← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36087

فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (649 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

حينئذ بمبكرٍ نقول: الباء حرف جر زائد، ومبكرٍ حالٌ منصوبة، ونصبهُ فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. كما قيل في قوله تعالى: (هَلْمِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ (٣))) [فاطر:٣] مِن حرف جر زائد، وخالقٍ مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. إذًا حرف الجر هنا لم يؤثر في المعنى، لأنه إنما جيء به للتأكيد فحسب، ولم يؤت به لإفادة معناه الذي وضع له في لغة العرب. قوله: المفسِّر لما انبهم أي الموضِّح والكاشف لما انبهم من الانبهام وهو الخفاء والاستتار، من الهيئات جمع هيئة وهي الصفة. يعني مجيء الحال تأتي كاشفةً ومفسرةً وموضحةً ومبينةً لا لذاتِ موصوفها وإنما لهيئة موصوفها، فحينئذٍ يكونُ الموصوف الذي هو صاحب الحال معلوم الذات إلاَّ أنه مجهول الصفة، فيقال مثلاً: جاء زيدٌ، تعرف زيدًا، ولكنَّ المجيء يختلف وله أحوال وصفات، فزيدٌ أحدث المجيء، فقد علمت بأن زيداً أوجد المجيء، لكن على أيِّ صفة؟ هل المجيء يكون بصفةٍ واحدة أم متعدد الصفات؟ لا شك أنه متعدد الصفات، فحينئذٍ قوله: جاء زيدٌ فيه إيضاح، وفيه خفاء، فالإيضاح من جهة إسناد المجيء إلى زيد، وكون الحدث هو مجيئه وهذا واضح مأخوذ من اللفظ، وكون الذي أحدث الحدث هو زيد وهو فاعل، وزيدٌ معلومٌ عندنا، فهذا كله واضح. لكن لو قيل

стр. 527

لك كيف جاء زيد؟ هل جاء ماشياً؟ هل جاء طائراً؟ هل جاء راكباً؟ هل جاء يحبو حبواً؟ هذا كله محتمل، فحينئذٍ تأتي بالحالِ كاشفةً وموضحةً لا لذاتِ الفاعل وإنما للصفة التي اتصف بها الفاعل التي دل عليها عاملها، لأن العامل يتضمَّنُ صفة وهي المجيء، فهو صفة في المعنى، والمجيء متعدد وله صفات وهيئات حينئذٍ يرد الإشكال والخفاء والاستتار، كيف جاء زيد؟ تقول: راكباً إذاً راكبًا هذا حال: اسم منصوبٌ مفسرٌ لما انبهم وخفي واستتر من هيئة وصفة مجيء زيد وأمَّا زيد فهو معلوم. ولذلك كما سيأتي أن الحال قد تكشف وتُفسِرُ الفاعل, وقد تفسرُ المفعول به وقد تُفسرهما معاً. وابن هشام ﵀ عرَّف الحال بقوله: وصفٌ فضلةٌ يقعُ في جواب كيف. قوله: وصفٌ، هذا أولى من أن يُقال الحال: الاسم، لأن الاسم قد يكون جامداً وقد يكون مشتقاً، والحال الأصل فيها أن تكون مشتقة، فإذا قيل الحال: هي الاسم شمل الجامد والمشتق، وإذا قيل: وصفٌ فهو أخصُّ وأدق. والمراد بالوصف هنا ما ذكرناه سابقاً في باب النعت وهو ما دل على ذاتٍ وحدث، فكل لفظٍ في لغة العرب دل على ذات موصوفةٍ بمعنىً فهي صفةٌ أو قل مشتقة، وهنا يراد به خمسة أشياء: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، وأمثلة المبالغة؛ لأن قوله مثلاً جاء زيدٌ راكباً، فراكباً اسم فاعل يدل على ذات زيدٍ وأنه متصف بالركوب، والركوب نوعٌ من أنواع المجيء

стр. 528

لكنه أخص منه. فجاء فعل ماضٍ، وزيدٌ فاعل، وراكباً يدل على زيدٍ لأنه اسم فاعل، واسم الفاعل يدل على ذاتٍ لكنها مبهمة، وزيدٌ يدل على ذاتٍ لكنها معلومة؛ لأنه علَمُ شخص، فحينئذٍ يكون في هذا التركيب قد كرر زيد مرتين، مرةً بالإفصاح باسمه، ومرةً بالكناية عنه، ولكن لماَّ كان المراد في راكباً الوصف لم يراع فيه إبهام الذات يعني لم يلتفت إلى كون الذات مبهمة. وفي الأغلب كونُ الحالِ مشتقةً بأن تكون واحدًا من الأمور الخمسة التي ذكرناها. ومن غير الأغلب ألاَّ تكون الحال مشتقة كما سيأتي بيانه. إذاًً الحالُ وصفٌ يعني مشتقة دالةٌ على ذاتٍ وحدث. قوله: فضلةٌ خرج به الخبر نحو: زيدٌ ضاحكٌ، فضاحكٌ مشتق مبين للهيئة فهو عمدة لا فضلة، ولأن الحال منصوبة، والنصب للفضلات، والرفع للعمد، هكذا القسمة. الرفعُ يكون للعمد كالمبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل، والنصب يكون للفضلات، والمراد بالفضلة: قيل ما يُستغنى عنه، وأُورد على هذا الحدِّ بأن الحال فضلة, والفضلة ما يستغنى عنه فأُوردَ عليهم قوله تعالى ((وَلَاتَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا (٣٧))) [الإسراء:٣٧] قالوا مرحاً هذا حال، ولا يمكن الاستغناء عنه، بخلاف جاء زيدٌ راكباً, فراكباً إذا لم يكن المقصود من الكلام هو راكباً فحينئذٍ لا بأس من حذفه. لكن إذا علم مجيء زيد أولاً ثم كان المقصود من الكلام راكباً وليس المقصود هو جاء زيد فحينئذٍ يتعين ذكر الفضلة هنا ولا يجوز حذفها.

стр. 529

على كلٍّ أُورِدَ على كونها فضلة بأنه ما يستغنى عنه قوله تعالى: ((وَلَاتَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا (٣٧))) [الإسراء:٣٧] وقوله: ((وَلَاتَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠))) [البقرة:٦٠])) قالوا: لو أسقط مرحاً - في غير القرآن - فسد الكلام من جهة المعنى، لأنه إذا قيل: (وَلَاتَمْشِ فِي الْأَرْضِ) صار النهي عامًّا فيقتضي عدم المشي في الأرض مطلقاً مع أن المقصود بمرحاً هو تقييد المنهي عنه، وهو بعض المشي لا كل المشي، فحينئذٍ لو قال: لا تمشِ، لا تأتِ راكباً ثم حذفت راكباً، فقلت: لا تأتِ، يعني لا تأتِ مطلقاً، ولو قلت: لا تأتِ راكباً كان النهي مقيداً بصفة معينة وما عداها فهو على الأصل. فإذا قيل الفضلة ما يستغنى عنه فبعض أنواع الحال لا يجوز الاستغناء عنها فيفسد المعنى بحذفها. فحينئذٍ نقول الأصح أن يفسَّر الفضلة بأنه: ما ليس بعمدةٍ. فحينئذٍ خرج المبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل؛ لأن العُمَد محصورة في هذه الأربعة، وما عداها يعتبر من الزوائد، لكن ليس أن ما كان من الزوائد يستغنى عنه، ليس هذا المراد، بل المراد أن الكلام لابد فيه من إسناد، والإسناد يقتضي مسنداً ومسنداً إليه. والمسند والمسند إليه محصورٌ في أربعة لا خامس لها المبتدأ والخبر والفعل وفاعله أو نائبه. والحاصل: أن المراد بالفضلة هنا وفي غيرها مطلقاً حتى في المجرورات والظروف، ما ليس بعمدةٍ ولا نُفسِّره بما يستغنى عنه،

стр. 530

بل بحث بعضهم في المنصوبات والمجرورات هل هي داخلة في جزء الكلام أو لا؟ والصبان في حاشيته على الأشموني رجَّح أنه إذا توقفت الإفادة عليه كان جزءاً في الكلام؛ وإلا فلا. وهذا مخالف لما عليه جماهير النحاة أن الحكم على المخفوضات والمنصوبات بأنها من الفضلات مطلقاً ليست داخلة في أجزاء الكلام. قوله: يقع في جواب كيف، لأن كيف يُسأل بها عن الحال كما قال الحريري في الملحة: ثُمَّ يُرَى عِنْدَ اعْتِبَارِ مَنْ عَقَلْ ... جَوَابَ كَيْفَ فِي سُؤَالِ مَنْ سَأَلْ كقوله: جاء زيدٌ ,كيف جاء؟ تقول: راكبا إذاً صلُح أن يكون جواباً لكيف. فكل ما صلح من المنصوبات أن يقع جواباً لكيف فهو حال. إذاً الحالُ لابد أن تتوفر فيه ثلاثةُ أشياء:- أولاً: أن يكون وصفاً أي مشتقاً وهذا هو الغالب فيه، فإذا جاء جامداً حينئذٍ يؤول بالمشتق، نحو قولك: بِعْهُ مداًّ أي بِعْهُ مُسَعَّراً، ومسعَّرًا اسم مفعول، فمُدًّا حال وهو دال على السِّعْر، وهو جامد، ولذلك قالوا ويكثر الجمود في سِعْرٍ. فكل ما دل على سعر وانتصب على أنه حال نحكم عليه بأنه جامد ولا يتخلف شرطُ الوصفية لأن الجامد حينئذٍ يؤول بالمشتق. ثانيا: أن يكون فضلة.

