Полный текст (649 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
والشك والتشكيك: وهذا إذا وقعت أو بعد الخبر الذي يحتمل الصدق والكذب لذاته، نحو: جاء زيد أو عمرو، ولا تدري من الذي جاء عند جارك، فتقول: جاء زيد أو عمرو، شككت أنت في واحد منهما، فقلت: جاء زيد أو عمرو، فالشك من عندك أنت مع عدم العلم، والتشكيك مع العلم بأن واحداً منهما قد جاء وتعرفه فتقول: جاء زيد أو عمرو، لا تريد أن تبين له من الذي جاء، تريد الإبهام والتشكيك، أن تشككه في الخبر، فحينئذٍ أنت تعلم أن الذي جاء زيد ولكنك أبهمت على المخاطب فتقول: جاء زيد أو عمرو.
إذاً نقول: أو يعطف بها أحد الشيئين أو تقع بين شيئين، أو بين أشياء، وتدل على الإباحة أو التخيير أو الشك أو التشكيك، الإباحة أو التخيير إذا وقعت بعد طلب، والفرق بينهما أن الإباحة يجوز الجمع بينهما، والتخيير لا يجوز الجمع بينهما، والمانع قد يكون عقلياً وقد يكون شرعياً. وأما الشك والتشكيك فإذا وقعت بعد الخبر وهو ما ليس بطلب، وهو ما احتمل الصدق والكذب لذاته، فحينئذٍ تفيد الشك إذا كان المتكلم غير عالم بمدلول الخبر، وتفيد التشكيك إذا كان المتكلم عالماً بمدلول الخبر.
[إِمَّا] أي وإما، فهذه كلها معطوفات بحرف عطف مقدر، لكنهم قد يحذفون حرف العطف في الشعر وهذا جائز اتفاقاً، مختلف فيه في النثر. [إِمَّا] والصحيح أنها ليست بحرف عطف، والعاطف هو الواو الملازمة لها. كقوله تعالى: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا
стр. 457
فِدَاءً) [محمد:٤] وإما الواو هي التي عطفت وليست إما، بدليل لو كانت إما حرف عطف، فالواو باتفاق أنها حرف عطف، وهي أم حروف العطف، فحينئذٍ لصح دخول حرف العطف على حرف العطف، وهو ممتنع لا يجوز دخول حرف عطف على عطف، بل يدخل على اسم أو جملة. لذلك قال الجرجاني: عدُّها في حروف العطف سهو ظاهر.
[وَبَلْ لَكِنْ .. لاَ] هذه ثلاثة أحرف يُجمع بينها في الذكر، لأن بينها اجتماعاً وافتراقاً، تتفرق في أشياء وتجتمع في أشياء، إذاً بينها اجتماع واشتراك، وبينها افتراق أيضاً، فأما اشتراكها كلها فمن وجهين: أولاً: كونها عاطفة، فكلها تعطف ما بعدها على ما قبلها، فيكون آخذاً حكم ما قبلها؛ لأن ما بعدها يكون معطوفاً وما قبلها معطوفاً عليه، فحينئذٍ أخذ حكمه وشركته في اللفظ، وهذه هي التي تشرك في اللفظ فقط دون المعنى، وقد ذكرنا أن حروف العطف قسمان، ما يُشرِّك في اللفظ والمعنى وهذه ستة أو خمسة، ومنها ما يشرك في اللفظ فقط في الإعراب، أما المعنى فلا، وهذه ثلاثة: بل، ولا، ولكن، فهي عاطفة.
ثانياً: تفيد رد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب. تقول: ما جاء زيد لكن عمرو، إذاً رددت السامع عن الحكم الذي وقع فيه الخطأ إلى الصواب.
стр. 458
وأما افتراقها فمن وجهين: أولاً: أن لا تكون لقصر القلب، وقصر الإفراد، وبل ولكن لقصر القلب فقط. تقول: جاءني زيد لا بكر، ردًّا على من اعتقد أن بكرًا جاء دون زيد، وهذا قصر قلب، أو أنهما جاءاك معًا، وهذا قصر إفراد، وتقول: ما جاءني زيد لكن بكر أو بل بكر، ردًّا على من اعتقد العكس، فهذا قصر قلب فقط، وحقيقة القصر هي إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه. أقول مثلاًً: جاء زيد، فقد يعتقد الشخص مجيء زيد فحينئذٍ هذا الحكم إن كان صواباً فلا إشكال، وإن كان خطأ فحينئذٍ يحتاج إلى تصحيح، فتقول: ما جاء زيد بل عمرو، نفيت المجيء عن زيد، وأثبته لعمرو فحصل قلب، أي قلب الاعتقاد عند السامع من اعتقاد مجيء زيد إلى اعتقاد مجيء عمرو بلا ونحوها، ومثله: ما جاء زيد لكن عمرو.
وقصر الإفراد يكون لمن يعتقد مجيئهما معاً، والواقع أن الذي جاء واحد، فحينئذٍ يريد أن يقصر الحكم على واحد منهما دون الآخر بل ينفيه عنه، فيقول: جاء زيد لا عمرو، إذاً حصل تعيين وإفراد، وهذا يسمى قصر الإفراد.
ولزيادة الإيضاح أقول: لا حرف عطف، تكون لقصر القلب وقصر الإفراد معاً، وبل ولكن لقصر القلب فقط، أقول: جاءني زيد لا بكر، فلا تفيد قصر الإفراد وقصر القلب، جاءني زيد لا بكر، أنت تعتقد أن الذي جاءني بكر، والأمر ليس كذلك، أريد أن أقلب لك الاعتقاد فأقول لك: جاءني زيد لا بكر الذي اعتقدته أنت. إذاً قلبت اعتقادك، فحينئذٍ جئت بلا لقصر القلب، فقلبت
стр. 459
الاعتقاد من كون الذي جاء بكر إلى زيد، فأقول: جاءني زيد لا بكر.
وإذا اعتقدت أن الذي جاءني زيد وعمرو معاً، والواقع ليس كذلك بل واحد منهما، فأقول لك: جاءني زيد لا عمرو، إذاً مثال واحد في (لا) يصلح لقصر القلب وقصر الإفراد، فتقول: جاءني زيد لا بكر، وقد يكون المعنى مراداً به اثنين، شخصين معاً، هذا يعتقد أن الذي جاءني بكر فقط، وهذا يعتقد أن الذي جاءني زيد وبكر، فأقول: جاءني زيد لا بكر، ردًّا على هذا ليكون قصر قلب، وردًّا على الآخر ليكون قصر إفراد. جاءني زيد لا بكر، رد على من اعتقد أن بكراً جاء دون زيد، أو أنهما جاءا معاً، فحينئذٍ الحكم يشمل النوعين.
بل ولكن لا تستعملان إلا في قصر القلب فقط، ولا تستعمل في قلب الإفراد؛ تقول: ما جاءني زيد بل بكر أو لكن بكر، ردًّا على من اعتقد العكس.
الفرق الثاني: أن (لا) إنما يعطف بها بعد الإثبات فقط، نحو: جاءني زيد لا بكر، وبل يعطف بها بعد الإثبات وبعد النفي، و (لكن) بعد النفي خاصة.
إذا عطف ببل بعد الإثبات فحينئذٍ يكون ما قبل بل في حكم المسكوت عنه، لو قلت: جاء زيد بل عمرو، بل هذه للإضراب، والحكم الذي أثبته لزيد وهو المجيء أثبته لعمرو، بل عمرو أي بل الذي جاءني عمرو، وأما زيد فهو مسكوت عنه، لم تثبت له المجيء
стр. 460
ولم تنفه عنه، فحينئذٍ يكون مسكوتاً عنه إذا عطف بها بعد الإثبات، إذاً بل، ولكن، ولا، هذه حروف عطف تفترق وتشترك.
[وَحَتَّى] حرف عطف، لكن في بعض المواضع، لا مطلقاً، وهي تأتي للغاية والتدريج، والغاية معناها: آخر الشيء، والتدريج: وقوع ما بعدها شيئاً فشيئاً، يعني أن ما قبلها ينقضي شيئاً فشيئاً، وحينئذٍ يلزم أن يكون ما بعدها يقع شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ الغاية وهو الاسم المعطوف، ولذلك وجب أن يكون المعطوف بها جزءاً من المعطوف عليه، إما تحقيقاً أو تقديراً. فالأول: نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، الرأس جزء من السمكة حقيقة؛ لأنه متصل بها. والثاني: نحو قول الشاعر:
أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَي يُخَفِّفَ رَحْلَهُ ... وَالزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا
قوله: حتى نعله معطوف على الصحيفة، إذاً انقضى ما قبلها شيئاً فشيئاً، والنعل ليست جزءًا من الصحيفة، وإنما هي كالجزء، لأن المراد ألقى ما يثقله حتى نعله، فصار النعل كالجزء تقديراً مما يثقله ولا شك أنه داخل فيه.
