← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36087

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (649 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تنصب مفعولين لكن ليس أصلهما المبتدأ والخبر، لكن قولك: ظننت زيداً قائماً، إذا حذفت العامل ظن تقول: زيدٌ قائمٌ، إذًا أصل المفعولين في باب ظن المبتدأ والخبر، شُبهت ظن بأعطى، والأصل في أعطى أنها تنصب مفعولين لأنها لم تدخل على الجملة، كما مثلنا بنحو: أعطيت زيداً ديناراً، فحينئذٍ نصبت مفعولين شُبهت بها ظن فنصبت مفعولين أيضًا. إذاً تفتقر ظن إلى مفعولين المفعول الأول وهو المبتدأ في الأصل، والمفعول الثاني وهو الخبر في الأصل، ولذلك سميت ناسخاً لأنها نسخت حكم المبتدأ والخبر من الرفع إلى النصب، والعامل ظن. قد تسدُّ أنَّ الثقيلة مقام المفعولين، نحو: ظنت أنَّ زيداً قائم، فظننت فعل وفاعل، وهي تدخل على المبتدأ والخبر في الأصل، ولكن ليس عندنا هنا مبتدأ ولا خبر، نقول: أنَّ في قوة المفرد لأنها تؤول مع ما بعدها بمفرد، فأقيم أنّ ومدخولها مُقام المفعولين، فحينئذٍ تقول: أنَّ وما دخلت عليه من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سدَّ مسدَّ مفعولي ظن، وفي الحقيقة ليس عندنا مفعولان بل هو مفعول واحد لأنها كلمة واحدة وهي مصدر، تقديره: ظننت قيام زيد، وهذا ليس بمفعولين إنما هو مفعول واحد. كذلك أنِ المصدرية التي تدخل على الفعل المضارع نحو قوله تعالى: ((الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا (٢))) [العنكبوت:١، ٢] فالناس فاعل، وأن يتركوا أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر, سدَّ مسد مفعولي حسب. إذاً ظن وأخواتها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وقد يسُدُّ مسد المفعولين أنَّ المثقلة، وأنْ المصدرية التي تدخل على الفعل المضارع، فيكون معها في تأويل مصدر سد مسد مفعولي ظن.

стр. 387

ظن وأخواتها بالاستقراء قسمان أي من حيث المعنى، أما من حيث العمل فإنها تنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان لها، فهي قسمان: أفعال القلوب، وأفعال التحويل والتصيير، فأفعال القلوب سميت أفعال القلوب لأن معانيها قائمة بالقلب، كالعلم والظن والحسبان، فهذه محلها القلب. وأفعال التحويل والتصيير سميت بذلك لأنها تُفهِم تحولاً وانتقالاً من صفة إلى صفة أخرى. وأفعال القلوب أيضا بالاستقراء قسمان: الأول: منها ما يدل على اليقين بمعنى أنها تفيد في الخبر يقينا، وذَكَرَ الناظم منها ثلاثة أفعال فقط، وهي وجد ورأى وعلم. والثاني: أفعال الرجحان والشك بمعنى أنها تفيد في الخبر شكًا، وذكر الناظم منها خمسة أفعال فقط، وهي ظن وحسب وجعل وزعم وخال. وأما أفعال التصيير والتحويل فذكر منها اتخذ فقط، وقد تأتي جعل أيضًا بمعنى صيَّر، كما تأتي بمعنى علم. قال الناظم - رحمه الله تعالى -: اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ مُبْتَدَا ... وَخَبَرًا وَهْيَ ظَنَنْتُ وَجَدَا رَأَى حَسِبْتُ وَجَعَلْتُ زَعَمَا ... كَذَاكَ خِلْتُ وَاتَّخَذْتُ ... عَلِمَا تَقُولُ قَدْ ظَنَنْتُ زَيدًا صَادِقَا ... فِي قَوْلِهِ وَخِلْتُ عَمْرًا ... حَاذِقَا قوله: [اِنْصِبْ] هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، لكن هنا يحتمل أنه للوجوب في حال، وأنه لغير الوجوب في حال أخرى، وإذا أردنا تخصيصه بالوجوب فلا بد من تقييده فنقول: [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] إذا لم تلغ أو تعلق - وسيأتي معنى الإلغاء والتعليق- لأنه إذا تقدم العامل وتأخر المفعولان نحو: ظننت زيداً

стр. 388

قائماً، فمذهب البصريين وجوب الإعمال حينئذٍ، وأما إذا توسطت ظن بين المعمولين فقلت: زيداً ظننت قائماً، فيجوز الإعمال والإهمال ولا يجب نصب المعمولين، فنحمل قوله: [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] على الوجوب إذا تقدم العامل على المعمولين، وأما إذا توسط فيستحب الإعمال وهو النصب، ويجوز الإهمال، وإذا تأخر جاز الوجهان: الإعمال والإهمال، والوجوب والاستحباب المراد بهما الصناعي وليس الشرعي. [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] أي بواحد منها لا كلها، لأنه قال بأفعال القلوب، وأفعال جمع فعل، وأقل الجمع ثلاثة، إذًا لا تنصب المبتدأ والخبر إلا إذا دخلت على الجملة الاسمية أقل ما يصدق عليه أنه أفعال القلوب وهو ثلاثة، فإذا دخل عامل واحد فلا تنصب، وإذا دخل عاملان فلا تنصب، وإذا دخل ثلاثة عوامل نصبت، والجواب أن الإضافة جنسية، والإضافة الجنسية تُبطل معنى الجمعية، فحينئذٍ قوله أفعال القلوب أي بجنس أفعال القلوب الصادق بالواحد. [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ مُبْتَدَا وَخَبَرًا] إذاً هذه الأفعال تختص بالدخول على الجملة الاسمية المكونة من المبتدأ والخبر، لكن لا بد من استيفاء الفاعل لما تقرر أن كل فعل لا بد له من فاعل، إذاً [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ مُبْتَدَا وَخَبَرًا] بعد استيفاء فاعلها فتعطيها أولاً الفاعل ثم تمكنها من نصب المبتدأ والخبر.

стр. 389

ثم شرع في بيان هذه الأفعال، ومثل لها بمثالين فقط، فقال: [وَهْيَ ظَنَنْتُ] الواو واقعة في جواب سؤال مقدر، كأن سائلاً قال: ما هي أفعال القلوب، خبِّرنا بها؟ قال: وهي ظننت، فحينئذ تكون الواو للاستئناف البياني، وهو ما كان واقعاً في جواب سؤال مقدر، لأنه قال أولا [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] هذا إجمال ثم يأتي بعد ذلك ما هي هذه الأفعال؟ فيأتي التفصيل. [وَهْيَ ظَنَنْتُ] وهي أي أفعال القلوب، مبتدأ، وظننت خبر مفرد قصد لفظه، راعى العطف قبل الحمل أي ظننت وما عطف عليه خبر، لئلا يرد أن الضمير يعود على أفعال القلوب، وعدَّ الناظم منها ثمانية، فحينئذ يصدق قوله: أفعال القلوب على الثمانية الأفعال، وأخبر عنها بظننت وهو واحد فلم يوجد التطابق بين المبتدأ والخبر. [ظَنَنْتُ] الأصل في ظن أنها تدل على الرجحان أي رجحان الخبر في الأصل، فهي موضوعة للدلالة على ترجيح وقوع المفعول الثاني، تقول: ظننت زيداً قائماً، يعني أدركت إدراكاً راجحاً قيام زيدٍ. فالإدراك هنا للخبر الذي اتصف به المبتدأ؛ لأن الأصل في المفعول الأول أنه مبتدأ والأصل في المفعول الثاني أنه خبر. والأصل في الجملة الاسمية الدلالة على اتصاف المبتدأ بمضمون الخبر، فالأصل في ظن أنها تدل على الرجحان، والمراد بالرجحان: إدراك الشيء إدراكًا غير جازم، ثم غير الجازم قد يكون مرجوحا وهو الوهم، وقد يكون راجحا وهو الظن، قال العمريطي في نظم الورقات:

стр. 390

وَالظَّنُّ تَجْوِيزُ امْرِئٍ أَمْرَينِ ... مُرَجِّحًا ... لأَحَدِ ... الأَمْرَينِ فَالرَّاجِحُ المَذْكُورُ ظَنًّا يُسْمَى ... وَالطَّرَفُ المَرْجُوحُ يُسْمَى وَهْمَا وقال في المراقي: وَالوَهْمُ وَالظَّنُّ وَشَكٌّ مَا احْتَمَلْ ... لِرَاجِحٍ أَوْ ضِدِّهِ أَوْ مَا اعْتَدَلْ وقد تأتي ظن لليقين، يعني تستعمل في اليقين، لكنه ليس هو الأصل فيها، نحو: ((* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠))) [الحاقة:٢٠] وظننت هنا بمعنى اليقين، ولا يجوز حمله على الرجحان. ومنه ((وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ (١١٨))) [التوبة:١١٨] يعني وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه. [وَجَدَا] الألف للإطلاق، وهي موضوعة للدلالة على اليقين كقوله تعالى: ((تَجِدُوهُعِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ((٢٠))) [المزمل:٢٠] تجدوه الضمير هو المفعول الأول، وخيرًا هو المفعول الثاني، وتجد فعل مضارع لأن هذه الأفعال كما سيأتي تعمل مطلقا سواء كانت بصيغة الماضي وما تصرف منها, ولكن يذكرون الماضي لأنه هو الأصل في الأفعال أن يكون ماضياً ثم يكون مضارعاً ثم يكون أمراً. قال تعالى: ((وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢))) [الأعراف:١٠٢] فأكثر هو المفعول الأول، وفاسقين هو المفعول الثاني، وإن وجدنا: إن مخففة من الثقيلة، فإذا أعملت لا تحتاج إلى علامة ظاهرة، فتقول: إنْ زيداً عالم، وإن أهملت وجب دخول اللام على خبرها، فقيل: لام الابتداء، وقيل: لام زائدة للتأكيد، وقيل:

стр. 391

لام الفرق فرقاً بين إن المخففة من الثقيلة وإن النافية، لأن قولك: إن زيدٌ قائم هل هو إثبات أو نفي؟ لأن إن تأتي نافية بمعنى ما كقوله: ((إِنِالْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ (٤٠))) [يوسف:٤٠] فإن هنا بمعنى ما النافية بدليل وقوع إلا في جوابها، لكن إن زيدٌ قائمٌ هل هو نفي أو إثبات؟ نقول: نفي وإن هذه نافيه وليست هي المخففة من الثقيلة، لأن إن المخففة من الثقيلة إذا أهملت وجب دخول اللام على خبرها، فتقول: إن زيد لقائم، فاللام هي التي فرقت بين كون إن نافية أو مخففه من الثقيلة وهنا قال: ((وَإِنْوَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)) فأكثر هو المفعول الأول، وفاسقين هو المفعول الثاني لوجد. وجملة وجدنا أكثرهم لفاسقين في محل رفع خبر إن المخففة من الثقيلة؛ بدليل دخول اللام على الخبر، واسمها ضمير الشأن. أما إذا كانت وجد من الوجد وهو الحزن أو الحقد فهذه لا تنصب بل تكون لازمة تقول: وجد زيد في نفسه. [رَأَى] أي ورأى على حذف حرف العطف، ورأى الأصل فيها أنها تدل على اليقين، فهي قلبية بمعنى علم، قال الشاعر: رَأَيْتُ اللهَ أَكْبَرَ كُلِّ شَيءٍ مُحَاوَلَةً وَأَكْثَرَهُمْ جُنُودًا رأيت فعل وفاعل، ولفظ الجلالة منصوب على أنه مفعول أول، وأكبرَ بالنصب على أنه مفعول ثان، فرأى هنا بمعنى اليقين. وقد

стр. 392

تأتي بمعنى الظن نحو قوله تعالى: ((* إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦))) [المعارج:٦] قيل: يظنونه بعيداً. ((* وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧))) [المعارج:٧] هذه بمعنى اليقين، أي نعلمه قريباً، إذاً اجتمعت في الآيتين (رأى) بمعنى اليقين، ورأى بمعنى الظن. [حَسِبْتُ] أي وحسبت على حذف حرف العطف، وحسب الأصل فيها أنها تدل على الرجحان كظن، ومنه ((لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ (١١))) [النور:١١] تحسبوه الضمير مفعول أول، وشرا مفعول ثان أي لا تظنونه شرا لكم. وتقول: حسبت زيداً تقياً، أي أدركت تقوى زيدٍ إدراكاً راجحاً، وهذا من باب الحسبان، وهو الرجحان وقد تأتي بمعنى اليقين، ومنه قول الشاعر: حَسِبْتُ التُّقَى وَالجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ ... رَبَاحًا إِذَا مَا المَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلاَ حسبت التقى أي أيقنت أن التقوى والجود خير تجارة. وهذا مما لا شك فيه. [وَجَعَلْتُ] جعلَ تأتي بمعنى اعتقد، ومنه (وجعلوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا (١٩))) [الزخرف:١٩] وجعلوا الواو فاعل، والملائكة منصوب على أنه مفعول أول، وإناثاً مفعول ثان، يعني اعتقدوا أن الملائكة إناثاً. وقد تأتي جعل بمعنى صيّر، فتكون من أفعال التحويل، ومنه قوله تعالى: (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان:٢٣] أي صيّرناه هباءً منثوراً. فحينئذ جعل تضم إلى أفعال التحويل والتصيير، وإن كان الأصل فيها أنها من أفعال القلوب.

стр. 393

[زَعَمَا] أي وزعم على حذف حرف العطف، والألف للإطلاق، والأكثر في زعم أنها من باب ظن، حينئذ تدل على الرجحان، ويطلق على الحق والباطل يعني يقال على الحق أنه زعم، ولذلك قال أبو طالب: وَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحِي ... وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينَا زعم هنا بمعنى الحق والصدق مقابل الباطل، وقد تطلق على القول الذي شُك فيه، ولم يقم عليه دليل، لكن مراد الناظم هنا والنحاة أن الأكثر فيها أن تكون بمعنى الظن، وهو الرجحان، والأكثر في زعم أن تتعدى إلى معموليها بواسطة أنَّ المؤكدة سواء كانت مخففة من الثقيلة أو الثقيلة، فالأول نحو: ((* زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا (٧))) [التغابن:٧]. والثاني نحو قول الشاعر: وَقَدْ زَعَمَتْ أَّنِّي تَغَيَّرْتُ بَعْدَهَا وَمَنْ ذَا الَّذِي يَا عَزَّ لاَ يَتَغَيَّرُ هذا هو الغالب والأكثر أن يفصل بين زعم ومعموليها بأنّ مخففة كانت أو ثقيلة. وقد تتعدى إلى معموليها بنفسها بلا واسطة، كقول الشاعر: زَعَمَتْنِي شَيْخًا وَلَسْتُ بِشَيْخٍ ... إِنَّمَا الشَّيْخُ مَنْ يَدِبُّ دَبِيبَا زعمتني الياء هي المفعول الأول، وشيخاً هو المفعول الثاني، وتعدت زعم بنفسها. [كَذَاكَ خِلْتُ] خلت مبتدأ مؤخر، وكذاك خبر مقدم، أي مثل ذاك والمشار إليه ظننت وجد رأى حسبت وجعلت زعما في كونها

стр. 394

تنصب مفعولين خلت، والأصل في خلت أنها تدل على الرجحان فهي من أخوات ظن، يعني تدل على رجحان اتصاف الاسم الذي هو المفعول الأول بمضمون الخبر الذي هو المفعول الثاني. نحو: خلت زيداً أخاك، وقال في النظم: خلت زيداً حاذقاً أي ماهراً. وقد تدل على اليقين، قال الشاعر: دَعَانِي الغَوَانِي عَمَّهُنَّ وَخِلْتُنِي ... لِيَ اسْمٌ فَلاَ أُدْعَى بِهِ وَهْوَ أَوَّلُ ولا شك أن الإنسان على يقين من اسمه، وخلتني الياء هي المفعول الأول، واسم مبتدأ مؤخر، ولي خبر مقدم، والجملة في محل نصب المفعول الثاني. [وَاتَّخَذْتُ] اتخذ بمعنى صير، وهي من أفعال التحويل والتصيير، ومنه (((((((((((((اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥))) [النساء:١٢٥] فلفظ الجلالة فاعل، وإبراهيم مفعول أول، وخليلا مفعول ثان. [عَلِمَا] على حذف حرف العطف، والألف للإطلاق، والأصل في علم أنها لليقين، ومنه (((عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ (٢٣٥))) [البقرة:٢٣٥]، ((*قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ (((((((((((((((((لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا (١٨))) [الأحزاب:١٨] وقد تأتي بمعنى الظن، ومنه ((* فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ (١٠))) [الممتحنة:١٠] أي ظننتموهن مؤمنات؛ لأن الإيمان لا يقطع به، فالإيمان أصله في القلب والاطلاع عليه لا يمكن الوصول إليه بيقين وإنما هو ظن.

