← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36087

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (649 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قد ركب: قد حرف تحقيق مبني على السكون لا محل له من الإعراب، رَكِبَ فعل ماض مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الوقف، وزيد فاعل، مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، حماراً مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، فرساً بدل الغلط، وبدل المنصوب منصوب ونصبه فتحة ظاهرة على آخره. بدل الغلط محله اللسان، وليس القلب، أراد أن يخبر أولاً بأنه ركب فرساً فسبق لسانه فقال: حماراً، ثم أتى بالمقصود، إذاً حماراً ليس مقصوداً، وفرساً هو المقصود، [يَبْغِي اللَّعِبْ] يعني ركب، لأنه يبغي ويريد اللعب واللعب هو اللهو. وبدل الغلط مختلف فيه، هل هو موجود في لغة العرب أو لا؟ لذلك لا يُوقف على مثالٍ واحد في الشعر أنه يحكم عليه بأنه بدل غلط، ولذلك أنكره الكثيرون نثراً وشعراً، قالوا: لأنه ليس بفصيح بل هو غلط في اللسان، فحينئذٍ لا يمكن أن يكون في المنثور الفصيح، ولا في الشعر الفصيح، لأنه غلط أراد أن يخبر عن شيء فأخبرك عن شيء آخر فسبق لسانه فذكر شيئاً لم يرد ذكره، فكيف يكون في الفصيح؟! ولذلك اختلف فيه أربعة أقوال: الأول: من أثبته نظماً ونثراً. الثاني: من نفاه نظماً ونثراً. الثالث: من أثبته نثراً لا نظماً.

стр. 492

الرابع: من أثبته نظماً لا نثراً. نظماً أي شعراً، والمسألة فيها خلاف، لكن عزَّ أن يوجد مثال منقول عن العرب وهو بدل غلط، والله أعلم.

стр. 493

المَنْصُوبَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ لما فرغ من الكلام على المرفوعات وما يتعلق بها شرع في الكلام على المنصوبات، وقدَّم المرفوعات على المنصوبات؛ لأن المرفوعات عُمَدٌ في الأصل، والعمد شأنها التقديم، وثنى بالمنصوبات؛ لأن الفعل قد يكون ناصباً، فالنصب إما أن يكون بحرف أو بفعل أو باسم، حينئذٍ حصل النصب بالفعل وهو أقوى العوامل بخلاف المخفوضات، فإنه لا خفض بالفعل. و [المَنْصُوبَاتُ] جمع منصوب، وهو لغة: المستقيم والمستوي، واصطلاحاً: ما اشتمل على عَلَمِ النصب، يعني علامة النصب من الفتحة وما ناب عنها، تقول: رأيت زيداً، فزيداً منصوب، لكونه اشتمل على علامة النصب، [مِنَ الأَسْمَاءِ] احترازًا عن الأفعال، ويمكن أن يقال: إنه لبيان الواقع، ولا حاجة إلى الاحتراز؛ لأنه ذَكَر أولاً المنصوبات من الأفعال، فحينئذٍ لا يقع الذهن في الوَهَم بأنه قد يريد النواصب من الأفعال، بخلاف ما لولم يسبق ذكر نواصب الأفعال.

стр. 494

بَابُ المَفْعُولِ بِهِ المنصوبات خمسة عشر كما سيأتي بيانها، والباب الأول من هذه المنصوبات [بَابُ المَفْعُولِ بِهِ] أي هذا باب بيان حقيقة المفعول به، وأل في المفعول موصولة؛ لأن المفعول على زنة مفعول، وأل الداخلة على اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة موصولية، أي الذي فُعل به، أي باب الذي فُعِل به الفعل، والضمير في به يعود على أل، وهذا من أدلة القائلين بأن أل الموصولية اسم، لأن من علامات الأسماء عود الضمير إليها، ومنه قولهم: قد أفلح المتقي ربه، فالضمير في ربه باتفاق أنه يعود على أل، وأل موصولية، والضمائر لا ترجع إلا إلى الأسماء، فدل على أن أل اسم، وهذا هو الصحيح، إذًا الضمير في [بِهِ] عائد على أل، فحينئذٍ تكون أل الموصولة اسماً، وقيل: بل يعود على موصوف محذوف تقديره باب الشيء الذي فُعِل به، لكن النظر في أل، وفي مرجع الضمير، وهل يعود على موصوف محذوف أولا؟ نقول: هذا قبل جعله علماً، فلما جُعل علماً صار الضمير جزءًا من الكلمة كدال زيد، تقول: المفعول به صار علماً ولقباً على ما سيذكره، بمعنى أنه كالجزء الواحد، فكل كلمة فيه تعتبر في مقابلة حرف من حروف زيد، فحينئذٍ الضمير هنا لا اعتبار له أي لا مرجع له، وكذلك أل لا اعتبار لها، فهو جامد فلا ينظر إليه إلا من جهة كونه لقبًا وعلماً، والنظر في الاشتقاق قبل النقل. قال الناظم:

стр. 495

مَهْمَا تَرَ اسْمًا وَقَعَ الفِعْلُ بِهِ ... فَذَاكَ مَفْعُولٌ فَقُلْ بِنَصْبِهِ [مَهْمَا تَرَ اسْمًا وَقَعَ الفِعْلُ بِهِ] مهما شرطية تجزم فعلين، وترَ فعل مضارع، فعل الشرط، مجزوم وجزمه حذف حرف العلة، وحينئذٍ يحذف من النطق ومن الكتابة أيضاً، قال تعالى: (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [عبس:٢٣] حُذفت الياء نطقًا وكتابة، وقد يُوجد نطقا وكتابة مع كونه مجزوما، والجازم إذا وُجد ووجد معه الحرف الذي يجب حذفه للجازم، إما أن يُخرَّج على أنه إشباع للحركة، يُشبع الحركة والحرف محذوف، وإما أنه ذكره من باب الضرورة لأجل الوزن. قال الشاعر: أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ ألم يأتيك الياء ثابتة مع وجود الجازم، فالفعل مجزوم قطعًا، والأصل في جزمه حذف حرف العلة وهو الياء، وهنا الياء موجودة فقال: يأتيك، فحينئذٍ لا بد من تخريج هذه الياء، فنقول: إما للإشباع، أشبع الكسرة من أجل الوزن حتى تولدت الياء، أو أنه ذكرها ابتداءً من أجل الوزن دون إشباع. هَجَوتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ لم تهجو: بإثبات الواو، والأصل حذفها للجازم، نقول: الواو حذفت للجازم، نعم، وهذه الواو الملفوظ بها ليست هي واو الفعل، وإنما هي إشباع للحركة.

стр. 496

إِذَا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ وَلاَ تَرَضَّاهَا وَلاَ تَمَلَّقِ ولا ترضاها: بالألف، ولا تملق إذاً قد يبقى الحرف الذي يكون علة في الفعل المضارع الذي يجزم، فيحذف حرف العلة، وحينئذٍ نحكم بكون الحرف محذوفًا لا إشكال في هذا، فنقول: الحرف محذوف لكن ذكره ليس هو عين الحرف الذي قد حذف، ويخرج بأحد التخريجين السابقين. [اسْمًا] مفعول به [وَقَعَ الفِعْلُ بِهِ] أي ما وقع عليه فعل الفاعل، هذا هو المفعول به، واسماً خرج به الفعل والحرف، فالفعل لا يكون مفعولاً به ما لم يرد به اللفظ نحو: كتبت قال، أي هذا اللفظ. والحرف لا يكون مفعولاً به ما لم يرد به اللفظ نحو: كتبت في، أي هذا الحرف. وإذا قيل: خرج الفعل والحرف فحينئذٍ يُجعل ذلك علماً على الاسم، فيضم إلى علامات الأسماء، فإذا قيل: الفاعل هو الاسم المرفوع، فالاسم خرج الفعل وخرج به الحرف، إذاً اختص بالاسم فحينئذٍ تقول: من علامات الاسم وقوعه فاعلاً، لأن الفاعل لا يكون إلا اسماً، فينحصر في الأسماء، ولا يدخل الأفعال ولا الحروف، فحينئذٍ صار من علاماته التي يميز بها عن أخويه، كذلك المفعول به، لا يكون إلا اسماً، فخرج الفعل فلا يوصف بكونه مفعولاً به، وخرج الحرف فلا يوصف بكونه مفعولاً به، فحينئذٍ من علامات الأسماء كونها مفعولاً به. والمراد بالاسم هنا ما يشمل الاسم الصريح، والاسم المؤول بالصريح، فنحو: ضربت زيداً، فزيداً مفعول به وهو اسم صريح، يعني لا يحتاج إلى جعله

