← Адаб

Адаб · id 36072

الذخائر والعبقريات

البرقوقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

نفسٍ، وقال ابن مسعود: من خضَعَ لغنيٍّ فوضع نفسه عنده طعماً فيه ذهب ثلثا دينه وشطْرُ مروءته. أقول ولهذا باب سيمرُّ عليك. حثهم على التواضع قال سيّدنا رسول الله: (طوبى لِمَنْ تَواضعَ في غير مَنْقَصةٍ، وذلَّ في نفسه في غير مَسْكنة) في غير منقصة: بأن لا يضعَ نفسَه بمكانٍ يُزري به، ويؤدي إلى تضييع حقِّ الحق - الله سبحانه - أو الخلق، فإنّ القصد بالتواضع خفضُ الجناح للمؤمنين مع بقاءِ عِزَّة الدين. رُوي أنّ رجلاً مرَّ على عُمرَ وقد تخشَّع وتذلَّل وبالغ في ذلك، فقال عمر: ألست مسلماً؟ قال: بلى، قال: فارفع رأسَك وامْدُدْ عنقَك فإنَّ الإسلام عزيز منيع؛ أما كلمة طوبى فلِلْعلماء فيها كلام كثير فمن ذلك قول بعضهم: طوبى: اسمُ الجنة بالهندية، قال الصاغاني: فعلى هذا يكون أصلُها توبى، بالتاء، فإنه ليس في كلام العرب طاء، وقال قتادة: طوبى كلمة عربية تقول العرب: طوبى لك إنْ فعلتَ كذا وكذا؛ قالوا: ومعنى طوبى لفلان: الحُسنى والخيرُ له. وكان رسول الله ﷺ مثلاً أعلى للتواضع، قال أبو أُمامة ﵁: (خرج علينا رسول الله متَّكئاً على عصا، فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجِم يعظِّم بعضُهم بعضاً، وقال: إنّما أنا عبدٌ آكل كما يأكلُ العبدُ وأجلس كما يجلس العبد) وكان صلوات الله عليه يركب الحمار ويردف خلفه،

стр. 527

ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطاً بهم، حيثما انتهى به المجلس جلس. . . ومن حديث عُمر عنه ﷺ : (لا تُطروني كما أطرت النّصارى ابْنَ مريم، إنّما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ الله ورسولُه). وعن عائشة ﵂: أنه صلوات الله عليه كان في مهنةِ أهلِه - خدمتهم - يَفلي ثوبه، ويحلب شاتَه، ويرقع ثوبه، ويخصف نعلَه، ويقُمُّ البيتَ - يكنسه ويزيل قمامته - ويخدم نفسَه، ويعقل البعيرَ - يربطه من رجله بالعقال - ويعلف ناضِحَه - الجمل الذي يُستقى عليه الماء - ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعتَه في السوق. وأخباره في تواضعه صلوات الله عليه كثيرةٌ متوافرة تراها في كتب الشمائل والحديث. وفي المثل: تواضُعُ الرجلِ في مرتبتِه ذبٌّ للشّماتة عِنْدَ سقطته. وقال عروة بن الزبير: التواضعُ أحدُ مصايد الشرف، وفي لفظ: سُلَّمُ الشرف وقال عبد الله بن المعتز: متواضعُ العلماء أكثرُهم عِلماً، كما أنَّ المكان المنخفض أكثرُ الأماكن ماءً.

стр. 528

وقالوا: من وضعَ نفسَه دون قدرِه رفعه الناسُ فوق قدره، ومن رَفعَها عن حدِّه وضعه الناس دون قَدْرِه. وقال جعفر بن محمد: رأسُ الخيرِ التَّواضع، فقيل له: وما التواضعُ؟ فقال أنْ ترضى من المجلس بدون شرِفك، وأن تُسلِّم على مَنْ لقيت، وأنْ تترك المِراءَ وإن كنت محقّا، وأن تكرهَ الرِّياءَ والسُّمعةَ. وقالوا: التَّواضُعُ نعمةٌ لا يَفْطِنُ لها الحاسد. وقالوا: التواضعُ كالوَهْدةِ يجتمع فيها قطرُها وقَطْرُ غيرها. وقال عُمر: أُريدُ رجلاً إذا كان في القوم وهو أميرهم كان كبَعْضهم، فإذا لم يكنْ أميراً فكأنّه أميرهم. وقال ﵁ حينَ نظر إلى بعض السَّراةِ مُبْتَذِلاً لأصحابه: هذا رجل يفرُّ من الشرف والشَّرفُ يَتْبَعُه. وقد مَدحَ الشعراءُ المُتواضعينَ فَمِنْ ذلك قولُ أبي تمام: مُتَبَذِّلٌ في القومِ وَهْوَ مُبَجَّلٌ ... مُتواضِعٌ في الحَيِّ وَهْوَ مُعَظَّمُ وقال آخر: مُتواضِعٌ والنُّبلُ يَحْرُسُ قَدْرَهُ ... وأخو النَّباهَةِ بالنَّباهةِ يَنْبُلُ وقال البحتريُّ: دَنَوْتَ تَواضُعاً وعَلَوْتَ مَجْداً ... فشَأناكَ انْحِدارٌ وارْتِفاعُ كذاكَ الشَّمْسُ تَبْعُدُ أنْ تُسامى ... ويَدْنو الضَّوْءُ مِنْها والشُّعاعُ وقال أبو محمد التَّيْميُّ: تَواضَعَ لَمّا زادَه اللهُ رِفْعةً ... وكلُّ رَفيعٍ قَدْرُه مُتواضِعُ

стр. 529

وقال أبو بكر الخوارزمي: عَجِبْتُ لهُ لَمْ يَلْبَسِ الكِبْرَ حُلَّةً ... وفينا إذا جُزْنا على بابِه كِبْرُ ذمّهم التكبّر قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. وقال: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. وقال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. ودخل الفضل بن يحيى ذات يومٍ على أبيه وهو يتبَخْتر في مِشْيَتِه، فقال له يحيى: يا أبا عبد الله، إنَّ البخلَ والجهلَ مع التواضع، أزْيَنُ بالرجلِ من الكِبر مع السخاء والعلم، فيا لها من حسنة غطَّت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيّئة غطَّت على حسنتين كبيرتين، ثم أومأ إليه بالجلوس وقال: احفظه يا أبا عبد الله فإنّه أدبٌ كبير أخذناه عن العلماء. . . وهذا كما قال حكيم: وجدنا التواضعَ مع السخافةِ والبخلِ أحمدَ عندَ العقلاءِ من الكِبر مع الأدب والسخاءِ، فأنْبِلْ بحسنةٍ غطَّت سيئتين، وأقبِحْ بسيئةٍ عفَّت على حسنتين! وقال علي بن أبي طالب: عجبت للمتكبِّرِ الذي كان بالأمسِ نُطفةً وهو غداً جيفة. وقال بعض الشعراء: يا مُظْهِرَ الكِبْرِ إعْجاباً بِصورتِه ... أنْظُرْ خَلاَءك إنَّ النَّتْنَ تَثْريبُ لَوْ فكَّرَ النّاسُ فيما في بُطونِهِمِ ... ما اسْتَشْعَرَ الكِبْرَ شُبّانٌ ولا شيبُ هل في ابْنِ آدمَ غيرَ الرّأسِ مَكْرُمةٌ ... وهُو بِخَمْسٍ مِنَ الآفاتِ مَضْروب

