← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36087

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (649 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

باب كَانَ أي الناقصة، وكذلك أخواتها نواقص، ونقصانها عند الجمهور لسلبها دلالتها على الحدث، فهي فعل ناقص لأنها تدل على الزمن فقط دون الحدث، وتكون تامة وعند الجمهور أن التمام دلالتها على الحدث والزمن كقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) [البقرة:٢٨٠] أي وإن وجد وحصل ذو عسرة، فكان هذه تامة لأنها دلت على حدث وزمن، إذا سُلبت الحدث واختصت بالزمن فهي الناقصة، نحو: كان زيد قائماً، فكان هنا فعل ناقص بمعنى أنه سلب دلالته على الحدث، والأصل في الفعل أنه يدل على الحدث، بل لم يكن فعلاً إلا لدلالته على الحدث والزمن. فكان الناقصة المراد بها في أصل ضعها أنها دالة على اتصاف الاسم بمضمون الخبر في الزمن الماضي فقط، والصحيح أن النقصان والتمام باعتبار احتياجها وافتقارها إلى المنصوب، إذا اكتفت بمرفوعها ولم تطلب منصوباً فهي تامة، قال ابن مالك: وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وكان التامة إنما كانت تامة لاكتفائها بالمرفوع يعنى تطلب مرفوعاً فقط، كقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) [البقرة:٢٨٠] ولا خبر لها لأنها لم تطلب منصوباً، ونفسرها بمعنى وجد وحصل ونحو ذلك، أي وإن وجد ذو عسرة أو حصل أو ثبت ذو عسرة، فحينئذٍ اكتفت بالمرفوع ولم تطلب منصوباً, أما كان الناقصة نحو: كان زيد قائماً لم تكتفِ بمرفوعها بل طلبت منصوباً، وإذا

стр. 352

أُطلقت كان فالمراد بها الناقصة، إذًا باب كَانَ أي كان الناقصة لأنها هي التي تدخل على المبتدأ والخبر، وهي من النواسخ بخلاف التامة، والنوع الثالث من أنواع كان: كان الزائدة وهذه لا تحتاج إلى مرفوع ولا إلى منصوب. فحينئذٍ تكون كان باعتبار المرفوع والمنصوب على ثلاثة أقسام: تامة وهذه تفتقر إلى مرفوع فقط، وناقصة وهذه تفتقر إلى مرفوع ومنصوب، وزائدة وهذه لا تحتاج لا إلى مرفوع ولا إلى منصوب. وزيادة كان خلاف القياس لأن القياس المطرد عند أهل اللغة أن الذي يزاد هو الحرف، وأما الفعل والاسم فالأصل عدم الزيادة؛ إلا ما ثبت باستقراءٍ وكان مطرداً في لغة العرب مثل كان الزائدة، ولكن زيادتها مقيَّدة بأن تزاد في حشو يعني في أثناء الكلام، ولا تزاد أولاً ولا آخراً فلا يقال في مثل: كان زيد قائمًا، أنَّ كان هذه زائدة. أو زيد قائم كان، أنها زائدة بل لا بد أن تكون في أثناء الكلام، ولا تزاد إلا بلفظ الماضي، وأن تزاد بين شيئين متلازمين، ليسا جاراً ولا مجروراً، كالصفة مع الموصوف تقول: جاء زيدٌ كان العالمُ، وقعت كان زائدةً بين الموصوف وصفته وهذا مسموع، وسُمع أيضًا: لم يوجد كان مثلُك، زيدت بين الفعل والفاعل، وبين المبتدأ والخبر: زيد كان قائم، وبين الفعل ومفعوله، إلا أنه لا يقاس إلا في موضع واحد وهو صيغة التعجب كما مثل ابن مالك ﵀ بذلك: وَقَدْ تُزَادُ كَانَ فِي حَشْوٍكَمَا ... كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا

стр. 353

ما كان أحسن زيداً فأصل التركيب: ما أحسن زيداً، فزيدت كان بين ما التعجبية وفعل التعجب وهذا قياس مطرد، وما عداه فهو مسموع، يعني ليس لك أن تزيد كان إلا في هذا الموضع فقط، وما عداه إنما يكون مبناه على السماع والنقل عن لغة العرب، كذلك زيادتها بصيغة الفعل المضارع. قال الناظم ﵀: وَرَفْعُكَ الاِسْمَ وَنَصْبُكَ الخَبَرْ ... بِهَذِهِ الأَفْعَالِ حُكْمٌ مُعْتَبَرْ [وَرَفْعُكَ الاِسْمَ] الواو للاستئناف البياني، ورفع مبتدأ، والاسم مفعولٌ به، والناصب له المبتدأ لكونه مصدراً؛ بعد ما أضيف للذي يحتاجه وهو الفاعل نصب المفعول به، ورفعك أنت، فالكاف في محل رفع فاعل وهو مضاف، فله إعرابان من جهتين، من جهة كونه مضافاً إليه فهو في محل جر، ومن جهة كونه فاعلاً فهو في محل رفع، فله محلان جرٌّ ورفعٌ، جرٌّ لأنه مضاف إليه، ورفع لأنه فاعل. [وَنَصْبُكَ الخَبَرْ] يقال فيه ما قيل في الأول، والخبر مفعول به منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الوقف. [بِهَذِهِ الأَفْعَالِ] الجار والمجرور متعلق بالمبتدأ، [حُكْمٌ مُعْتَبَرْ] عند النحاة، لأنه وافق ما جاء به اللسان العربي، أما رفع الاسم فهو باتفاق البصريين والكوفيين، وأما نصب الخبر فهو الصحيح من مذهب البصريين، لأن قولك: كان زيد قائماً، كان دخلت على المبتدأ وهو مرفوع، وقائمٌ بالرفع على أنه خبر، دخلت كان ما الذي أحدثته؟ قال الناظم: [وَرَفْعُكَ الاِسْمَ] الاسم الذي كان مبتدأ قبل دخول

стр. 354

كان وهو مرفوع، نقول: دخلت كان فجددت له رفعاً، فالرفع الذي بعد دخول كان ليس هو عين الرفع الذي قبل دخولها، بدليل أن قولك: زيدٌ قائمٌ، زيد مرفوع بالابتداء وهو عامل معنوي، ثم دخلت كان فقلت: كان زيد قائمًا، فزيد اسم كان مرفوع بكان، وفرق بين أن يكون الرفع أُحدث بعامل معنوي وهو الابتداء، وأن يكون بعامل لفظي كالفعل وهو كان، حينئذٍ نقول: كان زيدٌ .. زيدٌ مرفوع بالضمة والضمة ليست هي عين الضمة التي قبل دخول كان، لأنهما وإن اشتبها في اللفظ والنطق إلا أن الفرق بينهما في الحقيقة. لأن الضمة التي يحدثها الفعل على كون الاسم فاعلاً ليست هي عين الضمة التي يحدثها الفعل على أنه نائب فاعل، فنحو: ضَرَب زيدٌ، وضُرِب زيدٌ، زيدٌ مرفوع في الموضعين = وليست الضمة واحدة، لأن التي أحدثها العامل على أنه فاعل مغايرة عن التي أحدثها على أنه نائب فاعل، إذًا الضمة بعد دخول كان غير التي كانت قبل دخولها. والكوفيون أبوا ذلك، وقالوا: بل هو باقٍ على أصله قبل دخول كان. وأما الخبر فاتفقوا على أنه منصوب بكان، ويلزم على مذهب الكوفيين أن يوجد عامل ينصب ولا يرفع، وهذا لا نظير له، فإذا جعلت كان ناصبة لا رافعة أوقعنا في محظور، ونقول: حمل الشيء على ماله نظيرٌ أولى من حمله على ما لا نظير له، وحمل كان وهي رافعة وناصبة على غيرها كـ (ضرب) مثلاً أولى من حملها على أنها عامل ينصب ولا يرفع، الحاصل: أن قوله: [وَرَفْعُكَ الاِسْمَ] هذا على مذهب البصريين، [وَنَصْبُكَ

стр. 355

الخَبَرْ] هذا باتفاق بين النحاة. ثم قال ﵀: كَانَ وَأَمْسَى ظَلَّ بَاتَ أَصْبَحَا ... أَضْحَى وَصَارَ لَيْسَ مَعْ مَابَرِحَا مَازَالَ مَا انْفَكَّ وَمَا فَتِئَ مَا ... دَامَ وَمَا مِنْهَا ... تَصَرَّفَ احْكُمَا لَهُ بِمَا لَهَا كَكَانَ قَائِمَا ... زَيدٌ وَكُنْ بَرًّا وَأَصْبِحْ ... صَائِمَا شرع في بيان هذه الأفعال التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهذه الأفعال باستقراء كلام العرب ثلاثة عشرة فعلا - هذا المشهور منها وقد زيد عليها- وكلها ذكرها الناظم هنا. وهي كان وأمسى وظل وبات وأصبح وأضحى وليس وبرح وزال وانفك وفتيء ودام، فهذه ثلاثة عشر فعلا، كلها ترفع المبتدأ على أنه اسم لها، ويسمى فاعلا مجازاً، وتنصب الخبر -خبر المبتدأ- على أنه خبر لها، ويسمى مفعولاً به مجازاً، فيصح أن يقال: كان زيد قائماً، زيد: اسم كان، أو فاعل لكان، وقائما: خبر كان أو مفعول به لكان، لكنه مجاز، تشبيهاً لكان بـ (ضرب زيد عمراً). هذه الأفعال الثلاث عشرة من حيث العمل ثلاثة أقسام: الأول: يرفع المبتدأ وينصب الخبر بلا شرط، وهذه ثمانية أفعال وهي: كان وأمسى وظل وبات وأصبح وأضحى وصار وليس. الثاني: ما يعمل بشرط أن يتقدم عليه نفي أو شبه النفي، والمراد بشبه النفي هنا النهي، والدعاء، ولا يدخل معنا الاستفهام، إذًا لا بد من أن يتقدم هذا الفعل الخاص - من أجل أن يرفع المبتدأ وينصب الخبر- نفي أو شبه النفي، وهذه أربعة أفعال وهي: برح،

