Полный текст (628 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وإنْ أنْتَ لَمْ تَقْدِرْ على أنْ تُهينَه ... فَذَرْه إلى اليَوْمِ الذي أنْتَ قادِرُهْ
وقارِبْ إذا ما لَمْ تَكُنْ لكَ حيلةٌ ... وصَمِّمْ إذا أيْقَنْتَ أنَّكَ عاقِرُهْ
وقالوا: الشَّرُّ لا يَدْفعُه إلا الشَّرُّ والحديد بالحديد يُفْلَحُ. . .
من نهي عن الاغترار بحلمه
قال المتنبي:
وأطْمَعَ عامِرَ البُقْيا علَيْها ... ونَزَّقَها احْتِمالُكَ والوقارُ
وقال آخر:
ولا يَغْرُرْكَ طولُ الحِلْمِ مِنّي ... فَما أبداً تُصادِفُني حَليماً
وقال آخر:
احْذَرْ مَغايظَ أقوامٍ ذَوي أنَفٍ ... إنَّ المَغيظَ جَهولُ السَّيْفِ مَجْنونُ
الحلم مُغْرٍ وضارّ مُذل
قال الأحنف لرجل: ليتَ طولَ حِلْمِنا عليكَ لا يَدْعو جَهْلَ غيرِنا إليك.
стр. 457
وقيل للأحنف: ما الحِلْمُ؟ فقال: الرضا بالذُّلِّ. . .
وقالوا: الشهرةُ بالمُلايَنةِ والخير شرٌّ مِنَ الاشْتِهارِ بالغِلْظةِ والشرّ، لأنَّ من عُرفَ بالخيرِ اجْتَرأ عليه الناسُ، ومَنْ عُرِفَ بالشَّرِّ هابَه الناسُ وتجنَّبوه.
وقال معاويةُ: ما ولَدَتْ قُرَشيّةٌ خيراً لقُرَشِيٍّ منّي، فقال رجلٌ كانَ حاضِراً: بل ما ولدتْ شرّاً لهم منك، فقال: كيف؟ قال: لأنّك عَوَّدتهم عادةً يطلبونها ممّن بعدك فلا يجيبونهم إليها فيحملون عليهم كحملهم عليك وكأنّي بهم كالزِّقاقِ المنفوخةِ على طُرُقاتِ المدينةِ. . .
نهيهم عن إكرام اللّئام
قال المتنبي:
إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكريمَ ملكْتَه ... وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللئيمَ تَمرَّدا
ووَضْعُ النَّدى في مَوْضِعِ السَّيْفِ بالعُلا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدى
وقبلهما:
وما قتلَ الأحْرارَ كالعَفْوِ عَنْهُمُ ... ومَنْ لكَ بالحُرِّ الذي يَحْفَظ اليَدا
وقالوا: استعمال الحلمِ مع اللئيم أضرُّ من استعمالِ الجَهْلِ معَ الكريم.
وقال يزيد بن معاويةَ لأبيه: هل ذمَمْتَ عاقبةَ حِلْمٍ؟ قال: ما حَلُمْتُ عن لئيمٍ وإنْ كانَ وليّا إلا أعْقَبني نَدماً، ولا أقدمْتُ على كريمٍ وإنْ كانَ عدوَّاً إلا أعْقَبني أسفاً. .
وقال الشاعر:
стр. 458
مَتى تَضِعِ الكرامةَ في لَئيمٍ ... فإنَّكَ قدْ أسأتَ إلى الكرامهْ
الاستعانة بالجهل لدى الحاجة إليه
قال العباس بن الأحنف:
ومَنْ يَحْلُمْ ولَيْسَ له سفيهٌ ... يُلاقي المُعْضلاتِ مِن الرجالِ
وقال غيره:
ولا يَلْبَثُ الجُهُّالُ أن يَتَهضَّموا ... أخا الحِلْمِ ما لَمْ يَسْتَعِنْ بِجَهولِ
وبينا عبدُ الله بن عمر ﵁ جالسٌ إذ أقبل أعرابيٌّ، فلطَمَه، فقام إليه رجلٌ فجلدَ به الأرْضَ، فقال ابنُ عمرَ: ليس بِعزيزٍ مَنْ ليسَ في قومه سفيهٌ. . .
حث القادر على العقاب قبل فَوْته
قد أسلفنا كثيراً من عبقرياتهم في هذا المعنى، وقال أبو أذينةَ الغَسّاني:
يُحرِّضُ ابنَ عمِّه الأسودَ بنَ المنذر على قتل جماعةٍ من مُلوكِ الشام كان قد أسَرَهُمْ فأراد أن يعفوَ عنهم:
ما كلَّ يَوْمٍ ينالُ المَرْءُ ما طَلبا ... ولا يُسوِّغُه المقدارُ ما وَهبا
وأنْصفُ الناسِ في كلِّ المواطنِ مَنْ ... سقى الأعاديَ بالكأسِ الّتي شَرِبا
ولَيْسَ يَظلمُهُمْ مَنْ باتَ يضربُهم ... بِحدِّ سيفٍ به من قبلِهم ضُرِبا
فالعَفْوُ إلا عنِ الأعْداءِ مَكْرُمةٌ ... منْ قالَ غيرَ الذي قد قلتُه كَذبا
قتَلْتَ عَمْراً وتَستبقي يزيدَ لَقَدْ ... رأيْتَ رأياً يجرُّ الويلَ والحَرَبا
لا تَقْطَعَنْ ذنَبَ الأفعى وتتركَها ... إنْ كنتَ شَهْماً فأتْبِعْ رأسَها الذَّنَبا
стр. 459
هُمْ جَرَّدوا السيفَ فاجْعَلْهُمْ به جزَرا ... هُمْ أوْقَدوا فاجْعلْهُمْ لَها حَطَبا
ومنها:
لا عَفْوَ عَنْ مِثْلِهِمْ في مِثلِ ما طَلبوا ... لكنَّ ذلكَ كانَ الهُلكَ والعَطَبا
عَلامَ تَقْبلُ مِنْهُمْ فِدْيةً وهُمُ ... لا فِضَّةً قَبلوا مِنّا ولا ذَهَبا
وكتب يحيى بن خالد البرمكيّ إلى الرشيد من الحبس: إنْ كانَ الذنْبُ خاصَّاً. فلا تُعَمِّم بالعُقوبة، فَمَعي سَلامَةُ البَريءِ ومودَّة الوليّ؛ فكتَبَ إليه: قُضيَ الأمْرُ الذي فيه تستفتيان. . .
وقال بعضُهُمْ لأبي جعفر المنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتّى كأنّك لم تَسْمَعْ بالعفوِ! فقال: لأن بني مروان لم تَبْلَ رِمَمُهُمْ، وآلُ أبي طالب لم تُغْمدْ سُيوفُهم، ونَحْنُ بينَ أقوامٍ قَدْ رأوْنا بالأمْسِ سُوقةً واليومَ خُلفاء، فليس تتمهَّد الهيبةُ في صُدورهم إلا باطّراحِ العفوِ واستعمالِ العُقوبة. . .
التبجح بقسوة القلب وقلة الرحمة
كان محمدُ بن عبد الملك الزيّات وزيرُ المعتصم والواثق قد اتّخذ تنُّوراً من حديد، وأطرافُ مساميره قائمةٌ مثل رؤوس المَسالّ، في أيّام وزارته وكان يعذِّب فيه المصادرين وأربابَ الدواوين المطلوبين بالأموال، فيجِدون لذلك أشدَّ الألم، ولم يسبقْه أحدٌ إلى هذا النوع من العقاب، وكان إذا قال له أحدٌ منهم: أيّها الوزير، ارْحمني، يقول له: الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة، فلما
стр. 460
اعتقله المتوكّل أمرَ بإدْخاله في التَّنُّور وقيَّده بخمسةَ عشر رِطلاً من الحديد، فقال: يا أمير المؤمنين، ارحمني، فقال له: الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة، كما كان يقول للناس. ثم يتمثل:
فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ سيرةٍ أنْتَ سِرْتَها
ووقع مَرَّةً في قِصة رجل: دعني من ذكر الرحمة والإشْفاق، فما هُما إلا للنِّسوان والصبيان. . . .
