← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36087

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (649 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الساكنة تختص بالفعل الماضي، وأما الفعل المضارع فإذا أسند إلى مؤنث فحينئذٍ لا بد مما يدل على أن الفاعل مؤنث، ولكن استغني بتاء المخاطبة -هي للتأنيث وأيضاً للخطاب- عن تاءٍ تلحق بآخره؛ لأنه لو ألحقت به تاء التأنيث الساكنة لاجتمع عليه علامتا تأنيث، وهذا ممتنع = أن يشتمل اللفظ الواحد على علامتي تأنيث؛ لأن التاء من الفعل تقوم قررنا أنها حرف معنى كتاء التأنيث الساكنة، فإذا قلت: تقومتْ اجتمع فيه حرفان، كل منهما يدل على التأنيث، وهذا فيه قبح وبشاعة. فحينئذٍ اختصت تاء التأنيث الساكنة بالفعل الماضي؛ لأن المضارع فيه حرف يدل على التأنيث، فتقول: تقوم هند، وهند تقوم، ولا يصح أن تقول: يقوم هند، ولا هند يقوم. ومن أحكام الفاعل أنه قد يحذف ولكن ينوب عنه المفعول به وهذا ما يسمى ب باب النائب عن الفاعل لذلك عقبه به فقال الناظم ﵀: بَابُ النَّائِبِ عَنِ الفَاعِلِ أي الذي ينوب عن الفاعل بعد حذفه، يجوز حذف الفاعل لغرض من الأغراض قد يكون الغرض لفظيًا، وقد يكون معنويًا. فاللفظي كالحذف من أجل استقامة السجعة كما قيل: مَن طابتْ سريرته حُمِدتْ سيرته، الأصل حَمِدَ الناس سيرته، فلو صرح بالفاعل لاختلت السجعة. والمعنوي كالعلم به بأن يكون معلومًا عند المخاطب نحو: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ (النساء:٢٨) فأصل التركيب -والله أعلم- خلقَ اللهُ الإنسانَ ضعيفًا، فحذف

стр. 317

الفاعل وهو لفظ الجلالة للعلم به. ولكن من الخطأ عند إعراب هذه الآية ونحوها أن يقال: خُلِقَ فعل ماض مبني للمجهول، وإنما يقال فعلٌ ماضٍ مغير الصيغة، ولذلك هذه العبارة -مبني للمجهول- مدخولة أصلاً حتى في غير مثل هذه المواضع، لأنه إذا قيل: مبني للمجهول حينئذٍ عين الغرض من حذف الفاعل وهو أنه حذف للجهل به، وهل كلما حذف الفاعل يكون حذفه للجهل به؟! الجواب: لا، ولذلك فالأحسن أن يقال: فعل ماضٍ مغير الصيغة، لأن الفعل إما أن يكون على أصل صيغته وهو المبني للمعلوم، وإما أن يكون مغير الصيغة وهو فيما إذا أسند إلى المفعول به، وأقيم المفعول مُقام الفاعل. قال: [بَابُ النَّائِبِ عَنِ الفَاعِلِ] وفي الأصل لابن آجروم قال: باب المفعول الذي لم يسم فاعله. ولكن هذا العنوان منتقد، وقد بينت وجه النقد وما أجيب به في شرح الملحة فليرجع إليه. لكن نقول: قوله [بَابُ النَّائِبِ عَنِ الفَاعِلِ] أشمل وأخصر من قوله: باب المفعول الذي لم يسم فاعله، وهذه العبارة النائب عن الفاعل؛ قيل: أول من استعملها هو ابن مالك ﵀ في الألفية: يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ ... فِيمَا لَهُ .............. بوب لذلك فقال: النائب عن الفاعل. والمتقدمون قبله يعبرون بباب المفعول الذي لم يسم فاعله، وبعضهم يقول: الاسم الذي لم يذكر معه فاعله. قال: إِذَا حَذَفْتَ فِي الكَلاَمِ فَاعِلاَ ... مُخْتَصِرًا أَوْ مُبْهِمًا أَوْ جَاهِلاَ فَأَوْجِبِ التَّأْخِيرَ لِلمَفْعُولِ بِهْ ... وَالرَّفْعَ حَيْثُ نَابَ عَنْهُ فَانْتَبِهْ

стр. 318

هذا ما يسمى بأغراض حذف الفاعل، ومحل بحثها في علم البيان قال السيوطي في عقود الجمان: قُلْتُ وَلِلْمَفْعُولِ إِنَّمَا بُنِي ... لِكَونِهِ فِي الذُّكْرِ نُصْبَ الأَعيُنِ أَوِ السِّيَاقُ دَلَّ أَوْ لاَ يَصْدُرُ ... عَنْ غَيرِهِ أَوْ كَونُهُ يُحَقَّرُ كَذَاكَ لِلجَهْلِ وَالاِخْتِصَارِ ... وَالسَّجَعِ وَالرَّويِ وَالإِيثَارِ [إِذَا حَذَفْتَ] أيها النحوي [فِي الكَلاَمِ] أي من الكلام [فَاعِلاَ] حالة كونك [مُخْتَصِرًا] أراد أن يختصر الكلام، فمثلا بدلا من أن يقول: روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: رُوي عن النبي ﷺ وهذا جائز. [أَوْ] تحذف الفاعل حالة كونك [مُبْهِمًا] على السامع يعني رغبة المتكلم في الإبهام، نحو: تُصُدِّق بألف دينار، لم يُرد أن يفصح بمن تصدق فقال: تُصُدِّق بألف دينار، ونحو: سُرق المتاع، وهو يعرف السارق لكن قال: سُرق المتاع قاصدا الإبهام على السامع. [أَوْ] تحذف الفاعل حالة كونك [جَاهِلاَ] به، كقولك أيضًا: سُرق المتاع إذا كان يجهل السارق، أو رُوي عن النبي ﷺ ولم يعرف الراوي. ولكن هل الجهل بالفاعل يعتبر غرضا من أغراض حذف الفاعل؟ هذا محل نزاع، فابن مالك ﵀ عدَّ الجهل غرضاً معنوياً، وبعضهم لا يرى ذلك لأن المجهول قد يعبر عنه باسم فاعل مشتق من مادة الفعل، فإذا قيل: سُرِق المتاع، حذفت الفاعل للجهل به، ولك أن تقول: سَرق السارقُ المتاع، فصار السارق فاعلاً لكن لم نستفد شيئا من ذكر الفاعل، وهو السارق لعدم تعيينه، لذلك قيل: لا يكون الجهل غرضاً من الأغراض، لأنه

стр. 319

يمكن أن يعدل عن الحذف إلى ذكر اسم الفاعل. [إِذَا حَذَفْتَ فِي الكَلاَمِ فَاعِلاَ] [إِذَا] شرطية [حَذَفْتَ] فعل الشرط [فَأَوْجِبِ] الفاء واقعة في جواب الشرط لأنه فعل أمر، فحينئذٍ يجب أن تتصل به الفاء. [فَأَوْجِبِ التَّأْخِيرَ لِلمَفْعُولِ بِهْ] لأنك أقمت المفعول مُقام الفاعل، إذا حذفت الفاعل فلابد من إقامة شيء مُقامه، فلا يجوز أن تحذف الفاعل دون إقامة شئ مقامه، فيقام المفعول به إن كان موجودًا مقام الفاعل فحينئذٍ [فَأَوْجِبِ التَّأْخِيرَ لِلمَفْعُولِ بِهْ] بعد أن كان جائز التقديم، لأن المفعول به يجوز تقديمه على الفاعل، بل ويجوز تقديمه على العامل نحو: ﴿فَرِيقاً هَدَى﴾ (الأعراف:٣٠) لكن إذا حذفت الفاعل وأقمت المفعول مقام الفاعل نقول: أخره وجوبًا، فلا يجوز أن يتقدم، فلا يصح أن تقول: زيدٌ ضُرِبَ على أن زيد نائب فاعل، كما أنه لا يجوز أن يتقدم الفاعل على عامله كذلك لا يجوز أن يتقدم نائب الفاعل على عامله فيما إذا كان في الأصل مفعولاً به، لأنه أخذ حكم الفاعل، والفاعل لا يجوز تقديمه على عامله لذلك قال: [فَأَوْجِبِ التَّأْخِيرَ] أيها النحوي [لِلمَفْعُولِ بِهْ] بعد أن كان جائز التقديم، والعلة في ذلك أنه أقيم مقام الفاعل، والفاعل كما سبق لا يتقدم على عامله كذلك ما أقيم مقامه. [وَالرَّفْعَ] أي فأوجب التأخير، وأوجب الرفع لفظًا أو تقديرًا أو محلاً بعد أن كان منصوبًا، حيث كان منصوبًا فأقيم مقام الفاعل، والفاعل مرفوع، فأخذ حكمه، كما أخذ حكمه في عدم جواز تقديمه على العامل، أخذ حكمه في كونه مرفوعًا سواء كان

стр. 320

الرفع ظاهرًا أو مقدرًا أو محلاً تقول: ضُرب زيد، زيد: نائب فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، ضُرب الفتى، الفتى: نائب فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره، ضُرب هذا ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. [فَأَوْجِبِ التَّأْخِيرَ لِلمَفْعُولِ بِهْ وَالرَّفْعَ حَيْثُ] هذا للتقييد [حَيْثُ نَابَ عَنْهُ فَانْتَبِهْ] لهذه الفائدة، أن النائب يأخذ حكم المناب عنه، فإذا أنيب المفعول به عن الفاعل أخذ حكمه فلذلك قال: [حَيْثُ نَابَ عَنْهُ] ويحتمل أن [حَيْثُ] هذه للتعليل، يعني لماذا حكمت بوجوب التأخير؟ ولماذا حكمت بوجوب الرفع؟ قال: حيث ناب المفعول به عنه أي عن الفاعل. [فَانْتَبِهْ] لا تجري الأصل وهو جواز التقديم والتأخير، وأنه منصوب وإنما تنقل أحكام المفعول به إلى أحكام الفاعل، فيتعين تأخيره، ويتعين رفعه، لأنه قام مقام الفاعل. ويصير عمدة بعد أن كان فضلة، لأن المفعول به فضلة يجوز الاستغناء عنه، لكن إذا رُفع على أنه نائب فاعل صار عمدة، لأن الرفع خاص بالعمد، وصار مسندًا إليه بعد أن كان لا دخل له في الإسناد؛ لأن المفعول به ليس مسندًا ولا مسندًا إليه بخلاف النائب عن الفاعل فإنه مسند إليه. فَأَوَّلَ الفِعْلِ اضْمُمَنْ وَكَسْرُ مَا ... قُبَيْلَ آخِرِ المُضِيِّ حُتِمَا وَمَا قُبَيْلَ ... آخِرِ ... المُضَارِعِ ... يَجِبُ فَتْحُهُ بِلاَ مُنَازِعِ لما أقيم المفعول به مقام الفاعل قد يلتبس الفاعل بنائب الفاعل، إذا قلت مثلا: ضَرَبَ زيدٌ عمرًا، فحذفت الفاعل وهو زيد، فقلت: ضَرَبَ عمرًا، ثم تقيم عمرًا مقام زيد فترفعه، فتقول: ضَرَبَ عمرٌو،