стр. 530

ُ أنْفٌ يَسيلُ وأذْنٌ ريحُها سَهِكٌ ... والعَيْنُ مُرْمِصَةٌ والثَّغْرُ مَلْعوبُ يابْنَ التُّرابِ ومأكولَ التُّرابِ غَداً ... أقْصِرْ فإنَّكِ مأكولٌ ومَشْروبٌ وقالوا: دع التكبّرَ، فمتى كنتَ من أهل النبل لم يَضِرْك التبذُّلُ، ومتى لم تكن من أهلِه لم ينفعْك التنبُّل. بعض دواعي التكبر قال المأمون: ما تكبَّر أحدٌ إلا لنقصٍ وجده في نفسه. وقال حكيم: ما تعاظَمَ أحدٌ على مَنْ دونَه إلا تصاغَرَ لِمَنْ فوقَه وقالوا: ما تاه إلا وضيع، ولا فاخر إلا سقيط، ولا تعظَّم إلا لقيط. السقيط: الأحمقُ الناقصُ العقل، واللَّقيط: الطفل الذي يوجد مَرْميّاً على الطرق لا يعرف أبوه ولا أمُّه وقال يحيى بن خالد بن برمك: لستَ ترى أحداً تكبَّرَ في إمارته إلا وهو يعلم أنَّ الذي نال هو فوق قَدْرِه، ولست ترى أحداً يضعُ نفسَه في إمارة إلا وهو في نفسه أكثرُ ممّا نال. وقيل لبعضهم: فلانٌ غيَّرتهُ الإمارة! فقال: إذا وليَ الرجلُ ولايةً فرآها أكثرَ منه تغيَّر، وإذا ولي ولايةً يرى أنّه أكثرُ منها لم يتغيَّر. وقالوا: من نال منزلة فأبْطَرَتْه دلّ على رداءةِ أصلِه وعُنْصِره. وقال بعض المتصوّفة: اللّئامُ إذا تموَّلوا استَطالوا، وإذا افتقَروا تواضَعوا والكرامُ إذا تموّلوا تواضعوا، وإذا افْتقَروا استطالوا. وقال الجاحظ من كلمةٍ له: والكِبْرُ في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكن

стр. 531

القِلَّة والذِّلَّةَ مانعتانِ من ظهور كِبرهم، ومن قدر من الوضعاءِ أدنى قدرةٍ ظهر من كبره ما لا خَفاءَ به، ولم أرَ ذا كبر قطُّ علا من دونِه إلا وهو يذلُّ لمَنْ فوقَه بمقدار ذلك ووزنِه. . . متكبِّر دنيء أو فقير قالوا: أبغضُ الناسِ ذو عُسْرٍ يَخْطُرُ في رداءِ كِبْر. ومن قولهم في ذلك: أنْفٌ في السّماءِ واسْتٌ في الماء مدحهم معرفةَ الرجل قدرَ نفسه وذمهم الصّلف وبعض نوادر المزهوّين قال علي بن أبي طالب: لن يَهْلِكَ امْرؤٌ عَرفَ قَدْرَه. وقال المتنبي: ومَنْ جَهِلَتْ نَفْسُه قَدْرَه ... رأى غيرُه منهُ ما لا يَرى وقال سيِّدُنا رسولُ الله: (ثلاثٌ مُهْلكات: شحٌّ مُطاع، وهَوىً مُتَّبع، وإعْجابُ المَرْء بنفسه). وقالوا: عُجْبُ المرءِ بنفسِه أحدُ حُسَّادِ عقلِه. وقال أعرابيٌّ لرجلٍ مُعْجَبٍ بنفسه: يَسرُّني أنْ أكونَ عندَ الناسِ مثلَكَ في نفسِك، وعندَ نَفْسي مثلَك عندَ الناس. . . وكان رجل يُسمّى أبا ثَوابة أقبحَ الناسِ كِبْراً، مُمْعناً في الصَّلَف، رُوي أنّه قال لغلامِه: اسقني ماءً، فقال: نعم، قال: إنّما يقول نعم

стр. 532

مَنْ يقدرُ على أن يقول لا وأمَرَ بِضَرْبه. . . ودعا أكّاراً فكلّمه، فلمّا فرغ دعا بماءٍ وتَمَضْمَضَ، اسْتِقْذاراً لمُخاطبتِه. . . ومن المعجبين بأنفسهم المُغالين في العِزّة وإنْ كان إلى ذلك من الشّخصيات الضخمة الكريمة النبيلة المحترمة عُمارة بن حمزة، رُوي: أنّه دخلَ على المهديّ الخليفة العباسي، فلمّا استقرّ به الجلوسُ، قام رجلٌ كان المهديُّ قد أعدَّه له ليتهكَّم به، فقال: مظلومٌ يا أميرَ المؤمنين قال: من ظلمَك؟ قال: عُمارة غَصبَني ضَيْعَتي، وذكر ضيعةً من أحسن ضياع عُمارة وأكثرِها خَراجاً، فقال المهديّ لعُمارة: قُمْ فاجلِسْ مع خصمك، فقال: يا أمير المؤمنين، ما هو لي بخصم، إن كانت الضيعة له، فلست أنازعُه فيها، وإنْ كانَتْ لي فقد وهبتُها له، ولا أقومُ من مَجْلسٍ شرّفني به أميرُ المؤمنين، فلمّا انصرف المجلسُ سأل عُمارة عن صفةِ الرجل، وما كان لباسُه، وأين كان موضعُ جلوسه. . . وكان من تيهِه أنّه إذا أخطأ يمرُّ على خطئِه، تكبُّراً عن الرجوع ويقول: نقضٌ وإبرامٌ في ساعة واحدة! الخطأ أهونُ من ذلك. . . ومن المُفرطين في الكِبْر رجلٌ يُسمى عبيدَ اللهِ بنَ زياد بن ظَبيان، قال له رجلٌ من قومه وقد رأى منه ما أعْجبه: كثَّرَ اللهُ فينا مِثلَك، فقال: لقد كلَّفْتُمُ اللهَ شَططا. . . وهناك من نوادرِ المتكبّرين المُسْتطْرَفة مالا يتَّسع له معجمُنا هذا.

стр. 533

معتذر لعجبه وعزته قيل لإياس بن معاوية: ما فيكَ عيبٌ غيرَ أنّك مُعْجَبٌ، فقال: أيعجبكم ما أقول؟ قالوا: نعم، فقال: فأنا أحقُّ أنْ أعْجَبَ به. . . وقال بعض المُعجبين: يقولون: ذو كبرٍ ولو خُصَّ بَعْضُهُمْ ... بِبَعْضِ خِصالي ما اسْتفاقَ مَنَ الكِبْرِ وقال رجلٌ لبعض المزهوّين: ما أعظمَك في نفسِك! فقال: لستُ بعظيمٍ، ولكنّي عزيزٌ، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وفي هذا المعنى يقول بعضهم: وما أنا مَزْهوٌّ ولكِنّني فَتىً ... أبَتْ ليَ نَفْسٌ حُرَّةٌ أنْ أُذيلَها أذيلها: أهينها وهذا من قبيل قول القائل: وأكْرِمُ نَفْسي أنّني إنْ أهَنْتُها ... وحَقِّكَ لَمْ تَكْرُمْ عَلى أحدٍ بَعْدي ولمثل هذا المعنى باب سنستوعب عبقرياتهم فيه. التكبر على ذوي الكبر سئل الحسن البصري عن التواضعِ، فقال: هو التكبُّر على الأغنياء يريد: الترفُّع وعدم التذلُّل لهم طمَعاً في مالهم أو جاههم وأنشد المبرِّد: إذا تاهَ الصَّديقُ عليكَ كِبْراً ... فَتِهْ كِبْراً على ذاكَ الصَّديقِ

стр. 534

فإيجابُ الحقوقِ لغيرِ راعٍ ... حُقوقَك رأسُ تَضييعِ الحقوقِ وقال الأصمعيّ: قال رجل: ما رأيْتُ ذا كِبْر قطُّ إلا تحوَّل داؤُه فيَّ. يريد: أنّي أتكبَّر عليه، وقال آخر: ما تاه أحدٌ قطّ عليَّ مرتين يريد أنّه إذا تاه مرةً لم أعاوِدْه وتركتُه وأعْرَضْتُ عنه وقال عديّ بن أرطاة وهو أميرٌ لوكيع بن الأسود: سَوِّ عليَّ ثيابي، فقال: ذكَّرْتَني الطَّعْنَ وكُنْتُ ناسياً، في خَفِيٍّ ضيِّقٍ فلْيَمُدَّه الأميرُ حتّى أنزِعه، فقال له عديّ: إنّ الجليسَ لَيَلي مِنْ جليسه أكثرَ من هذا، فقال يا عديّ، إذا عُزلْتَ عنّا فكَلِّفنا أكثرَ مِنْ هذا، أمَّا وأنْتَ تَرى لكَ علينا بسطة فلا. . . ذمهم الإفراط في التواضع قالوا: من التواضعِ ما يَضَعُ وقال عبد اللهُ بنُ المقفّع: الإفراطُ في التواضعِ يوجبُ المذلَّة، والإفراطُ في المؤانسةِ يوجب المَهانة. حمد تعظيم الكبار قدم قيس بن عاصم المِنْقَريّ سيد أهل الوبر على النبيّ صلى الله عليه