стр. 497

مفعولاً به إلى تأويل، والاسم المؤول بالصريح هو ما نحتاج في جعله مفعولاً به إلى تأويل، نحو: ظننت أنَّ زيداً قائم، ذكرنا أن أفعال القلوب تنصب المبتدأ على أنه مفعول أول لها، والخبرَ على أنه مفعول ثان، وأنه قد يسد مسد المفعولين أنَّ المفتوحة وأنْ المصدرية، نحو: ظننت أنَّ زيداً قائم، فأن زيداً قائم سدت مسد المفعولين؛ لأن أنَّ هذه في تأويل المفرد، والأصل إذا أردنا أن نقدر نقول: أنَّ حرف توكيد ونصب، وزيدًا اسمها، وقائمٌ خبرها، أنَّ وما ودخلت عليه وهو معمولاها في تأويل مصدر، مفعول به، تقديره ظننت قيامَ زيد، فقيام زيد مفعول به، وهو مفرد لكنه سد مسد مفعولي ظننت. ومنه قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم:٩] الفعل ودَّ دائماً يقع بعده لو المصدرية، فحينئذٍ تؤول لو مع ما بعدها بمصدر يُنصب على أنه مفعول به، والتقدير هنا: ودوا مداهنتك، فمداهنتك مفعولٌ به، إذاً قوله: [اسْمًا] سواء كان صريحاً كضربت زيداً، فزيداً هذا صريح ملفوظ به مباشرة دون تأويل، أو مؤولاً بالصريح، نحو: ظننت أن زيداً قائم، و (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم:٩]. [وَقَعَ الفِعْلُ بِهِ] وقع الفعل يعني الصادر من الفاعل، وبه الباء هنا بمعنى على؛ لأن مادة الوقوع إنما تتعدى بعلى لا بالباء، وقع الفعل به أي عليه، لأن قوله به، جار ومجرور متعلق بوقع، والوقوع

стр. 498

وما تصرف منه إنما يتعدى بعلى لا بالباء، إذاً المفعول به: هو اسم وقع فعل الفاعل عليه إثباتاً أو نفياً، وفسروا الوقوع هنا بتعلقه بما لا يعقل إلا به إثباتاً أو نفياً. مثلا ضربت زيداً ضربت فعل وفاعل، وزيداً مفعول به، هل ثَمَّ ملابسة وارتباط بين المفعول به والفاعل والفعل؟ نقول: نعم، وهو كون زيد محلاً لوقوع فعل الفاعل وهو الضرب، لو قيل: من المضروب؟ قيل: زيد، إذاً هذه العلاقة هي تعلق المفعول به بالعامل على جهة إيقاع الفاعل ذلك الفعل على المفعول به، لكن لو قال: ما ضربت زيدا، حينئذٍ المفعول به وهو زيدًا ما وقع عليه فعل الفاعل، بل ليس عندنا فعل أصلا، لأنه نفي، والنفي عدم ليس بشيء، فكيف نقول: زيدًا مفعول به وقع عليه فعل الفاعل والضرب منفي ما حصل ضرب أصلا؟! كذلك النهي نحو: لا تضرب زيدا. فهذا إشكال أورده بعضهم، والجواب: أنَّ هذا اصطلاح، ولذلك أرادو أن يعمموا الوقوع، فقالوا: الوقوع الأصل فيه الوقوع بالفعل فضربت زيدًا الأصل أن تضربه فيكون زيد مضروبا، فهذا وقوع الفعل عليه بالفعل صريح ولا إشكال فيه، لكن في مثل هذا التركيب ما ضربت زيدا، ولا تضرب زيدا، قالوا: ثم علاقة وارتباط ذهني قصد أن النفي هنا قد نفي الضرب عن محل لو وقع عليه لكان محلا له وقابلا له، إذا ثم ارتباط، تعلق زيد هنا بالضرب بمعنى أنه لو أراد إيقاعه لوقع ولكنه منفي عنه، فحينئذ صار مفعولا به بالقوة لا بالفعل كضربت زيدا فزيدا مضروب بالفعل يعني وقع عليه الضرب، لكن ما ضربت زيدا لو أراد أن

стр. 499

يوقع الضرب بزيد لكان زيدا محلا للضرب وقابلا له. إذا قوله: [مَهْمَا تَرَ اسْمًا وَقَعَ الفِعْلُ بِهِ] المراد بالوقوع هنا تعلقه يعني تعلق المفعول به بما لا يعقل إلا به، يعني لا يتصور ويتخيل في الذهن إلا به، فحينئذ ما ضربت النفي إنما يصح إذا كان ثَمَّ ما هو محل لوقوع هذا الضرب وإلا لم يصح نفي الضرب، ما ضربت هكذا دون أن يعلق في الذهن محل لإيقاع الضرب هذا لا يمكن أن يوجد. على كلٍّ المفعول به يتعلق به الفعل إثباتا أو نفيا. والحاصل: أن المفعول به هو اسم وقع عليه الفعل الصادر عن الفاعل، نحو: ضربت زيدا، زيدا هذا مفعول به لأنه وقع عليه فعل الفاعل وهو الضرب، ونحو: ما ضربت زيدا، زيدا مفعول به لأنه لو أراد الفاعل إيقاع الحدث الذي هو الضرب على زيد لكان زيدا محلا لذلك. وبعض النحاة يرى أن من علامة صدق الحد على المفعول به أن تصوغ من الفعل التام اسم مفعول تام فتقول: ضربت زيدا، فزيدا هذا إذا أردت أن تتأكد هل هو مفعول به أولا؟ فاجعل زيدا مبتدأ، ثم ايت بمصدر الفعل ضرب الذي هو الضرب فتأتي منه باسم مفعول تام تجعله خبرا للمبتدأ، فإذا صح فهو مفعول به وإلا فليس بمفعول به، فتقول: زيدٌ مضروبٌ إذًا صح التركيب فهو مفعول به. ونحو: جلس زيد على الكرسي، تقول: الكرسي مجلوس عليه، هذا لم يصح إلا بواسطة، والعلامة هنا أن يصح أن يؤتى من مصدر الفعل اسم مفعول تام يعني لا يفتقر إلى جار ومجرور، وهنا لم يأت

стр. 500

تاما وإنما صح بالجار والمجرور وهو لفظ عليه. [فَذَاكَ] أي الاسم الذي وقع عليه فعل الفاعل [مَفْعُولٌ] به [فَقُلْ بِنَصْبِهِ] أي بعد إثبات حقيقة المفعول فقل أي احكم بنصبه أي بأنه منصوب، إما بالفتحة وإما بالألف وإما بالياء، وعامل النصب في المفعول إما أن يكون فعلا سواء كان ملفوظا به أو محذوفا، فالملفوظ نحو: ضربت زيدا، فزيدا مفعول به لفعل مذكور، والمحذوف نحو: قوله تعالى: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) [البقرة:١٣٥] ملةَ هذا مفعول به لفعل محذوف تقديره بل أتبع ملة إبراهيم. وإما أن يكون الناصب له الوصف نحو: أنا ضاربٌ زيدا، فزيدا مفعول به والعامل فيه ضارب وهو وصف، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) [الطلاق:٣] في قراءة من نون الوصف. وإما أن يكون الناصب له المصدر نحو قوله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ) [البقرة:٢٥١] فالناس مفعول به، والعامل فيه دفع وهو مصدر، وإما أن يكون الناصب له اسم الفعل، نحو قوله تعالى: عَلَيْكُمْ) أَنْفُسَكُمْ () أنفسكم مفعول به والناصب له عليكم وهو اسم فعل أمر. إذًا ينصب المفعول إما بالفعل سواء كان ملفوظا به أو مقدرا أو بالوصف أو بالمصدر أو باسم الفعل. كَمِثْلِ زُرْتُ العَالِمَ الأَدِيبَا ... وَقَدْ رَكِبْتُ الفَرَسَ النَّجِيْبَا [كَمِثْلِ] يعني وذلك المفعول به كمثل [زُرْتُ العَالِمَ الأَدِيبَا] الألف للإطلاق، ... وزرت فعل وفاعل، والعالم مفعول به منصوب،

стр. 501

والأديب من أدُب كحسُن أدبا فهو أديب ويجمع على أدباء، وأدَّبه علَّمه فتأدب واستأدب، إذًا العالم مفعول به لأن الفعل الذي دل عليه زرت وهو الزيارة قد وقعت عليه، والوقوع هنا معنى, لأنه قد يكون حسا وقد يكون معنى، نحو: تعلمت المسألة فليس عندنا وقوع حسي يدرك بالحس مثل الضرب الواقع على زيد، وإنما هو تعلق معنوي. [وَقَدْ رَكِبْتُ الفَرَسَ النَّجِيْبَا] الألف للإطلاق، والنجيب هو الكريم الحسيب، وركبت فعل وفاعل، والفرس مفعول به لأنه اسم وقع عليه فعل الفاعل وهو الركوب، والركوب أمر حسي. وَظَاهِرًا يَأْتِي وَيَأْتِي مُضْمَرَا ... فَأَوَّلٌ مِثَالُهُ مَا ذُكِرَا [وَظَاهِرًا] أي واسما ظاهرا فهو صفة لموصوف محذوف، حال مقدمة من فاعل يأتي، و [يَأْتِي] فعل مضارع مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره هو يعود على المفعول به. إذًا المفعول به قسمان: الأول: قد يكون اسما ظاهرا، والثاني: قد يكون اسما مضمرا. والظاهر: هوما دل على مسماه بلا قيد، والقيد هو التكلم، أو الخطاب، أو الغَيبة. والمضمر: هو ما دل على مسماه بقيد، وهو التكلم، أو الخطاب، أو الغيبة؛ لأنه كما سبق أن الاسم ثلاثة أنواع: وهي الاسم المبهم، والاسم المضمر، والاسم الظاهر. فالظاهر كزيد، والمبهم كهذا والذي وسبق أنه يريد بالمبهم أسماء الإشارات