стр. 531

ثالثا: أن يقع في جواب كيف. هذه ثلاثة أمور كلها مطردة: وصفٌ فضلةٌ يقعُ في جواب كيف. زاد الناظم هنا: مُفَسِّرٌ لما انبهم من الهيئات، هذا تزيده على ما ذكره ابن هشام. قال ﵀: [الحَالُ لِلهَيْئَاتِ أَيْ لِمَا انْبَهَمْ مِنْهَا مُفَسِّرٌ] أي الحال مفسِّرٌ للهيئات، فالحال مبتدأ ومفسرٌ خبره، وللهيئات جار ومجرور متعلق بقوله: مفسرٌ، وقوله: [لِلهَيْئَاتِ] جمعُ هيئةٍ، وهي الصورةُ المحسوسة أو غير المحسوسة مطلقاً يعني الصفة اللاحقة للذوات، قلنا: جاء زيدٌ، زيد متصف بالمجيء، فقد وصفته بالمجيء في المعنى، لأن كلَّ فعلٍ ماضياً كان أو مضارعاً أو أمراً هو في المعنى صفة، فإذا قلت: جاء زيد كأنك قلت: زيدٌ جاءٍ، وجاءٍ اسم فاعل، وضَرَبَ زيدٌ أي زيدٌ ضاربٌ، وقام عمروٌ أي عمروٌ قائمٌ وهكذا، فالأفعال كلها في المعنى صفات. فحينئذٍ نقول: الحال للهيئات يعني تأتي مبيِّنة ومفسِّرة للصفات اللاحقة للذوات لا للذوات، ليتميز وينفصل الحال عن التمييز؛ لأن الحال يميز ويكشف ويفسِّر الهيئة والصفة وأما الذات فهي معلومة. والتمييز لكشف الذات، فالذات هي التي تكون مجهولة، ففرقٌ بينهما. [الحَالُ لِلهَيْئَاتِ] جمع هيئةٍ سواءً كانت صورة محسوسة أو غير محسوسة، كجاء زيدٌ راكباً، فالركوب محسوس، وتكلم زيدٌ صادقاً، فالصدق غير محسوس، لأنه يتكلم فلا تدري صدقه من كذبه. ثم قال: [أَيْ لِمَا انْبَهَمْ مِنْهَا] أي تفسيرية، حرف تفسير مبني

стр. 532

على السكون لا محل له من الإعراب. [لِمَا انْبَهَمْ] ما بعد أَيْ يُعرب بدلاً مما قبلها على الأصح وهو مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين أنَّ أَيْ التفسيريةَ حرفُ عطف، تقول: اشتريت عسجداً أي ذهباً. فالعسجد قد يُشْكِل معناه على السامع فيحتاج إلى تفسير فيقول: أي ذهباً فأي تفسيرية، وفي الغالب يفسر بها المفردات، وقلة تأتي لتفسير الجمل. وغالب أرباب الحواشي يأتون بأي في المفردات وبيعني إذا أرادوا كشف المعنى العام، فيقولون: يعني كذا إذا أراد أن يأتي بالمعنى العام. وما بعد أي المشهور أنه بدل مما قبله, بدل كل من كل. فاشتريت عسجدا أي ذهباً، والعسجد هو عينه الذهب، وعند الكوفيين أي مثل واو العطف، فحينئذٍ أي تكون عندهم حرف عطف أُريد بها التفسير، وعسجداً معطوف على ذهباً، والمعطوف على المنصوب منصوب. [لِمَا انْبَهَمْ مِنْهَا] أي لما خفي واستتر منها أي من الهيئات. [مُفَسِّرٌ] خبرٌ للمبتدأ، وهذا أحسن، ويحتمل النصب على أنه حال من المبتدأ والخبر محذوف. [وَنَصْبُهُ انْحَتَمْ] بعد أن عرَّف لك الحال، بيَّن لك حكمه، وانحتم نصبه أي تعيَّن نصبه. ولو قال، نصبُهُ حُتِم لكان أحسن، لأن باب انفعل لا يأتي في مثل هذا بل هو خاص بالعلاجيات الحسية، قال النيساري: وَاخْتُصَّ بِالعِلاَجِ فَهْوَ انْصَرَمَا ... مِنْ أَجْلِ ذَاكَ خَطَّؤُوا مُنْعَدِمَا

стр. 533

فلا يقال: انعدم ومنعدم، [وَنَصْبُهُ] أي نصب الحال بالفعل أو شِبهه؛ لأن العامل قد يكون فعلاً كجاء زيدٌ راكباً، جاء فعلٌ ماض، وزيدٌ فاعل وهو صاحبُ الحال، وراكباً حالٌ من زيد منصوب، والعامل فيه هو العامل في صاحب الحال وهو الفعل جاء، وصاحب الحال هو الذي جاءت الحال منه وهو الفاعل هنا. وقد يكون وصفا نحو: أنا ضاربٌ زيداً مكتوفاً، فأنا ضاربٌ مبتدأ وخبر، وزيداً مفعول به لضارب، ومكتوفاً حال، والعامل فيه الوصف ضارب. [انْحَتَمْ] يعني حُتِم، وهذا أمرٌ لازم، لأنه صفة لازمة للحال، الحال لا يكون إلا منصوباً لأنه فضلة، والنصب إعراب الفضلات، ولا يخرج أبداً عن النصب إلاَّ إذا جر بحرف جر زائد فحينئذٍ تكون الفتحة مقدره على آخره كما سبق بيانه، نحو: جئتُ بمبكرٍ. والأصل مبكراً. كَجَاءَ زَيدٌ ... ضَاحِكًا ... مُبْتَهِجَا ... وَبَاعَ عَمْرٌو الحِصَانَ مُسْرَجَا وَإِنَّنِي لَقِيْتُ عَمْرًا رَائِدَا ... فَعِ المِثَالَ وَاعْرِفِ ... المَقَاصِدَا تجيء الحال من الفاعل وحده، وتجيء من المفعول به وحده، وقد تجيء محتملة لواحدٍٍ منهما، وقد تجيء لهما. تقول: جاء زيدٌ ضاحكاً، جاء فعل ماضٍ، وزيدٌ فاعل، وضاحكاً حالٌ من الفاعل، نصاً بمعنى أنه لا يحتمل غير الفاعل لأنه ليس عندنا إلاَّ الفاعل.

стр. 534

وقد يأتي من المفعول به وحده، تقول: باع عمروٌ الحصان مسرَجَا، فمسرَجَا حالٌ من المفعول به نصا بمعنى أنه لا يحتمل غير المفعول به. وضربتُ الِّلص مكتوفاً، ضربتُ فعل وفاعل، واللص مفعول به، ومكتوفا حال من المفعول به نصًا، لا يحتمل غير المفعول به لأنك إذا قلت يحتمل معناه أنك ضربته وأنت المكتوف، وهذا لا يتأتى وإنما اللص هو الذي يكون مكتوفاً. لأنه مضروب وأنت الضارب فلو كان محتملاً من الفاعل لكان المعنى ضربته وأنت مكتوف وهو مطلق اليدين. ويحتمل منهما كقولك: لقيتُ عمراً راكباً، لقيتُ فعل وفاعل، وعمراً مفعول به، وراكباً حال ويحتمل أن يكون حالاً من الفاعلِ وهو الضمير المتصل في لقيتُ أي وأنا الذي كنتُ راكباً وهو ماشٍ، ويحتمل أن يكون حالاً من المفعول به لقيت عمراً راكباً هو الذي يكون راكباً. إذًا هو محتملٌ لهما. ولو قال: لقيت عمراً راكبين، صار نصاَّ فيهما. والحاصل: الحال يأتي من الفاعل نصًّا لا يحتملُ غيره، ويأتي من المفعول به نصًّا لا يحتمل غيره، ويأتي محتملاً لكونه من الفاعل أو من المفعول، وتُرجِّح واحدًا منهما والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد. ونحو: لقيتُ عمراً راكبين، ثنى بدلاً من أن يقال: راكباً وراكباً فتكرر الحال، فيقال: راكبين، حينئذٍ تكون نصًّا في الفاعل والمفعول به معًا.

стр. 535

[كَجَاءَ زَيدٌ ضَاحِكًا مُبْتَهِجَا] ضاحكاً حال من الفاعل نصََّا، ومبتهجًا حالٌ بعد حال، وتَعَدُّدُ الحالِ جائزٌ، وهذه حالٌ بعد حال، ومبتهجاً أي فرحاً. [وَبَاعَ عَمْرٌو الحِصَانَ مُسْرَجَا] مسرجاً حال من المفعول به نصاً، وهو الحصان. [وَإِنَّنِي لَقِيْتُ عَمْرًا رَائِدَا] رائداً حال محتملة لأن تكون من الفاعل أو من المفعول، يحتمل من الفاعل أي أنا الذي كنت أطلب الكلأ، ويحتمل أنه عمرو، والرائد كما قال في المختار هو من يُرْسَل في طلب الكلأ. [فَعِ المِثَالَ وَاعْرِفِ المَقَاصِدَا] فعِ فعل أمر من وعا يعي عِه بهاء السكت وقفًا، وقوله: فعِ المثال ليست في الوقف حتى نحتاج إلى هاء السكت، وهذا الفعل يُسَمَّى لفيفًا مفروقًا، إذا وقعت الفاء واللام حرفي علة سمي لفيفاً، وإذا فُرِق بينهما بحرف سُمِّي مفروقاً، وإذا اتصل حرفا العلة الفاء والعين سمي مقرونا، ووَعَى فعل ماض، ومضارعه يَعِي أصله يَوْعِي وقعت الواو بين عدوتيها فأسقطاها، فصار يعي، والأمر منه بإسقاط حرف المضارعة فصار عِي والأمر يبنى على ما يجزم به مضارعه، فحذفت الياء للبناء، فصار عِِ على حرف واحد عينٌ فقطْ مكسورةٌ وحينئذٍ في الوقف يجب الإتيان بهاء السكت، فيقال: عِهْ، وهنا قال: [فَعِ المِثَالَ] لأنه لما وُصِلتْ ولم يوقف عليها لم يحتج إلى هاء السكت. ووعى الحديث يعيه وعياً حفظه، إذاً [فَعِ المِثَالَ] بمعنى احفظ المثال المذكور السابق فهو جزئيٌّ يُذكر لإيضاح القاعدة، والمثال يخالف الشاهد عند النحاة، فالشاهد هو جزئيٌّ يُذكر لإثبات القاعدة، والمثالُ هو جزئيٌّ