وقال المتنبي:
يَدْخلُ صبرُ المرءِ في مَدْحِه ... ويَدْخُلُ الإشْفاقُ في ثَلْبِهِ
الثَّلْبُ: الذَّمُّ والعاب، يقول: إنّ الصَّبْرَ ممّا يُمدح به الإنسان والإشفاقَ مما يُعاب به
أخذ البريء بذنب الجاني
قال اللهُ تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾
وقال الحارثُ بْنُ حِلِّزةَ اليَشْكُري من معلقته التي ارْتَجلها بين يدي عَمْرِو بن هند ملك الحيرة في شيءٍ كان بين بكر وتغلب:
عَنَناً باطِلاً وظُلْماً كَما تُعْ ... تَرُ عَنْ حَجْرةِ الرَّبيضِ الظِّباءُ
العَنَن: الاعْتراضُ يقال: عَنَّ يَعِنَّ ويَعُنُّ عَنّاً وعُنوناً واعْتَنَّ: عَرَضَ واعْتَرضَ، والاسم العَنَنُ، والحَجْرةُ: الناحية، والجَمْع: حَجْرٌ
стр. 461
وحَجَرات مثل جَمْرة وجَمْرٌ وجَمَرات، والعتر، ذبح العتيرة، وهي ذبيحةٌ كانت تُذبح للأصنام في رجب، والرَّبيض: الغنم الرابضة في مَرْبضها، وقد كان الرجل في الجاهلية يَنْذُرُ: إنْ بلَّغ اللهُ غنمَه مائةً ذَبحَ مِنْها واحدةً للأصنام، ثم ربَّما ضنّت نفسُه بها فأخذَ ظبياً وذَبَحه مكان الشاة الواجبة عليه يقول: ألزمتُمونا ذنبَ غيرِنا عَنَناً باطِلاً كما يُذبح الظبيُ لَحَقٍّ وَجَبَ في الغنم
وقال النابغة الذبياني من أبياته العينية التي يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر:
أتاني أبَيْتَ اللَّعْنَ أنّكَ لُمْتُني ... وتلك التي تَسْتكُّ مِنها المَسامِعُ
مقالةُ أنْ قدْ قلْتَ: سوفَ أنالُه ... وذلِكَ مِنْ تِلقاءِ مِثْلكَ رائِعُ
أتُوعِدُ عَبْداً لَمْ يَخُنْكَ أمانةً ... وتَتْركُ عَبْداً ظالِماً وهْوَ ظالِعُ
وحَمّلتَني ذنبَ امْرئٍ وتركْتَه ... كَذي العُرِّ يُكوى غيرُه وهْوَ راتِعُ
وذلكَ أمْرٌ لمْ أكُنْ لأقولَه ... ولو كُبِّلَتْ في ساعِديَّ الجَوامِعُ
أتاكَ بقولٍ لَهْلَهِ النَّسْخِ كاذِباً ... ولَمْ يأتِ بالحَقِّ الذي هوَ ناصِعُ
لَعَمْري وما عَمْري على بِهيِّنٍ ... لَقَدْ نَطَقتْ بُطلاً عليّ الأقارِعُ
ومنها:
وعيدُ أبي قابوسَ في غَيْرِ كُنْهِه ... أتاني ودوني راكِسٌ فالضَّواجِعُ
فَبِتُّ كأنّي ساوَرَتْني ضَئيلةٌ ... مِنَ الرُّقْشِ في أنيابِها السُّمُّ ناقِعُ
يُسَهَّدُ في لَيْلِ التِّمامِ سَليمُها ... لِحَلْيِ النّساءِ في يَدَيْهِ قعاقِعُ
تناذَرَها الراقون مِنْ سوءِ سُمِّها ... تُطلِّقُه طَوْراً وطَوْراً تُراجِعُ
ومنها:
حَلَفْتُ فلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيْبةً ... وهَلْ يَأثَمنْ ذو إمَّةٍ وهْوَ طائِعُ
فإنَّك كَالليلِ الذي هوَ مُدْرِكي ... وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتأى عَنكَ واسِعُ
وإليك شرح هذه الأبيات: أبيْتَ اللّعن: أبيت أن تأتي من
стр. 462
الأخلاق المذمومة ما تُلعن عليه، وكانت هذه تحيّةَ لَخْم وجُذام، وكانت منازلهم الحيرةَ وما يليها، وكانت تحية ملوك غسّان: يا خيرَ الفتيان، وكانت منازلهم الشامَ: وتستكُّ: تنسَدُّ ولا تسمع، ورائِعُ: مُفزع ومخوّف وإضافةُ مقالة إلى أن قد قلت من إضافةِ الأعمِّ إلى الأخصّ، وهي من الإضافة البيانية أي مقالة هي هذا القول. وظالِع: مائل. والعُرّ: قرح يأخذ الإبل في مَشافِرها وأطرافها شَبيهٌ بالقَرَع، وربما تفرق في مشافرها مثل القُوباء، يسيل منه ماءٌ أصفرُ، وكان الأعرابُ إذا وقع العُرُّ في إبلِ أحدهم اعترضوا بعيراً صحيحاً من تلك الإبل فكَوَوْا مِشْفَرَه وعَضُدَه وفَخْذَه يَرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب العُرُّ من إبلهم. وقيل: إنما كانوا يكوون الصحيحَ لِئلا يتعلَّقَ به الداءُ لا لِيَبْرأ السّقيم. وكُبّلت: قُيّدت. والجوامع: الأغلال، جمعُ جامعة. وثوبٌ لَهْلَهُ
النسج وهَلْهل النسج: إذا كان رقيقاً، وناصع: بيّنٌ واضح. وقوله: لعمري. . . البيت فالعَمْرُ بفتح العين هو العُمْر بضمها لكن خُصَّ استعمال المفتوح في القسم، أي ما قسمي بعمري هيِّنٌ عليّ حتى يتهمني متّهم بأني أحلف كاذِباً، والبُطل - بالضم: - هو الباطل والأقارع: هُم بنو قريع بنِ عوف الذين كانوا سعوا به إلى النعمان بن المنذر حتى تغيّر له. وأبو قابوس: كنيةُ النعمان بن المنذر. وقوله في غير كُنهه: أي جاءني وعيدُه في غير قدْرِ الوعيد، أي لم أكُنْ بلغتُ ما يغضب عليّ فيه. وراكس: وادٍ، والضّواجع جمع ضاجِعة وهو مُنحنى الوادي. وقوله: فبتُّ. . . ألبيت فالمساورة: المواثبة، والأفعى لا تلدغ إلا وَثْباً. وضئيلةٌ: هي الحية الدقيقة القليلة اللحم. والرُّقْشُ من الحيّات: المنقّطة بسوادٍ، وهي من شِرارِها، والسمّ مبتدأ وناقع خبر ويجوز في غير الشعر ناقِعاً على الحالية وفي أنيابها هو الخبر. وليل التّمام بكسر التاء أطولُ ليلة في السنة، والسليم:
стр. 463
اللّديغ، وسَمّت العربُ الملسوعَ سَليماً تفاؤلاً. وقوله: لِحلْي النساء في يديه قعاقِع: فقد كان الملدوغُ يُجعل الحَلْي في يديه والجلاجل حتى لا ينامَ فَيَدِبَّ السمّ فيه. وتناذرها الراقون يروى أيضاً: تناذرها الحاوون، وهو جمع حاوٍ، وهو الذي يُمسك الحيَّاتِ، أي أنْذرَ بعضُهم بعضاً بأنها لا تجيب راقياً وقوله: تطلِّقه: تخِفُّ عنه مرة وتشتَدُّ عليه مرّةً، ومثل ذلك قول الآخر:
تَبيتُ الهُمومُ الطارِقاتُ يَعُدْنَني ... كما تَعْتري الأوصابُ رأسَ المُطلَّقِ
يقال: طُلِّقَ السليم: رَجعتْ إليه نفسُه وسكن وجعُه بعدَ العِداد فهو مُطلّق، قال المبرِّد: وهذا هو الذي ذكره النابغة قال: وذلك أنَّ المنهوشَ إذا ألحَّ الوجعُ به تارةً وأمسك عنه تارةً فقد قارب أن يؤْيَسَ مِنْ بُرْئِه، وإنّما ذكر خوفَه من النعمان وما يعتريه من لوعة في إثر فترة والخائف لا ينام إلا غِراراً، فلذلك شُبّه بالملدوغِ المسهَّد. والإمَّة لغةٌ في الأمَّة: الدين والخير ثم شبَّهه في البيت الأخير في حال سُخطه بالليل الشديد الظلمة لا يُهتدى فيه
ووقَفَ رجلٌ على الحجاج فقال: أصلَح اللهُ الأميرَ، جَنى جانٍ في الحيّ فأخِذْتُ بِجريرته وأسْقِطَ عطائي، فقال الحجّاج: أما سمعت قولَ الشاعر:
جانيكَ مَنْ يجني عَليكَ وقدْ ... تُعْدي الصِّحاحَ مَبارِكُ الجُرْبِ
стр. 464
ولَرُبَّ مأخوذٍ بذَنْبِ صَديقِه ... ونَجا المُقارِفُ صاحِبُ الذَّنْبِ
فقال: أعزَّ اللهُ الأمير، كتابُ الله أولى ما اتُّبِع، قال الله تعالى: ﴿مَعَاذَ اللهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن
وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ فقال الحجاجُ: صدقْتَ يا غلام، رُدَّ اسْمَه وأثْبِتْ رَسْمَه؛ وأسْنِ له عَطاءَه.
عذر من بدر منه سخط
قال البحتري:
إذا أحْرَجْتَ ذا كَرمٍ تَخطَّى ... إليكَ بِبَعْضِ أخلاقِ اللّئامِ
طائفة من عبقرياتهم في العداوات
الاحتراسُ من غرس العداوة
جاء في كليلة ودمنة: لا ينبغي للعاقل أن تحملَه ثِقتُه بِقوَّته على أن يَجْترَّ العَداوة، كما لا يَجبُ لِصاحبِ التِّرْياقِ أنْ يَشْربَ السُّمَّ اتّكالاً على أدْويتِه.
وقالوا: احْذَرْ معاداةَ الرجالِ فالناس رَجُلان: عاقلٌ فاحْذَرْ خَتْلَه، وأحْمَقُ فاحْذَرْ حُمْقَه.
стр. 465
وسيمر عليك كثير من عبقرياتهم في هذا المعنى في كتاب الإخوانيات والأصدقاء والصداقة.
نَهْيُهم عَنِ الاغترارِ بالوُدّ تُسْتَبطنُ معه العداوةُ
دخل سُدَيْفٌ مولى أبي العباس السفاح على أبي العباس أميرِ المؤمنين وعنده سليمانُ بن هِشام بْنِ عبد الملك وقد أدناه وأعطاه يدَه فقبَّلها، فلمّا رأى ذلك سُدَيْفٌ أقبل على أبي العباس وقال:
جَرِّدِ السَّيْفَ وارْفَعِ العَفْوَ حتّى ... لا تَرى فوقَ ظَهْرِها أمَوِيّاً
لا يغرَّنْك ما تَرى مِنْ أناسٍ ... إنَّ تحتَ الضُّلوعِ داءً دَوِيّاً
فأقبل عليه سُليمانُ فقال: قَتلْتَني أيُّها الشيخ قتلكَ اللهُ وقام أبو العباس فدَخل، فإذا المنديلُ قد ألقيَ في عُنُقِ سليمان، ثم جُرَّ فقُتِل.
ودخل شِبْلُ بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن عليّ، وقد أجْلسَ ثمانينَ رجُلاً من بني أمَيّةَ على سُمُطِ الطعام، فمثَل بين يديه وقال:
أصْبَحَ المُلكُ ثابتَ الآساسِ ... بالبَهاليلِ مِنْ بَني العبّاسِ
стр. 466
طَلَبوا وِتْرَ هاشِمٍ فَشَفَوْها ... بَعْدَ مَيْلٍ من الزَّمانِ وياسِ
لا تُقيلَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ عِثاراً ... واقْطَعَنْ كُلَّ رَقْلةٍ وَأواسي
ذُلُّها أظْهَرَ التودُّدَ مِنْها ... وبِها مِنْكُمُ كَحَزِّ المَواسي
ولقَدْ غاظَني وغاظَ سَوائي ... قَرْبُهُمْ مِنْ نَمارِقٍ وكَراسي
أنْزِلوها بِحيثُ أنْزَلَها اللهُ بِدارِ الهَوانِ والإتعاسِ
واذْكُروا مَصْرَعَ الحُسَيْن وزيداً ... وقتيلاً بِجانِبِ المِهْراسِ
والقتيلَ الّذي بِحرَّانَ أضْحى ... ثاوِياً بَيْنَ غُرْبةٍ وتناسِ
نِعْمَ شِبْلُ الهِراشِ مَوْلاك شِبْلٌ ... لَوْ نَجا مِنْ حَبائِلِ الإفلاسِ
فأمَرَ بهم عبدُ الله، فشُدِخوا بالعَمَدِ، وبُسِطَتْ عليهم البُسُط، وجُلِس عليها ودَعا بالطعام وإنه ليَسْمعُ أنينَ بعضهم حتّى ماتوا جميعاً، ولمّا فرَغَ من الأكلِ قال: ما أعْلَمني أكلتُ أكلةً قطُّ أهنأَ ولا أطيبَ لنفسي منها! وقال
стр. 467
لِشِبْلٍ: لولا أنّك خلَطْتَ كلامَكَ بالمسألة لأغْنَمْتُك جميعَ أموالهم، ولعقَدْتُ لك على جميع مَوالي بني هاشم.
