← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36087

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (649 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

برجل قائمة أمه، قائمة هذا في قوة قامت فيجب التأنيث، ولذلك سبق في المبتدأ من نحو: أقائم الزيدان، قائم مبتدأ، والزيدان فاعل سد مسد الخبر، لِمَ قالوا فاعل ولم يقولوا خبر؟ قلنا: لأن قائم في معنى الفعل، والفعل لا يرفع خبراً، وإنما يرفع فاعلاً، لأن النظر في المعنى فقائم الزيدان في قوة قولك: يقوم الزيدان، فإذا جاء الزيدان بعد الفعل يقوم رُفع على أنه فاعل، وإذا جاء تالياً لما هو في قوة الفعل يقوم كذلك يجب أن يكون مرفوعاً على أنه فاعل، ولا يكون خبراً، لأن الفعل لا يخبر عنه، وإنما يرفع ما بعده على أنه فاعل، كذلك هنا: مررت برجل قائمة أمه، قالوا: هذا في قوة الفعل فحينئذٍ يجب أن يعامل معاملة الفعل؛ لأنه رفع اسماً ظاهراً فإذا كان الاسم الظاهر مؤنثا واجب التأنيث - بشرطه - وجب تأنيث الوصف، وإذا كان الاسم الظاهر مثنى أو جمعاً وجب إفراد الوصف، لأن الفاعل لا يُلحَق بعامله علامة تدل على أن الفاعل مثنى أو جمع، تقول: مررت بامرأة قائمٍ أبوها، فامرأة هذا منعوت وهو مؤنث، وقائم نعت وهو مذكر، لأنك تقول: مررت بامرأةٍ قام أبوها ولا تقول: قامت أبوها، فذكر النعت مع كون المنعوت مؤنثًا باعتبار الاسم الظاهر، وتقول: مررت برجلين قائم أبواهما، برجلين هو الموصوف، وقائم رفع اسماً ظاهراً وهو فاعل مثنى، كما تقول: مررت برجلين قام أبواهما - أتيت بفعل ماض في مقام قائم - إذاً كذلك تقول: مررت برجلين قائمٍ بالإفراد؛ لأنه في معنى الفعل وقد رفع فاعلاً أبواهما وهو مثنى، والفعل إذا رفع فاعلا مثنى لا

стр. 422

تلحقه علامة تدل على أن الفاعل مثنى، كذلك الوصف الذي أُقيم مُقام الفعل يجب تجريده من علامة تدل على أن الفاعل مثنى، ومثله قولك: مررت برجالٍ قائمٍ آباؤهم. كأنك قلت: قام آباؤهم، فيلزم الإفراد لأنه نعت سببي. ومن حيث التأنيث والتذكير يتبع ما بعده، جاء في القرآن: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) [النساء:٧٥] الظالم نعت للقرية، وكل منهما معرفة ومجرور، وباعتبار التذكير والتأنيث قال: الظالم ولم يقل الظالمة، لأنه تَبَعٌ لما بعده وهو أهلها، وهو مذكر، أيضًا قال: الظالم ولم يقل: الظالمين لأنه واجب الإفراد، فالنعت السببي يلزم الإفراد مطلقاً سواء كان الاسم الظاهر مفرداً أو مثنى أو جمعاً. [كَجَاءَ زَيدٌ صَاحِبُ الأَمِيرِ] هذا مثال للنعت الحقيقي، أي كقولك أو مثل جاء زيد صاحب الأمير، جاء فعل ماضٍ، وزيد فاعل، وصاحب نعت لزيد تبعه في الرفع، والعامل في النعت صاحب هو الفعل جاء، لأن العامل في النعت هو العامل في المنعوت على الصحيح، وتبعه في الإفراد، وفي التعريف، وفي التذكير، أيضاً زيد معرفة وصاحب الأمير معرفة، وزيد علَمٌ فهو أعرف من صاحب الأمير لأنه نكرة أضيفت إلى محلى بأل فهو في رتبة المعرَّف بأل، نأخذ من هذا أن الأصل في الصفة والنعت أن تكون أدنى من الموصوف في التعريف أو مساوية له، ولا يجوز أن تكون الصفة أعرف وأعلى درجة من الموصوف، ولذلك لم يجوزوا: مررت بزيد صاحبك على أنه نعت بل بدل، لأن المضاف إلى الضمير في رتبه العلم، والنعت إنما يؤتى به في الأصل للإيضاح، فإذا كان هو أعرف من المنعوت إذاً لا نحتاج إلى الصفة من أصلها، وإنما

стр. 423

يكون موضحا إذا كان مساوياً أو أدنى أما أعلى فلا، ولذلك مررت بزيد صاحبك، صاحب نكرة أضيفت إلى الضمير، وكل نكرة أضيفت إلى معرفة فهي في رتبة ما أضيفت إليه، إلا ما أضيف إلى الضمير فإنه في رتبة العلم، احترازًا مما لو نعت العلم بالنكرة المضافة إلى الضمير، فيكون النعت أرفع، ولذلك قالوا: لا يجوز أن تكون الصفة أرفع من الموصف، فإذا أضيفت النكرة إلى الضمير جعل في مرتبة العلم.

стр. 424

المَعْرِفَةُ وَالنَّكِرَةُ لما ذكر التعريف والتنكير أراد أن يبين لك حقيقة التعريف وحقيقة التنكير، ومتى تحكم على الكلمة أنها معرفة أو نكرة، فقال: المعرفة والنكرة أي هذا باب بيان حقيقة المعرفة وحقيقة النكرة، والاسم ينقسم باعتبار التنكير والتعريف إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما على الأصح: إما أن يكون معرفة، وإما أن يكون نكرة، ولا واسطة بينهما، وبعض النحاة أثبت الواسطة فقال: من الأسماء ما ليس معرفة ولا نكرة، وهو كل اسم لا يقبل التنوين ولا أل فهو واسطة، لا يوصف بكونه معرفة ولا نكرة، مثاله: من الشرطية وما الاستفهامية والموصولية فهذه لا تقبل التنوين، ولا أل فليست معرفة ولا نكرة، وهذا مردود، بدليل أن الضمير وهو من المعارف بل ومن أعرف المعارف بعد لفظ الجلالة لا يقبل أل ولا التنوين، وهو بالإجماع معرفة، فالقول بالواسطة قول ضعيف، لذلك قلَّ من يذكره من النحاة، لشدة ضعفه. المَعْرِفَةُ وَالنَّكِرَةُ قوله: المعرفة اختلف فيها هل هي مصدر أو اسم مصدر؟ ونقول: الأصح فيها التفصيل، فإن كانت مأخوذة من عرَّف بالتضعيف فهي اسم مصدر، لأن عرَّف يأتي المصدر منه على التفعيل نحو: كلَّم تكليماً، وخرَّج تخريجاً، فمصدر عرَّف التعريف لا المعرفة، وإن كانت مأخوذة من عرَف بالتخفيف فهي مصدر،

стр. 425

وكذلك النكرة هل هي مصدر أو اسم مصدر؟ نقول: الأصح فيها التفصيل كالمعرفة، فإن كانت مأخوذة من نكَّر بالتضعيف فهي اسم مصدر، لأن نكَّر يأتي المصدر منه على التفعيل كما سبق، فمصدره التنكير لا النكرة، فحينئذٍ تكون نكرة باعتبار نكَّر اسم مصدر، وإن كانت مأخوذة من نكِر فهي مصدر، إذاً هذان اللفظان المعرفة والنكرة مصدران إن أخذا من عرَف ونكِر، واسما مصدر إن أخذا من عرَّف ونكَّر. المعرفة في اللغة: مطلق الإدراك، وفي الاصطلاح عند النحاة: هي ما وضع ليستعمل في معين، ما أي اسم ولا تقل كلمة، لأن الاسم أخص من الكلمة، ولأن بحث المعرفة والنكرة بحث داخل تحت الاسم، لأنك تحكم على الكلمة أولاً بأنها اسم وليست فعلا ولا حرفا، ثم تنظر في الأخص الذي يندرج تحت الاسم، فيكون الاسم أعم، وكونه معرفة، أو نكرة هذا أخص، فتثبت أولاً بالعلامات السابقة اسمية الكلمة، فتحكم بأنها اسم ثم تنظر نظراً آخر هل هي معرفة أو نكرة؟ لكن علامات الاسم السابقة التي ذكرناها في الخفض والتنوين وغيرها لا تصلح أن تميز المعرفة من النكرة، وإنما تُثبت تلك العلامات مطلق الاسم، ثم نحتاج إلى علامة أخرى تميز المعرفة عن النكرة، فتعرف بالحد وبالعلامات، فحد المعرفة: ما وضع ليستعمل في معين، فما اسم كما ذكرنا، وما جنس يصدق على المعرفة وعلى النكرة، أردنا أن نخرج النكرة فقال: وضع ليستعمل في معين ووضع من الوضع، والمراد بالوضع جعل اللفظ دليلا على المعنى، النكرة والمعرفة يشتركان في

