قدْرِ جُرْمِه ... فتَعْنيفُه بَعْدَ العِقابِ مِنَ الرِّضا نهيهم عن الاعتذار وصعوبته جاء في الحديث الشريف: (إيّاك وكلَّ أمْرٍ يُعْتَذرُ منه). وفي حديث آخر: (إيّاكم والمعاذيرَ فإنها مفاجر). . . . ومعنى الحديثين: إيّاكم أن تتكلّموا أو تَفْعلوا ما تحتاجون إلى أنْ تَعْتَذروا عنه. وقال بعضُهم: دَعْ ما يَسبقُ إلى القلوبِ إنكارُه، وإن كان عندك اعتذارُه فلستَ بموسِعٍ عُذراً كلَّ من أسْمَعْتَه نُكرا. . . وكتب الحجاجُ إلى بعض من اعْتذرَ إليه: إنْ يَعلَمِ اللهُ ذلك من نيَّتك تُكْفَ المقالَ. وكتب كاتبٌ: لست أعتذر إليك من الذّنب إلا بالإقلاع عنه. وكتب آخر: إن تركت الاعتذار فلِما قال الشاعر - هو محمود الورَّاق -: إذا كانَ وجْهُ العُذْرِ ليسَ ببيِّنٍ ... فإنّ اطِّراحَ العُذْرِ خَيْرٌ مِنَ العُذْرِ وقالوا: الإغراقُ في العُذْرِ يحقّق التُّهمةَ، كما أنّ الإفراط في النصيحة يُوجب الظِّنَّة. . . .

стр. 453

وكتب بعضُهم: إنْ كان ما بَلَغك حقاً فما تُعني المعاذيرُ، وإنْ كانَ كذِباً فما تضرُّ الأباطيلُ. وقال شاعر: تعالَوْا نَصْطلِحْ وتكونُ مِنَّا ... مَعاوَدةٌ بلا عَدِّ الذُّنوبِ فإنْ أحْبَبْتُمُ قُلْتُمْ وقُلْنا ... فإنَّ القَوْلَ أشْفى للقلوبِ وخطب الحجّاجُ يوماً فأطال، فقام رجل فقال: الصلاة، الوقت لا ينتظرُك، والرّبُّ لا يعذرُك، فأمرَ بحَبسِه، فأتاه قومُه وزعَموا أنّه مجنون فإنْ رأى أن يُخلي سبيلَه! فقال: إنْ أقرَّ بالجنونِ خَلَّيتُه، فقيل له ذلك، فقال: معاذَ اللهِ، لا أزعُمُ أنّ اللهَ ابْتَلاني وقد عافاني، فبلغ ذلك الحجاجَ، فعفا عنه لِصِدْقه. . تأسُّف من يعاتب من غير ذنب من أمثالهم: ربَّ مَلومٍ لا ذنبَ له. وقال البحتري: إذا مَحاسِني اللائي أدِلُّ بِها ... كانَتْ ذُنوبي فقُلْ لي كَيْفَ أعْتَذِرُ

стр. 454

عبقرياتهم في ذمِّ الحِلْمِ ومَدْحِ العِقاب النَّهْيُ عن الحِلم إذا كان يسبب ذُلاً أو ضَرّاً قال النابغة الجعدي: ولا خيرَ في حِلْمٍ إذا لَمْ تَكُنْ لهُ ... بَوادِرُ تَحْمي صَفْوَه أنْ يُكَدَّرا ولا خيرَ في جَهْلٍ إذا لَمْ يكنْ لهُ ... حَليمٌ إذا ما أوْرَدَ الأمْرَ أصْدَرا ويُروى أنّه لما أنشد هذين البيتين سيدَنا رسولَ الله قال صلواتُ الله عليه: أجدْتَ لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ، فعاشَ مائة وثلاثين سنة لم تَنْفَضَّ له ثنيَّة. . . وأنشد المبرِّد: أبا حَسَنٍ ما أقْبحَ الجَهْلَ بالفتى ... ولَلْحِلْمُ أحياناً مِنَ الجَهْلِ أقْبحُ إذا كانَ حِلْمُ المَرْءِ عَوْنَ عَدُوِّه ... عَلَيْهِ فإنَّ الجَهْلَ أعْفى وأرْوَحُ أقول: إنَّ مُرادهم بالجَهْلِ ههنا ما قابلَ الحِلْم وقال المتنبي: مِنَ الحِلْمِ أنْ تَسْتَعملَ الجهلَ دونَه ... إذا اتَّسَعَتْ في الحِلْمِ طُرْقُ المَظالِمِ وقال: إذا قيلَ: رِفْقاً قال: لِلحِلْمِ مَوْضِعٌ ... وحِلْمُ الفَتى في غيرِ مَوْضِعِه جَهْلُ وقالَ أبو يَعْقوب الخُرَيْمي: أرى الحِلْمَ في بعضِ المواطنِ ذِلَّةً ... وفي بَعْضها عِزّاً يُسوِّدُ صاحِبَهْ