стр. 395

تَقُولُ قَدْ ظَنَنْتُ زَيدًا صَادِقَا ... فِي قَوْلِهِ وَخِلْتُ عَمْرًا حَاذِقَا [تَقُولُ قَدْ ظَنَنْتُ زَيدًا صَادِقَا فِي قَوْلِهِ] أي تقول في المثال لبعض ما سبق، وتقيس عليه ما بقي، تقول في التمثيل لظن: ظننت زيداً صادقاً في قوله، ظننت فعل وفاعل، وزيداً مفعول أول لظن، وصادقاً المفعول الثاني. وظننت هذا فعل ماض، ونقول: غير الماضي مثله، تقول: أظن زيداً صادقاً، أظن فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا، وزيداً مفعول أول، وصادقا مفعول ثان. وتقول: ظُن زيداً قائماً، وأنا ظآنٌ زيداً قائماً، وزيد مظنون أبوه قائماً، رُفع المفعول الأول وهوأبوه على أنه نائب فاعل، ونُصب الثاني على أنه مفعول ثان، فأقيم المفعول الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني على حاله، وعجبت من ظنِّك زيداً قائماً، ظن مصدر، والكاف لها حالان: باعتبار كونها مضافاً إليه فهي في محل جر، وباعتبار كونها فاعلاً فهي في محل رفع، وزيداً قائماً مفعولان للمصدر. الحاصل أن غير الماضي من باب ظن وأخواتها يعمل عمل الماضي، كما هو الحال في باب كان، فكل ما تصرَّف من ظن وعلم وحسب ووجد وغيرها يعمل عمل الفعل الماضي. [فِي قَوْلِهِ] جار ومجرور متعلق بقوله: صادقا، [وَخِلْتُ عَمْرًا حَاذِقَا] خلت فعل وفاعل، وعمراً بالنصب على أنه مفعول أول لخال، وحاذقاً أي ماهراً من الحِذْق، وهو مفعول ثان لخال. فهذه الأفعال تدخل على المبتدأ والخبر بعد استيفاء فاعلها فتنصبهما.

стр. 396

من أحكام هذه الأفعال أفعال القلوب الإلغاء والتعليق، فهما حكمان: والإلغاء من حيث المعنى يخالف التعليق من حيث المعنى، ويختلفان من حيث الحكم أيضاً، لأن الإلغاء جائز، والتعليق واجب. أما من حيث المعنى فالإلغاء هو: إبطال عملها في اللفظ والمعنى، إبطال عمل هذه الأفعال كلها في اللفظ والمعنى، إذاً لا يجب إعمال أفعال القلوب مطلقاً. ويجوز الإلغاء فيما إذا توسطت هذه الأفعال بين معموليها، ويجب فيما إذا تأخرت. وأحوال هذه الأفعال مع معموليها ثلاثة: إما أن تقول: ظننت زيداً قائماً، وإما أن تقول: زيداً ظننت قائماً، وإما أن تقول: زيداً قائماً ظننت. ولا رابع لها. إذا تقدمت ظن على معموليها وجب إعمالها عند البصريين، ولا يجوز الإلغاء، تقول: ظننت زيداً قائماً، إذاً تقدم العامل ثم المعمول الأول ثم الثاني، فعند البصريين لا يجوز الإلغاء، كما قال ابن مالك: وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الاِبْتِدَا ... ..................... فاستثنى حالة الابتداء، وأما حالة التوسط، كما إذا قلت: زيداً ظننت قائماً، جاز الإعمال وجاز الإلغاء، الإعمال أي نصب مفعولي ظن بها، فتقول: زيداً ظننت قائماً، زيداً مفعول أول مقدم على عامله، وظننت فعل وفاعل، وقائما مفعول ثان. ويجوز الإلغاء، فتقول: زيدٌ ظننت قائمٌ، فزيد مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وظننت فعل وفاعل، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب، وقائم خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، ورفعه ضمة ظاهرة

стр. 397

على آخره. إذاً جاز الوجهان فيما إذا توسطت بين معموليها، وأيهما أرجح: الإعمال وهو النصب بها، أو الإهمال وهو ترك النصب بها؟ جمهور النحاة على استواء الوجهين بدون ترجيح، وذهب بعضهم ومال إليه ابن هشام في أوضح المسالك إلى أن الإعمال أرجح إذا توسطت هذه الأفعال بين معموليها، فالإعمال أرجح، وهذا هو الأظهر لسببين: أولاً: أن الإعمال هو الأصل، لأن الأصل في هذه الأفعال أنها تنصب، وليس الإهمال هو الأصل، وإذا اختُلف في الشيء فحمله على الأصل أولى من حمله على خلافه وهو الإهمال، فإعمالاً للأصل تقول: الأرجح الإعمال. ثانيا: عند إعمالها تكون قد أعملت عاملاً لفظياً وهو ظن، وهو فعل، وعند الإهمال تكون قد قدمتَ العامل المعنوي على اللفظي، لأنك لو رفعته فهو مبتدأ مرفوع بالابتداء، والابتداء عامل معنوي، ومعلوم أن العامل المعنوي أضعف من العامل اللفظي، والعامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي، فحينئذ ترجح الإعمال فيما إذا توسطت هذه الأفعال بين معموليها. الحالة الثالثة: وهي إذا تأخرت، نحو: زيداً قائماً ظننت، فيجوز الإعمال ويجوز الإهمال، فتقول: زيداً قائماً ظننت، فزيداً مفعول به أول لظن مقدم عليه، وقائماً مفعول ثان مقدم وظننت فعل وفاعل. وتقول: زيدٌ قائمٌ ظننت، فزيد مبتدأ، وقائم خبر، وظننت فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب. وأيهما أولى؟ قالوا:

стр. 398

الإهمال أرجح من الإعمال؛ لأن القاعدة عندهم في الفعل أنه وإن كان أقوى في العمل، بل هو الأصل في العمل، لكن قوته تكون فيما إذا تقدم على المعمول، وأما إذا تأخر فإنه يضعف، ولذلك لما توسط العامل بين معموليه استوى الأمران عند الجمهور، ولم يترجح النصب مع كون العامل فعلاً، لأنه لم يتقدم على معموليه، بل توسط فحينئذ ضعف، فلما تأخر ازداد ضعفاً، فصار الإهمال أولى. ولذلك قوله تعالى: (إن كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣))) [يوسف:٤٣] الأصل: تعبرون الرؤيا، لكن لما تقدم المعمول على عامله زيدت اللام، وهذه اللام تسمى لام التقوية، زيدت اللام لأن العامل لما تأخر عن معموله ضعف تسلطه عليه، فلا بد من واسطة تقوي عمله، ولذلك قولك: ضربت زيداً، فعل وفاعل ومفعول به، ولا يصح أن يقال: ضربت لزيد، على أن اللام هذه تقوية للعامل ليصل إلى المعمول، هذا وإن سمع في لغة العرب لكنه ليس بقياس، فيحفظ ولا يقاس عليه. أما إذا تقدم المفعول به على العامل يجوز حينئذٍ زيادة اللام، وهذا جائز قياساً مطرداً، فتقول: لزيد ضربت، وإعرابه: لزيد اللام حرف جر زائد وصلة وتوكيد، وزيدٍ مفعول به منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وزِيد الحرفُ تقويةً للعامل، لأنه لما تقدم عليه معموله، وتأخر هو ضعف تأثيره، فحينئذ لا بد من واسطة، فليس هو كما لو تأخر المعمول في نحو: ضربت زيداً فلا

стр. 399

يحتاج إلى واسطة، زيداً ضربت لا بأس بالإتيان بالواسطة. ولذلك جاء في القرآن: ((إِنْكُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣))) [يوسف:٤٣] للرؤيا اللام صلة زائدة، والرؤيا مفعول به، وتعبرون فعل مضارع. ومثله الوصف ((* فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦))) [البروج:١٦] الأصل فعال ما يريد، لكن لما أعمل اسم الفاعل، والأصل في الاسم أنه لا يعمل، فحينئذ لما أُعمل عمِل بضعف فاحتاج إلى تقوية. وهنا زيدٌ قائمٌ ظننت، الإهمال أرجح من الإعمال. إذاً هذا ما يسمى بالإلغاء، لا عمل لها لا في اللفظ ولا في المحل. فإذا تقدمت وجب الإعمال على مذهب البصريين؛ ولذلك لو سمع من لغة العرب ما ظاهره تقدم العامل ثم عدم الأثر وهو نصب المعمولين قالوا: وجب تقدير شيء يجعل الموضع موضع تعليق لا إلغاء، قال ابن مالك: وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الاِبْتِدَا ... وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّانِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا فِي مُوهِمٍ إِلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا ... ......................... يعني إذا سمع من لغة العرب: ظننت زيدٌ قائمٌ، قالوا: نجعل التركيب من التعليق لا من الإلغاء، لأن الإلغاء هنا لا يجوز. هذا هو الحكم الأول وهو الإلغاء، وهو جائز. وكل موضع جاز فيه الإلغاء جاز الإعمال. وإنما يجوز الإلغاء في التوسط والتأخير.