стр. 356

وزال، وانفك، وفتئ، هذه الأربعة لا تعمل عمل كان إلا بشرط أن يتقدمها نفي أو شبه النفي، فالنفي: نحو قوله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [هود:١١٨] يزالون مضارع زال، ويعمل عمل زال التي بصيغة الماضي - كما سيأتي - وَلا يَزَالُونَ: لا حرف نفي، يزالون: فعل مضارع ناقص، لأنه مضارع زال، وزال من أخوات كان الناقصة - ولا بد من كلمة ناقص، لتبين أن يزال يطلب اسماً لا فاعلاً، ويطلب خبراً لا مفعولاً - مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، ورفعه ثبوت النون لأنه من الأمثلة الخمسة، والواو: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع اسم يزالون، ومُخْتَلِفِينَ: خبر يزالون، منصوب ونصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، وهنا دخل على المبتدأ والخبر فرفع المبتدأ ونصب الخبر مع سبق النفي، إذًا تحقق الشرط في إعمال يزالون وهو كونها معتمدة على نفي. وقوله: (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ) [طه:٩١] لن حرف نفي ونصب واستقبال، نبرح: فعل مضارع ناقص منصوب بلن ونصبه الفتحة الظاهرة على آخره لأنه صحيح الآخر، واسمها ضمير مستتر وجوباً تقديره نحن، عليه جار ومجرور متعلق بعاكفين؛ لأنه اسم فاعل، وعاكفين خبر نبرح، منصوب به، ونصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، إذًا تحقق الشرط فقد سبقها نفي فرفعت ونصبت.

стр. 357

والنهي كقول الشاعر: صَاحِ شَمِّرْ وَلاَ تَزَلْ ذَاكِرَ المَو ... تِ فَنِسْيَانُهُ ضَلاَلٌ مُبِينُ قوله: صاح أصله يا صاحبي فحذف يا النداء، ثم رُخم على غير قياس كما قال الحريري: وَقَولُهُمْ فِي صَاحِبٍ يَا صَاحِ ... شَذَّ لِمَعْنًى فِيهِ بِاصْطِلاَحِ شاع عند الشعراء أنهم يرخمون صاحب وهذا شاذ لمعنى فيه وهو كثرة استعماله عومل معاملة العلم، لأنه لا يرخم إلا العَلَم، وصاحب ليس علما، وحينئذٍ ترخيمه شاذ، والشاهد من البيت قوله: ولا تزل ذاكر الموت، لا ناهية تجزم الفعل المضارع، وتزل: فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية، وجزمه سكون آخره، وتزل أصلها تزال التقى ساكنان، فحذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين، واسمها ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، وذاكرَ الموت خبر تزل منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. والدعاء كقول الشاعر: أَلاَ يَا اسْلَمِي يَا دَارَ مَيَّ عَلَى البِلَى ... وَلاَ زَالَ مُنْهَلاًّ بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ لا زال منهلاً هذا دعاء، ولا دعائية، كما لو قال: لا زال زيد محسناً، كأنه يدعو له بدوام الإحسان، وزال: فعل ماض ناقص، والقطر اسم زال، ومنهلاً خبرها، وبجرعائك جار ومجرور متعلق بقوله منهلاً.

стр. 358

النوع الثالث: ما يعمل بشرط أن يتقدم عليه ما المصدرية الظرفية، وهي دام فقط. كقوله تعالى: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) [مريم:٣١] دام فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون، لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير رفع متحرك مبني على الضم في محل رفع اسم دام، وحيا خبرها. وما مصدرية لأنها تؤول مع ما بعدها بمصدر، وظرفية لأنها تضاف إلى الظرف وهو مدة. كأنه قال: وأوصاني بالصلاة والزكاة مدة دوامي حيا، فدوامي مصدر لأن ما مصدرية، وأضافها لمدة لأنها ظرفية. كَانَ وَأَمْسَى ظَلَّ بَاتَ أَصْبَحَا ... أَضْحَى وَصَارَ لَيْسَ مَعْ مَابَرِحَا مَازَالَ مَا انْفَكَّ وَمَا فَتِئَ ... مَا ... دَامَ ........................... [كَانَ] تأتي ناقصة، وتأتي تامة، فالتامة كقوله تعالى: ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ)) [البقرة:٢٨٠] كان فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وذو فاعل مرفوع ورفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الستة، ذو مضاف وعسرة مضاف إليه، هكذا تعربها، وأما كان الناقصة فنحو قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الفتح:٤] كان: فعل ماض ناقص، مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ولفظ الجلالة اسم كان مرفوع بها، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وعَلِيماً خبر كان منصوب بها ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، حَكِيماً خبر بعد خبر لأن الخبر يتعدد، وكان الناقصة لها مصدر على الصحيح قال الشاعر:

стр. 359

وَكَونُكَ إِيَّاهُ عَلَيكَ يَسِيرُ وتأتي كان بمعنى صار كقوله تعالى: (وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا) [الواقعة:٧] يعني صرتم أزواجاً. و [كَانَ] موضوعة للدلالة على اتصاف اسمها بمضمون خبرها، وهي داخلة على الجملة لا على المفرد، فلذلك هي من نواسخ المبتدأ والخبر معاً، فحينئذٍ دخولها يكون على الجملة لا على المبتدأ فقط دون الخبر، ولا على الخبر فقط دون المبتدأ، وفائدة كان في التركيب كمثل: كان زيد قائماً، ففي الجملة مخبر عنه وهو زيد، وخبر مخبر به وهو قائم، وليس عين قائم وإنما هو مضمون قائم، لأن اتصاف زيد بما دل عليه قائم لا بذات قائم، فزيد يتصف بما تضمنه قائماً لا بلفظ قائماً، فإذا تقرر ذلك فكان وُضعت في لغة العرب للدلالة على اتصاف اسمها الذي هو زيد بمضمون خبرها في الزمن الماضي إما مع الدوام أو مع الانقطاع، وكونها للدوام يكون بقرينة خارجية لأن الأصل في وضع كان للانقطاع، تقول: زيد قائم، هذه الجملة تدل على اتصاف زيد بالقيام، لكنها لم تعين وقت القيام، فإذا أُدخلت عليها كان دلت على أن زيداً اتصف بمضمون قائم وهو القيام في الزمن الماضي، والآن فقد تدل على الاستمرار والدوام لكن لا بد من قرينة، وتدل على الانقطاع وهو الأصل فيها، لأن الأصل في وضع الفعل الماضي أنه دال على الانقطاع، لذلك نقول في حد الفعل الماضي: كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بزمن قد مضى، أي انتهى وانقطع، لأن الماضي

стр. 360

إنما سمي ماضياً باعتبار زمنه المستفاد منه كما ذكرناه أولاً، حينئذ نقول: الأصل في وضعها للدلالة على الانقطاع، فإذا سمعت كان زيد قائماً، فالأصل أنه قام في الزمن الماضي، والآن لا يثبت له شيء البتة، لكن نحو: كان الله غفوراً رحيما، فهنا تدل على الاستمرار، وذلك من دليل خارجي، ففي مثل التراكيب المتعلقة بذات الرب جل وعلا كلها للدلالة على الاستمرار والدوام. وما عدا ذلك فالأصل فيها الانقطاع. إذًا كان قيَّدت الخبر وهو القيام بأنه واقع في الزمن الماضي، وليس الخبر قائماً هو الذي قيد كان، يقول السيوطي في عقود الجمان: وَنَحْوُ كُنْتُ قَائِمًا كَانَ الَّذِي ... قَيَّدَتِ المَنْصُوبَ لاَ العَكْسُ احْتُذِي لا العكس أي ليس قائماً هو الذي قيد كان، وإنما كان هي التي قيدت قائماً، لأن أصل وضعها في لغة العرب أنها دالة على اتصاف اسمها بمضمون خبرها. [وَأَمْسَى] الناقصة وهي موضوعة للدلالة على اتصاف اسمها بمضمون الخبر في وقت المساء، نحو: أمسى زيد فقيهاً، دلت على اتصاف زيد بالفقه وقت المساء، وقبله لم يكن فقيها. وتأتي أمسى تامة، نحو: أمسى زيد، إذا دخل في المساء، فحينئذٍ تكون تامة لا تحتاج إلى منصوب، وإنما هي فعل وفاعل كـ (قام زيد).