стр. 426

أن كلا منهما موضوعان بالوضع العربي، وهو جعل اللفظ دليلاً على المعنى، وضعوا اللفظ دالاً على معنى خاص فمتى ما أطلق هذا اللفظ انصرف إلى ذلك المعنى الخاص، ليستعمل الاستعمال هو إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، إذاً قد يكون اللفظ موضوعاً ولا يكون مستعملا هكذا قال بعضهم، فإذا وضع أولاً جعل بإزاء معنى خاص ثم بعد ذلك يطلقه اللافظ ويريد به المعنى الذي وضع له في لغة العرب مطلقاً سواء كان حقيقة أو مجازًا. ما وضع ليستعمل شمل المعرفة والنكرة، لأن المعرفة موضوعة بالوضع العربي كما أن النكرة موضوعة بالوضع العربي، فالمعرفة مستعملة فيما وضعت له كما أن النكرة مستعملة فيما وضعت له، لكن قوله: في معين احترزنا بهذا عن النكرة، فإنها اسم شائع في أفراد جنسه لا تخص واحداً دون آخر كما سيأتي بيانه، حينئذٍ اختص هذا التعريف بالمعرفة. عرفنا معنى الوضع، ومعنى الاستعمال، وبقي الحمل وهو اعتقاد السامع مراد المتكلم بكلامه، فلذلك عندنا باعتبار المفردات والتراكيب ثلاثة أشياء: وضع واستعمال وحمل، وسبقت معانيها، والحمل صفة للسامع، والوضع صفة للواضع، والاستعمال صفة للمتكلم، فالوضع سابق والحمل لاحق والاستعمال متوسط هكذا قال الفتوحي، توضع الألفاظ ثم تستعمل ثم المخاطَب يحملها على ما أراده المتكلم من كلامه. ما وضع ليستعمل في معين شمل أنواع المعارف الستة أو السبعة، والنكرة المقصودة في باب المنادى نحو: يا رجلُ لمعين هي محل

стр. 427

الخلاف هل هي معرفة أو لا؟ والأصح أنها من المعارف لكن نعدها في المعرف بأل، وقيل: في اسم الإشارة، وأعرف المعارف لفظ الجلالة بالإجماع، قيل: رئي سيبويه في المنام، فقيل ما فعل الله بك؟ فقال: خيراً كثيراً أو كلمة نحوها. فقيل له: بماذا؟ فقال: بقولي بأن الله أعرف المعارف، هكذا قيل إذاً أعرف المعارف بعد لفظ الجلالة الضمير ثم العلم ثم اسم الإشارة ثم الموصول ثم ذو الأداة ثم المضاف إلى واحد من هذه المعارف، وهكذا نظمها ابن مالك في الكافية: فَمُضْمَرٌ أَعْرَفُهَا ثُمَّ العَلَمْ فَذُو إِشَارَةٍ فَمَوصُولٌ مُتَمْ فَذُو أَدَاةٍ فَمُنَادَى عُيِّنَا ... فَذُو إِضَافَةٍ بِهَا ... تَبَيَّنَا النكرة المقصودة في باب المنادى معرفة على الأصح، وتخصيص المنادى إنما جعل بالإقبال والقصد -كما سيأتي في مبحث المنادى- أن النكرة تكون مقصودة وتكون غير مقصودة، يا غافلاً أقبل على الله، فغافلا نكرة، فإن عيَّن الشخص فهي مقصودة وإلا فهي غير مقصودة، وهي من المعارف ولكن لم يذكرها الناظم لأنه أراد المعرفة من حيث ما يصح أن ينعت به، فيا رجل هذا لا يقع في باب النعت فلا ينعت ولا ينعت به، لأن المعارف من حيث ما ينعت به وما لا ينعت ثلاثة أقسام: الأول: ما لا يُنعت ولا يُنعت به، وهو النكرة المقصودة في باب المنادى، والضمير لا ينعت ولا ينعت به، يعني لا يقع موصوفاً ولا صفة.

стр. 428

الثاني: ما ينعت ولا ينعت به، وهو العلم يقع موصوفاً لا صفة، نحو: جاء زيد العاقل، فالعاقل نعت لزيد، لكن لا ينعت به، وهذا هو مأخذ النحاة في كون الرحمن هل هو علم أو ليس بعلم؟ ففي قوله: بسم الله الرحمن، الرحمن هنا وقع صفة للفظ الجلالة، والرحمن علم والعلم لا ينعت به، فاختلف النحاة في هذا، فقيل علم وقيل ليس بعلم، والصواب أنه علم، والقول بأن الأعلام لا ينعت بها لأنها جامدة يعني لا تتضمن صفة، إذا قيل: جاء العاقل زيد، زيد علم جامد لا يدل على صفة فلا يصح أن يقع نعتا هنا. لكن هذه القاعدة لا تطرد في أسماء الله تعالى وصفاته، لأن الرحمن دال على ذات وصفة، فهي أعلام وأوصاف، فمن حيث كونها أوصافاً صح النعت بها حينئذٍ لا تعارض فالرحمن علم، وهو نعت، كيف نقول: علم ونعت والعلم لا ينعت به؟ نقول القاعدة: أن العلم لا ينعت به لأنه جامد لا يتضمن صفة، كيف تصف به وهو جامد يدل على ذات مجردة وليس له معنى، حينئذٍ لا يصح أن تصف به لكن أعلام الرب جل وعلا دالة على الذات وهي أيضاً صفات، فمن حيث كونها صفة صح النعت بها فلا إشكال. الثالث: ما ينعت وينعت به يعني يصح أن يقع موصوفا ويصح أن يقع صفة وهو سائر المعارف. قال ﵀: وَاعْلَمْ هُدِيْتَ الرُّشْدَ أَنَّ المَعْرِفَهْ ... خَمْسَةُ أَشْيَا عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَهْ

стр. 429

[وَاعْلَمْ] هذا أمر من العلم، أي تعلم، وهي كلمة يؤتى بها للإشارة والتنبيه على أن ما بعدها أمر ينبغي العناية به، والواو للاستئناف البياني؛ لأنه لما ذكر في النعت التعريف والتنكير كأن سائلا سأل كيف تحكم على الكلمة بأنها نكرة أو معرفة؟ قال: واعلم إذاً وقع جواباً لسؤال معين فهو استئناف بياني، [هُدِيْتَ الرُّشْدَ] هديت مأخوذ من الهدى، وهو الدلالة والرشاد، تقول: هداه أي أرشده، ويقال: هداه الله الطريق، وهداه الله للطريق، وهداه الله إلى الطريق، فيتعدى بنفسه وباللام وبإلى، [هُدِيْتَ الرُّشْدَ] هُدِي فعل ماضٍ مغير الصيغة، والأصل هداه الله فحذف الفاعل وهو لفظ الجلالة للعلم به، لأن المراد بالهداية هنا هداية التوفيق وهذه خاصة بالله تعالى، وأقيم المفعول به وهو الضمير المتصل، ولما ارتفع جيء بالتاء لأنه يكون في محل رفع نائب فاعل، إذاً هديت هدي فعل ماض مغير الصيغة مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون دفع توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، والتاء ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، والرشد ضد الغي، وهو منصوب على نزع الخافض، وأصل هديت الرشد أي للرشد، أو هديت إلى الرشد، والجملة دعائية معترضة لا محل لها من الإعراب، أراد بها التقرب والتودد إلى الطالب، اعلم [أَنَّ المَعْرِفَهْ خَمْسَةُ أَشْيَا عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَهْ] أنَّ للتوكيد، وسبق أن التوكيد يؤتى به عند الحاجة إليه بأن يكون السامع متردداً في الحكم، أو منكراً وهنا لا تردد ولا إنكار، [أَنَّ المَعْرِفَهْ] أي جنس

стр. 430

المعرفة، لأن المعرفة في اللفظ واحد، وأخبر عنها بخمسة أشياء، حينئذٍ لا بد من جعل أل معرفة مرادًا بها الجنس، وأل الجنسية يصدق مدخولها على الواحد والاثنين والخمسة والعشرة والمائة لا تختص بعدد معين، ولذلك يقولون: الإضافة الجنسية تبطل معنى الجمعية، وكذلك أل الجنسية، اعلم أن المعرفة [خَمْسَةُ أَشْيَا] يعني خمسة أمور، وسيأتي عدها [عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَهْ] أي عند النحاة، وعند هنا لا يمكن حملها على الظرفية لا الزمانية ولا المكانية، فحينئذٍ لا بد من التأويل عند أهل المعرفة أي في حكم أهل المعرفة، والمراد بالمعرفة هنا بقواعد العربية يعني أهل العربية، لأن كل أصول علم إنما تؤخذ من أصحابها والنحاة هم أهل هذه المعرفة. وَهْيَ الضَّمِيرُ ثُمَّ الاِسْمُ العَلَمُ ... فَذُو الأَدَاةِ ثُمَّ الاِسْمُ المُبْهَمُ [وَهْيَ الضَّمِيرُ] الواو للاستئناف البياني، لأنه قال: خمسة أشياء، فكأن سائلا سأل ما هي هذه الأشياء الخمسة؟ إذًا وقع في جواب سؤال مقدر، [وَهْيَ الضَّمِيرُ] هي مبتدأ، والضمير وما عطف عليه في محل رفع خبر، [الضَّمِيرُ] هذا اسمه عند البصريين، وعند الكوفيين الكناية والمكنية، لأنه يكنى به عن الاسم الظاهر، والضمير فعيل بمعنى اسم المفعول، أي المضمر، والأصل فيه أنه مأخوذ من الاستتار والخفاء، إذا أضمرت الشيء أي أخفيته وسترته عن غيره، فحينئذٍ الأصل في إطلاق الضمير على الضمير المستتر، أما البارز فالأصل فيه أنه ليس بمستتر لأن الضمير معناه الخفاء والاستتار، فالتاء وأنا وهو ضمائر، فليست مستترة ولا مخفية،