وقال المتنبي:
فَلا تَغْرُرْكَ ألْسِنةٌ مَوالٍ ... تُقلِّبُهنَّ أفئِدةٌ أعادي
وكُنْ كَالموْتِ لا يَرثي لِباكٍ ... بَكى مِنْهُ ويَروى وهْوَ صادِ
فإنّ الجُرْحَ يَنْفِرُ بَعْدَ حينٍ ... إذا كانَ البناءُ على فَسادِ
قوله: فإن الجرح. . . ألبيت: مثله قول البحتري:
إذا ما الجُرْحُ رُمَّ عَلى فَسادٍ ... تَبيَّنَ فيهِ تفريطُ الطّبيبِ
وفي كليلة ودمنة: لا يَغرَّ العاقلَ سكونُ الحقدِ في القلبِ ما لَمْ يجدْ مُحرّكاً فإنّه كالجَمْرِ المكنونِ ما لَمْ يجِدْ حَطباً، والعداوةُ إذا وَجدَتْ فُرْصةً اشتعلت فلا يُطفِئها شيءٌ دونَ النفس. . .
стр. 468
نهيهم عن السكون إلى من تقدّم منك إليه إساءة
يُحكى أنَّ رجلاً كان له عبدٌ سِنديٌّ، فتعرَّض لامْرأتِه، فعلم الرجلُ بذلك، فأخذه وجَبَّه، ثم تحوَّب لذلك، فداواه، فلمّا بَرَأ اتَّفقَ أنْ غابَ الرجلُ يوماً، فَعمَدَ السِّندي المَجبوبُ إلى ابنينِ كانا لسيّده فأخذَهما وصعدَ السُّورَ، فلما بُصرَ بالرّجل قال: واللهِ إنْ لم تَجُبَّ نفسَك كما جَبَبْتَني لأقذفنَّهما من السور لِيَموتا، وإنّ نفسي لأهون من شربة ماء، فلمّا رأى الرجلُ منه الجِدّ جبَّ نفسه، فرمى العبدُ بالابنينِ من السورِ وقال: إنَّ جبَّك نفسَك قِصاصٌ لما جَبَبْتَني،
وقتلَ ابنيكَ زيادةٌ أعْطيْتُكَها. . .
وتزعم العرب: أن أخويْنِ كانا في إبلٍ لهما، فأجْدَبتْ بِلادُهما، وكان بالقرب منهما وادٍ خصيبٌ وفيه حيّةٌ تَحميه مِنْ كلِّ أحد، فقال أحدُهما للآخر: يا فلان، لو أني أتيت هذا الواديَ المُكْلِئَ فرعيت فيه إبلي وأصلَحْتُها؟ فقال له أخوه: إني أخاف عليك الحيَّة، ألا ترى أن أحداً لا يهبط ذلك الوادي إلا أهلَكَتْه، قال: فَوَالله لأفْعَلنَّ، فهبط الوادي ورعى به إبلَه زَماناً، ثمَّ إن الحيَّة نهشَتْه فقتلته، فقال أخوه: واللهِ ما في الحياة بعدَ أخي خيرٌ، فَلأطلُبنَّ الحيّةَ ولأقتلنّها، أو لأتْبَعَنْ أخي، فهبط ذلك الوادي وطلب الحيَّة ليقْتلَها طلباً بثأره، فقالت له الحيّةُ: فهل لك في الصُّلْحِ، فأدعُك بهذا الوادي تكونُ فيه وأعطيك كلَّ يومٍ ديناراً ما بَقيت؟ قال أوَ فاعِلةٌ أنتِ؟ قالت: نعم، قال: إني أفعل، فحلف لها وأعْطى المواثيقَ: لا يَضرها، وجعلَتْ تعطيهِ كلَّ يوم ديناراً، فكثر ماله حتى صار من أحسنِ الناسِ حالاً؛ ثم إنّه ذكر أخاه فقال: كيف ينفعُني العيشُ وأنا
стр. 469
أنظرُ إلى قاتل أخي! فعمَدَ إلى فأسِه فأخَذَها؛ ثم رصدَ لها، حتّى خرجت، فضَربَها ضربةً شجَّت رأسَها، فلما رأت ما فعل قطَعَتْ عنه الدينار، فخاف الرجلُ شرَّها ونَدِمَ، فقال لها: هل لك أن نتواثقَ ونعودَ إلى ما كنَّا عليه؟ فقالت: كيف أعاوِدُك وهذا أثرُ فأسك وهذا قبرُ أخيك! وقد ذكر هذه الحكاية النابغة الذبياني في أبياتٍ له لا داعي إلى إيرادِها وقد جاء في ختامِها هذا البيت:
أبى لكَ قبرٌ لا يزال مُواجِهي ... وضَرْبةُ فأسٍ فوقَ رأسِيَ فاغِرَهْ
نهيهم عن احتقار العدو
قال ابنُ نُباتةَ السعدي:
وإذا عَجِزْتَ عَنِ العَدُوِّ فَدارِه ... وامْزُجْ له إنَّ المِزاجَ وِفاقُ
فالنارُ بِالماءِ الذي هُوَ ضِدُّها ... تُعطي النَّضاجَ وطبْعُها الإحْراقُ
وقالوا: لا يُتَّقى العدوُّ القويُّ بمثلِ الخُضوعِ واللّينِ، ومَثلُ ذلكَ مَثَلُ الرّيحِ العاصفِ تَقلَعُ الأشْجارَ العِظام، لتأبِّيها عليها، ويَسْلَمُ مِنْها النَّباتُ اللَّيِّنُ لِتَمايُلِه مَعها.
ومِن أمثالهم: إذا عزَّ أخوك فهُنْ.
قال الإمام ثعلب: هذا مثلٌ مَعْناه: إذا تعظَّم أخوك شامِخاً عليكَ فالْتَزِمْ له الهَوان؛ وعبارة الأزهريّ: المعنى: إذا غلبك وقهَرك ولم تُقاوِمْه فتواضَعْ له، فإنَّ اضطرابَك عليه يزيدُك ذلاًّ
وخَبالاً، وقال الزجاج: الذي قاله ثعلب خطأ، وإنما الكلام. إذا عزَّ أخوك فهِنْ - بكسر الهاء - ومعناه إذا اشتدَّ عليك فهُنْ له ودارِه، وهذا من مَكارمِ الأخلاق، كما رُوي عن
стр. 470
معاويةَ ﵁ أنه قال: لوْ أنَّ بيني وبينَ الناسِ شعرةً يَمُدّونَها وأمُدُّها ما انْقَطَعَتْ، قيل: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا أرْخَوْها مَدَدْتُ، وإذا مدّوها أرْخيت، فالصحيح في هذا المثل، فهِنْ بالكسر، من قولهم: هانَ يَهين: إذا صار هيِّناً ليِّناً، كقوله:
هَيْنونَ لَيْنونَ أيْسارٌ ذَوو كَرَمٍ ... سُوّاسُ مَكْرُمةٍ أبْناءُ أطْهارِ
وإذا قالوا: فهُنْ فَهْو مِنَ الهوان، والعَربُ لا تأمُرُ بِذلك، لأنّهم أعِزّةٌ أبّاؤون للضّيم.
وقال ابن سِيدَه: وعِندي أنّ الذي قاله ثعلب صحيحٌ لقولِ ابْنِ الأحْمر - شاعر إسلامي -:
وقارِعةٍ مِنَ الأيّامِ لَوْلا ... سَبيلُهُمُ لَزاحَتْ عنكَ حينا
دَبَبْتُ لَها الضَّراَء وقُلْتُ: أبْقى ... إذا عزَّ ابْنُ عَمِّك أنْ تَهونا
المتبجح بإظهار الليان وإضمار العداوة
قال المتنبي:
وجاهِلٍ مَدَّه في جَهْلِه ضَحِكي ... حتّى أتَتْه يَدٌ فَرّاسةٌ وفَمُ
إذا نَظَرْتَ نُيوبَ اللَّيْثِ بارِزةً ... فلا تَظنّنَّ أنَّ اللّيثَ مُبْتَسِمُ
مدَّه: أمهله وطوّل له، وأصل الفَرْس: دقُّ العُنق يقول: ربَّ جاهلٍ خدعتْه مُجاملتي وتركَه في حُمْقِه ضَحكي منه حتّى افترسْتُه وبَطَشْتُ به بعد زمانٍ يعني أنه يغضي عن الجاهِلِ ويَحْلُمُ إلى أن يُجازيَه ويَعْصِفَ به، ثم قال في
стр. 471
البيت التالي: إذا كشّر الأسدُ عن نابه فليس ذلك تبسُّماً، بل قَصْداً للافتراس، يريد: أنّه وإنْ أبْدى بِشْرَه، وتبسُّمَه للجاهلِ فليس ذلك رضىً عنه، وفي مثل هذا يقول أبو تمام:
قدْ قَلّصتْ شَفتاهُ مِنْ حَفيظتِهِ ... فَخيلَ مِنْ شِدَّةِ التَّعْبيسِ مُبْتَسِماً
العدو يكاشرك إذا حضرك
قال المُثقّب العبدي - شاعر جاهلي -:
إنّ شرَّ الناسِ مَنْ يَكْشِرُ لي ... حينَ ألقاهُ وإنْ غَبْتُ شَتَمْ
وقال ابن الرومي:
يُبيحُ لي صَفْحَةَ السَّلامَةِ والسَّلْ ... مِ ويُخْفي في قَلْبِه مَرَضا
وقال المتنبي:
أبْدو فَيَسْجُدُ مَنْ بالسّوءِ يذْكُرُني ... ولا أعاتِبُه صَفْحاً وإهْوانا
وممّا يصح أن يُذكر هنا ما رُوي: أنّه قيل لأعرابيٍّ: كيف فلانٌ فيكم؟
فقال: إذا حضر هِبناه، وإنْ غابَ اغْتَبْناه، قال: ذاكَ هوَ السيِّدُ فيكم. . .