стр. 536

يذكر لإيضاح القاعدة. [وَاعْرِفِ المَقَاصِدَا] أي اعلم وتعلَّم المقاصد جمع مَقْصَد، وقصد بمعنى إتيان الشيء، وبابه ضرب، ويقال: قصد له وإليه وقَصَدَ قَصْدَه أي نحا نحوه. إذًا [وَاعْرِفِ المَقَاصِدَا] اعرف ما تَنْحَى نحوَه، قال بعضهم: إِنَّمَا النَّحْوُ قِيَاسٌ يُتَّبَعْ ... وَبِهِ فِي كُلِّ عِلْمٍ يُنْتَفَعْ إنما النحو قياس يتبع، لأن النحو من حفظ فيه مثالا في الإعراب مثلا قاس عليه كلَّ ما يأتيه، تحفظ مثالا في إعراب الحال أو الفعل الماضي أو المضارع المجزوم أو المضارع المنصوب بلن أو بأن وقس عليه ما يأتيك بعده. لكن الطلاب يستصعبون الإعراب، يظنون أنه يأتي بالفتوحات هكذا، بل لا بُدَّ أوَّلاً من الحفظ، فتحفظ مثالا جاء فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ثم تسأل لِمَ بُنيَ؟ وتجيب: لأن الأصل في الأفعال البناء، ولِمَ حُرِّك والأصل في المبني أن يُسكَّن؟ وتجيب: لأنه أشبه الاسم أو الفعل في وقوعه صفةًً وصلةًً وحالاً وخبراً، ولِمَ كانت الحركة فتحة؟ وتجيب: للخفة، وما المراد بقولهم: لا محل له من الإعراب؟ وتجيب: يعني لا يقع مبتدأ ولا خبرًا ولا فاعلا ولا مفعولا ولا في محالٍّ غيرها. فكل فعل ماض تذكر فيه هذه المسائل. إذاًً تحفظ مرة واحدة وتَقِيس عليه كل ما يأتيك. وكذلك الفاعل فتقول: زيدٌ فاعلٌ مرفوع بجاء ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وعمروٌ وخالدٌ وبكرٌ قِس عليه. ثم قال:

стр. 537

وَكَونُهُ نَكِرَةً يَا صَاحِ ... وَفَضْلَةً يَجِيءُ بِاتِّضَاحِ يُشترَط في الحال أن تكون نكرة، كما اشتُرِط فيها أن تكون وصفًا فضلة صالحةً للوقوع في جواب كيف. [وَكَونُهُ] أي الحال، ولم يقل وكونها؛ لأنه يجوز أن يراعى اللفظ فيذكر الضمير، وأن يراعى المعنى فيؤنث، فيصح الوجهان. وقوله: يا صاح مر ذكره. [نَكِرَةً] أي واشترط أن تكون الحال نكرة قيل: لأن الحال لو كانت معرفة لتُوهِمَ أنها نعت. والأصح أن يقال في التعليل اشتُرط تنكير الحال لكون النكرة هي الأصل، وإنما جيء بالحال للدلالة على هيئة صاحبها، فإذا حصلت الدلالة على الهيئة بالنكرة، فحينئذٍ صار العدول إلى المعرفة التي فيها زيادة على النكرة من باب الحشو والعبث؛ لأن المعرفة إنما تكون معرفة بزيادة على النكرة، فالمعرفة فرع النكرة، والنكرة هي الأصل، بدليل أنها لا تحتاج إلى علامة. والمعرفة هي الفرع بدليل أنها تحتاج إلى علامة، وما لا يحتاج أصلٌ لما يحتاج. فحينئذٍ قالوا: إذا أُدِّيَ المرادُ بالنكرة في كشف هيئة صاحب الحال، صار العدول إلى ما فيه زيادة من باب الحشو، فإذا حصل المراد وكشفت الصفة والهيئة بقولنا: جاء زيدٌ راكباً. فقد أُدِّي المعنى ولا حاجة إلى أن نقول: جاء زيدٌ الراكب. فإذا صح بالأصل وهو راكباً فلا يجوز العدول إلى الراكب، لأن الراكب فيه زيادة أل فلا بد أن يكون لهذه الزيادة أثر في كشف صاحب الحال من جهة الهيئة، ولكن ليس لها أثر فحينئذٍ لَمَّا انتفى أثرُ تلك الزيادة صار ذِكْرُها حَشْواً.

стр. 538

فإن جاءت الحال معرفةً حينئذٍ نقول: جاءت على خلاف الأصل، وما سُمِع من كلام العرب مجيء الحال معرفة وجب تأويله بنكرة. فيصح وقوع الحال معرفةً في اللفظ لا في المعنى، كما قال ابن مالك: وَالحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ ... تَنْكِيرَهُ مَعْنىً كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ وحدك اجتهد أي اجتهد وحدَك، منصوب على الحال، والأصل في الحال أن يكون نكرة وقد جاء معرفة هنا فنقول: وحدك أي منفرداً فتُؤول وحدك وهو معرفة بالنكرة، فحينئذٍ كلُّ ما جاء من الحال وهو معرفة وجب تأويله بنكرة. ونحو: أرسلها العراكَ، والعراكَ حال وهو معرفة فتؤوله بنكرة أي معتركة، وهو اجتماع الإبل عند السقي ونحوه. ونحو: ادخلوا الأول فالأول، الأول حال ودخلت عليه أل فهو معرفة، فتؤوله بنكرة الأول فالأول أي مترتبين. والحاصل أن القاعدة أن الحال نكرةٌ، فإذا جاء معرفة وجب تأويله بنكرة، ولذلك قال ابن مالك: والحال إن عُرِّف لفظاً لأنه في المعنى واجبُ التأويل، فاعتقد تنكيره معنى. [وَفَضْلَةً يَجِيءُ بِاتِّضَاحِ] وفضلةًً حال من فاعل يجيء متقدمة على عاملها أي ويجيء الحال فضلةً، والفضلة ما يقع بعد تمام الجملة. والمراد بتمام الجملة بعد استيفاء جزئي الجملة، وليست الحال أحد جزئي الجملة يعني ليست مسنداً ولا مسنداً إليه، وليس

стр. 539

المراد أنه لا يتقدم على الجملة، بل قد يتقدم، نحو: راكباً جاء زيدٌ. وكما قال ابن مالك: وحدك اجتهد. وكقول الناظم هنا وفضلة يجيء، فقُدِّم الحال على العامل. فحينئذٍ نقول: يجوز في بعض المواضع تقديم الحال على العامل، وإنما المراد أن الحال تأتي بعد تمام الجملة يعني بعد جزئيها. وقوله: [بِاتِّضَاحِ] جار ومجرور متعلق بالفعل يجيء أي الحال باتضاح أي أمر واضح وبيِّن في لغة العرب. وَلاَ يَكُونُ غَالِبًا ذُو الحَالِ ... إِلاَّ مُعَرَّفًا فِي الاسْتِعْمَالِ عندنا ثلاثة أشياء: عامل الحال، وصاحب الحال، والحال. عامل الحال: هو الذي يُؤَثِّر الرفع أو النصب أو الخفض في صاحب الحال، والنصب في الحال، فالعامل في صاحب الحال هو العامل في الحال. وصاحب الحال هو مَنْ كانت الحال وصفاً له في المعنى، ولذلك يقول الأصوليون: الحال وصفٌ لصاحبها قَيدٌ لعاملها، ومن هذه الحيثية جعلها الأصوليون من المخصصات المتصلة. قال تعالى: (وَمَنْيَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا (٩٣)) [النساء:٩٣] متعمداً حال، وصفٌ لصاحبها وهو فاعل يقتل وهو الضمير المستتر، قيدٌ لعاملها وهو الفعل المضارع يقتل فقيدته الحال لأن القتل قد يقع على جهة العمد، ويقع على جهة الخطأ، وقد يقع على جهة شبه العمد، والحكم هنا مُقيَّد بكونه عامدًا. إذًا وصفٌ لصاحبها بأن يكون القاتل متعمدا، قيدٌ لعاملها بنوع من أنواع القتل وهو العمد.