стр. 400

وأما التعليق فهو: إبطال عملها لفظاً لا محلاً، يعني في اللفظ لا تنصب، وإنما يكون النصب في المحل، وذلك فيما إذا توسط بين العامل والمعمول ماله حق الصدارة في الكلام، لأن بعض الحروف والأسماء لها الصدارة في الكلام، فلا يتقدم عليها شيء أبداً، كالاستفهام، ولام الابتداء، وما النافية، وإن النافية كما سيأتي، فهذه لها صدر الكلام فإذا وقعت بين العامل والمعمولين ألغي العمل في اللفظ، وبقي العمل في المحل، وهذا هو حقيقة التعليق إبطال عملها لفظاً لا محلا. إذاً التعليق ليس كالإلغاء، الإلغاء عدم العمل مطلقاً، لا في اللفظ ولا في المحل، وهنا عدم العمل في اللفظ فقط، وأما في المحل فهي عاملة النصب؛ وذلك لاعتراض ماله صدر الكلام بينها وبين معموليها، والمراد بما له صدر الكلام هو ما النافية، نحو: ظننت ما زيدٌ قائمٌ الأصل ظننت زيداً قائماً، فلما توسط بين العامل والمعمولين ما النافية وهي لها صدر الكلام لم يستطع العامل أن يؤثر في لفظ المعمولين، فلم يستطع أن يتجاوز ما النافية فينصب المبتدأ على أنه مفعول أول، وينصب الخبر على أنه مفعول ثان لفظًا، وإنما عمل في المحل دون اللفظ، لكون ما النافية لها صدر الكلام، وإعراب ظننت ما زيدٌ قائمٌ، ظننت فعل وفاعل، وما حرف نفي، وزيد قائم: مبتدأ وخبر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مفعولي ظننت، فأثر العامل في المحل، ولم يؤثر في اللفظ، لأنه وجد أمامه عَقَبَةً لم يستطع أن يتجاوزها، وإنما استطاع أن يتسلل إلى المحل فقط. ومنه قوله تعالى: (لقد عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)

стр. 401

[الأنبياء:٦٥] ما نافية، وهؤلاء ينطقون هؤلاء مبتدأ، وينطقون الجملة خبر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب معمولي علمت. كذلك لا النافية، نحو: علمت لا زيدٌ قائمٌ ولا عمرو. فلا النافية لها حق الصدارة، وإعرابه علمت فعل وفاعل، ولا نافية، وزيدٌ قائمٌ مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب مفعولي علم. وإن النافية، نحو: (وتظنون إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢))) [الإسراء:٥٢] وتظنون فعل مضارع، وإن حرف نفي، وجملة لبثتم إلا قليلا في محل نصب معمولي تظنون. ولام الابتداء، نحو: علمت لزيد قائمٌ، لزيد اللام لام الابتداء ولها حق الصدارة في الكلام، زيد قائم مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب معمولي علمت. ولام القسم، مما له صدر الكلام، قال الشاعر: وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي ... إِنَّ المَنَايَا لاَ تَطِيشُ سِهَامُهَا قوله: لتأتينَّ منيتي اللام لام قسم، وجملة تأتينَّ منيتي في محل نصب معمولي علمت. والاستفهام، نحو: علمت أزيد قائم، علمت فعل وفاعل، والهمزة للاستفهام، زيد قائم مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب معمولي علمت.

стр. 402

هذه المذكورات تعد مما له صدر الكلام، يعني لا تقع إلا في أول الكلام، فإذا وقعت بعد أفعال القلوب أبطلت عملها في اللفظ، وبقي عملها في المحل، وهي: ما النافية، وإن النافية، ولا النافية، ولام الابتداء، ولام القسم، وهمزة الاستفهام. والدليل على أنها عملت في المحل لا في اللفظ، قول الشاعر: وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ عَزَّةَ مَا البُكَى ... وَلاَ مُوجِعَاتِ القَلْبِ حَتَّى تَوَلَّتِ والذي ينبني عليه أنك إذا عطفت عليه يجوز أن تعطف عليه بالنصب مراعاة للمحل، فإذا قلت: علمت لزيدٌ قائمٌ وعمراً منطلقاً، يجوز العطف بالنصب، ويجوز وعمروٌ منطلق بالرفع، فلك أن تراعي اللفظ، ولك أن تراعي المحل. فحينئذ لما ظهر أثر المحل في العطف علمنا أن الفعل قد عمل في المحل. وتقرير الدليل أن يقال: أدري من أفعال القلوب، ما البكى ما استفهامية، وما البكى مبتدأ وخبر، فوقع المبتدأ استفهاماً، وهو مما له صدر الكلام، ثم قال: ولا موجعاتِ هذا معطوف على قوله: ما البكى، وموجعاتِ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة، لأنه جمع مؤنث سالم، وهو معطوف على محل جملة ما البكى، والعامل في محل ما البكى هو العامل في موجعاتِ. إذًا لما عطف على محل ما البكى بالنصب علمنا أن أدري قد عُلِّق عن العمل في لفظ المفعولين، ولم يعلق عن العمل في المحل؛ ولذلك سمي تعليقاً، قيل:

стр. 403

كالمرأة المعلقة لأن العاملَ عاملٌ وليس بعاملٍ، عامل في المحل، وليس بعامل في اللفظ، يعني كالمرأة المعلقة لا مزوجة ولا مطلقة فلذلك سمي تعليقاً. إذاً الفرق بين الإلغاء والتعليق من حيث الحقيقة، ومن حيث الحكم. فمن حيث الحقيقة الإلغاء: هو إبطال عملها لفظاً ومحلاً. ومن حيث الحكم: الإلغاء جائز وليس بواجب. والتعليق: هو إبطال عملها لفظاً لا محلاً. والحكم: أنه واجب.

стр. 404

التَّوَابِعُ جمع تابع، وهذا هو النوع السابع من مرفوعات الأسماء، وهي عند التفصيل خمسة وهي: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل. وبعضهم جمع عطف البيان وعطف النسق في واحد فقال: التوابع أربعة، كما هو مذهب الزجاج أن التوابع أربعة قال: النعت والتوكيد والعطف والبدل. ثم يأتي إلى العطف فيفصل فيقول: نوعان: عطف بيان، وعطف النسق. والتابع: هو المشارك لما قبله في إعرابه مطلقاً. قوله: في إعرابه يعني إذا كان مرفوعاً فهو مرفوع، وإذا كان منصوباً فهو منصوب، وإذا كان مجروراً فهو مجرور، وإذا كان مجزوماً فهو مجزوم. فحينئذ شمل التوابع الخمسة كلها. وقوله: مطلقا أراد به إخراج خبر المبتدأ، من نحو: زيد قائم، فقائم خبر وهو مشارك لما قبله في إعرابه، لأن قائمٌ مرفوع، وزيد مرفوع، إذًا شارك ما قبله في إعرابه، لكن ليس على جهة الإطلاق، وإنما في بعض أحواله، لأنك لو أدخلت على المبتدأ ما يقتضي نصبه نُصب المبتدأ ولم يشاركه الخبر، فتقول: إن زيداً قائمٌ، ففارقه، شاركه قبل دخول إنَّ، وفارقه بعد دخول إنّ، بخلاف التابع فإنه يكون مشاركاً لما قبله مطلقاً، فتقول: جاء زيدٌ العالمُ، ورأيت زيداً العالمَ، ومررت بزيدٍ العالمِ، شاركه مطلقاً، ولو تغيرت الأحوال كما لو تغير من رفع إلى نصب، ومن نصب إلى جر،

стр. 405

نقول: النعت معه يدور بدوران المتبوع. إذاً قوله: مطلقاً، لإخراج خبر المبتدأ، كذلك أخرج الحال من المنصوب، نحو: رأيت زيداً راكباً، فراكباً: حال وهو مشارك لما قبله في الإعراب، لكن ليس على جهة الإطلاق، وإنما في بعض أحواله، لأن الحال دائماً يكون منصوباً، وصاحب الحال قد يكون منصوباً، فإذا وافقت الحال صاحب الحال وهو منصوب فلا يطرد ذلك مع رفع صاحب الحال أو جره، فتقول: رأيت زيداً ضاحكاً، فضاحكاً حال، وقد شارك صاحبه في إعرابه وهو النصب، وتقول: جاء زيدٌ ضاحكاً، ومررت بزيد ضاحكاً، فارقه ولم يشاركه. فحينئذ قوله: المشارك لما قبله في إعرابه مطلقاً، يعني لا في بعض الأحوال دون بعض. فقوله: المشارك لما قبله في إعرابه، شمل الأنواع الخمسة، ودخل معنا خبر المبتدأ، والحال من المنصوب، قوله: مطلقًا أي المشاركة تكون في جميع الوجوه، لا في بعض الوجوه دون بعض، ولا في بعض التراكيب دون بعض، وإنما مطلقاً، كلما وُجد المتبوع على حال من رفع أو نصب أو خفضٍ كان التابع كذلك. هذا هو حقيقة التابع. لكن بقي حالة واحدة لم يخرجها الحد، وهي: الخبر الثاني فيما إذا تعدد الخبر، نحو قولك: هذا حلو حامض، هذا مبتدأ، وحلو خبر أول، وحامض خبر ثان، وتقول: إن هذا حلو حامض، وكان هذا حلواً حامضاً، فحينئذ دار الخبر الثاني مع الخبر الأول وشاركه في إعرابه مطلقًا فلم يخرج بقوله: مطلقاً، ولذلك بعضهم لم يرتض هذا الحد وحده بقوله: الاسم المشارك لما قبله في إعرابه

стр. 406

المتجدد والحاصل غير خبر. فلا بد من إضافة كلمة غير خبر لإخراج الخبر الثاني فيما إذا تعدد الخبر؛ لأن الخبر يجوز تعدده كما قال ابن مالك: وَأَخْبَرُوا بِاثْنَينِ أَوْ بِأَكْثَرَا ... عَنْ وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا إذا تعدد الخبر فالخبر الثاني يكون مشاركاً للخبر الأول دائماً، فإذا رُفع رفع، وإذا نصب نصب، إذاً لا بد أن يُزاد قوله: مطلقاً ليس خبراً، لإخراج الخبر الثاني وهذا أحسن. أو نعرفه بأنه المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد ليس خبراً، والحاصل والمتجدد الحاصل يعني الآن في التركيب، والمتجدد في تركيب آخر.