стр. 321

حينئذٍ التبس بالفاعل فقالوا: لابد أن نجعل في الفعل قرينة منذ أن ينطق بها المتكلم يعلم السامع أن ما بعده نائب فاعل وليس بفاعل قالوا: إذًا يجب تغيير صيغة الفعل للدلالة على أن ما بعده نائب فاعل وليس بفاعل حتى إذا قيل: ضَرب مباشرة تعرف أن ما بعده فاعل، وإذا قيل: ضُرب مباشرة تعرف أن ما بعده نائب فاعل. إذًا وجوب تغيير الصيغة لئلا يلتبس الفاعل بنائب الفاعل فقال: [فَأَوَّلَ الفِعْلِ اضْمُمَنْ] الفاء فاء الفصيحة يعني إذا أردت تمييز المبني للمفعول من المبني للفاعل، فإن كان الفعل ماضيًا أو مضارعًا فاضممن أول الفعل وجوبًا، لأن اضممن فعل أمر مؤكد بنون التوكيد الخفيفة، ومطلق الأمر يقتضي الوجوب، و [أَوَّلَ] منصوب على أنه مفعول به مقدم لـ[اضْمُمَنْ] وهذا يستعمل في الشعر خاصة، لأن القاعدة أن الفعل سواء كان مضارعًا أو أمرًا إذا أكد بنون التوكيد لا يجوز أن يتقدم عليه معموله فحينئذٍ [فَأَوَّلَ الفِعْلِ اضْمُمَنْ] هذا مخالف للقواعد النحوية، والأصل أن يقال: فاضممن أول الفعل. [فَأَوَّلَ الفِعْلِ اضْمُمَنْ] مطلقًا سواء كان ماضيًا أو مضارعًا، فتضم أول الفعل، ضَرب ضُرب، ويَضرب يُضرب، يعني اجعل حركة أوَّل الفعل الماضي ضمًا سواء كان الحرف أصليًّا كضرب، أو زائدًا كأكرم، واجعل حركة حرف المضارعة ضمًا. [اضْمُمَنْ] أول الفعل تحقيقًا أو تقديرًا، فنحو: ضُرب هذا ضمٌّ تحقيقًا يعني تلفظ به، وتقديرًا فيما إذا كان وسط الفعل الماضي الثلاثي حرف علة كقال وباع، فقال تقول فيه: قِيل

стр. 322

هكذا الفعل المغير الصيغة، فحينئذٍ يضم أوله لكن تقديرا لا تحقيقا بمعنى أنه يُنوى ضم أوله وإلا فهو في اللفظ مكسور، لكنها كسرة عارضة لا أصلية، وإنما هي حركة العين نُقلت إليها لأن أصله قُوِلَ على وزن فُعِلَ كضُرِبَ، إذًا أوله مضموم وأنت تنطق به بالكسر قِيل، إذًا أصله قُوِلَ على وزن فُعِلَ - بضم الأول وكسر ما قبل الآخر- استثقلت الكسرة على الواو، فوجب نقلها إلى ما قبلها، وما قبلها وهو القاف مضموم فأُسقطت الضمة، فصار بعد سلب حركتها ساكنًا فقيل قِوْل سكنت الواو بعد كسرة والقاعدة: أن الواو إذا سكنت وانكسر ما قبلها وجب قلبها ياءً، فصار قِيْلَ. وباع أصله: بُيِعَ على وزن فُعِلَ استثقلت الكسرة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها بعد سلب حركتها أي حركة الياء وهي الضمة، وهذا يسمى إعلالاً بالنقل، فسكنت الياء وانكسر ما قبلها ليس عندنا إعلال بالقلب، فصار بِيْعَ. في نحو قيل قلبت الواو ياءًا لوجود العلة، والياء هنا في بيع صحت لم تقلب واوًا لعدم وجود العلة. إذًا [فَأَوَّلَ الفِعْلِ اضْمُمَنْ] تحقيقًا كما في ضُرب أو تقديرًا كما في قِيل وبيع، وإذا كان الفعل الماضي مفتتحًا بتاء المطاوعة أو التاء مطلقًا يُضم ثانيه مع أوله نحو: تُعُلِّم هذا مبدوء بالتاء وتسمى تاء المطاوعة، فحينئذٍ يضم أوله ويكسر ما قبل آخره، ويزاد عليه أنه يضم مع أوله ثانيه فتقول: تُعُلمت المسألة، وإذا كان مبدوءًا بهمزة الوصل يضم أوله ويكسر ما قبل آخره، ويزاد مع ضم أوله ضم ثالثه فيقال اُنطُلق بزيد. [وَكَسْرُ مَا قُبَيْلَ آخِرِ المُضِيِّ حُتِمَا] إذا ضُمَّ الأول، تنظر فيما قبل آخره فإن كان

стр. 323

ماضيًا فاكسره نحو: ضُرِب كسر ما قبل الآخر وهو الراء، فتقول: ضُرِب على وزن فُعِلَ [وَكَسْرُ مَا قُبَيْلَ آخِرِ المُضِيِّ حُتِمَا] الألف للإطلاق، يعني وجب كسر ما قبل آخره تحقيقًا أو تقديرًا. تحقيقًا نحو ضُرِب أصله ضَرَبَ فالراء مفتوحة فلمَّا غُيرت صيغته كُسرت، وعَلِم تقول: عُلِمَ، فما قبل الميم لم يغير في اللفظ، ولكن الكسرة مقدرة قبل آخره. إذًا عُلِم ضم أوله وكسر ما قبل آخره لكنها مقدرة، وأما المضارع فقد بين حكم ما قبل آخره بقوله: [وَمَا قُبَيْلَ آخِرِ المُضَارِعِ يَجِبُ فَتْحُهُ بِلاَ مُنَازِعِ] إذًا قوله: [فَأَوَّلَ الفِعْلِ اضْمُمَنْ] هذا عام يشمل الماضي والمضارع، وما قبل آخر الماضي يجب كسره، وما قبل آخر المضارع يجب فتحه [وَمَا قُبَيْلَ آخِرِ المُضَارِعِ يَجِبُ فَتْحُهُ] تحقيقًا أو تقديرًا، والأول نحو: يُضرَب: نقول ضم أوله وفتح ما قبل آخره. والثاني نحو: يُقال ويُباع فُتح ما قبل آخره تقديرًا يقال أصله يُقْوَلُ تحركت الواو ولم ينفتح ما قبلها لكن نقول هنا اكتفاء بجزء العلة صح قلبها ألفًا، ومثلها يباع. [بِلاَ مُنَازِعِ] في هذه القاعدة العامة وهي أن الفعل مغير الصيغة يضم أوله مطلقًا سواء كان ماضيًا أو مضارعًا، ويكسر ما قبل آخره في الماضي، ويفتح ما قبل آخره في المضارع. ثم قال: وَظَاهِرًا وَمُضْمَرًا أَيْضًا ثَبَتْ ... كَأُكْرِمَتْ هِنْدٌ وَهِنْدٌ ضُرِبَتْ يعني ينقسم النائب عن الفاعل كما انقسم الفاعل إلى ظاهر وإلى مضمر، لذلك قال [أَيْضًا] هذه اللفظة منصوبة على أنها مفعول مطلق، مصدر آض يئيض أيضًا أي نرجع رجوعًا كما قسمنا لك

стр. 324

الفاعل إلى قسمين: ظاهرٍ، ومضمرٍ، نرجع ونعود مرة أخرى ونقسم لك نائب الفاعل إلى قسمين: ظاهرٍ، ومضمرٍ، [كَأُكْرِمَتْ هِنْدٌ] أصل التركيب أَكرم زيدٌ هنداً فحذف الفاعل لغرضٍ ما، ثم أقيم المفعول به وهو هنداً مقام الفاعل فارتفع ارتفاعه فصار هندٌ، فغيرت صيغة الفعل فقيل: أُكرِمت ضم أوله وكسر ما قبل آخره، والأصل أَكرم زيدٌ فلما أسند الفعل إلى المفعول به وهو مؤنث حقيقي وجب التأنيث، لأنه أقيم مقام الفاعل والفاعل إذا كان مؤنثاً حقيقياً واتصل بعامله، ولم يكن العامل نعم وبئس وجب تأنيث الفعل، وبذا المثال أُكرمت هند أشار إلى هذا الحكم. والأصل أَكرَمت فغيرت صيغته فقيل: أُكرِمت ضُمَّ أوله وكُسر ما قبل آخره. وإعراب المثال [كَأُكْرِمَتْ هِنْدٌ] أكرمت فعل ماضٍ مغير الصيغة مبني على الفتح لا محل له من الإعراب. وهند نائب فاعل - وهو اسم ظاهر- مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره. [وَهِنْدٌ ضُرِبَتْ] أي هي، فهند مبتدأ و [ضُرِبَتْ] فعل ماضٍ مغير الصيغة ضم أوله وكسر ما قبل آخره، ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره هي يعود على هند. والتأنيث واجب هنا لأن الفاعل ضمير مستتر عاد إلى حقيقي التأنيث. والجملة في محل رفع خبر المبتدا.