стр. 455

وقال الأحْنَفُ بنُ قيس: لا حِلْمَ لِمَنْ لا سَفيهَ له. وقال: ما قلَّ سفهاءُ قومٍ إلا ذَلّوا. . . وقال الجاحظ: مَنْ قابلَ الإساءةَ بالإحسانِ فقَدْ خالَفَ اللهَ في تَدْبيرِه، وظَنَّ أنَّ رحمةَ اللهِ دونَ رحمته، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ وقال: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾. وقال الشعبيُّ: يُعجبني الرَّجلُ إذا سيمَ هَواناً دَعَتْه الأنفةُ إلى المُكافأةِ ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾؛ ورُفع كلامُه إلى الحجّاج فقال: لله درُّه! أيُّ رجلٍ بين جَنْبَيْه! وتمثّل بقول الشاعر: ولا خيرَ في عِرْضِ امْرئٍ لا يَصونُه ... ولا خيرَ في حِلْمِ امْرئٍ ذَلَّ جانِبُهْ دَفْعُ الجهل بالجهل قال محمد بْنُ وهيب: لَئِنْ كُنْتُ مُحْتاجاً إلى الحِلْمِ إنني ... إلى الجَهْلِ في بعضِ الأحايينِ أحْوَجُ ولي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بالحِلْمِ مُلُجَمٌ ... ولي فَرسٌ لِلْجَهْلِ بالجَهْلِ مُسْرَجُ فَمَنْ رامَ تَقويمي فإنّي مُقَوَّمٌ ... ومَنْ رامَ تَعْويجي فإنّي مُعَوَّجُ وما كُنْتُ أرْضى الجَهْلَ خِدْناً وصاحِباً ... ولَكنَّني أرْضى به حينَ أحْرَجُ وإنْ قالَ بعضُ الناسِ: فيهِ سَماجَةٌ ... فَقَدْ صَدقوا، والذَّلُّ بالحُرِّ أسْمَجُ وقال إياس بنُ قتادة - وهو بارعٌ جداً -: تُعاقِبُ أيدينا ويَحْلُمُ رأيُنا ... ونَشْتِمُ بالأفْعالِ لا بالتَّكلُّمِ وقال أوسُ بن حَبْناءَ - شاعرٌ إسلامي تميمي وحبناءُ أمُّه -: إذا المَرْءُ أوْلاكَ الهَوانَ فأوْلِه ... هَواناً وإنْ كانَتْ قَريباً أواصِرُهْ

стр. 456

وإنْ أنْتَ لَمْ تَقْدِرْ على أنْ تُهينَه ... فَذَرْه إلى اليَوْمِ الذي أنْتَ قادِرُهْ وقارِبْ إذا ما لَمْ تَكُنْ لكَ حيلةٌ ... وصَمِّمْ إذا أيْقَنْتَ أنَّكَ عاقِرُهْ وقالوا: الشَّرُّ لا يَدْفعُه إلا الشَّرُّ والحديد بالحديد يُفْلَحُ. . . من نهي عن الاغترار بحلمه قال المتنبي: وأطْمَعَ عامِرَ البُقْيا علَيْها ... ونَزَّقَها احْتِمالُكَ والوقارُ وقال آخر: ولا يَغْرُرْكَ طولُ الحِلْمِ مِنّي ... فَما أبداً تُصادِفُني حَليماً وقال آخر: احْذَرْ مَغايظَ أقوامٍ ذَوي أنَفٍ ... إنَّ المَغيظَ جَهولُ السَّيْفِ مَجْنونُ الحلم مُغْرٍ وضارّ مُذل قال الأحنف لرجل: ليتَ طولَ حِلْمِنا عليكَ لا يَدْعو جَهْلَ غيرِنا إليك.