стр. 407

بَابُ النَّعْتِ هذا هو النوع الأول من أنواع التوابع الخمسة، باب النعت، وبدأ بالنعت لأن هذه الخمسة إذا اجتمعت قُدِّم النعت، إذا اجتمعت في تركيب واحد قدم النعت، ويقال: باب الوصف والصفة، وأكثر النحاة على أنهما مترادفان، وابن القيم له كلام في بدائع الفوائد في التفريق بين النعت والصفة. النعت في اللغة: بمعنى الصفة أو الوصف، والوصف والصفة مترادفان. وفي اصطلاح النحاة: هو التابع المشتق أو المؤول به المباين للفظ متبوعه. هذا أحسن ما يقال في حد النعت. قوله: التابع هذا جنس، والعلاقة بينه وبين المحدود العموم والخصوص المطلق، فكل نعت تابع ولا عكس، لأن النعت واحد التوابع، والتوابع خمسة ومنها النعت. إذاً التابع جنس يشمل التوابع الخمسة: النعت والتوكيد وعطف البيان وعطف النسق والبدل, فنحتاج إلى قيود لإخراج الأربعة ليبقى النعت. قال: المشتق أو المؤول به فخرجت كل التوابع: التوكيد والبدل وعطف البيان وعطف النسق والتوكيد اللفظي الجامد لأنها ليست بمشتقات، وبقي نوع واحد، وهو التوكيد اللفظي المشتق. إذاً قوله: المشتق أو المؤول به -وسيأتي معنى المشتق والمؤول بالمشتق- فصلٌ مخرج لبقية التوابع، فإنها لا تكون مشتقة ولا مؤولة بالمشتق. إذاً التوكيد والبدل والعطف لا تكون

стр. 408

مشتقة، فإذا جاءك التابع مشتقاً فاحكم عليه بأنه نعت، إذاً كون اللفظة مشتقة علامة على أنه نعت، فإذا وجد الاشتقاق فثم النعت، وإذا لم يوجد الاشتقاق حينئذ ارتفع النعت. فمثلا تقول في التوكيد: جاء القومُ أجمعون، فأجمعون توكيد وليس بمشتق، حينئذ تقول: أجمعون ليس بنعت. وتقول: جاء زيدٌ زيد، فزيد الأول فاعل، والثاني توكيد جامد، فليس بمشتق فلا يكون نعتًا، وتقول في البدل: جاء زيد أخوك، فأخوك بدل وليس بمشتق، فلا يكون نعتًا، وعطف البيان لا يكون مشتقاً، والمثال السابق صالح له، وتقول في عطف النسق: جاء زيد وعمرو، فعمرو معطوف على زيد وليس بمشتق؛ لأنه عطف نسق. فإن قيل: يردُ على أن سائر التوابع ليست بمشتقات ما إذا قلتَ: قال: أبو بكر الصديق، وقال: عمر الفاروق، ورأيت شاعراً وكاتباً. فالصديق مشتق صيغة مبالغة على وزن فعيل، والفاروق أيضًا مشتق صيغة مبالغة على وزن فاعول، وهما عطف بيان أو بدل، فكيف نقول: إن التابع المشتق لا يكون إلا نعتاً، فقد وجد البدل وعطف البيان كما في الصديق والفاروق مشتقين؟! الجواب: أن الصديق والفاروق هما في الأصل مشتقان ثم عوملا معاملة الألقاب، فجُعلا كالعلمين، بحيث إذا أطلقا انصرفا إلى الخليفتين الراشدين ﵄ فصارا كالعلم كزيد، فهما جامدان؛ لأن الأصل في العلم أنه جامد، والأصل فيما إذا كان دالاً على صفة ثم صار علمًا أنه يسلب دلالته على الصفة، فلا يدل على شيء حينئذٍ، كما لو سمي رجل بصالح، لا يلزم أنه صالح

стр. 409

بالفعل، وإنما الوصف بكونه صالحاً قبل جعل اللفظ علماً، فلما جعل اللفظ علماً سلب منه المعنى وهو الصلاح، كذلك محمود لا يدل على أنه متصف بالصفات الحميدة. أما رأيت شاعراً وكاتباً، كاتباً عطف نسق وهو مشتق، فكيف يقال: عطف النسق لا يكون مشتقاً وقد وجد الاشتقاق في عطف النسق؟! الجواب: أنّ كاتباً ليس هو المعطوف، وإنما المعطوف محذوف كذلك رأيت شاعراً، شاعراً ليس هو المفعول، وإنما التقدير: رأيت رجلاً شاعراً، ورجلاً كاتباً، فرجلاً هو المعطوف، وكاتباً وشاعراً هذان نعتان في الموضعين، رأيت شاعراً ليس هو المفعول به في الحقيقة، وإنما هو صفة لموصوف محذوف، رأيت رجلاً شاعراً وكاتباً، أي ورجلاً كاتباً حينئذ لم يعطف المشتق، وإنما عطف المنعوت، وهو جامد. قال: المباين للفظ متبوعه هذا فصل لإخراج نوع واحد من أنواع التوكيد اللفظي، وهو فيما إذا وقع التوكيد بمكرر وهو مشتق، نحو: جاء زيد الفاضلُ الفاضلُ، زيدٌ: فاعل، والفاضل الأول نعت، والثاني توكيد لفظي، إذاً وجد الاشتقاق، وصار التوكيد اللفظي مشتقاً؛ لأنه اسم فاعل، والجواب: أن النعت لا بد أن يكون مبايناً أي مغايراً لمتبوعه، زيد الفاضل، ليس الفاضل في اللفظ عين زيد، بل هو مباين ومخالف له، أما الفاضل الثاني فهي عين الأول، فحينئذ لا يكون نعتاً، وإنما هو توكيد، وشرط النعت أن يكون مبايناً لمتبوعه، وهنا الفاضل الفاضل، الفاضل الثاني لم تغاير

стр. 410

الفاضل الأول، بل هو عينه، حينئذ لا يقال: إنه نعت، بل هو توكيد لفظي. عرفنا أن شرط النعت: أن يكون مشتقاً بصيغته، أو مؤولا بالمشتق بأن يكون جامداً ليس بمشتق، لكنه يقوم مقام المشتق للدلالة على ما دل عليه اللفظ المشتق. قال ابن مالك: وَانْعَتْ بِمُشْتَقٍّ كَصَعْبٍ وَذَرِبْ ... وَشِبْهِهِ كَذَا وَذِي وَالمُنْتَسِبْ والمراد بالمشتق هنا: ما دل على حدث وصاحبه. قولنا: ما أي لفظ دل على حدث وصاحبه كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، أربعة لا خامس لها في هذا الموضع، وإلا فالمشتقات عشرة عند الصرفيين، ولكن المراد به في باب النعت أربعة، إذا أُطلق المشتق حمل عليها، لأنها تدل على ذات وصفة، والمعنى ظاهر في اسم الفاعل إذا قيل: ضارب وفاضل وعالم وقاتل، فنقول: هذه أسماء فاعلين تدل على ذات أي على شخص، هذا الشخص قد اتصف بصفة، فإذا قيل: زيد، نقول: هذا دل على ذات فقط، ولم يدل على حدث، وإذا قيل: قَتْلٌ وضرْبٌ وأَكْلٌ وشرْبٌ دلت على حدث فقط، ولم تدل على ذات. ثم وضعت العرب لفظاً مشتركاً دالاً على ذات وحدث معًا، فقالت: قاتل وضارب مثلا، كأنه قال: زيد اتصف بحدث وهو القتل أو الضرب. فقاتل وضارب اسم فاعل، دل على ذات وصفة.