стр. 535

وسلم، فبسط له رداءَه، ثم قال: إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكْرِموه. ورُوي أنّ مجوسيَّاً دخلَ على رسول الله. فأخْرجَ صلواتُ اللهِ عليه من تحته وسادةً حَشْوُها ليف، وطرحها له، وأقبل عليه يحدّثه، فلما نهضَ قال عمر: إنّه مجوسي! فقال ﵊: قد علمت، ولكنَّ جبريل يأمُرُني أن أكرِمَ كلَّ كريمِ قومٍ إذا أتى، وهذا سيِّدُ قومه. وركب زيد بن ثابت ﵁، فدنا منه عبد الله بن عباس يأخذ بِرِكابه، فقال: ما تفعل يا ابنَ عمِّ رسول الله؟ فقال: هكذا أمِرْنا أنْ نفعلَ بأمَرائِنا، فقال زيد: أرِني يدَك، فأخذَها وقبَّلها، وقال: هكذا أمِرْنا أنْ نَفْعلَ بأهْل بيتِ نبيِّنا.

стр. 536

الباب السابع في الشجاعة وعبقرياتهم فيها وفي الصبر في القتال وسائر ما يتصل بالحرب ودونَك ما وقع عليه الاخْتيار من عبقريّاتهم في الشجاعة والصبر في الحروب، وسائر ما ينعطف على هذه المعاني وينشعب به القولُ فيها. وأنت فقد علمت ممّا أسلفنا عليك في باب الصبر أنّ الشجاعةَ لونٌ من ألوانه. ومنْ ثمَّ أردفنا القول على الأبواب السابقة - وهي جميعاً من ألوان الصبر - بالقول على الشجاعة وما إليها. حقيقة الشجاعة قالوا: الشجاعةُ: فَضيلةٌ بينَ التَّهوُّرِ والجُبْنِ. وفي الأثر: الشجاعةُ غريزةٌ يضعُها اللهُ فيمَنْ يشاء من عباده. وسئل بعضهم عن الشجاعة فقال: جِبِلَّةُ نفسٍ أبيَّة. وقيل لبعضهم: ما الشجاعة؟ فقال: صَبْرُ ساعة. وقال بعض المجرّبين: الرجالُ ثلاثةٌ: فارسٌ، وشجاعٌ، وبطلٌ؛ فالفارس الذي يشدُّ إذا شدُّوا، والشجاع: الداعي إلى البِرازِ والمجيب داعيَه،

стр. 537

والبطل: الحامي لِظهورِ القومِ إذا ولَّوْا. . . ويُروى أن زياد بن أبيه كتب إلى ابن عباس: أنْ صِفْ لي الشجاعةَ والجبنَ والجودَ والبخلَ، فكتب إليه: كتبت تسألني عن طبائعَ رُكّبت في الإنسان تركيبَ الجوارِح، اعلم أن الشُّجاع يقاتل عمَّنْ لا يعرفه، والجبانَ يَفرُّ عن عِرْسِه - زوجه - وأنَّ الجوادَ يُعطي مَنْ لا يلزمُه وأنَّ البخيلَ يُمْسِكُ عن نفسه. الأسباب المشجعة قال الجاحظ: الأسبابُ المشجّعة قد تكون عن الغضب، والشرابِ والهوج، والغيرة، والحميّة، وقد تكون مرقوة النَّفْج وحبِّ الأحْدوثة؛ وربّما كان طبعاً، كطبع الرّحيم، والسخيِّ، والبخيل، والجزوع والصّبور، وربّما كان للدِّين، ولكن لا يبلُغ الرجلُ للدّين ما لَمْ يشيِّعه بعضُ ما تقدَّم، لأن الدِّين مجتلَبٌ مكْتَسَبٌ، ولا يكادُ يبلغُ الطبيعةَ. وقالوا: لا يصدُقُ القتالَ إلا ثلاثةٌ: مُتَديِّنٌ، وغَيْرانُ، ومُمْتَعضٌ من ذلّ.

стр. 538

حثهم على الثبات والإقدام ونهيهم عن الإحجام والفكر في العواقب قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾. . . زحفاً حال من الذين كفروا، والزحفُ: الجيش الكثير الذي يُرى لكثرته كأنّه يزحف،: أي يَدِبُّ دَبيباً، من زحف الصبي: إذا دبَّ على اسْته قليلاً قليلاً، سُمِّى بالمصدر، والجمع: زحوف، والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير متوافِرون وأنْتم قليلٌ فلا تفرُّوا، فضلاً أنْ تُدانوهم في العدد، أو تساووهم. . . وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ، وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. . . . إذا لقيتم فئة: إذا حاربتم جماعة، فاثبتوا: لا تفرُّوا، واذكروا الله كثيراً: اذكروه سبحانه في مواطن الحرب، مستظهرين بذكره مترقِّبين لنصره، وفي هذا إشعارٌ بأنّ على الإنسان أن لا يفتُرَ عن ذكر ربّه أشغل ما يكون قلباً وأكثر ما يكون همّاً، وأن تكون نفسُه مُجْتَمِعةً لذلك وإن كانت متوزِّعةً عن غيره، وفَشِل يَفْشَل: ضَعُفَ وجَبُنَ وذهبت قُواه، يقول سبحانه: إذا اختلفتم ضعُفتم وإذا اتفقتم كنتم أقوياء، والريح: الدولة، شُبّهت في نفوذ أمرها وتمشِّيه بالريح وهبوبها، ومن ذا يقال: هبَّت ريحُ فلان: إذا دالت له الدولةُ ونفذ أمره وقال أبو بكر الصديق لخالد بن الوليد حين وجّهه لقتال أهل الرِّدة:

стр. 539

احْرِصْ على الموت تُوهبْ لكَ الحياة. وقالوا: من فكَّرَ في العواقبِ لَمْ يَشْجُعْ. وقالوا: السلامةُ في الإقدام، والحِمامُ في الإحْجام. وتقول العربُ: الشجاعُ مُوقًّى. أي تتهيَّبه الأقرانُ فيتحمّلونه فيكون ذلك وقاية له واستُشير أكثمُ بن صيفيٍّ في حرب أرادوها فقال: أقلُّوا الخِلاف لأمرائِكم واعْلموا أنّ كثرة الصِّياحِ مِنَ الفشل، والمَرْءُ يَعْجِزُ لا مَحالة وادَّرعوا الليل فإنّه أخفى للويل. وقال هانئ بن مسعود الشيباني يوم ذي قار يحذِّر قومَه: إنَّ الحذرَ لا يُنجي من القَدر، والصبرَ مِنْ أسبابِ الظفر، والمنيَّةَ ولا الدَّنيَّة، واستقبال الموت خيرٌ من استِدْبارِه، والطعن في ثُغور النحورِ أكرمُ منه في الأعجاز والظهور، وهالكٌ معذور خيرٌ من ناجٍ فرور. . . . وقال أبو مسلم الخُراساني لبعض قوّاده: إذا عرضَ لك أمْرٌ نازعك فيه مُنازِعان، أحدُهما يبعث على الإقدام والآخر على الإحْجام، فأقدم، فإنّه أدرك للثأرِ، وأنْفى للعار. وقالت الخنساء: نُهينُ النفوسَ وهَوْنُ النُّفو ... سِ يَوْمَ الكَريهةِ أوْقَى لها وقيل للمهلّب بن أبي صفرة: إنَّك لتلقي نفسَك في المهالك، فقال: إنْ لَمْ آتِ الموت مُسْترسلاً، أتاني مُسْتعجلاً، إني لست أتي الموت من