[وَأَمْ] أيضاً حرف عطف، والمراد بها أَمِ التي لطلب التعيين بعد همزة داخلة على أحد المستويين، وهي أم المتصلة، أما المنقطعة فهذه بمنزلة بل، والمتصلة نحو: أزيدٌ عندك أم عمرو؟ أم حرف عطف، والمراد بها طلب التعيين، وقد وقعت بين شيئين، زيد وعمرو، وهناك شيء محقق، وهناك شيء مشكوك فيه، ولا بد أن يكون عندك
стр. 461
واحد منهما، والمشكوك فيه الذي يطلب تعيينه، زيد أو عمرو، وحينئذٍ جيء بأَمْ لطلب التعيين بعد همزة داخلة على أحد المستويين، ولذلك أم قامت مقام الهمزة؛ لأنها عودلت بالهمزة التي دخلت على زيد فحينئذٍ لا يكون الجواب بنعم أو بلا، وإنما يكون بالتعيين، أزيد عندك أم عمرو؟ تقول: زيد، هو طلب التعيين، هو يعلم أن واحداً منهما عندك قطعاً، لذلك قال: عندك، جَزَمَ أن عندك واحدًا، وهل هو زيد أم عمرو؟ هذا هو المشكوك فيه، مع القطع بأن أحدهما عنده، ولكنك شككت في عينه. وتسمى أم هذه معادلة؛ لأنها عادلت الهمزة في الاستفهام بها، وتسمى أيضاً متصلة لعدم الاستغناء بأحدهما عن الآخر. [فَاجْهَدْ تَنَلْ] يعني فاجتهد: وهو بذل الوسع في الوصول إلى المقصود تنل المطلوب؛ لأنه لا بد من جهد وبذل.
كَجَاءَ زَيدٌ وَمُحَمَّدٌ وَقَدْ ... سَقَيْتُ عَمْرًا أَوْ سَعِيْدًا مِنْ ثَمَدْ
وَقَوْلُ خَالِدٍ وَعَامِرٍ سَدَدْ ... وَمَنْ يَتُبْ وَيَسْتَقِمْ يَلْقَ الرَّشَدْ
[كَجَاءَ زَيدٌ وَمُحَمَّدٌ] أي كقولك أو مثل جاء زيد ومحمد، فالكاف حرف أو اسم كما سبق، وهذا مثال للواو، وقد أفادت مطلق الجمع، هذا من حيث المعنى، ومن حيث اللفظ والحكم شركت المعطوف مع المعطوف عليه في الإعراب، وإعراب المثال: جاء فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وزيد فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، والواو حرف عطف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وهي لمطلق الجمع، تفيد
стр. 462
التشريك في اللفظ وفي المعنى، حينئذٍ ما بعدها يأخذ حكم ما قبلها في الإعراب، فما قبلها مرفوع إذاً يلزم أن يكون ما بعد الواو مرفوعًا كذلك، ومحمد معطوف على زيد، والمعطوف على المرفوع مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، والعامل في زيد الفعل جاء، والعامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، وهو الفعل جاء، فعمل فيهما معًا، هذا الصحيح من أقوال النحاة، وقيل: الواو، وقيل: العامل الفعل جاء بواسطة الواو.
[وَقَدْ سَقَيْتُ عَمْرًا أَوْ سَعِيْدًا مِنْ ثَمَدْ] وقد حرف تحقيق مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وسقيت فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل، وعمراً مفعول به منصوب ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، ويُكتب عمرو بالواو في حالتي الرفع والجر، وتحذف في حالة النصب، فهي واو زائدة للفرق بين عُمَر بضم العين وفتح الميم، وعَمْر بفتح العين وإسكان الميم، فحينئذٍ إذا وجدت الواو دل على أنه عمرو بفتح العين وإسكان الميم، وإذا لم توجد فهو عمر بضم العين وفتح الميم، وأما في حالة النصب فالمنون يكون عَمْراً، وعُمر لا ينون لأنه ممنوع من الصرف، فحينئذٍ حصل التفريق بالتنوين، فلا حاجة للواو. أو سعيداً أو حرف عطف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وهنا للشك أو التشكيك، لأنها وقعت بعد الخبر وهو جملة سقيت، وقد
стр. 463
سقيت سعيداً أو عمراً، هذا فيه شك ويحتمل التشكيك، إن كان هو لا يعلم فحينئذٍ يكون شكاً، وإن كان يعلم ولكن أراد أن يُبهم على غيره صار تشكيكاً. إذاً مثال واحد نستطيع أن نمثل به للمعنيين، مِن ثَمَد بفتح الميم وسكونها، والمراد به الماء القليل الذي لا مادة له، ومن حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وثمد اسم مجرور بمن وجره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الوقف. وهذا مثال لعطف منصوب على منصوب، وحرف العطف هو أو. [وَقَوْلُ خَالِدٍ وَعَامِرٍ سَدَدْ] قول مبتدأ وهو مضاف، وخالد مضاف إليه، وعامر، الواو حرف عطف، وعامر معطوف على خالد وهو مجرور، والمعطوف على المجرور مجرور وجره كسرة ظاهرة على آخره، وهذا مثال لعطف مجرور على مجرور، إذاً مثل لعطف المرفوع على المرفوع، والمنصوب على المنصوب، والمجرور على المجرور؛ لأن الكلام في التوابع.
[وَمَنْ يَتُبْ وَيَسْتَقِمْ يَلْقَ الرَّشَدْ] هذا مثال لعطف المجزوم على المجزوم؛ لأن الفعل يُعطف على الفعل كما أن الاسم يعطف على الاسم، قال ابن مالك:
................. ... وَعَطْفُكَ الفِعْلَ عَلَى الفِعْلِ يَصِحْ
ومن يتب فمن اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ويتب فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بمن وجزمه السكون، ويتب أصلها يتوْبْ، التقى ساكنان الواو وسكون الباء للجزم، فوجب
стр. 464
حذف الأول لتعذر تحريكه، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على من، ويستقم الواو حرف عطف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ويستقم فعل مضارع معطوف على يتب، والمعطوف على المجزوم مجزوم. كذلك لو كان مرفوعاً نحو: يقومُ زيد ويقعدُ، أو منصوبًا نحو: لن يقومَ زيد ويقعدَ، فهذه كلها معطوفات إما في النصب أو الرفع أو الجزم، وهذا مثال لعطف مجزوم على مجزوم، وإنما يكون في الأفعال لا في الأسماء. يلقَ الرشد يلقَ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بمن وجزمه حذف حرف العلة، وهي الألف، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والرشد ضد الغي، من الرشاد والإصابة، مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الروي أو الوقف.
إذاً يقوم زيد ويقعد هذا مثال للرفع، وجاء زيد ورَكِبَ هذا مثال للمبني، واضرب زيداً وقم هذا مثال للمبني في فعل الأمر، ومن يتب ويستقم يلق الرشد هذا مثال للمجزوم.
стр. 465
بَابُ التَّوكِيدِ
هذا هو الباب الثالث من الأبواب التي عناها الناظم ﵀ في بيان التوابع؛ لأنه لا زال في باب المرفوعات من الأسماء، وإن شئت قلت: الباب الرابع؛ لأننا زدنا باب عطف البيان؛ لأنه لم يذكره كما سبق بيانه.
قال: بَابُ التَّوكِيدِ أي هذا باب بيان حقيقة التوكيد، والتوكيد تفعيل، مصدر بمعنى اسم الفاعل، ويقال فيه: التأكيد بالهمز، وبإبدال الهمزة ألفاً على القياس كما في راس وفاس، إذاً فيه ثلاث لغات: توكيد، وتأكيد بالهمز، وتاكيد بتركه كما يقال رأس وراس، وفأس وفاس، وأفصح هذه اللغات هو التوكيد، لذلك ترجم به الناظم، وقلنا: هي أفصح من التأكيد والتاكيد لورودها في القرآن قال تعالى: (َلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) [النحل:٩١] إذاً جاء لفظ التوكيد في القرآن حينئذٍ يكون أفصح، فإذا كان ثَمَّ عدة لغات وجاء القرآن بلغة واحدة منها حينئذٍ نقول: هذه أفصح من غيرها. والتوكيد لغة: التقوية، ولذلك نقول: هو يأتي بمعنى التقوية والتشديد، وأما في الاصطلاح فالتوكيد قسمان: توكيد لفظي، وتوكيد معنوي.
أما التوكيد اللفظي: فهو إعادة اللفظ الأول بعينه، يعني يكرره مرة أخرى، وهذا يكون في الاسم وفي الفعل وفي الحرف، يعني
стр. 466
الذي يعاد ويكرر فيكون توكيداً لفظياً، قد يكون اسمًا كما في قول القائل:
أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لاَ أَخًا لَهُ ... كَسَاعٍ إِلَى الهَيْجَا بِغَيْرِ سِلاَحِ
أخاك أخاك: أخاك الأول مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره الزم، منصوب على الإغراء. وأخاك الثاني توكيد، إذاً كررها على أنها توكيد لفظي، وحينئذٍ أعاد اللفظ الأول بعينه مرة أخرى، وأخاك اسم، إذاً أعاد الاسم مرة أخرى فصار توكيداً لفظياً. كذلك يكون التوكيد اللفظي في الفعل كما في قول القائل:
فَأَينَ إِلَى أَينَ النَّجَاةُ بِبَغْلَتِي ... أَتَاكِ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ
أتاكِ أتى فعل ماض، وفاعله اللاحقون، والكاف ضمير متصل مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، هذه الأولى، وأتاك الثانية توكيد لفظي، أعاد اللفظ الأول بعينه، واللفظ الأول الذي أعيد فعل، فحينئذٍ التوكيد اللفظي كما يكون في الأسماء يكون في الأفعال.