من نظرُه ينبئ عن عداوته
وتحذيرهم من العَداوة المَستورة
قال شاعر:
سُتورُ الضَّمائِرِ مَهْتوكةٌ ... إذا ما تلاحَظَتِ الأعْيُنُ
وقال زهير بن أبي سُلمى:
وما يكُ في عَدوٍّ أو صديقٍ ... تُخَبّرْكَ العُيونُ عن القلوبِ
стр. 472
وقال عُميرُ بن حُباب:
ألا ربَّ مَنْ تَدْعو صَديقاً ولَوْ تَرى ... مقالَتَه في الغيبِ ساَءك ما يَفري
يَسُرُّك باديه وتحْتَ أديمِه ... نَميَّةُ شَرٍّ تَبْتَري عصَبَ الظَّهْرِ
تُبينُ لكَ العَيْنانِ ما هُوَ كاتِمٌ ... مِنَ الضِّغْنِ والشَّحْناءِ بالنَّظَرِ الشّزْرِ
وفينا - وإنْ قيل اصْطلَحْنا - تَضاغُنٌ ... كَما طَرَّ أوبارُ الجِرابِ على النَّشْرِ
وقال أبو نواس:
كَمَنَ الشَّنئانُ فيهِ لَنا ... كَكُمونِ النَّارِ في حَجَرِهْ
وقبله:
وابْنِ عَمٍّ لا يُكاشِفُنا ... قَدْ لَبِسْناهُ على غَمَرِهْ
وهي الأبيات التي يقول فيها:
لا أذودُ الطَّيْرَ عَنْ شَجَرٍ ... قدْ بَلَوْتُ المُرَّ مِنْ ثَمَرِهْ
وقال زُفَرُ بْنُ الحارث:
وقدْ يَنْبُتُ المَرْعى على دِمَنِ الثَّرى ... وتَبْقى حَزازاتُ النُّفوسِ كَما هِيا
стр. 473
وفي الحديث أنّ النبيَّ ﷺ ذكر الفِتَنَ فقال: (يكونُ بَعْدَها هُدْنةٌ على دَخَنٍ وجماعةٌ على أقْذاءٍ) وأصلُ الهدنة: السكون بعد الهَيْجِ، ومنه قيل للصلح بعد القتال بين كل
متحارِبَيْنِ: هُدْنةٌ، لأنها ملاينَة وفترة سكون بين المتقاتلين، والدخن: الكُدورَة إلى السوادِ كالدخان. والمراد سكون على غِل
ثبات العداوة الذاتية
قالوا في ذلك: الودُّ والعداوة يُتوارثان.
وفي كليلة ودمنة: ليس بين العداوة الجوهرية صُلْحٌ وإن اجتُهِد، فالماء وإن أطيلَ إسخانُه فليس يمتنع من إطفاءِ النار إذا صُبَّ عليها. ويُحكى: أنَّ أعرابياً أخذ جَروَ ذئبٍ، فربّاه بلبن شاةٍ عنده، وقال: إذا ربّيته مع الشاة أنِس بها، فيذبُّ عنها ويكون أشدَّ من الكلب، ولا يعرف طبْعَ أجناسِه، فلمّا قوي وثب على شاة فافْتَرسَها، فقال الأعرابي:
أكلْتْ شُوَيهيتي ونَشأتَ فينا ... فَما أدْراك أنّ أباك ذيبُ
حمد المداجاة طلباًَ للفرصة
قال عليٌ كرّم اللهُ وجْهَه: أنكى الأشياء لعدوِّك أنْ لا تُعْلِمَه أنَّك اتَّخَذْتَه عدوَّاً
وقال القاضي التنوخي:
الْقَ العَدُوَّ بوجْهٍ لا قُطوبَ بِه ... يَكادُ يَقْطُرُ مِنْ ماءِ البَشاشاتِ
فأحْزَمُ النَّاسِ مَنْ يَلْقى أعاديه ... في جِسْمِ حِقْدٍ وثَوْبٍ من مَودّاتِ
стр. 474
الرّفْقُ يُمْنٌ وخَيْر القولِ أصْدقُه ... وكَثْرةُ المَزْحِ مُفتاحُ العَداواتِ
المسرة بوقوع العداء بين أعدائك
في كليلة ودمنة: من حقِّ العاقل أن يرى مُعاداة بعض عدوِّه لبعضٍ ظَفراً حسناً، ففي اشتغال بعضهم ببعض خلاصُه منهم.
دنيءٌ يُعاديك بلا سبب
قال المتنبي:
وأتْعَبُ مَنْ ناداكَ مَنْ لا تُجيبُه ... وأغيظُ مَنْ عاداكَ مَنْ لا تُشاكِلُ
يقول: أتعب منادٍ لكَ مَن ناداك فلم تجبْه، لأنك لا تَشْفيهِ بالجواب، فيَجْهَدُ في النّداء، كما أنّ أغْيظَ الأعْداءِ لك مَنْ عاداكَ وهْوَ دونك، لأنّك تترفّع عن مُعارضته فلا تَشتفي منه
وقال شاعر:
يَسْطو بِلا سَبَبٍ وتِلْ ... كَ طَبيعةُ الكَلْبِ العَقورِ
تأسُّف من يعاديه لئيم أو دنيء
قال المتنبي في عُذْر من يخاصم دنيئاً ويدافعه:
إذا أتَتِ الإساءةُ من لَئيمٍ ... ولَمْ ألُمِ المُسيَء فَمَنْ ألومُ
وقال علي بن الجهم في تأسف من يعاديه لئيم:
بلاءٌ ليسَ يشبهُه بلاءُ ... عداوةُ غير ذي حَسبٍ ودينِ
يُبيحُكَ منه عِرضاً لَمْ يصُنْهُ ... ويَرتَعُ منكَ في عِرضٍ مَصونِ
ويُحكى: أنّ خنزيراً بعث إلى الأسد وقال: قاتلْني، فقال الأسد:
стр. 475
لَسْتَ بكُفئي، وإن أنا قتلتُك لم يكن لي ذلك فخراً، وإن قتلتَني لحِقَني عارٌ عظيم، فقال الخنزير: لأخْبرنَّ السباعّ بنُكولِك، فقال الأسد: احتمال العارُ في ذلك أيسرُ من التلطُّخ بِدمِك.
حثهم على العداوة بالقول لا بالفعل
قالوا: غضبُ الجاهلِ في قولِه، وغَضبُ العاقلِ في فِعْلِه
وقالوا: ونَشْتُمُ بالأفْعالِ لا بالتكلُّم
طائفةٌ من عبقرياتهم
في الناس وما جُبل عليه السوادُ الأعظم من الحقد والحسد
وسوء الظنِّ والشماتة وما جرى هذا المجرى
ولمُناسبة عبقرياتهم في العداوات نورد عليك ها هُنا صَدْراً من عبقرياتهم في الناس وما جُبل عليه السوادُ الأعظم من الحقد والحسد وسوء الظن والشماتة والمزاح وما جرى هذا المجرى
الناس
لا يزالُ الناسُ بخير ما تَبايَنوا
من أروع ما قيل في الناس وحكمة تبايُنِهم واخْتلافهم قولُه ﷺ : (لا يزال الناس بِخيرٍ ما تَباينوا، فإذا تَساوَوْا هلكوا) قال ابن الأثير في النهاية معناه: أنّهم إنّما يتساوون إذا رضوا بالنقص وتركوا التنافسَ في طلب الفضائلِ ودَرْكِ المعالي، وقد يكون ذلك خاصاً في الجهل، وذلك أنّ الناس لا يتَساوَوْنَ في العلم وإنّما يتساوون إذا كان كلُّهم
جُهّالاً، وقيل:
стр. 476
أراد بالتَّساوي التحزُّبَ والتَّفرقَ وأنْ لا يجتمعوا على إمامٍ ويدعيَ كلُّ واحد الحقَّ لنفسه فينفردَ برأيه. . . وقال أبو عبيد: أحسب قوله: فإذا تساووا هلكوا، لأنّ الغالبَ على الناس الشرُّ، وإنّما يكون الخير في النادر من الرجال، لعزَّته، فإذا كان التساوي فإنّما هو في السُّوء. . . وقال شاعر:
النَّاس أخْيافٌ وشتَّى في الشِّيَمْ ... وكلُّهُمْ يَجْمعُهمْ بيتُ الأدَمْ
أخْياف: ضروبٌ مختلفة الأخلاق والأشكال. والأدم. قيل: أراد آدم، وقيل الأرض، ولعله يشير بهذا إلى ما جاء في الأثر: كلُّكم لآدم وآدم من تراب، وقال مسلم بن الوليد:
الناسُ كلُّهمُ لِضنءٍ واحِدٍ ... ثمّ اختلافُ طبائعٍ في أنْفُسِ
الضنء: الأصل وقالوا: الناس في اختلافهم في خُلْقهم كاختلافِهم في خَلْقهم. وقال خالد بن صفوان: الناس أخْيافٌ، منهم من هو كالكلبِ، لا تراه الدهرَ إلا هرَّاراً على الناس، ومنهم كالخنزير، لا تراه الدهرَ إلا قَذِراً، ومنهم كالقرد، يضحك مِنْ نفسه. وقال بعضهم: الناس أخياف: عِلْق مَضِنَّة لا يُباع، وعِلقُ مَظِنَّة لا يُبتاع، وقال أبو العتاهية:
مَن لَكَ بالمَحْضِ ولَيْسُ مَحْضُ ... يَخْبُثُ بَعْضٌ ويَطيبُ بَعْضُ
وقديماً قُلْتُ فيما قلتُ، في كتابي الفردوس: ولِمَ لا يكون هذا الاختلاف في الحياة الدنيا بين الأفراد والجماعات إنّما يُقصد به إلى مَعنىً جميلٍ ما منه بدٌّ! ألَسْنا قد نُشِّئنا كأنغامِ آلاتِ الموسيقى، هي وإن اختلفت غيرَ أنّ اجتماعها يؤلِّف من هذا الاختلاف نغماً موسيقياً متجانساً بديعاً يُطرب السمعَ ويملِكُ على المرء مشاعرَه. ولعلَّ الأصلَ في هذا كله قولُه : ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾. . . وقوله:
стр. 477
﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. . .