стр. 325

بَابُ المُبْتَدَا وَالخَبَرِ لما أنهى الكلام على الفاعل وهو الأصل في المرفوعات، كان أقرب ما يذكر بعده هو ما اختلف فيه هل هو أصل المرفوعات أم لا؟ [بَابُ المُبْتَدَا وَالخَبَرِ] أي هذا باب بيان حقيقة المبتدا وحقيقة الخبر. وجمع بينهما في بابٍ واحدٍ لتلازمهما غالباً؛ لأن المبتدأ يلزمه الخبر، فكل مبتدأ لا نقول لا بد له من خبر وإنما يلزمه الخبر في الأعم، ومن غير الأعم أن يسد الفاعل مسد الخبر. هل كل مبتدأ له خبر؟ نقول: في الأغلب الأعم، كل مبتدأ له خبر لكن يستثنى حالة واحدة وهي فيما إذا كان المبتدأ وصفاً اعتمد على نفي أو استفهام ورفع اسماً ظاهراً، فحينئذٍ لا يكون الاسم الظاهر خبراً وإنما يكون فاعلاً سد مسد الخبر، فمثلاً إذا قيل: أقائم الزيدان، نقول: الهمزة للاستفهام، وقائم مبتدأ، إذًا وُجد المبتدأ فهل لا بد أن يكون الزيدان خبرًا؟ الجواب: لا، وإنما الزيدان فاعل سد مسد الخبر بمعنى أنه أغنى عن الخبر في الفائدة، وقد وجدت الفائدة به كما لو وجدت بالخبر، وامتناع أن يكون الزيدان خبرًا عن المبتدأ في مثل هذا التركيب لعلة ولحكمة وهي أن قائم وصفٌ، والمشتقات عند النحاة في قوة الفعل، أقائم في قوة قولك: أيقوم، فلما كان قائم في قوة الفعل، والفعل لا يصح الإخبار عنه، عُدل عن كون الزيدان خبراً

стр. 326

إلى كونه فاعلاً، فلما حصلت الفائدة التامة بالزيدان أغنى عن الخبر، إذًا وجد المبتدأ ولم يوجد له خبر. ومثله: أقلُّ رجلٍ يقول ذلك، وهذا مما يحفظ ولا يقاس عليه بخلاف الأول، أقل رجل يقول ذلك: أقل مبتدأ، وهو مضاف ورجل مضاف إليه، يقول ذلك فعل وفاعل ومفعول به والجملة في محل جر صفة لرجل، وأين الخبر؟ نقول: لا خبر له، وليس عندنا ما ينوب مناب الخبر لكن هذا لا نظير له يحفظ ولا يقاس عليه. فأقل رجل نكرة، ولماذا لا يعرب جملة يقول ذلك خبرًا عن المبتدإ؟ نقول: لأن النكرة أشدُّ افتقاراً إلى الصفة من افتقار المبتدأ إلى الخبر، لأن المبتدأ كما سبق في نحو: أقائم الزيدان يستغني عن الخبر، أما النكرة فلا تستغني عن الصفة بعدها إذا وجدت فهي مفتقرة افتقارا شديداً إلى الصفة. قال الناظم في حد المبتدأ: المُبْتَدَا اسْمٌ مِنْ عَوَامِلٍ سَلِم ... لَفْظِيَّةٍ وَهْوَ بِرَفْعٍ قَدْ وُسِمْ المبتدأ أصله المبتدأ به؛ لأنه مأخوذ من ابتدأ يبتدأ فهو مبتدأ به حُذف الجار والمجرور وهو به وهذا يسمى الحذف والإيصال، حُذف حرف الجر الباء أولا اختصاراً فاتصل الضمير بعامله، لأن المبتدأ اسم مفعول، واسم المفعول يرفع نائب فاعل فحينئذٍ الضمير المنفصل البارز (به) صار ضميراً مستتراً مرفوعاً بمبتدأ على أنه نائب فاعل. والمبتدأ في اللغة مأخوذ من الابتداء وهو الافتتاح، وهو مناسب هنا للتسمية فزيد مثلاً من قولك: زيدٌ قائمٌ سمي مبتدأ لأنه افتتح به أول الجملة.

стр. 327

المُبْتَدَا اسْمٌ مِنْ عَوَامِلٍ سَلِم ... لَفْظِيَّةٍ يعني اسم عارٍ أو مجردٌ من عوامل سلم، أي المبتدأ اسم سلم من عوامل يعني جرد من عوامل، فقوله: [اسْمٌ] خرج به الفعل والحرف فلا يكون الحرف مبتدأ، ولا يكون الفعل مبتدأ، لأن المبتدأ مسند إليه، وهو محكوم عليه، ولا يحكم إلا على الأسماء. أما الفعل فلا يكون محكوماً عليه وإنما يكون محكوماً به، وأما الحرف فلا يكون محكوماً عليه ولا محكوماً به. وهذا فيما إذا قُصد معناه، أما إذا قُصد لفظه فحينئذٍ يصح أن يكون مبتدأ نحو: ضرب فعلٌ ماضٍ، فعلٌ هذا خبرٌ، والمحكوم عليه ضرب قُصد اللفظ فقط أي الحروف دون المعنى فهو مبتدأ هنا، وكذلك قولك: مِن حرفُ جر، حرفُ جر خبر، والمبتدأ مِن وهو حرف، لأنه قصد اللفظ فقط وليس المعنى، إذًا إذا قصد لفظ الفعل أو لفظ الحرف جاز حينئذٍ أن يكون مبتدأ. [اسْمٌ] يشمل الاسم الصريح وهو الذي لا يحتاج في جعله مبتدأ إلى تأويل، والاسم غير الصريح وهو ما يحتاج في جعله مبتدأ إلى تأويل، فقولك: زيدٌ قائم، زيدٌ مبتدأ وهو اسم صريح، وأنا قائم، أنا مبتدأ وهو اسم صريح، وأما قوله تعالى: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة:١٨٤] خيرٌ خبرٌ فهو مخبر به، ولا يخبر عن الفعل، ولا عن الحرف، وإنما يخبر عن الاسم، فحينئذٍ يتعين أن يكون أن تصوموا مبتدأ، ثم بعد ذلك نقول: كيف جاء مبتدأ وهو جملة؟ تقول: لأنه مؤول بالاسم، وأن تصوموا مؤول بصيامكم أو صومكم، لأن أن حرف مصدري، وتصوموا فعل مضارع منصوبٌ

стр. 328

بأن، ونصبه حذف النون، أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر وهو صومكم إذًا صار مبتدأ، ولكنه ليس باسم صريح. [اسْمٌ مِنْ عَوَامِلٍ سَلِم] سَلِم فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر يعود على الاسم، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع صفة لاسم، ومن عوامل متعلق بسلم، أي اسم سلم من عوامل بمعنى أنه تجرد عن العوامل أي لم يسبقه عامل، فحينئذٍ خرجت كل المرفوعات بهذا القيد وهو التجرد عن العامل، فنحو: كان زيدٌ قائما، فزيدٌ اسم صريح وليس بمبتدأ، لأنه لم يتجرد عن العامل، إذًا هذه قاعدة = كل اسم مرفوع سبقه عامل لفظي أصلي فليس بمبتدأ قطعاً. [مِنْ عَوَامِلٍ] جمع عامل، والعامل قيل: هو ما أثر في آخر الكلمة من اسم أو فعل أو حرف، تفسير العامل بهذا التعريف فيه نظر، لأن ما اسم موصول بمعنى الذي فسره بقوله: من فعل أو اسم أو حرف فمن هنا بيانية فسر بها ما، فحينئذٍ حصر العامل في الفعل والاسم والحرف، فيختص هذا الحد - على شهرته- بالعامل اللفظي، والعامل ليس محصورا في هذه العوامل اللفظية فقط لأن العامل نوعان: عامل لفظي أي يلفظ به، وحدُّه: ماله حظ في اللسان، مثل: كان وإنَّ ولم. وعامل معنوي وهو ينوى في القلب ويُقدَّر، وحدُّه: ما لا حظ له في اللسان، أي ليس له حروف يلفظ بها. وقولهم: ما أثر في آخر الكلمة من اسم أو فعل أو حرف اختص بالأول وهو العامل اللفظي، ولا يشمل هذا التعريف العامل المعنوي، لكن لو قيل: العامل ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من رفع أو

стр. 329

نصب أو خفض أو جزم لكان أولى، فما في التعريف اسم موصول مبهم يفسر بشيء سواء لفظ به أولم يلفظ، أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص، فلم يقيده بالفعل ولا بالاسم ولا بالحرف فيكون شاملاً للنوعين: العامل اللفظي، والعامل المعنوي. المبتدأ [اسْمٌ مِنْ عَوَامِلٍ سَلِم لَفْظِيَّةٍ] بمعنى جُرِّد من عواملٍ، لما كانت العوامل لفظية، ومعنوية، والمبتدأ قد جُرِّد عن عواملٍ لفظية، ولم يُجرد عن العوامل المعنوية لأنه لا بُدَّ له من عامل، فإذا قيل: المبتدأ مرفوع ورفعه الضمة، فالضمة هذه لا يمكن أن توجد بلا عامل، إذًا لا بُدَّ من عامل فإما أن يكون عاملا لفظياً، وإما أن يكون عاملا معنوياً، فإذا انتفت العوامل اللفظية عن كونها مؤثرة في المبتدأ تعين قطعاً أن يكون العامل فيه معنوياً، لذلك قال: لفظية وهذا نعت للعوامل، والنعت هنا صفة احترز بها عن العوامل المعنوية، والعوامل المعنوية - على الأصح- محصورة في اثنين لا ثالث لهما: وهما الابتداء، والتجرد، والابتداء: هو كون الاسم معرىً - أي مجرداً - عن العوامل اللفظية، وبعضهم قال: هو جعلك الاسم أولاً لتخبر عنه ثانياً، لأن الابتداء لغة: هو الافتتاح فلا بُدَّ أن يكون المعنى اللغوي ملاحظا في التعريف. وأما التجرد فهو ما سبق في الفعل المضارع في حالة الرفع أن يكون مجرداً عن الجازم والناصب، إذا جُرِّد عن الجازم والناصب حينئذٍ نقول: هذا عامل والعامل هنا معنوي، فإذا قيل: يضربُ زيدٌ، فيضرب فعل مضارع مرفوع ورفعه الضمة، ما الذي أحدث هذه الضمة؟ وما الذي أوجب كون آخر