стр. 431

فحينئذٍ يكون إطلاق لفظ الضمير على البارز من باب التوسع، فيسمى ضميراً توسعاً لأنه ليس فيه خفاء، فإطلاقه على المستتر حقيقي، وعلى البارز من باب التوسع فيكون مجازاً. وحقيقة الضمير: ما دل على متكلم كأنا، أو مخاطب كأنت، أو غائب كهو. والضمير له أقسام عدة تأتيكم في المطولات. [ثُمَّ الاِسْمُ العَلَمُ] ثم للترتيب مع التراخي، لأنه أراد أن ينزل من الأعلى فيذكر أعلى المعارف إلى أن يصل أدناها، فبدأ بالضمير ثم العلم فرتبة العلم بعد رتبة الضمير، [ثُمَّ الاِسْمُ العَلَمُ] ثم يأتي من المعارف بعد الضمير الاسم العلم. ولو قال العلم لكفى لأن العلم لا يكون إلا اسماً. والعلم لغة: يطلق على معانٍ منها الجبل ومنها الراية ومنها العلامة وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ وأما في الاصطلاح: فهو ما دل على مسماه بلا قيد. فما اسم موصول يصدق على المعرفة والنكرة، لكن نقول: هنا المراد به المعرفة لأنه أراد أن يعرف الأخص، وهو العلم فحينئذٍ لا بد من أخذ المعرفة جنساً في حد العلَم، فكل علَم معرفة وليس كل معرفة علما، على القاعدة المطردة التي نذكرها دائماً هنا، دل على مسماه هذا يشمل كل المعارف، وخرج بقوله: بلا قيد كل المعارف عدا العلم، لأن المعارف الستة التي ذكرناها: إما أن تدل على مسماها بقيد أو بلا قيد، وما دل على مسماه بقيد إما أن يكون القيد لفظياً أو حسياً أو معنوياً، لفظياً كرجل نكرة، والرجل معرفة، والذي دلك على أن الرجل

стр. 432

معرفة القيد اللفظي وهو أل، لأنك تلفظت بأل فهذا قيد لفظي دل على أن مدخوله معرفة، أو حسياً نحو: هذا زيد، هذا معرفة دل على مسماه بقيد حسي لأنه يشير إليه بيده، فإذا قيل: هذا زيد بدون إشارة، لم يحصل التعريف، إذاً لا بد في اسم الإشارة أن تصحبه إشارة حسية، فحينئذٍ نقول: اسم الإشارة معرفة دل على مسماه ولكن بقيد، وهذا القيد قيد حسي، أو معنوياً نحو: أنا زيد، فأنا معرفة دل على مسماه بقيد معنوي، وهو التكلم، أنت زيد، أنت معرفة دل على مسماه بقيد معنوي وهو الخطاب، هو زيد، دل على مسماه ولكن بقيد معنوي وهو الغَيبة، إذاً عرفنا أن المعارف قسمان: ما دل على مسماه بقيد، وما دل على مسماه بلا قيد، فإن دل على مسماه بقيد فلا يخلو عن ثلاثة أحوال: إما أن يكون القيد لفظياً مثل: الرجل، وإما أن يكون حسياً مثل: اسم الإشارة، وإما أن يكون معنوياً مثل التكلم والخطاب والغَيبة، هذه الثلاثة تشمل كل المعارف إلا العلَم فيدخل في القسم الثاني وهو ما دل على مسماه بلا قيد، فحينئذٍ تقول: العلَم ما دل على مسماه بلا قيد لفظي ولا حسي ولا معنوي؛ لأن الأقسام محصورة في ستة فقط، فإذا دل على مسماه وانتفى القيد الحسي واللفظي والمعنوي حكمت عليه بأنه علَم. [فَذُو الأَدَاةِ] الفاء للترتيب، فهي تفيد أن ما بعد الفاء في الرتبة بعد ما قبلها، ذو الأداة يعني المحلى بأل رتبته بعد رتبة العلَم، ونقول: هذا ليس بصحيح، ليس ذو الأداة بعد العلَم، بل اسم الإشارة والموصول أعرف منه، حينئذٍ قد خالف الناظم الأصل

стр. 433

ولعله من أجل النظم، [فَذُو الأَدَاةِ] أي المحلى بأل، ولم يقل: المحلى بأل ليشمل أم الحميرية، وأيضاً قال ابن هشام: فذو الأداة معرف، لأن بعض النحاة لا يرى أن أل كلها معرفة، وإنما اللام فقط، فجمعاً بين هذه الأقوال عبر بقوله: فذو الأداة أي المعرف بأل، أو ما يقوم مقامها. [ثُمَّ الاِسْمُ المُبْهَمُ] ثم على بابها، والمبهم مأخوذ من الإبهام، وهو عدم الإيضاح، ويريد به الناظم هنا أسماء الإشارة والموصولات، وسميت أسماء الإشارة والموصولات مبهمات لأنها تحتاج إلى مفسِّر يفسر ويبين ويعين المراد بها، فاسم الإشارة لا بد له من إشارة حسية ولا يعرف المراد إلا بها، فلو قلت: هذا زيد، وعندك مائة لا تعرف من هو زيد حتى تشير إليه، حينئذٍ صار مبهمًا، حتى تقترن به الإشارة، ولو قلت: جاء الذي .. صار مبهمًا، فإن قلت: جاء الذي قام أبوه، عرفته إذاً يحتاج إلى جملة الصلة تبين المراد من الموصول، فالذي والتي واللذان واللتان والذين ومن وما وأل كلها مبهمات، لا يفهم المراد منها إلا بجملة الصلة وتكون مشتملة على عائد، [ثُمَّ الاِسْمُ المُبْهَمُ] وتحته نوعان: أسماء الإشارة، وأسماء الموصولات، واسم الإشارة هو ما وضع لمسمى وإشارة إليه، مسمى يعني ما دل على مسماه، وإشارة إليه لا بد من إشارة إليه وإلا لحصل الإبهام، كأنه قال: ما دل على مسماه بقيد الإشارة إليه، والمشار إليه قد يكون مفرداً، وقد يكون مثنى، وقد يكون جمعاً، وكل من الثلاثة قد يكون مذكراً، وقد يكون مؤنثاً، وهذه مبسوطة في المطولات، والمقصود هنا الذي نبحث عنه أن اسم الإشارة من

стр. 434

المعارف، فحينئذٍ ينعت به، وينعت. والاسم الموصول وموصول اسم مفعول من وصل الشيء بغيره إذا أتمه، فالموصول هو ما افتقر إلى صلة، وعائد، ما أي اسم، افتقر والافتقار أشد الاحتياج، وهو علة بناء الموصولات، ما افتقر إلى صلة يقصدون بها الجملة أو شبهها، تقول: جاء الذي قام أبوه، جملة قام أبوه هي الصلة وهي جملة فعلية، وجاء الذي أبوه قائم، جملة أبوه قائم هي الصلة وهي جملية اسمية، وجاء الذي عندك، وجاء الذي في الدار، فعندك وفي الدار شبه الجملة وهو الصلة، فجملة الصلة هي التي عينت المراد ورفعت الإبهام عن الذي ونحوه، إذاً كل اسم موصول لا بد له من جملة تبين وتكشف المراد وإلا صار مبهماً، وعائد يقصد به الضمير، فنحو: جاء الذي قام أبوه، كما ذكرناه في الجملة الخبرية، لا بد لها من رابط يربطها بالموصول مطابقٍ له إفرادًا وتثنية وجمعًا، وتذكيرًا وتأنيثًا. والاسم الموصول نوعان مشترك ومختص، وليس المراد هنا البحث في تلك التفصيلات. وَمَا إِلَى أَحَدِ هَذِي الأَرْبَعَهْ ... أُضِيفَ فَافْهَمِ المِثَالَ وَاتْبَعَهْ نَحْوُ أَنَا وَهِنْدُ وَالغُلاَمُ ... وَذَاكَ ... وَابْنُ عَمِّنَا الهُمَامُ [وَمَا إِلَى أَحَدِ هَذِي الأَرْبَعَهْ] أي هو في الأصل نكرة، ثم أضيف إلى الضمير فاكتسب التعريف، تقول: جاء غلامك، غلام هذا مفرد نكرة أضيف إلى الضمير، فصار معرفة، لأنه أضيف إلى المعرفة، وكل نكرة أضيفت إلى معرفة اكتسبت التعريف، وتكون في رتبة ما أضيف إليه، إلا المضاف إلى الضمير فهو في رتبة العلم،

стр. 435

وجاء غلام زيد، غلام نكرة أضيف إلى زيد وهو علم فاكتسب التعريف، فغلام زيد معرفة، لأن الاسم المفرد قبل التركيب ليس هو عينه بعد التركيب، وغلام زيد في رتبة العلَم، كذلك إذا أضيف إلى اسم الإشارة، نحو: جاء غلام هذا، فغلام هذا معرفة، لأنه أضيف إلى اسم الإشارة فاكتسب التعريف، وهو في رتبته، وتقول: جاء غلام الذي أبوه قائم، فغلام الذي أبوه قائم معرفة، لأنه أضيف إلى الموصول فاكتسب التعريف، وهو في رتبة الموصول، [وَمَا إِلَى أَحَدِ هَذِي الأَرْبَعَهْ] أي وما أضيف، وما اسم موصول بمعنى الذي معطوف على قوله الاسم المبهم؛ لأن مراده الترتيب، وأضيف جملة الصلة، [أُضِيفَ] هو أي الاسم النكرة إلى أحد هذه الأربعة المذكورة سابقاً، [فَافْهَمِ المِثَالَ وَاتْبَعَهْ] الفهم إدراك معنى الكلام، والمراد بالكلام هنا المثال، والمثال جزئيٌّ يذكر لإيضاح القاعدة، لإيضاح القاعدة أي لشرحها تقول: الفاعل مرفوع، مثاله: جاء زيد، فجاء زيد هذا مثال، والشاهد جزئيٌّ يذكر لإثبات القاعدة، لكن إذا أردت أن تثبت قاعدة الفاعل مرفوع لا بد أن يكون الشاهد مما يعتمد عليه في نقل اللغة العربية، ويحتج بأهله في إثبات الأحكام، فلذلك لا يشترط في المثال النقل بخلاف الشاهد، [وَاتْبَعَهْ] لأن الأصل في الحكم أن هذا موصول إنما هو الاتباع للعرب في أحكام المفردات، [نَحْوُ أَنَا] وهو ضمير للمتكلم، [وَهِنْدُ] للعلَم وهو مؤنث، وزيد مذكر، [وَالغُلاَمُ] مثال لذي الأداة، [وَذَاكَ] اسم الإشارة، [وَابْنُ عَمِّنَا الهُمَامُ] وابن عمنا أضيف إلى واحد منها، وعمنا

