← Адаб

Адаб · id 36072

الذخائر والعبقريات

البرقوقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أغْدَرُ مِنَ الذِّئْبِ، قال: هو الذِّئْبُ ولَلذِّئبُ أوْفى أمانة وقال: والذِّئْبُ يأدو لِلْغَزالِ يَأْكُلُهْ يأدو للغزال: يَخْتِله ليأكله، قال الشاعر: حَنَتْني حانياتُ الدَّهْرِ حتَّى ... كأنّي خاتِلٌ يَأدو لِصَيْدِ ويقال: ركب فلان السَّخْبرَ: إذا غدر، قال حسان بن ثابت: يا حارِ مَنْ يَغْدِرْ بذمّة جارِه ... مِنكم فإنَّ مُحمداً لم يَغْدِرِ إنْ تَغْدِروا فالغَدْرُ منكم شيمةٌ ... والغَدْرُ ينبتُ في أصولِ السَّخْبَرِ قال ابن برّي: إنّما شُبّه الغادرُ بالسخبر، لأن السخبر شجرٌ إذا انتهى استرخى رأسُه ولم يبقَ على انتصابه، يقول حسان: أنتم لا تثبتون على وفاء كهذا السخبر الذي لا يثبت على حالٍ، بينا يُرى معتدلاً منتصباً، عاد مُسْترخياً غير منتصب وبعد فإنّهم على هذا نَصحوا بمُداراةِ الناسِ ما دام الاستغناء عنهم غيرَ مستطاع. قال رجل لابن عباس: ادعُ اللهَ لي أن يغنيني عن الناس فقال: إنّ حوائج الناس تتصل بعضُها ببعض كاتصال الأعضاء، فمتى يستغني المرْءُ عن بعض جوارحه؟ ولكن قل: أغْنِني عن شرار الناس. ورُوي: أن بعضهم كان يطوف ويقول: من يشتري مني بضائعَ بعشرة آلاف درهم؟ فدعاه بعضُ الملوك وبذل له المال فقال له: اعلم أن اللهَ لم يخلق خلقاً شراً من الناس، وإن لم يكن بدٌّ من الناس فانظر كيف تحتاج أن تعامل ما لابدّ منه ولا غِنى بك عنه. . . ثم قال: هل يساوي هذا الكلام عشرة آلاف درهم؟ قال: دونَك المال، ولم يأخذه. . . وقالوا: ثلثا التعايش، مداراةُ الناس. وقال النظَّام - إبراهيم بن سيّار أحد شيوخ المعتزلة -: ما يسرُّني تركُ المداراة ولي حُمْرُ النَّعَم،

стр. 492

قيل له: لم؟ قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخَصْتَ له أرداك، وإذا طأطأت له تَخطَّاك. . . وقال معاوية: لو كان بيني وبين الناس شَعْرةٌ ما انقطعت، لأنّهم إذا جذبوها أرسلتها، وإذا أرسلوها جذبْتُها. . . وقال أكثم بن صيفي: الانقباض من الناس مكسبةٌ للعداوة، وإفراط الأنس مكسَبةٌ لقُرناء السّوء، ومن أمثال العرب: لا تكن حُلواً فتُسْترط ولا مُراً فتُلفَظ استرطه ابتلعه وجاء في كتاب للهند: بعض المقاربة حَزْمٌ، وكلُّ المقاربة عجز، كالخشبة المنصوبة في الشمس، تُمال فيزيد ظلُّها، ويُفرَطُ في الإمالة فينقص الظِّلُّ. . وقال الطّغرائي في لاميّته المشهورة المعروفة بلامية العجم: وحُسْنُ ظنِّك بالأيامِ مَعْجَزةٌ ... فظُنَّ شَرّاً وكُنْ منها على وَجلِ غاضَ الوفاءُ وفاض الغَدْرُ وانْفرجَتْ ... مسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعملِ وإنّما رَجُلُ الدنيا وواحدُها ... من لا يعوِّلُ في الدنيا على رَجُلِ الأنذال واللئام اللُّؤم: ضدُّ العتق والكرم، واللئيم: الدَّنيء الأصل الشَّحيح النّفس. والنَّذالة: الخِسَّة والسَّفالة وركاكة العقل والتأخر عن المكارم، والنذل: الخسيس الحقير الفَسْلُ الذي لا مُروءة له. ومن عبقرياتهم في هذا الصنف من الناس قولُ أبي الأسد نباتة بن عبد الله التميمي - شاعر كان معاصراً لأبي تمام: - إنْ يَبْخلوا أو يَجْبُنوا ... أو يَغْدِروا لا يَحْفِلوا يَغْدوا عليكَ مُرجِّلي ... نَ كأنَّهم لم يَفْعَلوا

стр. 493

كأبي بَراقِشَ كلَّ لَوْ ... نٍ لَوْنُهُ يَتَخيّلُ وصف قوماً مشهورين بالمقابح لا يستحون ولا يحتفلون بمن رآهم على ذلك. وقوله: يغدوا هو بدلٌ من قوله: لا يحفلوا، لأن غدوَّهم مرجِّلين دليلٌ على أنهم لم يحفِلوا. والتّرجيل: مشط الشَّعر وإرساله. وأبو براقش طائر صغير أعلى ريشه أغبرُ وأوسطه أحمرُ وأسفله أسودُ فإذا انتفش تغيّر لونُه ألواناً شتَّى. وهذا أبو بَراقِشَ غير براقش التي وردت في قولهم: على أهلها دلت بَراقِشُ، فهذه اسم كلبة لقومٍ من العرب أُغيرَ عليهم في بعضِ الأيّام، فهَربوا وتبعتهم بَراقشُ فرجع الذين أغاروا خائبين؛ فسمعت براقش وقع حوافر الخيل، فنبحت فاستدلّوا على موضع نِباحها، فعَطفوا عليهم واستباحوهم، فذهبت مثلاً وقالوا: على أهلها تجني بَراقش، قال حمزة بن بيض: لمْ تكُنْ عن جنايةٍ لحِقَتْني ... لا يَساري ولا يَميني جَنتْني بلْ جَناها أخٌ عليَّ كريمٌ ... وعلى أهلها بَراقِشُ تَجْني وقال آخر - وهي من أبيات الحماسة - حماسة أبي تمام: - أناخَ اللُّؤمُ وسْطَ بَني رباحٍ ... مطيَّتَه فأقْسمَ لا يَريمُ كذلكَ كلُّ ذي سَفَرٍ إذا ما ... تَناهى عند غايتِه يُقيمُ يقال: أنَخْتُ البعيرَ فبرَكَ، ولا يقال فَناخَ، وهذا من باب ما استُغني عنه بغيره، ولا يَريم: لا يبرح، وقوله: كذلك في موضع الحال لأنّ كل ذي سفر مبتدأ ومقيم خبره، كأنه قال: وكلُّ مسافر إذا ما انتهى إلى غايته يلقى عصاه كذلك، أي مثل إقامة اللُّؤم فيهم، وقد نقل البحتريُّ هذا المغنى إلى المدح فقال: إذا ما رأيْتَ المَجْدَ ألقى رحلَه ... في آل طَلْحةَ ثمّ لَمْ يَتَحوَّلِ

стр. 494

وقال جرير: وكنتَ إذا نَزَلْتَ بدارِ قومٍ ... رَحَلْتَ بِخِزْيةٍ وتَركْتَ عارا وقال: تَميمٌ بِطُرْقِ اللُّؤمِ أهدى من القَطا ... ولو سَلَكَتْ سُبُلَ المَكارِمِ ضلَّتِ وقالوا فيمن لا يصلح لخيرٍ ولا شرًّ: فلان أمْلَسُ ليس فيه مستقرٌ لخيرٍ ولا شرّ. وقالوا: فلان ما هو برطب فيُعْصر ولا بيابسٍ فيُكسر. وقالوا: شرُّ الناس الذي لا يتوقَّى أن يراه الناس مسيئاً، وقد تقدّم. وقال الشاعر: قومٌ إذا خَرجوا مِن سَوْءةٍ وَلَجوا ... في سَوَْءة لم يَخْبَؤوها بأسْتارِ الظن ولتفشّي الغدرِ والمكر في هذا الناس مَدحوا الاحْتراسَ والحذرَ وسوءَ الظّنِّ بالناس. قيل لبعضهم: ما الحزْمُ؟ قال: سوءُ الظَّنِّ بالناس. وقال الشاعر الببَّغاء: وأكثرُ مَنْ تَلْقى يَسُرُّك قَوْلُه ... ولكِنْ قليلٌ مَنْ يَسرُّك فِعْلُهُ وقَدْ كانَ حُسْنُ الظَّنِّ بَعْضَ مَذاهِبي ... فأدَّبَني هذا الزَّمانُ وأهْلُهُ وقالوا عليك بسوء الظنِّ، فإنْ أصابَ فالحَزْمُ، وإن أخطأ فالسَّلامة. وقال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾: دلالةٌ على أنَّ جُلَّه صَوابٌ. وقال عبد الملك بن مروان: فرقُ ما بين عُمَرَ وعثمانَ أنَّ عُمَرَ أساءَ ظَنَّه فأحْكَمَ أمْرَه، وأنَّ عثمانَ أحْسنَ ظنَّه فأهْملَ أمْرَه. وقيل