واحبسِ احبسِ الجملة الأولى وهي احبسِ فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنتِ، واحبسِ الثانية توكيد للجملة السابقة. وأيضاً يكون التوكيد اللفظي في الحرف كما في قول القائل:
لاَ لاَ أَبُوحُ بِحُبِّ بَثْنَةَ إِنَّهَا ... أَخَذَتْ عَلَيَّ مَوَاثِقًا وَعُهُودَا
стр. 467
فلا حرف نفي، ولا الثانية توكيد لفظي.
إذاً حقيقة التوكيد اللفظي إعادة اللفظ الأول بعينه، ولا يختص بالأسماء، بل يدخل الأفعال والحروف. تقول: جاء زيد زيد، فأعدت الفاعل مرة ثانية. وضربت زيداً زيداً، أعدت المفعول به مرة ثانية. ومررت بزيد بزيد، أعدت المجرور مرة ثانية. هذا في الأسماء، وهو توكيد لفظي. وتقول: جاء جاء زيد، وقام قام عمرو، أعدت الفعل مرة ثانية، حينئذٍ صار توكيداً بالفعل. ولا لا لست قادماً، ونعم نعم جاء زيد، إذاً لا لا، ونعم نعم توكيد لفظي.
أما القسم الثاني وهو الذي ذكره الناظم وهو التوكيد المعنوي، فيكون بألفاظ محصورة، وهو من خواص الأسماء، التوكيد اللفظي عام، والتوكيد المعنوي خاص بالأسماء؛ لأن له ألفاظًا، وهذه الألفاظ محصورة موقوفة على السماع، لا يجوز القياس عليها، وهذه الألفاظ كلها أسماء كما سيأتي بالنفس والعين ونحوها.
وَيَتْبَعُ المُؤَكَّدَ التَّوكِيدُ فِي ... رَفْعٍ وَنَصْبٍ ثُمَّ خَفْضٍ فَاعْرِفِ
[وَيَتْبَعُ المُؤَكَّدَ] بفتح الكاف اسم مفعول، وهو مفعول به مقدم، و [التَّوكِيدُ] فاعل، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، يعني المؤكِّد بكسر الكاف اسم فاعل يتبع المؤكَّد بفتح الكاف اسم مفعول، لأن الأصل هو المؤكَّد، تقول: جاء زيدٌ نفسُه، فزيد مؤكَّد بفتح الكاف، إذاً هو الأصل، ونفسه مؤكِّد، والمؤكِّد يتبع المؤكَّد [فِي رَفْعٍ] فإن كان المؤكَّد مرفوعاً فالتوكيد مرفوعٌ، نحو: جاء زيدٌ نفسُه،
стр. 468
وإن كان منصوباً فالتوكيد منصوبٌ، نحو: رأيت زيداً نفسَه، وإن كان مجروراً فالتوكيد مجرورٌ، نحو: مررت بزيدٍ نفسِه، إذاً تبعه رفعاً ونصباً وجراً، لأن هذا شأن التوابع أن التابع ومنه التوكيد يتبع المتبوع. [فِي رَفْعٍ] أي في رفعه فالتنوين عوض عن المضاف إليه، لأنه تابع له في رفع أي رفع المؤكد، [وَنَصْبٍ] أي وفي نصبه، والتنوين عوض عن المضاف إليه، فإن كان المؤكد منصوباً كان المؤكِّد منصوباً، [ثُمَّ خَفْضٍ] ثم بمعنى الواو، يعني إن كان المؤكَد مخفوضاً فالتوكيد مخفوضٌ. [فَاعْرِفِ] يعني فاعلم ذلك، تتمة البيت.
كَذَاكَ فِي التَّعْرِيفِ فَاقْفُ الأَثَرَا ... وَهَذِهِ أَلفَاظُهُ كَمَا تَرَى
[كَذَاكَ فِي التَّعْرِيفِ] أي مثل ذاك في أن التوكيد يتبع المؤكد في الإعراب، كذاك يتبعه في التعريف، يشترط في التوكيد المعنوي أن يكون المؤكَّد معرفة، فلا يتبع التوكيد النكرة، فلا تؤكد النكرة، وإنما الذي يؤكد المعرفة فقط، وهذا على مذهب البصريين؛ لأن ألفاظ التوكيد المعنوي كلها معارف فحينئذٍ يشترط التطابق بين المؤكَد والمؤكِد، فلما كان التوكيد لازماً للتعريف لزم منه أن يكون المؤكَد معرفة؛ لأنك تقول: جاء زيد نفسه عينه، فعينه ونفسه يلزم الإضافة إلى الضمير فحينئذٍ صار معرفة، إذاً هو ملازم للتعريف لا ينفك عنه، فحينئذٍ لا يجوز أن يؤكد به النكرة؛ لأنه لا بد من التطابق، ولذلك قال [كَذَاكَ فِي التَّعْرِيفِ] وسكت ولم يقل والتنكير، لأن ألفاظ التوكيد كلها معارف فلا تتبع النكرة فلا يقال: جاء رجل نفسه، وهذا مذهب البصريين، سواء كانت النكرة محدودة كيوم
стр. 469
وليلة وشهر وحول، أو غير محدودة كوقت وزمن وحين يعني مطلقاً، سواء كانت محدودة أو غير محدودة، وأما مذهب الكوفيين فهو جواز توكيد النكرة المحدودة لحصول الفائدة بذلك، نحو: صمت شهراً كلَّه، وهذا الذي مال إليه ابن مالك ورجحه فقال:
وَإِنْ يُفِدْ تَوكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ ... وعَنَ نُحَاةِ البَصْرةِ المَنْعُ شَمِلْ
إن أفاد توكيد النكرة وذلك فيما إذا كانت النكرة محدودة كشهر وأسبوع ويوم، وذلك إذا كانت محدودة صح توكيدها عند ابن مالك ﵀، لورود السماع وحصول الفائدة، وإن لم تكن محدودة فالمنع مطلقاً عند البصريين وعند الكوفيين، إذاً محل الخلاف بين المذهبين هو توكيد النكرة المحدودة، وأما غير المحدودة فهي محل اتفاق في عدم توكيدها، لعدم حصول الفائدة، وأما إن أفادت وذلك فيما إذا كانت النكرة محدودة جاز.
إذاً المؤكِّد يتبع المؤكَّد في إعرابه وفي تعريفه، فهذان أمران لا بد من وجودهما في المؤكدات، [فَاقْفُ الأَثَرَا] الألف للإطلاق، أي فاتبع الأثر، والأثر هو القول المأثور الذي ينقله خلَفٌ عن سلَفٍ، [وَهَذِهِ أَلفَاظُهُ كَمَا تَرَى] المشار إليه كما هو ظاهر العبارة أنه سيأتي، حينئذٍ يكون قد أشار إلى أمر غير موجود تنزيلاً للمعدوم منزلة الموجود، عامله معاملة المحسوس، والأصل في اسم الإشارة كما سبق أنه لا يصح إلا مع إشارة حسية، فإذا لم يكن إشارة فالأصل عدم استعماله، ولكن يتجوز به في المعاني، ولكن ليست كل المعاني، وإنما بعض المعاني التي صار لها نوع حصر ونوع علم وتمكن
стр. 470
في الذهن، حينئذٍ صحت الإشارة إليه، تنزيلاً لهذا المعدوم منزلة المحسوس ما دام أنه معين ومحصور في الذهن فكأنه معين في الخارج، فإذا أشير إليه وهو في الذهن كأنه أشير إليه وهو في الخارج، [كَمَا تَرَى] أي كما تعلم أو تُبصر، يحتمل أنه بالمعينين، ثم التوكيد المعنوي نوعان:
الأول: توكيد يكون لرفع احتمال المجاز وإثبات الحقيقة.
والثاني: توكيد يكون لرفع توهم الخصوص بما ظاهره العموم.
لذلك يعبر ابن عقيل في هذه فيقول في الأول: لرفع توهم عدم الإضافة، وفي الثاني: لرفع توهم عدم إرادة الشمول.
النَّفْسُ وَالعَيْنُ وَكُلٌّ أَجْمَعُ ... وَمَا لِأَجْمَعَ لَدَيْهِمْ يَتْبَعُ
[النَّفْسُ] بإسكان الفاء، وهي هنا بمعنى الذات، [وَالعَيْنُ] وإطلاق العين هنا مراد به الذات، وهذا إطلاق مجازي علاقته الجزئية والكلية، لأن أصل العين هي العين الباصرة، أطلقت وأريد بها الذات كلها، كما قيل في الرقبة: اعتق رقبة، والرقبة المراد بها الرقبة المعروفة، أطلقت وأريد بها الذات كلها، إذاً يكون من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل وهذا يسمى مجازاً مرسلاً علاقته الجزئية والكلية، والنفْس والعين معناهما واحد، فمعنى العين هو معنى النفْس، ومعنى النفْس هو معنى العين، وهو الذات، إلا أن إطلاق النفْس على الذات إطلاق حقيقي، وإطلاق العين على الذات إطلاق مجازي؛ [النَّفْسُ وَالعَيْنُ] هذه من ألفاظ التوكيد التي جيء
стр. 471
بها لرفع المجاز عن الذات وإثبات الحقيقة، أو إن شئت عبر برفع توهم عدم الإضافة، يعني بأن يكون المؤكَد بفتح الكاف غير مضاف.