стр. 436

هذا معرفة مضاف إلى معرفة، فابن نكرة، وعم نكرة، ونا معرفة، إذاً الأصل عمنا، وهو معرفة أصله نكرة ثم أضيف إلى الضمير نا فاكتسب التعريف، ثم أضيف إليه ابن، فاكتسب ابن التعريف لأنه أضيف إلى معرفة، وما أضيف إلى معرفة ليس المراد المضاف إليه، ولو أرادوا المضاف إليه لما صح المثال السابق، فعمنا ليس المراد نا الدالة على الفاعلين، وإلا لما احتيج إلى قسم مستقل لأن نا داخلة في قسم الضمير. وغلام زيد، ليس المراد زيد لأنه علم داخل في قسم العلَم، وغلام هذا، وغلام الذي .. ليس المراد المضاف إليه إنما الحكم لكونه معرفة، للمضاف وهو غلام نكرة، متى نحكم عليه بأنه معرفة؟ إذا دخلت عليه أل أو أضيف إلى معرفة فتقول: غلام زيد، وغلامي فهو معرفة لأنه أضيف إلى معرفة، وابن معرفة لأنه أضيف إلى معرفة، وابن عمنا معرفة لأنه أضيف إلى معرفة، و [الهُمَامُ] المراد به في الأصل الملك العظيم الهمة. هذا ما يتعلق بالمعرفة، وقدَّمها على النكرة وإن كانت النكرة هي الأصل لأن الأصل في الاسم أن يكون نكرة والمعرفة فرع عنها، وإنما كانت النكرة أصلا لسببين: الأول: لاندراج كل معرفة تحتها ولا عكس، فرجل والرجل، رجل نكرة، والرجل معرفة وأيهما أخص؟ نقول: رجل أعم، والرجل أخص، وأيهما يدخل تحت الآخر؟ الرجل يدخل تحت الأعم وهو رجل، إذًا صارت النكرة أصلا لدخول كل معرفة تحتها، فالرجل هذا معين، وما وضع ليستعمل في معين هو المعرفة،

стр. 437

ورجل هذا شائع لا يختص بواحد دون آخر. والثاني: أن المعرفة لا يحكم عليها بكونها معرفة إلا لسبب، فتحتاج إلى سبب، لا بد أن ننظر فيه هل هو ضمير أو لا، علم أو لا، اسم إشارة أو لا، إذاً لا بد له من سبب، بخلاف النكرة فلا تحتاج إلى سبب في الحكم عليها بكونها نكرة، فحينئذٍ لعدم احتياجها إلى سبب في الحكم عليها في كونها نكرة جعلت أصلاً، لأن ما احتاج فرعٌ لما لا يحتاج إلى سبب، إذًا صارت النكرة أصلا، والأصل هنا أن تقدم المعارف ثم يقال: وما عدا ذلك فهو نكرة، تعد المعارف أوَّلا، فيقال المعرفة ستة أو سبعة، وهي الضمير والعلم .. إلى آخره، وما عدا ذلك فهو نكرة، ومن عكس عيب عليه، كما عيب على ابن مالك ﵀ حيث قال: نَكِرَةٌ قَابِلُ أَلْ مُؤَثِّرَا ... أَوْ وَاقِعٌ مَوْقِعَ مَا قَدْ ذُكِرَا وَغَيْرُهُ مَعْرِفَةٌ ....... ... ....................... قالوا: لو قدم المعرفة وقال: وغيرها نكرة لكان أصوب وأدق؛ لأنها تنضبط بالعدد فنقول: هذا معرفة وما عدا ذلك فهو نكرة. وَإِنْ تَرَى اسْمًا شَائِعًا فِي جِنْسِهِ ... وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا فِي نَفْسِهِ فَهْوَ المُنَكَّرُ وَمَهْمَا تُرِدِ ... تَقْرِيبَ حَدِّهِ لِفَهْمِ المُبْتَدِي فَكُلُّ مَا ِلأَلِفٍ وَاللاَّمِ ... يَصْلُحُ كَالفَرَسِ ... وَالغُلاَمِ

стр. 438

حد النكرة: ما شاع في جنس موجود أو مقدر، ما شاع أي انتشر وذاع، وليس له حدود، مأخوذ من الشيوع وهو الانتشار، شاع في جنس يعني في أفراد جنس، والمراد بالجنس هنا المعنى الكلي، والمعنى الكلي له وجود ذهني، ولا وجود له في الخارج، إلا في ضمن أفراده، وإذا كان الجنس معنى في الذهن حينئذٍ قالوا: هذا شاع وله أفراد، وُجد هذا المعنى في الذهن، وأما في الخارج فلا وجود له استقلالا بل وجوده في ضمن أفراده وآحاده، لكن دلالة الحقيقة الذهنية على الفرد الخارجي بدلالة اللزوم، لأن اللفظ وضع للمعنى الذهني مع مراعاة فرد خارجيٍّ، فلا بد حينئذٍ أن يجعل الفرد الخارجي قيداً في المعنى الذهني، هذا هو حقيقة النكرة، أن يكون اللفظ له حقيقة ذهنية أي في الذهن، لكن مع مراعاة الفرد الخارجي، لأن الحقيقة الذهنية قد توجد في الذهن وهي حقيقة ذهنية، من غير اعتبار شيء في الخارج أبداً، بل لا يمكن أن يوجد لها فرد في الخارج، مثل بحر من زئبق، المعنى الكلي وجد في الذهن، وليس له أفراد في الخارج بل يمتنع أن يوجد له أفراد في الخارج، وهنا في النكرة المعنى الكلي له وجود ذهني، وفي الخارج في ضمن أفراده، فمثلا رجل المراد به البالغ من بني آدم، وبعضهم يقول: حيوان ناطق بالغ من بني آدم، وهذا معنى ذهني، وضع له لفظ رجل، ر ج ل هذا لفظ مركب من ثلاثة أحرف، له معنى، هذا المعنى موجود في الذهن، حيوان ناطق بالغ من بني آدم، وليس بزيد ولا عمرو ولا خالد. لكن لا يوجد في خارج الذهن مستقلاً عن الأفراد بل لا بد أن يوجد في ضمن فرد

стр. 439

من أفراده، فزيد رجل بالغ من بني آدم، إذًا وجد المعنى في ضمن أفراده، والمعنى الموجود في ضمن الفرد يكون معنى جزئيا وليس كل المعنى الكلي لأن المعنى قدر مشترك، والقدر المشترك بين زيد وعمرو وخالد وبدر ومحمد ولا ينحصر فيهم، بل كلما وجد فرد صالح للدخول تحت اللفظ شمله اللفظ، وهنا قال: النكرة ما شاع في جنسه، والمراد بالجنس هنا ليس المعنى الكلي، لأن الجنس الذي هو المعنى الكلي لا يتبعض، بل هو شيء واحد، إذا قيل: الإنسان معناه حيوان ناطق، لكنه في الذهن فقط فلا يتعدد، وإنما التعدد يكون في الخارج فقط. فالمعنى الذهني لا يتعدد وإنما الذي يتعدد هو الأفراد، فقوله: ما شاع في جنس يعني في أفراد جنس يعني انتشر في الأفراد، كالرجولة فكونه ذكراً من بني آدم هذا موجود وشائع ومنتشر وذائع في الأفراد، وأما نفس المعنى الذي وجد في عمرو وفي زيد وفي خالد فهذا معنى الجنس، ووجوده في الذهن، لذلك لا بد من التقدير تقول: ما شاع في جنس أي في أفراد جنس، موجود أو مقدر، إذًا الأفراد قد تكون موجودة بالفعل، وقد تكون مقدرة لأن الأصل في المعنى الشائع أن يكون له أفراد إذ لا يكون شائعًا منتشرًا وهو لم يوجد منه إلا فرد واحد، إذًا لابد من جعله مقدرًا فنقول مثلا: رجل هذا له أفراد كثيرة كما سبق، وشمس له معنى ذهني وهو أنه كوكب نهاري ينسخ ظهوره وجود الليل، كلما وجد هذا الشيء في الخارج سمي شمسًا، لكن بالفعل لم توجد إلا شمس واحدة، ولو وجد كوكب نهاري ينسخ ظهوره وجود الليل لسُمِّي شمسًا كذلك، كما