стр. 495

لبعضهم: أسأتَ الظَّنَّ! فقال: إنَّ الدُّنيا لمّا امْتلأتْ مَكارِهَ وجبَ على العاقلِ أن يملأَها حَذَراً. . . . ولمَّا رأوا أنّ الظنَّ هو الغالبُ على الناس وأنّه لذلك يكادُ يكون غريزةً من الغرائزِ الإنسانية، وأن تحقيقَه ولا سيَّما بين الأصدقاء يعدُّ من الإفراط المَمْقوت، وأنّه لا يليق بمكارِمِ الأخلاق، ذمُّوه ونَعَوْه على أهله، قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. وقال سيدنا رسول الله: (ثلاثةٌ لا يسلم منهنَّ أحدٌ: الطِّيرةُ، والظّنُّ، والحَسدُ، قيل: فما المَخْرَجُ منهنّ يا رسول الله؟ قال: إذا تطيَّرْتَ فلا ترجع، وإذا ظنَنْتَ فلا تُحقّق، وإذا حسدت فلا تَبْغِ). . . . وقال صلوات الله عليه: (إيّاكم والظّنَّ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث) وقال ابن الأثير في النهاية: أراد: إيّاكُمْ وسوءَ الظنِّ وتحقيقَه، دون مبادئ الظنون التي لا تُملَك وخواطر القلوب التي لا تُدفع، وقيل: أراد: الشكَّ يعرض لكَ في الشيْء فتحقّقَهُ وتحكمَ به. وأكذب الحديث: أي حديث النفس؛ لأنه يكون بإلقاء الشيطان في نفس الإنسان وقال المتنبي: إذا ساَء فِعْلُ المَرْءِ ساَءتْ ظُنونُه ... وصدَّقَ ما يعْتادُه مِنْ تَوَهُّمِ وعادى مُحبّيه بقولِ عِداته ... فأصْبَحَ في داجٍ من الشَّكِّ مُظْلمِ وقال شاعر: مَنْ ساَء ظنّاً بما يَهْواه فارقَه ... وحَرَّضَتْه على إبْعادِه التُّهَمُ ومن هنا مدحوا التثبُّتَ والتغافل. وترى سائر عبقرياتهم في الظن في باب الطبائع وباب الإخوانيات.

стр. 496

الشماتة والشماتةُ: الفرح ببليّةٍ تنزِلُ بِمَنْ تُعاديه، تقول: شَمِتَ به يَشْمَتُ شَماتَةً وشَماتاً، وأشْمَتَه اللهُ به، وفي القرآن الكريم: ﴿فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء﴾. . . . وقدْ تقدّم طرفٌ مِنْ عبقرياتهم في الشماتةِ بالموت، ومن عبقرياتهم في الشماتة مُطلقاً قول الفرزدق: إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ على أناسٍ ... حوادثَه أناخَ بِآخَرينا فقُلْ للشّامِتينَ بِنا أفيقوا ... سيَلْقى الشّامِتونَ كما لَقينا وقيل لأيوبَ النَّبيِّ ﵇: أيُّ شيءٍ كان أشدَّ عليك في بلائك؟ قال شماتةُ الأعداء. الحقد الحقد - كما جاء في اللسان -: إمساكُ العداوة في القلب والتّربُّصُ لفُرْصتها، قال: والحقد: الضغن. قال: وحَقَدَ عليّ يَحْقِدُ حِقْداً، وحَقِدَ - بالكسر - حَقْداً وحِقْداً فهو حاقِد؛ فالحَقْدُ: الفعل، والحِقْدُ: الاسم، وتَحَقَّدَ: كَحَقَدَ، قال جرير: يا عَدْنَ إنَّ وِصالَهنَّ خِلابَةٌ ... ولَقَدْ جَمعْنَ مع البِعادِ تَحقُّدا وبعد فالحِقْدُ على أنّه خَلّةٌ لا تتفق والنبلَ والسؤددَ ومكارِمَ الأخلاق فإنّه دليلُ الحيوية، ومن ثمَّ يكاد يكون خَلّةً مَرْكوزةً في الطباع، وإذا كانوا قد مدحوه فإنما يترامَوْنَ - كما قلنا - إلى أنه عنوان الحيوية وأنّ مَنْ لا يحقد لا يَشْكر، وإذا هم ذَمُّوه، فإنهم إنّما يَدْعون إلى تناسيه وأنّ مِنْ سموِّ الأخلاق أن لا يحملَ المرءُ الحقدَ القديم، كما قال المُقنَّع الكنديُّ

стр. 497

واسمه محمد بن عُميرةَ، وهو شاعر كِنديٌّ إسلاميٌّ، وكان أحسن الناس وجهاً فإذا سَفَرَ لُقِعَ، أي أصابتْهُ العينُ، فيمرضُ ويلحقُهُ عَنَتٌ، فكان لا يمشي إلا مُقنَّعاً، قال من أبياتٍ جيِّدة تراها في حماسة أبي تمام وغيرها: ولا أحْمِلُ الحِقْدَ القَديمَ عليْهِمُ ... وليْسَ رَئيسُ القَوْمِ مَنْ يَحْملُ الِحِقْدا ذمّ الحقد ومدحه أما عبقرياتهم في ذمّ الحقد: فمن ذلك ما يُروى: أنّه قيل للأحنف بن قيس: من أسْودُ الناس؟ فقال: الأخْرقُ في ماله المُطَّرِحُ لِحِقْده. . وقال ابن الرومي يذمُّه بعد أن مدَحَه، كما سيأتي: يا مادِحَ الحِقْدِ مُحتالاً لَه شَبَهاً ... لَقدْ سَلَكْتَ إليهِ مَسْلَكاً وَعَثا لَنْ يَقْلِبَ العيبَ زَيْناً مَنْ يزيِّنُه ... حتَّى يَرُدَّ كبيراً عاتِياً حَدَثا

стр. 498

إنَّ القبيحَ، وإنْ صنَّعْتَ ظاهِرَه ... يَعودُ ما لُمَّ مِنْه مرَّةً شَعِثا كم زَخْرَفَ القوْلَ ذو زورٍ ولبَّسَه ... على القلوبِ ولكنْ قَلَّما لَبِثا قد أبْرمَ اللهُ أسبابَ الأمورِ معاً ... فلَنْ نَرى سَبَباً مِنْهنَّ مُنْتَكِثا يا دافِنَ الحِقْدِ في ضِعْفَيْ جوانِحِه ... ساَء الدَّفينُ الذي أمْسَتْ له جَدَثا الحِقْدُ داءٌ دويٌّ لا دَواَء له ... يَري الصُّدورَ إذا ما جَمْرُه حُرِثا فاسْتَشْفِ مِنْهِ بِصَفْحٍ أو مُعاتبةٍ ... فإنّما يَبْرأ المَصْدورُ ما نَفَثا واجْعل طِلابَكَ بالأوْتارِ ما عَظُمَتْ ... ولا تكنْ لِصَغيرِ الأمْرِ مُكْتَرِثا والعَفْوُ أقْرَبُ للتَّقْوى وإنْ جُرُمٌ ... مِنْ مُجْرِمٍ جَرَحَ الأكْبادَ أوْ فَرَثا يكفيكَ في العَفْوِ أنَّ اللهَ قرَّظه ... وَحْياً إلى خيرِ مَنْ صلَّى ومَنْ بُعِثا شَهِدْتُ أنَّك لوْ أذْنَبْتَ ساَءك أنْ ... تلقى أخاكَ حَقوداً صَدرُه شَرِثا

стр. 499

إذنْ وسَرَّكَ أنْ يَنْسى الذُّنوبَ مَعاً ... وأنْ تُصادِفَ مِنْه جانِباً دَمِثا إنّي إذا خَلَطَ الأقوامْ صَالِحَهُمْ ... بِسَيّئِ الفِعْلِ جِدّاً كان أو عَبَثا جَعَلْتُ صَدْري كظَرْفِ السَّبكِ حينَئذٍ ... يَسْتَخْلِصُ الفِضَّةَ البَيْضاَء لا الخَبَثا ولَسْتُ أجعلُه كالحَوْضِ أمدحُه ... بِحِفْظِ ما طابَ مِنْ ماءٍ وما خَبُثا وقال يمدح الحقد: حَقَدتُ عليكَ ذنباً بعدَ ذَنْبِ ... ولَوْ أحْسَنْتَ كانَ الحِقْدُ شُكْرا أديمي مِنْ أديمِ الأرْضِ فاعْلَمْ ... أُسيء الرَّيْعُ حينَ تُسيء بَذْرا ولَمْ تكُ، يا لَكَ الخيراتُ، أرْضٌ ... لِتُزْرَعَ خَرْبَقاً فَتُريعَ بُرّا أؤدِّي إنْ فعلتَ الخيرَ خيراً ... إليكَ وإنْ فعلْتَ الشَّرَّ شرَّا ولَسْتَ مُكافِئاً بالنُّكرِ عُرْفاً ... ولَسْتُ مُكافِئاً بِالعُرْفِ نُكْرا يُسَمّى الحِقْدُ عيباً وهْوَ مَدْحٌ ... كما يَدْعونَ حُلْوَ الحَقِّ مُرّا الخربق: نباتٌ كالسُّمِّ ورقُه أبيض وأسود، والبُرّ: القمح وأراد يحيى بن خالد بن برمك وزيرُ الرشيد أن يَضعَ من عبد الملك بن صالح فقال له: يا عبد الملك بلغني أنّك حقودٌ! فقال عبد الملك: أيّها الوزير، إنْ كان الحقدُ هو بقاءَ الخيرِ والشرّ إنّهما لباقيانِ في قلبي، فقال الرشيد: ما رأيْتُ أحداً احتجَّ للحقد بأحسنَ مما احتجّ به عبدُ الملك، وقال ابنُ الرومي يمدح الحقد أيضاً وقد عابه عائِبٌ: لَئِنْ كُنْتَ في حِفظي لِما أنا مُودَعٌ ... مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ انْتَحَيْتَ على عِرْضي لَما عِبْتَني إلا بِفَضْلِ إبانَةٍ ... ورُبَّ امْرئٍ يُزري على خُلُقٍ مَحْضِ ولا عيبَ أنْ تُجزى القُروضُ بِمِثْلها ... بلِ العيبُ أنْ تَدّانَ دَيْناً ولا تقضي