стр. 361

[ظَلَّ] الناقصة أي وظل على حذف الواو، وهي موضوعة للدلالة على اتصاف اسمها بمضمون خبرها في جميع النهار، فظل حينئذٍ تطلق ويراد بها النهار كله، نحو: ظل زيد صائماً، وتكون تامة، نحو: ظل زيد، بمعنى أنه دخل في النهار، وتأتي بمعنى صار نحو: ظل وجهه مسودًا، أي صار. [بَاتَ] الناقصة أي وبات على حذف حرف العطف، وهي موضوعة للدلالة على اتصاف الاسم بمضمون الخبر في البيات أي في جميع الليل، نحو: بات زيد ساهراً. وتكون تامة، نحو: بات زيد أي دخل في البيات. [أَصْبَحَا] الناقصة، أي وأصبح على حذف حرف العطف، والألف للإطلاق، وهي موضوعة للدلالة على اتصاف اسمها بمضمون خبرها في الصباح، نحو: أصبح البرد شديداً، وتستعمل تامة كقوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) [الروم:١٧] أي تدخلون في الصباح. تقول: أمسى زيد، أي دخل في المساء، وأصبح زيد، أي دخل في الصباح. فهي تامة يعني لا تحتاج إلى خبر، بل اكتفت بمرفوعها. [أَضْحَى] الناقصة، أي وأضحى على حذف حرف العطف، وهي موضوعة للدلالة على اتصاف اسمها بمضمون خبرها في وقت الضحى، نحو: أضحى زيد فقيها، وتأتي تامة، نحو: أضحى زيد، إذا دخل في وقت الضحى.

стр. 362

[وَصَارَ] وهي موضوعة للدلالة على التحول من شيء إلى شيء آخر، فتدل على التحول والانتقال إما من حقيقة إلى حقيقة أو من صفة إلى صفة، فالأول: كأن تقول: صار الطين إبريقاً، فحقيقة الطين تحولت وانتقلت من طين إلى حقيقة أخرى وهي كونه إبريقاً، والثاني نحو: صار زيد غنياً، فالتحول هنا ليس في حقيقة زيد بل هو زيد، ولكن الذي تحول هو صفة زيد. [لَيْسَ] وهي موضوعة لنفي الحال عند التجرد عن القرينة، نحو: ليس زيدٌ قائماً، أي الآن فالنفي للحال، وإذا أريد غير الدلالة على نفي الحال فلا بد من التقييد، نحو: ليس زيد قائماً غداًً، أما إذا أطلقت عن القرينة وجردت فهي لنفي الحال، ولا تستعمل تامة. هذه الثمانية ترفع وتنصب بلا شرط. ثم قال: [مَعْ مَابَرِحَا] الألف للإطلاق، يعني ما ذكر من الثمانية يضاف إليه ويصحبه برحا، ومع هنا للمصاحبة والمعية، و [مَابَرِحَا مَازَالَ مَا انْفَكَّ وَمَا فَتِئَ] هذه الأربعة لا ترفع ولا تنصب إلا إذا سبقها نفي أو شبهه، وهي ملازمة للنقص، فلا تستعمل تامة، ومعانيها متفقة بلا خلاف، وهي موضوعة لاستمرار ثبوت خبرها لفاعلها منذ قبله أي كان للفاعل قابلية الاتصاف بالخبر عرفاً، تقول: ما زال زيد عالماً، هنا وصف زيد بكونه عالمًا، وهذا الوصف مستمر لا ينفك عنه أبداً، ولذلك هذه الأفعال الأربعة تفسر بمعنى ما انفك، وبمعنى مابرح لأن معانيها واحدة، موضوعة للدلالة على استمرار ثبوت مضمون الخبر لاسمها ويطلق عليه أنه فاعل مجازاً.

стр. 363

إذًا هذه موضوعة للدلالة على ملازمة الخبر للاسم على حسب ما يقتضيه الحال، فنحو: ما انفك عمرو جالساً على حسب ما يقتضيه الحال أي مدة بقائه جالساً، ولا يلزم أنه لا ينفك جالساً يبقى حياته كلها جالساً، بل المراد على حسب ما يقتضيه الحال الذي هو عليه، ولا زال زيد منفقاً، بحسب ما يقتضيه الحال وهو مدة وجود المال في يده، فإذا افتقر حينئذٍ زال الوصف، وهكذا فكل حدث له حال يقتضيه من الاستمرار والانقطاع، فقولك: لا زال زيد جالساً، ليس كقولك: لا زال زيد عالماً، فالأصل الاستمرار في العلم أكثر من الاستمرار في الجلوس. و [مَادَامَ] ذكرها بشرطها وهو تقدم ما المصدرية الظرفية، وقد سبق بيان ذلك. ..................... ... وَمَا مِنْهَا تَصَرَّفَ احْكُمَا لَهُ بِمَا لَهَا كَكَانَ قَائِمَا ... زَيدٌ وَكُنْ بَرًّا وَأَصْبِحْ صَائِمَا [وَمَا مِنْهَا تَصَرَّفَ احْكُمَا لَهُ بِمَا لَهَا] هذا كقول ابن مالك ﵀: وَغَيرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ ... إِنْ كَانَ غَيْرُ المَاضِ مِنهُ اسْتُعْمِلاَ هذه الأفعال على قسمين: منها ما هو متصرف، ومنها ما هو غير متصرف، والتصرف بمعنى تحول اللفظ الواحد إلى أمثلة مختلفة وهذا منه، فالتصريف والصرف هو التغير، ولذلك سمي الصرف صرفاً لذلك، ومنه قوله تعالى: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) [البقرة:١٦٤] أي تقلباتها من حال إلى حال، كذلك الصرف المراد به تحويل الأصل

стр. 364

الواحد إلى أمثلة مختلفة لمعان مقصودة لا تحصل إلا بها، نحو: كان، يكون، كن، كائن، مكون إلى آخره، فهذه الأفعال من حيث التصرف وعدمه على قسمين: الأول: ما لا يتصرف وهو ليس ودام. ودام الأكثر على أنها لا تتصرف وليس لها مصدر, وهذا من غرائب النحاة لأنهم يقولون: شرط إعمال دام أن تسبقها ما المصدرية لأنها تؤول بمصدر، وباتفاق يؤولون الآية: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) [مريم:٣١] أي مدة دوامي، ودوامي هذا مصدر، ذكر هذا الصبان في حاشيته على الأشموني، وهو يثبت أن لها مصدرًا، والجمهور على أنه لا مصدر لها، ويقولون في قوله: مادمت حيا أي مدة دوامي حياً، ودوامي هذا مصدر، وما مصدرية أولت مع ما بعدها بمصدر، فكيف يقال لا مصدر لها؟! إذًا ليس ودام لا تتصرف، وعلى رأي الصبان وهو الأصح أن دام لها مصدر، فحينئذٍ لها نوع تصرف وليس تصرفاً تاماً. والثاني: ما يتصرف، وهو ما عدا ليس ودام، وزال وأخواتها لا يستعمل منه أمر ولا مصدر. [وَمَا مِنْهَا تَصَرَّفَ احْكُمَا] يعني والذي تصرف أي تحول إلى أمثلة مختلفة تصاغ منها يعني من بعضها فمن للتبعيض، [احْكُمَا] الألف يحتمل أنها للإطلاق، ويحتمل أنها نون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفاً وقفًا، أي احكمَن وقف عليها بالألف، احكمن [لَهُ]

стр. 365

أي لهذا المتصرف، [بِمَا لَهَا] أي بالذي أي بالحكم الذي [لَهَا] أي في الأصل وهو كان. .. كَكَانَ قَائِمَا ... زَيدٌ وَكُنْ بَرًّا وَأَصْبِحْ صَائِمَا [كَكَانَ قَائِمَا] يعني إذا تصرف من كان وجيء بيكون وكن وكائن وكون ومَكُون يثبت الحكم لها كما ثبت لكان. فما جاء من الأفعال الناقصة - والأصل أنَّ النحاة يذكرونها بصيغها الماضية - وكل ما تصرف من الماضي فله حكم الماضي، فحينئذٍ كان ترفع المبتدأ على أنه اسم لها، وتنصب الخبر على أنه خبر لها، ويكون كذلك ومنه قوله تعالى: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:١٤٣] فالرسول اسم يكون لأن يكون متصرف من كان، وكان لها الحكم الثابت المستقر فمثلها الفعل المضارع منها، فيكون فعل مضارع ناقص منصوب ونصبه الفتحة الظاهرة على آخره، والرسول اسم يكون مرفوع بها ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وشهيداً خبر يكون منصوب بها، وعليكم متعلق بالخبر. وقوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ) [النساء:١٣٥] كونوا: فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع اسم كونوا، قوامين: خبر كونوا منصوب ونصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم. وقوله: ((وََكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)) [الروم:٤٧] هذا من باب التقديم والتأخير.

стр. 366

وقول الشاعر: ... وَكَونُكَ إِيَّاهُ عَلَيكَ يَسِيرُ كون: مبتدأ مرفوع، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وحينئذٍ يحتاج إلى خبر من جهتين: من حيث هو مبتدأ، وكل مبتدأ لا بد له من خبر. وهو أيضًا مصدر كان فيحتاج إلى اسم وإلى خبر، إذًا له خبران من حيث هو مبتدأ فخبره جملة يسير، ومن حيث إنه يعمل عمل كان لأنه مصدرها فخبره إياه. وكونك هذه الكاف لها إعرابان من جهتين يعني لها محلان مضاف إليه، واسم الكون، إذًا اسم الكون هو الكاف، وخبرها إياه، والكون مبتدأ وخبره جملة يسير لأنه فعل مضارع والفاعل مستتر والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، والشاهد أن الكون مصدر كان وعمل عملها فحينئذٍ يحتاج إلى اسم وإلى خبر. وَمَا كُلُّ مَنْ يُبْدِي البَشَاشَةَ كَائِنًا ... أَخَاكَ إِذَا لَمْ تُلْفِهِ لَكَ مُنْجِدَا كائناً اسم فاعل، مشتق من الكون وإذا كان مشتقاً من الكون فحينئذٍ لا بد له من اسم وخبر، واسم كائن ضمير مستتر تقديره هو، وخبره أخاك، كائناً هو أخاك: إذًا كائناً اسم فاعل واسم الفاعل يعمل عمل فعله، وكان تقتضي اسماً وخبراً، فحينئذٍ نقول: لا بد من الاسم وهو الضمير المستتر، وأخاك هذا خبرها منصوب بالألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الستة.