стр. 440

يقال في رجل بالمعنى الذهني كلما وجد ذكر من بني آدم بالغ أطلق عليه أنه رجل، فأفراده لا تنتهي، لذلك قال: في جنس يعنى في أفرادٍ موجودة بالفعل متعددة، أوله فرد واحد، ولكن الثاني مقدر يعني فرد بالقوة لو وجد لكان ذاك الوصف مستحقًا له. وأما جمع شمس على شموس فالجمع باعتبار المطالع، يعني إذا قيل: هذه شموس فهل يصح الجمع أولا؟ نقول: نعم يصح ولكن هل هو كرجال؟ فرجال جمع رجل، وأفراده متعددة ولها وجود، وأما شمس فليس إلا شمس واحدة، وإنما الجمع باعتبار المطالع، فشمس السبت غير شمس الأحد غير شمس الاثنين وهكذا، إذًا جمعت هذه المطالع فقيل شموس، لذلك يصح أن يقال: شمسُ يومنا أحرُّ من شمس أمس، إذًا فوضل بين شمس واحدة لكن باعتبارين، [وَإِنْ تَرَى اسْمًا] من حيث المعنى [شَائِعًا] بمعنى أنه منتشر وذائع [فِي جِنْسِهِ] يعني في أفراد جنسه الموجودة أو المقدرة، والجنس المنطقي الاصطلاحي هو ما لا يمنع تعقله من وقوع الشركة فيه أي في مدلوله، فالشيوع يكون في الأفراد لا في الحقائق، لأن الجنس معنىً كلي قائم بالذهن، فهو لا يتعدد، فالجنس من حيث هو لا يقبل التعدد، لأنه حقيقة واحدة، لا يتفاوت فيها الشيء في نفسه، وإن حصل تفاوت فهو باعتبار الأفراد، إذًا له معنى ذهني والمراد بالمعنى الذهني هو ما يتصوره العقل سواءٌ طابق ما في الخارج أم لا. [وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا فِي نَفْسِهِ] أي لم يختصَّ به واحد من أفراد جنسه دون الآخر، لا يمكن أن يأتي زيد فيقول: رجل هذا خاصٌّ بي ولا

стр. 441

يشاركني فيه أحد، فلا يختص به واحد من أفراد جنسه بل يشاركه غيره، لأن لفظ رجل وضع للقدر المشترك فهو صالح للكل. [فَهْوَ المُنَكَّرُ] الفاء واقعة في جواب الشرط، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط، والحاصل أن النكرة هي المعنى الذهني المشترك بين الأفراد بدون قطع النظر عن وجود بعض أفراده الخارجية فيه التي هي محل التعدد. [وَمَهْمَا تُرِدِ تَقْرِيبَ حَدِّهِ لِفَهْمِ المُبْتَدِي] لو قدَّم هذا الضابط لكان أحسن، [وَمَهْمَا] اسم شرط جازم، [تُرِدِ] فعل مضارع فعل الشرط مجزوم وجزمه سكون مقدر على آخر منع من ظهوره اشتغال المحل بكسرة الروي، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، [تَقْرِيبَ] مفعول به أي تسهيل، وتقريب تفعيل بمعنى اسم الفاعل أي مقرِّب أي ومهما ترد مقربَ [حَدِّهِ] يعني ما يقرب لك حد النكرة، وتقريب مضاف وحده مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله، وتقريب حده يعني حد النكرة، والحد المراد به هنا الرسم، وكثيرًا ما يطلق الحد مرادًا به الرسم لأن الرسم والحد كلاهما معرِّف، [لِفَهْمِ المُبْتَدِي] لفهم جار ومجرور متعلق بقوله تقريب، فالتقريب حاصل لفهم المبتدي في هذا الفن الذي هو النحو، والمبتدي هو من أخذ في أوائل العلم، فحينئذ أراد أن يقرب ذلك الحد السابق إلى فهم المبتدى من أجل أن يدركه على وجهه يعني فإذا أردت تقريب النكرة والتفريق بينها وبين المعرفة، [فَكُلُّ مَا ِلأَلِفٍ وَاللاَّمِ ... يَصْلُحُ كَالفَرَسِ وَالغُلاَمِ] فما كان قابلاً أل نكرة، كما قال ابن مالك نكرة قابل أل ... فكل ما

стр. 442

صلح لغة لا عقلاً وقبل أل بالفعل أو بالقوة فهو نكرة، [فَـ] هو [كُلُّ] خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، والفاء واقعة في جواب الشرط مهما، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط، [فَكُلُّ مَا] كل هذا خبر وهو مضاف وما اسم موصول بمعنى الذي مضاف إليه يصدق على الاسم [ِلأَلفٍ وَاللاَّمِ يَصْلُحُ] أي كل ما يصلح لأل، فجملة يصلح لا محل لها صلة الموصول، لألف جار ومجرور ولام معطوف عليه والجار والمجرور متعلق بقوله يصلح، والمراد بالصلاحية هنا القبول، إذًا كل ما يصلح ويقبل الألف واللام لغة لا عقلاً فيصح اللفظ فهو نكرة، [كَالفَرَسِ وَالغُلاَمِ] الأجود أن يقول: "كفرس وغلام" لأنه يقبل أل، وإنما أتى به معرفًا لضيق النظم، كالفرس هذا مثال لما لا يعقل، والغلام هذا مثال لما يعقل، إذًا كل اسم صلح أن يقبل أل بالفعل أو بالقوة فنحكم عليه أنه نكرة، فتقول: غلام، هذا نكرة، لا يشترط أن تقول الغلام تُدخل أل بالفعل حتى نحكم عليه أنه نكرة، بل مجرد القبول يكفي في الحكم عليه أنه نكرة. وهذه قاعدة في كل العلامات، فالمراد بها مجرد القبول، والمراد بالقبول لغةً لا عقلاً، لأن العقل يُجوِّز ما لا تأتي به اللغة، إذًا علامات النكرة التي تميز بها عن المعرفة كثيرة لكن أشهرها ما ذكره الناظم هو دخول أل، ومنها دخول رُبَّ قال في الملحة: فَكُلُّ مَا رُبَّ عَلَيهِ تَدْخُلُ ... فَإِنَّهُ مُنَكَّرٌ يَا رَجُلُ

стр. 443

فرُبَّ من علامات النكرة، ولا نقول من علامات الاسم فحسب، ومنها نصب الاسم على أنه تمييز أو حال دليل على أنه نكرة على مذهب البصريين، لأنه لا يكون التمييز إلا نكرة ولا تكون الحال إلا نكرة، ومنها دخول مِن الاستغراقية دليل على أن مدخولها نكرة"كقوله تعالى: (مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ) (المائدة: من الآية١٩). لأن من الاستغراقية خاصة بالنكرات، ومنها دخول لا النافية للجنس لأنها تختص بالنكرات لذلك قال ابن مالك: عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ فِي نَكِرَهْ ... مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ ومنها تنوين التنكير وسبق أنه اللاحق للأسماء المبنية فرقًا بين معرفتها ونكرتها فما دخل عليه تنوين التنكير حكمنا عليه بأنه نكرة كصهٍ، فهذه العلامات إذا وجدت دلت على أن الاسم نكرة.

стр. 444

بَابُ العَطْفِ أي باب حروف العطف، أي هذا باب بيان حقيقة العطف، والعطف في اللغة: الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، وأما في الاصطلاح عند النحاة فالعطف نوعان: عطف بيان وعطف نسق. فعطف البيان من اسمه عطف أريد به البيان، وهو - أي البيان - الإيضاح والكشف والتفسير، فحينئذٍ يكون قد عطف بمعنى أنه رجع إلى المتبوع فكشفه وبينه وزاده إيضاحاً إن كان موضحاً، أو تخصيصاً إن كان مخصصاً، فقيل عطف البيان لأنه مبين لما قبله، وفيه معنى الرجوع فإذا قيل: أقسم أبو حفص عمر، عمر هذا عطف بيان، لما قيل: أقسم أبو حفص، لا يفهم منه أنه عمر ﵁، بل يحتمل أنه عمر وغيره، حينئذٍ لما قال: عمر رجع إلى أبي حفص فكشفه ووضحه وفسره وبين المراد به. حقيقة عطف البيان هو: تابع موضِّح أو مخصص جامد غير مؤول. قوله: تابع جنس يشمل التوابع الخمسة، فكل التوابع داخلة في قوله: تابع، موضح أو مخصص أي موضح لمتبوعه إن كان معرفة، ومخصص لمتبوعه إن كان نكرة، بهذا الفصل كونه موضحاً ومخصصاً أخرج به التوكيد، نحو: جاء زيد نفسه، وجاء زيد عينه، فنفسه وعينه لم يؤت بها للتوضيح والتخصيص، لأنه -كما سيأتي- فائدة التوكيد مغايرة لفائدة النعت وعطف البيان، وأخرج أيضاً

стр. 445

عطف النسق لأن عطف النسق ليس موضحاً ولا مخصصاً، وإنما تكون وظيفته بحسب معنى ووظيفة حرف العطف، وأخرج البدل نحو: أكلت الرغيف ثلثه، هذا ليس بتوضيح ولا بتخصيص كما سيأتي في موضعه، إذاً قوله: تابع جنس شمل التوابع الخمسة، موضح أو مخصص. أخرج التوكيد وعطف النسق والبدل، قوله: جامد، أخرج به النعت لأن النعت فائدته التخصيص والتوضيح، إذاً تابع موضح أو مخصص شارك النعتُ عطفَ البيان في هذه الفائدة، وبجامد أخرج النعت لأن النعت تابع مشتق لا بد أن يكون مشتقاً، فإذا لم يكن مشتقاً حينئذٍ ينظر إلى النوع الثاني وهو كونه جامداً، فإن كان جامداً فإما أن يؤول بمشتق، أو لا، فإن أمكن تأويله بمشتق فهو داخل في النعت لأن النعت قسمان: مشتق، وجامد مؤول بالمشتق، قوله: جامد، أخرج النعت المشتق، وقوله: غير مؤول، أخرج النعت الجامد المؤول بالمشتق، فتعين حينئذٍ أن يقال: عطف البيان تابع فائدته التوضيح والتخصيص ثم هو جامد غير مؤول، لأن الجامد نوعان: جامد يؤول بالمشتق، وجامد لا يؤول بالمشتق. والثاني هو عطف البيان. وحكمه أنه يوافق متبوعه في أربعة من العشرة التي ذكرناها في النعت الحقيقي، فهو كالنعت الحقيقي، يوافق متبوعه في واحد من أوجه الإعراب، وواحد في الإفراد وفرعيه، وواحد من التذكير والتأنيث، وواحد من التعريف والتنكير. عطف البيان لما كان مفيداً فائدة النعت في الإيضاح والتخصيص، يلزمه موافقة المتبوع في التذكير والإفراد وفروعهن