стр. 500

وخيرُ سَجيَّاتِ الرِّجالِ سَجيَّةٌ ... تُوفِّيكَ ما تُسدي من القَرْضِ بالقَرْضِ إذا الأرْضُ أدَّتْ ريعَ ما أنْتَ زارِعٌ ... مِنَ البَذْرِ فيها فَهْيَ ناهيكَ مِنْ أرْضِ ولَولا الحُقودُ المُسْتَكنَّاتُ لم يكُنْ ... لِيَنْقُضَ وِتْراً آخِرَ الدَّهْرِ ذو نَقْضِ وما الحِقْدُ إلاّ تَوْأمُ الشُّكْرِ في الفَتى ... وبَعْضُ السَّجايا يَنْتَهينَ إلى بَعْضِ فحيثُ تَرى حِقْداً على ذي إساءةٍ ... فَثَمَّ تَرى شُكْراً على حَسَنِ الفَرْضِ وفي هذا القدر من عبقرياتهم في الحقد كفاية وترى في باب الطبائع ما ينقع غلّتك إن شاء الله. الحسد الحسد وقانا الله شرَّه - داءٌ من الأدواء المُتأصّلة الخبيثة الشائعة في هذا الناس إلا من عصم ربُّك، قال علماؤنا: الحسد: أن يرى الرجل لأخيه نِعمةً فيتمنّى أنْ تَزولَ عنه وتكونَ له دونه، أما الغَبْطُ أو الغِبْطةُ فهي: أن يتمنى أن يكونَ له مثلُها ولا يتمنى زوالَها عنه، وهي كما قال الإمام الأزهري -: ضَرْبٌ من الحسد، ولكنَّها أخفُّ منه، قال: ألا ترى أنّ النبيَّ ﷺ لما سُئِل: هل يضرُّ الغَبْط؟ فقال: نعم، كما يضرُّ الخَبط فأخبر أنّه ضارٌّ وليس كضرر الحسد الذي يتمنى صاحبُه زوالَ النعمةِ عن أخيه، والخبط: ضرْبُ ورق الشجر حتى يتحاتَّ عنه ثم يستخلف من غير أن يضُرَّ ذلك بأصل الشجرة وأغصانها. وقال الله : ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. . . . . قال الإمام البيضاويُّ: ما فضَّل اللهُ به بعضَكم على بعض: أي من الأمورِ الدُّنيوية كالجاه والمال، قال: لا تتمنَّوْه. فلَعلَّ عدمَه خيرٌ، قال:

стр. 501

والمُقتضي للمَنْعِ كونُه ذريعةً إلى التحاسد والتَّعادي مُعْرِبةً عن عدم الرضا بما قسم اللهُ له، وأنّه تَشَهٍّ لحصولِ الشيء له من غير طلب، وهو مذمومٌ لأن تمنِّي ما لم يُقْدَرْ له معارضةٌ لحكم القدرِ وتمنّي ما قدر له بغير كسب ضائع ومحال؛ وقد نعى الله في غير ما آيةٍ على أولئك الذين يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله وفي الحديث: (لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه اللهُ مالاً فهْوَ يُنْفِقُه آناءَ الليل وأطرافَ النهار، ورجل آتاه اللهُ قرآناً فهو يتلوه). . . . قال الإمام الأزهري: هو أن يتمنّى الرجل أن يرزقَه اللهُ مالاً ينفق منه في سبيل الخير أو يتمنّى أن يكون حافظاً لكتاب الله فيتلوه آناء الليل وأطراف النهار، ولا يتمنّى أن يُرْزأ صاحبُ المال في ماله أو تالي القرآن في حفظه. وقال ثعلب: معناه ليس حسد لا يضرّ إلا في اثنتين، أقول: ومعنى ذلك أنّ كلَّ حسد ضار إلا في هاتين أي أن حسد صاحب المال ينفقه في سبيل الخير وحافظ القرآن يتلوه، غير ضار، لأنّ هذين على سبيل سواء يستحِقّان معه أن يُحسدا، أي أن يُغبطا. . . . وقال حكيم: الحسد مِنْ تعادي الطبائع واختلاف التركيب وفساد مزاج البِنْية وضعف عقد العقل. . والحاسدُ طويل الحسرات. وقال حكيم: الحسد جرحٌ لا يبرأ، وحَسْبُ الحسود ما يَلْقى. وقال الحسن البصري: يا ابن آدم، لِمَ تَحسُدُ أخاك؟ إنْ كان اللهُ أعطاه لكرامتِه عليه، فلِمَ تحسد مَنْ أكرمَه اللهُ؟ وإن كان غيرَ ذلك فلِمَ تحسُدُ من مصيرُه إلى النار! وفي الأثر: الحسد يأكل الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ، وقال علي بن أبي طالبٍ: ما رأيتُ ظالماً أشبهَ بمظلومٍ من الحاسد، نَفَسٌ دائم،

стр. 502

وعقلٌ هائم، وحزنٌ لازم، وقالوا: الحسود لا يسود. . . . قال رَوْحُ بن زنباع الجُذاميُّ: كنت أرى قوماً دوني في المنزلة عن السلطان يدخلون مداخِلَ لا أدخلُها، فلمّا أذهبت عنّي الحَسدَ دخلتُ حيث دَخلوا. . . . وقال ابن المُقفّع: أقلُّ ما لِتاركِ الحسدِ في تركه أن يَصرِفَ عن نفسه عذاباً ليس بمُدْرِكٍ به حَظّاً ولا غائِطٍ بهِ عدوّاً، فإنّا لمْ نرَ ظالِماً أشبهَ بمظلومٍ من الحاسد، طولُ أسفٍ، ومحالفةُ كآبةٍ وشدّةُ تحرُّقٍ، ولا يبرح زارِياً على نعمة اللهِ ولا يجد لها مَزالاً، ويُكدِّر على نفسه ما به من النّعمةِ فلا يجد لها طعماً ولا يزال ساخِطاً على مَنْ لا يَترضّاه ومتسخِّطاً لما لن ينالَ فوقَه، فهو منغَّص المعيشةِ دائمُ السّخْطةِ محرومُ الطّلِبة، لا بِما قُسم له يقنعُ ولا على ما لم يقسم له يَغْلِب، والمَحسود يتقلَّبُ في فضل اللهِ مُباشراً للسُّرورِ منتفِعاً به مُمَهَّلاً به إلى مُدَّةٍ ولا يقدر الناسُ لها على قطعٍ وانتقاص. . . وقال أبو تمام: وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فَضيلةٍ ... طُوُيَتْ أتاحَ لها لِسانَ حَسودِ لولا اشتِعالُ النارِ فيما جاوَرَتْ ... ما كانَ يُعْرَفُ طيبُ عَرْفِ العودِ لولا التّخوُّفُ لِلْعَواقبِ لَمْ تَزَلْ ... لِلْحاسِدِ النُّعْمى على المَحْسودِ وقال البحتري: ولَنْ يَسْتبينَ الدَّهْرَ مَوْضِعُ نِعْمةٍ ... إذا أنْتَ لَمْ تُدْلَلْ عليها بِحاسِدِ وقال عبد الله بن المعتز: اصْبِرْ على كَيْدِ الحسو ... دِ فإنَّ صَبْرَك قاتِلُهْ فالنّارُ تأكُلُ نَفْسَها ... إنْ لَمْ تَجِدْ ما تأكُلُهْ وقال ابن المقفع أيضاً: الحسد والحرص دعامتا الذنوب، فالحرص أخرج آدم ﵇ من الجنة، والحسد نقل إبليس من جوار الله تعالى

стр. 503

وقال الجاحظ: من العدل المحض والإنصاف الصريح - الخالص - أن تحطَّ عن الحاسدِ نصفَ عقابه، لأنّ ألمَ جَسْمه قد كفاك مؤونةَ شَطْر غيظك؛ وللجاحظ رسالة مطوّلة في الحسد تراها في رسائله. وقيل للحسن البصري: أيَحْسُدُ المؤمنُ أخاه؟ قال: لا أبالك، أنسيت إخوة يوسف؟ وقالوا: الحَسود غضبانُ على القدر، والقدر لا يُعْتِبه - أي لا يُزيل عتْبَه: أي لا يُرضيه - أخذ هذا المعنى منصور الفقيه فقال: ألا قُلْ لِمَنْ باتَ لي حاسِداً ... أتَدْري عَلى مَنْ أسأتَ الأدَبْ أسأتَ على اللهِ في فِعْلِه ... إذا أنْتَ لَمْ تَرْضَ لي ما وَهَبْ وقال معاويةُ: كلُّ الناس يمكنني أن أرضيَه، إلا الحاسدَ الذي لا يردُّه إلى مودَّتي إلا زوالُ نعمتي. وقال المتنبي: سِوى وَجَعِ الحُسَّادِ داوِ فإنّه ... إذا حلَّ في قلْبٍ فلَيْسَ يَحولُ وقال آخر: كلُّ العَداوة قدْ تُرْجى إماتتُها ... إلا عَداوةَ مَنْ عاداكَ مِنْ حَسَدِ ويقال: إذا أرادَ اللهُ أنْ يُسلِّطَ على عبده عدوّاً لا يرحمُه سلَّط عليه حاسداً. . . . . وقال العُتْبيُّ - وذكر وُلْدُ، الذين ماتوا -: وحتّى بَكى ليَ حُسَّادُهُمْ ... وقَدْ أتْرَعوا بِالدُّموعِ العُيونا وحَسْبُكَ مِنْ حادِثٍ بامْرئٍ ... يَرى حاسِديهِ لهُ راحِمينا وقالوا: مَنْ دعتْهُ نفسُه إلى ترك الدنيا فلينظر: هل يَحْسُدُ أحداً، فإنْ حسد كان تركُه عجزاً، لأنه لو زهد فيها ما حَسَدَ عليها. وقال البحتريّ: مُسْتريحُ الأحْشاءِ مِنْ كُلِّ ضِغْنٍ ... بارِدُ الصَّدْرِ مِنْ غَليلِ الحَسودِ