стр. 411

وأما المؤول بالمشتق، يعني ما يؤول ويرجع إلى المشتق فهو ما يقوم مقام الاسم المشتق في دلالته على معنى المشتق، منها الأول: اسم الإشارة، فاسم الإشارة يصح أن يقع نعتاً ويؤول بالمشتق، تقول: مررت بزيد هذا، مررت فعل وفاعل، وبزيد جار ومجرور، وهذا نعت لزيد، وقد وقع نعتًا وليس بمشتق بل هو جامد، ولكن نؤوله بالمشتق أي بزيد المشار إليه، أرجعته إلى اسم المفعول؛ لأن المشار اسم مفعول. فحينئذ فسرت اسم الإشارة باسم المفعول وهو مشتق. إذاً اسم الإشارة يقع نعتاً، وليس هو عينه بمشتق، وإنما يقوم مقام المشتق في الدلالة على ما دل عليه المشتق، وهو المشار إليه. الثاني: ذو التي بمعنى صاحب، تقول: جاء رجل ذو علم، جاء فعل ماض، ورجل فاعل، وذو نعت، وهو جامد ليس بمشتق لكنها في قوة المشتق؛ لأنها بمعنى صاحب، والصاحب اسم فاعل وهو مشتق، إذاً هو في قوة المشتق. الثالث: الاسم المنسوب، تقول: جاء رجل مكيٌّ أو قرشيٌّ، جاء فعل ماض، ورجل فاعل، وقرشي نعت، وهو جامد ليس بمشتق، لكنه في قوة المشتق أي المنسوب إلى قريش، والمنسوب اسم مفعول. الرابع: الجملة الخبرية، فالجملة الخبرية تقع نعتاً، تقول: جاءني رجل أبوه عالم، رجل فاعل، وأبوه عالم مبتدأ وخبر، والجملة في محل رفع نعت لرجل، لأن الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال، ويشترط هنا في الجملة أن تكون مشتملة على رابط

стр. 412

-كجملة الخبر- يربط بين الجملة والمنعوت، وأن تكون جملة خبرية لا إنشائية، كما قال ابن مالك: وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ ... ................... الخامس: المصدر، تقول: جاءني رجل عدل، فرجل فاعل، وعدل نعت؛ لأنه مؤول عند الكوفيين باسم الفاعل جاءني رجل عادل، أو على حذف المضاف ذو عدل أي صاحب عدل عند البصريين. السادس: شبْه الجملة، تقول: مررت برجل في الدار، في الدار جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لرجل، ومررت برجل عندك، عند ظرف متعلق بمحذوف صفة لرجل. إذاً الجار والمجرور والظرف إذا وقعا بعد النكرة يعربان صفة، وإذا وقعا بعد المعرفة يعربان حالا. السابع: الاسم الموصول، تقول: جاء زيد الذي قام، فزيد فاعل، والذي نعت لأن الموصول مع صلته في قوة المشتق، أي جاء زيد القائم، حينئذ أحللت محله اسم فاعل وهو مشتق. الثامن: أيُّ الوصفية، تقول: جاء رجل أيُّ رجل، يعني بلغ الكمال في الرجولة، فأيّ نعت؛ لأنها بمعنى كاملة. وفائدة النعت أنه مخصص للنكرات، موضح للمعارف، يعني إذا وقع بعد النكرة فهو مخصص لها، والمراد بالتخصيص: تقليل الاشتراك، نحو: مررت برجل عالم، فلفظ رجل نكرة، ويحتمل أنه

стр. 413

عالم أو جاهل، فإذا قلت: عالم، خصصته، يعني أخرجت الجاهل، ثم بقي نوع اشتراك، هل الرجل هذا زيد أو عمرو أو خالد ... إلخ. فالصفة هنا خصصت النكرة بأن قللت الاشتراك، ولم ترفعه. وإذا وقع بعد المعارف فهو للتوضيح، والمراد بالتوضيح هنا: رفع الاشتراك، تقول: جاء زيد، وأنت تعرف أن زيدًا علَمٌ مشترك، قد يكون زيدًا العالم، زيدًا الفاضل، زيدًا البخيل، زيدًا الكريم وهكذا، فإذا قلت: جاء زيد الكريم، تعيَّن. إذاً الفرق بين التخصيص والتوضيح: أن التخصيص تقليل للاشتراك، والتوضيح رفع للاشتراك بالكلية، كذلك يقع النعت توكيداً، كقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة:١٩٦]، وقد يقع للمدح، (بسم الله الرحمن الرحيم) الرحمن الرحيم نعتان المراد بهما المدح، وقد يقع ويراد به الذم، (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) (الرجيم) المراد به الذم. قال في عقود الجمان: وَوَصْفُهُ لِلْكَشْفِ وَالتَّخْصِيصِ أَوْ ... تَأَكُّدٍ وَالمَدْحِ وَالذَّمِ رَأَوْا قال الناظم - رحمه الله تعالى-: النَّعْتُ قَدْ قَالَ ذَوُو الأَلبَابِ ... يَتْبَعُ لِلمَنْعُوتِ فِي الإِعْرَابِ كَذَاكَ فِي التَّعْرِيفِ وِالتَّنْكِيرِ ... كَجَاءَ زَيدٌ صَاحِبُ الأَمِيرِ

стр. 414

النعت يتبع المنعوت في حكمه، فإن كان منعوته مرفوعاً كان النعت مرفوعاً، وإن كان المنعوت منصوباً كان النعت منصوباً، وإن كان المنعوت مجروراً كان النعت مجروراً، والعامل في المتبوع هو العامل في النعت، وهذا مذهب الجمهور ونسب إلى سيبويه. وذهب الخليل والأخفش إلى أن العامل في النعت هو التبعية وهذا أمر معنوي، فإذا قيل مثلاً: جاء زيد الفاضل، جاء فعل ماض، وزيد فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، والذي أحدث الضمة في زيد هو الفعل جاء، والفاضل مرفوع لأنه نعت لزيد، والنعت يتبع المنعوت في حكمه الإعرابي، إذا كان المنعوت مرفوعاً كان النعت مرفوعاً، وهنا النعت مرفوع لكون المنعوت مرفوعاً، إذًا طابقه في الإعراب، فهو مرفوع ورفعه الضمة الظاهرة على آخره، والذي أحدث الضمة في النعت الفاضل فيه قولان: الجمهور على أن العامل في المتبوع هو العامل في التابع، فحينئذ العامل في زيد هو عينه العامل في الفاضل، فيكون الفاضل مرفوعًا بالفعل جاء، فيكون الفعل جاء قد رفع اسمين: رفع الأول على أنه فاعل، ورفع الثاني على أنه نعت له، فيكون العامل لفظيا، وهذا مذهب الجمهور وهو أصح. وذهب الخليل والأخفش أن العامل هو التبعية، وهي كونك قد أتبعت زيدًا بالفاضل، وألحقتَ زيدًا الموصوفَ بالفاضل أي وصفته به، وهذا أمر معنوي وهو فعل الفاعل، وهذا محتمل أن تكون التبعية هي العامل، لكن إذا وجد في التركيب ما هو عامل لفظي وأمكن إسناد العمل إليه دون أن يقدر عامل معنوي فهو

стр. 415

أرجح، لأن الأصل في العوامل أن تكون لفظية، والعامل المعنوي ضعيف، حينئذٍ الأولى أن يعلق العمل باللفظي لأنه أرجح وأقوى من أن يعلق بأمر معنوي. [النَّعْتُ قَدْ قَالَ ذَوُو الأَلبَابِ] النعت مبتدأ، وقد حرف تحقيق، وذووا فاعل مرفوع ورفعه الواو المحذوف للتخلص من التقاء الساكنين، لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وذوو الألباب أي أصحاب الألباب، جمع لب والمراد به العقل، [يَتْبَعُ] أي النعت [لِلمَنْعُوتِ] أي المنعوتَ، فاللام زائدة، دخلت على المفعول به، وهذا شاذ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، [فِي الإِعْرَابِ] أي في واحد من أوجه الإعراب، ولابد من التقدير لأنه لا يتبع المنعوت في الإعراب مطلقاً، لأن الإعراب جنس تحته أنواع، والاسم حيث كان تابعاً حينئذٍ قد يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، فإذا قيل يتبعه في الإعراب: رفعاً أو نصباً أو جراً، إذاً لا يمكن أن يتبعه في اثنين لأن الاسم لا يمكن أن يكون مرفوعاً منصوباً، أو منصوباً مجروراً، أو مرفوعاً مجروراً في وقت واحد، ولذلك نقول الاسم له باعتبار الإعراب ثلاثة أحوال: إما أن يكون مرفوعاً، وإما أن يكون منصوباً، وإما أن يكون مجروراً. كذلك باعتبار التعريف والتنكير الاسم له حالان: إما أن يكون معرفة، وإما أن يكون نكرة. وباعتبار الإفراد والتثنية والجمع له ثلاثة أحوال: إما أن يكون مفرداً، وإما أن يكون مثنى، وإما أن يكون جمعاً. وباعتبار التذكير والتأنيث له حالان: إما أن يكون مذكراً، وإما أن يكون مؤنثاً. هذه

стр. 416

عشرة أحوال للاسم: ثلاثة في الإعراب، وثلاثة في الإفراد والتثنية والجمع، واثنان في التعريف والتنكير، واثنان في التذكير والتأنيث، هذه أربعة أقسام تحتها عشرة أنواع. وكل اسم له أربعة أمور من هذه العشرة، ولا يمكن أن تجتمع كلها في اسم واحد، فحينئذ يأخذ من كل قسم نوعا واحدا، القسم الأول الذي هو الإعراب له ثلاثة أحوال: إما أن يكو مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، الاسم له حالة واحدة منها فإذا كان مرفوعاً انتفى النصب والجر، وإذا كان منصوباً انتفى الرفع والجر، وإذا كان مجروراً انتفى الرفع والنصب، فله حالة واحدة. وباعتبار الإفراد له حالة واحدة: إما أن يكون مفرداً أو مثنى أو جمعاً، فإذا كان جمعاً ارتفع الإفراد والتثنية، وإذا كان مثنى ارتفع الإفراد والجمع، وإذا كان مفرداً ارتفعت التثنية والجمع. وباعتبار التنكير والتعريف: إذا كان معرفة فحينئذٍ لا يمكن أن يكون نكرة، وإذا كان نكرة لا يمكن أن يكون معرفة، إذاً له حالة واحدة من التعريف والتنكير. وباعتبار التذكير والتأنيث له حالة واحدة إما أن يكون مذكراً، وإما أن يكون مؤنثاً. إذا قلت: جاء زيد، زيد له الرفع، والتذكير، والإفراد، والتعريف، أربعة أحوال، وإذا قلت: جاءت هند ارتفع التذكير، وحل محله التأنيث مع بقية الأوجه، وإذا قلت: جاء الزيدان، ارتفع الإفراد وحل محله التثنية مع بقية الأوجه، وهكذا في سائر الأنواع، لا يمكن أن تكون إلا أربعة منها. النعت إما أن يكون حقيقياً، وإما أن يكون سببياً، فالحقيقي هو الذي رفع ضميرًا مستتراً، لأن النعت لا بد أن يكون مشتقاً، فإذا