стр. 540

فصاحب الحال: هو من تكون الحال وصفاً له في المعنى، نحو: جاء زيدٌ راكباً فراكباً حال وهو وصفٌ في المعنى لزيدٌ الفاعل. وضربتُ زيداً مكتوفاًً، فمكتوفاًً حال وهو وصف في المعنى لزيدًا المفعول. الحال شرطها التنكير، وصاحب الحال شرطه التعريف، هذا هو الأصل. أو أن يكون نكرة بمسوغٍ، لأنه في المعنى محكومٌ عليه. وإذا كان كذلك حينئذٍ صار حكمه حكم المبتدأ، والمبتدأ شرطه التعريف، ولا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تُفِدْ. فحينئذٍ يتعينُ في المبتدأ أن يكون معرفة أو نكرة أفادت بمخصصٍ. ولذلك صاحب الحال له أربعة أحوال: الأول: التعريف: أن يكون صاحب الحال معرفة، نحو: جاء زيدٌ راكباً، فراكباً حالٌ وصاحبه زيد. قال تعالى: ((خُشَّعًاأَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ (٧))) [القمر:٧] خشًّعاً حال، وهي وصف، جمع خاشعٍ إذًا يكون وصفًا ولو جمعًا. ولذلك نقول: لقيت زيداً راكبَين، فراكبَين حال مثنى لأنه تثنية راكب، فلم يخرج بكونه مثنى عن كونه وصفاً، كذلك لو جُمع اسمُ الفاعل لا يخرج بجمعه عن كونه وصفاً، إذاً خشعاً حالٌ، وصاحب الحال الواو في يخرجون وهي فاعل، أي يخرجون خشعاً أي حالة كونهم خاشعين. الثاني: التخصيص: وهذا قد يكون بإضافةٍ أو بصفةٍ، نحو: (في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً للسائلين) [فصلت:١٠] فسواءً

стр. 541

حال، وصاحب الحال هو لفظ أربعة، وهو نكرة، لكنها أفادت بإضافته إلى نكرة، والنكرة إذا أضيفت إلى نكرة اكتسبت التخصيص وهو تقليل الاشتراك. لأن الإضافة قد تفيد تخصيصاً وقد تفيدُ تعريفاً، والتعريف هو رفع الاشتراك بالكلية. في أربعة أيامٍٍ فأربعة خُصِّص بقوله أيام، لأنها مبهمة في الأصل هل هي أربعة دنانير أو أربعة بيوت؟ يحتمل هذا وغيره، فلما قال: أربعة أيام حصل نوع تخصيص. وإن كانت هذه الأيام غير معيَّنة. وتقول: جاء رجلٌ طويلٌ مغضباً، مغضباً حال وصاحبها رجل، وهو نكرة، وصَحَّ مجيء الحال من النكرة لكونها موصوفة، فإذا وُصفت حصل التخصيص وهو تقليل الاشتراك، رجلٌ طويل خرج بالوصف جميع القصار لكن من هو الطويل؟ فهذا هو الذي وقع فيه الاشتراك. فتقليل الاشتراك باعتبار القصير، وبقي نوع اشتراك في نوعية الصفات. رجلٌ كريمٌ عندنا مقيماً، فرجلٌ مبتدأ، وكريمُ صفته، وعندنا ظرف متعلِّق بمحذوف خبر، ومقيماً حال، وصاحب الحال رجل، وهو نكرة، وهذا على مذهب سيبويه من صحة مجيء الحال من المبتدأ والجمهور على المنع. الثالث: التعميم أي الذي يُسوِّغ مجيء صاحب الحال نكرة التعميم، نحو: هل فتىً فيكم واقفاً؟ فواقفاً حال وصاحب الحال فتىً، وهو نكرة، لكن نكرة في سياق الاستفهام فَتَعُمُّ، وإذا عَمَّتْ

стр. 542

صارت من جهة المعنى معرفة. قال تعالى: ((وَمَاأَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨))) [الشعراء:٢٠٨] فما نافية، وأهلكنا فعل وفاعل، ومن حرف جر زائد، وقرية مفعول به، وإلا أداة استثناء ملغاة، ولها خبرٌ مقدم، ومنذرون مبتدأ مؤخر. والجملة من المبتدا والخبر في محل نصب حال، وصاحب الحال قرية، والذي سوَّغ مجيء الحال منها وهي نكرة كونها عامةً، لأنها نكرة في سياق النفي ودخلت عليها من الاستغراقية فهي نص في العموم. الرابع: التأخير عن الحال، نحو: فيها قائماً رجلٌ، هنا أُخِّر صاحب الحال عن الحال، فرجلٌ مبتدأ، وفيها خبر مقدَّم وقائماً حال، فصاحب الحال نكرة تقدمت عليه الحال، وهذا التقديم هو الذي سوَّغ مجيء الحال من النكرة. قال الشاعر: لِمَيةَ مُوحِشًا طَلَلُ ... يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ طلل مبتدأ مؤخر، وموحشاً حالٌ من طلل وهو نكرة، والذي سوَّغَ مجيء الحال منه كونُه مؤخراً. [وَلاَ يَكُونُ غَالِبًا ذُو الحَالِ] أي صاحب الحال وهو مَن الحال وصفٌ له في المعنى [إِلاَّ مُعَرَّفًا] أي معرفة أو نكرةً معها مُسوغ، لأنه محكوم عليه فلا يكون نكرة إلا بمسوغ كما أن المبتدأ محكوم عليه فلا يكون نكرة إلا بمسوغ، لذلك قال غالباً لإدخال النكرة التي وُجد معها مسوغ. فاحترز بقوله: غالباً من بعض النكرات التي يوجد معها مسوِّغ فحينئذٍ يصح مجيء الحال منها، [فِي الاسْتِعْمَالِ] والاستعمال المراد به إطلاق اللفظ وإرادة المعنى.

стр. 543

بَابُ التَّمْيِيزِ أي هذا باب بيان حقيقة التمييز، والتمييز والحال يتفقان في أشياء ويختلفان. والتمييز تفعيل ميَّز يُميِّز تمييزاً، فهو مصدر، والتمييز معنى من المعاني وحكمه النصب -كما سيأتي- وهل الحكم ينصب على المعاني أو على الألفاظ؟ نقول: على الألفاظ لا على المعاني، فحينئذٍ إذا جاء التعبير بالمصدر لا بُدَّ من التأويل، فنقول: أطلق المصدر وأراد اسم الفاعل أي المميِّز. إذًا باب التمييز ليس المراد بالتمييز عينه، لأن التمييز هذا مصدر وهو معنى من المعاني، والمعاني لا توصف بكونها منصوبة أو مرفوعة أو مخفوضة فلا بُدَّ من التأويل. فنقول هنا أَطلق المصدر وأراد به اسم الفاعل أي الكلمة المميزة. التمييز في اللغة الانفصال ومنه قوله: (وامتازوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)) [يس:٥٩] أي انفصلوا. ويقال فيه: تمييز ومميِّز وتفسير ومفسِّرٌ وتبيين ومبيِّن هذه كلُّها أسماء لمسمى واحد، ولذلك تجد بعض المفسرين يقول: هذا تبيين أو تفسير هكذا في إعراب القرآن وهذه عبارات الكوفيين، فإذا لم يعرف الطالب المصطلحات هذه فقد يُشكل عليه بعض المسائل، فالكوفيون لا يطلقون لفظ التمييز وإنما يعبرون عنه بتفسير وتبيين.

стр. 544

اِسْمٌ مُبَيِّنٌ لِمَا قَدِ انْبَهَمْ ... مِنَ الذَّوَاتِ بِاسْمِ تَمْييزٍ وُسِمْ [اِسْمٌ] خرج به الفعل والحرف، فالفعل لا يكون تمييزاً، والحرف لا يكون تمييزاً، وإنما التمييز محصور في الأسماء؛ كما أن الحال لا تكون إلاَّ اسماً، وإذا جاءت جملة فعلية أو اسمية، أُوِّلت بالاسم وعليه تقول: الحال تكون اسماً صريحاً واسماً مؤولاً بالصريح بخلاف التمييز فلا يكون إلاَّ اسماً صريحاً. [مُبَيِّنٌ] أي مفسرٌ، وفي بعض النسخ مفسر. الحال والتمييز كلٌّ منهما اسمٌ، ومُبيِّن، ورافعٌ للإبهام، هذه الثلاثة الأشياء التي ذكرها في الشطر الأول مما يشترك فيه الحال والتمييز. فالحال لا يكون إلاَّ اسماً سواء كان صريحا أو مؤولاً بالصريح، ومُبين وكاشف ورافعٌ للإبهام كما أن التمييز رافعٌ للإبهام كما قال: [لِمَا قَدِ انْبَهَمْ] أي خَفي واستتر من الذوات، وهنا خالف التمييز الحال. اشتركا في أن كلاًّ منهما كاشف ورافعٌ للإبهام؛ إلاَّ أن الحال يكشف ويفسِّر إبهام الصفة مع العلم بالذات، والتمييز يكشف ويميز ويفسر إبهام الذات، فعَينُ الذاتِ تكون مجهولة، لو قال قائل: عندي عشرون .. وسكت، فالعشرون هذه تَصدُق على أيِّ شيءٍ كان، ولا تدري ما هو؟ ففيه إبهام لأن عين العشرين مجهولة، فإذا قال عندي عشرون قلماً، فقلماً تمييز كشف حقيقة هذه العشرين، فحينئذٍ رُفِعَ الإبهام عن الذات، بخلاف الحال فالذات معلومة يقول: جاء زيدٌ يُصرَّح باسمِهِ زيدٌ وهذا علم من المعارف فهو معرفة، حينئذٍ عينه معلومة لكن صفته التي جاء بها هي التي فيها إبهام. أما لو قال: عندي منوان، منوان ماذا؟ يحتمل