стр. 504

وقيل لسفيانَ بن معاوية: ما أسْرعَ حسدَ الناسِ إلى قومِك! فقال: إنّ العَرانينَ تَلْقاها مُحَسَّدةً ... ولا تَرى لِلِئامِ النّاسِ حُسّادا وقال آخر: وتَرى اللَّبيبَ مُحَسَّداً لَمْ يَجْتَرِمْ ... شَتْمَ الرِّجالِ وعِرْضُه مَشْتومُ حَسدوا الفَتى إذْ لَمْ يَنالوا سَعْيَه ... فالقومُ أعْداءٌ لهُ وخُصومُ كَضَرائِرِ الحَسْناءِ قُلْنَ لِوَجْهِها ... حَسداً وظُلْماً: إنّه لَدَميمُ وقال آخر: إن تَحْسِدوني فإنّي لا ألومُكُمُ ... قبلي مِنَ الناسِ أهلُ الفضلِ قد حُسِدوا فدامَ لي ولَهُمْ ما بي وما بِهِمُ ... وماتَ أكثرُنا غَيْظاً بما يَجِدُ أنا الذي تَجدوني في حلوقِكُمُ ... لا أرْتقي صَدْراً عَنْها ولا أرِدُ وخطب الحجاج يوماً بِرُسْتَقُباذ بقولِ سويد بن أبي كاهل - شاعر جاهلي إسلامي -: كيفَ يَرْجون سَقاطي بَعْد ما ... جَلَّلَ الرأسَ بياضٌ وصَلَعْ رُبَّ مَنْ أنضَجْتُ غيظاً صدرَه ... قَدْ تَمنّى ليَ موتاً لَمْ يُطَعْ ويَراني كالشَّجا في حَلْقِه ... عَسِراً مَخْرجُه ما يُنْتَزَعْ مُزْبِداً يخْطِرُ ما لَمْ يرَني ... فإذا أسْمَعْتُهُ صَوْتي انْقَمَعْ

стр. 505

لَمْ يَضِرْني غَيْرَ أنْ يَحْسِدُني ... فَهْوَ يَزْقو مثلَ ما يَزْقو الضُّوَعْ ويُحيّيني إذا لاقيتُه ... وإذا يَخْلو له لَحْمي رَتَعْ قد كفاني اللهُ ما في نفسِه ... وإذا ما يَكْفِ شيئاً لا يُضَعْ وقال ابن الرومي لصاعد بن مخلد: وضِدٍّ لكمْ لا زالَ يَسْفُلُ جَدُّه ... ولا بَرِحَتْ أنفاسُه تَتَصَعَّدُ يرى زِبْرِجَ الدُّنْيا يُزَفُّ إليكُمُ ... ويُغْضي عَنِ اسْتِحْقاقكِمْ فَهْوَ يُفْأدُ ولَوْ قاسَ باسْتِحْقاقِكِمْ ما مُنِحْتُمُ ... لأطفأ ناراً في الحَشا تَتَوقَّدُ وآنَقُ مِنْ عِقْدِ العَقيلةِ جيدُها ... وأحْسنُ مِنْ سِرْبالِها المُتَجَرَّدُ وقال الأصمعي: رأيْتُ أعرابيَّاً قدْ أتتْ له مائةٌ وعشرون سنة، فقلت له: ما طوَّل عُمُرَك؟ فقال تركت الحسدَ فبقيت. وكانوا يقولون: سِتّةٌ لا يخلون من الكآبة: رجلٌ افتقر بعد غنىً، وغنيٌّ يخافُ على ماله النَّوى - الهلاك والضياع - وحقودٌ، وحسودٌ، وطالبُ مرتبةٍ لا يبلغُها قدرُه ومخالِطُ الأدباءِ بغير أدب. ومن ألفاظهم في وصف الحسد: قد دبَّت عقاربُ الحُسَّدِ، وكَمَنَتْ

стр. 506

أفاعيهم بكلِّ مَرْصد: فلانٌ قد وَكَّلَ بي لَحْظاً يَنْتَضِلُ بأسْهُمِ الحَسَدِ. . . ومن وصاياهم في باب الحذر من الأعداء الحُسَّد قول أعرابيٍّ يعِظ رجلاً: ويحك، إنَّ فُلاناً وإن ضحك إليك، فإنّه يضحك منك، ولَئِنْ أظهر الشفقة عليك، إنّ عقاربَه لَتسري إليك، فإنْ لم تتخذْه عَدوَّاً في علانيَّتك فلا تجعلْه صديقاً في سريرتك. . . وحذَّر بعض الحكماء صديقاً له صحِبَه رجلٌ، فقال: احذر فلاناً، فإنّه كثيرُ المسألة، حسنُ البحث، لطيفُ الاستدراج يحفَظُ أولَ كلامِك على آخِره، ويعتبر ما أخَّرْتَ بما قدَّمت، فلا تظهُرِنَّ له المخافةَ فيرى أنك قد تحرَّزت. واعلم أن من يقظة الفطنة إظهارَ الغفلةِ مع شدّة الحذر. فباثِّه مباثَّةَ الآمِنِ، وتحفّظ منه تحفُّظَ الخائِف. فإنَّ البحثَ يُظهر الخفيَّ الباطن، ويبدي المستكنَّ الكامن. هذا، وقد عقد الغزاليُّ للحسد باباً زاخِراً في كتابه الإحياء حلّل فيه على طريقته هذا الداء - داء الحسد - وبيّن أسبابَه وأعراضه وعلاجه ولماذا كان شائعاً بين الأقران والإخوة والأقارب فارجع إليه إذا أردت التّوسُّعَ في هذا الباب، ولنختر منه هذه الحكاية الطريفة، قال: كان رجل يغشى بعضَ الملوك، فيقوم بحذاء الملك فيقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكَه إساءته، فحسده رجلٌ على هذا المقام، وذلك الكلام، فسعى به إلى الملك فقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول، زعم أن الملك أبْخَرُ، فقال له الملك: وكيف يصحُّ ذلك عندي؟ قال تدعوه إليك، فإنه إذا دنا منك وضع يدَه على أنفه لِئلا يشمَّ ريحَ البَخَر، فقال له:

стр. 507

انصرف حتى أنظر، فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاماً فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده، وقام بحذاء الملك على عادته، فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكَه إساءته، فقال له الملك: ادن منّي، فدنا منه ووضع يده على فيه، مخافةَ أن يشمَّ الملكُ منه رائحة الثوم فقال الملك في نفسه: ما أرى فلاناً إلا قد صَدق، وكان الملك لا يكتب بخطّه إلا بجائزة أو صلة، فكتب له كتاباً بخطّه إلى عامل من عمّاله: إذا أتاك حامِلُ كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحشُ جِلْدَه تبناً وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الذي سَعا به فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: خطَّ الملكُ لي بصلة، فقال: هبْهُ لي، فقال: هو لك، فأخذه ومضى إلى العامل، فقال العامل: في كتابك: أنْ أذبحَك وأسلخَك، قال: إنَّ الكتاب ليس هو لي، فاللهَ اللهَ في أمري حتى تراجعَ الملك، وقال: ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشا جلدَه تبناً وبعث به، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله، فعجب الملك وقال: ما فعل الكتاب؟ فقال: لقيني فلانٌ فاستوهبَه منّي، فوهبته له، قال الملك: إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر، قال: ما قُلْتُ ذلك، قال: فلِمَ وضعْتَ يدك على فيك، قال: لأنه أطعمني طعاماً فيه ثوم، فكرهت أن تشمَّه، قال: صدقت، ارجع إلى مكانك فقد كُفي المسيءُ إساءته. . . . ومثل هذه الحكايات كثير ويصحُّ أن توضع في باب السّعاية والمكر، وعاقبة الماكرين. وبعد فإنّ ما نورده ههنا من عبقرياتهم في الحسد والحقد وما إليهما إنما هو قليلٌ من كثيرٍ تراه في باب الطبائع وإنّما ما نورد من هذه العبقريات لنستوفي بابَ العداوات

стр. 508

المزاح ولأنَّ المُزاحَ في الكثير الأعمِّ الأغلبِ مَدْرَجةُ البغضاءِ رأينا أنْ نوردَ هُنا صدراً من عبقرياتهم فيه. قال الزَّبيدي شارح القاموس: المُزاح: المباسطةُ إلى الغير على جهة التلطف والاستعطاف دون أذيّة، حتى يَخرج الاستهزاءُ والسخرية. قال: وقد قال الأئمة: الإكثارُ منه والخروج عن الحدِّ مُخِلٌّ بالمروءةِ والوقار، والتنزُّه عنه والتقبُّض مخل بالسّنّة. ويقال: مَزَحَ يَمْزَحُ مُزْحاً ومِزاحاً ومُزاحاً ومُزاحةً وقد مازحَه مُمازحةً ومِزاحاً، والاسم المزاح بالضَّمِّ والمُزاحةُ أيضاً. نهيهم عن المزاح جاء في الأثر: إياكَ والمُزاحَ فإنّه يذهبُ ببَهاءِ المُؤمنِ ويُسقط مروءَته ويجرُّ غضبَه. وقالوا: المُزاح مجلبةٌ للبغضاء مثلبةٌ للبهاءِ مَقْطعةٌ للإخاءِ. وقالوا: المُزاحُ أوّله فَرْحٌ وآخرُه تَرِحٌ، وهو نَقائِضُ السُّفهاءِ مِثْلُ نَقائضِ الشعراء. وقالوا: لا تُمازِحْ صَغيراً فيجترِئْ عليك، ولا كبيراً فيحقدْ عليك