стр. 502

والموصولات، والمضمر كهو. [فَأَوَّلٌ] الفاء فاء الفصيحة، والأول أي الأسبق وهو الظاهر، [مِثَالُهُ مَا ذُكِرَا] الألف للإطلاق، وذُكر فعل ماضٍ مغير الصيغة، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود على المثال السابق، وحذف الفاعل للعلم به، يعني ما قد ذكرته لك فيما سبق من قولي زرت العالم، وركبت الفرس، فالعالم والفرس كل منهما اسم ظاهر. وَالثَّانِي قُلْ مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلْ ... كَزَارَنِي أَخِي وَإِيَّاهُ أَصِلْ [وَالثَّانِي] الذي هو المضمر، [قُلْ] إنه قسمان: [مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلْ] والمتصل أصلها موتصل قلبت الواو تاءا فأدغمت التاء في التاء. والضمير ينقسم إلى قسمين: الأول: بارز، والثاني: مستتر؛ لأنه إما أن يكون له صورة في اللفظ أي ينطق به، أولا؟ الأول البارز، والثاني المستتر. نحو: ضربت فالتاء ضمير نطقت بها فهذا بارز, وقم الفاعل ضمير مستتر لم تنطق به لأنه ليس له صورة. ثم البارز ينقسم بحسب الاتصال والانفصال إلى قسمين، إذًا المتصل والمنفصل قسمان من أقسام البارز، وليسا قسمين للمستتر، والضمير المتصل: هو الذي لا يستقل بنفسه، فلذلك لا يبتدأ به أي لا يقع في أول الكلام، ولا يلي إلا في الاختيار، كتاء قمت، ونا قمنا فهذا ضمير متصل بمعنى أنه لا يستقل بنفسه فلذلك لا يقع في أول الكلام ولا يقع بعد إلا. والمنفصل عكسه الذي يستقل بنفسه، بمعنى أنه يقع في ابتداء الكلام ويصح أن يقع بعد إلا، كأنا وأنت وهو، فأنا ضمير منفصل، لأنه يصح الابتداء به، ويقع بعد إلا، تقول: ما قام إلا أنا، وتقول: أنا ضعيف، فأنا مبتدأ وضعيف خبر.

стр. 503

وينقسم المتصل بحسب موقعه في الإعراب إلى ثلاثة أقسام: الأول: مرفوع المحل كتاء قمت، فالتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل. والثاني: منصوب المحل ككاف أكرمك زيدٌ، فالكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. والثالث: مخفوض المحل كالهاء في مررت بغلامه، فالهاء ضمير متصل مبني على الكسر في محل خفض. وينقسم المنفصل بحسب موقعه في الإعراب إلى قسمين: الأول: مرفوع المحل، والثاني: منصوب المحل. ولا يكون مخفوض المحل أبدا. ً إذا ً مخفوض المحل يكون في المتصل فقط، ولا يكون في المنفصل، وإنما يكون في محل رفع وفي محل نصب فقط، وكونه في محل نصب قد يكون مفعولا ًبه وهو الذي عناه الناظم هنا. فالمرفوع اثنتا عشرة كلمة من الضمائر المتصلة: وهي أنا، ونحن، وأنتَ، وأنتِ، وأنتما، وأنتم، وأنتن، وهو، وهي، وهما، وهنَّ. والمنصوب اثنتا عشرة كلمة من الضمائر المتصلة: وهي إيَّاي، وإيَّانا، وإياكَ، وإياكِ، وإياكما، وإياكم، وإياكن، وإياه، وإياها، وإياهما، وإياهم، وإياهن. والضمير إيَّا فقط، فهو ضمير منفصل في محل نصب مفعول به، والكاف حرف خطاب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ومنه: ((إِيَّاكَنَعْبُدُ وَإِيَّاكَ

стр. 504

نَسْتَعِينُ (٥))) إيا في الموضعين في محل نصب مفعول به مقدم. إذًا [وَالثَّانِي قُلْ مُتَّصِلٌ] أي الضمير متصل بعامله، فيكون مفعولا ًبه في محل نصب، مثل: زيدٌ أكرمَك فالكاف في محل نصب مفعول به لأنه ضمير متصل، وزيد أكرمَنا فأكرم فعل ماض، ونا الدال على المفعولين ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به. [وَمُنْفَصِلْ] والمثال ما ذكرناه. [كَزَارَنِي أَخِي] زار فعل ماض، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به، إذًا الكاف تأتي في محل نصب مفعول به نحو: أكرمك، ونا تأتي في محل نصب مفعول به، نحو زيد أكرمنا، ومثَّل الناظم للياء، وأخي الياء ضمير متصل في محل جر. إذًا الياء قد تكون في محل جر وقد تكون في محل نصب. [وَإِيَّاهُ أَصِلْ] إياَّ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، والأصل أَصِلْه فقصد الحصر فانفصل الضمير وتقدم لإفادة ذلك. والهاء حرف دال على الغيبة مبني على الضم لا محل له من الإعراب، كالكاف من ذاك وذلك فلا إشكال فلا نقول: مضاف ومضاف إليه، وقد قيل، لكن هذا هو الصواب. وأَصِلْ فعل مضارع مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الوقف. والعامل في المفعول به أربعة: الفعل، والوصف، والمصدر، واسم الفعل. وأنه يكون على نوعين: يكون ظاهرا ًويكون مضمرا ً، والضمير: يكون متصلا ويكون منفصلا.

стр. 505

بَابُ المَفْعُولِ المُطْلَقِ هذا الباب يُعبر عنه الكثير من النحاة بباب المصدر، كما عبر بذلك صاحب الأصل ابن آجروم حيث قال: باب المصدر، وذلك لأن الأصل في المفعول المطلق أن يكون مصدرا، وهذا هو الأصل بل بعضهم خصه بالمصدر وما عدا ذلك فهو نائب عنه، فحينئذ لا يكون مفعولاً مطلقا، وإنما يكون نائبا عن المفعول المطلق، [بَابُ المَفْعُولِ المُطْلَقِ] المطلق مقابل للمقيد، لأنه المطلق عن قيد ٍإما أن يقيد بحرف أو بظرف، لأن المفاعيل خمسة على الصحيح: الأول: المفعول به هذا مقيد بالجار والمجرور، والثاني: المفعول فيه كالسابق، والثالث: المفعول معه، وهذا مقيد بالظرف، والرابع: المفعول له. والخامس: المفعول المطلق عن قيد من القيود السابقة، لأن الأربعة السابقة كلها مقيدة إما بحرفٍ أو بظرف. إذًا المفعول المطلق أطلق ولم يقيد بحرف ولا ظرف لأنه هو أصل المفاعيل، لأنه هو الحدث، وتلك مَحَالٌّ للحدث، فهو المفعول الحقيقي لأنه الحدث الصادر منه. وَالمَصْدَرُ اسْمٌ جَاءَ ثَالِثًا لَدَى ... تَصْرِيفِ فِعْلٍ وَانْتِصَابُهُ بَدَا [وَالمَصْدَرُ] الواو للاستئناف البياني، وزنه مَفْعَل يعني محل صدور الشيء، سمي المصدر مصدرا ً لكون الأفعال وسائر المشتقات تصدر عنه، فالضرب مصدر يصدر عنه ضرب، ويضرب

стр. 506

واضرب، وضارب، ومَضْرِب، ومضرَب، فكل هذه المشتقات صادرة وناشئة عن الضرب وهو المصدر، ولذلك صار المصدر مصدراً لأنه محل لصدور سائر المشتقات. [وَالمَصْدَرُ اسْمٌ جَاءَ ثَالِثًا] هو أراد أن يعرف المفعول المطلق فقال: المصدر، لأن ثَمَّ علاقة بين المصدر والمفعول المطلق، فكل مفعول مطلق فهو مصدر ولا عكس - على ما ذكره المصنف هنا -[وَالمَصْدَرُ اسْمٌ] خرج الفعل، لأن المصدر أصل للفعل، فالفعل مشتق من المصدر، وهو فرع وأصله المصدر، كما قال الحريري: وَالْمَصْدَرُ الأَصْلُ وَأَيُّ أَصْلِ ... وَمِنْهُ يَا صَاحِ اشْتِقَاقُ الفِعْلِ إذًا الفعلُ فرعٌ على مذهب البصريين، فالأصل المصدر وما عداه من المشتقات فرع. [اسْمٌ جَاءَ] بمعنى ورد، فجاء في مثل هذا التركيب بمعنى ورد أو ثبت، المصدر اسم ورد حالة كونه [ثَالِثًا لَدَى تَصْرِيفِ فِعْلٍ] لدى بمعنى عند، وتصريف مصدر على وزن تفعيل، والمراد به التحويل من صيغة إلى صيغة أخرى، وما ذكره المصنف للمصدر من أنه ما يجيء ثالثاً في تصريف الفعل، نقول: هذا ضابط وليس بحد له، لأنه تابع صاحب الأصل في قوله: الذي يجيء ثالثا في تصريف الفعل تقول: ضرب يضرب ضرباً فضرباً هو الثالث فهو المصدر، وأكل يأكل أكلاً، وشرب يشرب شرباً، ونام ينام نوماً، فالذي يجيء ثالثا هو المصدر. كيف نقول: المصدر الذي يجيء ثالثاً، ثم نذكر الأول الفعل، ونحن نقول المصدر الأصل والفعل مشتق منه؟!