стр. 545

عسلاً وغيره أشياء كثيرة مما توزن فإذا قال: عندي منوان عسلاً، فعسلاً تمييز رفع الإبهام لأن عينَ ما كُشف عنه مبهَم. [مِنَ الذَّوَاتِ] خرج به الحال لأنه يرفع الإبهام ولكن لا عن ذاتٍ وإنما يرفعه عن هيئة الذات. والذوات سواء كان ذوات العقلاء أو غيرهم. [بِاسْمِ تَمْييزٍ وُسِمْ] أي وُسِم باسمِ تمييزٍ، باسم جار ومجرور متعلِّق بقوله وُسِمْ، لأنه مأخوذٌ من الوسْم وهو العلامة، وعند الكوفيين أن الاسم اشتُق من السِّمَة وهي العلامة لأنه جُعِل علامة على مسماه. والأصح أنه مشتق من السمو وهو العلو، وأصله سِمْو أو سُمْو فِعْلٌ أو فُعْل، ووزن اسم على مذهب البصريين افعٌ، وعلى مذهب الكوفيين اِعلٌ، لأن المحذوف هو لام الكلمة عند البصريين، والمحذوف عند الكوفيين هو فاء الكلمة. [بِاسْمِ تَمْييزٍ وُسِمْ] أي عُلِّمَ هذا الاسم المبيِّن لما قد انبهم من الذوات بكونه تمييزاً. وعرفه ابن هشام بقوله: اسم فضلةٌ نكرةٌ جامدٌ مفسِّرٌ لما انبهم من الذوات. هنا اشتراك وافتراق مع الحال في هذا الحد، فقوله: اسم فضلة نكرة والحال أيضا اسمٌ فضلةٌ نكرةٌ، هذه ثلاثة أشياء اشترك فيها الحال والتمييز، ويزاد عليها كونهما منصوبين، وكونهما رافعَين للإبهام أي مطلق الإبهام فهذه خمسة. فحينئذٍ نقول الحال والتمييز يشتركان في أنَّ كُلا منهما اسمٌ، وكلا منهما فضلة يأتي بعد تمام الجملة ليس بعمدة، وكلا منهما نكرة، وإذا جاء كل منهما معرفة وجب تأويله بنكرة، والحال لا يكون إلاَّ منصوباً، والتمييز في الجملة يكون منصوباً ليس مطلقاً وإنما في الجملة، كلٌّ منهما

стр. 546

رافعٌ للإبهام أي مطلق الإبهام بقطع النظر عن متعلق الإبهام. وافترقا في أن الحال يكون مشتقاً كما سبق، والتمييز لا يكون إلا جامداً. إذاً لا يمكن أن يلتبس على الطالب الحال بالتمييز إذا كان يعرف الاشتقاق؛ لأن التمييز لا يكون إلاَّ جامداً والحال لا يكون إلاَّ مشتقاً. وإذا جاء الحال جامداً وجب تأويله بمشتق، وقوله: مفسرٌ لما انبهم من الذوات هذا بيان متعلَّق رفع الإبهام، ففي الحال الهيئة والصفة, وفي التمييز الذات. إذًا افترقا في شيئين: الحال يكون مشتقاً وهذا الأصل فيه، والتمييز يكون جامداً وهذا الأصل فيه، والحال يكون رافعاً للإبهام هيئة وصفة، والتمييز يكون رافعاً للذات عينها. فَانْصِبْ وَقُلْ قَدْ طَابَ زَيدٌ نَفْسًا ... وَلِي عَلَيْهِ ... أَرْبَعُونَ ... فَلْسًا وَخَالِدٌ أَكْرَمُ مِنْ عَمْرٍو أَبَا ... وَكَونُهُ نَكِرَةً قَدْ وَجَبَا قوله: [فَانْصِبْ] الفاء فاء الفصيحة لأنه إذا علمت حقيقة التمييز وأردت معرفة حكمه فانصبه، أي انصب التمييز، وانصب هذا يتعدى إلى مفعول، وحُذف للعلم به، كما قال ابن مالك: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ ... ..................... إذًا التمييز لا يكون مرفوعاً قطعاً كالحال. وهل يكون التمييز مجروراً؟ نقول: نعم في بعض الأحوال يكون التمييز مجرورًا كتمييز المائة والألف. تقول: عندي مائة ريالٍ، ريالٍ هذا تمييز وهو

стр. 547

مجرور. لكن الأصل فيه والغالب أن يكون منصوباً. التمييز على ما سيذكره المصنف نوعان: - الأول: تمييز المفرد أي كلمة واحدة، وهو ما رفع إبهام اسمٍ قبله مُجْمَل الحقيقة. والثاني: تمييز النسبة، وهو المُفسِّر لِمَا انبهم من النسب، أي ما رفع إبهام نسبة في جملة ويسمَّى تمييز جملة، أي لجملة فعلية أو اسمية. والنسبة المراد بها ارتباط الفعل بالفاعل، وارتباط المبتدأ بالخبر التي تسمى الفائدة الكلامية. تمييز المفرد له مظانٌّ، يعني متى تحكم عليه بأنه تمييز مفرد؟ نقول: الأصل أنه يُنظر فيه فإن كان كاشفاً لمفرد أي لإبهام ذاتٍ مفردةٍ حينئذٍ نحكم عليه أنه تمييز مفرد، وإن كان كاشفاً ورافعاً لإبهام جملةٍ فحينئذٍ نحكم عليه بأنه تمييز نسبة. وبالاستقراء أن تمييز المفرد له مظان: منها أنه يقع بعد المقادير، وهي عبارة عن المساحات، نحو: عندي جريبٌ نخلا، والجريب هذا مقياس للأراضي ونحوها. وجريبٌ مبتدأ مؤخر، وعندي خبر مقدم، وجريب مبهم من حيث الذات جريبٌ من ماذا؟ عنبا، تفاحا، يحتمل ذا وذاك وغيرهما فإذا قال: نخلاً، نقول: نخلاً هذا تمييزُ مفردٍ -كلمة واحدة- لأنه كشف عن حقيقة ذات الجريب فقط.

стр. 548

كذلك يقع بعد الكيل، نحو: عندي صاعٌ، صاع من ماذا؟ هذا يحتمل الحنطة، والتمر، والذرة وغيرها، فكل ما يكال بالصاع فهو داخل في حقيقة الصاع المجهولة احتمالا. فإذا قال: عندي صاع تمراً، فتمراً هذا تمييزٌ مفسِّرٌ للمفرد لأنه وقع بعد مكيل. كذلك بعد الوزن، نحو: عندي منوان، والمنوان تثنية مَنا مما يقاس به كالكيلو ونحوه، فإذا قال: عندي منوان عسلا، فعسلا هذا كاشف ومفسر لذات المنوين. كذلك كل ما يقع بعد الأعداد من أحد عشر إلى تسعةٍ وتسعين فهو تمييز منصوب. وهذا حكم الأعداد من الأحد عشر إلى التسعة والتسعين، قال تعالى: (إِنِّيرَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ (٤)) [يوسف:٤] هذا مبهم، ولا يمكن أن يفهم المراد إني رأيت أحد عشر، فالمعدود بأحد عشر مبهم ذاته مبهمة، فلما قال كوكباً عرفنا المراد. ومثله ((إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتسعون نعجة) [ص:٢٣]. وأما تمييز النسبة فهو نوعان: الأول: مُحَوَّلٌ، والثاني: غيرُ مُحَوَّلٌ. والمحول قد يكون محولاً عن فاعل، وقد يكون محولا عن مفعول به، وقد يكون محولا عن مبتدأ. مثال المحول عن الفاعل: قوله تعالى: ((وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ((٤))) [مريم:٤] فشيباً كاشف ومفسر للجملة كلها، اشتعل الرأس ماذا نارا أو قملاً يحتمل. لكن لما قال: اشتعل الرأس شيباً عرفنا أن الاشتعال هنا المراد به المجاز. وليس المراد الاشتعال الحسي. ونقول: شيباً محول عن فاعل، فأصل التركيب

стр. 549

اشتعل شيبُ الرأس، فشيباً التمييز كان فاعلاً، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه فارتفع ارتفاعه يعني صار فاعلاً، فالمضاف إليه الرأس صار فاعلاً فقيل: اشتعل الرأس، فحصل الإبهام في النسبة فجيء بالمضاف المحذوف فانتصب على أنه تمييز فقيل: اشتعل الرأس شيباً. [وَقُلْ قَدْ طَابَ زَيدٌ نَفْسًا] أصل التركيب طابتْ نفسُ زيد، فحذف المضاف الذي هو نفس وأقيم المضاف إليه وهو زيد مُقامه فارتفع ارتفاعه، فصار فاعلا فقيل: طابَ زيدٌ فحصل الإبهام في النسبة لأنه يحتمل عدة أشياء، فجيء بالمضاف المحذوف فانتصب على أنه تمييز فقيل: طابَ زيدٌ نفسًا، فزال الإبهام. أما في المفعول به، فنحو قوله تعالى: ((وَفَجَّرْنَاالْأَرْضَ عُيُونًا (١٢))) [القمر:١٢] فعيوناً تمييز، وأصله مفعول به. فأصل التركيب وفجرنا عيونَ الأرض، فحُذف المفعول به عيون وأُقيم المضاف إليه مُقامه فانتصب انتصابه فصار مفعولاً به، فقيل: وفجرنا الأرضَ، فحصل الإبهام في النسبة للاحتمال الوارد، فجيء بالمضاف المحذوف فانتصب على أنه تمييز فقيل: وفجرنا الأرض عيونًا، فجاء بالتمييز رافعاً وكاشفاً للإبهام. والمحوَّل عن المبتدأ كقوله تعالى: (أنا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا (٣٤))) [الكهف:٣٤] فمالاً تمييز، وأصله مبتدأ، أصل التركيب مالي أكثر منك، فحذف المضاف مال, وأقيم المضاف إليه مُقامه فارتفع ارتفاعه،

стр. 550

والمضاف إليه أصله الياء، وهي لا تكون في محل رفع فجيء بضميرٍ يكون في محل رفع وهو أنا، فقيل: أنا أكثر منك، فحصل إبهام لأن قوله: أكثر منك .. يحتمل دراهمَ أو أولادًا أو زوجاتٍ، فقال: أنا أكثر منك مالا، فالتمييز مالا حصل به رفع إبهام نسبة. وهذا ضابطه أن يكون واقعاً بعد جملة فعلية أو اسمية. ثم إذا نظرت فيه فليس في اللفظ ما يحتاج إلى كشف ذاته، فمثلا اشتعل الرأس، فالاشتعال معلوم، والرأس معروف، ليس هو كالجريب، والمنوين مجهول الذات، وإنما هو كشفٌ لنسبة. النوع الثاني: ما ليس محوَّلا. وهذا ليس مقيساً، وإنما هو نادر، وموقوف على السماع. سُمِع قولهم: امتلأ الإناء ماءً، فماء منصوب على التمييز، وليس هو محوَّلا عن فاعل، ولا محوَّلا عن مفعول، ولا محوَّلا عن مبتدأ، إذًا هو سماعي. والحاصل: أن التمييز نوعان: تمييز مفسر لمفرد وهذا بالاستقراء أكثر ما يقع بعد المقادير والعدد، والمقادير بأنواعها الثلاث، المساحات، والمكيلات، والموزونات، والأعداد تأخذ حكمها. وتمييز النسبة وهذا إما أن يكون محولاً أولا. فالأول: المحول إما عن فاعل أو مفعول أو مبتدأ. وغير المحوَّل سماعي يحفظ ولا يقاس عليه.