стр. 509

وقال مُسْعَرُ بنُ كِدام لابنه: ولقَدْ حَبَوْتُك يا كِدامُ نَصيحَتي ... فاسْمَعْ لقولِ أبٍ عليكَ شفيقِ أمّا المُزاحةُ والمِراءُ فدعْهُما ... خُلُقانِ لا أرْضاهما لصديقِ ولقَدْ بلَوْتُهما فلَمْ أحْمَدْهما ... لِمُحاورٍ جارٍ ولا لرفيقِ وقالوا: المُزاح سبابُ النُّوكى وقال عمر بن عبد العزيز: لا يكونُ المُزاح إلا من سَخَفٍ أو بَطَرٍ. وقالوا: الغالب فيه واتِرٌ. والمغلوب ثائِر. وقال أبو نواس: رُبَّما استُفْتِحَ بِالمَزْ ... حِ مَغاليقُ الحِمامِ حمدهم القصد في المزح ومزاح الأماثل جاء في الأثر: إنّي لأمزح ولا أقول إلا حقّاً. . . ومن مُزاحه صلوات الله ما رُوي: أنَّ عجوزاً من الأنصارِ أتته فقالت: يا رسولَ الله، ادْعُ لي بالمغفرة، فقال: أما علمت أنَّ الجنةَ لا يدخلها العجائزُ! فصَرَخَتْ، فتبسَّم رسولُ الله وقال: أما قرأتِ القرآن؟ ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً، عُرُباً أَتْرَاباً﴾ وأتته أخرى في حاجةٍ لزوجها فقال لها: ومَنْ زوجُك؟ فقالت فلان، فقال لها: الذي في عينه بياضٌ؟ فقالت: لا، فقال: بلى، فانصرفت عجلى إلى زوجها، وجعلت تتأمّل عينيه، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت:

стр. 510

أخبرني رسول الله أنّ في عينيك بياضاً، فقال: أما ترين بياض عينيَّ أكثرَ من سوادهما! وقال صلوات الله عليه لبُنَيٍّ كان لأبي طلحة الأنصاريِّ، وكان له نُغَرٌ فمات: ما فعلَ النَّغيرُ يا أبا عمير؟ وقالوا: الناس في سِجْنٍ ما لَمْ يتمازحوا. وقال رجل لأبي عُيَيْنةَ. المُزاح سُبّة، فقال: بل سُنَّةٌ لمَنْ يُحْسِنه. يا ساعَتي في مجوني ... قدْ طِبتُ فيك وطِبْتِ إنّي إذا ضاقَ صَدْري ... قَطَعْتُ بالسُّخْفِ وقتي وقال سعيد بن العاص لابنه: اقتَصِدْ في مُزاحك فالإفراط فيه يُذهب البهاءَ ويُجرِّئ عليك السُّفهاءَ، وتركه يقبضُ المؤانسينَ ويوحش المُخالطين نهيهم عن الغضب في المَزْح قال ابن سيرين: ليس من حسن الخلق الغضب من المزح الممدوح بأن فيه الجدَّ والهزل قال شاعر: أخو الجِدِّ إنْ جادَدْتَ أرْضاكَ جِدُّه ... وذو باطِلٍ إنْ شئتَ ألْهاك باطلُهْ وقال أبو تمام: الجِدُّ شيمتُه وفيه فُكاهةٌ ... سُجُحٌ ولا جِدٌّ لِمَنْ لمْ يَلْعَبِ

стр. 511

عذر من يضحك وهو محزون وقدْ يضحكُ الموتورُ وهْوَ حزين وقال آخر: وربَّما ضَحِكَ المَكْروبُ مِنْ عَجبٍ ... السِّنُّ تَضْحكُ والأحْشاءُ تَضْطَرِمُ نهيهم عن كثرة الضحك في الأثر: إيّاك وكثرةَ الضَّحك فإنَّها تميتُ القلب وتورثُ النسيان. وفيه أيضاً: ويلٌ للّذي يُحدِّث فيكذبُ ليُضْحِكَ به القومَ، ويلٌ له، ويلٌ له. وقال عمر بن الخطاب: من كثر ضحكُه قلَّت هيبتُه وقال عليٌّ: إذا ضحك العالم ضحكة مجَّ من العلم مَجَّة. وقالوا: كثرة الضَّحك تورثُ الرُّعونة. وقيل لأبي العَيْناء: فلانٌ يضحك منك! فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ وهذا من الأجوبة المُسْكتة، وكان أبو العيناء ذا نوادر. إيراد جِدٍّ في مسلك هزل قال خالد بن صفوان: رَماني بأصْلَبَ من الجندل، ونشّقني بأحَرَّ من الخَرْدل، ثمَّ قال إنّي أمازحُك! لي صاحِبٌ ليس يَخْلو ... لسانُه مِنْ جِراحي يُجِدُّ تمزيقَ عِرْضي ... على سبيلِ المُزاحِ

стр. 512

صدرٌ من عبقرياتهم في الغيبة والنميمة ولأنّ الغيبة والنميمة مدرجتانِ غالباً للعداء بادرنا بإيراد صدر من عبقرياتهم في هاتين الخَلّتين الذّميمتين حقيقة الغيبة والنميمة الغيبةُ الاسْمُ من الاغتياب وهو: أن يتكلَّمَ خلف إنسان مَسْتور بِسوءٍ أو بِما يغمُّه لو سمعه وإنْ كان فيه، فإنْ كان صِدقاً فهو غيبةٌ وإنْ كان كِذْباً فهو البُهْتُ والبُهتان. كذلك جاء عن سيدنا رسول الله صلوات الله عليه. وقال بعض الفقهاء: الغيبة: أن تذكرَ الإنسان بما فيه من العيب من غيرِ أن تُحْوَجَ إلى ذلك، وفي هذا احترازٌ ممّا يقوله الشاهد عند الحاكم. والنميمة: نقلُ الحديث من قومٍ إلى قوم على جِهة الإفسادِ والشرِّ، ونَمَّ الحديثَ يَنُمُّه ويَنِمُّه نَمّاً: نقلَه، والاسم النميمة؛ والنّعت نمّام، ويقال للنمام: القتّات يقال: قَتّ: إذا مشى بالنميمة، ويقال له: قسّاس ودرّاج وغمّاز وهمّاز ومائسٌ ومِمْآس. ذمّ الغيبة والنميمة قال الله جل شأنه: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ قوله سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ﴾. . . الآية: تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه، قال الإمام الزمخشري: وفيه مبالغاتٌ شتّى: منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبّة، ومنها إسناد الفعل إلى

стр. 513

أحدكم والإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتّى جعل الإنسان أخاً، وحتّى جعل الأخ ميتاً. قال قتادة: كما تكره إن وجدت جيفةً مدوِّدةً أن تأكل منها فاكره لحم أخيك وهو حيّ. وفي الحديث: (إنّ الغيبةَ أشدُّ من الزنا قيل: كيف ذلك؟ قال: لأن الرجل يزني فيتوبُ، فيتوب اللهُ عليه، وصاحبُ الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه) وفي الحديث المرفوع: (أنّ امرأتين صامتا على عهد النبي ﷺ وجعلتا تَغْتابانِ الناسَ فأخْبِرَ النبي بذلك فقال: صامتا عمّا أحِلّ لَهما وأفْطَرَتا على ما حرّم اللهُ عليهما) واغتاب رجلٌ رجلاً عند قتيبة بن مسلم فقال قتيبة: أمْسك أيّها الرجل، فو اللهِ لقد تلمَّظْتَ بمُضْغةٍ طالما لفَظَها الكرام. وقال عليٌّ بن الحسين ﵁: إيّاك والغيبةَ فإنّها إدامُ كلاب النار وهذا تمثيلٌ جميل وقال الشاعر: لا تَهْتِكَنْ مِنْ مَساوي النّاسِ ما سَتروا ... فيَهْتِكَ اللهُ سِتْراً مِنْ مَساويكا واذْكُرْ مَحاسِنَ ما فيهم إذا ذُكِروا ... ولا تَعِبْ أحداً مِنْهُمْ بما فيكا وقالوا: الغيبة مَرْعى اللئام وجهدُ العاجز وقال تعالى ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ وقال سيدنا رسول الله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يرفعنَّ إلينا عورةَ أخيه المؤمن). . . وقال ﷺ : (لا يُراح القَتّاتُ رائِحةَ الجنّة) والقتات: النّمّام