стр. 540

حبِّه وإنَّما آتيه من بُغْضه، ثم تمثّل بقول الحُصَيْنِ بن الحُمام المرِّي: تَأخَّرْتُ أسْتَبْقي الحَياةَ فلَمْ أجِدْ ... لِنَفْسي حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقدَّما وهي أبيات مشهورة يقول فيها: فلَسْنا على الأعْقابِ تَدْمى كُلومُنا ... ولكِنْ على أقْدامِنا تَقْطُرُ الدَّما نُفلِّقُ هاماً مِنْ رجالٍ أعِزَّةٍ ... عَلَيْنا وهُمْ كانوا أعَقَّ وأظْلَما ومعنى تأخرت. . . ألبيت: لما تأخّرْتُ طمع فيَّ العدو، وظنّني جباناً فاجترأ عليّ، لأن كل أحد يطمع في الجبان، ومن ثم كان القتل إلى الجبان أسرع، فتقدمت، فكان التقدم أنجى لي، ويجوز أن يكونَ المعنى: أحجمت مُسْتَبْقياً لِحياتي، فلَمْ أجِدْ لنفسي حياةً كما يكون في الإقدام وذلك أنّ الأحدوثة الجميلة إنّما تكون بالتقدم لا بالتأخُّر. ومعنى فلسنا على الأعقاب. . . البيت: نحن لا نولّي فنجرح في ظُهورنا فتقطر دماؤنا على أعقابنا، ولكنّا نستقبل السيوفَ بوجوهنا، فإن أصابتنا جراحٌ قطرت دماؤنا على أقدامنا، وقوله نفلّق هاماً. . . . البيت فالهام جمع هامة، وهي الرأس يقول: نشقِّق هاماتٍ من رجالٍ يكرُمون علينا، لأنّهم منّا وهمْ كانوا أسبقَ إلى العقوق: ويقال: عقَّ الرحم كما يقال: قطعها. وقال الكلحبة اليربوعيّ - شاعر جاهلي -: إذا المَرْءُ لَمْ يَغْشَ الكريهةَ أوْشَكَتْ ... حِبالُ الهُوَيْنى بِالفَتى أنْ تَقَطَّعا الغشيان: الاتيان، والكريهة: الحرب، وقيل: شدَّتها، وقيل النازلة! وأوشكت: قاربت ودنت، والحبال جمع حبل، بمعنى: السبب، استعير لكل شيء يُتَوَصَّلُ به إلى أمر من الأمور، والهوينى: الخفض والراحة

стр. 541

والباء في بالفتى: للمصاحبة فيكون حالا، أو بمعنى عن فيتعلق بما بعدها وجاز لأنه ظرف، وتقطّعا بحذف إحدى التاءين والفاعل ضمير حبال، وقوله: بالفتى فقد كان يجب أن يقول بدل الفتى: به، أو بالمرء ولكنه عدل عن المضمر والمظهر إلى لفظ آخر لأنه أشبه المُضْمَرَ، وقال ابن رشيق: قوله بالفتى حشو وكان الواجب أن يقول: به لأنّ ذكر المرء قد تقدم، إلا أن يريد بالفتى معنى الزِّراية والأطنوزة - السُّخْرية - فإنه محتمل. وهذا تخيُّلٌ دقيق من ابن رشيق المبادر إلى الحرب غير مبال بها قال البحتريُّ: تَسرَّعَ حتّى قالَ مَنْ شَهِدَ الوَغى ... لِقاءُ أعادٍ أمْ لِقاءُ حَبائبِ وقالوا: أشْجَعُ بَيْتٍ قالته العرب قول العباس بن مرداس: أشُدُّ على الكتيبةِ لا أبالي ... أحَتْفي كانَ فيها أمْ سِواها ووصف أعرابيٌّ قوماً فقال: ما سألوا قطُّ كم القوم؟ وإنّما يسألون: أين هم؟ وسأل رجل يزيد بن المُهلّب فقال: صِفْ لي نفسَك، فقال: ما بارزْتُ أحداً إلا ظنَنْتُ أن روحَه في يدي. . . . ولما بلغ قتيبةُ بن مسلم حدودَ الصين قيل له: قد أوْغَلْتَ في بلاد الترك، والحوادث بين أجنحةِ الدهر تُقبل وتُدْبر! فقال: بثقتي بنصرِ الله توغّلْتُ، وإذا انقضت المُدّة لم تنفع العُدّة، فقال الرجل: اسْلك حيث شئت، فهذا عزْمٌ لا يفلُّه إلا اللهُ. . . . .

стр. 542

حثّ من دُعي إلى المبارزة على الإجابة قال علي بن أبي طالب لبعضِ بنيه: لا تَدْعون أحداً إلى المبارزة، ولا يَدْعونَّك أحدٌ إلا أجَبْتَه، فالداعي باغٍ والباغي مَصْروع. قال طرفةُ بن العبد: إذا القومُ قالوا: مَنْ فَتًى؟ خِلْتُ أنَّني ... عُنيتُ فلَمْ أكْسَلْ ولَمْ أتَبَلَّدِ وقال بَشامَة بن حَزْنٍ النَّهْشَليّ - شاعر إسلامي -: إنّا لَمِنْ مَعْشَرٍ أفْنى أوائِلَهُمْ ... قَوْلُ الكُماةِ: ألا أيْنَ المُحامونا؟ لَوْ كانَ في الألْفِ مِنِّا واحدٌ فدَعَوْا ... مَنْ فارِسٌ خالَهُمْ إيّاهُ يَعْنونا المُنازل وقت المنازلة قال زهير بن أبي سُلمى من قصيدة يمدح هَرِماً: لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطادُ اللُّيوثَ إذا ... ما اللّيْثُ كذَّبَ عَنْ أقْرانِه صَدقا يَطْعَنُهُمْ ما ارْتَمَوْا حتّى إذا اطَّعَنوا ... ضَارَبَ حتَى إذا ما ضارَبوا اعْتَنَقا عَثَّر: موضع باليمن، وقيل: مأسدةٌ بناحية تَبالة. وقوله: كذَّب أي لم يَصْدُقِ الحملة، يقال: كذَّب الرجل عن كذا: إذا رجع عنه،

стр. 543

يقول: إذا رجع الشجاع عن قِرْنه ولم يصدق الحملةَ عليه فهذا الممدوح يصدقها. واعتنق: التزم قِرْنَه، يقول: إذْ ارْتمى الناس في الحرب بالنَّبْلِ دخل هو تحت الرَّمي فجعل يطاعِنُهم، فإذا تطاعَنوا ضاربَ بالسيف، فإذا تضاربوا بالسيوف اعتنق قِرْنه والتزمه، أي أنَّه يزيد عليهم في كلِّ حالٍ من أحوال الحرب صدر من عبقرياتهم في الصبر من أحسن ما قيل في الصبر يوم اللقاء قولُ نَهْشل بن حَريِّ بن ضَمْرةَ: ويَوْمٍ كأنَّ المُصْطلينَ بِحَرِّه ... - وإنْ لَمْ تكُنْ نارٌ - قيامٌ على الجَمْرِ صَبَرْنا له حتّى يَبوخَ وإنّما ... تُفَرَّجُ أيامُ الكريهةِ بالصَّبْرِ باخت الحرب والنار تبوخ بَوْخاً وبُؤوخاً وبَوَخاً: سكنت وفَتَرتْ وكذلك الحَرُّ والغَضبُ والحُمّى وقال من لا أذكر اسمه: بكى صاحِبي لمّا رأى الموتَ فوقَنا ... مُطلاً كإطْلالِ السَّحابِ إذا اكْفَهَرْ فقُلْتُ له: لا تَبْكِ عينُك إنَّما ... يكونَ غَداً حُسْنُ الثناءِ لِمَنْ صَبَرْ فَما أخَّرَ الإحْجامُ يَوْماً مُعَجَّلاً ... ولا عَجَّلَ الإقْدامُ ما أخَّرَ القَدَرْ