стр. 551

[وَلِي عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ فَلْسًا] فلساً تمييز، وأربعون مبتدأ، خبره عليه أو الجار والمجرور لي، يحتمل هذا أو ذاك. فالجملة لي عليه أربعون، أربعون هذا فيه إبهام، فالذات نفسها مبهمة، المعدود بالأربعين ما هو؟ أربعون كأساً؟ أربعون بيتاً؟ قال: فلساً، إذًا فلساً منصوب على أنه تمييز وميز الأربعين، حينئذ يكون مثالا لتمييز المفرد. والمثال الأول لتمييز النسبة، وقَدَّم النسبة على المفرد، والعكس هو الأولى؛ لأنَّ الأصل هو المفرد، وهو الأكثر أيضًا. [وَخَالِدٌ أَكْرَمُ مِنْ عَمْرٍو أَبَا] هذا مثالٌ للمحوَّل عن المبتدأ، وأصل التركيب أبو خالدٍ أكرمُ من عمرو، فحُذف المضاف وهو أبو وأُقيم المضاف إليه وهو خالد مُقامه فارتفع ارتفاعه، وصار مبتدأ، خالد أكرم من عمرو، في ماذا؟ قال: أباً فجيء بالمحذوف الذي حُذف وهو المبتدأ فانتصب على التمييز رفعاً للنسبة. [وَكَونُهُ نَكِرَةً قَدْ وَجَبَا] المراد أن التمييز لا يكون إلا نكرة على مذهب البصريين، وأما الكوفيون فيُجوِّزُون كونَ التمييز معرفة. واستدلوا بقول الشاعر: رَأَيْتُكَ لَمَّا أَنْ عَرَفْتَ وُجُوهَنَا ... صَدَدْتَ وَطِبْتَ النَّفْسَ يَا قَيْسُ عَنْ عَمْرٍو فالنفس باتفاق الفريقين أن إعرابه تمييز، وهو معرَّف بأل، فالكوفيون لهذا الشاهد جوَّزوا أن يكون التمييز معرفة، والأصل عند البصريين أنه لا يكون إلا نكرة، فالبصريون على قواعدهم أن الشيء المطرد والغالب هو القاعدة، وما عداه مما خالفها يؤول،

стр. 552

فقالوا: أل هذه زائدة. وعند الكوفيين أل أصلية، وعليه يجوز أن يكون التمييز معرفة. والأصح مذهب البصريين وهو كونه نكرةً للعلة التي ذكرناها في الحال، لأن الغرض إذا أُدِّيَ بالنكرة فلا يزاد عليه. كذلك التمييز كشفُ الذات والنسبة حصل بالنكرة، فحينئذٍ إذا قيل: طاب زيدٌ نفساً، نقول: المعنى تم وانكشاف الإبهام قد حصل بالنكرة فلا يزاد عليه، فلو زِيد عليه بشيء يدل على التعريف كأل مثلاً نقول: هذا حشو، وهو عيب ونقص في الكلام. [وَكَونُهُ نَكِرَةً قَدْ وَجَبَا] الألف للإطلاق، والوجوب هنا مقيَّدٌ أي عند البصريين.

стр. 553

بَابُ الاِسْتِثْنَاءِ أي من المنصوبات المستثنى، ولكن ليس مطلقا، ليس كل مستثنىً يكون منصوبا، وإنما المستثنى يُنصب في بعض أحواله، إما وجوبًا وإما جوازًا، وقد يكون المستثنى مخفوضاً. والاستثناء استفعال من الثني، والسين والتاء زائدتان، وهو مصدر، كاستغفر يستغفر استغفاراً، واستثنى يَستثني استثناءًا، واستخرج يستخرج استخراجا، وإذا أُطلق المصدر هنا في مثل هذا الموضع فالمراد به اللفظ، ولا يمكن حمله على الاستثناء الذي هو المعنى المصدري لأنه معنىً من المعاني، والمعنى لا يُنصب، فالذي يرفع هو المبتدأ وليس الابتداء، والذي يُنصب هو المميِّز وليس التمييز، والذي يُنصب هو المستثنى وليس الاستثناء، لأن الاستثناء معنى من المعاني، والمعاني هذه غير قابلة للحركة. إذاً الاستثناء مصدر لكنه من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، لأن عندنا استثناءًا، ومستثنِي، ومستثنَى. فالاستثناء: هو الإخراج على المشهور، وفيه نظركما سيأتي، والمستثنِي: هو فاعلُ الاستثناءِ، فالمتكلم هو الفاعل، والمستثنَى هو الواقع بعد إلا ونحوها من أدوات الاستثناء، إذاً المراد بالاستثناء هنا المستثنَى لأن الكلام في المنصوبات، والمنصوب هو المستثنى لا الاستثناء. قلنا: الاستثناء في اللغة مأخوذ من الثني، وهو العطف من قوله: ثنيتُ

стр. 554

الحبلَ أثنيه إذا عطفت بعضه على بعض. وقيل: إنَّ الثني هو الصرف يقال: ثنيته عن الشئ إذا صرفته عنه. وإن كان المشهور عند كثير من النحاة والأصوليين أن الاستثناء معناه لغة الإخراج، وهذا فيه نظر، بل الاستثناء لغة مأخوذ من الثني، وهو العطف من قولك: ثنيتُ الحبلَ أثنيه إذا عطفت بعضه على بعض، وقيل: إن الثني المراد به هنا الصرف، تقول: ثنيت زيداً عن كذا إذا صرفته عنه. وإن كان المشهور أنَّ معناه في اللغة هو الإخراج. وأما في الاصطلاح فحدَّه كثير من النحاة وتبعهم كثير من الأصوليين بأنه الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها ما لولاه لدخل في الكلام السابق. قوله: إخراجٌ بإلاَّ أو إحدى أخواتها، يعني أن الاستثناء له أدوات، وباستقراء كلام العرب له أدوات ثمانية يأتي ذكرها، وهذه الأدوات فائدتها ما لولاه أي لولا هذا الاستثناء ولولا هذه الأداة لدخل ما بعد إلاَّ فيما قبلها، فإذا قيل: قام القوم إلا زيداً، فقام فعل ماض، والقوم فاعل، وإلاَّ حرف استثناء، وزيداً مستثنى، لولا الاستثناء بإلا أي لولا مجيء إلا في هذا التركيب لدخل زيد في القوم، فلو حُذِفَتْ إلا، لكان حُكْمُ زيدٍ أنه داخل في القوم وثبت له القيام، فأُخرِجَ زيدٌ من المستثنى منه وهو القوم بإلا، فقيل: إلا زيداً، لولا إلا لدخل ما بعد إلا فيما قبلها، هذا حقيقة الاستثناء عند كثير من الأصوليين. والأصح أن يقال: الاستثناء قولٌ مُتَّصِلٌ يدُّلُ بإلا أو إحدى أخواتها على أنَّ المذكور معه غيرُ مرادٍ بالقول الأول. وهذا فيه فرار من القول بأنَّ الاستثناء لا بُدَّ وأن يكون فيه إخراج، لأننا لو قلنا بالإخراج لوقع نوعُ

стр. 555

تناقضٍ في الجملة، فإذا قيل: قام القوم إلا زيداً، على القول بالإخراج معناه أن زيداً حُكِمَ عليه أوَّلا بالقيام ثم بعد ذلك أُخرج فَحُكِم عليه بنقيض ما حُكِم على المستثنى منه، وهذا تناقض كأنه قال: قام زيد، زيد لم يقم، وهذا يلزم على القول بأن الاستثناء إخراج من المستثنى منه بإلا، يلزم عليه الحكم على المستثنى أوَّلاً بما حُكم به على المستثنى منه ثم بعد ذلك أُثبت للمستثنى نقيضُ الحكمِ الأوَّل، لأنَّ الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، فإذا قلت: قام القوم إلا زيدا، حكمت على زيد بنفي القيام عنه، وهو نقيض القيام المحكوم به على المستثنى منه، فحكمت أولاً بالقيام ثم حكمت بعد ذلك بنفي القيام، فإذا قيل: زيد داخل فيما سبق وهو المستثنى منه، حينئذٍ حكمت على زيد أوَّلا بالقيام ثم بعد ذلك حكمت بإخراجه من الحكم السابق وإثبات نقيضه له، وهذا تناقض، ولذلك ذهب بعض الأصوليين وبعضٌ من أهل اللغة إلى أن تعريف الاستثناء بالإخراج تعريف باطل، وقد نصَّ ابن القيم ﵀ في البدائع على هذا فقال: مذهب سيبويه والمحققين من البصريين أن المستثنَى مُخْرَجٌ من المستثنى منه وحكمِه، يعني لم يدخل أصلاً في المستثنى منه، وهذا هو الصحيح عند سيبويه وجمهور البصريين، وإن شاع عند كثير من المتأخرين تعريف الاستثناء بأنه إخراج. وحينئذٍ المراد بقولهم: قول متصل الاستثناء بإلا، يدل هذا الاستثناء على أن المذكور معه - الذي هو المستثنى ما بعد إلا - غيرُ مرادٍ بالقول الأول، فإذا قيل: قام القوم إلا زيداً، نقول: إلا زيداً