стр. 367

قوله: [كَكَانَ قَائِمَا زَيدٌ] نأخذ من هذا المثال جواز تقدم الخبر على الاسم أي توسط الخبر بين كان واسمها. والخبر باعتبار كان له ثلاثة أحوال: إما أن يتأخر عنها وعن اسمها، وهو الأصل، نحو قوله تعالى: (وََكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا) [الفرقان:٥٤] فقد جاء على الترتيب، فكان فعل ماض ناقص، وربك اسمها، وقديراً خبرها. ولكونها فعلاً - لهذه العلة - تُصرف في معموليها ما لا يتصرف في غيرها، ولذلك من فوائد كون العامل فعلاً أنه يتصرف فيه ما لا يتصرف في غيره من الاسم والحرف، ولذلك في باب إنَّ -كما سيأتي- لا يجوز العمل إلا مع الترتيب: وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلاَّ فِي الَّذِي ... كَلَيتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيرَ البَذِي لا بد أن يتقدم الاسم ثم يتلوه الخبر، لأنه حرف، والأصل في الحرف أنه لا يعمل، فإذا أُعمل حينئذٍ كان عمله ضعيفاً، وإذا كان عمله ضعيفاً لا يتصرف في معموليه فلا يتقدم ولا يتأخر، يعني المعمولان لا يتوسع فيهما مع العامل كما إذا كان فعلاً، بخلاف كان لأنها فعل والأصل في العمل للأفعال قال هنا: [كَكَانَ قَائِمَا زَيدٌ] ومنه قوله تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم:٤٧] فحقاً خبر كان، ونصر المؤمنين اسمها. إذًا توسط الخبر بين العامل والاسم، وهذا جائز، إما أن يتقدم الخبر على كان، نحو: قائماً كان زيد، لأنه كقوله زيداً ضربت، كما جاز زيداً ضربت، جاز قائماً كان زيد. وإما أن يتوسط بين كان واسمها ومنه قوله: [كَكَانَ قَائِمَا زَيدٌ] فقائماً هنا توسط بين العامل والاسم. [وَكُنْ بَرًّا] أراد بهذا المثال

стр. 368

الإشارة إلى أن كان تعمل ولو كانت فعل أمر، فكن فعل أمر ناقص، مبني على السكون لا محل له من الإعراب، واسم كن ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، وبراً خبره. [وَأَصْبِحْ صَائِمَا] أصبح فعل أمر ناقص، مبني على السكون لا محل له من الإعراب، واسمه ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، وصائماً خبر أصبح.

стр. 369

بَابَ إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا هذا هو الباب الثاني من أبواب النواسخ، وهو باب إن وأخواتها، وقدَّم كان على إن لأن كان وأخواتها أفعال، والأصل في العمل هو للأفعال، وإن وأخواتها حروف، والأصل في الحروف والأسماء أن لا تعمل، وإنما تعمل الحروف والأسماء حملاً لها على الأفعال، إذًا الأصل في العمل للأفعال، والحرف الأصل فيه أن لا يعمل، ولذلك إِنْ عمل الحرف فلا بد من سؤال لِمَ عمل؟ والأصل في الاسم أن لا يعمل، فإذا عمل الاسم لا بد من سؤال لِمَ عمل؟ ولذلك بابُ اسم الفاعل، واسم المفعول ونحوها من كل ما يعمل من المشتقات، تجد أن النحاة يذكرون شروطًا لإعمال اسم الفاعل، وشروطًا لإعمال اسم المفعول، وشروطًا لإعمال المصدر، لأن الأصل أن الاسم لا يعمل، فإذا عمل فحينئذٍ لا بد من شروط المراد بها أن يَقْرُب هذا الاسم من الفعل، فكل ما عمل بشرط فحينئذٍ نقول: الأصل فيه أنه لا يعمل، لأن الأصل في العمل هو الفعل، والفعل يعمل بلا شرط، لذلك قُدم باب كان وأخواتها على إن وأخواتها. بَابَ إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا أي هذا باب بيان عمل إن وأخواتها، وهو النوع الثاني من النواسخ وهو ما ينصب الاسم ويرفع الخبر، فينصب المبتدأ على أنه اسم لإنَّ، وهذا متفق عليه بين البصريين

стр. 370

والكوفيين، على أن إن تدخل على المبتدأ فتنصبه على أنه اسم لها، فالأصل مثلا زيدٌ قائمٌ، فتدخل إنَّ فتقول: إن زيداً قائمٌ، صار المبتدأ منصوباً بعد أن كان مرفوعاً، وكان مرفوعاً بعامل معنوي، ثم صار منصوبًا بعامل لفظي، والعامل اللفظي عندهم أقوى من المعنوي، وقائمٌ خبر إن مرفوعٌ وعلى مذهب البصريين مرفوعٌ بإنَّ، فحينئذٍ إنَّ عاملٌ واحد أحدث النصب في المبتدأ، وأحدث الرفع في الخبر، وأما عند الكوفيين فلا، إنما إنَّ نصبت الاسم فقط، ولم ترفع الخبر، وقائمٌ مرفوع على ما رُفع به قبل دخول إن، فهو حينئذٍ مرفوع بالمبتدأ، وقائمٌ ليس مرفوعاً بإنَّ، وإنما هو مرفوعٌ بزيد، فهو قبل دخول إن كان خبراً ولا زال خبراً، والخبر مرفوع بالمبتدأ، فكذلك بعد دخول إنّ وهذا على مذهب الكوفيين، وهو مذهب ضعيف، لأنه يلزم عليه، أنَّ ثّمَّ عاملاً ينصب ولا يرفع وهذا لا نظير له، وحمل الشيء أو المختلف فيه على ماله نظير، أولى من حمله على ما لا نظير له، وهذه قاعدة قعَّدها السيوطي في الأشباه والنظائر أن حمل الشيء على ماله نظير أولى من حمله على ما لا نظير له، فحينئذٍ نقول كون إن عاملةً النصب، وعاملةً الرفع هذا أولى من القول بأن إنَّ عاملةٌ النصب دون الرفع، فإنَّ تنصب وترفع. سُمع من لغة العرب إنَّ حُراسَنا أُسدا بنصب الجزأين، ومعلوم أن إن ترفع وتنصب، نقول: هذا يُحفظ ولا يقاس عليه، فهو شاذ، وخرَّجه البصريون على أن الخبر محذوف، إن حُراسَنا اسم إن، وأُسدا ليس هو الخبر، وإنما الخبر مُقَدَّر وتقديره: إن حُراسنا يُشبهون أُسدا، فأَسداً هذا معمولٌ للخبر

стр. 371

المحذوف وليس هو عين الخبر. ... بَابَ إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا أي نظائرها في العمل، وهي ستة أحرف، وكلها حروف باتفاق، وعملها نصب المبتدأ على أنه اسم لها، ورفع الخبر على أنه خبر لها، فالرفع الذي أُحدث بعد دخول إن ليس هو عين الرفع قبل دخول إن، فالرفع إذا وجد في موضع ووجد في موضع آخر، فليس هو عين الأول، وإنما هو مغايرٌ له، فرفع الخبر من قولك: زيدٌ قائمٌ، ليس هو عين الرفع بعد دخول إنَّ. قال ﵀: عَمَلُ كَانَ عَكْسُهُ لإِنَّ أَنْ ... لَكِنَّ ... لَيْتَ وَلَعَلَّ ... وَكَأَنْ تَقُولُ إِنَّ مَالِكًا لَعَالِمُ ... وَمِثْلُهُ لَيْتَ الحَبِيبَ قَادِمُ [عَمَلُ كَانَ] وهو رفع المبتدأ على أنه اسم لها، ونصب الخبر على أنه خبر لها، [عَكْسُهُ] أي خلافه، وهو نصب المبتدأ ورفع الخبر، فحينئذٍ قوله [عَكْسُهُ] المراد به العكس اللغوي لا الاصطلاحي المنطقي، والعكس اللغوي بمعنى خلاف الشئ، والمعنى عمل كان عكسه وخلافه ثابتٌ [لإِنَّ] وعملُ كان مضاف ومضاف إليه، وهو مبتدأ أول، وعكسه مبتدأ ثان، لإن جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول. فهذه الجملة جملة كبرى، خبرها جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر، وهي عكسُه لإنَّ مبتدأ وخبر. هذا أحسن ما يُقَال في البيت. ومعنى البيت عمل كان وهو أنها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، عكسه