стр. 544

فآسَى على حالٍ يقلُّ بها الأسى ... وقاتلَ حتى استبهَم الوِردُ والصّدر وكر حِفَاظاً خَشيَةَ العارِ بعدما ... رأى الموتَ معرضاً على منهج المَكَر وقال قطريُّ بنُ الفجاءُة: أقولُ لها وقد طارَ شعاعاً ... منَ الأبطالِ: ويحَكِ لَن تُرَاعِي فإنَّك لو سألتِ بقاءِ يومٍ ... على الأجلِ الذي لك لن تُطَاعي فصبراً في مجالِ الموتِ صبراً ... فما نيلُ الخلودِ بمُستَطَاعِ ولا ثوبُ البقاءِ بثوب عِزٍّ ... فيطوى عن أخي الخَنَعِ اليَرَاعِ سبيلُ الموتِ غايةُ كلِّ حي ... فداعيه لأهلِ الأرضِ داعي ومَن لا يُعتَبَط يَسأَم ويَهرَم ... وتُسلِمهُ المَنُونُ إلى انِقطاعِ وما لِلمَرءِ خيرٌ في حياة ... إذا ما عُدَّ من سَقَطِ المتاعِ أقول لها، أي للنفس، والشعاع: المتفرق، وهذا مثل، ومعناه المبالغة في الفزع، ولن تراعى من الورع، وهو: الفزع. يذكر تشجيعه نفسه وتعريفه إياه - بعد ما استشعَرَت الفزَعَ - أن الأجل مقدَّر وأنَّ الزيادةَ لا تلحقه كما بين ذلك في البيت التالي. وأخو الخنع الذليل، والخنوع: الذلة، ولا يكاد الخنوع يستعمل إلا في ذلة في غير موضعها، واليراع: القصبة التي لا جوف لها، والرجل الجبان لا قلب له؛ فكأنه لا جوف له، فوضع اليراع مكان الجبان لأنه بمعناه. والاعتباط: الموت من غير علة. يقول من لم يمت شاباً مات هرماً، ويسأم: أي يسأم ما يعتريه من تكاليف

стр. 545

الحياة ولا بُدَّ أن تسلَمه المنون يوما إلى الانقطاع، أي لابد في النهاية من الموت. وقال عمر بن الإطنابة - شاعر جاهلي، والإطنابة أمه -: أبَت لي عفَّتي وأبَى بلائِي ... وأخذي الحمدَ بالثَّمَنِ الربيحِ وإقدامِي علَى المكروه نفسي ... وضربي هامَةَ البَطَلِ المُشِيحِ وقولي كلما جَشَأَت وجاشَت ... مكانَكِ تُحمَدِي أو تستريحي لأَدفعَ عن مآثرَ صالحاتٍ ... وأحمي بعدُ عن عِرضٍ صحيحِ يروى أن معاوية قال: اجعلوا الشِّعرَ أكبر هَمِّكم وأكثر آدابكم فإن فيه مآثر أسلافكم ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتُني ليلة الهرير وقد عزمتُ على الفرار فما ردني إلا قولُ ابن الإطنابة، وأنشد الأبيات. وقيل لبعض بني المهلب: بم نِلتُمُ ما نلتُم؟ قال: بصبر ساعةٍ.

стр. 546

الخدعة والحيلة والتحرّز في الحرب قال سيدنا رسول الله: (الحربُ خدعة) خَدْعة وخُدْعة والفتح أفَصَحُ، وخُدَعة مثل هُمَزة، قال علماؤنا: ورويت عن النبي ﷺ : خَدْعة، ومعناها: من خُدِعَ فيها خَدْعة فزلَّت قدمُه وعطِبَ فليس لها إقالةٌ، قال ابن الأثير: وخَدْعة. أفصح الروايات وأصحها، ومن قال خُدْعة أراد. هي تُخْدع، كما يقال: رجلٌ لُعْنَة: يلعن كثيراً، وإذا خدعَ أحدُ الفريقين صاحبَه في الحرب فكأنّما خُدِعت، ومن قال: خُدَعَة أراد أنّها تخدع أهلَها، كما قال عمرو بن مَعْدِ يكرب: الحَرْبُ أوّلَ ما تكونُ فَتيَّةٌ ... تَسْعى بِزينَتِها لِكُلِّ جَهولِ حتّى إذا اسْتَعَرَتْ وشَبَّ ضِرامُها ... عادت عَجوزاً غيرَ ذاتِ خليلِ شَمْطاَء جَزَّتْ رأسَها وتَنَكَّرَتْ ... مَكْروهةً للشَّمِّ والتَّقْبيلِ وقالوا: إذا لَمْ تَغْلِبْ فاخْلُبْ أي إذا أعياك الأمْرُ مُغالبةً فاطْلُبْه مُخادَعةً. وقال بعضهم: كُنْ بحيلتك أوثقَ منك بِشِدَّتِك، وبِحَذرِك أفرحَ مِنك بنَجْدتِك، فإنَّ الحربَ حربٌ لِلمُتَهوِّر وغنيمةٌ للمُتَحَذّر. وقالوا: حازمٌ في الحرب خيرٌ من ألفِ فارسٍ، لأنّ الفارسَ يقتل عشرة وعشرين، والحازِم قدْ يقتلُ جيشاً بحَزْمه وتدبيره.

стр. 547

وقالوا: القائدُ العظيم ينبغي أن تكون فيه خصالٌ من أخلاق الحيوان: شجاعةُ الدّيك، وتحنُّن الدّجاجة، وقلبُ الأسد، وحَمْلةُ الخنزير، ووروغانُ الثَّعلب، وخَتْلُ الذِّئْبِ، وجمع الذَّرَّة، وبُكور الغراب. وقال المهلَّب بن أبي صفرة لبنيه: عليكم في الحرب بالمكيدة فإنَّها أبلَغُ من النجدة. . . وسُئل بعض أهل التَّمرُّس بالحروب: أيُّ المكايد فيها أحْزَمُ؟ فقال: إذْكاءُ العُيون، - بثُّ الجواسيس - وإفشاءُ الغَلبة واسْتِطْلاعُ الأخبار، وإظْهارُ السرور، وإماتةُ الفَرَقِ - الخوف - والاحتراس من البِطانَةِ، من غير إقْصاءٍ لمُسْتَنْصِحٍ ولا اسْتِنْصاحٍ لمُسْتَغِشٍّ، وإشغال الناس عمّا هم فيه من الحروب بغيره. وكان مالك بن عبد الله الخَثْعَميُّ وهو على الصَّافَّة - الجماعة تُقام وتُصَفُّ للحرب - يقوم في الناس - إذا أراد أن يرحل - فيحمدُ اللهَ ويثني عليه، ثم يقول: إنَّي دارِبٌ بالغَداةِ دَرْبَ كذا، فيتفرقُّ الجواسيسُ عنه بذلك، فإذا أصبح سلكَ بالناس طريقاً غيرها، فكانت الروم تسمّيه: الثعلبَ. . . وقال حكيمٌ: اللُّطْفُ في الحيلة، أجدى للوسيلة. وقالوا: مَنْ لمْ يتأملِ الأمرَ بعينِ عقلِه لم يقع سيفُ حيلتِه إلا على مقاتِلِه والتثبُّتُ يُسَهِّلُ طريق الرأي إلى الإصابة، والعجلةُ تَضْمَنُ العَثْرةَ. وبعدُ فإنّ هذا الباب متَّسعٌ جداً، ومن أحبَّ التوسُّعَ فيه والوقوفَ على أخبارهم في المكايد، وأساليبهم العجيبة فيها فعليه بالموسوعات - مثل نهاية الأرب للنويري، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وبكتب التاريخ، فتلك مجالاتها.