стр. 446

والإعراب. نحو: أقسم أبو حفص عمر، أقسم فعل ماض، وأبو حفص فاعل مرفوع ورفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الستة، وأبو مضاف، وحفص مضاف إليه، وعمر عطف بيان، لأنه تابع موضح جاء بعد معرفة، وهو جامد غير مؤول؛ لأن عمر هذا علم، والأعلام جامدة ولا تؤول بالمشتق. ومثله: هذا خاتمٌ حديدٌ، هذا مبتدأ، وخاتم خبر، وحديد عطف بيان، وفيه أوجه لكن المثال هنا لعطف البيان، حديد نقول: عطف بيان؛ لأنه تابع مخصص جاء بعد النكرة، وهو جامد غير مؤول. ويرد الإشكال في نحو: قال أبو بكر الصديق، وقال عمر الفاروق، والصديق والفاروق كلٌ منهما عطف بيان، وعطف البيان لا يكون مشتقاً، والصدّيق فعّيل، والفاروق فاعول وهما مشتقان، إذاً فكيف نقول: هما عطف بيان وهما مشتقان؟ نقول: هذه صارت أعلاماً سلبت المعنى الذي دلت عليه سابقاً، فهي مسلوبة المعنى، ففاروق لا يدل على شيء وإن كان هو في الأصل سمي فاروقا للفرق بين الحق والباطل، والصدّيق سمي بذلك لكثرة الصدق لكونه صدق النبي ﷺ في الإسراء وغيره، فحينئذٍ نقول: هذا اللفظ إذا أطلق انصرف إلى أبي بكر وعمر ﵄، صار كالعَلَم كما تقول عمر وعثمان إذا أطلق انصرف إلى مسماه كذلك الصدّيق إذا أطلق انصرف إلى مسماه وهو أبو بكر ﵁ حينئذٍ صار علَماً، كذلك الفاروق إذا أطلق انصرف إلى عمر بن الخطاب ﵁، حينئذٍ صار علَماً وهو مشتق في الأصل. لما صار علماً بمعنى أنه إذا أطلق انصرف إلى مسماه مطلقاً بلا قيد عومل معاملة

стр. 447

الأعلام، فحينئذٍ سلب المعنى الذي كان له في الأصل دالاً عليه قبل العلمية، إذاً لا اعتراض على هذا الحد. ومنه قوله تعالى: (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة:١٨٤] طعام عطف بيان أريد به التخصيص، ومنع كثير من النحاة كون عطف البيان نكرة تابعاً للنكرة، والصواب أنه يصح أن يكون نكرة تابعاً للنكرة. ومنه قوله تعالى: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) [إبراهيم:١٦] صديد عطف بيان، وهو نكرة، وماء هو المتبوع وهو نكرة، إذاً عطف البيان يأخذ حكم متبوعه، إن كان مرفوعاً فهو مرفوع، وإن كان منصوباً فهو منصوب، وإن كان مجروراً فهو مجرور. والقاعدة عندهم: أن كل اسم صح الحكم عليه بأنه عطف بيان صح أن يحكم عليه بأنه بدل كل من كل، مفيدٌ لتقرير معنى الكلام وتوكيده، لكونه على نية تكرار العامل. هذا هو عطف البيان، لكن الناظم قال: بَابُ العَطْفِ وأراد به النوع الثاني، وهو عطف النسق بدليل أنه لم يذكر عطف البيان. باب العطف، أل للعهد الذهني، والذي يوقف الطالب على هذا المعهود وهو أمر ذهني هو الموقف. وإن شئت قل: للعهد الحضوري لأنه ذكر تحت الترجمة عطف النسق فقط، والنسق بفتح السين اسم مصدر بمعنى اسم المفعول أي منسوق، يقال: نسقتُ الكلام إذا عطفت بعضه على بعض، والمصدر بالتسكين نسْق، عطف النسق من باب إطلاق المصدر

стр. 448

وإرادة اسم المفعول أي العطف المنسوق من إضافة الموصوف إلى الصفة، أو المسمى إلى الاسم، والنسْق أو النسَق هو النظم. واصطلاحاً: هو التابع المتوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف الآتي ذكرها، العشرة أو التسعة. قوله: التابع هذا جنس يشمل التوابع الخمسة كلها، والمتوسط فصل أخرج به كل التوابع، والمتوسط بينه وبين متبوعه أي الذي وقع وسطاً بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف الآتي ذكرها، حينئذٍ أخرج النعت، والتوكيد، وعطف البيان، والبدل هذه كلها متصلة بمتبوعها، إذ ليس ثَمَّ فاصل بحرف بين التابع والمتبوع، حينئذٍ اختص الحد بعطف النسق. قال الناظم: هَذَا وَإِنَّ العَطْفَ أَيْضًا تَابِعُ ... حُرُوفُهُ عَشَرَةٌ يَا سَامِعُ [هَذَا] أي خذ هذا المذكور من أحكام النعت السابقة الذكر أو حكم النعت هذا. حينئذٍ يصح إعرابه مفعولاً به، خذ هذا المذكور، أو خبرًا لمبتدأ محذوف حكم النعت السابق الذكر هذا، أو العكس هذا الذي سبق ذكره حكم النعت، وهذا يسمى عندهم براعة المخلص، لأن الغرض من الجملة التخلص، أي الانتقال من حال إلى حال، ومن كلام إلى كلام، إن كان بينهما مناسبة. فيسمى براعة المخلص، وإن لم يكن بينهما مناسبة فيسمى الاقتضاب، وهنا فيه مناسبة لأنه انتقل من بيان فرد من أفراد التابع إلى بيان تابع آخر. فانتقل من فرد إلى فرد آخر؛ لأن النعت وعطف النسق فردان للتابع، والتابع جنس، حينئذٍ لما انتقل من فرد من أفراد الجنس وهو

стр. 449

النعت إلى بيان عطف النسق نقول: بينهما مناسبة. وقوله: [هَذَا] جملة وليس بمفرد؛ لأنك إما أن تقدره مفعولاً به لفعل محذوف أي خذ هذا، أو خبراً لمبتدأ محذوف أي حكم النعت هذا، أو مبتدأً لخبر محذوف. إذاً صار جملة الغرض منها التخلص. [وَإِنَّ العَطْفَ أَيْضًا تَابِعُ] الواو حرف استئناف، إذاً بدأ كلاماً جديداً. [وَإِنَّ العَطْفَ] إن: يقال فيها ما قيل في إن الكلام وإن السكون، فالكلام هنا لا يناسبه التوكيد، [أَيْضًا] مفعول مطلق، وهو مصدر لآض يئيض أيضاً بمعنى رجعنا رجوعاً لبيان التوابع، وهو حكم عطف النسق، فأيضاً دائماً تكون منصوبة، ونصبها يكون على أنها مفعول مطلق، والعامل فيه محذوف واجب الحذف تقديره آض، [وَإِنَّ العَطْفَ أَيْضًا تَابِعُ] العطف اسم إن، وتابع خبرها، يعني من التوابع، إذاً حَكَمَ عليه بأنه من التوابع، ولكن ليس فيه فائدة جديدة، وإنما ذكره توطئة لما بعده. [حُرُوفُهُ عَشَرَةٌ يَا سَامِعُ] حروفه أي حروف التابع أو حروف العطف عشرة، لما قال: حروفه علمنا أن المراد بقوله: إن العطف عطف النسق؛ لأن الذي له حروف هو عطف النسق، فالضمير في حروفه يعود على العطف، أي حروف العطف، فصار قيداً لقوله العطف؛ فالمراد به عطف النسق. [حُرُوفُهُ عَشَرَةٌ] حروفه مبتدأ، وعشرة خبره، وعشرة بعدِّ إما بكسر الهمزة، لأنها من حروف العطف عند الناظم، والأصحُّ إسقاطها، فحينئذٍ تكون تسعة، [حُرُوفُهُ عَشَرَةٌ] أو تسعة بإسقاط إما؛ لأن إما الأصح أنها ليست حرف عطف، والعاطف هو الواو التي قبلها، فنقول: الواو هي

стр. 450

حرف العطف بدليل أنه لا توجد إما التي يقال فيها: إنها حرف عطف إلا وسبقتها الواو فهي ملازمة لها، وحرف العطف لا يدخل على حرف عطف مثله، فلما دخلت الواو على إما ولازمتها في كل تركيب علمنا أنها ليست حرف عطف. نحو قوله تعالى: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) [محمد:٤] قالوا: إما هذه حرف عطف. ونقول: لا، بل الصواب أن الواو هي حرف العطف، وإما هذه للتفصيل. [يَا سَامِعُ] يا حرف نداء، وسامع منادى والمراد به تكميل البيت. وحروف العطف عنده عشرة، وهذه تنقسم إلى قسمين: الأول: ما يُشرِّكُ في اللفظ والمعنى وهو ستة على ما ذكره المصنف. والثاني: ما يُشرِّكُ في اللفظ فقط، وهي ثلاثة (بل، ولا، ولكن). وما يشرك في اللفظ المراد به: ما يشرك في الإعراب، والمعنى أي في الحكم، فيكون حكم التابع حكم متبوعه فإن كان المعطوف عليه مرفوعاً كان المعطوف مرفوعاً، وإن كان منصوباً كان منصوباً، وإن كان مجروراً فهو مجرور، وإن كان مجزوماً فهو مجزوم؛ لأن العطف كما سيأتي يدخل في الأفعال أيضًا. إذاً ما يشرك في اللفظ أي الإعراب والمعنى وهو ستة، وما يشرك في اللفظ فقط دون المعنى وهي ثلاثة. الوَاوُ وَالفَا ثُمَّ أَوْ إِمَّا وَبَلْ ... لَكِنْ وَحَتَّى لاَ وَأَمْ فَاجْهَدْ تَنَلْ [الوَاوُ] بدل مفصل من مجمل من قوله عشرة، فالواو بدل من عشرة، وبدل المرفوع مرفوع، ويصح أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره أولها الواو، أو يكون مبتدأ خبره محذوف أي منها