стр. 372

وهو كونها تنصب المبتدأ وترفع الخبر ثابتٌ لإن، والدليل هو النقل عن العرب، فالعرب نصبت بإن ورفعت بها، والقاعدة إنما تبنى على ما يُنقَل عن العرب، فإن نصبوا بإن ورفعوا بها نصبنا ورفعنا بها، وكل قاعدة مستنبطة عند النحاة فهي موضوعة وضعاً نوعياً لا باعتبار الآحاد، فالعرب نطقت: إن زيداً قائمٌ، فحينئذٍ إذا أردت أن تقول: إن بكراً عالمٌ، لا يشترط أن يكون منقولا عن لغة العرب، بل وضعت العرب إنَّ وأرادت بها التأكيد وتقرير الخبر والنسبة ثم نصبت الاسم ورفعت الخبر بها، فنقول: إذا أدرت أن تتكلم وتؤكد الخبر فتأتي به على هذا النمط، فقد وضعوا لك قاعدة عامة تسير عليها، وكل الذي يدرس تحت هذا الباب إنما هو دراسة للتقعيد والتأصيل، وهذا التقعيد والتأصيل منقول عن لغة العرب، لكن النقل يكون من جهة النوع لا الآحاد. إذًا نقول: إن وأخواتها هذه نصب بها العرب ورفعوا ووضعوها وضعاً نوعياً فنقيس عليه. قوله: [لإِنَّ] اللام حرف جر، وإن ليست بحرف هنا، وإنما قصد لفظها فهي علم، حينئذٍ نقول الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر. [أَنْ] أي وأنْ على حذف حرف العطف لضرورة الوزن، أي وأنَّ بالتشديد وخففها من أجل الوزن، ولو قيل: أن بالتخفيف أيضاً جاز لأنَّ أنَّ وكذلك إنَّ تعملُ سواء كانت مثقلة أو مخففة بإسقاط إحدى النونين، فتصير على حرفين بعد أن كانت على ثلاثة، والمخففة تعمل لكن بشروط ذِكُرها في المطولات. [لَكِنَّ] أي ولكن يعني ينصب بلكن كما ينصب بإن، و [لَيْتَ] أسقط حرف العطف

стр. 373

للضرورة، [وَلَعَلَّ وَكَأَنْ] هذه ستة أحرف، يكون النصب والرفع بها، فهذه حروف والأصل في الحرف أن لا يعمل، فإذا أعمل لا بد من سؤال لِمَ أُعملت هذه الأحرف؟ والجواب: أنها أشبهت الفعل لفظاً ومعنىً، أما من جهة اللفظ فإن أقل ما يوضع عليه الفعل ثلاثة أحرف، وكذلك الاسم، الواضع فرق بين الحرف والاسم والفعل من حيث الوضع، فوضع الحرف على حرفٍ واحد كباء الجر ولامه أو على حرفين كمن وعن، وما زاد على ذلك فهو خلاف الأصل. وأقل ما يوضع عليه الاسم والفعل معاً ثلاثة أحرف، وما زاد فهو على حسب ما يكون هل هو أصل أو لا؟ فيختلف الاسم عن الفعل ومبحثه فنّ الصرف. إذًا الأصل في الحرف أن يوضع على حرف أو حرفين فإذا وُجد في الحرف أنه موضوع على ثلاثة أحرف مثلُ إن وليت، أو على أربعة مثلُ كأن ولعل، أو على خمسة مثلُ لكن، نقول: قد أشبه الحرف الفعل من جهة اللفظ. وأما من جهة المعنى فعلى ما سيذكره المصنف من معاني هذه الحروف، وهي إن وأن بمعنى الفعل أُأَكِّد، ولكنّ بمعنى أستدرك، وليت بمعنى أتمنى، ولعل بمعنى أترجى، وكأن بمعنى أُشبه، فحينئذٍ هي من جهة المعنى تدل على ما دلت عليه الأفعال، فلهاتين العلتين اللفظية والمعنوية عملت هذه الأحرف، وجدت المشابهة فحُملت على الفعل وهذا هو السر في كون هذه الأحرف مع اختصاصها بالأسماء خرجت عن الجر، لأن الحرف نوعان: مختص، وغير مختص، ما كان مختصاً بالفعل فالأصل فيه أن يعمل، وإذا عمل هل يعمل مطلق

стр. 374

العمل أو العمل الذي يختص به مدخوله؟ هذا فيه نزاع، فإذا اختص الحرف بالفعل المضارع مثلاً، هل الأصل أنه يعمل مطلق العمل، فينصب ويرفع أو نقول: لا، ما دام أن هذا الحرف اختص بالفعل فحينئذٍ يعمل ما اختص به الفعل من أنواع الإعراب وهو الجزم، فحينئذٍ ننظر في الفعل، الفعل اشترك مع الاسم في الرفع والنصب واختص بنوعٍ وهو الجزم، إذًا الأصل أن يعمل الحرف المختص بالفعل المضارع أن يعمل ما اختص به الفعل من أنواع الإعراب هذا هو المشهور، فإذا اختص حرفٌ بالفعل المضارع وعَمِلَ النصب فهذا خرج عن الأصل، وكذلك الأصل في ما اختص بالأسماء أن يعمل ما اختص الاسم به من أنواع الإعراب وهو الجر، كحروف الجر، هنا هذه الأحرف مختصة بالأسماء وخرجت عن الأصل وهو الجر لكونها أشبهت الفعل لفظاً ومعنىً، والفعل لا يجر، إذًا خرجت هذه الأحرف إلى الرفع والنصب للمشابهة المذكورة، والفعل يرفع وينصب ولا يجر. لكن يُشترط لإعمال هذه الحروف شرطان: الأول: أن لا تقترن بهنَّ ما الحرفية، وتسمى ما الزائدة، وما الكافة، وما المهيئة وكلُّها أسماء لمسمى واحد، فإن اقترنت بهنَّ بطل عملها على المشهور في خمسة منها، ويبقى في ليت فقط، فإذا اتصلت ما الزائدة بإنَّ بطل عملها، تقول: إنَّ اللهَ غفورٌ، فإذا دخلت ما الزائدة تقول: إنما اللهُ غفور بالرفع لأن شرط إعمال إنَّ أن لا تتصل بها ما الحرفية، وتُسمى ما الكافة لأنها كفت إن عن النصب والرفع، ومنه

стр. 375

((إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)) [النساء:١٧١] اتصلت بها ما الحرفية فبطل عملها. لأن هذه الحروف إنما أُعملت لاختصاصها بالجملة الاسمية فإذا دخلت عليها ما الحرفية، رأينا العرب وكذلك هو في القرآن وهو أفصح، رأينا هذه الحروف قد دخلت على الجملة الفعلية، كقوله تعالى: (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ) [الأنفال:٦] ويساقون هذه جملة فعلية ودخلت عليها إن ولمَّا دخلت ما على إنَّ أزالت اختصاصها بالجملة الاسمية وهيأتها للدخول على الجملة الفعلية، فلما زال اختصاصها بطل عملها، وكذلك قوله: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [الأنبياء:١٠٨] وأما ليت، فيجوز فيها الإعمال والإهمال وهو الإبطال، يعني يجوز أن تقول: ليتما زيداً قائمٌ، كما تقول: ليت زيداً قائمٌ، ويجوز أن تقول: ليتما زيدٌ قائمٌ بالإهمال، وهذا مذهب الجمهور، والمسألة فيها خلاف. وحجة الجمهور قالوا: باستقراء كلام العرب أن ليت إذا دخلت عليها ما الحرفية بقي اختصاصها بالجملة الاسمية، إذًا لم تُزِل ما الحرفية اختصاص ليت بالجملة الاسمية، فلما بقي الاختصاص، بقي العمل فالإعمال على الأصل، وأهملت حملاً على أخواتها، فالإهمال من باب القياس، ليكون الباب مطرداً، ولذلك لا يصح أن يقال: ليتما قام زيد، يعني إذا دخلت ما الحرفية على ليت ولو بطل إعمالها لا يجوز دخولها على الجملة الفعلية، لا تقول زال اختصاصها، لا بل بقي اختصاصها. قال الشاعر:

стр. 376

قَالَتْ أَلاَ لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامَُ لَنَا ... إِلَى حَمَامَتِنَا أَوْ نِصْفَهُ فَقَدِ روي بالوجهين. قالت ألا ليتما ليت اقترنت بها ما الحرفية، هذا الحمامَ فهذا اسم ليت، وهو في محل نصب بدليل نصب ما بعده الحمام وهو نعت أو عطف أو بدل، ونصبه دليل على أن هذا وهو مبني في محل نصب، وهذا دليل أن ليتما قد أُعملت مع اقتران ما بها. وروي قالت ألا ليتما هذا الحمامُ لنا بالرفع على الإهمال، ولذلك جاز فيه الوجهان. [تَقُولُ إِنَّ مَالِكًا لَعَالِمُ] تقول في مثال إعمال إن وأخواتها: إنَّ مالكاً لعالمُ، فإنَّ: حرف توكيد ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ومالكاً: اسمها منصوبٌ بها ونصبه فتحة ظاهرة على آخره لأنه اسم مفرد، لعالم: اللام هذه لام الابتداء وهي اللام المزحلقة المؤكدة، وعالمُ خبر إن، وهذا فيه تجوز وهو أن يقال: خبر إنَّ، لأنه إذا قيل: خبر إن كما لو قيل خبر المبتدأ، معناه أن ثم محكوما به ومحكوماً عليه، والمحكوم عليه لا يكون إلاّ اسما، وإذا قُلت خبر إن معناه إنّ مالكاً اسم إنَّ وقد كان مبتدأ في الأصل، وحينئذٍ عالمُ لا شك أنه خبر اسمها، لا خبر إن فإذا قلت: خبرُ إن فالمراد به خبر اسم إن وليس خبراً لإن، لأن إن ليست اسما محكوماً عليه، لأن المحكوم عليه لا يكون إلاّ اسما، بل هي حرف، فهذا فيه تجوز وتسامح فحينئذٍ يكون الكلام على حذف مضاف، وقوله: لَعالمُ هذه اللام تسمى لام الابتداء، وهي اللام المزحلقة، وفائدتها توكيد نسبة الخبر إلى المبتدأ. يَعدُّها أهل البيان من المؤكدات، وأصل التركيب لإن مالكًا عالم لأنها لها صدر الكلام يعني لا تقع إلاّ في