стр. 330

يضرب مرفوعا؟ نقول: تجرده عن الناصب والجازم. وزيدٌ قائمٌ فزيد مبتدأ مرفوع ورفعه الضمة، ما الذي أحدث هذه الضمة؟ وما الذي أوجب كون آخر زيد مرفوعا؟ نقول: الابتداء، فالعامل فيه معنوي، إذًا قوله: من عوامل لفظية احترز به عن العوامل المعنوية، فالمبتدأ تجرد عن العوامل اللفظية لا المعنوية، والعوامل المعنوية اثنان، والذي معنا هنا الابتداء، فكيف نخرج التجرد من التعريف - والتجرد خاص بالفعل المضارع-؟ نقول: قوله: اسمٌ في أول التعريف حيث قال: [المُبْتَدَا اسْمٌ] إذًا ليس بفعلٍ، فالعامل المعنوي هنا مختص بالاسم، وليس عندنا عامل معنوي مختص بالاسم إلا الابتداء. قوله: [اسْمٌ مِنْ عَوَامِلٍ سَلِم لَفْظِيَّةٍ] أي سلم من عوامل لفظية أي غير الزائدة، والمراد بكونه مجرداً عن العوامل اللفظية أي الأصلية غير الزائدة، أما إذا دخل عليه عامل لفظي زائد فلا يخرجه عن كونه مبتدأ، نحو قوله جل وعلا: (هََلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه)) [فاطر:٣] هل: حرف استفهام، من خالقٍ من حرف جر زائد، خالقٍ مبتدأ، كيف هو مبتدأ وقد سبقه عامل لفظي؟! نقول: هذا العامل حرفٌ زائد، وإن شئت قل: صلة أو تأكيد، وخالقٍ مبتدأ مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ونحو: بحسبك درهم، بحسبك مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقد دخل عليه حرف جر زائد وهو عامل لفظي، ودرهم خبر المبتدأ، ومرادهم

стр. 331

بحرف الجر الزائد الذي لم يقصد معناه الذي وضع له في لغة العرب، قال الخضري في حاشيته على ابن عقيل: قول النحاة إن الحرف الزائد لا معنى له أي لا معنى له سوى التأكيد، إذاً له معنى، ولكنه التأكيد، والمعنى الذي نفاه النحاة هو المعنى الذي وضع له في لغة العرب. هذا هو حد المبتدأ: الاسم المجرد عن العوامل اللفظية غير الزائدة. وأما حكمه فقد بينه بقوله: [وَهْوَ] أي المبتدأ [بِرَفْعٍ قَدْ وُسِمْ] برفع جار ومجرور متعلق بقوله: وسم، وقد: حرف تحقيق، ووُسم أي عُلِّم مأخوذ من السمة، وهي العلامة، [قَدْ وُسِمْ] أي قد عُلِّم برفعٍ فصار مرفوعاً، فالمبتدأ مرفوع، والمرفوع هو ما اشتمل على علامة الرفع، وهي الضمة وما ناب عنها، وإذا كان مرفوعاً فحينئذٍ لا بد له من عامل يقتضي الرفع، وعامله هو الابتداء على الصحيح، وهذا هو المشهور عند المتأخرين: وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بِالِابْتِدَا ... .................... والابتداء عامل معنوي وهو جعلك الاسم أولاً لتخبر عنه ثانياً. فافتتاح الكلام بالاسم هو جعلك الاسم أولاً، [بِرَفْعٍ] سواء كان لفظاً أو تقديراً أو محلاً، لفظاً مثل قولك: زيدٌ قائم، فزيدٌ اسم مجرد عن العوامل اللفظية غير الزائدة، مرفوع بالابتداء يعني العامل فيه هو الابتداء ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وقائم خبره، وتقديراً مثل قولك: الفتى يقوم، فالفتى مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة مقدرة على آخره، وجملة يقوم خبره، ومحلاً مثل قولك: حذامِ امرأة، فحذامِ مبتدأ مبني على الكسر في محل رفع،

стр. 332

وامرأة خبره، والإعراب المحلي خاص بالمبنيات على المشهور، ويلحق به المؤول بالمصدر، وأما في نحو قوله [مِنْ خَالِقٍ] فهذا إعرابه تقديري. [بِرَفْعٍ] الرفع قد يكون بحركة أو بحرف، والحركة ظاهرة أو مقدرة، وهذا يكون في المفرد، أو حرفٍ كما في الأسماء الستة، والمثنى، وجمع المذكر السالم أيضًا ظاهرًا أو مقدرًا. وَظَاهِرًا يَأْتِي وَيَأْتِي مُضْمَرَا كَالقَوْلُ يُسْتَقْبَحُ وَهْوَ مُفْتَرَى بيَّن لك هنا أن المبتدأ يكون ظاهراً وهو ما دل على مسماه بلا قيد، ويكون مضمراً وهو ما دل على مسماه بقيد. وسيأتي بيان الظاهر والمضمر في باب المعرفة والنكرة مفصلاً. [وَظَاهِرًا يَأْتِي] هو أي المبتدأ، وظاهراً حال مقدمة من الضمير المستتر في يأتي وهو فاعل، يعني ويأتي المبتدأ حال كونه اسماً ظاهراً، [وَيَأْتِي مُضْمَرَا] أي ويأتي المبتدأ حال كونه مضمراً أي ضميراً، [كَالقَوْلُ يُسْتَقْبَحُ وَهْوَ مُفْتَرَى] كالقولُ: الكاف بمعنى مثل فهي اسم، فحينئذٍ تكون مضافة إلى الجملة الاسمية، أو يجعل الكاف حرف جر، ويكون مدخولها مقدرا تقديره: كقولك: القولُ يستقبح وهو مفترى، فالقول مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، ويستقبح فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، والقول اسم ظاهر، وهو مفترى هو ضمير للمفرد المذكر الغائب مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وإن شئت قل: مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع،

стр. 333

ومفترى خبر، مفترى لو وصلت قلت: مفترًى فحذفت الألف، وإذا وقفت رجعت الألف فقلت مفترى، فحينئذٍ يكون خبراً مرفوعاً ورفعه ضمة مقدرة على آخره، إذًا مثل لك بالجملتين للمبتدأ الظاهر والمبتدأ المضمر. ثم لما أنهى الكلام عن بالمبتدأ شرع في بيان حقيقة لازمه وهو الخبر فقال: وَالخَبَرُ الإِسْمُ الَّذِي قَدْ أُسْنِدَا ... إلَيْهِ وَارْتِفَاعَهُ الزَمْ أَبَدَا [وَالخَبَرُ الإِسْمُ] وهذا فيه قصور؛ لأن الخبر لا يتقيد بالاسم، لأنه مسند، وإذا قيل: مسندٌ فحينئذٍ يشترك فيه الاسم والفعل، لأن الفعل يكون مسنداً ولا يكون مسنداً إليه، والفعل يقع خبراً، لأنه محكوم به، أما إذا خصص الخبر بالاسم فحينئذٍ أخرج الفعل، فهل المراد هنا إخراج الفعل؟ الجواب: لا، لأن الفعل يصح الإخبار به، ولذلك لو قال كما قال ابن هشام في القطر: الخبر المسند ... لكان أولى، لأن الاسم نوع من أنواع الخبر، نحو: زيدٌ قائم، فقائم هذا خبر وهو اسمٌ، لكن زيد قام أبوه هل يشمله التعريف؟ الجواب: لا، لا يشمله التعريف، إذاً لو قال الخبر هو المسند لدخل الاسم والفعل، وخرج الحرف؛ لأن الحرف لا يكون مسنداً. وفي نسخة والخبر الجزء وهي أولى. [وَالخَبَرُ الإِسْمُ] ولو مؤولاً قد يقع الخبر مؤولاً بالصريح، نحو: الخير أن تحسن إلى الغير ـ هكذا قيل ـ الخير مبتدأ، وأن تحسن: أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر عن المبتدأ كأنه قال الخير إحسانك إلى الغير، إذًا يقع اسماً صريحاً وهذا هو الأكثر والأشهر وقد يقع اسماً مؤولاً بالصريح. [الَّذِي قَدْ أُسْنِدَا

стр. 334

إلَيْهِ] ألف أسندا للإطلاق، وضمير إليه يعود إلى المبتدأ، إذًا الخبر هو الاسم الذي قد أسند إلى المبتدأ، فحينئذٍ صار الخبر مسنداً والمبتدأ مسندًا إليه، ولكن هذا التعريف فيه قصور، والأصح أن يعرف الخبر بأنه: المسند الذي تتم به مع المبتدأ فائدة - هذا تعريف ابن هشام وهو أولى من تعريف الناظم هنا- قوله: المسند يشمل ما إذا وقع الخبر جملة فعلية، أو جملة اسمية، وما إذا وقع ظرفاً أو جاراً ومجرورًا أو اسماً، يشمل أنواع الخبر الأربعة، كلها داخلة في قوله: المسند، وخرج بالمسند الزيدان من قولك: أقائم الزيدان، فإنه فاعل وليس بخبر، لأن الخبر مسند والزيدان في هذا التركيب مسند إليه. وقوله: الذي تتم به مع المبتدأ فائدة: أخرج الفعل فإنه مسند وتتم به الفائدة ولكن مع الفاعل لا مع المبتدأ، نحو: قام زيدٌ، فقام مسند وزيدٌ مسند إليه، فكل من الخبر والفعل مسند، لكن الخبر مسند تتم الفائدة به مع المبتدأ، والفعل مسند تتم به الفائدة مع الفاعل لا مع المبتدأ. إذًا الخبر هو المسند الذي تتم به مع المبتدأ فائدة، فخرج بالمسند الفاعل في نحو قولك: أقائم الزيدان، وخرج بقوله: مع المبتدأ الفعل لأنه مسند وتمت به الفائدة مع الفاعل. لكن قوله: [وَالخَبَرُ الإِسْمُ] يؤوله بعض النحاة بأن الأصل في الخبر كونه مفرداً، وكل خبرٍ وقع جملة فعلية أو اسمية فهي مؤولة بالمفرد، فحينئذٍ قوله: الإسم سواء كان صريحاً أو مؤولاً عن جملة فعلية أو جملة اسمية، وأما الظرف والجار والمجرور فهو على الخلاف إما أن يكون متعلقاً بمفردٍ فحينئذٍ يكون داخلاً في المفرد،