стр. 451

الواو. [الوَاوُ] أي مسمى الواو، لأن مسمى الواو هو الذي يكون حرف عطف وليس لفظ الواو، فالواو اسم ليس بحرف بدليل دخول أل عليه، والتنوين تقول: هذه واوٌ بالتنوين، وإنما مسماه هو الحرف، [الوَاوُ] وهي لمطلق الجمع من غير ترتيب ولا تعقيب ولا معية، فلا تفيد ترتيباً ولا تعقيباً ولا معية، وهذا مرادهم بمطلق الجمع، نقول: جاء زيد وعمرو، جاء فعل ماض، وزيد فاعل مرفوع، والواو حرف عطف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وعمرو معطوف على زيد وللمعطوف حكم المعطوف عليه، تبعه في الرفع، لأن العطف هنا عطف نسق حينئذٍ يكون تابعاً، والواو من القِسم الأول الذي يشرك في اللفظ أي في الحكم والمعنى، إذًا ثَمَّ اشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم وهو الرفع، والمعنى وهو إثبات المجيء، فثبت المجيء لزيد كما أنه ثبت المجيء لعمرو، فحينئذٍ جاء زيد وعمرو، وعمرو هذا معطوف على زيد شاركه في الإعراب وهو الرفع، وشاركه في المعنى وهو إثبات المجيء، جاء زيد وعمرو معناه أنهما اشتركا في المجيء، والذي دلنا على اشتراكهما في المجيء هو الواو، إذاً الواو للتشريك دلت على مشاركة عمرو لزيد في إحداث الفعل، ثم يحتمل الكلام بعد ذلك ثلاث احتمالات: جاء زيد وعمرو يحتمل أنهما جاءا معاً، ويحتمل أن زيدًا جاء قبل عمرو، ويحتمل العكس أن عمراً جاء قبل زيد، هذه ثلاث احتمالات على السواء، وإذا وجد مرجح من خارج اللفظ اتُّبع وإلا بقي على الأصل، فإذا سمعت: جاء زيد وعمرو يحتمل أن

стр. 452

زيداً وعمراً جاءا معاً في وقت واحد، ويحتمل أن زيداً قبل عمرو، أو عمراً قبل زيد، ولا ترجيح لأحد الاحتمالات على الآخر، لأن الواو تفيد مطلق الجمع وهو كون زيد مع عمرو فقط اجتمعا في إيجاد الفعل، لا تفيد ترتيباً ولا تعقيباً ولا تنصيصاً على المعية، وإنما تفيد اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه في اللفظ والمعنى. قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [البقرة:١٢٧] الواو هنا تدل على المعية، لكنها بدليل خارجي. وقال تعالى: ((إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ ٠٠٠)) [الزلزلة] هذه الواو تدل على الترتيب ولكن بدليل خارجي. وقال تعالى: ((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا)) [الجاثية:٢٤] هؤلاء منكرو البعث وهم الدهرية، حينئذٍ نموت ونحيا، أي نحيا ونموت، لأنهم منكرون للبعث حينئذٍ هذه الواو لا تدل على الترتيب بل تدل على أن ما بعدها سابق على ما قبلها يعني عكس الترتيب، ولو كانت للترتيب لكانت اعترافاً بالحياة بعد الموت. والحاصل أن الواو لمطلق الجمع فلا تفيد ترتيباً ولا تعقيباً ولا معية وإن دلت على الترتيب أو التعقيب فمن دليل خارجي، وأما لذات الواو فلا، ولذلك قال بعضهم: تعطف اللاحق على السابق، وتعطف السابق على اللاحق، وتعطف المصاحب على مصاحبه، وكل منها قد يقع. قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ)

стр. 453

[الحديد:٢٦] عطفت اللاحق على السابق. وقال: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) (الزمر: من الآية٦٥) عطفت السابق على اللاحق، وتعطف المصاحب على مصاحبه، وقال: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) [العنكبوت:١٥] يعني معه، عطفت المصاحب على مصاحبه فصارت حينئذٍ للمعية. [وَالفَا] أي والفاء أي مسمى الفاء، وهي للترتيب والتعقيب، تقول: جاء زيد فعمرو، فتفيد الترتيب، ومعنى الترتيب أن مجيء عمرو وقع وحصل بعد مجيء زيد، إذاً ليست كالواو، وتدل على التعقيب بمعنى أن مجيء عمرو وقع مباشرة بعد مجيء زيد بلا مهلة ولا تراخي، أي بلا مدة زمنية بل مباشرة، جاء زيد فعمرو، تلاه عمرو دون فاصل زمني، إذاً نقول: الفاء للترتيب والتعقيب، والمراد بالتعقيب: وقوع المعطوف على المعطوف عليه بلا مهلة، والمراد بالمهلة المدة الزمنية، بأن يكون ثَمَّ فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه في الزمن، فإذا قيل: للتعقيب دل على وقوع المعطوف على المعطوف عليه بلا مهلة بلا فاصل زمني، جاء زيد فعمرو، فمعناه أن مجيء عمرو وقع بعد مجيء زيد من غير مهلة، وتفيد التشريك في الحكم، وهذا حكم عام في جميع الحروف، قد لا نحتاج إلى التنصيص عليه في كل حرف.

стр. 454

فكل حرف من حروف العطف يفيد التشريك في اللفظ يعني في الحكم، فما بعدها يتبع ما قبلها في الإعراب، إن كان مرفوعاً فمرفوع ... إلخ، وتعقيب كل شيء بحسبه، جاء زيد فعمرو، المجيء هنا يقع بعد المجيء ولا إشكال فيه، لكن لو قال مثلاً: دخلت البصرة فبغداد فمصر فالجزائر فالمغرب، تقول: الفاءات هذه للتعقيب، لكن إذا قال: دخلت البصرة فبغداد ثَمَّ فترة ومهلة زمنية بين دخول البصرة وبغداد ولا بد من هذا، وإلا كيف ينتقل مباشرة؟ دخل البصرة فبغداد بلا مهلة زمنية، نقول: هذا لا يمكن، إذاً لا بد من مهلة زمنية فكل تعقيب بحسبه فإن كان يقتضي زمناً فحينئذٍ يصير هذا الزمن مستثنى، ويكون التعقيب على أصله فإن زاد على ذلك انتفى التعقيب، يعني لو كانت الفترة الزمنية في الانتقال من البصرة إلى بغداد ثلاثة أيام فإذا دخل البصرة فبغداد في زمن ثلاثة أيام حصل التعقيب لكن لو جلس عشرة أيام نقول: لا يصح التركيب، وإنما يقول: دخلت البصرة ثم بغداد، لوجود المهلة، فإن كان زمن لا بد منه في الانتقال من المعطوف عليه إلى المعطوف ولا يصح ولا يحصل إلا بهذا الزمن نقول: هذا يستثنى، والمثال المشهور تزوج زيد فولد له، الفاء هذه للتعقيب، تزوج عقد النكاح فولد له، لا بد من مهلة، إذاً تعقيب كل شيء بحسبه. [ثُمَّ] أي وثم على حذف حرف العطف، وثُم بضم الثاء وهي تفيد الترتيب والتراخي، تقول: جاء زيد ثم عمرو، مجيء عمرو وقع بعد مجيء زيد، ولكن بمهلة وزمن، إذاً بين مجيء زيد ومجيء عمرو مهلة زمنية.

стр. 455

[أَوْ] أي وأو من حروف العطف، وهي تكون لأحد الشيئين أو الأشياء، إما أن يخير بين شيئين أو أشياء، تقول: جاء زيد أو عمرو أو خالد، إذاً وقع التخيير بين أشياء، وهذه الأشياء لا نهاية لها، ولها أربعة معان: التخيير، والإباحة، والشك، والتشكيك، فأما التخيير والإباحة إذا وقعت أو بعد طلب، وهذا يشمل الأمر والنهي وكل ما يدل على الطلب، فالتخيير نحو: تزوج هنداً أو أختها، تزوج فعل أمر، وهنداً مفعول به، وأو حرف عطف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وأختها معطوف على هند، والمعطوف على المنصوب منصوب، إذاً شركته في الحكم، ووقعت أو هنا بعد أمر، فتقول حينئذٍ أو للتخيير لأنه لا يجوز الجمع بين هند وأختها، فلو كانت للإباحة لجاز الجمع نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين، وادرس النحو أو الفقه، هذا مثال الإباحة. فإذا جاز الجمع بينهما وأمكن الجمع وليس ثَمَّ مانع عقلاً ولا شرعاً قالوا: هذه للإباحة، فيجوز الجمع بين مجالسة الحسن وابن سيرين، كما يجوز الجمع بين دراسة النحو والفقه، فتقول: أو وقعت هنا بعد طلب وهو الأمر فحينئذٍ نقول: هذه تدل على الإباحة لأنه يمكن الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، وأما تزوج هنداً أو أختها فلا يمكن الجمع بينهما، والحاصل: أن أو للتخيير إذا وقعت بعد طلب ولم يمكن الجمع، وللإباحة إذا وقعت بعد طلب وأمكن الجمع.