تقول: جاء الأمير، فهذا يحتمل أن الأمير جاء بذاته، ويحتمل أنه لم يأت بذاته وإنما تُجوِّز فيه، والأصل جاء كتاب الأمير، أو خبر الأمير، فحينئذٍ تجوز بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فإذا قيل: جاء الأمير يحتمل أنه جاء بذاته، ويحتمل أنه جاء خبره، ويحتمل أنه جاء كتابه، فإذا قلت: جاء الأمير صار محتملاً للمجاز؛ لأن من صيغ المجاز عندهم حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه، فإذا أردت رفع وتضعيف هذا الاحتمال وأن المراد به ذات الأمير، تقول: جاء الأمير نفسه؛ فحينئذٍ رفعت الاحتمال، وأن المراد به جاء الأمير بذاته بنفسه، وعلمنا أن المراد هنا الذات بالتوكيد، لولا هذا التوكيد لصار الكلام محتملاً، محتملاً لأي شيء؟ لأن يكون المراد به الأمير بذاته أو بخبره أو بكتابه، فلما أردت تعيين الذات قلت: جاء الأمير نفسه، أو جاء الأمير عينه، أو جاء الأمير نفسه عينه، تجمع بينهما، يصح إفراد النفس عن العين، وإفراد العين عن النفس، لكن هذا الاحتمال الذي يذكره النحاة ليس متعيناً، بل الأصل حمل الأفعال على فاعليها، هذا هو الأصل، ولو حصل تجوز فحينئذٍ بما يجوز أن يتجوز به، وليس على إطلاقه، لأنهم إذا أطلقوا في هذا المقام، أوَّلُ ما يمثل به عندهم قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) [الفجر:٢٢]، قالوا: هذا محتمل أنه جاء بذاته ، أو جاء أمره، أو جاء مَلَكُه، إذاً يحتمل أنه بذاته، ويحتمل أنه بغير ذاته، فإذا قالوا:
стр. 472
(وَجَاءَ رَبُّكَ)، أي جاء أمر ربك، نقول: هذا التأويل فاسد، لأن الأصل في إطلاق الأفعال التي هي أوصاف في المعنى لفاعليها الحقيقة، وإذا حصل نوع تجوز فإنما يكون فيما يصح التجوز فيه، وأما هذه الألفاظ نفسه وعينه في مقام لا يصح فيه التجوز، لا نقول به، وهذا من باب المغالطات؛ لأنه يمثلون بهذه الآية: (وَجَاءَ رَبُّكَ) أي جاء أمر ربك، لأنها مثل: جاء الأمير، فإذا سلَّمت بأنَّ جاء الأمير محتمل للمجاز فحينئذٍ اللغة واحدة، فمثله وجاء ربك محتمل للمجاز، نقول: لا، وَجَاءَ رَبُّكَ قام الدليل الشرعي على أنه لا احتمال، فحينئذٍ إذا قيل: جاء الأمير، يحتمل هذا فيما بيننا نحن البشر، والناس يتجوزون في مثل هذا، وأما إذا جاء تطبيقه فيما لا يصح تنزيل هذه القواعد، والاحتمالات عليها كنصوص الشرع، نقول: لا، قف (وَجَاءَ رَبُّكَ) لا يحتمل إلا مجيئه بذاته ثم ننفي المشابهة أو إدراك تلك الحقيقة، إذاً النفس والعين هذان لفظان مؤكِدان، والتوكيد بهما معنوي، والفائدة رفع المجاز عن الذات فيما يقبل المجاز، وأما ما لا يقبل المجاز كقوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ) فحينئذٍ لا يصح اعتماد هذه القاعدة في ذاك، أو إن شئت قل: ما يرفع توهم مضاف إلى المؤكد، (جاء الأمير) يحتمل أن ثَم مضافاً محذوفاً، وهو جاء خطاب الأمير، أو رسول الأمير.
إذاً عرفنا أنه يؤكَد بالنفس والعين، وإذا أُكد بهما فلا بد من اتصالهما بضمير يعود على المؤكَد، وهذا هو السر في كونهما معرفة، وأنه لا يجوز أن يؤكد بهما النكرة؛ لأنها معارف، وهذا الضمير
стр. 473
باعتبار المؤكَد، قد يكون مفرداً وقد يكون مثنى وقد يكون مجموعاً، يعني يطابق المؤكَد، إن أكدت بالنفس والعين المفرد جئت بالضمير مفرداً، وإن أكدت به المثنى صح في لغة العرب أن يؤتى به مثنى وهو الأصل، وإذا أكدت به الجمع جئت بالضمير جمعاً، ولكن يقال: إذا أكد المفرد فجيء بلفظ النفس والعين مفردين، تقول: جاء زيد نفسه، وجاء الأمير عينه، وجاء خالد نفسه عينه، نفسه أعاد الضمير على زيد، وزيد مفرد، حينئذٍ طابقه في الإفراد، لكن إذا أكد بالنفس والعين المثنى والجمع فالأفصح في لغة العرب أن يؤتى بالنفس والعين مجموعتين على وزن (أَفْعُل) مضافتين إلى ضمير يطابق المؤكَد، فإذا أردت أن تؤكد المثنى فالأفصح أن تأتي بالنفس والعين مجموعة على وزن (أَفْعُل) فتقول: أنفس وأعين، وتضيفها إلى ضمير المثنى ليطابق الضمير المؤكَد فتقول: جاء الزيدان أنفُسهما أعيُنهما، هذا هو الأفصح، وسُمع نفسهما، وسمع أيضًا نفساهما، إلا أن الأول أفصح، وكذلك إذا أردت أن تؤكد الجمع، فالأفصح أن تأتي بالنفس والعين مجموعة على وزن (أَفْعُل) مضافتين إلى ضمير جمع يطابق المؤكَد، فتقول: جاء الزيدون أنفُسهم أعيُنهم، وجاءت الهندات أنفُسهن أعيُنهن. إذاً نقول: القاعدة: أنه إذا أكد بالنفس والعين وجب إضافتها إلى ضمير يعود على المؤكَد مطابقا له، فإن كان المؤكَد مفرداً كان الضمير مفرداً، وإن كان مثنى كان الضمير مثنى، وإن كان جمعا كان الضمير جمعا، ثم ننظر في لفظ النفس والعين، إن كان المؤكَد مفردا حينئذٍ لا بد من المطابقة نحو: جاء زيد
стр. 474
نفسه عينه، وإن كان المؤكَد مثنى فالأفصح أن يؤتى بالنفس والعين مجموعتين، لا تأتي بهما مثنى، تقول: نفساهما أو نفسهما، هذا مسموع لكنه غير فصيح، وإنما تأتي بالنفس جمعاً على وزن أَفْعُل أنفس، تأتي بالعين جمعاً على وزن أَفْعُل أعين، ثم تضيفها إلى ضمير يطابق المؤكد فتقول: جاء الزيدان أنفسهما أعينهما، وإذا كان المؤكد مجموعاً فتقول: جاء الزيدون أنفسهم، وجاءت الهندات أنفسهن، إذاً هذا إذا أكد بالنفس والعين، لكن إذا جمع بينهما قالوا: لا يصح أن نقدم العين على النفس، بل يجب تقديم النفس على العين، فتقول: جاء زيد نفسه، وجاء زيد عينه، وجاء زيد نفسه عينه، جمعت بينهما، وقدمت النفس على العين، ولا يصح أن يقال: جاء زيد عينه نفسه؛ لأنه من باب تقديم الجزء على الكل، وهذا خلاف الأولى. ثم قال:
[وَكُلٌّ أَجْمَعُ] هذه كما ذكرنا يؤكد بهما للإحاطة والشمول، يعني للدلالة على العموم على أن اللفظ مراد به العموم، وأن احتمال الخصوص مرتفع بلفظ كل، تقول: جاء القوم، فيحتمل أن المراد كل القوم، أي كل ما يصدق عليه لفظ القوم، ويحتمل أن المراد بعض القوم فحينئذٍ يكون من باب إطلاق الكل مراداً به الجزء فيكون مجازًا، فإذا قلت: جاء القوم كلهم فحينئذٍ ارتفعت إرادة الخصوص، وتعين الشمول، ومنه قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ) [الحجر:٣٠]، إذاً كل وأجمع في الأصل أنه يؤتى بهما للدلالة على الإحاطة والشمول، أي العموم، وإن شئت قل: لرفع توهم إرادة الخصوص بلفظ العموم،
стр. 475
تقول: جاء القوم فيحتمل مجيء جميعهم، أو مجيء بعضهم، فيكون من باب التجوز بإطلاق الكل على البعض، فإذا قلت: جاء القوم كلهم، ارتفع الاحتمال، وبعضهم يقول: ضعف الاحتمال، وهذا ينبني عليه خلاف، إذا قيل: ارتفع الاحتمال فحينئذٍ لا يصح أن يؤتى بمؤكد آخر، فإذا قلت: فسجد الملائكة كلهم، إذاً رفعت احتمال إرادة الخصوص بلفظ الملائكة، إذاً تأكدنا أن المراد بلفظ الملائكة العموم، فقوله بعد ذلك: أجمعون إذاً جاء مؤكد آخر ولأي شيء جيء به؟! جاء زيد نفسه عينه، إذا قيل: نفسه رفعت الاحتمال مطلقاً، ولم تضعف الاحتمال، فعينه لماذا جيء بها؟! وإنما يقال: المؤكد الأول أضعف الاحتمال، وإذا جيء بالمؤكد الآخر ارتفع الاحتمال ليكون للمؤكد الثاني عمل كالأول، لأنه جيء به فأثر في المعنى، والثاني إذا قيل الأول رفع الاحتمال بالكلية، ما وظيفته؟ وماذا عمل؟ لا بد أن يكون له أثر لأننا نقول: هو مؤكد جيء بنفسه وعينه كل منهما مؤكد لكن بعضهم يرى أن التعبير الصحيح الدقيق في نحو: جاء زيد نفسه عينه، أنَّ نفسه أضعفت احتمال عدم إرادة الذات، وعينه أكدت، وإذا لم يؤت بالعين فحينئذٍ لا بأس أن يقال: رفعت الاحتمال باللفظ الأول. وشروط التوكيد بلفظ كل ثلاثة:
الأول: أن يكون المؤكَد بها مفرداً أو جمعاً، وأما المثنى فلا يؤكد بكل.