стр. 556

هذا قرينة صارفة عن إرادة زيد بالحكم الأول وليس هو داخلاً حتى يحتاج إلى إخراج. والفرق بين القولين: أن قولك: قام القوم إلا زيداً، زيداً دَخَلَ أوَّلاً ثم أخرجتَه، وهذا تناقضٌ، وبين أن تقول: إلا زيداً قرينة صارفة عن إرادة زيد بالقول الأول، إذاً لم يدخل أصلاً، فحينئذٍ لم يُنزَّل عليه الحكم. ولذلك ألزم ابن القيم ﵀ وغيره من الأصوليين أنَّ من قال بأن الاستثناء إخراج بقوله: لا إله إلا الله، إلزاماً لا محيص عنه، لو قيل: المستثنى وهو لفظ الجلالة دخل أوَّلاً في المستثنى منه، ثم أُخرج حينئذٍ قد نفيت الألوهية عن الله ، فلم تكن هذه الكلمة كلمة التوحيد! فصار تناقضٌ ينفيها بلا إله ثم يُثبت الألوهية لله . فإذا قيل: المستثنى الذي هو بعد إلا (الله) كان داخلاً في المستثنى منه وحكمِه حينئذٍ نُفيت عنه الألوهية وهذا كفر، ثم إلا الله هذا إثبات فكيف يجتمعان؟! الاستثناء له أدوات، ولا نقول: حروف الاستثناء، لأن منها ما هو اسم، ومنها ما هو حرف، ومنها ما هو فعل، فالأداة تعم وليست خاصة بالحروف، وأدوات الاستثناء بمعنى الأدوات الدالة على الاستثناء.

стр. 557

إِلاَّ وَغَيرُ وَسِوَى سُوَىً سَوَا ... خَلاَ عَدَا وَحَاشَا الاِسْتِثْنَا حَوَى أي الاستثناء حوى إلا وغير وسوى وخلا وعدا وحاشا، هذه ستة ذكرها الناظم، وبقي عليه اثنان وهما ليس ولا يكون. هذه الأدوات الدالة على الاستثناء من حيث الحرفية والاسمية والفعلية على أربعة أقسام: الأول: حرفان وهما إلاَّ عند الجميع، وحاشا عند سيبويه. الثاني: فِعْلانِ وهما ليس على الأرجح، ولا يكون باتِّفاق. الثالث: مُترددان بين الحرفية والفعلية يعني تارةً يكون حرفا، وتارة يكون فعلاً، وهي ثلاثة خلا عند الجميع، وعدا عند غير سيبويه، وحاشا عند سيبويهِ حرفٌ، وعند غيره مترددة بين الحرفية والفعلية. الرابع: اسمان وهما غير وسوى بلغاتها. [إِلاَّ وَغَيرُ وَسِوَى] و [سُوَىً] و [سَوَا] ء هذه ثلاث لغات، سِوى كرِضَا بكسر السين، وهذه اللغة الفصحى، ولذا بدأ بها، ثم سُوى كهُدَى، ثم سَواء بالمد وفتح السين كسَمَاء ثم سِواء بالمد وكسر السين كبِناء، هذه أربع لغات لسِوَى. [خَلاَ عَدَا] أي وخلا وعدا، على إسقاط حرف العطف، [وَحَاشَا] ويقال فيها حَاشَ بحذف الألف الأخيرة مع فتح الشين، وحَشَا بحذف الألف الأولى، وحاشْ بحذف الألف الثانية مع إسكان الشين، ففيها أربع لغات.

стр. 558

[الاِسْتِثْنَا حَوَى] حوى على الشيء واستولى عليه، يعني الاستثناء حوى وجَمَع هذه الأدوات، والمراد به مطلق الاستثناء لأن هذه لا تجتمع في تركيب واحد، وإنما الاستثناء لا بد أن يكون جامعاً لهذه الأدوات بمجموعها لا جميعها. إِذَا الكَلاَمُ تَمَّ وَهْوَ مُوجَبُ ... فَمَا أَتَى مِنْ بَعْدِ إِلاَّ يُنْصَبُ بدأ بالاستثناء بإلا، ولذلك قدمها الناظم عند ذكر الأدوات، لأن إلاَّ أمُّ الباب يَثبُت لها من الأحوال ما لا يثبت لغيرها، فغير وسوى المستثنى بها يكون مجروراً، وليس ولا يكون الأصل فيها أنها من النواسخ، والاستثناء بها من جهة المعنى، ولذلك لا يُعرَب لفظاً أنه مستثنى، بخلاف إلا فإنها لا تكون إلا حرف استثناء، وقد تأتي بمعنى غير لكنه على قلة كقوله تعالى: (لَوْكَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (٢٢)) [الأنبياء:٢٢] فإلا هنا بمعنى غير أي غيرُ اللهِ لفسدتا لكنَّ الفساد مُنتفٍ فانتفى تعدد الآلهة. والمستثنى بإلاَّ يعني القول المذكور بعد إلاَّ قرينة على أنه غير داخل في المستثنى منه له ثلاث حالات: الحال الأولى: وجوب نصبه أي المستثنى. الحال الثانية: جواز نصبه راجحاً أو مرجوحاً. الحال الثالثة: أن يكون بحسب العوامل الداخلة عليه.

стр. 559

شرع الناظم هنا في بيان الحالة الأولى وهي وجوب النصب، ولذلك يُترجَمُ لها متى يجب نصب المستثنى بإلا؟ حينئذٍ يأتي جواب الناظم: إِذَا الكَلاَمُ تَمَّ وَهْوَ مُوجَبُ ... فَمَا أَتَى مِنْ بَعْدِ إِلاَّ يُنْصَبُ تَقُولُ قَامَ القَومُ إِلاَّ عَمْرَا ... وَقَدْ أَتَانِي النَّاسُ إِلاَّ بَكْرَا يجب نصب المستثنى بإلا إذا الكلام تم، وهو موجب، هذه ثلاثة شروط أن يكون المستثنى بإلا، وأن يكون الكلام تاما، وأن يكون الكلام موجبا، متى ما وجدت هذه الشروط الثلاثة قال: ينصب أي المستثنى وجوباً مطلقاً سواء كان الاستثناء متصلاً أو منقطعاً. [إِذَا الكَلاَمُ] الكلام فاعل لفعل محذوف وجوباً؛ لأنه وقع بعد إذا الشرطية، وإذا لا يليها إلا فعل، وتقديره هنا إذا تَمَّ الكلامُ يفسره الفعل المذكور، فلذلك يُسمَّى مُفسِّرا، حينئذ تقول: [تَمَّ] فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره هو، والجملة من الفعل والفاعل لا محلَّ لها من الإعراب لأنها مفسِّرة. [إِذَا الكَلاَمُ تَمَّ] والمراد بتمام الكلام عند النحاة أن يكون المستثنى منه مذكوراً، نحو: قام القوم إلا زيداً، هذا كلام تام لأن المستثنى منه وهو القوم مذكور في الكلام، لأنه قد يُحذف وقد يُذكر، وذِكْره شرط في وجوب المستثنى بإلاَّ.

стр. 560

[وَهْوَ] أي الكلام [مُوجَبُ] من الإيجاب، والإيجاب والسلب متقابلان، وموجب اسم مفعول مِنْ أُوجِبَ يُوجَبُ فهو مُوجَب، وعندما يقول البيانيون وغيرهم: الإيجاب والسلب فمرادهم بهاتين الصفتين وصف الكلام، لأن الذي يُوصف بالإيجاب أو السلب، هو الجملة مطلقاً لا المبتدأ ولا الخبر ولا الفعل ولا فاعله وإنما مقصودهم بالإيجاب والسلب تسلط النفي على المفهوم من الجملة، والأصل في الجملة الإيجاب بدليل أنه لا يقال بالنفي إلا لدخول حرف أو فعل يدل على النفي، حينئذٍ ما افتقر إلى سببٍ يدل عليه فرعٌ عمَّا لا يفتقر، فالأصل في الجملة الاسمية والفعلية الإيجاب، أنها موجبة مثبتة بدليل أنها لا تحتاج إلى علامة، ومتى نقول الجملة منفية؟ الجواب: لا بُدَّ أن يسبقها ما يدل على النفي كلم أو ما النافية أو ليس وغيره، إذًا افتقرت إلى سبب، وما لا يفتقر إلى سبب أصل لما افتقر إلى سبب، فحكم بأن الأصل في الجملة الإيجاب وهو الإثبات. إذًا قوله: [وَهْوَ مُوجَبُ] احتراز مما لو سبقه نفي أو شبهه كما سيأتي، [فَمَا أَتَى مِنْ بَعْدِ إِلاَّ يُنْصَبُ] الفاء واقعة في جواب الشرط لأنه جملة اسمية، وإذا مضمَّنةٌ معنى الشرط، [فَمَا] ما اسم موصول بمعنى الذي يصدق على المستثنى [أَتَى مِنْ بَعْدِ إِلاَّ] فاعل أتى ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود على ما أي المستثنى، وقيَّده بإلا لأنه إذا كان تاليا لأداة استثناء غير إلا فله حكمٌ آخر، لذلك نجعل هذا شرطا في وجوب نصب المستثنى، أي يكون المستثنى تالياً لحرف الاستثناء وهو إلا، وأن يكون الكلام تامًّا ذُكر فيه المستثنى منه، وأن