стр. 514

من سمحت نفسه بأن يكون في حِلٍّ ومَنْ لا تسمح نفسه كان أبو الدَّرداء ﵁ إذا خرج يقول: اللَّهُمَّ إنّي قد تصدّقْتُ بعِرْضي على عِبادك. وقال كثيِّر عزّة: هَنيئاً مَريئاً غيرَ داءِ مُخامرٍ ... لِعَزَّةَ مِنْ أعْراضنا ما اسْتَحَلَّتِ خامره الداءُ: خالط جوفَه وقيل لرجل: فلانٌ شتمك واغتابك، فقال: هو في حِلٍّ. فقيل: أتُحِلُّ من اغتابك وبه يثقل ميزانُك؟ فقال: لا أحبُّ أن أثقل ميزاني بأوزار إخواني. وقال رجلٌ لابن سيرين: قد نلتُ منك فاجعلني في حِلّ، فقال: لا أحلُّ ما حرّم اللهُ عليك. أما ما كان إليّ فهو لك. من قلّت مبالاتُه بمن اغتابه قيل لحكيم: فلان يشتمك بالغيب، فقال: لو ضَرَبني بالسِّياطِ في الغيب لم أبالِ به. وقال شاعر قديم وأنشد هذا الشعر لسيِّدنا رسول الله العلاءُ بن الحضرميّ: حيِّ ذوي الأضْغانِ تَسْبِ قلوبَهم ... تَحِيَّتك القُرْبى فقَدْ تُرْقَعُ النَّعَلْ وإنْ دَحسوا بالشَّرِّ فاعْفُ تكرُّماً ... وإنْ خَنَسوا عنكَ الحَديثَ فلا تَسَلْ فإنَّ الذي يُؤذيكَ منه سماعُه ... وإنَّ الذي قالوا وراَءك لم يُقَلْ

стр. 515

دحسَ بين القومِ: أفسدَ بينهم، وخَنسوا: أخْفَوا، يريد: إنْ فعلوا الشرَّ من حيث لا تعلمه وقد تقدّمت هذه الأبيات وقال المتوكل الخليفة العباسي لأبي العيناء: ما بقي أحدٌ إلا اغتابك! فقال: إذا رَضِيَتْ عنّي كِرامُ عَشيرَتي ... فلا زالَ غَضْباناً عليّ لِئامُها وقيل لرجل: فلانٌ يغتابك: فقال: دَعْني يَستَرْفعْني اللهُ بذلك، فمن أكثرتِ الناسُ فيه الوقيعةَ رفعَه اللهُ، وإنَّ بني أميّة مازالوا يشتُمون عليَّ بن أبي طالب ستينَ سنةً فلم يزدْه اللهُ إلا رِفْعةً. وقيل لآخر ذلك فقال: ولَمْ يَمْحُ مِنْ نورِ النَّبيِّ أبو جَهْلِ وقيل لآخر مثله فقال: لا ضَيرَ، إنّه أراد أن يمتحن ودّي. . . ذم ناقص يغتاب فاضِلاً قال المتنبي: وإذا أتَتْك مَذَمّتي من ناقِصٍ ... فهْيَ الشهادةُ لي بأنّيَ كامِلُ وقبله يقول أبو تمام: لقد آسَفَ الأعْداَء فضلُ ابْنِ يوسفٍ ... وذو النَّقصِ في الدُّنيا بذي الفَضْلِ مُولَعُ وقبل أبي تمام يقول مروان بن أبي حفصة: ما ضرَّني حَسدُ اللئامِ ولم يَزلْ ... ذو الفَضْلِ يحسدُه ذوو التَّقْصيرِ وأصل هذا المعنى من قول الطِّرمّاح بن حكيم: لقد زادَني حُبَّاً لنفسي أنَّني ... بَغيضٌ إلى كلِّ امْرئٍ غيرِ طائِلِ

стр. 516

وأنّي شقيٌّ باللّئامِ ولا ترى ... شقيّاً بِهِمْ إلا كريمَ الشَّمائِلِ وقد تقدم. وقالوا: كفى بالمرء شَرَّاً أن لا يكونَ صالِحاً وهو يقع في الصالحين. وبلغ الأحنفَ بن قيس أنّ رجلاً يغتابه فقال: عُثَيْثةٌ تقْرِضُ جلداً أمْلسا. . . عُثَيْثةٌ تصغير عُثّة وهي دُويبةٌ تلْحَسُ الثياب والصوفَ وأكثرُ ما تكون في الصوف، وهذا مثلٌ قد يُضرب للرجل يَجتهد أن يؤثر في الشيء فلا يقدرُ عليه ومما يتصل بهذا قولهم: وما زالَتِ الأشْرافُ تُهْجى وتُمْدح وقولهم: إنّما الغيبةُ تلقيحُ الشَّرَفْ من رمى غيره بعيبه من هذا قولهم: رَمَتْني بِدائِها وانْسَلَّتْ وقولهم: عيَّرَ بُجَيْرٌ بُجَرة ونَسي بُجَيْرٌ خَبَرَه. قال المفضّل الضّبّي: بُجَيْرٌ وبُجَرةٌ كانا أخوين في الدّهر القديم ولهما قصةٌ ذكرها، وقال الأزهري بُجَيْرٌ تصغير الأبجر وهو الناتِئ السُّرّة والمصدر: البُجْرُ فالمعنى: أن ذا بُجَيْرةٍ في سُرّته عيَّر غيرَه بما فيه وقول السيد المسيح ما معناه: أتُبْصِرُ القذاةَ في عين أخيك وتدعُ الجِذْعَ المُعْتَرِضَ في حَلْقك! اغتياب المرء غيرَه يدلُّ على عيبه قالوا: مَنْ وجدْتُموه عيّاباً وجدْتُموه مَعيباً، لأنّه يَعيبُ الناسَ

стр. 517

بفضْلِ عَيْبِه. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: ويأخذُ عَيْبَ النَّاسِ مِنْ عَيْبِ نَفْسِه ... مُرادٌ لَعَمْري ما أرادَ قَريبُ وقالوا: أعرفُ الناس بعُوارِ الناسِ المُعْوِرُ. العُوار: العيبُ، والمُعْور: ذو العيب القبيح السريرة واغتاب رجلٌ آخرَ عند بعضِ الأشراف، فقال له: يا هذا، أوْحَشْتَنا من نفسك، وأيأسْتَنا من مودَّتك؛ ودللْتَنا على كثرة عيوبك بما تذكر من عيوبِ الناس، لأن الطالب للعيوبِ إنّما يطلبها بقدرِ ما فيه منها وقال شاعر: وأجْرأُ مَنْ رأيْتُ بِظَهْرِ غَيْبٍ ... على عيبِ الرِّجال ذَوو العُيوبِ يقول: أجرأ الناس على عيب الناس بظهر الغيب هم ذَوو العيوب، والظَّهْر: ما غاب عنك ومما يُذكر هنا قول بعض الحكماء: الأشرار يتتبّعون مساوئ الناس ويتركون محاسنَهم، كالذُّباب يتتبع المواضعَ الفاسدة من الجسد ويترك الصحيحة. تشهي الغيبة واستطابتها قالوا في ذلك: الغيبة فاكِهةُ النُّسّاك والقُرّاء. . . وقصد رجل إلى ابن عمِّه مُسترفداً، فأحسن إليه، فلما رجع سُئِلَ، فقال: منعني التلذَّذ بالغيبة والشكوى. وقال رجلٌ لبنيه: إذا اجتمعتم فعليكم حديثَ أنْفسِكم ودَعوا الاغتياب، فقال أحدُهم: نحن نحتاج في هذه السّنة إلى كذا وكذا، ونفعل ونصنع كذا وكذا، فقد فرغْنا من حديثنا، فبِماذا نشتغل!

стр. 518

من اغتاب فاغتيب قيل: مَنْ رَمى الناسَ بما فيهم رَمَوْه بما ليسَ فيه وقيل: بحثُك عن عيوب الناسِ يدعو إلى بحثِهم عن عُيوبِك. ومَنْ دعا الناسَ إلى ذَمِّه ... ذَمّوه بالحَقِّ وبالباطِلِ وقال شاعر ظريف: تَحلَّلْتَ بالسَّبِّ لمّا رأيْتَ ... أديمَك صَحَّ ومَنْ سَبَّ سُبْ فإنْ لَمْ نَجِدْ فيك مِنْ مَغْمَزٍ ... سَلَكْنا إليك طريقَ الكَذِبْ نهيهم عن الإصغاء إلى المُغتاب قالوا: إذا رأيْتَ من يَغتابُ الناسَ فاجْهَدْ جُهْدَك أن لا يَعْرِفَك، فأشقى الناسِ به معارفُه. وقال عمرو بن عبيد لرجل يستمع إلى آخر يغتاب: ويلك، نزِّه أذُنَك عن استماع الخَنا كما تنزِّه لسانَك عن النطق به. وقالوا: والسَّامِعُ الذّامِ شريكٌ له وقال بعض المتصوِّفة: الرجل يقول: سبحان الله، وأخشى عليه بذلك النار، وهو الذي يستمد بذلك الغيبة إذا سَمِعَها. . . . الممدوح بصيانة مجلسه عن الغيبة مدح بعضهم رجلاً فقال: ينزِّه مجالسَه عن الغيبة ومسامعَه عن النميمة. وقال الشاعر: إذا ما تَراآهُ الرِّجالُ تَحَفَّظوا ... فلم تُنْطَقِ العوراءُ وهْوَ قَريبُ