وجدت الناس اخْبُر تَقْلَهْ
ومن أبْدعِ ما قيل في ذمِّ الناس ما جاء في حديث أبي الدّرداء: (وجدت الناس اخْبُرْ تَقْلَِهْ). . . قال ابنُ الأثير في النهاية: القِلَى: البُغْضُ، يقال: قَلاه يَقْليه قِلَىً وقَلىً: إذا أبْغضه، قال الجوهريُّ: إذا فَتحت مَدَدْتَ، ويَقلاه: لغةُ طيء.
يقول جرِّب الناس فإنّك إذا جرَّبتهم قليتَهم وتركتَهم، لما يَظهر لك من بواطنِ سرائِرِهم.
لفظه لفظُ الأمر ومعناه الخبر، أي مَنْ جَرَّبهم أبغَضَهم وتركَهم: والهاء في تَقْلِه: للسَّكْتِ. ومعنى نظم الحديث: وَجَدْتُ النّاسَ مقولاً فيهم هذا القول.
الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة
وجاء في الحديث الشريف: (الناس كإبلٍ مائةٌٍ لا تَجِدُ فيها راحلة). . . يعني أنَّ المَرْضِيَّ المُنْتخبَ من الناس في عزَّة وجودِه كالنَّجيبِ من الإبلِ القويِّ على الأحمال والأسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل. وقال الإمام الأزهريُّ: الذي عندي في هذا الحديث: أنّ الله تعالى ذم الدنيا وحذَّر العبادَ سوءَ مغبَّتِها وضرب لهم فيها الأمثالَ ليعتبروا، ويحذروا، وكان النبي ﷺ يحذِّرهم كما حذَّرهم الله، فرغب بعض أصحابه بعده فيها وتنافَسوا عليها حتى كان الزهدُ في النادرِ القليلِ منهم فقال: تجدون الناس بعدي كإبل مائة ليس فيها راحلة، أي أن الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة قليلٌ كقلّة الراحلة في الإبل، والراحلة هي
стр. 478
البعير القوي على الأسفار والأحمال، النجيب التامُّ الخَلْق الحسن المنظر، ويقع على الذكر والأنثى، والهاء فيه للمُبالغة
وقال الشاعِرُ:
الناسُ مِثلُ بيوتِ الشِّعْرِ كَمْ رَجلٍ ... مِنْهُمْ بألْفٍ وكَمْ بيتٍ بِديوانِ
وفي هذا المعنى يقول المعرِّي:
النّاسُ كالشِّعْرِ تُلْفى الأرْضُ جائِشةً ... بالجَمْعِ يُزْجى وخيرٌ منهمُ رَجلُ
لو تكاشفتم ما تدافنتم
ومن كلمة لسيّدنا رسول الله صلوات الله عليه: (لو تكاشفتم ما تدافنتم). يقول: لو علم بعضُكم سريرةَ بعْضٍ لاستثقل تشييعَه ودَفْنََه. . . ولعل أبا العتاهية قد أخذ من هذا الحديث قوله:
وفي النّاسِ شرٌّ لو بَدا ما تَعاشروا ... ولكنْ كَساه اللهُ ثوبَ غِطاءِ
وقالوا في ذم الناس:
عَوى الذِّئْبُ فاسْتأنَسْتُ بالذِّئْبُ إذْ عَوى ... وصَوَّتَ إنْسانٌ فكِدْتُ أطيرُ
وقال المعري:
يَحْسُنُ مَرْأًى لِبَني آدَمٍ ... وكلُّهمْ في الذَّوقِ لا يَعْذُبُ
ما فيهمُ بَرٌّ ولا ناسِكٌ ... إلاّ إلى نَفْعٍ لهُ يَجْذِبُ
أفْضَلُ مَنْ أفْضلِهمْ صَخْرةٌ ... لا تَظْلِمُ الناسَ ولا تَكْذِبُ
стр. 479
وقال محمد بن يَسير:
سوأةً للنِّاس كُلّهمُ ... أنا في هذا مِنَ اوَّلِهِمْ
لَسْتَ تَدْري حينَ تَنْسِبُهُمْ ... أيْنَ أدْناهُمْ مِنْ أفْضلِهِمْ
وقال بعضُهم: كنتُ عندَ الحَسنِ البصريّ، فقال: أسْمعُ حسيساً، ولا أرى أنيساً، صِبيانٌ حيارى، مالَهم تَفاقدوا عقولَهم، وفراشُ نار، وذِبّانُ طمع. وقيل لسفيان الثَّوريّ: دُلَّنا على رجلٍ نجلس إليه، فقال: تلك ضالّةٌ لا تُوجد. . . . وقال فلانٌ: رأيتُ كُلثومَ بنَ عمرو العتّابيَّ يأكل خبزاً في الطريق، فقلت له أما تستَحي أن تأكلَ بِحَضْرةِ الناس؟ فقال: أرأيتَ لوْ كنتَ في دارٍ فيها بقرٌ، أما كنتَ تأكلُ بحضْرتِهم؟ قلتُ: نَعَمْ، قال: فهولاء بقر! ثمّ قال: إن شئْتَ أريتُك دلالةً على ذلك، ثم قام ووَعظَ، وجمع قوماً ثمَّ قال: رُوي عن غير وجه: أنّ من بلَغَ لسانُه أرنبةَ أنْفِه أدْخَلَه اللهُ الجنَّةَ، فلَمْ يبقَ أحدٌ إلا أخرج لسانَه ينظر هل يبلغ!
وقال رجل لأحدِ الشعراء: أين سكةُ الحمير؟ فقال: اسْلُكْ أيَّ دَرْبٍ فكلُّها دُروبُ الحَمير. . . ومثل هذه النوادر المستطرفة. . .
وقال بعضُهم: الناسُ أربعةُ أصنافٍ: آساد، وذئاب، وثعالب، وضَأْن، فأمّا الآساد فالملوك - ومَنْ إليهِمْ من الحُكّام المُستبدّين - وأمّا الذئاب فالتُّجار، وأمَّا الثعالِبُ فالقُرّاء المُخادعون، وأما الضأن فالمؤمن - يريد الطيِّبَ الكريم - ينْهشُه كلُّ مَنْ يَراه. وقال كثيّر عزة:
سواسٍ كأسْنانِ الحِمارِ فَما تَرى ... لِذي شَيْبةٍ مِنْهُمْ على ناشئٍ فَضْلاً
стр. 480
يقال هم سواسِيةٌ وسَواسٍ وسُؤاسية: إذا استَوَوْا في اللُّؤمِ والخِسَّة والشَّرِّ وقال آخر:
شبابُهم وشيبُهمُ سَواءٌ ... سَواسِيةٌ كأسْنانِ الحِمارِ
وأسْنانُ الحَمارِ مُستوية
وقال طرفة بن العبد:
كلُّ خليلٍ كنتُ خالَلْتُه ... لا تَرَكَ اللهُ له واضِحَهْ
كلُّهُمْ أرْوغُ مِنْ ثَعْلَبٍ ... ما أشْبَهَ اللّيلةَ بالبارِحَهْ
وقال المتنبي:
ولَمّا صارَ وُدُّ النَّاسِ خِبّا ... جزَيْتُ على ابْتِسامٍ بابْتِسامِ
وصِرْتُ أشكُّ فيمَنْ أصْطَفيهِ ... لعِلْمي أنّه بَعْضُ الأنامِ
وقال ابن الرومي:
واعْلَمْ بأنَّ النّاسَ مِنْ طينةٍ ... يصدق في الثَّلْبِ لَها الثالِبُ
لولا علاجُ النّاسِ أخلاقَهم ... إذَنْ لَفاحَ الحَمأُ اللازِبُ
وقال المتنبي:
أذُمُّ إلى هذا الزَّمانِ أُهَيْلَهُ ... فأعْلَمُهُمْ فَدْمٌ وأحْزَمُهُمْ وَغْدُ
وقال:
إنّما أنْفُسُ الأنيسِ سِباعٌ ... يَتَفارَسْنَ جَهْرةً واغْتِيالا
مَنْ أطاقَ الْتماسَ شَيْءٍ غِلاباً ... واغْتِصاباً لَمْ يَلْتَمِسْهُ سُؤالا
كلُّ غادٍ لِحاجةٍ يتَمنّى ... أنْ يكونَ الغَضَنْفَرَ الرِّئْبالا
стр. 481
وقال:
إنّا لَفي زَمَنٍ تَرْكُ القبيحِ بهِ ... مِنْ أكْثرِ الناسِ إحْسانٌ وإجْمالُ
لَولا المشقَّةُ سادَ الناسُ كلُّهمُ ... الجودُ يُفقرُ والإقْدامُ قتَّالُ
وقالوا في أنّ من شيمِ الناسِ أن تَحمدَ مَنْ رشدَ وتلومَ مَنْ يَغوي وفي ذلك يقول القُطاميُّ:
والنَّاسُ مَنْ يلْقَ خيراً قائِلونَ له ... ما يَشْتهي ولأُمِّ المُخْطئِ الهَبَلُ
وقدْ أخذَه من قول المُرقّش الأصغر:
ومَنْ يلْقَ خَيْراً يَحْمدِ الناسُ أمرَه ... ومَنْ يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائِما
وهذا لعمري من عناوين اللؤم المركب في الطّباع.