стр. 335

وإما أن يكون متعلقاً بفعل فيؤول أيضاً إلى مفرد، لكن أحسن من هذا أن يصرح فيقال: الخبر المسند، لأن دلالة الالتزام مهجورة في التعاريف، وقد نص على ذلك الغزالي في معيار المنطق، وهذا أصح؛ لأن التعريف المقصود به إيضاح وبيان الماهيات والحقائق، فإذا قيل هنا: الاسم المراد به الاسم ولو كان بتأويل الجملة الفعلية والاسمية إلى المفرد، متى يدرك الطالب أن الجملة الفعلية والاسمية تؤول بالمفرد؟! ولو أدرك فلن يستطيع أن يؤول لأنه لا بد أن يأتي بالمصادر وكيف يأتي بالمصادر؟! إذًا لا بد أن يكون متمكناً نوعاً ما، فقوله: [وَالخَبَرُ الإِسْمُ] على هذا التأويل صار التعريف صحيحاً ولا بأس به. ثم لما بين حقيقة الخبر ذكر لك حكمه فقال: [وَارْتِفَاعَهُ الزَمْ أَبَدَا] يعني الخبر من المرفوعات، لأنه عمدة وحق العمدة الرفع، [وَارْتِفَاعَهُ] أي الخبر مطلقاً فالضمير يعود على الخبر، وهو مفعول به مقدم والعامل فيه الزم المتأخر، [الزَمْ] فعل أمر، والأمر يقتضي الوجوب، [أَبَدَا] المراد به التأييد، أي أنه لا يخرج عن كونه مرفوعاً، فخرج المنصوب والمجرور فلا يكون خبرًا، وأما إذا وقع الخبر جارًا ومجرورًا كقولك: زيد في الدار، فليس هو الخبر بل متعلقه هو الخبر، ومتعلقه مرفوع، إذًا لا يكون الخبر مجروراً، وإذا وقع الخبر ظرفًا منصوبًا كقولك: زيدٌ عندَك، ومنه قوله تعالى: (وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) [الأنفال:٤٢] فليس أَسْفَلَ هو الخبر بل متعلقه هو الخبر وهو المرفوع. [وَارْتِفَاعَهُ الزَمْ أَبَدَا] سواء كان رفعه ظاهراً أو مقدراً أو محلياً، وسواء كان بحركة أو حرفٍ،

стр. 336

والعامل فيه على الأصح هو المبتدأ، فحينئذٍ يكون العامل لفظياً، قال ابن مالك: وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بِالِابْتِدَا ... كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالمُبْتَدَا فالعامل في الخبر لفظي وهو عين المبتدأ، ولو كان جامداً، نحو: زيد قائم، فزيدٌ مبتدأ وهو الذي أحدث الرفع في الخبر، وزيدٌ عَلَم فكيف يرفع وهو علم ليس بفعل ولا فيه معنى الفعل؟! نقول: لكونه مستلزماً للخبر نزل منزلة العامل الفعل في الاقتضاء، لأن الفعل إنما عمل لكونه مقتضياً وطالبًا للفاعل وغيره، لأنه حدث لا بد له من محدِث ومحلٍّ يقع عليه الحدث والأثر فهذا هو الاقتضاء والطلب. كذلك زيد مبتدأ، والمبتدأ يلزم منه أن يكون له خبر؛ لأنه محكوم عليه وكل محكوم عليه لا بد له من محكوم به، فهذا الاقتضاء والطلب هو الذي سوغ للمبتدأ ولو كان جامداً أن يكون عاملاً في الخبر الرفع. ثم قسم لك الخبر فقال: وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَغَيْرَ مُفْرَدِ فَأَوَّلٌ نَحْوُ سَعِيْدٌ مُهْتَدِي [وَمُفْرَدًا يَأْتِي] يأتي فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الخبر، ومفردًا حال منه تقدمت على عاملها، أي يأتي الخبر حال كونه مفرداً، والمفرد يختلف حده باختلاف الأبواب، فهو في باب الإعراب على ما سبق بيانه أنه ما ليس مثنىً ولا مجموعاً ولا ملحقاً بهما ولا من الأسماء الستة، والمفرد هنا في باب الخبر له معنى آخر مغاير للمفرد في باب الإعراب، وهو

стр. 337

ما ليس جملة ولا شبيهاً بالجملة. وما ليس جملة أي بنوعيها وهو الجملة الاسمية والجملة الفعلية، ولا شبيهاً بالجملة والمراد به الجار والمجرور والظرف، والشأن هنا كالشأن في الحرف: وَالحَرْفُ مَا لَيْسَ لَهُ عَلاَمَهْ ... فَقِسْ عَلَى قَوْلِي تَكُنْ عَلاَّمَهْ هنا بالاستقراء نظروا فإذا الخبر يأتي على أربعة أنواع: الأول: يأتي جملة فعلية. والثاني: يأتي جملة اسمية. والثالث: يأتي شبيهاً بالجملة وهو كونه ظرفاً أو جاراً ومجرورًا. والرابع: ما عدا ذلك، وهذا على أنواع: الأول: يأتي مفرداً، فيعم المفرد في باب الإعراب كزيد وغيره كأبوك، تقول: زيد أبوك، وزيد قائم. والثاني: يأتي مثنى، كقولك: الزيدان قائمان. والثالث: يأتي جمعاً بأنواعه، كقولك: الزيدون قائمون، وهذه مساجد، والهندات قائمات، قالوا: من باب الاصطلاح نجعل هذه الأنواع الثلاثة في مقابلة الجملة والشبيه بالجملة، فوضعوا له اصطلاحًا وهو أنه مفرد يعني ليس جملة اسمية ولا جملة فعلية وليس شبيهاً بالجملة أي ليس جاراً ومجروراً ولا ظرفًا، فحينئذٍ إذا جاء قوله: زيد قائم، تقول: قائم ليس بجملة ولا شبيه بالجملة فهو مفرد، وهو أيضًا مفرد في باب الإعراب فاتحد الاصطلاحان، وافترقا في نحو: زيدٌ أبوك، فهو مفرد هنا لا في باب الإعراب، والزيدان قائمان، فالزيدان مبتدأ وقائمان خبر، وهو مفرد، والزيدون قائمون، فالزيدون مبتدأ وقائمون خبر، وهو مفرد، والهندات قائمات، فالهندات مبتدأ وقائمات خبر، وهو مفرد، إذاً المفرد في باب الإعراب لا يشمل المثنى ولا الملحق به ولا الجمع ولا

стр. 338

الملحق به، وهنا المفرد يشمل المثنى وما عطف عليه. [وَغَيْرَ مُفْرَدِ] بالنصب معطوفٌ على مفردًا، أي ويأتي الخبر حال كونه غيرَ مفرد، والمراد به الجملة سواء كانت الجملة فعلية أو اسمية، وشبه الجملة سواء كان جاراً ومجرواً أو ظرفاً، [فَأَوَّلٌ] الفاء فاء الفصيحة، فأولٌ أي الأسبق في الذكر وهو المفرد [نَحْوُ سَعِيْدٌ مُهْتَدِي] وعادة النحاة أنهم يقررون الشروط بالأمثلة، نحو أي مثل قولك: سعيدٌ وهو مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة ظاهرة في آخره، ومهتدي بإثبات الياء، والأصل أنها تحذف في الوصل فتقول: مهتدٍ، فمهتدي خبر مرفوع ورفعه ضمة مقدرة إما أن تجعلها على الياء التي رجعت بعد حذف التنوين فحينئذٍ يكون الحرف مذكوراً، وإما أن تجعلها على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين عند الوصل، إذًا مهتدي خبر، ونوعه أنه مفرد. ودل بالمثال - مهتدي - أن ضابط المفرد ما ليس جملة ولا شبيهاً بالجملة، لأنه سيذكر غير المفرد مع التمثيل لهما، فقال: وَالثَّانِي قُلْ أَرْبَعَةٌ مَجْرُورُ نَحْوُ العُقُوبَةُ لِمَنْ يَجُورُ وَالظَّرْفُ نَحْوُ الخَيْرُ عِنْدَ أَهْلِنَا وَالفِعْلُ معْ فَاعلِهِ كَقوْلِنَا زَيدٌ أَتَى وَالمُبْتَدَا مَعَ الخَبَرْ كَقَوْلِهِمْ زَيدٌ أَبُوهُ ذُو بَطَرْ [وَالثَّانِي قُلْ أَرْبَعَةٌ مَجْرُورُ] [وَالثَّانِي] الذي هو غير المفرد الذي يقابل المفرد [قُلْ] في عدِّه [أَرْبَعَةٌ] أي أربعة أشياء على التفصيل، وإلا الجملة بقسميها تدخل في قسم واحد سواء كانت جملة فعلية أو جملة إسمية وهو قد جعلهما قسمين، و [أربعةٌ] أي أربعة أشياء،

стр. 339

والتنوين فيه نائب عن المضاف إليه، والتنوين إذا لحق أسماء العدد يكون ككل وبعض من تنوين العوض عن الكلمة، [مَجْرُورُ] إذًا يكون مجروراً والمراد به حرف الجر ومدخوله، [نَحْوُ العُقُوبَةُ لِمَنْ يَجُورُ] ويشترط فيه أن يكون تاماً لا ناقصاً، وكذلك الظرف إذا وقع خبراً، يشترط فيهما أن يكونا تامين، والمراد بالتمام: ما يُفهم معناه بدون متعلقه، بمعنى أنه إذا رُكِّب مع جملة أفاد السامع فائدة تامة كما لو قال: زيدٌ في الدار، ففي الدار، فهمت المراد به من اللفظ أنه كائن وموجود في الدار، زيد عندك فهمت أن المراد بعندك أنه كائن وموجود ومستقر عندك، لكن لو قال: زيد بك لم تحصل به الفائدة، إذًا لا يمكن أن يُفهم الجار والمجرور بك إلا إذا ذكرت المتعلَّق فتقول: زيدٌ راغب أو واثق بك، فراغب أو واثق المحذوف هو متعلق الجار، إذًا ما فُهم معناه دون متعلَّقه فهو جار ومجرور تام، وظرف تام، وإذا لم يفهم إلا بمتعلقه لا بد حينئذٍ من شيء يتمم معناه، فنقول هذا ظرف وجار ومجرور ناقص فلا يصح إيقاع الناقص من النوعين: الظرف والجار والمجرور خبراً عن المبتدأ، [نَحْوُ العُقُوبَةُ لِمَنْ يَجُورُ] نحو أي مثل على تقدير محذوف أي نحو قولك: العقوبة لمن يجور من الجور وهو الظلم، فالعقوبة مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة ظاهرة في آخره، لمن يجور: اللام حرف جر، ومن اسم موصول بمعنى الذي مبني على السكون في محل جر، وإذا وقع الجار والمجرور خبراً، فهل عين الجار والمجرور هو الخبر أو لا؟ قال ابن السراج: الجار والمجرور نفسه هو الخبر، وذهب