стр. 457

وقيل للأحنف: ما الحِلْمُ؟ فقال: الرضا بالذُّلِّ. . . وقالوا: الشهرةُ بالمُلايَنةِ والخير شرٌّ مِنَ الاشْتِهارِ بالغِلْظةِ والشرّ، لأنَّ من عُرفَ بالخيرِ اجْتَرأ عليه الناسُ، ومَنْ عُرِفَ بالشَّرِّ هابَه الناسُ وتجنَّبوه. وقال معاويةُ: ما ولَدَتْ قُرَشيّةٌ خيراً لقُرَشِيٍّ منّي، فقال رجلٌ كانَ حاضِراً: بل ما ولدتْ شرّاً لهم منك، فقال: كيف؟ قال: لأنّك عَوَّدتهم عادةً يطلبونها ممّن بعدك فلا يجيبونهم إليها فيحملون عليهم كحملهم عليك وكأنّي بهم كالزِّقاقِ المنفوخةِ على طُرُقاتِ المدينةِ. . . نهيهم عن إكرام اللّئام قال المتنبي: إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكريمَ ملكْتَه ... وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللئيمَ تَمرَّدا ووَضْعُ النَّدى في مَوْضِعِ السَّيْفِ بالعُلا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدى وقبلهما: وما قتلَ الأحْرارَ كالعَفْوِ عَنْهُمُ ... ومَنْ لكَ بالحُرِّ الذي يَحْفَظ اليَدا وقالوا: استعمال الحلمِ مع اللئيم أضرُّ من استعمالِ الجَهْلِ معَ الكريم. وقال يزيد بن معاويةَ لأبيه: هل ذمَمْتَ عاقبةَ حِلْمٍ؟ قال: ما حَلُمْتُ عن لئيمٍ وإنْ كانَ وليّا إلا أعْقَبني نَدماً، ولا أقدمْتُ على كريمٍ وإنْ كانَ عدوَّاً إلا أعْقَبني أسفاً. . وقال الشاعر:

стр. 458

مَتى تَضِعِ الكرامةَ في لَئيمٍ ... فإنَّكَ قدْ أسأتَ إلى الكرامهْ الاستعانة بالجهل لدى الحاجة إليه قال العباس بن الأحنف: ومَنْ يَحْلُمْ ولَيْسَ له سفيهٌ ... يُلاقي المُعْضلاتِ مِن الرجالِ وقال غيره: ولا يَلْبَثُ الجُهُّالُ أن يَتَهضَّموا ... أخا الحِلْمِ ما لَمْ يَسْتَعِنْ بِجَهولِ وبينا عبدُ الله بن عمر ﵁ جالسٌ إذ أقبل أعرابيٌّ، فلطَمَه، فقام إليه رجلٌ فجلدَ به الأرْضَ، فقال ابنُ عمرَ: ليس بِعزيزٍ مَنْ ليسَ في قومه سفيهٌ. . . حث القادر على العقاب قبل فَوْته قد أسلفنا كثيراً من عبقرياتهم في هذا المعنى، وقال أبو أذينةَ الغَسّاني: يُحرِّضُ ابنَ عمِّه الأسودَ بنَ المنذر على قتل جماعةٍ من مُلوكِ الشام كان قد أسَرَهُمْ فأراد أن يعفوَ عنهم: ما كلَّ يَوْمٍ ينالُ المَرْءُ ما طَلبا ... ولا يُسوِّغُه المقدارُ ما وَهبا وأنْصفُ الناسِ في كلِّ المواطنِ مَنْ ... سقى الأعاديَ بالكأسِ الّتي شَرِبا ولَيْسَ يَظلمُهُمْ مَنْ باتَ يضربُهم ... بِحدِّ سيفٍ به من قبلِهم ضُرِبا فالعَفْوُ إلا عنِ الأعْداءِ مَكْرُمةٌ ... منْ قالَ غيرَ الذي قد قلتُه كَذبا قتَلْتَ عَمْراً وتَستبقي يزيدَ لَقَدْ ... رأيْتَ رأياً يجرُّ الويلَ والحَرَبا لا تَقْطَعَنْ ذنَبَ الأفعى وتتركَها ... إنْ كنتَ شَهْماً فأتْبِعْ رأسَها الذَّنَبا