وقالوا في انْتكاسِ الأحوال وارتفاع السَّفِلَةِ الأنْذال والقائل: خِداشُ بنُ زهير - شاعر جاهلي من شعراء قيس - وهو ابن عمّ لبيد:
فإنَّكَ لا تُبالي بَعْدَ حَوْلٍ ... أظبْيٌ كانَ أمَّكَ أمْ حِمارُ
فَقَدْ لَحِقَ الأسافِلُ بالأعالي ... وماجَ اللؤمُ واخْتَلَطَ النِّجارُ
وعاد الفِنْدُ مثلَ أبي قُبيسٍ ... وسيقَ مَعَ المُعلْهَجَةِ العِشارُ
النِّجار: الأصل. والفِنْد: قطعةٌ مِنَ الجَبلِ طولاً، وأبو قُبيس جبل بمكَّةَ، والمراد به: الرَّجلُ
الشريف، كما يُراد بالفِند، الرَّجلُ الوضيع، والمُعَلْهَجة: المرأةُ اللئيمةُ الأصْل الفاسِدةُ النَّسب. والعشار: جمع العُشراء: الناقة مضى لحملها عشرة أشهر؛ يقولُ هذا الشاعر: أمّا وقد لحق الأسافلُ بالأعالي واختلطت الأصولُ وماجَ أمرُ الناسِ واضطرب وعظمَ شأن اللؤم ونفقَتْ
стр. 482
سوقُه وعاد الخَسيسُ مثل الشريف حتى سيقت الإبلُ الحواملُ في مهر اللئيمة وتغيّر بذلك الزمان واطّرحت مراعاة الأنساب فلا تبالي بعد قيامك بنفسك واستغنائك عن أبويك، مَنِ انْتسبت إليه، شريفاً كان أم وضيعاً. . . . . وضرب المثل بالظبي والحمار وجعلهما أُّمَّيْنِ وهما ذكران لأنّه مثل لا حقيقة، وقصد قصد الجنسين ولم يُحقّق أبوّة. وذكر الحول، لذكر الظبي والحمار، لأنهما يستغنيان بأنفسهما بعد الحول؛ فهذا شاعر ساخط كما ترى
وقال ابن الرومي:
دَهْرٌ عَلا قدرُ الوضيعِ به ... وهْوَ الشريفُ يحطُّه شَرَفُهْ
كالبَحْرِ يَرْسُبُ فيه لُؤلؤُهُ ... سُفلاً وتطفو فوقَه جِيَفُهْ
وقال:
رأيْتُ الدّهْرَ يرْفَعُ كلَّ وَغْدٍ ... ويَخْفِضُ كلَّ ذي شِيَمٍ شريفَهْ
كَمِثلِ البحرِ يَغْرقُ فيه حيٌّ ... ولا ينفكُّ تطفو فيه جيفَهْ
أوِ الميزانِ يَخْفِضُ كلَّ وافٍ ... ويَرْفَعُ كلَّ ذي زِنةٍ خَفيفَهْ
وقال الوزير المغربي:
إذا ما الأمورُ اضْطربْنَ اعْتَلى ... سَفيهٌ يُضامُ العُلا باعْتِلائِهْ
كذا الماءُ إنْ حرَّكَتْهُ يدٌ ... طفا عَكِرٌ راسِبٌ في إنائِهْ
وقال المعري في الناس:
لقَدْ فَتَّشْتُ عَنْ أصْحابِ دينٍ ... لَهُمْ نُسْكٌ وليس لَهمْ رِياءُ
فألْفَيْتُ البهائِمَ لا عقولٌ ... تقيمُ لها الدَّليلَ ولا ضِياءُ
وإخْوانُ الفَطانةِ في اخْتِيالٍ ... كأنَّهُمُ لِقَوْمٍ أنْبياءُ
فأمّا هؤلاءِ فأهْلُ مَكْرٍ ... وأمّا الأوّلونَ فأغْبِياءُ
стр. 483
فإنْ كان التُّقى بَلهاً وعِيَّاً ... فأعْيارُ المَذلَّةِ أتْقياءُ
الأعْيار: جمع عَيْر، وهو الحِمار يضرب به المثل في الذلِّ قال المتلمس:
ولا يُقيمُ على ضَيْمٍ ألمَّ به ... إلا الأذَلانِ عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ
فَذاكَ يُخْسَفُ مَرْبوطاً بمِقْودِه ... وذا يُشَجُّ ولا يَرْثي له أحدُ
وقال:
بني الدَّهْرِ مَهْلاً إنْ ذَمَمْتُ فِعالَكمْ ... فإنّي بنَفْسي لا محالةَ أبدأُ
مَتى يتقضَّى الوقتُ واللهُ قادِرٌ ... فنَسْكنُ في هذا الترابِ ونَهْدأ
تَجاورَ هذا الجسمُ والرُّوحُ بُرْهةً ... فما بَرِحَتْ تأذى بِذاكَ وتَصْدأ
وقال المعري:
جَرَّبْتُ دَهْري وأهليهِ فما ترَكَتْ ... ليَ التجارِبُ في وُدِّ امرِئٍ غَرضا
وقال:
أولو الفَضْلِ في أوطانِهم غُرباءُ ... تَشِذُّ وتَنأى عَنْهُمُ القُرباءُ
تَواصلَ حَبْلُ النسلِ ما بينَ آدَمٍ ... وبيني ولَمْ يُوْصَلْ بِلامي باءُ
تَثاَءبَ عَمْرٌو إذْ تَثاَءبَ خالِدٌ ... بِعَدْوى فَما أعْدَتْنِيَ الثُّؤباءُ
وزَهَّدَني في الخَلْقِ مَعْرفتي بِهمْ ... وعِلمي بأنَّ العالَمينَ هَباءُ
وقال المَعرّي:
أرائيكَ فلْيَغْفِرْ لِيَ اللهُ زلَّتي ... بِذاكَ ودينُ العالمينَ رِئاءُ
وقدْ يُخْلِفُ الإنسانُ ظَنَّ عَشيرِه ... وإنْ راقَ منه مَنْظرٌ ورُواءُ
إذا قومُنا لَمْ يَعبُدوا اللهَ وَحْدَه ... بِنُصحٍ فإنّا مِنْهمُ بُرَآءُ
وقال:
إذا بَكْرٌ جَنى فَتَوقَّ عَمْراً ... فإنَّ كِلَيْهِما لأبٍ وأمِّ
стр. 484
وفي كلِّ الطِّباعِ طِباعُ نَكْزٍ ... ولَيْسَ جميعُهنَّ ذواتِ سُمِّ
النكز: لسع الحيّة
رأيْتُ الحَقَّ لُؤلؤةً تَوارَتْ ... بِلُجٍّ مِنْ ضَلالِ النَّاسِ جَمِّ
وقال:
رِياءُ بني حَوّاَء في الطَّبْعِ ثابِتٌ ... فَمِنْهمْ مُجِدٌّ في النفاقِ وهازِلُ
سَخَوْا لِيقولَ النَّاسُ جادوا وأقْدَموا ... لِيُذْكَرَ في الهيْجاءِ قِرْنٌ مُنازِلُ
وقال:
النّاسُ مثلُ الماءِ تَضْربُه الصَّبا ... فيكونُ منهُ تفرُّقٌ وتألّفُ
والخيرُ يفعلُه الكريمُ بطَبْعِه ... وإذا اللئيمُ سَخا فذاكَ تَكلُّفُ
شَكَوْتُ مِنْ أهْلِ هَذا العَصْرِ غَدْرَهُمُ ... لا تُنْكِرنْ فَعَلى هذا مَضى السَّلَفُ
وقلَّما تَسكنُ الأضْغانُ في خَلَدٍ ... إلاَّ وفي وجْهِ مَنْ يَسْعى بِها كَلَفُ
أمْسى النِّفاقُ دُروعاً يُسْتَجَنُّ بِها ... مِنَ الأذى ويُقوِّي سَرْدَها الحَلِفُ
الحلف: اليمين
فَحَسِّنِ الوَعْدَ بالإنْجازِ تتبعه ... إذا مَواعِدُ قومٍ شانَها الخُلُفُ
وقال:
إذا فَزِعْنا فإنَّ الأمْنَ غايتُنا ... وإنْ أمِنّا فَما نَخْلو مِنَ الفَزَعِ
وشيمةُ الإنْسِ مَمْزوجٌ بِها مَللٌ ... فَما نَدومُ عَلى صَبْرِ ولا جَزَعِ
وقال:
إذا ما أسَنَّ الشيخُ أقْصاهُ أهلُه ... وجارَ عليهِ النَّجْلُ والعَبْدُ والعِرْسُ
стр. 485
العِرْسُ: الزوجة
يُسبِّحُ كَيما يغفرَ اللهُ ذنبَه ... رُويْدَكَ في عهد الصِّبا مُلِئ الطِّرْسُ
وقال:
أهْرُبْ مِنَ الناسِ فإنْ جِئْتَهمْ ... فَمِثلَ سَأبٍ جَرَّه السَّاحِبُ
يَنْتفِعُ الناسُ بِما عِنْدَه ... وهْوَ لَقًى بَيْنَهُمْ شاحِبُ
وقال:
إنْ مازَتِ النّاسَ أخْلاقٌ يُعاشُ بِها ... فإنَّهُمْ عِنْدَ سوءِ الطَّبْعِ أسْواءُ
أوْ كانَ كلُّ بَني حَوَّاَء يُشْبِهُني ... فَبِئْسَ ما وَلَدَتْ في الخَلْقِ حَوَّاءُ
بُعْدي مِنَ النّاسِ بُرْءٌ مِنْ سَقامِهِمُ ... وقُرْبُهُمْ للحِجَى والدِّينِ أدْواءُ
كالبَيْتِ أفْرِدَ لا إيطاَء يُدْرِكُه ... ولا سِنادَ ولا في اللفْظِ إقْواءُ
وقال:
قَدْ حُجِبَ النُّورُ والضِّياءُ ... وإنَّما دينُنا رِياءُ
يا عالَمَ السُّوءِ ما عِلْمُنا ... أنَّ مُصَلّيكَ أتْقياءُ
كَمْ وَعَظَ الواعِظونَ مِنَّا ... وقامَ في الأرْضِ أنْبِياءُ
فانْصَرفوا والبلاءُ باقٍ ... ولَمْ يَزُلْ داؤُكَ العَياءُ
زال يزول: راح وذهب، والعَياء: الذي لا يُبرأ منه
حُكمٌ جرى للمليكِ فينا ... ونَحْنُ في الأصْلِ أغْبياءُ
стр. 486
وقال:
مُلَّ المُقامُ فَكَمْ أعاشِرُ أمَّةً ... أمَرَتْ بِغَيْرِ صَلاحِها أُمراؤُها
ظَلَموا الرَّعيَّةَ واسْتَجازوا كَيْدَها ... فَعَدَوْا مَصالِحَها وهُمْ أُجَراؤُها
وقال بشار بن برد:
خَيْرُ إخْوانِكِ المُشارِكُ في المُ ... رِّ وأيْنَ المُشارِكُ في المُرِّ أيْنا
الذي إنْ شَهِدْتَ سَرَّكَ في الح ... يِّ وإنْ غِبْتَ كانَ أذْناً وعَيْنا
مِثْلُ سِرِّ الياقوتِ إنْ مَسَّه النَّا ... رُ جَلاه البَلاءُ فازْدادَ زَيْنا
أنْتَ في مَعْشَرٍ إذا غَبْتَ عَنْهُمْ ... بَدَّلوا كُلَّ ما يَزينُك شَيْنا
وإذا ما رَأوْكَ قالوا جَميعاً ... أنْتَ مِنْ أكْرَمِ البَرايا عَلَيْنا
ما أرى للأنامِ وُدّاً صَحيحاً ... عادَ كلُّ الوِدادِ زوراً ومَيْنا
وقال ابن الرومي:
ذُقْتُ الطُّعومَ فَما الْتَذَذْتُ بِراحَةٍ ... مِنْ صُحْبَةِ الأخْيارِ والأشْرارِ
أمّا الصديقُ فلا أحِبُّ لِقاَءه ... حَذَرَ القِلى وكَراهةَ الإعْوارِ
وأرى العَدُوُّ قَذًى فأكْرَه قُرْبَه ... فَهَجَرْتُ هذا الخلقَ عَنْ إعْذارِ
أرني صَديقاً لا يَنوءُ بِسَقْطةٍ ... مِنْ عَيْبِه في قَدْرِ صَدْرِ نَهارِ
أرني الّذي عاشَرْتَه فوَجَدْتَه ... مُتَغاضِياً لكَ عَنْ أقلِّ عِثارِ
أأحِبُّ قَوْماً لَمْ يُحبُّوا رَبَّهم ... إلا لِفِرْدوسٍ لديهِ ونارِ
وقال:
عَدوُّك مِنْ صَديقِكَ مُسْتفادٌ ... فلا تَسْتَكْثِرنَّ مِنَ الصِّحابِ
فإنَّ الدّاَء أكثرَ ما تَراه ... يَحولُ مِنَ الطَّعامِ أوِ الشَّرابِ
إذا انْقَلَبَ الصَّديقُ غَداً عَدوّاً ... مُبيناً والأمورُ إلى انْقِلابِ
стр. 487
ولَوْ كانَ الكثيرُ يَطيبُ كانَتْ ... مُصاحبةُ الكثيرِ مِنَ الصَّوابِ
وما اللُّججُ المِلاحُ بِمُرْوياتٍ ... وتَلْقى الرِّيَّ في النُّطَفِ العِذابِ
وبعد فإن الباب متَّسعٌ جداً، وسيمرّ عليكَ كثيرٌ مِنْ عَبْقريّاتهم فيه في باب الإخوانيات وباب الطبائع، فلنَجْتزئْ بهذا المقدار.