стр. 340

أكثر النحاة إلى أنه ليس بخبر بل لا بد من تقدير متعلَّق يتعلق به الجار والمجرور - وفلسفة هذه المسألة قد بينتها في شرح الملحة فمن أرادها فليرجع إليها - لمن يجور: الجار والمجرور متعلق بمحذوف، إذًا عندنا متعلِق بكسر اللام، ومتعلَق بفتح اللام، المتعلَق محذوف واجب الحذف في مثل هذا التركيب، والمتعلِق بكسر اللام هو الجار والمجرور، ومثله الظرف، فنحو: زيدٌ عندك، فالخبر ليس هو عين الظرف، ولا عين الجار والمجرور، بل هو متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يجب حذفه إذا كان عاماً - وأيضاً هذه فُصلت في شرح الملحة - وهذا المحذوف قيل: يقدر اسمًا، وقيل: يقدر فعلاً، يقدر اسماً فنقول: مستقر أوكائن أو ثابت، زيدٌ عندك أي زيدٌ كائن عندك، زيد مستقر عندك، زيد ثابت عندك، زيدٌ حاصل عندك من هذه الألفاظ التي تدل على العموم وعلى الوجود والاستقرار والكينونة، وقيل: بل يقدر فعلاً زيدٌ استقر عندك، زيدٌ كان عندك، زيدٌ ثبت عندك، زيدٌ حصل عندك، وأيهما أولى؟ فيه خلاف بين النحاة، وابن مالك جوز الوجهين ولذلك قال: وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ اوْ بِحَرْفِ جَرْ ... نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتَقِرْ وأخبروا: يعني أوقعوا وليس هو عين الخبر، ولذلك قال: ناوين معنى كائن وهو اسم فاعل، أو استقر وهو فعل، وبعضهم رجح أن يكون اسم فاعل، وبعضهم رجح أن يكون فعلاً. وابن هشام قال في المغنى: والحق أنه يجوز الوجهان؛ لتعارض أصلين، لأن عندنا أصلا وهو أن الأصل في الخبر أن يكون مفرداً، والجار

стр. 341

والمجرور والظرف منصوبان، والناصب له، هو المتعلَّق، في الدار هذا منصوب في المحل كما أن الظرف قد ينصب لفظًا أو محلا، فحينئذٍ المحذوف المتعلَّق قد أحدث النصب، والأصل في العمل هو الفعل، فحصل عندنا تعارض، تعارضَ أصلان كما يقول الفقهاء، بعضهم رجح الأصل أن يكون مفرداً لقرائن ومرجحات، وبعضهم رجح أن يكون فعلا لقرائن ومرجحات، وذكرت هذه المسألة مفصلة أيضاً في شرح الملحة. ثم قال: [وَالظَّرْفُ نَحْوُ الخَيْرُ عِنْدَ أَهْلِنَا] والثاني من أنواع الخبر الظرف، وذلك نحو قولك: الخير عند أهلنا، وإعرابه: الخير مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة ظاهرة في آخره، وعندَ منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف واجب الحذف، إذًا هل عند هو الخبر؟ نقول: لا بل هو المتعلِّق، وبعضهم يجعله المتعلَّق مع المتعلِّق، فإذا قيل: التقدير الخير كائن عندك، كائن عندك كله الخبر أم كائن فقط؟ فيه قولان: والأصح أنه المتعلَّق فقط، بدليل أن المتعلَّق الخاص -سواء ذكر أو حذف للعلم به- هو الخبر، لو قال قائل زيدٌ واثق بك، زيدٌ مبتدأ واثق: خبر، بك: جار ومجرور، متعلق بواثق، وأيهما الخبر؟ بلا خلاف أن واثق هو الخبر، وليس واثق بك كله الخبر، فحينئذٍ لماذا نفرق بين متماثلين؟! فنقول: زيد كائن عندك كلها الخبر، وزيد واثق بك واثق هو الخبر! نقول: لا فرق، فطرداً للباب نقول: المتعلَّق المحذوف - سواء كان واجب الحذف كما إذا كان عاماً أو جائز الحذف فيما إذا دل عليه قرينة - المتعلَّق وحده هو

стр. 342

الخبر، وأن المذكور المتعلِّق متمم لمعناه، فعند: منصوب على الظرفية، والعامل فيه محذوف، والعامل المحذوف هو عينه الخبر وعند مضاف وأهلنا مضاف إليه. ثم قال: [وَالفِعْلُ مَعْ فَاعِلِهِ] هذا هو النوع الثالث من أنواع الخبر، الخبر يقع جملة سواء كانت جملة فعلية أو جملة اسمية، وهذه الجملة التي تقع خبراً عن المبتدأ إما أن تكون هي نفس المبتدأ في المعنى أو لا، فإن كانت هي نفس المبتدأ في المعنى فلا تحتاج إلى رابط يربطها بالمبتدأ، وإن لم تكن هي نفس المبتدأ في المعنى، فحينئذٍ تكون أجنبية منفصلة، فإذا كانت أجنبية منفصلة فلا بد من رابط يربطها بالمبتدأ؛ لأن جملة الخبر هي جزء من جملة المبتدأ؛ لأن عندنا جملتين: الأولى: زيدٌ قام أبوه، وهذه كلها تسمى جملة كبرى وهي التي وقع خبرها جملة، والجملة الأخرى: قام أبوه التي وقعت خبرا عن زيد، وهذه تسمى جملة صغرى لأنها وقعت خبراً عن المبتدأ، وحينئذٍ إذا أردت أن تصل بين جملتين وتجعلهما في سياق واحد، لا يصح أن تكون الجملة التي أوقعتها خبراً عن المبتدأ أن تكون أجنبية عنها، إذًا لا بد من رابط يربط بينهما بين المبتدأ والجملة التي وقعت خبراً سواء كانت الجملة فعلية أو اسمية، والرابط هنا واحد من أربعة أمور: الأول: أن يكون ضميراً سواء كان ظاهراً أو مقدراً. الثاني: أن يكون اسم إشارة. الثالث: إعادة المبتدأ بلفظه.

стр. 343

الرابع: أن يكون داخلاً في عموم الجملة التي وقعت خبراً. أما الضمير فهو الرابط الأول الذي يربط بين الجملة الفعلية، والجملة الاسمية بالمبتدأ سواء كان ملفوظاً به أو مقدراً، وهو أصل الروابط، نحو قولك: زيد قام أبوه، زيدٌ مبتدأ أول، وقام فعل ماضٍ، وأبوه فاعل، والجملة الفعلية من الفعل وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط الضمير في أبوه، فإنه يعود على زيد، فحصل الربط بين المبتدأ وجملة الخبر، كأنك قلت: زيدٌ قام أبوزيدٍ فأعدت المبتدأ بإرجاع الضمير إليه، ونحو: السَّمنُ منوانِ بدرهم، السمن مبتدأ أول، ومنوان مبتدأ ثانٍ، وبدرهم جار ومجرور متعلق بمحذوف واجب الحذف خبر عن المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والرابط ضمير محذوف، وتقديره السمن منوان منه أي من السمن، وقيل: عليه يحمل قوله جل وعلا: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [النساء:٩٥] بالرفع قراءة سبعية، وكلٌ مبتدأ، ووعد: فعل ماضٍ، ولفظ الجلالة فاعل، والحسنى مفعول به، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط محذوف، وتقديره وكل وعده الله الحسنى. وأما اسم الإشارة فهو الرابط الثاني الذي يربط بين الجملة الاسمية بالمبتدأ، نحو قوله تعالى: (وََلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر) [الأعراف:٢٦] على أحد الوجوه، فلا يتعين هذا الإعراب لكنه مثال ويصح الإعراب على ما ذكره الكثير، ولباس مبتدأ أول، وهو

стр. 344

مضاف والتقوى مضاف إليه، وذلك مبتدأ ثانٍ، وخير خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والرابط بين الجملة الاسمية التي وقعت خبرًا والمبتدأ هو اسم الإشارة ذا، لأنه في نية التكرار لأن ذا اسم إشارة، والمشار إليه لباس، إذًا هو داخلٌ في الجملة الخبرية، والمراد بالرابط أن يكون المبتدأ موجوداً معنىً في الجملة الفعلية أو الجملة الاسمية التي وقعت خبراً، وهنا قال: ذلك خير، والمشار إليه هو اللباس، فحينئذٍ أعيد بالمعنى فصار المبتدأ داخلاً في الجملة الاسمية فحصل الربط بينهما. وأما إعادة المبتدأ بلفظه فهو الرابط الثالث الذي يربط بين الجملة الاسمية بالمبتدأ، نحو قوله تعالى: (الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ) [القارعة] فالقارعة مبتدأ أول، ما القارعة: ما اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثانٍ، والقارعة خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والرابط هو إعادة المبتدأ بلفظه، ومثله قوله تعالى: (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ) [الحاقة]. وأما كونه داخلاً في عموم الجملة التي وقعت خبراً، فهو الرابط الرابع الذي يربط بين الجملة الاسمية بالمبتدأ، وهذا في نحو: زيدٌ نعم الرجل - على قولٍ- فزيدٌ مبتدأ، ونعم فعل ماضٍ، والرجل فاعل، والجملة من الفعل وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط

стр. 345

هو العموم، لأن أل في فاعل نِعْمَ -كما ذكرناه في نعم المرأة- للجنس، فحينئذٍ يكون زيد داخلاً في الجنس، إذا قيل: زيد نعم الرجل، فزيدٌ رجل، إذًا هو داخل في مفهوم قوله الرجل فأعيد مرة أخرى بالمعنى. وحصل الربط بالعموم لأن زيدًا فرد من أفراد الرجل، فدخل في قوله الرجل وصار جزءاً من مفهوم الجملة الفعلية التي وقعت خبراً عن المبتدأ وهذا هو حقيقة الربط. إذًا لا بد من رابط يربط الجملة الفعلية والجملة الاسمية بالمبتدأ، وهذا فيما إذا كانت الجملة أجنبية عن المبتدأ، أما إذا كانت الجملة هي عين المبتدأ في المعنى، فلا تحتاج إلى رابط، وذلك نحو قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:١] هو ضمير الشأن مبتدأ، ولفظ الجلالة مبتدأ ثانٍ، وأحدٌ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، ولا يوجد رابط لا ضمير ولا اسم إشارة ولا إعادة المبتدأ بلفظه ولا عموم، لأن الجملة جملة الخبر هي عين المبتدأ في المعنى فلا تحتاج إلى رابط. ومثله: كلمةُ التوحيد لا إله إلا الله، فكلمة التوحيد مبتدأ، ولا إله إلا الله بعد إعرابها تفصيلاً تقول: في محل رفع خبر المبتدأ، ولا يوجد رابط لأننا لا نفتقر إلى جعل المبتدأ جزءاً وفرداً من أفراد الجملة التي وقعت خبراً عن المبتدأ؛ لأنها عينها في المعنى، فكلمة التوحيد هي نفسها لا إله إلا الله، حينئذٍ لا نحتاج إلى رابط يربطها بالمبتدأ. قال الناظم: [وَالفِعْلُ مَعْ فَاعِلِهِ كَقَوْلِنَا زَيدٌ أَتَى] زيدٌ مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، لأنه اسم ظاهر