стр. 519

العوراء: الكلمة القبيحة حثهم على التثبّت فيما يُسمع من السعاية وُشِيَ برجلٍ إلى بلال بن أبي بُردة، فلما أتيَ به قال: قد أتاك كتابٌ من الله في أمرنا، فاعمل به، قال الله تعالى: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ فقال: صدقت. وأُبْلغَ أحدُ الملوك عن رجل مُنكراً، فأمر بقتله، فقال: إن قتلتني ومَنْ سعى بي كاذبٌ يعظم وزرُك، وإن تركتني وهْوَ صادق قلَّ وزرك وأنْتَ مِنْ وراء ما تريد، والعجلة موكَّل بها الزَّلل، فأمر بإبقائه. وقال كثيّر عزّة: وإنْ جاَءكِ الواشونَ عنِّي بِكِذْبةٍ ... فَرَوْها ولَمْ يأتوا لها بِحويلِ فلا تَعْجلي ياعزَّ أنْ تتفهَّمي ... بنُصْحٍ أتى الواشونَ أم بِحُبولِ وقال عبدة بن الطبيب من أبيات يعظ فيها بنيه: واعْصوا الذي يُزْجي النَّمائِمَ بينَكم ... مُتَنَصِّحاً وهْوَ السِّمامُ المُنْقَعُ يُزْجي عَقاربَه ليبعثَ بينَكم ... حَرْباً كما بَعَثَ العروقَ الأخْدَعُ حَرّانَ لا يَشْفي غليلَ فؤادِه ... عَسلٌ بماءٍ في الإناءِ مُشَعْشَعُ

стр. 520

لا تأمَنوا قوْماً يَشِبُّ صبيُّهمْ ... بينَ القبائلِ بالعَداوةِ يُنْشَعُ إنّ الذينَ تَرَوْنَهم إخوانَكم ... يَشْفي غليلَ صُدورِهِمْ أنْ تُصْدَعوا فَضلَتْ عَداوتُهم على أحْلامِهمْ ... وأبَتْ ضِبابُ صُدورِهِمْ لا تُنْزَعُ قومٌ إذا دَمَسَ الظّلامُ عليهمُ ... هَدَجوا قَنافِذَ بالنَّميمةِ تَمْزَعُ وسعى رجلٌ بالإمام الليث بن سعد إلى والي مصر، فأحضره، فقال الإمام: إنْ رأيْتَ أن تسأله: أسِرٌّ ائتمنْتُه عليه فخانَه، أم كَذِبٌ افتراه؟ والخائن والكاذب لا يُقبل قولُهما. . . . ووشى واشٍ إلى بعض الأمراء وقال: إنَّ فلاناً هجاك، فأحْضَرَه وأعْلَمَه، فقال الرجل: كلا، فقال: أخبرَني بذلك الثقة، فقال: الثِّقة لا يكون نمّاماً. وكان الفضل بن سهل الوزير يُبْغِض السُّعاةَ، فإذا أتاه ساعٍ يقول: إن كنتَ صادقاً لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت أقلْناك.

стр. 521

وسأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوةَ؛ فقال لأصحابه: إذا شئتم فلمَّا تهيّأ الرّجل للكلام قال له: إيّاك وأن تمدَحَني، فإنّي أعرفُ بنفسي منك أو تكذبَني فإنَّه لا رأيَ لكذوب، أو تسعى بأحدٍ إليّ، وإنْ شئتَ أنْ أقيلَك أقلْتُك، قال: أقِلْني. ووشى إلى عبد الملك واشٍ في أحد الكتَّاب، فوقع: أقِلُّوا عليهِمْ لا أبا لأبيكِمُ ... من اللَّوْمِ أو سُدُّوا المَكانَ الذي سَدُّوا وقال الواثقُ لأحمدَ بن أبي دواد القاضي: ما زال القوم في ثلْبِك إلى الساعة، فقال: يا أمير المؤمنين، لكلِّ امْرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم، واللهُ وليُّ جزائِه، وعقابُك مِنْ ورائِه، فما الذي قلتَ لهم؟ قال: قلت: وسَعى إليّ بِصَرْمِ عزَّةَ نِسْوةٌ ... جَعلَ المليكُ خُدودَهنَّ نِعالَها صعوبة التخلص من اغتياب الناس سأل بعضُ الأنبياء ربَّه أن يدفع عنه ألسنةَ الناس فلا يغتابوه، فقال : هذه خَصْلةٌ لم أجعلْها لنفسي فكيفَ أجْعلْها لك! وقالوا: ليس إلى السلامة من ألسنة الناس سبيلٌ. فانظر إلى ما فيه صلاحُك فالزَمْه.

стр. 522

وقال شاعر: إذا كُنْتَ مَلْحِيّاً مُسيئاً ومُحْسِناً ... فَغِشْيانُ ما تَهْوى مِنَ الأمْرِ أكْيَسُ ملحيّاً: مَلوماً، ومُسيئاً ومُحسناً: حالان ذم ناقل الغيبة قالوا: مَنْ بَلَّغَك فقدْ شَتمَك. وفي هذا المعنى يقول شاعر: لَعَمْرُك ما سَبَّ الأميرَ عدوُّه ... ولكِنَّما سَبَّ الأميرَ المُبَلِّغُ وقيل لحكيم: فلانٌ عابك بكذا، فقال: لقد رأيتُك نَفَحْتَني بما استحى الرجلُ من استقبالي به. الموصوف بالنميمة قال سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ، هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ وقال بعضُهم لآخر: فلانٌ نمَّ بك، فقال: إنَّ فلاناً لو كان بينك وبين الله واسطةٌ لسعَى بكَ إليه. وقال السَّريُّ الرّفاء: أنَمَّ بِما اسْتَوْدَعْتَه من زُجاجةٍ ... تَرى الشيَء فيها ظاهِراً وهْوَ باطِنُ وقال العباس بن الأحنف: أناسٌ أمِنَّاهُمْ فنَمّوا حديثَنا ... فلمّا كتَمْنا السِّرَّ عَنْهُمْ تَقوَّلوا من اغتاب غيره فرآه اغتاب أعرابيٌّ رجلاً، فالتفت فرآه، فقال لَوْ كان خيراً ما حضَرْتَه.

стр. 523

من لا يحرم اغتيابه قال الحسن البصري: لا غيبةَ في ثلاثةٍ: فاسقٍ مُجاهِرٍ، وإمامٍ جائرٍ، وصاحِبِ بِدْعة. حثهم على التحرز ممّا يقتضي الغيبة قال الحسنُ البصري: مَنْ دخَلَ مَداخِلَ التُّهمَةِ لم يكن له أجر الغِيبةِ. وقالوا: من عرَّضَ نفسَه للتُّهمة فلا يلومَنَّ مَنْ أساءَ به الظَّنَّ واغتابَه.

стр. 524

الباب السادس في التواضع والكبر وما إليهما ولما كان التواضعُ مَجْلبةً للمودّة، والكبر مَدْرجةَ العداءِ، حتّى قال بعضهم - وقد قيل له: ما التواضع؟ فقال: اكتسابُ المودة، فقيل: ما الِكْبر؟ فقال اكتسابُ البُغْض - لمّا كان ذلك كذلك ألحقنا عبقرياتهم فيهما بباب الحلم وما إليه. حدّ التواضع والكبر التواضعُ فضيلةٌ بين الضَّعَةِ والكِبْرِ، قال الراغب: التواضعُ مشتَقٌّ من الضَّعَةِ وهو: رضا الإنسانِ بمنزلةٍ دون ما يستحقُّه فضلُه ومنزلتُه، وهو فضيلةٌ لا تكاد تظهر في أفناء الناس، لانْحطاطِ درجتهم، وإنّما يتبيّن ذلك في الملوك وأجِلاء الناسِ وعُلمائِهم. وهو من باب التفضُّل، لأنّه يترك بعضَ حقِّه، قال: وهو بَيْنَ الكِبْرِ والضَّعَة: فالضعة: وضع الإنسان نفسَه بمحلٍّ يُزري به، والكِبْرُ: وضعُ نفسه فوق قَدْرِه، أو هو: ظنُّ الإنسانِ أنّه أكبرُ مِنْ غيره، والتكبُّر إظهارُ ذلك. وهذه صفةٌ لا يستحقّها إلا اللهُ ، ومن ادّعاها من المخلوقين فهو فيها كاذبٌ، وكذلك صار مَدْحاً في الباري تعالى، وذمّاً في البشر، وإنّما شرف المخلوق في إظهار العبودية كما قال تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ

стр. 525

وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، تنبيهاً على أن ذلك لهم رفعةٌ لا ضَعةٌ: قال: والتكبُّر يتولّد من الإعْجاب، والإعجاب من الجهلِ بحقيقةِ المحاسن، والجهلُ رأس الانسلاخِ من الإنسانية، ومن الكِبْرِ الامتناعُ مِنْ قُبولِ الحق، وأقبح كِبْرٍ ما كان معه بخلٌ، ولذلك قال ﵊: (خَصلتانِ لا يَجتمعانِ في مؤمنٍ: الكبر والبخلُ)، واستُحسن قول الشاعر: جَمَعْتَ أمْرَيْنِ ضاعَ الحزمُ بينَهما ... نَفْسُ الملوكِ وأخْلاقُ المَماليكِ ومن تكبر لرياسةٍ نالها دلَّ على دناءَة عُنْصره، ومن تكبَّر لِقِنْيَتِه جهلَ أنّ ذلك ظلٌّ زائلٌ وعاريةٌ مُستردّة، ومن تفكّر في ذاته فعرف مبدأه ومُنتهاه وأواسِطه عرفَ نفسَه وروَّض كِبْرَه، وقد نبَّه اللهُ على ذلك بقوله: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، وقال: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، ثم قال: وأمّا العِزّة فهي: الترفُّع بالنفس عما يلحقه منه غضاضة، والعِزّة منزلةٌ شريفة، وهي نتيجةُ معرفة الإنسان بقدر نفسه وإكرامُها عن الضراعَةِ للأعراضِ الدُّنيوية، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي الحديث: (لا ينبغي للمؤمن أنْ يُذلَّ نفسَه) ولذا قالوا: التكبّر على الأغنياء تواضُعٌ، تنبيهاً على أن هذا التكبُّرَ عِزَّة