стр. 417

كان مشتقاً لا بد أن يكون عاملاً، وذكرنا أن المشتق هنا المراد به اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل، وهذه ترفع ضميرًا مستترًا، فإذا قلت: جاء زيد العاقل، العاقل نعت تنظر بعد لفظ العاقل، هل هناك اسم ظاهر؟ فإذا لم يكن بعده اسم ظاهر تحكم عليه بأنه رفع ضميراً مستتراً، يعود على المنعوت، هذا ضابط النعت الحقيقي. والنعت السببي هو الذي رفع اسماً ظاهراً، فإذا قلت: جاء زيد العاقل أبوه، فالعاقل نعت ثم تنظر في النعت هل رفع ضميراً مستتراً؟ الجواب لا، وإنما رفع اسماً ظاهراً وهو أبوه وهو فاعل. وهذا يسمى نعتاً سببياًَ، وعلة التسمية قالوا: لأنه جرى على غير ما هو له، فقولك: جاء زيد العاقل أبوه، جاء فعل ماضٍ، وزيد فاعل، وهو المنعوت، والعاقل نعت لزيد، وأبوه فاعل للنعت، هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فمَن الذي وصف بالعقل؟ هل هو زيد أو أبو زيد؟ الجواب: الموصوف بالعقل هو أبو زيد، إذاً هل جرى النعت والصفة التي تضمنها اللفظ المشتق على الموصوف أو على غيره؟ لاشك أنه على غيره، هذا يسمى نعتاً سببياً، فحينئذٍ العاقل أبوه ليس وصفاً لزيد، وإنما هو وصف لأبي زيد، فتقول هذا الوصف جرى على غير من هو له في الأصل، لأنه في الأصل لزيد ولذلك نعربه نعتا له، لكنه لما رفع اسماً ظاهراً انتقل في المعنى من جهة كونه صفة لزيد إلى كونه صفة لأبي زيد.

стр. 418

قال الناظم: النعت [يَتْبَعُ لِلمَنْعُوتِ فِي الإِعْرَابِ] أي في واحد من أوجه الإعراب رفعاً أو نصباً أوجراً، [كَذَاكَ فِي التَّعْرِيفِ وِالتَّنْكِيرِ] كذاك أي مثل ذاك والمشار إليه كون النعت يتبع المنعوت في واحد من أوجه الإعراب يتبعه في واحد من التعريف والتنكير، إذًا ذكر خمسة من العشرة، فيتبع النعت المنعوت في اثنين من خمسة، لأنه قال: يتبع للمنعوت في واحد من أوجه الإعراب الثلاثة، وفي واحد من التعريف والتنكير، إذاً في اثنين من خمسة. النعت مطلقاً سواء كان النعت حقيقياً أو سببياً يتبع المنعوت في اثنين من خمسة، وهي التي ذكرها الناظم، فحينئذٍ إذا كان النعت حقيقياً أو سببياً وجب أن يكون رفعه أو نصبه أو جره على حسب المنعوت ولا ينفك عنه مطلقاً، كذاك في التعريف والتنكير، إذا كان المنعوت نكرة وجب أن يكون النعت نكرة مطلقاً سواء كان النعت حقيقياً أو سببياً، وإذا كان المنعوت معرفة وجب أن يكون النعت معرفة مطلقاً سواء كان النعت حقيقياً أو سببياً، ولذلك نقدر عند قوله يتبع للمنعوت في اثنين من خمسة سواء كان حقيقياً أو سببياً، ولا يجوز في شيء من النعوت مطلقاً الحقيقي والسببي أن يخالف منعوته في الإعراب، ولا أن يخالفه في التعريف والتنكير، وهذا أمر لازم للنوعين فتقول: جاء زيدٌ العاقلُ، تبعه في الرفع والتعريف، ولا يصح أن يقال: جاء زيد عاقل، ولا جاء رجل العاقل، ولا جاء زيدٌ العاقلَ إلا إذا قطع فحينئذٍ صار جملة مستقلة فيكون الكلام مركباً من جملتين جاء زيد أعني العاقلَ، أما الكلام في الجملة

стр. 419

الواحدة وعلى الأصل دون القطع فنقول جاء زيدٌ العاقلُ ولا يجوز أن يقال العاقلَ دون أن تقطع النعت، هذا في النعت الحقيقي والسببي. وأما الأحوال الأخرى التي تختص بالاسم من حيث الإفراد والتثنية والجمع، ومن حيث التذكير والتأنيث، فحينئذٍ نقول: إن كان النعت حقيقياً أيضاً يتبع المنعوت في اثنين من خمسة: في واحد من الإفراد والتثنية والجمع، وفي واحد من التأنيث والتذكير، فحينئذٍ إذا نظرنا للأحوال العشرة نقول: النعت الحقيقي يتبع منعوته في أربعة من عشرة، واحد من أوجه الإعراب، وواحد من أوجه الإفراد وفرعيه، وواحد من التذكير والتأنيث، وواحد من التعريف والتنكير، تقول: مررت برجلٍ قائمٍ، ومررت برجلين قائمين، ومررت برجال قائمين، تبع منعوته في الجر هنا، قال برجالٍ بالكسر، وقائمين بالياء، ولا يشترط أن يكون تابعاً لما قبله في شخص الحركة، بل في مطلق الإعراب، يعني لو كان المنعوت مرفوعاً تبعه النعت في مطلق الرفع لا في عين الحركة، ولذلك تقول: مررت برجال قائمين كل منهما مجرور، إذاً يكون تابعاً له في مطلق الخفض وليس في عين الحركة. وتقول: مررت بامرأة قائمة، ومررت بامرأتين قائمتين، ومررت بنساء قائمات، إذاً الخلاصة: النعت الحقيقي يتبع منعوته في أربعة من عشرة واحد من أوجه الإعراب وواحد من الإفراد والتثنية والجمع، وواحد من التذكير والتأنيث، وواحد من التعريف والتنكير، ولا يجوز أن يخالف المنعوت واحدًا من هذه الأربعة.

стр. 420

أما النعت السببي فإنه يلزم حالة واحدة وهي الإفراد، ولا يكون مثنى ولا جمعاً إلا على لغة أكلوني البراغيث، وهي لغة ضعيفة لا يعول عليها. ومن حيث التذكير والتأنيث يتبع الاسم الظاهر الذي رفعه، ولا يتبع المنعوت، تقول: مررت برجل قائمٍ أبوه، قائم نعت لرجل تبعه في اثنين من خمسة، وهما الخفض والتنكير، ويلزم الإفراد مطلقًا، وباعتبار التذكير والتأنيث نقول: الاسم الظاهر قد وقع مذكراً وهو أبوه، فذُكِّر النعت لا لكون المنعوت مذكراً وإنما لكون الاسم الظاهر مذكراً، ولذلك لو قيل: مررت برجلٍ قائمةٍ أمُه، قائمة هذا نعت لرجل تبعه في اثنين من خمسة، وهما الخفض والتنكير، ويلزم الإفراد مطلقًا، وباعتبار التذكير والتأنيث هنا وقع المنعوت مذكراً والنعت مؤنثاً، لأنه نعت سببي رفع اسماً ظاهراً والنعت السببي في باب التأنيث والتذكير يتبع ما بعده لا ما قبله، والفاعل وهو أمه مؤنث حقيقي، حينئذٍ يجب تأنيثه لأنه كما سبق أن الفعل إذا كان فاعله مؤنثاً وجب التأنيث، وكذلك الوصف الذي هو اسم الفاعل إذا رفع اسماً ظاهراً وكان فاعله مؤنثاً بشرطه وجب التأنيث، إذا قلت: قامت أم زيد، حكم التأنيث أنه واجب، كذلك الوصف إذا أقيم مقام الفعل أخذ حكمه، حينئذٍ إذا رفع الوصف اسماً ظاهراً وكان مؤنثاً تأنيثاً حقيقياً وجب تأنيث الوصف، لأن الوصف في قوة الفعل يعامل معاملة الفعل، وإذا وجب في الفعل تجريده عن علامة تدل على تثنية الفاعل أو جمع الفاعل وجب تجريد الوصف عن علامة تدل على تثنية الفاعل أو جمعه، وحينئذٍ: مررت