стр. 346

وهو مفرد فيرفع بالضمة على الأصل، وأتى فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر، لأنه غير صحيح الآخر، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على زيد، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، وهي أجنبية عنه فلا بد من رابط، وهو الضمير المستتر في الفعل. ثم قال: [وَالمُبْتَدَا مَعَ الخَبَرْ] يعني الجملة الاسمية المؤلفة من المبتدأ والخبر تقع خبراً عن المبتدأ، [كَقَوْلِهِمْ زَيدٌ أَبُوهُ ذُو بَطَرْ] كقولهم مثالا للجملة الاسمية التي تقع خبراً عن المبتدأ: زيدٌ أبوه ذوبطر، زيدٌ مبتدأ أول، وأبوه مبتدأ ثانٍ، وذو بطر ذو بمعنى صاحب أي صاحب بطرٍ، وهي من الأسماء الستة حينئذٍ يكون خبراً للمبتدأ الثاني مرفوعاً، ورفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الستة، وأبوه ذو بطر الجملة المؤلفة من المبتدأ والخبر في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وهي أجنبية، والرابط هو الضمير في أبوه. والحاصل أن الخبر هو المسند الذي تتم به مع المبتدأ فائدة، ثم ينقسم إلى مفرد، وغير مفرد، والمفرد هو ما ليس جملة ولا شبيهاً بالجملة، وغير المفرد قسَّمه الناظم هنا تبعاً للأصل إلى أربعة أشياء فالأول: الجار والمجرور، والثاني: الظرف، والثالث: الفعل مع فاعله، والرابع: المبتدأ مع خبره، ولا بد من متعلَّق للجار والمجرور، فالجار والمجرور متعلِّق بمحذوف، والمحذوف هو الخبر. ثم الجملة بنوعيها لا بد من رابط يربطها بالمبتدأ إن كانت أجنبية عنه، وإن كانت هي عين المبتدأ فلا تحتاج إلى رابط.

стр. 347

عرفنا أن المبتدأ والخبر مرفوعان، وقد يسلبان هذا الحكم، فيدخل على المبتدأ ما يسلبه حكمه وهو الرفع، ويدخل على الخبر ما يسلبه حكمه وهو الرفع، فحينئذٍ المسلوب هو حكم المبتدأ والخبر، فالناسخ داخلٌ على الجملة لا على عين المبتدأ فقط، ولا على عين الخبر فقط، ولذلك يقال: نواسخ الجملة الاسمية، بمعنى أنَّ كان وأخواتها، أو إن وأخواتها، أو ظن وأخواتها، هذه تدخل على الجملة فلذلك تؤثر أثرين، وإلا لو كانت داخلة على المبتدأ فقط لما أثرت في الخبر. هذا ما يسمى بأبواب النواسخ، والنواسخ جمع ناسخ، وهو مأخوذ من النسخ، وهو في اللغة بمعنى الرفع والإزالة. وهذا مناسب للمعنى الاصطلاحي عند النحاة، يقال: نسخت الشمس الظل بمعنى أزالته، واصطلاحاً: ما يرفع حكم المبتدأ والخبر. ما اسم موصول بمعنى الذي يصدق على الفعل والحرف، أي فعل أو حرف يرفع حكم المبتدأ والخبر، إذًا دخوله على الجملة الاسمية، لا على المبتدأ فقط، هذه النواسخ منها ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر وهو كان وأخواتها، ومنها ما ينصب المبتدأ ويرفع الخبر وهو باب إن وأخواتها، ومنها ما ينصب المبتدأ والخبر وهو باب ظن وأخواتها، وكلها تسمى أبواب النواسخ، والرفع الذي تحدثه كان بعد دخولها على المبتدأ ليس هو عين الرفع الذي كان قبل دخول كان، تقول: كان زيدٌ قائماً، أصل التركيب زيدٌ قائم دخلت كان على المبتدأ والخبر، فقيل: كان زيدٌ قائماً، فحصل النسخ للجزأين، نُسخ الرفع الذي وُجد بالابتداء، ثم جُلب إلى الاسم رفعٌ جديدٌ بكان، لأن زيدٌ قائم زيدٌ مرفوع بالابتداء وهو مبتدأ، والعامل فيه عامل

стр. 348

معنوي، فإذا قيل: كان زيدٌ قائماً، حينئذٍ نقول: دخول كان على المبتدأ سلبه حكم الرفع الذي أحدث بالابتداء فأتى برفع جديد أحدثه عامل لفظي وهو كان، وقائماً هذا منصوب بكان، واتفق النحاة البصريون والكوفيون على أن كان نصبت الخبر، واختلفوا في اسمها هل هو مرفوع برفعه السابق أم أن كان أحدثت فيه رفعًا جديدًا؟ والثاني هو الصواب، كذلك إنَّ تدخل على المبتدأ والخبر، فتنصب المبتدأ وهذا باتفاق البصريين والكوفيين، وترفع الخبر، وهذا الرفع ليس هو عين الرفع الذي أحدثه المبتدأ في الخبر، لأن زيدٌ قائمٌ، قائمٌ خبر وهو مرفوع بالمبتدأ، إذا قيل: إن زيداً قائمٌ حدث النسخ والإزالة عند البصريين لأن الرفع الذي كان قبل دخول إن محدث بالمبتدأ، لأن العامل يؤثر في المعنى، فالضمة ولو اشتركت في مواضع فحينئذٍ يتعين أن تحمل على معنىً اقتضاها العامل، فزيدٌ قائمٌ الضمة في قائمٌ اقتضاها المبتدأ، وهنا إن زيداً قائمٌ هذه الضمة ليست هي عين الضمة التي قبل دخول إن وهذا مذهب البصريين، والكوفيون على أن الرفع على ما هو عليه قبل دخول العامل، فحينئذٍ تكون إنَّ قد نصبت ولم ترفع، وأما ظن وأخواتها فالنسخ قد حصل من رفع الجزأين إلى نصبهما، تقول: ظننت زيداً قائماً دخلت ظن بعد استيفاء فاعلها فنصبت الجزأين. ويسمى الأول في باب إن وأخواتها اسم إن والثاني خبر إن، ويسمى الأول في باب كان اسم كان والثاني خبر كان، ويسمى الأول أيضاً فاعلاً مجازاً والثاني مفعولاً مجازاً، ويسمى الأول في باب ظن مفعولاً أولا والثاني مفعولاً ثانيا باتفاق.

стр. 349

بَابُ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا هذا شروع من الناظم رحمه الله تعالى في أبواب النواسخ، والنواسخ: جمع ناسخ، مشتق من النسخ وهو لغة: الرفع والإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته، وهذا المعنى مناسب للنواسخ التي تكون في هذا الموضع وهي نواسخ المبتدأ والخبر، واصطلاحاً الناسخ هنا: ما يرفع حكم المبتدأ والخبر، وهو على ثلاثة أنواع كما سبق بيانه، وهذه النواسخ قسمان: أفعال، وحروف، يعني منها ما هو فعل، ومنها ما هو حرف. باب كَانَ وَأَخَوَاتِهَا كلها أفعال باتفاق إلا ليس، فالجمهور على أنها فعل، وقيل: حرف، وهو مذهب أبي على الفارسي، والصواب: أنها فعل بدليل دخول تاء الفاعل عليها، قال تعالى: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) [الغاشية:٢٢] لست: فالتاء تاء الفاعل، ولا تتصل إلا بالفعل، فحينئذٍ نحكم على أن ليس فعل على الصحيح. قدَّم المصنف هنا باب كان وأخواتها لأنها أفعال كما ذكرنا، ثم ثنى بإن وأخواتها لأنها أبقت أحد ركني الإسناد وهو الخبر كما في نحو: إن زيداً قائمٌ، فقائم في اللفظ كأنه خبر قبل دخول إن، وأما ظن وأخواتها فهي قد رفعت حكم المبتدأ والخبر من الرفع إلى النصب، نحو: ظننت زيداً قائماً فيعربان مفعولين كما سيأتي. قال: باب كَانَ: أصلها كَوَنَ، فالألف منقلبة عن واو، ووزنه فَعَلَ على الصحيح.

стр. 350

لأن مضارعه يَكْوُن على وزن يَفعُل، فحينئذٍ إذا كان يَفْعُل لا بد أن يكون ماضيه إما من باب فَعَل أو فَعُل، ويمتنع أن يكون من باب فَعُل فيتعين أن يكون من باب فَعَل، وهكذا إذا أشكل عليك معرفة الصيغة أو الباب، تنظر إلى المضارع فنقول: يكون أصله يَكْوُن على وزن يَفْعُل، ويَفْعُل في لغة العرب لا يأتي إلا من باب فَعَل يعني ماضيه فَعَل بفتح العين أو فَعُل بضم العين، ويكون من باب فَعُل إذا كان من الطبائِع والغرائز ويكون لازماً، وهنا كان ليست من الطبائع ولا من الغرائز، فتعين أن تكون من باب فَعَل. إذًا أصل كان كَوَنَ، والألف منقلبة عن الواو، بدليل المصدر قال الشاعر: بِبَذْلٍ وَحِلْمٍ سَادَ فِي قَوْمِهِ الفَتَى ... وَكَوْنُكَ إِيَّاهُ عَلَيكَ يَسِيرُ فصرح بالمصدر، وأيضًا الفعل المضارع يكون، هذه الواو هي الألف المنقبلة في كان. بَابَ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا: جمع أخت، والمراد به النظائر، يعني: باب كان ونظائرها في العمل، وإنما خص كان دون غيرها لأن كان أم الباب، وسبق أن الشيء إذا قيل: بأنه أم الباب معناه أنه اختص بأحكام ينفرد بها عن غيره، فحينئذٍ كان تنفرد بأحكام لا يشاركها غيرها من أخواتها، كحذفها مع اسمها بعد إِنْ ولو كثيراً، كذلك تزاد في حشو، وتحذف نونها من مضارعها بشرطه، إذًا لها أحكام تختص بها كان دون أخواتها.