стр. 526

نفسٍ، وقال ابن مسعود: من خضَعَ لغنيٍّ فوضع نفسه عنده طعماً فيه ذهب ثلثا دينه وشطْرُ مروءته. أقول ولهذا باب سيمرُّ عليك. حثهم على التواضع قال سيّدنا رسول الله: (طوبى لِمَنْ تَواضعَ في غير مَنْقَصةٍ، وذلَّ في نفسه في غير مَسْكنة) في غير منقصة: بأن لا يضعَ نفسَه بمكانٍ يُزري به، ويؤدي إلى تضييع حقِّ الحق - الله سبحانه - أو الخلق، فإنّ القصد بالتواضع خفضُ الجناح للمؤمنين مع بقاءِ عِزَّة الدين. رُوي أنّ رجلاً مرَّ على عُمرَ وقد تخشَّع وتذلَّل وبالغ في ذلك، فقال عمر: ألست مسلماً؟ قال: بلى، قال: فارفع رأسَك وامْدُدْ عنقَك فإنَّ الإسلام عزيز منيع؛ أما كلمة طوبى فلِلْعلماء فيها كلام كثير فمن ذلك قول بعضهم: طوبى: اسمُ الجنة بالهندية، قال الصاغاني: فعلى هذا يكون أصلُها توبى، بالتاء، فإنه ليس في كلام العرب طاء، وقال قتادة: طوبى كلمة عربية تقول العرب: طوبى لك إنْ فعلتَ كذا وكذا؛ قالوا: ومعنى طوبى لفلان: الحُسنى والخيرُ له. وكان رسول الله ﷺ مثلاً أعلى للتواضع، قال أبو أُمامة ﵁: (خرج علينا رسول الله متَّكئاً على عصا، فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجِم يعظِّم بعضُهم بعضاً، وقال: إنّما أنا عبدٌ آكل كما يأكلُ العبدُ وأجلس كما يجلس العبد) وكان صلوات الله عليه يركب الحمار ويردف خلفه،

стр. 527

ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطاً بهم، حيثما انتهى به المجلس جلس. . . ومن حديث عُمر عنه ﷺ : (لا تُطروني كما أطرت النّصارى ابْنَ مريم، إنّما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ الله ورسولُه). وعن عائشة ﵂: أنه صلوات الله عليه كان في مهنةِ أهلِه - خدمتهم - يَفلي ثوبه، ويحلب شاتَه، ويرقع ثوبه، ويخصف نعلَه، ويقُمُّ البيتَ - يكنسه ويزيل قمامته - ويخدم نفسَه، ويعقل البعيرَ - يربطه من رجله بالعقال - ويعلف ناضِحَه - الجمل الذي يُستقى عليه الماء - ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعتَه في السوق. وأخباره في تواضعه صلوات الله عليه كثيرةٌ متوافرة تراها في كتب الشمائل والحديث. وفي المثل: تواضُعُ الرجلِ في مرتبتِه ذبٌّ للشّماتة عِنْدَ سقطته. وقال عروة بن الزبير: التواضعُ أحدُ مصايد الشرف، وفي لفظ: سُلَّمُ الشرف وقال عبد الله بن المعتز: متواضعُ العلماء أكثرُهم عِلماً، كما أنَّ المكان المنخفض أكثرُ الأماكن ماءً.

стр. 528

وقالوا: من وضعَ نفسَه دون قدرِه رفعه الناسُ فوق قدره، ومن رَفعَها عن حدِّه وضعه الناس دون قَدْرِه. وقال جعفر بن محمد: رأسُ الخيرِ التَّواضع، فقيل له: وما التواضعُ؟ فقال أنْ ترضى من المجلس بدون شرِفك، وأن تُسلِّم على مَنْ لقيت، وأنْ تترك المِراءَ وإن كنت محقّا، وأن تكرهَ الرِّياءَ والسُّمعةَ. وقالوا: التَّواضُعُ نعمةٌ لا يَفْطِنُ لها الحاسد. وقالوا: التواضعُ كالوَهْدةِ يجتمع فيها قطرُها وقَطْرُ غيرها. وقال عُمر: أُريدُ رجلاً إذا كان في القوم وهو أميرهم كان كبَعْضهم، فإذا لم يكنْ أميراً فكأنّه أميرهم. وقال ﵁ حينَ نظر إلى بعض السَّراةِ مُبْتَذِلاً لأصحابه: هذا رجل يفرُّ من الشرف والشَّرفُ يَتْبَعُه. وقد مَدحَ الشعراءُ المُتواضعينَ فَمِنْ ذلك قولُ أبي تمام: مُتَبَذِّلٌ في القومِ وَهْوَ مُبَجَّلٌ ... مُتواضِعٌ في الحَيِّ وَهْوَ مُعَظَّمُ وقال آخر: مُتواضِعٌ والنُّبلُ يَحْرُسُ قَدْرَهُ ... وأخو النَّباهَةِ بالنَّباهةِ يَنْبُلُ وقال البحتريُّ: دَنَوْتَ تَواضُعاً وعَلَوْتَ مَجْداً ... فشَأناكَ انْحِدارٌ وارْتِفاعُ كذاكَ الشَّمْسُ تَبْعُدُ أنْ تُسامى ... ويَدْنو الضَّوْءُ مِنْها والشُّعاعُ وقال أبو محمد التَّيْميُّ: تَواضَعَ لَمّا زادَه اللهُ رِفْعةً ... وكلُّ رَفيعٍ قَدْرُه مُتواضِعُ

стр. 529

وقال أبو بكر الخوارزمي: عَجِبْتُ لهُ لَمْ يَلْبَسِ الكِبْرَ حُلَّةً ... وفينا إذا جُزْنا على بابِه كِبْرُ ذمّهم التكبّر قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. وقال: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. وقال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. ودخل الفضل بن يحيى ذات يومٍ على أبيه وهو يتبَخْتر في مِشْيَتِه، فقال له يحيى: يا أبا عبد الله، إنَّ البخلَ والجهلَ مع التواضع، أزْيَنُ بالرجلِ من الكِبر مع السخاء والعلم، فيا لها من حسنة غطَّت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيّئة غطَّت على حسنتين كبيرتين، ثم أومأ إليه بالجلوس وقال: احفظه يا أبا عبد الله فإنّه أدبٌ كبير أخذناه عن العلماء. . . وهذا كما قال حكيم: وجدنا التواضعَ مع السخافةِ والبخلِ أحمدَ عندَ العقلاءِ من الكِبر مع الأدب والسخاءِ، فأنْبِلْ بحسنةٍ غطَّت سيئتين، وأقبِحْ بسيئةٍ عفَّت على حسنتين! وقال علي بن أبي طالب: عجبت للمتكبِّرِ الذي كان بالأمسِ نُطفةً وهو غداً جيفة. وقال بعض الشعراء: يا مُظْهِرَ الكِبْرِ إعْجاباً بِصورتِه ... أنْظُرْ خَلاَءك إنَّ النَّتْنَ تَثْريبُ لَوْ فكَّرَ النّاسُ فيما في بُطونِهِمِ ... ما اسْتَشْعَرَ الكِبْرَ شُبّانٌ ولا شيبُ هل في ابْنِ آدمَ غيرَ الرّأسِ مَكْرُمةٌ ... وهُو بِخَمْسٍ مِنَ الآفاتِ مَضْروب

стр. 530

ُ أنْفٌ يَسيلُ وأذْنٌ ريحُها سَهِكٌ ... والعَيْنُ مُرْمِصَةٌ والثَّغْرُ مَلْعوبُ يابْنَ التُّرابِ ومأكولَ التُّرابِ غَداً ... أقْصِرْ فإنَّكِ مأكولٌ ومَشْروبٌ وقالوا: دع التكبّرَ، فمتى كنتَ من أهل النبل لم يَضِرْك التبذُّلُ، ومتى لم تكن من أهلِه لم ينفعْك التنبُّل. بعض دواعي التكبر قال المأمون: ما تكبَّر أحدٌ إلا لنقصٍ وجده في نفسه. وقال حكيم: ما تعاظَمَ أحدٌ على مَنْ دونَه إلا تصاغَرَ لِمَنْ فوقَه وقالوا: ما تاه إلا وضيع، ولا فاخر إلا سقيط، ولا تعظَّم إلا لقيط. السقيط: الأحمقُ الناقصُ العقل، واللَّقيط: الطفل الذي يوجد مَرْميّاً على الطرق لا يعرف أبوه ولا أمُّه وقال يحيى بن خالد بن برمك: لستَ ترى أحداً تكبَّرَ في إمارته إلا وهو يعلم أنَّ الذي نال هو فوق قَدْرِه، ولست ترى أحداً يضعُ نفسَه في إمارة إلا وهو في نفسه أكثرُ ممّا نال. وقيل لبعضهم: فلانٌ غيَّرتهُ الإمارة! فقال: إذا وليَ الرجلُ ولايةً فرآها أكثرَ منه تغيَّر، وإذا ولي ولايةً يرى أنّه أكثرُ منها لم يتغيَّر. وقالوا: من نال منزلة فأبْطَرَتْه دلّ على رداءةِ أصلِه وعُنْصِره. وقال بعض المتصوّفة: اللّئامُ إذا تموَّلوا استَطالوا، وإذا افتقَروا تواضَعوا والكرامُ إذا تموّلوا تواضعوا، وإذا افْتقَروا استطالوا. وقال الجاحظ من كلمةٍ له: والكِبْرُ في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكن
следующие страницы →