стр. 507

الجواب: أن قولهم ثالثا ليس بقيد بل قد يعبر عنه أولاً أو ثانيا أو آخرا، فلا بأس أن يقال: ضربا ضرب يضرب، لأن هذا التركيب هو الأصل بناءاً على أن القاعدة أن المصدر أصل لسائر المشتقات، ولا ينتقض بقولنا: ضرب يضرب ضرباً هذا جاء ثالثاً، وقد يأتي أولاً وقد يأتي ثانيا. والمصدر اسم للحدث الذي هو أحد مدلولي الفعل؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ مركبٌ من شيئين لا ثالث لهما من جهة اللفظ: الأول: دلالته على الزمن، والثاني: دلالته على الحدث. فقام مثلا يدل على شيئين: حدث وهو القيام، وزمن وهو الزمن الماضي، فأحد مدلولي الفعل هو الحدث، والمصدر اسم الحدث، فحينئذٍ كلمة مصدر اسمٌ مسماه الضرب، والضرب مسماه نفس الحدث، فالمصدر اللفظ كالضرب كما نقول: خالد اسمٌ مسماه الذات، والضرب مصدر مسماه عين الضرب، ففرق بين الضرب ومسمى الضرب. قال ابن مالك: الْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ ... مَدْلُولَي الفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ إذاً كلُّ مفعولٍ مطلقٍ مصدرٌ ولا عكسَ، لأنَّ المصدر قد يكون مبتدأ، وقد يكون خبرا، وقد يكون اسم إنَّ، وقد يكون خبر إنَّ، فلا يتعين في المصدر أن يكون منصوباً على المفعولية المطلقة، لكن يتعين في المفعول المطلق أن يكون مصدراً. المفعول المطلق: هو المصدر الفضلة المسلَّط عليه عامل من لفظه أو من معناه. قوله: المصدر، عرفنا حقيقة المصدر، إذاً أخذ المصدر

стр. 508

جنساً في حدِّ المفعول المطلق، ينبني على هذا أنَّ كلَّ ما ليس بمصدر فليس بمفعول مطلق، وكل ما قيل عند النحاة إنه نائب عن المفعول المطلق، فلكونه ليس بمصدر، فيعبر عنه بالنيابة ناب عن المفعول المطلق وليس هو بمفعول مطلق. وقوله: الفضلة أخرج العمدة فلا يكون المفعول المطلق عمدةً، فلو قيل: كلامُك كلامٌ حسن، فكلامٌ على القول بأنه مصدر أو اسم المصدر - لا إشكال - وقع في الموضعين عمدة، في الأول مبتدأ وهو عمدة، والثاني خبر وهو عمدة. ونحو: جدَّ جدُّه، فجدُّه فاعل وهو مصدر، فليس فضلة فلا يحكم عليه بأنه مفعول مطلق مع كونه مصدرًا، لأن شرط المصدر الذي يصح انتصابه على أنه مفعول مطلق أن يكون فضلة، والفضلة ما ليس بعمدة. قوله: المسلط عليه عامل من لفظه أو من معناه، فلو سُلِّط عليه عامل من لفظه وهو عمدة وليس بفضله لا يحكم عليه بكونه مفعولاً مطلقاً، نحو: كلامُك كلامٌ حسن، فكلام حسن سُلِّط عليه عامل من لفظه وهو كلامك الأول لأنه مبتدأ، والمبتدأ هو العامل في الخبر، حينئذٍ سُلِّط عليه عاملٌ من لفظه وليس بمفعول مطلق، لكونه عمدة وليس بفضله، كذلك جدَّ جدُّه فجدُّه مرفوع بجدَّ، إذاً سُلِّط عليه عامل من لفظه، وليس بمفعول مطلق، لأنه ليس بفضلة بل هو عمدة، وقوله: أو من معناه، هذا لإدخال النوع الثاني من نوعي المفعول المطلق، وهو مختلف فيه، نحو: قعدت جلوساً.

стр. 509

ثم لما بين لك حقيقة المفعول المطلق بين حكمه فقال: [وَانْتِصَابُهُ] أي المصدر الذي يجيء ثالثاً في تصريف الفعل، [بَدَا] بمعنى ظهر، وانتصابه قد يكون بمثله وهو المصدر، لأن المصدر يعمل في المصدر بشرطه، فالمفعول المطلق قد يعمل فيه مصدرٌ فلا مانع أن يُنصب المصدر بمصدرٍ تقول: عجبت من ضربك زيداً ضرباً شديداً، زيداً مفعول به والعامل فيه المصدر ضربك، وضرباً مفعول مطلق لضربك، فضرب مصدر قد عمل في المفعول المطلق وهو مبين للنوع، إذاً قد ينصب المفعول المطلق بالمصدر. وقد ينصب المفعول المطلق بالفعل، نحو: ضربت زيداً ضرباً، زيداً مفعولٌ به، وضربا هو المفعول المطلق جاء ثالثا في تصريف الفعل، لأنك تقول: ضرب يضرب ضرباً، فحينئذٍ جيء بالمصدر فسُلِّط عليه عامل وهو فعل في هذا التركيب، فانتصب على أنه مفعول مطلق، فقيل: ضربت زيداً ضرباً، ضرباً هذا هو المفعول المطلق وقد عمل فيه الفعل. وقد ينصب المفعول المطلق بالوصف، نحو: أنا ضاربٌ زيداً ضرباً، فضرباً مفعول مطلق، والعامل فيه الوصف، [وَانْتِصَابُهُ بَدَا] يعني نصب هذا المصدر على أنه مفعول مطلق بدا وظهر إما بمصدر مثله، أو بفعلٍ، أو بوصفٍ. وَهْوَ لَدَى كُلِّ فَتًَى نَحْوِيِّ ... مَا بَيْنَ لَفْظِيٍّ وَمَعْنَوِيِّ فَذَاكَ مَا وَافَقَ لَفْظَ فِعْلِهِ ... كَزُرْتُهُ زِيَارَةً لِفَضْلِهِ [وَهْوَ] أي المصدر المنصوب على المفعولية المطلقة، [لَدَى] أي عند [كُلِّ فَتًَى] التنوين للتعظيم، [نَحْوِيِّ] نسبة إلى فن النحو، لكن قوله: [لَدَى كُلِّ فَتًَى نَحْوِيِّ] من إطلاق الكل وإرادة الجزء، يعني من العام الذي أريد به الخصوص وإلا فليس مجمعاً عليه، [مَا بَيْنَ] قسمين اثنين لا ثالث لهما [لَفْظِيٍّ وَمَعْنَوِيِّ] يعني المفعول المطلق

стр. 510

نوعان: الأول: لفظي. والثاني: معنوي. وأشار إلى الأول بقوله: [فَذَاكَ مَا وَافَقَ لَفْظَ فِعْلِهِ] المفعول المطلق إما أن يعمل فيه فعلٌ موافق له في اللفظ والمعنى، أو في المعنى دون اللفظ، هذا وجه القسمة. لماذا قسمناه إلى قسمين؟ نقول: لأنه لا يخلو المفعول المطلق باعتبار العامل إما أن يتحدا في اللفظ والمعنى نحو: ضربت زيداً ضرباً، فضرباً مفعول مطلق والعامل فيه ضرب وقد وافقه في اللفظ والمعنى، هذا يسمى لفظياً. وإما أن يتحدا في المعنى دون اللفظ، نحو: قعدت جلوسا، وافقه في المعنى، لأن معنى الجلوس والقعود واحد، ولم يوافقه في الحروف، هذا يسمى معنويا، إذًا [لَفْظِيٍّ وَمَعْنَوِيِّ] فهما قسمان لأن القسمة استقرائية إما أن يوافق المصدر عامله في اللفظ والمعنى معا فهو اللفظي، أو في المعنى دون اللفظ فهو المعنوي، ولا يمكن أن يوجد الثالث وهو أن يوافقه في اللفظ دون المعنى. [فَذَاكَ] الفاء فاء الفصيحة، وذاك أي الأول الذي هو اللفظي فالمشار إليه الأول، لذلك أتى بالكاف لأنه بعيد، [مَا] اسم موصول بمعنى الذي أي مصدرٌ منصوبٌ على المفعولية المطلقة [وَافَقَ] الضمير يعود للاسم الموصول أي المصدر [لَفْظَ فِعْلِهِ] الناصب له، ولو قال: عامله لكان أشمل؛ لأنه لا يشترط أن يكون موافقاً للفعل فحسب، بل موافقاً للفعل أو الوصف أو المصدر فهو أعم، [مَا وَافَقَ لَفْظَ فِعْلِهِ] في حروفه الأصول ومعناه، ولو خالفه في حركة عينه، نحو: فرِح زيدٌ فرَحاً،

стр. 511

ففرحاً مفعول مطلق وافق عامله فرِح في اللفظ والمعنى، لكن لم يوافقه في حركة العين، والمراد الموافقة في الحروف والمعنى. [كَزُرْتُهُ زِيَارَةً لِفَضْلِهِ] زرته فعل وفاعل، والضمير في محل نصب مفعول به، وزيارة مفعول مطلق لفظي، لكونه وافق عامله وهو زار في اللفظ أي في الحروف والمعنى، لفضله جار ومجرور متعلق بقوله زرته. وَذَا مُوَاِفقٌ لِمَعْنَاهُ بِلاَ وِفَاقِ لَفْظٍ كَفَرِحْتُ جَذَلاَ [وَذَا] المشار إليه النوع الثاني وهو المعنوي، لأن ذا اسم إشارة للقريب فلا يحتاج إلى حرف خطاب، وأما ذاك فهو للبعيد لأنه قال: لفظي ومعنوي وأشار للبعيد اللفظي بقوله ذاك، وللثاني المعنوي بقوله وذا. [مُوَاِفقٌ] أي مصدر منصوب على المفعولية المطلقة موافق [لِمَعْنَاهُ] يعني لمعنى عامله الناصب له، فالضمير يعود لقوله فعله، [بِِلاَ وِفَاقِ لَفْظٍ] وافقه في المعنى، لكن بلا أي بدون، وفاق أي موافقة لفظه في حروفه بل وافقه في المعنى فقط، [كَفَرِحْتُ جَذَلاَ] والجذل هو الفرح، فرحت جذلاً، جذلاً مفعول مطلق وهو مصدر، والناصب له فرح، وقد وافقه في المعنى دون الحروف، لذا سمي معنوياً لموافقته لعامله في المعنى دون الحروف. ومثله: قمت وقوفاً، فوقوفاً مفعول مطلق منصوب، والعامل فيه قمت والقيام والوقوف في المعنى واحد، لكنه خالفه في الحروف، ومثله: جلست قعودا.