стр. 421

برجل قائمة أمه، قائمة هذا في قوة قامت فيجب التأنيث، ولذلك سبق في المبتدأ من نحو: أقائم الزيدان، قائم مبتدأ، والزيدان فاعل سد مسد الخبر، لِمَ قالوا فاعل ولم يقولوا خبر؟ قلنا: لأن قائم في معنى الفعل، والفعل لا يرفع خبراً، وإنما يرفع فاعلاً، لأن النظر في المعنى فقائم الزيدان في قوة قولك: يقوم الزيدان، فإذا جاء الزيدان بعد الفعل يقوم رُفع على أنه فاعل، وإذا جاء تالياً لما هو في قوة الفعل يقوم كذلك يجب أن يكون مرفوعاً على أنه فاعل، ولا يكون خبراً، لأن الفعل لا يخبر عنه، وإنما يرفع ما بعده على أنه فاعل، كذلك هنا: مررت برجل قائمة أمه، قالوا: هذا في قوة الفعل فحينئذٍ يجب أن يعامل معاملة الفعل؛ لأنه رفع اسماً ظاهراً فإذا كان الاسم الظاهر مؤنثا واجب التأنيث - بشرطه - وجب تأنيث الوصف، وإذا كان الاسم الظاهر مثنى أو جمعاً وجب إفراد الوصف، لأن الفاعل لا يُلحَق بعامله علامة تدل على أن الفاعل مثنى أو جمع، تقول: مررت بامرأة قائمٍ أبوها، فامرأة هذا منعوت وهو مؤنث، وقائم نعت وهو مذكر، لأنك تقول: مررت بامرأةٍ قام أبوها ولا تقول: قامت أبوها، فذكر النعت مع كون المنعوت مؤنثًا باعتبار الاسم الظاهر، وتقول: مررت برجلين قائم أبواهما، برجلين هو الموصوف، وقائم رفع اسماً ظاهراً وهو فاعل مثنى، كما تقول: مررت برجلين قام أبواهما - أتيت بفعل ماض في مقام قائم - إذاً كذلك تقول: مررت برجلين قائمٍ بالإفراد؛ لأنه في معنى الفعل وقد رفع فاعلاً أبواهما وهو مثنى، والفعل إذا رفع فاعلا مثنى لا

стр. 422

تلحقه علامة تدل على أن الفاعل مثنى، كذلك الوصف الذي أُقيم مُقام الفعل يجب تجريده من علامة تدل على أن الفاعل مثنى، ومثله قولك: مررت برجالٍ قائمٍ آباؤهم. كأنك قلت: قام آباؤهم، فيلزم الإفراد لأنه نعت سببي. ومن حيث التأنيث والتذكير يتبع ما بعده، جاء في القرآن: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) [النساء:٧٥] الظالم نعت للقرية، وكل منهما معرفة ومجرور، وباعتبار التذكير والتأنيث قال: الظالم ولم يقل الظالمة، لأنه تَبَعٌ لما بعده وهو أهلها، وهو مذكر، أيضًا قال: الظالم ولم يقل: الظالمين لأنه واجب الإفراد، فالنعت السببي يلزم الإفراد مطلقاً سواء كان الاسم الظاهر مفرداً أو مثنى أو جمعاً. [كَجَاءَ زَيدٌ صَاحِبُ الأَمِيرِ] هذا مثال للنعت الحقيقي، أي كقولك أو مثل جاء زيد صاحب الأمير، جاء فعل ماضٍ، وزيد فاعل، وصاحب نعت لزيد تبعه في الرفع، والعامل في النعت صاحب هو الفعل جاء، لأن العامل في النعت هو العامل في المنعوت على الصحيح، وتبعه في الإفراد، وفي التعريف، وفي التذكير، أيضاً زيد معرفة وصاحب الأمير معرفة، وزيد علَمٌ فهو أعرف من صاحب الأمير لأنه نكرة أضيفت إلى محلى بأل فهو في رتبة المعرَّف بأل، نأخذ من هذا أن الأصل في الصفة والنعت أن تكون أدنى من الموصوف في التعريف أو مساوية له، ولا يجوز أن تكون الصفة أعرف وأعلى درجة من الموصوف، ولذلك لم يجوزوا: مررت بزيد صاحبك على أنه نعت بل بدل، لأن المضاف إلى الضمير في رتبه العلم، والنعت إنما يؤتى به في الأصل للإيضاح، فإذا كان هو أعرف من المنعوت إذاً لا نحتاج إلى الصفة من أصلها، وإنما

стр. 423

يكون موضحا إذا كان مساوياً أو أدنى أما أعلى فلا، ولذلك مررت بزيد صاحبك، صاحب نكرة أضيفت إلى الضمير، وكل نكرة أضيفت إلى معرفة فهي في رتبة ما أضيفت إليه، إلا ما أضيف إلى الضمير فإنه في رتبة العلم، احترازًا مما لو نعت العلم بالنكرة المضافة إلى الضمير، فيكون النعت أرفع، ولذلك قالوا: لا يجوز أن تكون الصفة أرفع من الموصف، فإذا أضيفت النكرة إلى الضمير جعل في مرتبة العلم.

стр. 424

المَعْرِفَةُ وَالنَّكِرَةُ لما ذكر التعريف والتنكير أراد أن يبين لك حقيقة التعريف وحقيقة التنكير، ومتى تحكم على الكلمة أنها معرفة أو نكرة، فقال: المعرفة والنكرة أي هذا باب بيان حقيقة المعرفة وحقيقة النكرة، والاسم ينقسم باعتبار التنكير والتعريف إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما على الأصح: إما أن يكون معرفة، وإما أن يكون نكرة، ولا واسطة بينهما، وبعض النحاة أثبت الواسطة فقال: من الأسماء ما ليس معرفة ولا نكرة، وهو كل اسم لا يقبل التنوين ولا أل فهو واسطة، لا يوصف بكونه معرفة ولا نكرة، مثاله: من الشرطية وما الاستفهامية والموصولية فهذه لا تقبل التنوين، ولا أل فليست معرفة ولا نكرة، وهذا مردود، بدليل أن الضمير وهو من المعارف بل ومن أعرف المعارف بعد لفظ الجلالة لا يقبل أل ولا التنوين، وهو بالإجماع معرفة، فالقول بالواسطة قول ضعيف، لذلك قلَّ من يذكره من النحاة، لشدة ضعفه. المَعْرِفَةُ وَالنَّكِرَةُ قوله: المعرفة اختلف فيها هل هي مصدر أو اسم مصدر؟ ونقول: الأصح فيها التفصيل، فإن كانت مأخوذة من عرَّف بالتضعيف فهي اسم مصدر، لأن عرَّف يأتي المصدر منه على التفعيل نحو: كلَّم تكليماً، وخرَّج تخريجاً، فمصدر عرَّف التعريف لا المعرفة، وإن كانت مأخوذة من عرَف بالتخفيف فهي مصدر،

стр. 425

وكذلك النكرة هل هي مصدر أو اسم مصدر؟ نقول: الأصح فيها التفصيل كالمعرفة، فإن كانت مأخوذة من نكَّر بالتضعيف فهي اسم مصدر، لأن نكَّر يأتي المصدر منه على التفعيل كما سبق، فمصدره التنكير لا النكرة، فحينئذٍ تكون نكرة باعتبار نكَّر اسم مصدر، وإن كانت مأخوذة من نكِر فهي مصدر، إذاً هذان اللفظان المعرفة والنكرة مصدران إن أخذا من عرَف ونكِر، واسما مصدر إن أخذا من عرَّف ونكَّر. المعرفة في اللغة: مطلق الإدراك، وفي الاصطلاح عند النحاة: هي ما وضع ليستعمل في معين، ما أي اسم ولا تقل كلمة، لأن الاسم أخص من الكلمة، ولأن بحث المعرفة والنكرة بحث داخل تحت الاسم، لأنك تحكم على الكلمة أولاً بأنها اسم وليست فعلا ولا حرفا، ثم تنظر في الأخص الذي يندرج تحت الاسم، فيكون الاسم أعم، وكونه معرفة، أو نكرة هذا أخص، فتثبت أولاً بالعلامات السابقة اسمية الكلمة، فتحكم بأنها اسم ثم تنظر نظراً آخر هل هي معرفة أو نكرة؟ لكن علامات الاسم السابقة التي ذكرناها في الخفض والتنوين وغيرها لا تصلح أن تميز المعرفة من النكرة، وإنما تُثبت تلك العلامات مطلق الاسم، ثم نحتاج إلى علامة أخرى تميز المعرفة عن النكرة، فتعرف بالحد وبالعلامات، فحد المعرفة: ما وضع ليستعمل في معين، فما اسم كما ذكرنا، وما جنس يصدق على المعرفة وعلى النكرة، أردنا أن نخرج النكرة فقال: وضع ليستعمل في معين ووضع من الوضع، والمراد بالوضع جعل اللفظ دليلا على المعنى، النكرة والمعرفة يشتركان في
следующие страницы →