стр. 476
الثاني: أن يكون المؤكَد متجزأ بذاته أو بعامله، فالمؤكَّد وهو اللفظ الذي جيء بالتأكيد بلفظ كل من أجله يشترط فيه أن يكون متجزأ بذاته، يعني يقبل التفرقة، فالملائكة جمع ملَك، وكل ملك مستقل بذاته عن الآخر، إذاً متجزأ بذاته، والقوم يشمل زيد وعمرو وخالد وفاطمة وعائشة وغيرهم، إذاً متجزأ بذاته، أوبعامله كقولك: اشتريت العبد، فالعبد لا يتجزأ بذاته، وإنما بالنظر إلى عامله وهو الشراء يتجزأ، ولذلك عندنا المبعض، يعني الذي بعضه حر وبعضه على أصله في الرق، إذاً هو بِيع واشتُري في جزءٍ وبقي الجزء الآخر، فقولك: اشتريت العبد نقول: العبد هذا متجزأ لكنه بالنظر إلى عامله وهو الشراء، لا بالنظر إلى ذاته، وأما ما لا يتجزأ بذاته ولا بعامله فلا يصح توكيده فلا يقال: جاء زيد كله، أما فسجد الملائكة كلهم، فالملائكة جمع، وقد وجد الشرط، ليس بمثنى وأيضاً يتجزأ بذاته، كذلك جاء القوم كلهم، أو متجزأ بعامله، كاشتريت العبد كله، فلفظ كل توكيد للعبد، أكد وإن كان العبد بذاته لا يتجزأ ولا يتبعض، ولكن بالنظر إلى عامله.
الثالث: أن يتصل بها ضمير عائد على المؤكَد مطابق له، إن كان مفرداً فمفرد، وإن كان جمعاً فجمع، نحو: اشتريت العبد كله فالضمير مفرد، وقال تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر:٣٠]، فالضمير جمع، إذاً لا بد من المطابقة.
[أَجْمَعُ] أي وأجمع على حذف حرف العطف، وهي مثل كل في المعنى، ولذلك الأكثر أنها تأتي تابعة لكل، يعني في الغالب أنها لا
стр. 477
تستقل، وقد يؤكد بها دون كل، وأجمع في المفرد المذكر، وجمعاء في المفرد المؤنث، وجمعهما وهو أجمعون وجُمع، ولا يثنيان فيقال: جمعاوان، لعدم السماع، وجوز بعضهم ذلك، والأصح لا، لعدم السماع، لأن هذه ألفاظ منقولة، والتوكيد المعنوي هو الحاصل بألفاظ معلومة محصورة، والأصل السماع، فحينئذٍ إذا ورد لفظ يؤكَد به منقولا، لا يزاد عليه، ولا يقاس على ما سمع أجمع وجمعاء وأجمعون وجمع، ولم يسمع جمعاوان، وقاسه بعضهم، والأصل عدم القياس، وهذا اختيار ابن هشام رحمه الله تعالى. يؤكد بها غالباً بعد كل فلذلك استغنت عن الضمير، ومنه قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر:٣٠] لم تضف إلى الضمير لأنه لا يشترط فيها إضافتها إلى الضمير، لأنها في الغالب لا تأتي إلا بعد كل، وكل من شروط التوكيد بها أن تكون متصلة بضمير، فلذلك استغني عن الضمير هنا، تقول: اشتريت العبد كله أجمعَ، والأَمَة كلها جمعاءَ، والعبيد كلهم أجمعين، والإماء كلهم جُمَعَ.
إذاً يؤكد بأجمع بعد كل، هذا هو الغالب، ويؤكد بأجمع وأجمعين وجمع دون كل ولكنه ليس بغالب، ولذلك جاء في القرآن: (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر:٣٩] (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر:٤٣] جاء دون كل هنا، إذاً يصح التوكيد بها دون كل.
[وَمَا لِأَجْمَعَ لَدَيْهِمْ يَتْبَعُ] أي والذي، يتبع الجملة صلة الموصول، ولأجمع جار ومجرور متعلق بقوله يتبع، لديهم أي لدى
стр. 478
العرب، ولدى بمعنى عند أي في حكمهم، توابع أجمع هذه لا يؤكد بها إلا بعد التأكيد بأجمع يعني على التسلسل أولاً كل ثم أجمع، ثم هناك توابع لأجمع لذلك قالوا: لا يجوز تقديمها عليها وهي ثلاثة: أبتع، وأكتع، وأبصع، وأكتع مأخوذ من تكتع الجلد إذا اجتمع، وأبتع مأخوذ من البَتْع من قولهم: فلان ذو بتع، أي عنقه طويل، وأبصع وقيل أبضع بالضاد، والمشهور الأول، مأخوذ من البصع وهو اجتماع العرق، هذه الثلاث لا يؤكد بها إلا بعد أجمع، ولا يجوز تقديمها عليها؛ لأنها تابعة لها.
كَجَاءَ زَيدٌ نَفْسُهُ يَصُولُ ... وَإِنَّ قَوْمِي كُلَّهُمْ عُدُولُ
وَمَرَّ ذَا بِالقَوْمِ أَجْمَعِينَا ... فَاحْفَظْ مِثَالاً حَسَنًا مُبِينَا
[كَجَاءَ زَيدٌ نَفْسُهُ يَصُولُ] الكاف بمعنى مثل أي مثل جاء زيد، أو تكون على بابها حرف جر ويكون مدخولها محذوفاً كقولك: جاء زيد نفسه، جاء فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وزيد فاعل مرفوع بجاء ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، ونفسه توكيد لزيد والمؤكِد يتبع المؤكَد، تبعه في الرفع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، نفس مضاف، والضمير مضاف إليه مبني على الضم في محل جر مضاف إليه، ويصول مضارع من صال يصول، إذا وثب، يصول: جملة فعلية متممة تعتبر حالا من زيد.
[وَإِنَّ قَوْمِي كُلَّهُمْ عُدُولُ] إن حرف توكيد ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وقومي اسم إن منصوب بها ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة
стр. 479
المناسبة، وقوم مضاف، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه، وكلهم توكيد، وتوكيد المنصوب منصوب ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، وكل مضاف والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وعدول جمع عدل، وهو خبر إنَّ.
إذاً جاء زيد نفسه، هذا مثال للتوكيد بالنفس وهو مرفوع. وإن قومي كلهم، هذا مثال للتوكيد بكل وهو منصوب تبعه في النصب.
[وَمَرَّ ذَا بِالقَوْمِ أَجْمَعِينَا] مر فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وذا اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع فاعل، وبالقوم جار ومجرور متعلق بقوله مر، أجمعينا الألف للإطلاق، وأجمعين توكيد للقوم، وتوكيد المجرور مجرور وجره الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بالجمع المذكر السالم.
[فَاحْفَظْ مِثَالاً حَسَنًا مُبِينَا] فاحفظ، والحفظ بقاء صورة المحفوظ في الذهن، والفاء هذه فصيحة، وتحتمل العطف، وتحتمل أنها زائدة، ومثالاً مفعول به، حسناً صفة لمثالاً، مبيناً، أي موضحاً، احفظ مثالاً، أي هذا ما ذكر لك في الأمثلة فقس عليها. والحاصل أنَّ التوكيد نوعان: توكيد لفظي وتوكيد معنوي؛ التوكيد اللفظي هو إعادة اللفظ الأول بعينه ويقع في الأسماء والأفعال والحروف، التوكيد المعنوي هذا خاص بالأسماء، ويكون بألفاظ محصورة معدودة لا يقاس عليها، ولا يؤكد بها مطلقاً، وإنما بشروط وقد ذكرناها.