стр. 512

المفعول المطلق عند النحاة ثلاثة أنواع:- الأول: المؤكد لعامله. نحو: ضربت زيدا ضربا، فضربا هذا مؤكد لعامله وضابطه أنه لم يتقيد بوصف ولا إضافة، إذا جاء المصدر هكذا ضرباً دون إضافة كضرب الأمير، أو وصف كضرباً شديداً، أو أل العهدية كالضرب، نقول: هذا مفعول مطلق مؤكد لعامله؛ لأنه ليس فيه أي زيادة على ما دل عليه العامل ضربت، لأن ضربت دل على وقوع الضرب، فحينئذٍ ضرباً أكَّد المصدر الذي دل عليه ضرب لذلك سمي مؤكداً. والثاني: المبين لنوعه. نحو: ضربت زيداً ضرباً شديداً، وصفه فبين نوع الضرب لأن ضربت يدل على الضرب، لكن لا يدل على الشدة والخفة والضعف ونحو ذلك، فإذا قال: ضربت زيداً ضرباً شديداً، فوصف المصدر المفعول المطلق بقوله شديدا، نقول: هذا مبين لنوع عامله، أو قال: ضربت زيداً ضرب الأمير، قيده بالإضافة فهذا مبين للنوع، أو قال: ضربت زيداً الضرب، أي المعهود الذي بيني وبينك، الشديد أو الضعيف. والثالث: المبين لعدده. نحو: ضربت زيداً ضربتين أو ضربات، لأن قولك ضربت لا يدل على عدد مرات وقوع الحدث، فإذا قلت ضربتين، حينئذٍ بين عدد مرات وقوع الحدث.

стр. 513

بَابُ الظَّرْفِ لما فرغ من المصدر عقبه بقوله: بَابُ الظَّرْفِ لأن المصدر اسم للحدث، وثَمَّ مناسبة بين الظرف والحدث، لأنَّ كلَّ حدثٍ لا بُدَّ له من زمن، ولذلك الفعل يدل على شيئين: على حدث وزمن، لأنه لا يمكن أن يوجد حدثٌ لا في زمن، كذلك لا بد له من مكان؛ لأنه لا يتصور وقوع حدث لا في مكان، إذاً لما ذكر المصدر وهو الحدث ناسب أن يعقبه بالظرف لما بينهما من المناسبة وهو أن المصدر يحتاج لزمان ومكان يقع فيه. [بَابُ الظَّرْفِ] ويسمى المفعول فيه، لأن الزمن فُعِل فيه الحدث، تقول: صمت يومَ الخميس، فالصيام فُعِل في اليوم. والناظم ترجم بالظرف وأطلق، والمراد به الظرف المكاني والظرف الزماني لأنه سيأتي أنه قسمان. والظرف في اللغة: الوعاء يقال: الماء في الكوز، فالكوز وعاء للماء، واصطلاحا: ما سُلِّط عليه عاملٌ على معنى في، من اسم زمان أو اسم مكان مبهم. ما اسم موصول بمعنى الذي، وهو مبهم، وقوله: من اسم زمان أو اسم مكان مِن بيانية بيَّن المراد بما يعني اسمُ زمانٍ أو اسمُ مكانٍ سُلِّط عليه عامل على معنى في، ومعنى هذا أن بعض الألفاظ يحكم عليها بأنها اسم زمان، أي لفظ ٌ دال على زمن من إضافة الدال إلى المدلول كيوم ووقت، وشهر، ورمضان، هذه كلها تدل على

стр. 514

الزمن، ما سلط عليه أي على اسم الزمان أو المكان عاملٌ لكن على معنى في، وليس مطلقاً ليس كل عامل سلط على اسم زمان فهو ظرف، كما في قوله: (واتقوا يَوْمًا)) [البقرة:٤٨] فيوماً ليس بظرف، لأن الظرف يكون منصوباً على معنى في، بمعنى أن اسم الزمان يلاحظ فيه معنى في الظرفية، بمعنى أن الحدث قد وقع في ذلك اليوم وصار اليوم كالوعاء له، تقول: صمت يوم الخميس، فيوم هذا ظرف لأنه سلط عليه عامل وهو صامَ فعلٌ ماضٍ على معنى في فالعلاقة بين صمت ويوم هي كون اليوم ظرفاً للصوم كما أن الكوز ظرف للماء، فاليوم ظرف للصوم وقد وقع الصوم فيه، أما لو صرح بفي خرج عن كونه ظرفا، لو قال: صمت في يوم الخميس، نقول: هذا جار ومجرور، ولا يسمى ظرفاً وإنما يسمى اسم زمان، إذاً ليس كل اسم زمانٍ يكون ظرفاً، وكل ظرف زماني هو اسم زمان، لأن شرط الظرف أن يكون منصوباً، وهذا قد جُرَّ، ثم قد جُرَّ بفي ظاهرةً والشرط في اسم الزمان أن يكون ملاحظ فيه معنى في، ولا تذكر أصالةً، ونحو: يومُ الجمعةِ يومٌ مبارك، يوم الجمعة مبتدأ، ويوم مبارك هذا خبر وصفته، ولا يعربان ظرفاً لأنهما مرفوعان والشرط في الظرف الزماني أن يكون منصوباً، وإذا نُصب أن يكون منصوباً على معنى في بمعنى أن الظرف قد صار محتوياً للعامل الذي عمل فيه، ولذلك قوله: (واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) [البقرة:٢٨١] يوما مفعول به، والمعنى اتقوا ذاك اليوم فاليوم كله هو المتقى، إذاً لا يمكن أن يكون

стр. 515

منصوباً على معنى في فيعرب ظرفاً، لأن اسم الزمان وإن كان منصوباً في هذا التركيب إلا أن شرطه الاصطلاحي أن يكون ملاحظاً فيه معنى في. ولو قيل اتقوا يوما - يعني في يوم ٍ - لكان المأمور به أن يؤجل الإنسان التقوى من الدنيا إلى ذاك اليوم فلا تتقي هنا واجعل التقوى في ذلك اليوم وهذا معنى فاسد، ومثله قوله تعالى في الصيام: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) [البقرة:١٨٤] لا يصح أن تكون أياما مفعولا لتتقون ولا ظرفا له؛ وإلا لفسد المعنى لأنك لو علقت أياماً معدودات بتتقون لصارت أيام الصيام هي المتقى! فالمعنى فاسد حينئذ فليست مفعولاً به لتتقون. وليست ظرفاً لأن التقوى مرادة في أيام الصيام وفي غير أيام الصيام، فلو جعلت ظرفاً أي لعلكم تتقون في أيامٍ معدودات، وما عداها افعل ما شئت. بل نقول: أياماً هذا قيل إنه منصوب بالمصدر وهو الصيام ((يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ... أَيَّامًا) فأياماًً مفعول به للصيام، وجوَّز الصاوي وغيره أن يكون مفعولا به لعامل محذوف تقديره صوموا أياماً، والجملة حينئذ مستأنفة، أما تعلقها بتتقون فهذا لا وجه له. والحاصل: أن الظرف هو اسم زمانٍ أو اسم مكان سُلِّطَ عليه عاملٌ يعني عمل فيه عامل، لكن ليس على إطلاقه، وإنما على تقدير معنى في، فإذا صح ملاحظة معنى في وهو الظرفية - كون اسم الزمان أو اسم المكان محلاً وقع فيه الحدث حينئذٍ صح نصبه على أنه ظرف وإلا فلا، وليس كل اسم زمانٍ يكون ظرفاً، وقوله: من اسم

стр. 516

زمان أو اسم مكان مبهمٍ سيأتي شرحه. الظَّرْفُ مَنْصُوبٌ عَلَى إِضْمَارِ فِي ... زَمَانِيًا مَكَانِيًَا بِذَا يَفِي [الظَّرْفُ مَنْصُوبٌ] هذا حكم الظرف، فلا يكون مرفوعاً ولا يكون مجروراً، فإذا جاء اسم الزمان مرفوعًا، نحو: يومُ الجمعة يومٌ مبارك، فليس بظرف مع كونه اسم زمان، وإذا جاء مجروراً ولو بفي، نحو: صمت في يوم الخميس، فليس بظرف بل هو جار ومجرور، إذاً [الظَّرْفُ مَنْصُوبٌ] خرج المرفوع والمجرور من اسمي الزمان والمكان فلا يعربان ظرفاً، [مَنْصُوبٌ] بالواقع فيه أي باللفظ الدال على المعنى الواقع في الظرف، وقد يكون فعلا نحو: صمتُ يومَ الخميس، لأن اسم الزمان له احتواء فيوم الخميس ظرف للصيام الذي دل عليه صمت، فهو العامل فيه. وقد يكون وصفا، نحو: أنا صائمٌ يومَ الخميس، فيومَ الخميس منصوب بالوصف وهو صائم. وقد يكون مصدرا، نحو: عجبت من صومك يومَ الخميس. إذاً الظرف ينصب بالفعل وبالوصف وبالمصدر، بشرط أن يكون معنى العامل واقعاً في الظرف، وأن يكون على معنى في فإذا لم يكن كذلك فلا. [مَنْصُوبٌ عَلَى إِضْمَارِ فِي] يعني على تقدير معنى في الدالة على الظرفية، أي يتضمن التركيب معناها وليس المراد أنك تأتي بلفظ في فتظهرها، بل المراد ملاحظة معنى في وهو الظرفية، هل الظرفية