стр. 548

ما ينبغي أن يتصف به أمراء الجيوش من أجود ما قيل فيما ينبغي أن يتصف به أمراءُ الجيوش قولُ لقيط بن يَعْمُرَ الإيادي - وهو شاعر جاهلي قديم مقلٌّ - كان كاتباً في ديوان كسرى سابور بن هرمز الملقب بذي الأكتاف - وكانت إياد غلبوا على سوادِ العراق، وقتلوا من كان به من الفرس، فلما بلغ خبرُهم سابور أجمع على غزو إياد فكتب إليهم لقيط قصيدةً ينذر قومَه غزوَ سابور إيّاهم، فوقع الكتاب بيد كسرى فقطع لسانَ لقيط وغزا إياداً وهي قصيدة جيدة جداً يقول فيها: أبْلِغْ إياداً وخَلِّلْ في سَراتِهِمُ ... إنِّي أرى الرّأيَ إنْ لَمْ أُعْصَ قدْ نَصَعا يا لَهْفَ نَفْسيَ إنْ كانَتْ أمورُكُمُ ... شتّى وأحْكِمَ أمْرُ الناسِ فاجْتَمَعا إنّي أراكُمْ وأرْضاً تُعجَبونَ بِها ... مِثْلَ السفينةِ تَغْشى الوَعْثَ والطَّبَعا ألا تَخافونَ قَوْماً لا أبالَكُمُ ... أمْسَوْا إليكُمْ كأمثالِ الدَّبا سِرَعا

стр. 549

أبْناءُ قومٍ تآيَوْكُمْ على حَنَقٍ ... لا يَشْعُرونَ أضرَّ اللهُ أمْ نَفَعا أحْرارُ فارِسَ أبْناءُ المُلوكِ لَهُمْ ... منَ الجُموعِ جُموعٌ تَزْدهي القِلَعا إلى أن يقول: خُزْرٌ عُيونُهُمُ كأنَّ لَحْظَهُمُ ... حَريقُ غابٍ تَرى مِنْه السَّنا قِطَعا لا الحَرْثُ يَشْغَلُهُمْ بلْ لا يَروْنَ لَهُمْ ... مِنْ دونِ بَيْضَتِكُمْ رِيّاً ولا شِبَعا وأنْتُمُ تَحرُثونَ الأرْضَ عَنْ سَفَهٍ ... في كُلِّ مُعْتَمَلٍ تَبْغونَ مُزْدَرَعا وتَلْبَسونَ ثِيابَ الأمْنِ ضَاحِيةً ... لا تَفْزَعونَ وهَذا اللَّيْثُ قَدْ جَمَعا

стр. 550

مالي أراكُمْ نِياماً في بُلَهْنِيَةٍ ... وقَدْ تَرَوْنَ شِهابَ الحَرْبِ قَدْ سَطَعا فاشْفوا غَليلي بِرأيٍ مِنْكُمُ حَصِدٍ ... يُصْبُحْ فُؤادي لهُ رَيَّانَ قَدْ نَقَعا ولا تَكونوا كَمَنْ قَدْ باتَ مُكْتَنِعاً ... إذا يُقالُ لَه: افْرُجْ غُمَّةً كَنَعا يَسْعى ويَحْسَبُ أنَّ المالَ مُخْلِدُه ... إذا اسْتفادَ طَريفاً زادَه طَمَعا فاقْنُوا جِيادَكُمُ واحْموا ذِمارَكُمُ ... واسْتَشْعِروا الصَّبْرَ لا تَسْتَشْعِروا الجَزَعا إلى أن قال: لا تُلْهِكُمْ إبِلٌ لَيْسَتْ لَكُمْ إبِلٌ ... إنَّ العَدُوَّ بِعَظْمٍ مِنْكُمُ قَرَعا لا تُثْمِروا المالَ للأعْداءِ إنَّهُمُ ... إنْ يَظْهَروا يَحْتَووكُمْ والبِلادَ مَعا

стр. 551

واللهِ ما انْفَكَّتِ الأمْوالُ مُذْ أبَدٍ ... لأهْلِها إنْ أصيبوا مَرَّةً تَبَعا يا قومُ إنَّ لَكُمْ مِنْ إرْثِ أوَّلِكُمْ ... مَجْداً قَدَ اشْفَقْتُ أنْ يَفْنى ويَنْقَطِعا ماذا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ عِزُّ أوَّلِكُمْ ... إنْ ضاعَ آخِرُه أو ذلَّ واتَّضَعا يا قومِ لا تأمَنوا إنْ كُنْتُمُ غُيُراً ... على نِسائِكُمُ كِسْرى وَما جَمَعا يا قومِ بَيْضَتُكُمْ لا تُفْجَعُنَّ بِها ... إنّي أخافُ عَلَيْها الأزْلَمَ الجَذَعا هُوَ الجَلاءُ الذي يَجْتَثُّ أصْلَكُمُ ... فَمَنْ رأى مِثْلَ ذا رأياً ومَنْ سَمِعا قوموا قِياماً عَلى أمْشاطِ أرْجُلِكُمْ ... ثُمَّ افْزَعوا قَدْ يَنالُ الأمْنَ مَنْ فَزِعا ثم قال يصف أمير الجيش - وهو شاهدنا -: وقَلِّدوا أمْرَكُمْ للهِ دَرُّكُمُ ... رَحْبَ الذِّراعِ بأمْرِ الحَرْبِ مُضْطلِعا

стр. 552

لا مُتْرَفاً إنْ رخاءُ العيشِ ساعَدَه ... ولا إذا عَضَّ مَكْروهٌ بِه خَشَعا لا يَطْعَمُ النَّوْمَ إلا رَيْثَ يَبْعَثُهُ ... هَمٌّ يكادُ شَباهُ يَفْصِمُ الضِّلَعا مُسَهَّدُ النَّوْمِ تَعْنيهِ أمورُكُمُ ... يَرومُ مِنْها إلى الأعْداءِ مطَّلَعا مازالَ يَحْلُبُ هَذا الدَّهْرَ أشْطُرَه ... يَكونُ متَّبِعاً طَوْراً ومتَّبَعا حتّى اسْتَمرَّتْ على شَزْرٍ مَريرَتُه ... مُسْتَحْكِمَ الرَّأيِ لا قَحْماً ولا ضَرَعا ولَيْسَ يَشْغلُه مالٌ يُثَمِّرُه ... عَنْكُمْ ولا وَلَدٌ يَبْغي لَه الرِّفَعا إلى أن قال:

стр. 553

لَقَدْ بَذَلْتُ لَكُمْ نُصْحي بِلا دَخَلٍ ... فاسْتَيْقِظوا إنَّ خَيْرَ العِلْمِ ما نَفَعا هَذا كِتابي إلَيْكُمْ والنَّذيرُ لَكُمْ ... لِمَنْ رَأى رأيَه مِنْكُمْ ومَنْ سَمِعا ولما أوفد المهلَّب بن أبي صفرة كَعْبَ بن مَعْدان الأشقريّ حين هزم عبدَ ربّه الأصغرَ وأجلى قَطَرِيَّ بن الفُجاءة حتّى أخرجه من كِرْمانَ نحو أرض خُراسان إلى الحجّاج بن يوسف، قال له الحجاج: كيف كانت محاربةُ المهلَّب للقوم؟ قال: كان إذا وجد الفرصةَ سار كما يَسور الليث، وإذا دَهَمَتْه الطَّخْمةُ راغَ كما يروغ الثعلب، وإذا مادَه القومُ صبَرَ صبْرَ الدّهر. قال: وكيف كان فيكم؟ قال: كان لنا منه إشفاقُ الوالد الحَدْبِ وله منّا طاعةُ الولد البَرّ. قال: وكيف أفلتكم قطري؟ قال: كادَنا ببعضٍ ما كِدْناه به، والأجلُ أحْصنُ جُنَّةً وأنفَذُ عُدَّةً. قال فكيف اتَّبعتم عبدَ ربّه وتركتموه؟ قال آثَرْنا الحَدَّ على الفلِّ، وكانت سلامةُ الجندِ أحبَّ إلينا من شَجْبِ العدو. فقال له الحجاج: أكُنْتَ أعْدَدْتَ هذا الجوابَ قبل لقائي؟ قال: لا يعلم الغيبَ إلا اللهُ. . . . . حثهم على التفكير قبل التقدم قالوا: من قاتل بغير نَجْدةٍ، وخاصم بغير حُجَّةٍ، وصارع بغير قوّةٍ فقد أعظَمَ الخَطر، وأكبر الغَرَر. . . الغرر: الخطر