стр. 480
بَابُ البَدَلِ
هذا هو الباب الأخير من التوابع. والبدل لغة: العِوض ومنه قوله تعالى: (عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا) [القلم:٣٢] أي يعوضنا خيراً منها. وفي الاصطلاح: تابع مقصود بالحكم بلا واسطة، قوله: تابع جنس يشمل التوابع الخمسة كلها: النعت، والعطف، وعطف البيان، وعطف النسق، والتوكيد، والبدل. قوله: مقصود بالحكم أخرج النعت والتوكيد وعطف البيان، فهذه الثلاثة خرجت بقوله مقصود بالحكم؛ لأن هذه الثلاثة ليست مقصودة بذاتها يعني لم يسق الكلام من أجلها، وإنما هي مكملات للمتبوع المقصود بالحكم، إذا قيل: جاء زيد العاقل، أصل الكلام جاء زيد، لأن المقصود بالكلام هنا الإخبار بمجيء زيد، ثم لما وقع اشتباه في زيد جيء بالنعت وهو العاقل، فهو متمم لزيد، كذلك جاء زيد نفسه، فنفسه متمم وليس مقصوداً بالحكم، ما سيق الكلام من أجل لفظ نفسه، وإنما جيء بنفسه توكيداً، والأصل هو جاء زيد، وجاء أبو عبد الله محمد، الأصل الإخبار بمجيء أبي عبد الله، ومحمد هذا عطف بيان، ليس مقصوداً لذاته بالحكم، وإنما يعتبر مكملاً للمقصود، إذاً النعت وعطف البيان والتوكيد هذه ليست مقصودة بالذات، وإنما مقصودة للتتميم فقط، يعني هي متممات للمقصود، قصدها قصد تكميلي، لا قصد تأسيسي في الكلام. قوله: بلا واسطة أخرج عطف النسق؛ لأنه مقصود بذاته، مقصود بالحكم، جاء زيد وعمرو، فعمرو مقصود
стр. 481
بالحكم، لكن بواسطة.
إِذَا اسْمٌ ابْدِلَ مِنِ اسْمٍ يَنْحَلُ ... إِعْرَابَهُ وَالفِعْلُ أَيْضًا يُبْدَلُ
[إِذَا اسْمٌ ابْدِلَ مِنِ اسْمٍ] إذا أُبدل اسم من اسم [يَنْحَلُ إِعْرَابَهُ] يقال: نَحَلَه القولَ كمنعه نسبه إليه، ومراده ينحل إعرابه يعني يُعطى إعرابه، لأن البدل حكمه في الإعراب حكم المبدل منه؛ لأننا في مقام التوابع، والأصل في التابع أن يكون مشاركاً لما قبله في إعرابه، فإن كان المبدل منه مرفوعاً كان البدل مرفوعاً، وإن كان منصوباً كان منصوباً، وإن كان مجروراً كان مجروراً، وإن كان مجزوماً كان مجزوماً، إذاً يأخذ حكمه مطلقاً، [إِذَا اسْمٌ ابْدِلَ مِنِ اسْمٍ يَنْحَلُ إِعْرَابَهُ] أي يعطى إعرابه مطلقاً رفعاً ونصباً وخفضاً وجزماً، والدليل على أن المراد بالإعراب ما يشمل الجزم قوله: [وَالفِعْلُ أَيْضًا يُبْدَلُ] من الفعل، فحينئذٍ لا يفهم من قوله: إذا اسم أبدل من اسم أن البدل خاص بالأسماء كما هو الشأن في التوكيد، بل يدخل الأسماء ويدخل الأفعال. وإعراب قوله: [إِذَا اسْمٌ ابْدِلَ مِنِ اسْمٍ يَنْحَلُ] إذا ظرفٌ لما يستقبل من الزمان مُضَمَّنٌ معنى الشرطِ خافضٌ لشرطه منصوبٌ بجوابه، اسمٌ نائب فاعل لفعل محذوف وجوباً تقديره: إذا أُبدل اسمٌ، لأن إذا وإن الشرطيتين لا يَحُلُّ بعدهما الاسم أبداً على الصحيح وهو مذهب البصريين، حينئذٍ نقول: قوله تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) [التكوير:١]، وقوله: (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ) [الانفطار:١]، فالشمس نائب فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور تقديره إذا كورت الشمس، والسماء فاعل لفعل محذوف
стр. 482
يفسره الفعل المذكور تقديره إذا انفطرت السماء، ومثله قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ) [التوبة:٦] إن حرف شرط، وأحدٌ فاعل مرفوع لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور تقديره وإن استجارك أحد، فإن شرطية ولا يليها إلا فعل، كما أن إذا الشرطية لا يليها إلا فعل، فحينئذٍ لو جاء بعدهما اسم مرفوع وجب تقدير فعل محذوف وجوباً، وجوباً لوجود المفسِّر؛ لأنك إذا قدَّرتَ فعلاً فلا بُدَّ أن تفسره، لو قيل: إذا السماء، لا تستطيع أن تقدر فعلا، لا بد من شيء يدل عليه من السياق، فتأتي بفعل مناسب، وحدث مناسب، وليس ثَمَّ قرينة تدل على المحذوف، لكن إذا قيل: إذا السماء انفطرت، تعلم هنا أن المراد انفطار السماء، إذا انفطرت السماء انفطرت، فصار انفطرت هذا هو المفسِّر، والمحذوف وجوباً هو المفسَّر، ولا يجمع بين المفسَر والمفسِر، وإنما يذكران في مقام التعليم فقط، يقال: إذا انفطرتِ السماءُ انفطرت، وأما عند التحقيق فالأصل أنه لا يجمع بينهما فيقال: إذا السماء انفطرت تقدير العامل إذا انفطرت السماء، وانفطرت الثانية لا يجوز جمعه وذكره مع المحذوف.
وجملة أبدل لا محل لها من الإعراب مفسرة، ومِن اسم متعلق بقوله أبدل، وينحل فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الاسم، والجملة جواب إذا، وإعرابه مفعول به، والفعل أيضاً يبدل، والفعلُ أيَّ فعل مطلقاً، مبتدأ،
стр. 483
وأيضاً مفعول مطلق مصدر آضَ يئيضُ أيضاً، وجملة يبدل خبر المبتدأ.
أَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ فَإِنْ تُرِدْ ... إِحْصَاءَهَا فَاسْمَعْ لِقَولِي تَسْتَفِدْ
[أَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ] أي أقسام البدل على المشهور عند النحاة أربعة أي معدودة بالأربعة، وهي التي ذكرها الناظم، وزاد بعضهم قسمين: بدل الإضراب، وبدل النسيان. وقوله: أقسامه مبتدأ، وأربعة خبره، [فَإِنْ تُرِدْ إِحْصَاءَهَا] فإن الفاء فصيحة، إذا جاء إجمال أو محل سؤال أو تعداد ثم جاءت الفاء فالغالب أنها فصيحة، لأنه لَمَّا قال: أقسامه أربعة، فإن سئلتَ وأردت معرفة هذه الأربعة فأقول لك: إن ترد إحصاءها، إذاً الفاء فصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، فإن ترد أيها النحوي إحصاءها أي جمعها [فَاسْمَعْ] الفاء واقعه في جواب الشرط، وإنْ شرطية، وترد فعل مضارع فعل الشرط، والجواب اسمع، إذًا وقع فعل أمر فوجب اقترانه بالفاء، [لِقَولِي] الأصل اسمع قولي، واللام زائدة، وزيادتها ليست قياسية، لقوة العامل، لأن اللام إنما تزاد لضعف العامل، وإذا كان العامل متقدماً على معموله وهو فعل فهو قوي لا يحتاج إلى تقوية، فحينئذٍ إذا زيدت اللام فهي على خلاف القياس، لكن لو قال: لقولي فاسمع حينئذٍ تقول: ضَعُفَ العامل؛ لأن العامل يعمل فيما بعده على الأصل، فإذا تقدَّم عليه ضعف فحينئذٍ يحتاج إلى تقوية، وفرق بين أن تقول: ضربت لزيد، ولزيد ضربت، ضربت لزيد مثل فاسمع لقولي، ليس على القياس، وأما لزيدٍ ضربتُ فهذا
стр. 484
على القياس. ومنه قوله تعالى: (إِِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف:٤٣] والأصل تعبرون الرؤيا، فيتعدى بنفسه، وزِيدت اللام في قوله: للرؤيا لضعف العامل، فحينئذٍ نقول: (للرؤيا) الرؤيا مفعول به، واللام زائدة جيء بها لتقوية العامل، وإنما تزاد قياساً في موضعين: إذا تقدم المعمول على عامله؛ لأنه يضعف، أو كان العامل وصفاً يعني اسما مشتقا ولو كان المعمول متأخراً؛ لأن العامل إذا لم يكن فعلاً فهو ضعيف، كل الأسماء إذا عملت فهي ضعيفة، حينئذٍ إذا دخلت اللام على معمولها فهو قياس، كقوله تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) [هود:١٠٧] ففعال يتعدى بنفسه، وما اسم موصول بمعنى الذي في محل نصب مفعول به، دخلت اللام تقوية للعامل؛ لأن فعال هذا ليس بفعل، وإنما هو وصف، والوصف ضعيف بذاته، حينئذٍ إذا قوي فلا بأس أن يؤتى باللام الزائدة، أما فاسمع لقولي فاللام زائدة، لكنها ليست على القياس، [تَسْتَفِدْ] جواب الطلب وهو اسمع، واسمع هذا جواب الشرط إن، وتستفد فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الطلب. كقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ) (الأنعام: من الآية١٥١) وأتلو فعل مضارع أصله بالواو، وحذفت للجزم لوقوعها في جواب الطلب، وهنا كذلك فاسمع تستفد، إن تسمع تستفد، فتستفد فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الطلب.