стр. 517

ملاحظة في هذا التركيب أم لا؟ [عَلَى إِضْمَارِ فِي] إضمار بمعنى تقدير معنى في بأن يلاحظ معنى في وإن لم يصرح بلفظها. [زَمَانِيًا مَكَانِيًَا بِذَا يَفِي] يفي الظرف أي يتم بالتقسيم المذكور، وهو كون الظرف ينقسم إلى قسمين: الأول: ظرف زماني وهو الاسم الدال على زمان، من إضافة الدال إلى المدلول، وزمانيا ً- بالتخفيف للوزن - أي حالة كونه دالاً على الزمن. والثاني: ظرف مكاني، وهو الاسم الدال على المكان من إضافة الدال إلى المدلول، ومكانيا- بالتخفيف للوزن - أي حالة كونه دالاً على المكان. أَمَّا الزَّمَانِيُّ فَنَحْوُ مَا تَرَى ... اليَوْمَ وَاللَيْلَةَ ثُمَّ سَحَرَا وَغُدْوَةً وَبُكْرَةً ثُمَّ غَدَا ... حِينًَا وَوَقْتًَا أَمَدًا وَأَبَدَا وَعَتْمَةً مَسَاءً اوْ صَبَاحَا ... فَاسْتَعْمِلِ الفِكْرَ تَنَلْ نَجَاحَا ما يدل على الزمن كلها ألفاظ مسموعة من لغة العرب، فهي ألفاظ تحفظ ولا يقاس عليها، لذلك قال: [أَمَّا الزَّمَانِيُّ] أي الاسم المنسوب إلى الزمان، وهو اسم الزمان، [الزَّمَانِيُّ] مطلقا سواء كان مبهماً أو مختصاً، فكل اسم زمان يصح نصبه على الظرفية، واسم الزمان نوعان: الأول: مبهم، والثاني: مختص، فالمبهم كوقتٍ وحينٍ وزمنٍ فهذه لا تدل على زمن معين فليس لها أول ولا آخر، فهي اسم زمان مبهم. والمختص كساعةٍ وشهرٍ ورمضانٍ، وهذه أسماء

стр. 518

زمان معينة لها أول وآخر. والنوعان يصح أن يُنصبا على أنهما ظرفٌ زماني. وأما الظرف المكاني فما كان مبهماً كالجهات الست وأسماء المقادير كالفرسخ والميل والبريد ونحوها، صح نصبها على الظرفية، وما كان مختصاً كالمسجد ونحوه، لا يصح نصبها على الظرفية المكانية إلا ما سمع فيبقى على السماع كالشام ومكة. فلا ينصب من أسماء المكان إلا ما كان مبهماً، وسيذكرها الناظم. وأما اسم الزمان المختص وهو ما دل على مقدار معين معلوم الأول والآخر كأسماء الشهور، والصيف والشتاء وكل ما خص من الأزمنة بوصف، أو إضافة، أو دخول أل، وكذلك المعدود، ولو كان مثنى أو مجموعاً كيومين وأيام وأسبوع، فالمعدود من قبيل المختص، وكل ما استفيد منه أول وآخر فهو مختص، وكل مالم يستفد منه أول ولا آخر فهو مبهم. [أَمَّا الزَّمَانِيُّ] أما للتفصيل، [فَنَحْوُ مَا تَرَى] أي ما تعلمه مما سيأتي، أو ما تراه بعينيك [اليَوْمَ] اسم زمانٍ مختص، لأنه حلي بأل فلو قيل: يومٌ فهو مبهم لأنه وإن كان في نفسه أربعا وعشرين ساعة لكنه من أي الأيام؟ لا يُدرى، لكن لو قيل: صمت يوماً، صار مبهماً وإن قيل: صمت يوم الخميس أو اليوم، صار معيناً فهو مختص، [اليَوْمَ] وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، نحو: صمت اليوم أو يوم الخميس. [وَاللَيْلَةَ] أيضاً ظرف زمان، وهي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، نحو: اعتكفت الليلة. [ثُمَّ سَحَرَا] ثم للترتيب الذكري فقط، وسحرا الألف للإطلاق أو بدل

стр. 519

عن التنوين لأنه يَحكي الألفاظ منصوبة، فاليوم حكاها بالنصب على أنها ظرف زماني والليلة كذلك، والسحر اسم لآخر الليل، قد يكون مصروفاً، وقد يكون ممنوعاً من الصرف، يكون مصروفاً إذا لم يُرد به سحر يوم معين، نحو: جئتك سحراً بالتنوين لأنه نكرة، وأما جئتك يومَ الجمعةِ سحرَ، فحينئذٍ صار معيناً فيكون ممنوعاً من الصرف للعلمية والعدل عن السحر. [وَغُدْوَةً] أيضاً بالتنوين مع التنكير أي لا تختص بمعين، نحو: أزورك غدوةً لا تمنع من الصرف كضاربة، وتمنع من الصرف مع التعريف إذا أريد بها معين، نحو: أزورك غدوةَ بدون تنوين إذا أُريد غدوة يوم معين، ووقتها من دخول صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، هكذا قال النحاة. [وَبُكْرَةً] بالتنوين وتركه كغدوة، في كونها تمنع من الصرف مع التعريف، وتصرف مع التنكير، نحو: أزورك بكرةً، ووقتها أول النهار من الفجر. [ثُمَّ غَدَا] ثم للترتيب الذكري، وغداً بالتنوين دائما ينون مع عدم أل والإضافة، وهو اسم لليوم الذي بعد يومك، نحو: أزورك غداً، غداً ظرف منصوب على الظرفية الزمانية. [حِينًَا وَوَقْتًَا] أي وحينا على حذف حرف العطف، وحيناً اسم لزمانٍ مبهم، ووقتاً مثل حين اسم لزمان مبهم. إذاً مثَّل لك لاسم الزمان المختص والمبهم، فالمختص كاليوم بأل، والليلة وسحر إذا أريد به معين وغدوةً وبكرةً وغداً هذه كلها اسم زمان مختص يعني يدل على قدر معين له أول وآخر، وحيناً ووقتاً وأبداً وأمداً هذه غير مختصة لا أول لها ولا آخر. تقول: أزورك

стр. 520

حيناً أو وقتاً. [أَمَدًا وَأَبَدَا] المراد بهما الزمان المستقبل، فهما بمعنى واحد، وأبداً المشهور أنها للزمان المستقبل الذي لا غاية لمنتهاه، نحو: لا أزورك أبداً، أي أبد الآبدين، كذلك أمداً أي أمد الدهر. [وَعَتْمَةً] وهي اسم لثلث الليل الأول، ومبدؤها مغيب الشفق ومنتهاها ثلث الليل، نحو: أزورك عتمة أو عتمة ليلة كذا، بالإضافة أو بالإطلاق. [مَسَاءً] بالمد أي بالهمزة، ويطلق في اللغة من الزوال إلى آخر النهار هذا هو المشهور أنه آخر النهار، نحو: آتيك مساءاً أو مساء كذا. [اوْ صَبَاحَا] وهو أول النهار من الفجر إلى الزوال، [فَاسْتَعْمِلِ الفِكْرَ تَنَلْ نَجَاحَا] بعد أن ذكر لك من أسماء الزمان التي تنصب على أنها ظرف زمان قال: فاستعمل الفكر يعني أعمل الفكر والمراد به النظر، وليس هو الفكر بمعنى حركة النفس في المعقولات، يطلق الفكر بمعنى النظر وهو الفكر المؤدي إلى علم أو ظن. فاستعمل الفكر استعمل فعل أمر مبني على السكون المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والفكر مفعول به، تنل فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الطلب، ونجاحاً أي فلاحاً مفعول به لتنل. فاستعمل الفكر تنل نجاحاً هذا شأن كل العلم لابد من الفكر، ولابد من النظر، ولابد له من الصبر. ثُمَّ المَكَانِيُّ مِثُالُهُ اذْكُرَا ... أَمَامَ قُدَّامَ وَخَلْفَ وَوَرَا وَفَوْقَ تَحْتَ عِنْدَ مَعْ إِزَاءَا ... تِلْقَاءَ ثَمَّ وَهُنَا حِذَاءَا