стр. 554

وقالوا: إذا ما أرَدْتَ الأمْرَ فاذْرَعْه كُلَّه ... وقِسْهُ قِياسَ الثَّوْبِ قَبْلَ التَّقَدُّمِ لعلَّكَ تَنْجو سالِماً مِنْ نَدامةٍ ... فلا خيرَ في أمْرٍ أتى بالتندُّمِ من يؤثر الموت في العز على الحياة في الذل قال المتنبي: عِشْ عَزيزاً أوْ مُتْ وأنْتَ كَريمٌ ... بينَ طَعْنِ القَنا وخَفْقِ البُنودِ فَرؤوسُ الرِّماحِ أذْهَبُ للغي ... ظ وأشْفى لِغِلِّ صَدْرِ الحَقودِ لا كَما قَدْ حَييتَ غيرَ حَميدٍ ... وإذا مُتَّ مُتْ غيرَ فَقيدِ فاطْلبِ العِزَّ في لَظى وذَرِ الذُّ ... لَّ ولَوْ كانَ في جِنانِ الخُلودِ وقال أبو تمام: يَرى العَلْقَمَ المَأدومَ بالعِزِّ أرْيَةً ... يَمانيَّةً والأرْيَ بالضَّيْمِ عَلْقَما ونظر عبد الله بن علي العبّاسي إلى فتًى عليه أبَّهَةُ الشَّرفِ وهْوَ يقاتل مُسْتَبْسِلاً، فناداه: يا فَتى، لكَ الأمانُ ولو كنتَ مروانَ بنَ محمد - آخر الدولة الأموية - فقال: إلا أكُنْه، فلَسْتُ بدونِه، قال: فلكَ الأمانُ مَنْ كُنْتَ، فأطرق ثم قال:

стр. 555

أذُلَّ الحَياةِ وكُرْهَ المَماتِ ... وكُلاً أراهُ طَعاماً وَبيلا فإنْ لَمْ يكُنْ غيرُ إحْداهما ... فَسَيْراً إلى الموتِ سَيْراً جَميلا ثم قاتل حتّى قُتل، قال: فإذا هو ابن لمَسْلمةَ بنِ عبد الملك بن مروان. نهيهم عن مخافة القتل وحثُّهم على تصور الموت وتمدُّحهم بذلك قيل لعلي بن أبي طالب: أتقاتل أهلَ الشامِ بالغَداةِ وتَظْهرُ بالعشيِّ في ثوب وَرْداء؟ فقال: أبِالمَوْتِ أخَوّفُ! واللهِ، ما أبالي أسَقَطْتُ على الموتِ أمْ سقط الموتُ عليَّ! وكثيراً ما كان ﵁ يتمثل: أيَّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرْ ... يَوْمَ لَمْ يُقْدَرْ أمْ يَوْمَ قُدِرْ

стр. 556

يَوْمَ لمْ يُقْدَر لا أرْهَبُه ... ومِنَ المَقْدورِ لا يُنْجي الحَذَرْ وقال المتنبي: إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرومِ ... فلا تَقْنَعْ بِما دونَ النُّجومِ فَطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ صَغيرٍ ... كَطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ يقول: إذا حاولتَ الشرفَ وخاطرت بنفسِك في سبيل الحصول عليه فلا تقنع بما دون أعلاه، ولا تَرْضَ باليسير منه، فإنَّ طعمَ الموت في الأمر الهيّن كطعمه في الأمر الصعب، وإذن فلا سبيل للمغامر إلا أن يقصِدَ إلى أسمى الأمور وقال: يَرى الجُبناءُ أنَّ العَجْزَ عَقْلٌ ... وتِلكَ خَديعةُ الطَّبْعِ اللّئيمِ

стр. 557

وقال: من قطعةٍ جيدة نوردها كلَّها لبَراعَتِها: صَحِبَ الناسُ قبلَنا ذا الزَّمانا ... وعَناهُمْ مِنْ شَأنِه ما عَنانا وتَوَلَّوْا بِغُصّةٍ كلُّهُمْ مِنْ ... هُ وإنْ سَرَّ بَعْضَهُمْ أحْيانا رُبَّما تُحْسِنُ الصَّنيعَ ليالي ... هِ وَلَكِنْ تُكَدِّرُ الإحْسانا وكأنّا لَمْ يَرْضَ فينا بريب الدَّ ... هْرِحَتّى أعانَه مَنْ أعَانا كلَّما أنْبَتَ الزَّمانُ قَناةً ... رَكَّبَ المَرْءُ في القَناةِ سِنانا ومُرادُ النُّفوسِ أصْغَرُ مِنْ أنْ ... نَتَعادى فيه وأنْ نَتَفانا غيرَ أنَّ الفَتى يُلاقي المَنايا ... كالِحاتٍ ولا يُلاقي الهَوانا ولَوَ أنَّ الحَياةَ تَبْقى لِحَيٍّ ... لَعَدَدْنا أضَلَّنا الشُّجْعانا وإذا لَمْ يكُنْ مِنَ المَوْتِ بُدٌّ ... فَمِنَ العَجْزِ أنْ تكونَ جَبانا

стр. 558

كلُّ ما لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّعْبِ في الأنْ ... فُسِ سَهْلٌ فيها إذا هُوَ كانا وبَعَثَتْ بَنو حنيفةَ بالفِنْدِ الزِّمَّانيّ حين طلبت بكرُ بنُ وائل إليهم يستَنْصِرونهم، وقالوا - بنو حنيفة -: قد بعَثْنا إليكم ألفَ فارس - وكان يقالُ لهُ: عديدُ الألْف - فلمّا ورد قالوا له: أيْن الألف؟ قال: أنا، فلمّا كان الغدُ وبَرزوا حَملَ على ألف فارسٍ مُرْدفٍ فانْتَظَمَهُمْ. . . .

стр. 559

الجود بالنفس وحبُّ الموت في الوغى وأنفتهم من الموت على الفراش قال أبو تمام: يَسْتَعْذِبونَ مَناياهُمْ كأنَّهُمُ ... لا يَيْأسونَ مِنَ الدُّنيا إذا قُتِلوا وقال: وحَنَّ لِلْمَوْتِ حتَّى ظنَّ مُبْصِرُه ... كأنَّه حَنَّ مُشْتاقا إلى وَطَنِ لَوْ لَمْ يَمُتْ تَحْتَ أسْيافِ العِدا كَرَماً ... لَماتَ إذْ لَمْ يَمُتْ مِنْ شِدَّةِ الحَزَنِ وقال: قَوْمٌ إذا لَبِسوا الحَديدَ حَسِبْتَهُمْ ... لَمْ يَحْسِبوا أنَّ المَنيَّةَ تُخْلَقُ أنْظُرْ بِحَيْثُ تَرى السُّيوفَ لَوامِعاً ... أبَداً وفوقَ رُؤوسِهِمْ تَتَألَّقُ وقال بَشامة بن حَزْنٍ النَّهْشليّ: إنّا لَنُرْخِصُ يَوْمَ الرَّوْعِ أنْفُسَنا ... ولَوْ نُسامُ بِها في الأمْنِ أُغْلينا

стр. 560

وقال عبد الله بن محمد بن أبي عُيينة بن المهلب بن أبي صُفرة: وإنِّيَ مِنْ قَوْمٍ كأنَّ نُفوسَهُمْ ... بِها أنَفٌ أنْ تَسْكُنَ اللَّحْمَ والدَّما وقال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي - شاعر إسلامي -: وما ماتَ مِنَّا سَيِّدٌ حَتْفَ أنْفِه ... ولا طُلَّ يَوْماً حَيْثُ كانَ قَتيلُ