стр. 351

باب كَانَ أي الناقصة، وكذلك أخواتها نواقص، ونقصانها عند الجمهور لسلبها دلالتها على الحدث، فهي فعل ناقص لأنها تدل على الزمن فقط دون الحدث، وتكون تامة وعند الجمهور أن التمام دلالتها على الحدث والزمن كقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) [البقرة:٢٨٠] أي وإن وجد وحصل ذو عسرة، فكان هذه تامة لأنها دلت على حدث وزمن، إذا سُلبت الحدث واختصت بالزمن فهي الناقصة، نحو: كان زيد قائماً، فكان هنا فعل ناقص بمعنى أنه سلب دلالته على الحدث، والأصل في الفعل أنه يدل على الحدث، بل لم يكن فعلاً إلا لدلالته على الحدث والزمن. فكان الناقصة المراد بها في أصل ضعها أنها دالة على اتصاف الاسم بمضمون الخبر في الزمن الماضي فقط، والصحيح أن النقصان والتمام باعتبار احتياجها وافتقارها إلى المنصوب، إذا اكتفت بمرفوعها ولم تطلب منصوباً فهي تامة، قال ابن مالك: وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وكان التامة إنما كانت تامة لاكتفائها بالمرفوع يعنى تطلب مرفوعاً فقط، كقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) [البقرة:٢٨٠] ولا خبر لها لأنها لم تطلب منصوباً، ونفسرها بمعنى وجد وحصل ونحو ذلك، أي وإن وجد ذو عسرة أو حصل أو ثبت ذو عسرة، فحينئذٍ اكتفت بالمرفوع ولم تطلب منصوباً, أما كان الناقصة نحو: كان زيد قائماً لم تكتفِ بمرفوعها بل طلبت منصوباً، وإذا

стр. 352

أُطلقت كان فالمراد بها الناقصة، إذًا باب كَانَ أي كان الناقصة لأنها هي التي تدخل على المبتدأ والخبر، وهي من النواسخ بخلاف التامة، والنوع الثالث من أنواع كان: كان الزائدة وهذه لا تحتاج إلى مرفوع ولا إلى منصوب. فحينئذٍ تكون كان باعتبار المرفوع والمنصوب على ثلاثة أقسام: تامة وهذه تفتقر إلى مرفوع فقط، وناقصة وهذه تفتقر إلى مرفوع ومنصوب، وزائدة وهذه لا تحتاج لا إلى مرفوع ولا إلى منصوب. وزيادة كان خلاف القياس لأن القياس المطرد عند أهل اللغة أن الذي يزاد هو الحرف، وأما الفعل والاسم فالأصل عدم الزيادة؛ إلا ما ثبت باستقراءٍ وكان مطرداً في لغة العرب مثل كان الزائدة، ولكن زيادتها مقيَّدة بأن تزاد في حشو يعني في أثناء الكلام، ولا تزاد أولاً ولا آخراً فلا يقال في مثل: كان زيد قائمًا، أنَّ كان هذه زائدة. أو زيد قائم كان، أنها زائدة بل لا بد أن تكون في أثناء الكلام، ولا تزاد إلا بلفظ الماضي، وأن تزاد بين شيئين متلازمين، ليسا جاراً ولا مجروراً، كالصفة مع الموصوف تقول: جاء زيدٌ كان العالمُ، وقعت كان زائدةً بين الموصوف وصفته وهذا مسموع، وسُمع أيضًا: لم يوجد كان مثلُك، زيدت بين الفعل والفاعل، وبين المبتدأ والخبر: زيد كان قائم، وبين الفعل ومفعوله، إلا أنه لا يقاس إلا في موضع واحد وهو صيغة التعجب كما مثل ابن مالك ﵀ بذلك: وَقَدْ تُزَادُ كَانَ فِي حَشْوٍكَمَا ... كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا

стр. 353

ما كان أحسن زيداً فأصل التركيب: ما أحسن زيداً، فزيدت كان بين ما التعجبية وفعل التعجب وهذا قياس مطرد، وما عداه فهو مسموع، يعني ليس لك أن تزيد كان إلا في هذا الموضع فقط، وما عداه إنما يكون مبناه على السماع والنقل عن لغة العرب، كذلك زيادتها بصيغة الفعل المضارع. قال الناظم ﵀: وَرَفْعُكَ الاِسْمَ وَنَصْبُكَ الخَبَرْ ... بِهَذِهِ الأَفْعَالِ حُكْمٌ مُعْتَبَرْ [وَرَفْعُكَ الاِسْمَ] الواو للاستئناف البياني، ورفع مبتدأ، والاسم مفعولٌ به، والناصب له المبتدأ لكونه مصدراً؛ بعد ما أضيف للذي يحتاجه وهو الفاعل نصب المفعول به، ورفعك أنت، فالكاف في محل رفع فاعل وهو مضاف، فله إعرابان من جهتين، من جهة كونه مضافاً إليه فهو في محل جر، ومن جهة كونه فاعلاً فهو في محل رفع، فله محلان جرٌّ ورفعٌ، جرٌّ لأنه مضاف إليه، ورفع لأنه فاعل. [وَنَصْبُكَ الخَبَرْ] يقال فيه ما قيل في الأول، والخبر مفعول به منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الوقف. [بِهَذِهِ الأَفْعَالِ] الجار والمجرور متعلق بالمبتدأ، [حُكْمٌ مُعْتَبَرْ] عند النحاة، لأنه وافق ما جاء به اللسان العربي، أما رفع الاسم فهو باتفاق البصريين والكوفيين، وأما نصب الخبر فهو الصحيح من مذهب البصريين، لأن قولك: كان زيد قائماً، كان دخلت على المبتدأ وهو مرفوع، وقائمٌ بالرفع على أنه خبر، دخلت كان ما الذي أحدثته؟ قال الناظم: [وَرَفْعُكَ الاِسْمَ] الاسم الذي كان مبتدأ قبل دخول

стр. 354

كان وهو مرفوع، نقول: دخلت كان فجددت له رفعاً، فالرفع الذي بعد دخول كان ليس هو عين الرفع الذي قبل دخولها، بدليل أن قولك: زيدٌ قائمٌ، زيد مرفوع بالابتداء وهو عامل معنوي، ثم دخلت كان فقلت: كان زيد قائمًا، فزيد اسم كان مرفوع بكان، وفرق بين أن يكون الرفع أُحدث بعامل معنوي وهو الابتداء، وأن يكون بعامل لفظي كالفعل وهو كان، حينئذٍ نقول: كان زيدٌ .. زيدٌ مرفوع بالضمة والضمة ليست هي عين الضمة التي قبل دخول كان، لأنهما وإن اشتبها في اللفظ والنطق إلا أن الفرق بينهما في الحقيقة. لأن الضمة التي يحدثها الفعل على كون الاسم فاعلاً ليست هي عين الضمة التي يحدثها الفعل على أنه نائب فاعل، فنحو: ضَرَب زيدٌ، وضُرِب زيدٌ، زيدٌ مرفوع في الموضعين = وليست الضمة واحدة، لأن التي أحدثها العامل على أنه فاعل مغايرة عن التي أحدثها على أنه نائب فاعل، إذًا الضمة بعد دخول كان غير التي كانت قبل دخولها. والكوفيون أبوا ذلك، وقالوا: بل هو باقٍ على أصله قبل دخول كان. وأما الخبر فاتفقوا على أنه منصوب بكان، ويلزم على مذهب الكوفيين أن يوجد عامل ينصب ولا يرفع، وهذا لا نظير له، فإذا جعلت كان ناصبة لا رافعة أوقعنا في محظور، ونقول: حمل الشيء على ماله نظيرٌ أولى من حمله على ما لا نظير له، وحمل كان وهي رافعة وناصبة على غيرها كـ (ضرب) مثلاً أولى من حملها على أنها عامل ينصب ولا يرفع، الحاصل: أن قوله: [وَرَفْعُكَ الاِسْمَ] هذا على مذهب البصريين، [وَنَصْبُكَ

стр. 355

الخَبَرْ] هذا باتفاق بين النحاة. ثم قال ﵀: كَانَ وَأَمْسَى ظَلَّ بَاتَ أَصْبَحَا ... أَضْحَى وَصَارَ لَيْسَ مَعْ مَابَرِحَا مَازَالَ مَا انْفَكَّ وَمَا فَتِئَ مَا ... دَامَ وَمَا مِنْهَا ... تَصَرَّفَ احْكُمَا لَهُ بِمَا لَهَا كَكَانَ قَائِمَا ... زَيدٌ وَكُنْ بَرًّا وَأَصْبِحْ ... صَائِمَا شرع في بيان هذه الأفعال التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهذه الأفعال باستقراء كلام العرب ثلاثة عشرة فعلا - هذا المشهور منها وقد زيد عليها- وكلها ذكرها الناظم هنا. وهي كان وأمسى وظل وبات وأصبح وأضحى وليس وبرح وزال وانفك وفتيء ودام، فهذه ثلاثة عشر فعلا، كلها ترفع المبتدأ على أنه اسم لها، ويسمى فاعلا مجازاً، وتنصب الخبر -خبر المبتدأ- على أنه خبر لها، ويسمى مفعولاً به مجازاً، فيصح أن يقال: كان زيد قائماً، زيد: اسم كان، أو فاعل لكان، وقائما: خبر كان أو مفعول به لكان، لكنه مجاز، تشبيهاً لكان بـ (ضرب زيد عمراً). هذه الأفعال الثلاث عشرة من حيث العمل ثلاثة أقسام: الأول: يرفع المبتدأ وينصب الخبر بلا شرط، وهذه ثمانية أفعال وهي: كان وأمسى وظل وبات وأصبح وأضحى وصار وليس. الثاني: ما يعمل بشرط أن يتقدم عليه نفي أو شبه النفي، والمراد بشبه النفي هنا النهي، والدعاء، ولا يدخل معنا الاستفهام، إذًا لا بد من أن يتقدم هذا الفعل الخاص - من أجل أن يرفع المبتدأ وينصب الخبر- نفي أو شبه النفي، وهذه أربعة أفعال وهي: برح،
следующие страницы →