стр. 377

أول الكلام, فاجتمع مؤكدان، لأن إن للتوكيد واللام للتوكيد، وكلُّ منهما له الصدارة في الكلام، فزحلقوا اللام إلى الخبر، لأنهم لو أدخلوا اللام على الاسم، فقيل: إن لمالكاً اجتمعا أيضًا سواءٌ تقدمت اللام أم تأخرت، لأن اجتماع حرفين بمعنى واحد في مكان واحد لا نظير له، فحينئذٍ قالوا: لابد من زَحْلَقَةِ هذه اللام, فلذلك سُميت المزحلقة، زحلقوها من لإن إلى الخبر، هذه تُسمى لام ابتداء وهي تختص بإن، لذلك قال ابن مالك: وَبَعْدَ ذَاتِ الكَسْرِ تَصْحَبُ الخَبَرْ ... لاَمُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنَّي لَوَزَرْ إذًا لابد أن تكون بعد ذاتِ الكسر، ثم قد تدخل على الخبر المتأخر، كما في مثال الناظم، وقد تدخل على معمول الخبر نحو: إن زيداً لَطعامَكَ آكلٌ، فآكلٌ خبرُ إن، وطعامَك مفعولٌ به منصوب بالخبر، يجوز دخول اللام على معمول الخبر إذا توسط بين الاسم والخبر. وقد تدخل على ضمير الفصل إذا توسط بين المبتدأ والخبر، نحو قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) [آل عمران:٦٢] هذا اسم إن، والقصصُ خبرها, ودخلت اللام على ضمير الفصل الذي وقع بين اسم إن وخبرها، وقد تدخل اللام على الاسم المُتأخر، نحو قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً) [آل عمران:١٣] فعبرةً اسم إن مؤخر، وفي ذلك خبر مقدم، فدخلت اللام على الاسم بشرط أن يكون متأخرًا، أما لوكان متقدماً فلا يجوز. وإذا كان الخبر ظرفاً أو جارًا ومجروراً جاز توسطه، فإذا جاز توسطه حينئذٍ يتأخرُ الاسم، فإذا تأخر الاسم، جاز أن تدخل عليه لام الابتداء.

стр. 378

والحاصل: أن لام الابتداء تدخل على واحد من أربعة أمور: الخبر المتأخر، والاسم المتأخر، هذان اثنان متأخران، ومعمول الخبر إذا توسط، وضمير الفصل إذا توسط أيضًا. والأمثلة كما سبق بيانه. [تَقُولُ إِنَّ مَالِكًا لَعَالِمُ] نأخذ منه أيضاً أنه لابد من الترتيب، وهذا هو الشرط الثاني لإعمال إن وأخواتها أن يتقدم الاسم على الخبر، ولا يجوز أن يقال: إن قائمٌ زيدًا، وإن جاز في باب كان، كما في قوله تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم:٤٧] وقوله: قائماً كان زيدٌ، فجاز أن يتقدم الخبر على الاسم بل على كان نفسها، لأن العامل إذا كان فعلاً فمعمولاته يتوسع فيها من جهة التقديم والتأخير لقوة العامل، أما إذا كان حرفاً فحينئذٍ إعماله ضعيف، كل حرف إذا أُعمل ففيه ضعف، ووجه ضعفه أن الأصل فيه ألاّ يعمل. فحينئذٍ يبقى الترتيب كما هو، إن زيداً عالمُ، لا يُقال: زيداً إن عالمٌ، ولا يقال: إنَّ عالمٌ زيداً، واستثنى الظرف والجار والمجرور إذا وقعا خبرا، كما قال ابن مالك: وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلاَّ فِي الَّذِي كَلَيتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيرَ البَذِي ومنه قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً) [آل عمران:١٣] إن حرف توكيد ونصب, وفي ذلك جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ولعبرةً اسم إن منصوب بها وهو متأخر، والذي جوز هنا تقديم الخبر على المبتدأ، كون الخبر جاراً ومجروراً، لأنهم يتوسعون في المجرورات والظروف ما لا يتوسعون في غيرها. ومنه

стр. 379

قوله تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا) [المزمل:١٢] أنكالاً اسم إن منصوب بها متأخر، ولدينا متعلق بمحذوف خبر إن، وهو ظرف, ولدى بمعنى عند. فحينئذٍ نقول: لدى منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر مقدم، والذي جوَّز الفصل بين العامل واسمه بلدينا كونه ظرفاً، وهم يتوسعون في الظروف ما لا يتوسعون في غيرها. إذًا القاعدة العامة يجب التزام الترتيب في معمولي إن، كما مثل الناظم: إن مالكاً لعالمُ، فالترتيب واجب. قال ﵀: [وَمِثْلُهُ لَيْتَ الحَبِيبَ قَادِمُ] ومثله في الحكم على ما سبق من كونه ينصب ويرفع، مع لزوم الترتيب، ليت الحبيب قادم, ليت حرف تمنى ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، والحبيبَ اسم ليت منصوب بها ونصبه فتحه ظاهره على آخرة، وقادمُ خبر ليت. أَكِّدْ بِإِنَّ أَنَّ شَبِّهْ بِكَأَنْ ... لَكِنَّ يَا صَاحِ لِلاِسْتِدْرَاكِ عَنْ وَلِلتَّمَنِّي لَيْتَ عِنْدَهُمْ حَصَلْ ... وَلِلتَّرَجِّي ... وَالتَّوَقُّعِ ... لَعَلْ شرع في بيان معاني هذه الحروف، فقال: [أَكِّدْ بِإِنَّ أَنَّ] أي لتأكيد الخبر وتقريره، إذا أردت أن تؤكد الخبر فأكده بإن وأن ولم يتعرض لغيرها من المؤكدات لأن المقام مقام بحث في باب إن، فحينئذٍ ذكر إن من المؤكدات مع كثرة المؤكدات، فإن وأن للتأكيد أي تأكيد النسبة، لأن إن لتأكيد الجمل وليست لتأكيد المفردات، فحينئذٍ إذا قيل: إن زيداً عالمُ، فإن ليست لتأكيد زيد الذي هو اسم فقط, ولا لتأكيد عالمُ الذي هو خبر فقط، بل لتأكيد النسبة التي هي

стр. 380

ثبوت العلم لزيد، لأن عندنا في الجملة أربعة أشياء - قبل دخول إن - إذا قيل: زيدٌ قائم, الأول: تصور الموضوع الذي هو زيد المبتدأ أي إدراك معناه، لأنه محكوم عليه، والحُكم على الشيء فرع عن تصوره. والثاني: تصور المحمول الذي هو قائمٌ الخبر أي إدراك معناه، إذ كيف تحكم بشيء وأنت لا تعرفه؟!. والثالث: تصور النسبة بين الموضوع والمحمول الذي هو مضمون الجملة، هل يمكن أن يتصف زيد بالقيام أولا؟ أي ارتباط القيام بزيد يسمى تصور النسبة الحُكمية. والرابع: تصور الوقوع واللاوقوع، وهذه النسبة الحكمية هل هي واقعة بالفعل أو ليست بواقعة؟ يعني هل زيد قائم بالفعل أولم يقم؟. هذه أربعة أشياء، ثم التصور الرابع هو الذي تدخل عليه إن لتوكيده بمعنى ثبوت القيام لزيد في الخارج هو المؤَكد، وليس زيداً فقط، ولا قائماً فقط، ولا النسبة الحكمية، وإنما التصور الرابع الذي يُعبر عنه المناطقة بالتصديق. قال في السلم: إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ ... وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ [أَكِّدْ بِإِنَّ أَنَّ] إن وأن يتفقان في أنهما موضوعان لتأكيد الحكم المقترن بأحدهما ونفي الشك عنه، والانكار له، ولذلك اتفق البيانيون على أن خالي الذهن لا يؤكد له الحكم ولو بمؤكد واحد، قال في عقود الجمان: فَإِنْ تُخَاطِبْ خَالِيَ الذِّهْنِ مِنِ ... حُكْمٍ وَمِنْ تَرَدُّدٍ فَلْتَغْتَنِ عَنِ المُؤَكِّدَاتِ ............... ... ....................