стр. 561

يكون موجباً بحيث لم يسبق بنفي ولا شبه النفي [يُنْصَبُ] أي المستثنى، وهو فعل مضارع مغير الصيغة ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازاً يعود إلى ما، فالذي أتى من بعد إلا يُنصب هو المستثنى، [يُنْصَبُ] بمجموع هذه الشروط الثلاثة، ونصبه حينئذٍ يكون واجباً مطلقاً سواء كان الاستثناء متصلاً أو منقطعاً، متصلا كقام القوم إلا زيداً، أو منقطعاً كقام القوم إلا حماراً. والفرق بين الاستثناء المتصل والمنفصل أن المتصل ما كان من جنس المستثنى منه. والمنقطع ما لم يكن من جنس المستثنى منه. فنحو: قام القوم إلا زيداً نحكم على الاستثناء هنا بأنه متصل لأن زيدا من جنس القوم، ونحو: قام القوم إلا حماراً نحكم على الاستثناء بأنه منقطع لأن الحمار ليس من جنس القوم، وهذا من باب التقريب وإلا ففيه بعض النظر. [يُنْصَبُ] والعامل في المستثنى اختلف فيه على ثمانية أقوال، أقواها قولان: الأول: أنَّ العامل إلا فقط، وهذا مذهب ابن مالك ﵀ وهو ظاهر الألفية حيث قال: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ ... ....................... نَسَبَ النصب والاستثناء إلى إلا نفسها، حينئذ تقول: قام القوم إلا زيداً، فقام القوم فعل وفاعل، وإلا حرف استثناء، وزيدا

стр. 562

مستثنى منصوب بإلا ونصبه فتحة ظاهرة على آخره. الثاني: وهو مذهب كثير من النحاة المتأخرين أنه منصوب بالفعل الذي قبله بواسطة إلاَّ، فتقول: قام القوم إلا زيداً، زيداً منصوب على الاستثناء والعامل فيه الفعل المتقدم، حينئذٍ نقول قام القوم قام فعل لازمٌ ولا ينصب مفعولاً به، وهل نقول: الفعل اللازم لا ينصب مطلقاً أو لا ينصب مفعولاً به؟ الجواب: لا ينصب مفعولاً به، ولا يُنفى عنه النصب مطلقاً، بل قد ينصب التمييز والحال والعامل فيهما فعل لازم، والذي معنا هنا أن المستثنى منصوب بالفعل اللازم لكن بواسطة إلا. [فَما أتَى مِن بعْدِ إلاَّ يُنْصَبُ] وجوباً مع جميع هذه الشروط الثلاثة، والناصب له إلاَّ، الحرف وحده عند ابن مالك ﵀، وقيل: الفعل بواسطة إلا. [تَقُولُ قَامَ القَومُ إِلاَّ عَمْرَا] هذا مثال مستوفٍ للشروط الثلاثة، كلامٌ تامٌّ ذُكر فيه المستثنى منه وهو القوم، موجَب لم يتقدمه حرف سلب أو شبهه، والاستثناء واقع بعد إلاَّ، وهو استثناء متصل. [وَقَدْ أَتَانِي النَّاسُ إِلاَّ بَكْرَا] أتاني أتى فعل ماض، والناس فاعل، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وإلا حرف استثناء، وبكراً منصوب على الاستثناء، وحكم النصب هنا واجبٌ لاستيفاء الشروط الثلاثة: كونه تامًّا، كونه موجبًا، كونه مستثنى بإلا، وهذان مثالان للاستثناء المتصل، وهو ما كان المستثنى من جنس المستثنى منه، ومنه قوله تعالى: ((فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ (٢٤٩))) [البقرة:٢٤٩] فشربوا

стр. 563

فعل ماضٍ، والواو فاعل وهو مستثنى منه، وقليلاً منصوب على الاستثناء لكونه مستثنى بإلا، والجملة مثبتة. وقوله: ((فَسَجَدَالْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيْسَ)) [الحجر:٣٠] هذا فيه تفصيل على القول بأن إبليس من الملائكة فهو استثناء متصل، وعلى القول بأنه ليس منهم فهو استثناء منقطع. وَإِنْ بِنَفْيٍ وَتَمَامٍ حُلِّيَا ... فَأَبْدِلَ اوْ بِالنَّصْبِ جِيءْ مُسْتَثْنِيَا كَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ ... الاَّ صَالِحُ ... أَوْ صَالِحًا فَهْوَ ... لِذَيْنِ صَالِحُ الحال الثانية من أحوال المستثنى بإلا: جواز نصبه راجحاً أو مرجوحاً، وأشار إليها بقوله: [فَأَبْدِلَ اوْ بِالنَّصْبِ جِيءْ مُسْتَثْنِيَا] فأو للتخيير بين الإبدال والنصب، لذلك قلنا المستثنى بإلا في هذه الحالة الثانية جائزُ النصبِ سواء كان راجحاً أو مرجوحاً. قال ﵀: [وَإِنْ بِنَفْيٍ] أو نهي أو استفهام، فليس الحكم مختصا بالنفي فقط، [وَتَمَامٍ حُلِّيَا] الألف للإطلاق، والضمير يعود إلى الكلام، يقال: حلَّاها تحليةً ألبسها حَلْياً أي الحُلي أو وصفها ونعتها،، فكأنه جعل الأصل في الكلام الإيجاب ثم كُسي وأُلبس النفي، فدلَّ على أنه ليس موجبًا لأن الأصل الإيجاب، فإذا دخل عليه نفيٌ كأنه كُسي ثوباً أو حلية، [وَتَمَامٍ حُلِّيَا] التمام هو أن يكون الكلام تاماًّ بمعنى أن يُذكر المستثنى منه، إذاً الشرط الأول أن يكون الاستثناء بإلا، والشرط الثاني تمام الكلام، أن يكون المستثنى منه مذكوراً في الكلام، وهذان الشرطان في الحالة الثانية وفي الحالة الأولى أيضاً، والذي تخلَّف هو الإيجاب، وهذا هو الفرق بين المسألتين وجوب

стр. 564

النصب وعدم النصب أنه انتفى عن الحالة الثانية الإيجاب وكُسي النفي أو الاستفهام أو النهي، فحينئذٍ نقول: الكلام غير موجَبٍ هذا هو المراد هنا أن يكون الكلام غيرَ موجب مع بقية الشرطين المذكورين في الحالة الأولى. قال: [فَأَبْدِلَ اوْ بِالنَّصْبِ جِيءْ مُسْتَثْنِيَا] يعني ائتِ بالمستثنى مُبدَلاً مما قبله بدلَ بعضٍ من كل، أو ائت به منصوباً على الاستثناء على الأصل، ولكن النصب على الاستثناء هنا ليس بواجب بل هو جائز، ومع هذه الشروط الثلاثة فليس الحكم منصبا على الاستثناء مطلقا كما هو في الحالة الأولى، بل لابد من تفصيل في حالة الاستثناء، لأننا ذكرنا في الحالة الأولى أنه يجب النصب سواء كان الاستثناء متصلاً أو منفصلاً. وهنا الحكم يختلف، فننظر إلى نوع الاستثناء هل هو متصل أو منقطع؟ حينئذٍ إذا كان الكلام غيرَ موجب فنقول: لا يخلو الاستثناء من إحدى حالتين: الأولى: أن يكون الاستثناء متصلا، فحينئذٍ يجوز في المستثنى وجهان: الوجه الأول: الإتباع، أن يُجعل تابعًا للمستثنى منه، فيُعرب بدلا منه بدلَ بعضٍ من كل عند البصريين، أو عطف نسق عند الكوفيين. الوجه الثاني: النصب على الاستثناء، لكنه جوازاً لا وجوباً، وهو محفوظ، ولكنَّ الأوَّل أجود منه، مثَّل هنا بقوله: [كَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ الاَّ صَالِحُ] لم حرف نفي وجزم وقلب، ويقم فعل مضارع مجزوم بلم

стр. 565

وجزمه سكون آخره، وأحدٌ فاعل وهو المستثنى منه، وهو مذكور، إذاً الكلام تام، وهو غير موجب، وإلا حرف استثناء، فالاستثناء بإلا، وصالح وهو المستثنى يجوز فيه وجهان، لأن الاستثناء هنا متصل، لأنَّ صالحا من جنس المستثنى منه وهو أحدٌ الذي أُثبت له القيام، حينئذٍ نقول: إلا صالحٌ على الإتباع، فيُعرب بدل بعض من كل، لأن أحد كل، وصالح بعض منه، كما قلنا في قوله: (((((((عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ (٩٧))) [آل عمران:٩٧] فالمستطيع بعض من الناس، حينئذٍ نحكم عليه بأنه مستثنى وحكمه الإتباع أُتبع ما قبله على أنه بدل بعض من كل. [أَوْ] أي وإن شئت قل: إلا [صَالِحًا] بالنصب، وهو وجه محفوظ في لغة العرب، ونصبه على الاستثناء على الأصل، وما جاء على الأصل لا يُسأل عنه. والحاصل أن الاستثناء المتصل من كلام منفي فيه وجهان: الإبدال والنصب على الاستثناء، والإتباع أجود من النصب على الاستثناء. [فَهْوَ] أي المستثنى [لِذَيْنِ] أي النصب والإتباع [صَالِحُ] لها، لكن لا على السواء بل الأوَّل مُقدَّم، ولذلك قال: [فَأَبْدِلَ] قدم الإبدال على النصب، وإذا قُدِّم أمرٌ على أمر آخر فالأوَّل أرجحُ من الثاني. الثانية: أن يكون الاستثناء منقطعاً، فأهل الحجاز يوجبون النصب، فيقولون: ما قام القوم إلا حماراً بالنصب وجوباً ولا يجوز
следующие страницы →