стр. 561

تَسيلُ على حَدِّ الظُّباتِ نُفوسَنا ... ولَيْسَتْ على غَيْرِ الظُّباتِ تَسيلُ وقال عنترة: بَكَرَتْ تُخَوِّفُني الحُتوفَ كأنَّني ... أصْبَحْتُ عَنْ عَرَضِ الحُتوفِ بِمَعْزِلِ فأجَبْتُها: إنَّ المَنيَّةَ مَنْهلٌ ... لابُدّ أنْ أسْقى بِكأسِ المَنْهَلِ فَاقْنَيْ حَياَءكِ لا أبالكِ واعْلَمي ... أنّي امْرُؤٌ سَأموتُ إنْ لَمْ أقْتَلِ إنَّ المَنيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ ... مِثلي إذا نَزَلوا بِضَنْكِ المَنْزِلِ الحُتوف: المَكاره والمَتالف، وعن عَرَضٍ أي ما يعرض منها وبمعزل، أي في ناحية منعزلة عن ذلك، و: منهل: مورد، وقوله: فاقْنَيْ حياءَك، أي احفظيه ولا تضيّعيه، والضنك: الضيق يقول: إنَّ المنيةَ لو خُلقت مِثالاً لكانَتْ في مثل صورتي. . . . . وقال خالد بن الوليد وهو في مرض الموت: لقد لَقيتُ كذا وكذا زَحْفاً، وما في جَسدي مَوْضِعُ شِبْرٍ إلا وفيه طعنةٌ أو ضربةٌ أو رَمْيةٌ، ثُمَّ ها أنا ذا أموتُ على فراشي حَتْفَ أنفي! فلا نامت أعْينُ الجُبناء. . . وقد تقدم ذلك وقال المُفضَّل بن المهلب بن أبي صُفرة:

стр. 562

هَلِ الجودُ إلا أنْ تَجودَ بِأنْفُسٍ ... على كُلِّ ماضي الشَّفْرتَيْنِ قَضيبِ ومَنْ هَرَّ أطْرافَ القَنا خَشْيةَ الرَّدى ... فلَيْسَ لِمَجْدٍ صالِحٍ بِكَسوبِ وما هِيَ إلا رَقْدةٌ تُورِث العُلا ... لِرَهْطِكَ ما حَنَّت رَوائِمُ نيبِ هرَّ أطرافَ القنا يقال: هرَّ الشَّيء يَهِرُّ - بالكسر والضَّم - هرّاً وهَريراً: كَرِهه يقال: هَرَّ فلانٌ الكأسَ والحرب هَريراً: أي كرهها قال عنترة: حَلَفْنا لَهُمْ والخَيْلُ تَرْدي بِنا مَعاً ... نُزايِلُكُمْ حتَّى تَهِرُّوا العَوالِيا عَوالِيَ زُرْقاً مِنْ رِماحِ رُدَيْنَةٍ ... هَريرَ الكِلابِ يَتَّقينَ الأفاعِيا وقوله: وما هي إلا رقدة. . . ألبيت قال المبرّد: مأخوذٌ من قول أخيه يزيد بن المهلّب، وذلك أنه قال في يوم العقر، وهو اليوم الذي قتل فيه -: قاتلَ اللهُ ابنَ الأشْعث - عبد الرحمن بن الأشعث - ما كان عليه لو غَمّضَ عينيه ساعةً للموت ولم يكن قتيلَ نفسه. . . وذلك أنَّ ابن الأشعث قام في الليلِ وهو في سَطْحٍ للبول، فزَعموا أنّه رَدّى نفسَه، وغيرُ أهلِ هذا القول يقولون: بل سَقَطَ منه بسِنَةِ النوم. وقوله تورث العُلا لرهطك، فالمعنى: تورث العُلا رهطك، ومثله قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ والنيب جمع ناب وهي: المُسِنّة من الإبل سمَّوْها بذلك حين طال نابُها وعظم، والروائِمُ: العاطِفات على أولادها

стр. 563

من يخوض الحرب لابد أن يوطّن نفسه على الموت قالت الخنساء: ومَنْ ظَنَّ مِمّنْ يُلاقي الحُروبَ ... بأنْ لا يُصابَ فَقَدْ ظَنَّ عَجْزا وقالوا: إنَّ الشجاعةَ مَقْرونٌ بِها العَطَبُ وقال تأبّط شرّاً من أبياتٍ اختارها أبو تمام في حماسته: ومَنْ يُغْرَ بالأعْداءِ لابُدَّ أنَّه ... سَيَلْقى بِهِمْ مِنْ مَصْرَعِ المَوْتِ مَصْرَعا في القتل حياة قال المهلّب بن أبي صفرة: ليسَ شيءٌ أنْمى مِنْ سيف! ولقد صدق فما نال السيفُ أنمى عدداً وأكرم ولداً من وَلَدِ المهلّب. . . وقال الحجاج لامرأةٍ من الخوارج: واللهِ لأحْصِدنَّكُمْ حصداً، فقالت: أنْتَ تحصد واللهُ يزرع، فانْظُرْ أين قدرةُ المخلوقِ معَ قُدرةِ الخالق! ومما يصحُّ أن يُورد هُنا وإنْ كانَ من وادٍ آخرَ قولُه تعالى: ﴿وَلَكُمْ

стр. 564

فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ تأثير الخوف والمخوف منه والموفى على الجماعة قيل لعليِّ بن أبي طالب: بِمَ غَلَبْتَ الأقران؟ قال: بتمكُّنِ هَيْبَتي في قلوبهم. . . وبعث أميرٌ في طلب قومٍ رجلاً، فما لبث أنْ جاءه برجُلٍ أطولَ ما يكون، فقال: كيف تمكَّنت منه؟ فقال: وقع في قلبي أن آخُذَه، ووقع في قلبِه أنّه مأخوذ، فنصَرَني عليه خوفُه وجُرْأتي. . . ونظر رجلٌ إلى علي بن أبي طالب وقد شقَّ العسكر، فقال: قد علمْتُ أن ملكَ الموت في الجانب الذي فيه عليٌّ. ومن المأثور عن المصطفى صلوات الله عليه قوله: (نُصِرْتُ بالرّعب مَسيرةَ شهر). . . قال ابن الأثير: كان أعداء النبي ﷺ قد أوْقعَ اللهُ في قلوبهم الخوفَ منه، فإذا كان بينه وبينهم مَسيرةُ شهرٍ هابوه وفزِعوا منه.

стр. 565

وقال المتنبي: ويَسْتَعْظِمونَ المَوْتَ والمَوْتُ خادِمُهْ وقال سلم الخاسر: كأنَّ المَنايا جارِياتٌ بأمْرِهِ وقال الفرزدق: تَلمََّظَ السَّيفُ مِنْ شَوْقٍ إلى أنَسٍ ... فالمَوْتُ يَلْحَظُ والأقْدارُ تَنْتَظِرُ أظلَّه مِنْكَ حَتْفٌ قَدْ تَجلَّلَه ... حتّى يُؤامِرَ فيهِ رأيَكَ القَدَرُ وقيل للإسكندر: إنّ في عسكر دارا ألفَ مُقاتل، فقال: إن القصّاب الحاذقَ وإنْ كان واحداً لا يَهولُه كثرةُ الغَنَمِ. . . وقال شاعر: فواحِدُهُمْ كالألْفِ بأساً ونَجْدةً ... وألْفُهُمُ لِلْعُجْمِ والعُرْبِ قاهِرُ وقال أبو تمام يمدح أبا سعيد الطائي ويذكر ما صنع بالخُرَّميَّة: لقيتَهُمْ والمَنايا غَيْرُ دافِعةٍ ... لِما أمَرْتَ بهِ والمُلْتقى كَبَدُ في مَوْقفٍ وَقَفَ المَوْتُ الزُّؤامُ بهِ ... فالمَجْدُ يُوجَدُ والأرْواحُ تُفْتَقَدُ مُسْتَصْحِباً نِيّةً قدْ طالَما ضَمِنَتْ ... لكَ الخُطوبَ فأوْفَتْ بالّذي تَعِدُ ورُحْبَ صَدْرٍ لَوَ أنَّ الأرْضَ واسِعةٌ ... كَوُسْعِه لَمْ يَضِقْ عَنْ أهْلِه بَلَدُصَدَعْتَ جَرْيَتَهُمْ في عُصْبَةٍ قُلَلٍ ... قَدْ صَرَّحَ الماءُ عَنْها وانْجَلى الزَّبَدُ
следующие страницы →