стр. 381

حينئذٍ إن وأنّ من العبث أن يؤتى بهما في كلام تخاطب به من لا إنكار ولا شك عنده ولا تردد، وإنما يؤتى بمؤكد واحد فأكثر استحسانا أو وجوباً إذا كان المخاطب عنده نوع إنكاركما هو موضح في محله. إذًا يتفقان في أنهما موضوعان لتأكيد النسبة، ويفترقان أنّ إنّ تأتي في أول الكلام، وأنّ لا تأتي في أول الكلام بل لا بد من كلامٍ يسبقها، تقول: أعجبني أنّ زيداً قائمٌ، ولا يصح أن تقول: أن زيداً قائمٌ، لأن أن بالفتح تعد من الحروف المصدرية، يعني التي تسبك مع ما بعدها بمصدر, فحينئذٍ أن مع مدخولها في قوة المفرد لأنه يؤول بمصدر، فإذا أُوِّل بمصدر فحينئذٍ لا بد له من عامل يقتضيه. ولذلك أنَّ وما بعدها تأتي فاعلا ونائب فاعل، وتُجرُّ بحرف الجر وتضاف, لأنها في قوة المفرد فامتنع أن يؤتى بها هو أول الكلام بل لا بد من أن تسبق بكلام، فتقول: أعجبني أنك قائمٌ أي قيامك، ومنه قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا) [العنكبوت:٥١] الآية أي أولم يكفهم إنزالنا فهي فاعل هنا, وقوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ) [الجن:١] الآية أي قل أُوحي إلي استماع نفر، فهي هنا نائب فاعل. إذًا إن وأن للتوكيد، والتوكيد عندهم كأنك كررت الجملة مرتين على أقل تقدير، فإذا قلت: إن زيداً عالمٌ أصل التركيب: زيدٌ عالمٌ, زيدٌ عالمٌ فالتأكيد هنا حصل بتكرار الجملة، قيل: مرتين أو ثلاث مرات على الخلاف, زيدٌ عالمٌ , زيدٌ عالمٌ فَحذفت الجملة الثانية أو الثالثة وجئت بإنّ , فهي قائمة مقام جملة أُخرى أو جملتين،

стр. 382

ولذلك يقول المفسرون في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:١١] كمثله الكاف هنا على الأصح أنها صلة، زائدة فحينئذٍ ليس كمثله شيء في قوة قوله: ليس مثلهَ شيءُ، ليس مثله شيء, ليس مثله شيء, فالجملة مؤكدة ثلاث مرات بتكرارها، فحذفت الجملة الثانية والثالثة أو الثانية فقط فجيء بالكاف صلة. إذًا الجملة المؤكدة بحرفٍ سواء كانت إنّ أو غيرها في قوة تكرار الجملة مرتين أو ثلاث. [شَبِّهْ بِكَأَنْ] أي كأن للتشبيه، والتشبيه: مشاركة أمر لأمر في المعنى سواءٌ كان شريفاً أو خسيساً، فالأول نحو: ليلى كالبدر، والثاني نحو: زيدٌ كالحمار، [شَبِّهْ بِكَأَنْ] فتقول: كأن زيداً أسد، وتأتي للظن كأن زيداً كاتبٌ، ويُفرَّق بين التشبيه والظن في باب كأنَّ بأن تنظر للخبر فإن كان الخبر جامداً كأسد في قولك: كأن زيداً أسدٌ فهي للتشبيه، وإن كان مشتقاً أو فعلا ككاتب في قولك: كأن زيداً كاتبٌ، فهي للظن. [لَكِنَّ يَا صَاحِ لِلاِسْتِدْرَاكِ عَنْ] ياصاح قد سبق بيانه، [لِلاِسْتِدْرَاكِ] الاستدراك هو تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه, وتعقيب الكلام أي أن يعقب الكلام بمعنى يُردف الكلام, تأخذ من هذا أن لكن لا تقع في أول الكلام مثل أن، فلا يصح أن يقال: لكنَّ زيداً قائمٌ, هكذا ابتداءًا بل لابد أن تكون مسبوقةً بكلام، برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه فمثلا تقول: زيدٌ عالمٌ, فيتوهم السامع أنه عامل، وليس كل عالم عاملا فتقول: زيدٌ عالمٌ لكنه فاسق, فرفعت ما يُتوهم ثبوته وهو العمل بالعلم. وتقول: ما زيدٌ شجاعٌ فيتوهم أنه بخيل أو كريم. فتقول: لكنه كريمٌ، يعني نفي

стр. 383

الشجاعة لا يلزم منه نفي الكرم, فتثبت له الكرم, [لَكِنَّ يَا صَاحِ لِلاِسْتِدْرَاكِ عَنْ] بتخفيف النون وأصله عنَّ أي ظهر كون لكن للاستدراك. [وَلِلتَّمَنِّي لَيْتَ عِنْدَهُمْ حَصَلْ] وللتمني جار ومجرور متعلق بقوله حصل، وعندهم عند منصوب على الظرفية، والعامل فيه حصل، أي وليت حصل عندهم للتمني، فليت مبتدأ قُصد لفظه، وحصل بمعنى ثبت للتمني عندهم، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، [عِنْدَهُمْ] أي في حكمهم أي النحاة، فعند هنا بمعنى حُكم لأن الأصل في عند أنها ظرف إما زماني أو مكاني، وفي مثل هذا التركيب -كما سبق ذكره - لا يمكن أن تكون ظرفية لا زمانية ولا مكانية، ولكن ذكر صاحب مختار الصحاح أن التركيب الذي تكون فيه عند ولا يمكن حمله على الظرفية الزمانية أو المكانية تكون بمعنى حكم، فإذا قال: زيدٌ عندي أفضلُ من عمرو, فحينئذٍ زيدٌ عندي يعني في حكمي, [وَلِلتَّمَنِّي لَيْتَ عِنْدَهُمْ حَصَلْ] والأصل: ليت حصل عندهم يعني في حكم النحاة حكموا على ليت بأنها للتمني، و [لِلتَّمَنِّي] جار ومجرور متعلق بـ[حَصَلْ] بمعنى وُجد وثبت، و [لَيْتَ] قُصد لفظها مبتدأ، وجملة حصل من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ. والتمني طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عُسر. فالأول نحو قول الشاعر: أَلاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَومًا ... فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ المَشِيبُ قوله: ليت الشبابَ طلب ما لا طمع فيه في الدنيا. والثاني نحو قول الفقير المُعدِم: ليت لي قنطاراً من ذهب، إذًا التمني طلب ما لا

стр. 384

طمع فيه فهذا غير ممكن أو يكون ممكنا لكن فيه عُسرٌ. [وَلِلتَّرَجِّي وَالتَّوَقُّعِ لَعَلْ] يعني لعل تكون للترجي والتوقع, ولَعلَ مبتدأ مؤخر، قُصد لفظها، وللترجي متعلق بمحذوف خبر مقدم، والتوقع معطوف عليه، وفيها أربع لغات: لعلَّ وعلَّ بإثبات اللام الأولى وفتح اللام الثانية، ولعلِّ بإثبات اللام الأولى وكسر اللام الثانية، وعلِّ بحذف اللام الأولى وكسر اللام الثانية، فهذه أربع لغات، واللغة المشهورة الفُصحى لعلَّ. تأتي لعل للترجي وللتوقع، والترجي: هو طلب المحبوب المُستقرَب حصوله. تقول: لعل الله يرحمني، والتوقع المراد به هنا الإشفاق وهو توقع المكروه. تقول: لعل زيداً هالكٌ. وتأتي أيضاً للتعليل كقوله تعالى: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ) [طه:٤٤] أي لكي يتذكر. والفرق بين التمني والترجي أن التمني يكون في الممكن وفي غيره، بخلاف الترجي فإنه لا يكون إلاَّ في الممكن. لذلك نقول: هو طلب المحبوب المُستقرب حصوله، إذن لابد أن يكون ممكناً. والتمني يكون في الممكن فيشارك الترجي، وفي غير الممكن الذي هو المستحيل فيفارق الترجي.

стр. 385

بَابُ ظَنَّ وَأَخَوَاتِهَا هذا هو النوع الثالث من أبواب النواسخ التي ذكرها الناظم رحمه الله تعالى، وهو ظن وأخواتها وكلها أفعال باتفاق، وأخرها عن باب إنَّ مع كون إنَّ وأخواتها حروفا، لكون إنَّ بقي معها أحد ركني الإسناد وهو الرفع للخبر، كقولك: إنَّ زيداً قائمٌ، فقائمٌ مرفوع، والرفع إعراب العمد، وأما نحو: ظننت زيداً قائماً، هذا منصوب، والنصب في الأصل إعراب للفضلات، إذاً لما بقي أحد ركني الإسناد في باب إنَّ وهو أولى بالاعتبار من كون العامل فعلاً أو حرفاً، قدَّم باب إنَّ على باب ظن وأخواتها. وظن وأخواتها من النواسخ التي تدخل على المبتدأ والخبر فتنصبهما على أنهما مفعولان لظن وأخواتها، والأصل: زيدٌ قائمٌ، فدخلت ظنَّ فنصبت المبتدأ على أنه مفعول أول لظن، ونصبت الخبر على أنه مفعول ثان لظن. والأصل في العوامل التي تدخل على الجُمَل أنها لا تعمل ولا تؤثر، هذا هو الأصل لكن قيل: نصبت ظن وأخواتها مفعولين على التشبيه بأعطيت؛ لأن أعطى وكسى تنصب مفعولين، والفرق بين البابين أن باب كسى وأعطى لا يختص بجملة المبتدأ والخبر يعني لا يكون المفعول الأول مبتدأ في الأصل، ولا المفعول الثاني خبراً في الأصل، نحو قولك: أعطيت زيداً ديناراً، فزيداً مفعول أول، وديناراً مفعول ثان، إذا حذفت العامل أعطيت هل يصح رفع الجزئيين على أنهما مبتدأ وخبر فتقول: زيدٌ دينارٌ؟ نقول: لا يصح ذلك أبدا. إذًا أعطى