стр. 521

بعد أن ذكر لك الظرف الزماني قال: [ثُمَّ المَكَانِيُّ] ثم للترتيب الذكري، والمكاني أي الاسم المكاني وهو الدال على مكانٍ، ولا يكون إلا مبهماً. أما المختص فلا يصح نصبه على الظرفية، وإنما يجر بفي هذا هو الأفصح، ونحو: دخلت الشام، مختلف في توجيهه، والمبهم هو الذي ليس له صورة ولا حدود محصورة، كقُدَّام وأمام وخلف ليس له حدود، [مِثُالُهُ] أي مثال المكاني وهو جزئي يذكر لإيضاح القاعدة فقط، [اذْكُرَا] الألف للإطلاق، أو أنها بدل عن نون التوكيد الخفيفة، [أَمَامَ قُدَّامَ] أي وقدام على حذف حرف العطف، وهاتان اللفظتان بمعنى واحد، فمعناهما متحد ولفظهما مختلف، فأمام بمعنى قدام، وقدام بمعنى أمام، اسم للجهة التي تكون أمام الشخص، تقول: جلست أمام المعلم، أي قُدَّامه وهذه مبهمة وليست مختصة لأن أمام يصدق على كل شيء أمام المعلم، [وَخَلْفَ] ضِدُّ قدام، اسم للجهة التي تكون وراء الشخص، نحو: جلست خلفك أي في المكان الذي خلفك، [وَوَرَا] وراء بالمد، وقصره للضرورة، وهو مرادف لخلف، نحو: جلست وراءك أي في الجهة التي تكون ضد الأمام، [وَفَوْقَ] اسم للمكان العالي، نحو: جلست فوق المنبر، أي في مكان هو فوق المنبر، و [تَحْتَ] ضد فوق اسم للمكان الأسفل، و [عِنْدَ] اسم لما قرب من المكان، تقول: جلست عند زيد، أي في مكان قريب منه، وعند هذه قد تكون ظرف زمان، وقد تكون ظرف مكان بحسب ما تضاف إليه، تقول: جئتك عند صلاة العصر، أي عند وقت صلاة العصر، وجلست

стр. 522

عند بيتك أي في المكان الذي هو قريب من بيتك، و [مَعْ] بالسكون وهي لغة فيها والأصل فيها معَ، فهما لغتان، [مَعْ] ظرف وهي منصوبة على الظرفية وتكون بالفتحة، وقد تسكن لغة وليست بحرف حينئذٍ، وقيل: بحرفيتها لكن الصواب أنها اسمٌ وهو قول سيبويه لذلك قال ابن مالك: وَمَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ ... فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ ... وهي اسم لمكان الاجتماع في المكان أو الزمان، يحتمل هذا ويحتمل ذاك بحسب ما تضاف إليه، نحو: جلست مع زيدٍ أي مصاحب له إما في المكان وإما في الزمان. و [إِزَاءَا] أي مقابل، تقول: جلست إزاء زيدٍ أي مقابله، و [تِلْقَاءَ] مرادف لإزاء في المعنى، و [ثَمَّ] بفتح الثاء لا بضمها فإذا ضمت فهي حرف عطف، وإذا فتحت فهي اسم إشارة للمكان البعيد، نحو: جلست ثمَّ، أي هناك. ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ) (الإنسان: من الآية٢٠). [وَهُنَا] بضم الهاء وفتح النون مع التخفيف، اسم إشارة يشار به إلى المكان القريب، نحو: جلست هنا، أي في المكان القريب، [حِذَاءَا] بالمد بمعنى تلقاء، نحو: جلست حذاء زيد أي قريبًا منه. والحاصل: أن الظرف نوعان: ظرف زماني، وظرف مكاني، وكل اسم زمان سواء كان مبهماً أو مختصاً يصح نصبه على أنه ظرف زمان، وأما اسم المكان فلا ينصب على الظرفية إلا ما كان مبهماً. ويشترط أن يسلط العامل على اسم الزمان أو المكان ملاحظاً فيه معنى في.

стр. 523

بَابُ الحَالِ أي هذا باب بيان حقيقة الحال، والحال أصلها حَوَلٌ على وزن فَعَلٍ مثل بوب تحركت الواو وفتح ما قبلها فقلبت الواو ألفا، فالألف منقلبة عن واو، والدليل على أن هذه الألف منقلبة عن واو أنها تجمع على أحوال، وتُصَغَّر على حُويلة, فهذه الواو هي الأصل في لفظ حال، لأن الجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها، ولذلك الكلمة إذا كانت على ثلاثة أحرف فيها ألف، فاقطع بأن الألف منقلبة عن واو أو ياء؛ لأنهم أجمعوا على أن الألف لا تكون أصلاً في الثلاثي، وإنما تكون زائدةً فيما زاد على ثلاثة أحرف, لأنه كما سبق أن أقل ما يوضع عليه الاسم هو ثلاثة أحرف، وأقل ما يوضع عليه الفعل ثلاثة أحرف. فحينئذٍ الفعل قال مثلا تقطع بأن الألف فيه ليست أصلاً بذاتها لأنه ثُلاثي، فلو حكمنا عليها بالزيادة لصار الفعل قال مُرَكَّبا من حرفين، حينئذٍ نقطع بأن هذه الألف منقلبة إما عن واو أو عن ياء، وأصل قال قَوَل تحركت الواو وفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وباع أصله بيَع تحركت الياء وفتح ما قبلها فقلبت ألفا. والذي يُبين ويميز لك أن الألف منقلبة عن واو أو ياء هو تصريف الكلمة، فتأتي بالفعل المضارع باع يبيع، فالعين هي الياء يَفْعِل يَبْيِع، وأيضا المصدر البيع. قال يَقُولُ أصلها يَقْوُل يَفْعُل فالعين واو في قال, حينئذٍ نحكم بأن الألف منقلبة عن واو. والحاصل أن قوله: الحال، هذه الألف منقلبة عن واو، بدليل جمعها

стр. 524

على أحوال ويصغر على حويلة, ومعلوم أن الجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها, وكذلك سائر المشتقات، فالقول مصدر يدل على أن العين واو, كذلك البيع مصدر يدل على أن العين ياء. والحال من جهة اللفظ يُذكر ويؤنث، يُقال: حالٌ وحالةٌ، قال الشاعر: إِذَا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِنِ امْرِئٍ ... فَدَعْهُ وَوَاكِلْ أَمْرَهُ وَالَّليَالِيَا وقال: عَلى حَالَةٍ لَوْ أَنَّ فِي القَوْمِ حَاتِمًا ... عَلَى جُودِهِ ضَنَّتْ بِهِ نَفْسُ حَاتِمِ وحالٌ يجوز فيه التذكير والتأنيث من جهة الوصف والضمير والإشارة، فيقالُ: حالٌ حسنٌ, وحال حسنة، ولذلك يقال في التصغير: حويلةٌ بالتاء لأنه مؤنث تأنيثاً معنوياً بدون تاء، هذا حالٌ حسن وهذه حالٌ حسنةٌ, وتحسنت حالُ المريض. والحال لغة: ما عليه الإنسان من خير أو شر. وأما في الاصطلاح فذكره الناظم هنا تبعاً للأصل بقوله: الحَالُ لِلهَيْئَاتِ أَيْ لِمَا انْبَهَمْ ... مِنْهَا مُفَسِّرٌ وَنَصْبُهُ انْحَتَمْ وقال في الأصل الاسم المنصوب المفسِّر لما انبهم من الهيئات. قوله: الاسم أخرج الفعل والحرف، فالحال لا تكون فعلاً ولا حرفاً. فحينئذٍ يرِدُ السؤال كيف نقول الحال لا تكون فعلاً وقد تقول: جاء زيدٌ يضحك, ويضحك الجملة في محل نصب حال؟ الجواب: أنَّ كلَّ ما جاء من الجمل في محل نصب حال فهو مؤولٌ

стр. 525

بالمفرد. فجاء زيدٌ يضحكُ أي جاء زيدٌ ضاحكاً، تؤوله بالمفرد، فهو الأصل فيه كالخبر الأصل فيه أن يكون مفرداً، فإذا جاء جملةً فحينئذٍ لا بد من تأويله بمفرد، إذاً رجع إلى أصله وهو المفرد. كذلك الحال إذا جاءت جملةً سواء كانت جملة اسمية أو فعلية نقول نرده إلى الأصل وهو المفرد. قوله: المنصوبُ هذا بيان لحكمه، أدخله في الحد, ولكن عندهم القاعدة أنه لا يجوز في الحدود إدخال الأحكام، قال في السلم: وَعِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُودِ ... أَنْ تَدْخُلَ الأَحْكَامُ فِي الحُدُودِ فيقال الحال: هو الاسم المفسر لما انبهم من الهيئات، وحكمه النصب. ولا تقول: هو الاسم المنصوب فتدخل الحكم وهو النصب في الحد؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره وإنما يذكر الحد للكشف والإيضاح، يبيَّن أولاً حقيقة الحال, وتحكم على الكلمة بأنها حال، ثم بعد ذلك تحكم بأنه منصوب، إذاً الاسم المنصوب أخرج المرفوع فلا تكون الحال مرفوعةً أبداً، وأخرج المجرور فلا تكون الحال مجرورة أبداً، إلا في نحو: جاء زيدٌ مبكراً, تقول: جاء زيدٌ بمبكرٍٍ قد يجوز دخول حرف الجر وهو الباء في مثل هذا التركيب على الحال، فحينئذٍ تكون الحركة مقدرة، ولا يكون مجرورا من جهة المعنى وإنما هو مجرور من جهة اللفظ فحسب، لأن حرف الجر الزائد لا يؤثر في المعنى لأنه ما جيء به من أجل إثبات معناه وإنما جيء به تأكيدًا فقط.