فَبَدَلُ الشَّيءِ مِنَ الشَّيءِ كَجَا ... زَيدٌ أَخُوكَ ذَا سُرُورٍ بَهِجَا
وَبَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ كَمَنْ ... يَأْكُلْ رَغِيْفًا نِصْفَهُ يُعْطِ الثَّمَنْ
стр. 485
وَبَدَلُ اشْتِمَالٍ نَحْوُ رَاقَنِي ... مُحَمَّدٌ ... جَمَالُهُ ... فَشَاقَنِي
وَبَدَلُ الغَلَطِ نَحْوُ قَدْ رَكِبْ ... زَيدٌ حِمَارًا فَرَسًا يَبْغِي اللَّعِبْ
[فَبَدَلُ الشَّيءِ مِنَ الشَّيءِ] الفاء فاء الفصيحة، وبدل الشيء من الشيء يعني به بدل الكل من الكل، وهذا تعبير ابن مالك ﵀، واشتهر على ألسنة النحاة توسعاً بدل الكل من الكل، هكذا الكل بأل، والأصل أن يقال: بدل كل من كل؛ لأن كلا لا يجوز إدخال أل عليها مطلقاً، لأنها ملازمة للإضافة، وما كان ملازماً للإضافة أو مضافاً ولولم يكن ملازماً للإضافة لا يجوز إدخال أل عليه، كغلام زيد، لا يصح أن يقال: الغلام زيد، كذلك كلٌّ ملازمة للإضافة إلى المفرد، ثم هذا المضاف إليه قد يحذف ويعوض عنه التنوين، ويسمى تنوين العوض عن كلمة، كقوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ) [الإسراء:١٣] فكل هنا مضاف لفظا، وقوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ) [الإسراء:٨٤] كل مضافة لكنها مضافة في المعنى لا في اللفظ، وأما في اللفظ فقد حذف المضاف وعوض عنه التنوين، إذاً إذا قيل: الكل فقد أدخلنا أل على لفظٍ مضاف، وهذا ممتنع، ولكن من باب التوسع يقال: بدل الكل من الكل.
وبدل الكل من الكل هو ما كان الثاني فيه عين الأول، أو قل مساوياًَ للأول في المعنى، نحو: جاءني محمد أبو عبد الله، جاء فعل ماض، ومحمد فاعل، وأبو عبد الله بدل كل من كل؛ لأن أبو عبد الله - على الحكاية - هو عين الأول وذاته محمد وهو المكني بأبي
стр. 486
عبد الله، إذاً كان الثاني عين الأول، [كَجَا زَيدٌ] أي كقولك، أو مثل، وجا بالقصر للوزن، أصله جاء بالهمزة، وقصره للوزن، [كَجَا زَيدٌ أَخُوكَ] جاء فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وزيد فاعل، وأخوك بدل كل من كل؛ لأن الأخ هنا هو عين زيد، وزيد هو عين الأخ، وبدل المرفوع مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وكما أعرب بدل الكل من الكل كذلك يصح إعرابه عطف بيان لما ذكرناه سابقاً أن كل ما صح الحكم عليه بأنه عطف بيان جاز إعرابه بدل كل من كل، فحينئذٍ جاءني محمد أبو عبد الله، أبو عبد الله يجوز فيه وجهان: أن يكون بدل كل من كل، وأن يكون عطف بيان، [ذَا سُرُورٍ بَهِجَا] ذا حال من الفاعل، منصوب بالألف لأنه من الأسماء الستة، أي حالة كونه ذا سرور بهجا، وسرور بمعنى الفرح، وبهجا بمعنى الابتهاج، والسرور والفرح، والألف في بهجا للإطلاق، إذاً كل منهما بمعنى الآخر.
ومنه قوله تعالى: (مَفَازًا، حَدَائِقَ) [النبأ:٣٢] فحدائق بدل كل من كل من مفازاً، وحينئذٍ نقول: يصح أن يكون البدل نكرة والمبدل منه نكرة، لأن حدائق بدل وهو نكرة، ومفازاً مبدل منه وهو نكرة. جاء محمد أبو عبد الله، فمحمد معرفة، وأبو عبد الله معرفة، إذاً صح أن يبدل المعرفة من المعرفة، ويصح أن يكونا مختلفين كما سيأتي.
هذا النوع الأول: بدل كل من كل، أو إن شئت قل بدل الشيء من الشيء، وعدل ابن مالك ﵀ عن التعبير ببدل الكل من
стр. 487
الكل؛ لأنه قد يأتي في القرآن في حق الرب فلا يقال فيه: بدل كل من كل لعدم صحة إطلاق الكل على الله ، وأما الشيء فهذا ثابت إطلاقه على الله قال تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ) [الأنعام:١٩] إذاً صح إطلاق الشيء على الله ، أما بدل كل من كل فلا يصح.
النوع الثاني: أشار إليه بقوله: [وَبَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ] أيضاًًًًًًًًً البعض يقال فيه ما قيل في الكل، فهو مثل كل ملازم للإضافة للمفرد معنى، حينئذٍ قد يذكر المضاف لفظاً وقد يحذف ويعوض عنه تنوين يسمى تنوين العوض عن كلمة، وبدل البعض من الكل هو أن يكون الثاني جزءاً من الأول، أو قل: بعضاً من الأول سواء كان مساوياً لنصفه أو أقل أو أكثر، ولذلك لا يُشترط فيه عند الأصوليين ما يشترط في الاستثناء، والاستثناء فيه خلاف، هل يصح إخراج أكثر من النصف أو لا؟ استثناء دون النصف مجمع عليه، والنصف وأكثر من النصف فيه خلاف، وهذا الخلاف في الاستثناء، أما البدل فلا. ويشترط في هذا النوع - بدل البعض من الكل- أن يكون مشتملاً على ضمير يعود على المبدل منه، قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران:٩٧] فمن استطاع هذا بدل بعض من كل، فلا يشترط أن يكون أكثر أو أقل أو نصف، قد يكون وقد لا يكون، يختلف باختلاف الأزمان والأحوال. والناس لفظ عام يشمل المستطيع وغير المستطيع، ومن استطاع من اسم موصول بمعنى الذي، وجملة
стр. 488
استطاع صلة الموصول، وهو في قوة المشتق أي المستطيع، فمن استطاع بدل بعض من كل على الصحيح؛ لأن الناس كل وليس كل الناس مستطيع.
[كَمَنْ يَأْكُلْ رَغِيْفًا نِصْفَهُ يُعْطِ الثَّمَنْ] كمن الكاف بمعنى مثل، أو كقولك حينئذٍ تكون داخلة على محذوف، ومن يأكل رغيفاً فمن اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ويأكل فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بمن وجزمه سكون آخره، والفاعل ضمير مستتر تقدير هو يعود على من، رغيفاً مفعول به، ونصفه بدل بعض من كل، الرغيف كل، وهو لم يأكل كل الرغيف، وإنما أكل بعض الرغيف، حينئذٍ نقول: بدل بعض من كل، وقد اشتمل على الضمير هنا، نصفه أي نصف الرغيف، فأكل نصف الرغيف، فوجدت الحقيقة أن يكون الثاني جزءاً من الأول، والنصف جزء أو بعض من الكل ولا إشكال، ويعط الثمن يعط فعل مضارع جواب الشرط مجزوم وجزمه حذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على من، والثمن مفعول به منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الوقف.
عرفنا بدل البعض من الكل، وهل يوجد بدل الكل من البعض؟ نقول: هذا فيه خلاف، والأكثر على المنع، وجوَّزه بعضهم وأثبت بدل الكل من البعض. قال الشاعر:
رَحِمَ اللهُ أَعْظُمًا دَفَنُوهَا ... بِسِجِسْتَانَ طَلَحَةَ الطَّلَحَاتِ
стр. 489
أعظماً بعض من طلحة، وطلحة كل لأنه عظم ولحم، فطلحة بدل من أعظم بدل كل من بعض، وهذا محل خلاف.
والنوع الثالث أشار إليه بقوله: [وَبَدَلُ اشْتِمَالٍ] ففيه اشتمال أن يشتمل المبدل على البدل، بأن يكون بين البدل والمبدل منه ملابسة أي علاقة وارتباط، لكن بغير الجزئية والكلية، ليس كلا ولا جزءا، يعني كأنه قال لك: انظر في البدل هل هو بدل كل من كل أو لا؟ فإن لم يكن بدل كل من كل إذاً انتفت العلاقة الكلية، ثم انظر هل هو بعض من المبدل منه أو لا؟ فإن لم يكن بدل بعض من كل إذاً انتفت العلاقة الجزئية، فاحكم عليه بأنه بدل اشتمال، لذلك تكون العلاقة أو الملابسة بين الأول والثاني بغير الجزئية والكلية، يعني ليس بدل كل من كل، ولا بدل بعض من كل. أو قل: أن يكون المبدل منه مشتملا على البدل بأن يكون دالا عليه بحيث إذا ذكر المبدل منه تتشوَّف النفس وتنتظر البدل. [نَحْوُ رَاقَنِي مُحَمَّدٌ جَمَالُهُ فَشَاقَنِي] نحو بمعنى مثل، وراقني بمعنى أعجبني محمد جماله، ومحمد فاعل، وجماله بدل اشتمال من محمد، ما العلاقة بين الجمال ومحمد؟ هل هو كل من محمد بأن يكون بدل كل من كل؟ الجواب: لا، هل هو جزء من ذاته؟ الجواب: لا، وإنما العلاقة بينهما أن محمداً مشتمل على الجمال، إذاً الملابسة والعلاقة بينهما بغير الكلية والجزئية. ومثله: أعجبني زيد علمه، إذاً ثَمَّ ملابسة وارتباط بين زيد وبين العلم، وهي كون العلم قائماً بزيد، كما أن الجمال إنما يكون في محمد لا في غيره، وكذلك العلم يكون في زيد لا في غيره. ومنه قوله تعالى:
стр. 490
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيه) [البقرة:٢١٧] أي في الشهر الحرام، فقتال بدل اشتمال من الشهر الحرام، ما الملابسة والعلاقة والارتباط؟ نقول: لكون القتال قد وقع في الشهر الحرام، وهنا أبدلت النكرة من المعرفة، ويجوز العكس، وفي قوله: (مَفَازًا، حَدَائِقَ) [النبأ:٣٢] أبدلت النكرة من النكرة، وفي قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران:٩٧] (الناسِ، من استطاع) أبدلت المعرفة من المعرفة، إذاً لا يشترط في البدل والمبدل منه الاتفاق تعريفاً وتنكيراً.