стр. 459

هُمْ جَرَّدوا السيفَ فاجْعَلْهُمْ به جزَرا ... هُمْ أوْقَدوا فاجْعلْهُمْ لَها حَطَبا ومنها: لا عَفْوَ عَنْ مِثْلِهِمْ في مِثلِ ما طَلبوا ... لكنَّ ذلكَ كانَ الهُلكَ والعَطَبا عَلامَ تَقْبلُ مِنْهُمْ فِدْيةً وهُمُ ... لا فِضَّةً قَبلوا مِنّا ولا ذَهَبا وكتب يحيى بن خالد البرمكيّ إلى الرشيد من الحبس: إنْ كانَ الذنْبُ خاصَّاً. فلا تُعَمِّم بالعُقوبة، فَمَعي سَلامَةُ البَريءِ ومودَّة الوليّ؛ فكتَبَ إليه: قُضيَ الأمْرُ الذي فيه تستفتيان. . . وقال بعضُهُمْ لأبي جعفر المنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتّى كأنّك لم تَسْمَعْ بالعفوِ! فقال: لأن بني مروان لم تَبْلَ رِمَمُهُمْ، وآلُ أبي طالب لم تُغْمدْ سُيوفُهم، ونَحْنُ بينَ أقوامٍ قَدْ رأوْنا بالأمْسِ سُوقةً واليومَ خُلفاء، فليس تتمهَّد الهيبةُ في صُدورهم إلا باطّراحِ العفوِ واستعمالِ العُقوبة. . . التبجح بقسوة القلب وقلة الرحمة كان محمدُ بن عبد الملك الزيّات وزيرُ المعتصم والواثق قد اتّخذ تنُّوراً من حديد، وأطرافُ مساميره قائمةٌ مثل رؤوس المَسالّ، في أيّام وزارته وكان يعذِّب فيه المصادرين وأربابَ الدواوين المطلوبين بالأموال، فيجِدون لذلك أشدَّ الألم، ولم يسبقْه أحدٌ إلى هذا النوع من العقاب، وكان إذا قال له أحدٌ منهم: أيّها الوزير، ارْحمني، يقول له: الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة، فلما

стр. 460

اعتقله المتوكّل أمرَ بإدْخاله في التَّنُّور وقيَّده بخمسةَ عشر رِطلاً من الحديد، فقال: يا أمير المؤمنين، ارحمني، فقال له: الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة، كما كان يقول للناس. ثم يتمثل: فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ سيرةٍ أنْتَ سِرْتَها ووقع مَرَّةً في قِصة رجل: دعني من ذكر الرحمة والإشْفاق، فما هُما إلا للنِّسوان والصبيان. . . . وقال المتنبي: يَدْخلُ صبرُ المرءِ في مَدْحِه ... ويَدْخُلُ الإشْفاقُ في ثَلْبِهِ الثَّلْبُ: الذَّمُّ والعاب، يقول: إنّ الصَّبْرَ ممّا يُمدح به الإنسان والإشفاقَ مما يُعاب به أخذ البريء بذنب الجاني قال اللهُ تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ وقال الحارثُ بْنُ حِلِّزةَ اليَشْكُري من معلقته التي ارْتَجلها بين يدي عَمْرِو بن هند ملك الحيرة في شيءٍ كان بين بكر وتغلب: عَنَناً باطِلاً وظُلْماً كَما تُعْ ... تَرُ عَنْ حَجْرةِ الرَّبيضِ الظِّباءُ العَنَن: الاعْتراضُ يقال: عَنَّ يَعِنَّ ويَعُنُّ عَنّاً وعُنوناً واعْتَنَّ: عَرَضَ واعْتَرضَ، والاسم العَنَنُ، والحَجْرةُ: الناحية، والجَمْع: حَجْرٌ
следующие страницы →