стр. 526

حينئذ بمبكرٍ نقول: الباء حرف جر زائد، ومبكرٍ حالٌ منصوبة، ونصبهُ فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. كما قيل في قوله تعالى: (هَلْمِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ (٣))) [فاطر:٣] مِن حرف جر زائد، وخالقٍ مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. إذًا حرف الجر هنا لم يؤثر في المعنى، لأنه إنما جيء به للتأكيد فحسب، ولم يؤت به لإفادة معناه الذي وضع له في لغة العرب. قوله: المفسِّر لما انبهم أي الموضِّح والكاشف لما انبهم من الانبهام وهو الخفاء والاستتار، من الهيئات جمع هيئة وهي الصفة. يعني مجيء الحال تأتي كاشفةً ومفسرةً وموضحةً ومبينةً لا لذاتِ موصوفها وإنما لهيئة موصوفها، فحينئذٍ يكونُ الموصوف الذي هو صاحب الحال معلوم الذات إلاَّ أنه مجهول الصفة، فيقال مثلاً: جاء زيدٌ، تعرف زيدًا، ولكنَّ المجيء يختلف وله أحوال وصفات، فزيدٌ أحدث المجيء، فقد علمت بأن زيداً أوجد المجيء، لكن على أيِّ صفة؟ هل المجيء يكون بصفةٍ واحدة أم متعدد الصفات؟ لا شك أنه متعدد الصفات، فحينئذٍ قوله: جاء زيدٌ فيه إيضاح، وفيه خفاء، فالإيضاح من جهة إسناد المجيء إلى زيد، وكون الحدث هو مجيئه وهذا واضح مأخوذ من اللفظ، وكون الذي أحدث الحدث هو زيد وهو فاعل، وزيدٌ معلومٌ عندنا، فهذا كله واضح. لكن لو قيل

стр. 527

لك كيف جاء زيد؟ هل جاء ماشياً؟ هل جاء طائراً؟ هل جاء راكباً؟ هل جاء يحبو حبواً؟ هذا كله محتمل، فحينئذٍ تأتي بالحالِ كاشفةً وموضحةً لا لذاتِ الفاعل وإنما للصفة التي اتصف بها الفاعل التي دل عليها عاملها، لأن العامل يتضمَّنُ صفة وهي المجيء، فهو صفة في المعنى، والمجيء متعدد وله صفات وهيئات حينئذٍ يرد الإشكال والخفاء والاستتار، كيف جاء زيد؟ تقول: راكباً إذاً راكبًا هذا حال: اسم منصوبٌ مفسرٌ لما انبهم وخفي واستتر من هيئة وصفة مجيء زيد وأمَّا زيد فهو معلوم. ولذلك كما سيأتي أن الحال قد تكشف وتُفسِرُ الفاعل, وقد تفسرُ المفعول به وقد تُفسرهما معاً. وابن هشام ﵀ عرَّف الحال بقوله: وصفٌ فضلةٌ يقعُ في جواب كيف. قوله: وصفٌ، هذا أولى من أن يُقال الحال: الاسم، لأن الاسم قد يكون جامداً وقد يكون مشتقاً، والحال الأصل فيها أن تكون مشتقة، فإذا قيل الحال: هي الاسم شمل الجامد والمشتق، وإذا قيل: وصفٌ فهو أخصُّ وأدق. والمراد بالوصف هنا ما ذكرناه سابقاً في باب النعت وهو ما دل على ذاتٍ وحدث، فكل لفظٍ في لغة العرب دل على ذات موصوفةٍ بمعنىً فهي صفةٌ أو قل مشتقة، وهنا يراد به خمسة أشياء: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، وأمثلة المبالغة؛ لأن قوله مثلاً جاء زيدٌ راكباً، فراكباً اسم فاعل يدل على ذات زيدٍ وأنه متصف بالركوب، والركوب نوعٌ من أنواع المجيء

стр. 528

لكنه أخص منه. فجاء فعل ماضٍ، وزيدٌ فاعل، وراكباً يدل على زيدٍ لأنه اسم فاعل، واسم الفاعل يدل على ذاتٍ لكنها مبهمة، وزيدٌ يدل على ذاتٍ لكنها معلومة؛ لأنه علَمُ شخص، فحينئذٍ يكون في هذا التركيب قد كرر زيد مرتين، مرةً بالإفصاح باسمه، ومرةً بالكناية عنه، ولكن لماَّ كان المراد في راكباً الوصف لم يراع فيه إبهام الذات يعني لم يلتفت إلى كون الذات مبهمة. وفي الأغلب كونُ الحالِ مشتقةً بأن تكون واحدًا من الأمور الخمسة التي ذكرناها. ومن غير الأغلب ألاَّ تكون الحال مشتقة كما سيأتي بيانه. إذاًً الحالُ وصفٌ يعني مشتقة دالةٌ على ذاتٍ وحدث. قوله: فضلةٌ خرج به الخبر نحو: زيدٌ ضاحكٌ، فضاحكٌ مشتق مبين للهيئة فهو عمدة لا فضلة، ولأن الحال منصوبة، والنصب للفضلات، والرفع للعمد، هكذا القسمة. الرفعُ يكون للعمد كالمبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل، والنصب يكون للفضلات، والمراد بالفضلة: قيل ما يُستغنى عنه، وأُورد على هذا الحدِّ بأن الحال فضلة, والفضلة ما يستغنى عنه فأُوردَ عليهم قوله تعالى ((وَلَاتَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا (٣٧))) [الإسراء:٣٧] قالوا مرحاً هذا حال، ولا يمكن الاستغناء عنه، بخلاف جاء زيدٌ راكباً, فراكباً إذا لم يكن المقصود من الكلام هو راكباً فحينئذٍ لا بأس من حذفه. لكن إذا علم مجيء زيد أولاً ثم كان المقصود من الكلام راكباً وليس المقصود هو جاء زيد فحينئذٍ يتعين ذكر الفضلة هنا ولا يجوز حذفها.

стр. 529

على كلٍّ أُورِدَ على كونها فضلة بأنه ما يستغنى عنه قوله تعالى: ((وَلَاتَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا (٣٧))) [الإسراء:٣٧] وقوله: ((وَلَاتَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠))) [البقرة:٦٠])) قالوا: لو أسقط مرحاً - في غير القرآن - فسد الكلام من جهة المعنى، لأنه إذا قيل: (وَلَاتَمْشِ فِي الْأَرْضِ) صار النهي عامًّا فيقتضي عدم المشي في الأرض مطلقاً مع أن المقصود بمرحاً هو تقييد المنهي عنه، وهو بعض المشي لا كل المشي، فحينئذٍ لو قال: لا تمشِ، لا تأتِ راكباً ثم حذفت راكباً، فقلت: لا تأتِ، يعني لا تأتِ مطلقاً، ولو قلت: لا تأتِ راكباً كان النهي مقيداً بصفة معينة وما عداها فهو على الأصل. فإذا قيل الفضلة ما يستغنى عنه فبعض أنواع الحال لا يجوز الاستغناء عنها فيفسد المعنى بحذفها. فحينئذٍ نقول الأصح أن يفسَّر الفضلة بأنه: ما ليس بعمدةٍ. فحينئذٍ خرج المبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل؛ لأن العُمَد محصورة في هذه الأربعة، وما عداها يعتبر من الزوائد، لكن ليس أن ما كان من الزوائد يستغنى عنه، ليس هذا المراد، بل المراد أن الكلام لابد فيه من إسناد، والإسناد يقتضي مسنداً ومسنداً إليه. والمسند والمسند إليه محصورٌ في أربعة لا خامس لها المبتدأ والخبر والفعل وفاعله أو نائبه. والحاصل: أن المراد بالفضلة هنا وفي غيرها مطلقاً حتى في المجرورات والظروف، ما ليس بعمدةٍ ولا نُفسِّره بما يستغنى عنه،

стр. 530

بل بحث بعضهم في المنصوبات والمجرورات هل هي داخلة في جزء الكلام أو لا؟ والصبان في حاشيته على الأشموني رجَّح أنه إذا توقفت الإفادة عليه كان جزءاً في الكلام؛ وإلا فلا. وهذا مخالف لما عليه جماهير النحاة أن الحكم على المخفوضات والمنصوبات بأنها من الفضلات مطلقاً ليست داخلة في أجزاء الكلام. قوله: يقع في جواب كيف، لأن كيف يُسأل بها عن الحال كما قال الحريري في الملحة: ثُمَّ يُرَى عِنْدَ اعْتِبَارِ مَنْ عَقَلْ ... جَوَابَ كَيْفَ فِي سُؤَالِ مَنْ سَأَلْ كقوله: جاء زيدٌ ,كيف جاء؟ تقول: راكبا إذاً صلُح أن يكون جواباً لكيف. فكل ما صلح من المنصوبات أن يقع جواباً لكيف فهو حال. إذاً الحالُ لابد أن تتوفر فيه ثلاثةُ أشياء:- أولاً: أن يكون وصفاً أي مشتقاً وهذا هو الغالب فيه، فإذا جاء جامداً حينئذٍ يؤول بالمشتق، نحو قولك: بِعْهُ مداًّ أي بِعْهُ مُسَعَّراً، ومسعَّرًا اسم مفعول، فمُدًّا حال وهو دال على السِّعْر، وهو جامد، ولذلك قالوا ويكثر الجمود في سِعْرٍ. فكل ما دل على سعر وانتصب على أنه حال نحكم عليه بأنه جامد ولا يتخلف شرطُ الوصفية لأن الجامد حينئذٍ يؤول بالمشتق. ثانيا: أن يكون فضلة.
следующие страницы →