стр. 386

تنصب مفعولين لكن ليس أصلهما المبتدأ والخبر، لكن قولك: ظننت زيداً قائماً، إذا حذفت العامل ظن تقول: زيدٌ قائمٌ، إذًا أصل المفعولين في باب ظن المبتدأ والخبر، شُبهت ظن بأعطى، والأصل في أعطى أنها تنصب مفعولين لأنها لم تدخل على الجملة، كما مثلنا بنحو: أعطيت زيداً ديناراً، فحينئذٍ نصبت مفعولين شُبهت بها ظن فنصبت مفعولين أيضًا. إذاً تفتقر ظن إلى مفعولين المفعول الأول وهو المبتدأ في الأصل، والمفعول الثاني وهو الخبر في الأصل، ولذلك سميت ناسخاً لأنها نسخت حكم المبتدأ والخبر من الرفع إلى النصب، والعامل ظن. قد تسدُّ أنَّ الثقيلة مقام المفعولين، نحو: ظنت أنَّ زيداً قائم، فظننت فعل وفاعل، وهي تدخل على المبتدأ والخبر في الأصل، ولكن ليس عندنا هنا مبتدأ ولا خبر، نقول: أنَّ في قوة المفرد لأنها تؤول مع ما بعدها بمفرد، فأقيم أنّ ومدخولها مُقام المفعولين، فحينئذٍ تقول: أنَّ وما دخلت عليه من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سدَّ مسدَّ مفعولي ظن، وفي الحقيقة ليس عندنا مفعولان بل هو مفعول واحد لأنها كلمة واحدة وهي مصدر، تقديره: ظننت قيام زيد، وهذا ليس بمفعولين إنما هو مفعول واحد. كذلك أنِ المصدرية التي تدخل على الفعل المضارع نحو قوله تعالى: ((الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا (٢))) [العنكبوت:١، ٢] فالناس فاعل، وأن يتركوا أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر, سدَّ مسد مفعولي حسب. إذاً ظن وأخواتها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وقد يسُدُّ مسد المفعولين أنَّ المثقلة، وأنْ المصدرية التي تدخل على الفعل المضارع، فيكون معها في تأويل مصدر سد مسد مفعولي ظن.

стр. 387

ظن وأخواتها بالاستقراء قسمان أي من حيث المعنى، أما من حيث العمل فإنها تنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان لها، فهي قسمان: أفعال القلوب، وأفعال التحويل والتصيير، فأفعال القلوب سميت أفعال القلوب لأن معانيها قائمة بالقلب، كالعلم والظن والحسبان، فهذه محلها القلب. وأفعال التحويل والتصيير سميت بذلك لأنها تُفهِم تحولاً وانتقالاً من صفة إلى صفة أخرى. وأفعال القلوب أيضا بالاستقراء قسمان: الأول: منها ما يدل على اليقين بمعنى أنها تفيد في الخبر يقينا، وذَكَرَ الناظم منها ثلاثة أفعال فقط، وهي وجد ورأى وعلم. والثاني: أفعال الرجحان والشك بمعنى أنها تفيد في الخبر شكًا، وذكر الناظم منها خمسة أفعال فقط، وهي ظن وحسب وجعل وزعم وخال. وأما أفعال التصيير والتحويل فذكر منها اتخذ فقط، وقد تأتي جعل أيضًا بمعنى صيَّر، كما تأتي بمعنى علم. قال الناظم - رحمه الله تعالى -: اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ مُبْتَدَا ... وَخَبَرًا وَهْيَ ظَنَنْتُ وَجَدَا رَأَى حَسِبْتُ وَجَعَلْتُ زَعَمَا ... كَذَاكَ خِلْتُ وَاتَّخَذْتُ ... عَلِمَا تَقُولُ قَدْ ظَنَنْتُ زَيدًا صَادِقَا ... فِي قَوْلِهِ وَخِلْتُ عَمْرًا ... حَاذِقَا قوله: [اِنْصِبْ] هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، لكن هنا يحتمل أنه للوجوب في حال، وأنه لغير الوجوب في حال أخرى، وإذا أردنا تخصيصه بالوجوب فلا بد من تقييده فنقول: [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] إذا لم تلغ أو تعلق - وسيأتي معنى الإلغاء والتعليق- لأنه إذا تقدم العامل وتأخر المفعولان نحو: ظننت زيداً

стр. 388

قائماً، فمذهب البصريين وجوب الإعمال حينئذٍ، وأما إذا توسطت ظن بين المعمولين فقلت: زيداً ظننت قائماً، فيجوز الإعمال والإهمال ولا يجب نصب المعمولين، فنحمل قوله: [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] على الوجوب إذا تقدم العامل على المعمولين، وأما إذا توسط فيستحب الإعمال وهو النصب، ويجوز الإهمال، وإذا تأخر جاز الوجهان: الإعمال والإهمال، والوجوب والاستحباب المراد بهما الصناعي وليس الشرعي. [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] أي بواحد منها لا كلها، لأنه قال بأفعال القلوب، وأفعال جمع فعل، وأقل الجمع ثلاثة، إذًا لا تنصب المبتدأ والخبر إلا إذا دخلت على الجملة الاسمية أقل ما يصدق عليه أنه أفعال القلوب وهو ثلاثة، فإذا دخل عامل واحد فلا تنصب، وإذا دخل عاملان فلا تنصب، وإذا دخل ثلاثة عوامل نصبت، والجواب أن الإضافة جنسية، والإضافة الجنسية تُبطل معنى الجمعية، فحينئذٍ قوله أفعال القلوب أي بجنس أفعال القلوب الصادق بالواحد. [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ مُبْتَدَا وَخَبَرًا] إذاً هذه الأفعال تختص بالدخول على الجملة الاسمية المكونة من المبتدأ والخبر، لكن لا بد من استيفاء الفاعل لما تقرر أن كل فعل لا بد له من فاعل، إذاً [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ مُبْتَدَا وَخَبَرًا] بعد استيفاء فاعلها فتعطيها أولاً الفاعل ثم تمكنها من نصب المبتدأ والخبر.

стр. 389

ثم شرع في بيان هذه الأفعال، ومثل لها بمثالين فقط، فقال: [وَهْيَ ظَنَنْتُ] الواو واقعة في جواب سؤال مقدر، كأن سائلاً قال: ما هي أفعال القلوب، خبِّرنا بها؟ قال: وهي ظننت، فحينئذ تكون الواو للاستئناف البياني، وهو ما كان واقعاً في جواب سؤال مقدر، لأنه قال أولا [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] هذا إجمال ثم يأتي بعد ذلك ما هي هذه الأفعال؟ فيأتي التفصيل. [وَهْيَ ظَنَنْتُ] وهي أي أفعال القلوب، مبتدأ، وظننت خبر مفرد قصد لفظه، راعى العطف قبل الحمل أي ظننت وما عطف عليه خبر، لئلا يرد أن الضمير يعود على أفعال القلوب، وعدَّ الناظم منها ثمانية، فحينئذ يصدق قوله: أفعال القلوب على الثمانية الأفعال، وأخبر عنها بظننت وهو واحد فلم يوجد التطابق بين المبتدأ والخبر. [ظَنَنْتُ] الأصل في ظن أنها تدل على الرجحان أي رجحان الخبر في الأصل، فهي موضوعة للدلالة على ترجيح وقوع المفعول الثاني، تقول: ظننت زيداً قائماً، يعني أدركت إدراكاً راجحاً قيام زيدٍ. فالإدراك هنا للخبر الذي اتصف به المبتدأ؛ لأن الأصل في المفعول الأول أنه مبتدأ والأصل في المفعول الثاني أنه خبر. والأصل في الجملة الاسمية الدلالة على اتصاف المبتدأ بمضمون الخبر، فالأصل في ظن أنها تدل على الرجحان، والمراد بالرجحان: إدراك الشيء إدراكًا غير جازم، ثم غير الجازم قد يكون مرجوحا وهو الوهم، وقد يكون راجحا وهو الظن، قال العمريطي في نظم الورقات:

стр. 390

وَالظَّنُّ تَجْوِيزُ امْرِئٍ أَمْرَينِ ... مُرَجِّحًا ... لأَحَدِ ... الأَمْرَينِ فَالرَّاجِحُ المَذْكُورُ ظَنًّا يُسْمَى ... وَالطَّرَفُ المَرْجُوحُ يُسْمَى وَهْمَا وقال في المراقي: وَالوَهْمُ وَالظَّنُّ وَشَكٌّ مَا احْتَمَلْ ... لِرَاجِحٍ أَوْ ضِدِّهِ أَوْ مَا اعْتَدَلْ وقد تأتي ظن لليقين، يعني تستعمل في اليقين، لكنه ليس هو الأصل فيها، نحو: ((* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠))) [الحاقة:٢٠] وظننت هنا بمعنى اليقين، ولا يجوز حمله على الرجحان. ومنه ((وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ (١١٨))) [التوبة:١١٨] يعني وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه. [وَجَدَا] الألف للإطلاق، وهي موضوعة للدلالة على اليقين كقوله تعالى: ((تَجِدُوهُعِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ((٢٠))) [المزمل:٢٠] تجدوه الضمير هو المفعول الأول، وخيرًا هو المفعول الثاني، وتجد فعل مضارع لأن هذه الأفعال كما سيأتي تعمل مطلقا سواء كانت بصيغة الماضي وما تصرف منها, ولكن يذكرون الماضي لأنه هو الأصل في الأفعال أن يكون ماضياً ثم يكون مضارعاً ثم يكون أمراً. قال تعالى: ((وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢))) [الأعراف:١٠٢] فأكثر هو المفعول الأول، وفاسقين هو المفعول الثاني، وإن وجدنا: إن مخففة من الثقيلة، فإذا أعملت لا تحتاج إلى علامة ظاهرة، فتقول: إنْ زيداً عالم، وإن أهملت وجب دخول اللام على خبرها، فقيل: لام الابتداء، وقيل: لام زائدة للتأكيد، وقيل:
следующие страницы →