الغوغاء
ولهم في السُّقاطِ والسَّفِلةِ وهذه الرِّجْرة من الناس كلام كثير، فمن ذلك قولُ واصِل بن عَطاء: ألا قاتلَ اللهُ هذه السَّفِلةِ توادُّ من حادَّ اللهَ ونبيَّه، وتحادُّ من وادَّ اللهَ ونبيَّه، وتذمُّ من مدَحه اللهُ، وتمدح من ذمَّه الله، على أنَّ بهم عُلِمَ الفضلُ لأهل الطبقة العالية، وبهم أعطيت الأوْساطُ حظاً من النُّبل. . . .
ومنه قول سيدنا علي ﵁. وقد أُتيَ بجانٍ ومعه غَوْغاء - فقال: لا مرحباً بوجوهٍ لا تُرى إلا عند كل سَوْأة. . . وقوله ﵁: همُ الذين إذا اجتمعوا ضرّوا وإذا تفرّقوا نفعوا؛ فقيل له: قد علِمنا مضرَّةَ اجتماعهم فما منفعةُ افتراقهم؟ فقال: يرجِعُ أصحاب المهن إلى مهنهم، فينتفعُ الناس بهم، كرجوع البنّاء إلى بنائِه، والنسَّاجِ إلى مَنْسجه، والخبَّازُ إلى مَخْبزه. وكان الحسن البصري إذا ذُكِرَ الغوغاءُ والسُّوَق يقول: قتلةُ الأنبياء، وكانوا يقولون: العامَّة كالبحر إذا هاج أهلك راكبَه، وكان المأمون الخليفة العباسي يقول: كلُّ شرٍّ وظلمٍ في العالم فهو صادرٌ عن العامة والغوغاء، لأنّهم قتلة الأنبياء، والسُّعاة بينَ العلماء، والنَّمَّامون بين الأوِدَّاء، ومنهم اللُّصوص
стр. 488
وقطّاع الطريق والطرَّارون والمُحتالون والسّاعون إلى السلطان، فإذا كان يوم القيامة حُشروا على عادتهم في السّعاية، فقالوا: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾. . . . وقال الجاحظ: الغاغةُ والباغةُ والحاكةُ كأنهم إعذار عامٍ واحد، ألا ترى أنك لا تجد أبداً في كلِّ بلدة، وفي كل عصر، هؤلاء، إلا بمقدار واحد وجهة واحدة، من السُّخف والنقص والخمول والغباوة.
ومن كلمةٍ لسيدنا عليّ في فضل العلم على المال ووصف الطَّغام - قال كُمَيْل بن زياد النخَعي: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأخرجني إلى الجبّان، فلما أصحرَ
تنفَّس الصُّعداء، ثم قال: يا كميل بن زياد، إن هذه القلوبَ أوعيةٌ فخيرها أوْعاها، فاحفظ عني ما أقول لك، الناسُ ثلاثةٌ، فعالم ربَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيل نجاةٍ، وهَمَجٌ رَعاعٌ، أتباعُ كل ناعقٍ يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنورِ العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق، يا كميل، العلمُ خيرٌ من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمالُ تنقصه النَّفقة والعلمُ يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزوالِه؛ يا كميل بن زياد، هلك خُزَّانُ الأموال وهم أحياء، والعلماءُ باقون ما بقي الدّهر. إلى آخر هذه الخطبة العُلْويَّة التي تراها في نهج البلاغة. . . .
стр. 489
وقال معاوية لصَعْصَعةَ بنِ صوحان: صف لي الناس، فقال: خُلق الناسُ أطواراً، طائفةٌ للسيادة والولاية، وطائفةٌ للفقه والسنة، وطائفة للبأسِ والنّجدة، ورِجْرِةٌ بين ذلك، يُغْلون السعر، ويكدِّرون الماءَ، إذا اجتمعوا ضرّوا، وإذا تفرقوا لم يُعرَفوا. . . . ومن طريف التفاسير وغريبها ما قيل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ أي من السلطان
﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي من السَّفِل. وقال دعبل:
ما أكثرَ الناسَ لا بل ما أقلَّهُمُ ... اللهُ يعلمُ أنّي لم أقلْ فَنَدا
إنِّي لأفتحُ عيني حينَ أفتَحُها ... على كثيرٍ ولكنْ لا أرى أحَداً
وهم يشبهون سوادَ الناس بالدَّبا، والدَّبا مقصور: الجرادُ قبل أن يطير، وفي حديث عائشة قالت: (كيف الناس بعد ذلك؟ قال: دَبًى يأكلُ شدادُه ضعافَه حتّى تقومَ عليهم الساعة). . . .
قلة الوفاء في الناس وشيوع الغدر والمكر في عامتهم
وقالوا في قلّة الوفاء في الناس ووصف عامّتهم بالغَدْر، والمكر السّيّئ، ومن أروع ما قيل في ذلك قوله ُعزّ وجلّ: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. . وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. . . . وقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ
стр. 490
إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. . . وقال: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. وقال: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾. . . . وقال المتنبي:
غَيْري بأكْثرِ هذا النّاسِ يَنْخَدِعُ ... إن قاتلوا جَبُنوا أو حَدَّثوا شَجُعوا
أهْلُ الحفيظةِ إلاَّ أنْ تُجرِّبَهم ... وفي التجارِبِ بَعْد الغَيِّ ما يَزَعُ
وقال أبو فراس الحمداني:
بِمَنْ يَثقُ الإنسانُ فيما ينوبُه ... ومِنْ أين للحُرِّ الكريمِ صحابُ
وقد صارَ هذا الناسُ إلا أقلَّهُمْ ... ذئاباً على أجْسادِهِنَّ ثِيابُ
وقال أبو تمام:
إنْ شئتَ أن يَسْوَدَّ ظنُّكَ كلُّه ... فأجِلْهُ في هذا السَّوادِ الأعْظمِ
ليسَ الصديقُ بمن يُعيرُك ظاهراً ... متبسِّماً عن باطنٍ مُتَجَهِّمِ
يقول: إن شئت أن لا تظن بأحد خيراً فاختبر من شئت من هذا الناس، وكان يحيى بن خالد البرمكي إذا اجتهد في يمينه يقول: لا والذي جعل الوفاء أعزَّ ما يرى. وكان يقول: هو أعزُّ من الوفاء. وقالوا: من عامل الناس بالمكر كافؤوه بالغدر. وكانت العرب إذا غدر مِنْهم غادرٌ، يُوقدون له بالموسم ناراً وينادون عليه يقولون: ألا إن فلاناً غدر. . . . وقالوا: ربَّ حيلة أهلكت المحتال، وقال امرؤ القيس:
أحارِ بْنَ عَمْرٍو كأنّي خَمِرْ ... ويَعْدو على المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ
رجل خَمِر: خالطه الداء، وقوله ويعدو الخ: أراد أن المرء يأتمر لغيره بسوء فيرجع وَبالُ ذلك عليه وقال شاعر لا أذكره:
وكمْ مِنْ حافرٍ لأخيه ليلاً ... تَردّى في حَفيرَتِه نَهارا
ومن قولهم في وصف الغادر: فلانٌ يَحْسو الأماناتِ حَسْواً، وفلانٌ
стр. 491
أغْدَرُ مِنَ الذِّئْبِ، قال:
هو الذِّئْبُ ولَلذِّئبُ أوْفى أمانة
وقال:
والذِّئْبُ يأدو لِلْغَزالِ يَأْكُلُهْ
يأدو للغزال: يَخْتِله ليأكله، قال الشاعر:
حَنَتْني حانياتُ الدَّهْرِ حتَّى ... كأنّي خاتِلٌ يَأدو لِصَيْدِ
ويقال: ركب فلان السَّخْبرَ: إذا غدر، قال حسان بن ثابت:
يا حارِ مَنْ يَغْدِرْ بذمّة جارِه ... مِنكم فإنَّ مُحمداً لم يَغْدِرِ
إنْ تَغْدِروا فالغَدْرُ منكم شيمةٌ ... والغَدْرُ ينبتُ في أصولِ السَّخْبَرِ
قال ابن برّي: إنّما شُبّه الغادرُ بالسخبر، لأن السخبر شجرٌ إذا انتهى استرخى رأسُه ولم يبقَ على انتصابه، يقول حسان: أنتم لا تثبتون على وفاء كهذا السخبر الذي لا يثبت على حالٍ، بينا يُرى معتدلاً منتصباً، عاد مُسْترخياً غير منتصب
وبعد فإنّهم على هذا نَصحوا بمُداراةِ الناسِ ما دام الاستغناء عنهم غيرَ مستطاع. قال رجل لابن عباس: ادعُ اللهَ لي أن يغنيني عن الناس فقال: إنّ حوائج الناس تتصل بعضُها ببعض كاتصال الأعضاء، فمتى يستغني المرْءُ عن بعض جوارحه؟ ولكن قل: أغْنِني عن شرار الناس. ورُوي: أن بعضهم كان يطوف ويقول: من يشتري مني بضائعَ بعشرة آلاف درهم؟ فدعاه بعضُ الملوك وبذل له المال فقال له: اعلم أن اللهَ لم يخلق خلقاً شراً من الناس، وإن لم يكن بدٌّ من الناس فانظر كيف تحتاج أن تعامل ما لابدّ منه ولا غِنى بك عنه. . . ثم قال: هل يساوي هذا الكلام عشرة آلاف درهم؟ قال: دونَك المال، ولم يأخذه. . . وقالوا: ثلثا التعايش، مداراةُ الناس. وقال النظَّام - إبراهيم بن سيّار أحد شيوخ المعتزلة -: ما يسرُّني تركُ المداراة ولي حُمْرُ النَّعَم،
стр. 492
قيل له: لم؟ قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخَصْتَ له أرداك، وإذا طأطأت له تَخطَّاك. . . وقال معاوية: لو كان بيني وبين الناس شَعْرةٌ ما انقطعت، لأنّهم إذا جذبوها أرسلتها، وإذا أرسلوها جذبْتُها. . . وقال أكثم بن صيفي: الانقباض من الناس مكسبةٌ للعداوة، وإفراط الأنس مكسَبةٌ لقُرناء السّوء، ومن أمثال العرب: لا تكن حُلواً فتُسْترط ولا مُراً فتُلفَظ استرطه ابتلعه وجاء في كتاب للهند: بعض المقاربة حَزْمٌ، وكلُّ المقاربة عجز، كالخشبة المنصوبة في الشمس، تُمال فيزيد ظلُّها، ويُفرَطُ في الإمالة فينقص الظِّلُّ. .