وقوله: [جَمَالُهُ] اشتمل على ضمير يعود على المبدل منه، [فَشَاقَنِي] الفاء عاطفة، وشاقني حبها أي هاجني كشوَّقني.
والنوع الرابع أشار إليه بقوله: [وَبَدَلُ الغَلَطِ] أي بدل عن اللفظ الذي ذُكِر غلطاً، لا أنه نفسه هو الغلط، ليس البدل هو الغلط، وإنما هو بدل عن اللفظ الذي ذُكر أولاً غلطاً. [نَحْوُ قَدْ رَكِبْ زَيدٌ حِمَارًا فَرَسًا يَبْغِي اللَّعِبْ] فرساً هو بدل الغلط، لأن الذي ذكر غلطا هو قوله: حمارًا، قال: ركبت حماراً فغلط ليس حماراً فقال: فرساً، إذاً حصل بدل الغلط، الغلط في الأول، والذي يسمى بدل الغلط الثاني، إذاً التركيب يكون: بدل الغلط ليس هو نفسه غلطًا، وإنما بدل عن اللفظ الذي ذكر أولاً غلطاً، وبدل الغلط أن يكون الثاني مقصوداً، والأول غير مقصود، نحو قولك: [نَحْوُ قَدْ رَكِبْ زَيدٌ حِمَارًا فَرَسًا يَبْغِي اللَّعِبْ] أي وذلك نحو، فهو خبر لمبتدأ محذوف،
стр. 491
قد ركب: قد حرف تحقيق مبني على السكون لا محل له من الإعراب، رَكِبَ فعل ماض مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الوقف، وزيد فاعل، مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، حماراً مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، فرساً بدل الغلط، وبدل المنصوب منصوب ونصبه فتحة ظاهرة على آخره.
بدل الغلط محله اللسان، وليس القلب، أراد أن يخبر أولاً بأنه ركب فرساً فسبق لسانه فقال: حماراً، ثم أتى بالمقصود، إذاً حماراً ليس مقصوداً، وفرساً هو المقصود، [يَبْغِي اللَّعِبْ] يعني ركب، لأنه يبغي ويريد اللعب واللعب هو اللهو. وبدل الغلط مختلف فيه، هل هو موجود في لغة العرب أو لا؟ لذلك لا يُوقف على مثالٍ واحد في الشعر أنه يحكم عليه بأنه بدل غلط، ولذلك أنكره الكثيرون نثراً وشعراً، قالوا: لأنه ليس بفصيح بل هو غلط في اللسان، فحينئذٍ لا يمكن أن يكون في المنثور الفصيح، ولا في الشعر الفصيح، لأنه غلط أراد أن يخبر عن شيء فأخبرك عن شيء آخر فسبق لسانه فذكر شيئاً لم يرد ذكره، فكيف يكون في الفصيح؟! ولذلك اختلف فيه أربعة أقوال:
الأول: من أثبته نظماً ونثراً.
الثاني: من نفاه نظماً ونثراً.
الثالث: من أثبته نثراً لا نظماً.
стр. 492
الرابع: من أثبته نظماً لا نثراً.
نظماً أي شعراً، والمسألة فيها خلاف، لكن عزَّ أن يوجد مثال منقول عن العرب وهو بدل غلط، والله أعلم.
стр. 493
المَنْصُوبَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ
لما فرغ من الكلام على المرفوعات وما يتعلق بها شرع في الكلام على المنصوبات، وقدَّم المرفوعات على المنصوبات؛ لأن المرفوعات عُمَدٌ في الأصل، والعمد شأنها التقديم، وثنى بالمنصوبات؛ لأن الفعل قد يكون ناصباً، فالنصب إما أن يكون بحرف أو بفعل أو باسم، حينئذٍ حصل النصب بالفعل وهو أقوى العوامل بخلاف المخفوضات، فإنه لا خفض بالفعل.
و [المَنْصُوبَاتُ] جمع منصوب، وهو لغة: المستقيم والمستوي، واصطلاحاً: ما اشتمل على عَلَمِ النصب، يعني علامة النصب من الفتحة وما ناب عنها، تقول: رأيت زيداً، فزيداً منصوب، لكونه اشتمل على علامة النصب، [مِنَ الأَسْمَاءِ] احترازًا عن الأفعال، ويمكن أن يقال: إنه لبيان الواقع، ولا حاجة إلى الاحتراز؛ لأنه ذَكَر أولاً المنصوبات من الأفعال، فحينئذٍ لا يقع الذهن في الوَهَم بأنه قد يريد النواصب من الأفعال، بخلاف ما لولم يسبق ذكر نواصب الأفعال.
стр. 494
بَابُ المَفْعُولِ بِهِ
المنصوبات خمسة عشر كما سيأتي بيانها، والباب الأول من هذه المنصوبات [بَابُ المَفْعُولِ بِهِ] أي هذا باب بيان حقيقة المفعول به، وأل في المفعول موصولة؛ لأن المفعول على زنة مفعول، وأل الداخلة على اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة موصولية، أي الذي فُعل به، أي باب الذي فُعِل به الفعل، والضمير في به يعود على أل، وهذا من أدلة القائلين بأن أل الموصولية اسم، لأن من علامات الأسماء عود الضمير إليها، ومنه قولهم: قد أفلح المتقي ربه، فالضمير في ربه باتفاق أنه يعود على أل، وأل موصولية، والضمائر لا ترجع إلا إلى الأسماء، فدل على أن أل اسم، وهذا هو الصحيح، إذًا الضمير في [بِهِ] عائد على أل، فحينئذٍ تكون أل الموصولة اسماً، وقيل: بل يعود على موصوف محذوف تقديره باب الشيء الذي فُعِل به، لكن النظر في أل، وفي مرجع الضمير، وهل يعود على موصوف محذوف أولا؟ نقول: هذا قبل جعله علماً، فلما جُعل علماً صار الضمير جزءًا من الكلمة كدال زيد، تقول: المفعول به صار علماً ولقباً على ما سيذكره، بمعنى أنه كالجزء الواحد، فكل كلمة فيه تعتبر في مقابلة حرف من حروف زيد، فحينئذٍ الضمير هنا لا اعتبار له أي لا مرجع له، وكذلك أل لا اعتبار لها، فهو جامد فلا ينظر إليه إلا من جهة كونه لقبًا وعلماً، والنظر في الاشتقاق قبل النقل. قال الناظم:
стр. 495
مَهْمَا تَرَ اسْمًا وَقَعَ الفِعْلُ بِهِ ... فَذَاكَ مَفْعُولٌ فَقُلْ بِنَصْبِهِ
[مَهْمَا تَرَ اسْمًا وَقَعَ الفِعْلُ بِهِ] مهما شرطية تجزم فعلين، وترَ فعل مضارع، فعل الشرط، مجزوم وجزمه حذف حرف العلة، وحينئذٍ يحذف من النطق ومن الكتابة أيضاً، قال تعالى: (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [عبس:٢٣] حُذفت الياء نطقًا وكتابة، وقد يُوجد نطقا وكتابة مع كونه مجزوما، والجازم إذا وُجد ووجد معه الحرف الذي يجب حذفه للجازم، إما أن يُخرَّج على أنه إشباع للحركة، يُشبع الحركة والحرف محذوف، وإما أنه ذكره من باب الضرورة لأجل الوزن. قال الشاعر:
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ
ألم يأتيك الياء ثابتة مع وجود الجازم، فالفعل مجزوم قطعًا، والأصل في جزمه حذف حرف العلة وهو الياء، وهنا الياء موجودة فقال: يأتيك، فحينئذٍ لا بد من تخريج هذه الياء، فنقول: إما للإشباع، أشبع الكسرة من أجل الوزن حتى تولدت الياء، أو أنه ذكرها ابتداءً من أجل الوزن دون إشباع.
هَجَوتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ
لم تهجو: بإثبات الواو، والأصل حذفها للجازم، نقول: الواو حذفت للجازم، نعم، وهذه الواو الملفوظ بها ليست هي واو الفعل، وإنما هي إشباع للحركة.
следующие страницы →