стр. 456

والشك والتشكيك: وهذا إذا وقعت أو بعد الخبر الذي يحتمل الصدق والكذب لذاته، نحو: جاء زيد أو عمرو، ولا تدري من الذي جاء عند جارك، فتقول: جاء زيد أو عمرو، شككت أنت في واحد منهما، فقلت: جاء زيد أو عمرو، فالشك من عندك أنت مع عدم العلم، والتشكيك مع العلم بأن واحداً منهما قد جاء وتعرفه فتقول: جاء زيد أو عمرو، لا تريد أن تبين له من الذي جاء، تريد الإبهام والتشكيك، أن تشككه في الخبر، فحينئذٍ أنت تعلم أن الذي جاء زيد ولكنك أبهمت على المخاطب فتقول: جاء زيد أو عمرو. إذاً نقول: أو يعطف بها أحد الشيئين أو تقع بين شيئين، أو بين أشياء، وتدل على الإباحة أو التخيير أو الشك أو التشكيك، الإباحة أو التخيير إذا وقعت بعد طلب، والفرق بينهما أن الإباحة يجوز الجمع بينهما، والتخيير لا يجوز الجمع بينهما، والمانع قد يكون عقلياً وقد يكون شرعياً. وأما الشك والتشكيك فإذا وقعت بعد الخبر وهو ما ليس بطلب، وهو ما احتمل الصدق والكذب لذاته، فحينئذٍ تفيد الشك إذا كان المتكلم غير عالم بمدلول الخبر، وتفيد التشكيك إذا كان المتكلم عالماً بمدلول الخبر. [إِمَّا] أي وإما، فهذه كلها معطوفات بحرف عطف مقدر، لكنهم قد يحذفون حرف العطف في الشعر وهذا جائز اتفاقاً، مختلف فيه في النثر. [إِمَّا] والصحيح أنها ليست بحرف عطف، والعاطف هو الواو الملازمة لها. كقوله تعالى: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا

стр. 457

فِدَاءً) [محمد:٤] وإما الواو هي التي عطفت وليست إما، بدليل لو كانت إما حرف عطف، فالواو باتفاق أنها حرف عطف، وهي أم حروف العطف، فحينئذٍ لصح دخول حرف العطف على حرف العطف، وهو ممتنع لا يجوز دخول حرف عطف على عطف، بل يدخل على اسم أو جملة. لذلك قال الجرجاني: عدُّها في حروف العطف سهو ظاهر. [وَبَلْ لَكِنْ .. لاَ] هذه ثلاثة أحرف يُجمع بينها في الذكر، لأن بينها اجتماعاً وافتراقاً، تتفرق في أشياء وتجتمع في أشياء، إذاً بينها اجتماع واشتراك، وبينها افتراق أيضاً، فأما اشتراكها كلها فمن وجهين: أولاً: كونها عاطفة، فكلها تعطف ما بعدها على ما قبلها، فيكون آخذاً حكم ما قبلها؛ لأن ما بعدها يكون معطوفاً وما قبلها معطوفاً عليه، فحينئذٍ أخذ حكمه وشركته في اللفظ، وهذه هي التي تشرك في اللفظ فقط دون المعنى، وقد ذكرنا أن حروف العطف قسمان، ما يُشرِّك في اللفظ والمعنى وهذه ستة أو خمسة، ومنها ما يشرك في اللفظ فقط في الإعراب، أما المعنى فلا، وهذه ثلاثة: بل، ولا، ولكن، فهي عاطفة. ثانياً: تفيد رد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب. تقول: ما جاء زيد لكن عمرو، إذاً رددت السامع عن الحكم الذي وقع فيه الخطأ إلى الصواب.

стр. 458

وأما افتراقها فمن وجهين: أولاً: أن لا تكون لقصر القلب، وقصر الإفراد، وبل ولكن لقصر القلب فقط. تقول: جاءني زيد لا بكر، ردًّا على من اعتقد أن بكرًا جاء دون زيد، وهذا قصر قلب، أو أنهما جاءاك معًا، وهذا قصر إفراد، وتقول: ما جاءني زيد لكن بكر أو بل بكر، ردًّا على من اعتقد العكس، فهذا قصر قلب فقط، وحقيقة القصر هي إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه. أقول مثلاًً: جاء زيد، فقد يعتقد الشخص مجيء زيد فحينئذٍ هذا الحكم إن كان صواباً فلا إشكال، وإن كان خطأ فحينئذٍ يحتاج إلى تصحيح، فتقول: ما جاء زيد بل عمرو، نفيت المجيء عن زيد، وأثبته لعمرو فحصل قلب، أي قلب الاعتقاد عند السامع من اعتقاد مجيء زيد إلى اعتقاد مجيء عمرو بلا ونحوها، ومثله: ما جاء زيد لكن عمرو. وقصر الإفراد يكون لمن يعتقد مجيئهما معاً، والواقع أن الذي جاء واحد، فحينئذٍ يريد أن يقصر الحكم على واحد منهما دون الآخر بل ينفيه عنه، فيقول: جاء زيد لا عمرو، إذاً حصل تعيين وإفراد، وهذا يسمى قصر الإفراد. ولزيادة الإيضاح أقول: لا حرف عطف، تكون لقصر القلب وقصر الإفراد معاً، وبل ولكن لقصر القلب فقط، أقول: جاءني زيد لا بكر، فلا تفيد قصر الإفراد وقصر القلب، جاءني زيد لا بكر، أنت تعتقد أن الذي جاءني بكر، والأمر ليس كذلك، أريد أن أقلب لك الاعتقاد فأقول لك: جاءني زيد لا بكر الذي اعتقدته أنت. إذاً قلبت اعتقادك، فحينئذٍ جئت بلا لقصر القلب، فقلبت

стр. 459

الاعتقاد من كون الذي جاء بكر إلى زيد، فأقول: جاءني زيد لا بكر. وإذا اعتقدت أن الذي جاءني زيد وعمرو معاً، والواقع ليس كذلك بل واحد منهما، فأقول لك: جاءني زيد لا عمرو، إذاً مثال واحد في (لا) يصلح لقصر القلب وقصر الإفراد، فتقول: جاءني زيد لا بكر، وقد يكون المعنى مراداً به اثنين، شخصين معاً، هذا يعتقد أن الذي جاءني بكر فقط، وهذا يعتقد أن الذي جاءني زيد وبكر، فأقول: جاءني زيد لا بكر، ردًّا على هذا ليكون قصر قلب، وردًّا على الآخر ليكون قصر إفراد. جاءني زيد لا بكر، رد على من اعتقد أن بكراً جاء دون زيد، أو أنهما جاءا معاً، فحينئذٍ الحكم يشمل النوعين. بل ولكن لا تستعملان إلا في قصر القلب فقط، ولا تستعمل في قلب الإفراد؛ تقول: ما جاءني زيد بل بكر أو لكن بكر، ردًّا على من اعتقد العكس. الفرق الثاني: أن (لا) إنما يعطف بها بعد الإثبات فقط، نحو: جاءني زيد لا بكر، وبل يعطف بها بعد الإثبات وبعد النفي، و (لكن) بعد النفي خاصة. إذا عطف ببل بعد الإثبات فحينئذٍ يكون ما قبل بل في حكم المسكوت عنه، لو قلت: جاء زيد بل عمرو، بل هذه للإضراب، والحكم الذي أثبته لزيد وهو المجيء أثبته لعمرو، بل عمرو أي بل الذي جاءني عمرو، وأما زيد فهو مسكوت عنه، لم تثبت له المجيء

стр. 460

ولم تنفه عنه، فحينئذٍ يكون مسكوتاً عنه إذا عطف بها بعد الإثبات، إذاً بل، ولكن، ولا، هذه حروف عطف تفترق وتشترك. [وَحَتَّى] حرف عطف، لكن في بعض المواضع، لا مطلقاً، وهي تأتي للغاية والتدريج، والغاية معناها: آخر الشيء، والتدريج: وقوع ما بعدها شيئاً فشيئاً، يعني أن ما قبلها ينقضي شيئاً فشيئاً، وحينئذٍ يلزم أن يكون ما بعدها يقع شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ الغاية وهو الاسم المعطوف، ولذلك وجب أن يكون المعطوف بها جزءاً من المعطوف عليه، إما تحقيقاً أو تقديراً. فالأول: نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، الرأس جزء من السمكة حقيقة؛ لأنه متصل بها. والثاني: نحو قول الشاعر: أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَي يُخَفِّفَ رَحْلَهُ ... وَالزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا قوله: حتى نعله معطوف على الصحيفة، إذاً انقضى ما قبلها شيئاً فشيئاً، والنعل ليست جزءًا من الصحيفة، وإنما هي كالجزء، لأن المراد ألقى ما يثقله حتى نعله، فصار النعل كالجزء تقديراً مما يثقله ولا شك أنه داخل فيه. [وَأَمْ] أيضاً حرف عطف، والمراد بها أَمِ التي لطلب التعيين بعد همزة داخلة على أحد المستويين، وهي أم المتصلة، أما المنقطعة فهذه بمنزلة بل، والمتصلة نحو: أزيدٌ عندك أم عمرو؟ أم حرف عطف، والمراد بها طلب التعيين، وقد وقعت بين شيئين، زيد وعمرو، وهناك شيء محقق، وهناك شيء مشكوك فيه، ولا بد أن يكون عندك
следующие страницы →