وقال الطّغرائي في لاميّته المشهورة المعروفة بلامية العجم:
وحُسْنُ ظنِّك بالأيامِ مَعْجَزةٌ ... فظُنَّ شَرّاً وكُنْ منها على وَجلِ
غاضَ الوفاءُ وفاض الغَدْرُ وانْفرجَتْ ... مسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعملِ
وإنّما رَجُلُ الدنيا وواحدُها ... من لا يعوِّلُ في الدنيا على رَجُلِ
الأنذال واللئام
اللُّؤم: ضدُّ العتق والكرم، واللئيم: الدَّنيء الأصل الشَّحيح النّفس. والنَّذالة: الخِسَّة والسَّفالة
وركاكة العقل والتأخر عن المكارم، والنذل: الخسيس الحقير الفَسْلُ الذي لا مُروءة له. ومن عبقرياتهم في هذا الصنف من الناس قولُ أبي الأسد نباتة بن عبد الله التميمي - شاعر كان معاصراً لأبي تمام: -
إنْ يَبْخلوا أو يَجْبُنوا ... أو يَغْدِروا لا يَحْفِلوا
يَغْدوا عليكَ مُرجِّلي ... نَ كأنَّهم لم يَفْعَلوا
стр. 493
كأبي بَراقِشَ كلَّ لَوْ ... نٍ لَوْنُهُ يَتَخيّلُ
وصف قوماً مشهورين بالمقابح لا يستحون ولا يحتفلون بمن رآهم على ذلك. وقوله: يغدوا هو بدلٌ من قوله: لا يحفلوا، لأن غدوَّهم مرجِّلين دليلٌ على أنهم لم يحفِلوا. والتّرجيل: مشط الشَّعر وإرساله. وأبو براقش طائر صغير أعلى ريشه أغبرُ وأوسطه أحمرُ وأسفله أسودُ فإذا انتفش تغيّر لونُه ألواناً شتَّى. وهذا أبو بَراقِشَ غير براقش التي وردت في قولهم: على أهلها دلت بَراقِشُ، فهذه اسم كلبة لقومٍ من العرب أُغيرَ عليهم في بعضِ الأيّام، فهَربوا وتبعتهم بَراقشُ فرجع الذين أغاروا خائبين؛ فسمعت براقش وقع حوافر الخيل، فنبحت فاستدلّوا على موضع نِباحها، فعَطفوا عليهم واستباحوهم، فذهبت مثلاً وقالوا: على أهلها تجني بَراقش، قال حمزة بن بيض:
لمْ تكُنْ عن جنايةٍ لحِقَتْني ... لا يَساري ولا يَميني جَنتْني
بلْ جَناها أخٌ عليَّ كريمٌ ... وعلى أهلها بَراقِشُ تَجْني
وقال آخر - وهي من أبيات الحماسة - حماسة أبي تمام: -
أناخَ اللُّؤمُ وسْطَ بَني رباحٍ ... مطيَّتَه فأقْسمَ لا يَريمُ
كذلكَ كلُّ ذي سَفَرٍ إذا ما ... تَناهى عند غايتِه يُقيمُ
يقال: أنَخْتُ البعيرَ فبرَكَ، ولا يقال فَناخَ، وهذا من باب ما استُغني عنه بغيره، ولا يَريم: لا يبرح، وقوله: كذلك في موضع الحال لأنّ كل ذي سفر مبتدأ ومقيم خبره، كأنه قال: وكلُّ مسافر إذا ما انتهى إلى غايته يلقى عصاه كذلك، أي مثل إقامة اللُّؤم فيهم، وقد نقل البحتريُّ هذا المغنى إلى المدح فقال:
إذا ما رأيْتَ المَجْدَ ألقى رحلَه ... في آل طَلْحةَ ثمّ لَمْ يَتَحوَّلِ
стр. 494
وقال جرير:
وكنتَ إذا نَزَلْتَ بدارِ قومٍ ... رَحَلْتَ بِخِزْيةٍ وتَركْتَ عارا
وقال:
تَميمٌ بِطُرْقِ اللُّؤمِ أهدى من القَطا ... ولو سَلَكَتْ سُبُلَ المَكارِمِ ضلَّتِ
وقالوا فيمن لا يصلح لخيرٍ ولا شرًّ: فلان أمْلَسُ ليس فيه مستقرٌ لخيرٍ ولا شرّ. وقالوا: فلان ما هو برطب فيُعْصر ولا بيابسٍ فيُكسر. وقالوا: شرُّ الناس الذي لا يتوقَّى أن يراه الناس مسيئاً، وقد تقدّم. وقال الشاعر:
قومٌ إذا خَرجوا مِن سَوْءةٍ وَلَجوا ... في سَوَْءة لم يَخْبَؤوها بأسْتارِ
الظن
ولتفشّي الغدرِ والمكر في هذا الناس مَدحوا الاحْتراسَ والحذرَ وسوءَ الظّنِّ بالناس. قيل لبعضهم: ما الحزْمُ؟ قال: سوءُ الظَّنِّ بالناس. وقال الشاعر الببَّغاء:
وأكثرُ مَنْ تَلْقى يَسُرُّك قَوْلُه ... ولكِنْ قليلٌ مَنْ يَسرُّك فِعْلُهُ
وقَدْ كانَ حُسْنُ الظَّنِّ بَعْضَ مَذاهِبي ... فأدَّبَني هذا الزَّمانُ وأهْلُهُ
وقالوا عليك بسوء الظنِّ، فإنْ أصابَ فالحَزْمُ، وإن أخطأ فالسَّلامة. وقال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾: دلالةٌ على أنَّ جُلَّه صَوابٌ. وقال عبد الملك بن مروان: فرقُ ما بين عُمَرَ وعثمانَ أنَّ عُمَرَ أساءَ ظَنَّه فأحْكَمَ أمْرَه، وأنَّ عثمانَ أحْسنَ ظنَّه فأهْملَ أمْرَه. وقيل
стр. 495
لبعضهم: أسأتَ الظَّنَّ! فقال: إنَّ الدُّنيا لمّا امْتلأتْ مَكارِهَ وجبَ على العاقلِ أن يملأَها حَذَراً. . . .
ولمَّا رأوا أنّ الظنَّ هو الغالبُ على الناس وأنّه لذلك يكادُ يكون غريزةً من الغرائزِ الإنسانية، وأن تحقيقَه ولا سيَّما بين الأصدقاء يعدُّ من الإفراط المَمْقوت، وأنّه لا يليق بمكارِمِ الأخلاق، ذمُّوه ونَعَوْه على أهله، قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. وقال سيدنا رسول الله: (ثلاثةٌ لا يسلم منهنَّ أحدٌ: الطِّيرةُ، والظّنُّ، والحَسدُ، قيل: فما المَخْرَجُ منهنّ يا رسول الله؟ قال: إذا تطيَّرْتَ فلا ترجع، وإذا ظنَنْتَ فلا تُحقّق، وإذا حسدت فلا تَبْغِ). . . . وقال صلوات الله عليه: (إيّاكم والظّنَّ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث) وقال ابن الأثير في النهاية: أراد: إيّاكُمْ وسوءَ الظنِّ وتحقيقَه، دون مبادئ الظنون التي لا تُملَك وخواطر القلوب التي لا تُدفع، وقيل: أراد: الشكَّ يعرض لكَ في الشيْء
فتحقّقَهُ وتحكمَ به.
وأكذب الحديث: أي حديث النفس؛ لأنه يكون بإلقاء الشيطان في نفس الإنسان وقال المتنبي:
إذا ساَء فِعْلُ المَرْءِ ساَءتْ ظُنونُه ... وصدَّقَ ما يعْتادُه مِنْ تَوَهُّمِ
وعادى مُحبّيه بقولِ عِداته ... فأصْبَحَ في داجٍ من الشَّكِّ مُظْلمِ
وقال شاعر:
مَنْ ساَء ظنّاً بما يَهْواه فارقَه ... وحَرَّضَتْه على إبْعادِه التُّهَمُ
ومن هنا مدحوا التثبُّتَ والتغافل. وترى سائر عبقرياتهم في الظن في باب الطبائع وباب الإخوانيات.
следующие страницы →