Полный текст (263 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ومثله قول الآخر:
وقاتمِ الأعماقِ خاوِي المختَرَقْ
مشتبه الأعلام لَمَّاعِ الخَفَقْ
وإنما هو: الخَفْقُ؛ فحرك لمّا اضطر إلى ذلك.
وكذا قول الآخر:
هاجَكَ من أرْوَى كمُنْهاضِ الفَكَكْ
وإنما هو الفَكُّ، يقال: فكَّهُ يَفُكُّهُ فَكّاً، فحرّك وأظهر التضعيف.
стр. 107
وكذا قول الآخر:
فالحمدُ لله الذي أعْطَى الحَبَرْ
فحرك، وإنما هو مُسَكَّن، وهو السُّرور.
ومثله:
وشَفَّها اللَّوْحُ بمأْزُولٍ ضَيَقْ
يريد: ضَيْقاً، فحرّك.
وكذا قوله:
صَوَادِقَ العَقْبِ مَهَاذِيبَ الوَلَقْ
يريد: الوَلْقَ، وهو: السرعة.
فإذا كان قبلَ الحرف مكسورٌ، واحتاجوا إلى حركته، حَرّكُوه بحركة ما قبله، كما قال الشاعر:
стр. 108
. ... ضَرْباً أليماً بِسبْتٍ يَلْعَجُ الجِلِدَا
وإنما يريد: الجِلْد، فلما حَرَّكه حَرَّكه بحركة الجيم.
وربما كُرِه الجميع بين كسرتين، فرُدَّ إلى الفتح، كما قال الآخر:
ولم يُضِعْها، بين فِرْك وعَشَقْ
وأصله: العِشْق، وكان حقه في الضرورة أن يقول: عِشِق، فكَرِهَ توالي كسرتين، فرجع إلى الفتح.
٢٧ - ومما يجوز له: تخفيف المشدّد في القافية؛ وذلك أنّ المشدَّد
стр. 109
حرفان، فلما تمّ للشاعر الوزن بأحدهما، حذف الآخر، ومنه قول الشاعر:
أصحوتَ اليومَ أمْ شاقَتْك هِرْ ... . . . . . . . . . . . .
وكقوله:
أرّقَ العينَ خيالٌ لم يَقِرْ ... . . . . . . . . . . . . . . .
فخفّف، وأصله التشديد.
وكذا قول الآخر:
حتى إذا ما لَمْ أجِدْ غيرَ السَّرِي
كنتُ امرءاً من مالِكِ بن جَعْفَرِ
فخفف: السّرِيّ
стр. 110
ومنه قول الآخر:
قتلتُ علياءً وهندَ الجَمَليِ
وابناً لصُوحانَ عَلَى دينِ عَلِي
فخفّف الياء من عَلِيٍّ، لما احتاج إلى ذلك.
٢٨ - ويجوز له أن يحذف النّون الخفيفة لالتقاء الساكنين، إذا احتاج إلى ذلك، وحقُّه أن يحرِّكها؛ ومنه قول الشاعر:
فلستُ بآتيهِ ولا أستطيعُه ... ولاكِ اسْقِنِي إن كان ماؤكَ ذا فَضْلِ
فأسقط النون من لكن؛ لسكونها وسكون السين من اسقني، وكان الواجب أن يحرَّكَ إلى ما يُحَرّكُ إليه الساكنُ.
стр. 111
ويشبه هذا الحذفَ قولُهم: لم يكُ زيدٌ عاقلاً، فيحذفون النون مع حذفهم عين الفعل، وهي الواو من يكون، وإنما حق هذه النون الجزمُ بلم. وحذف الواو لالتقاء الساكنين، غير أنّ بعضَ العرب يشبهها بما يحذف للجزم فيحذفها، فإذا جاء بعدها اسمٌ فيه ألِفٌ ولام، أثبتها فقال: لم يكن الرجلُ عاقلاً، ومنهم من يُجريها مع الألف واللام مُجراها مع ما ليستا فيه.
ومنه قول بعض المحدثين:
جَلَلاً كما بي فَلْيَكُ التَّبْرِيحُ ... . . . . . . . . . . .
فحذف مع الألف واللام. وبعضهم لا يُجيزه، وأرى أن يكون جائزاً، وكأنه إنما جاء بالألف واللام، بعد ما جرى الكلام على الحذف، كما قال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... دَوَامي الأَيْدِ يَخْبِطنَ السَّرِيحَا
فحذف الياء، مع وجود الألف واللام.
стр. 112
٢٩ - وكذا له حذفُ التَّنوين لالتقاء الساكنين، والأصلُ تحريكُه؛ ومنه قول الشاعر:
فألفيتُه غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ... ولا ذاكِرِ اللهَ إلا قَلِيلاَ
فحذف التنوين من ذَاكرٍ لمَّا لَقِيَ اللامَ الساكنةَ، وكان حقه أن يحرّكه بالكسر لالتقاء الساكنين.
ومنه قول الآخر:
عَمْرُو الَّذِي هَشَم الثَّرِيدَ لقومهِ ... ورجالُ مكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ
стр. 113
فحذف التنوين من عمرو، لما ذكرنا.
٣٠ - ومما يجوز له: حذفُ لام الأمر في الغائب، وحقها ألاَّ تحذفَ، لأنها تجزم الفعل، ولكن لمَّا كان الأمرُ بابَ حَذفٍ، اجترءُوا على ذلك؛ ومنه قول الشاعر:
مُحَمَّدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نفسٍ ... إذا ما خفتَ من أمرٍ تَبالاَ
أراد: لِتَفْدِ نفسَك.
ومثله قول الآخر:
فقلتُ ادعِي وأدْعُ فإنّ أنْدَى ... لَصَوْتٍ أن ينادِيَ داعِيانِ
стр. 114
يريد: ولأَدْعُ فحذف اللام، وهو قبيح.
٣١ - ومما يجوز له: حذفُ بعض حُرُوف الكلمة اضطراراً، كما قال الشاعر:
قواطناً مكَّةَ من وُرْقِ الحَمِي
قالوا: يريد الحمام، فحذف الميم الآخرة، فبقي الحَمَى، فأبدل من الألف ياء للقافية، فقال: الحَمِي.
وقيل: أراد الحمام فحذف الألف الزائدة. فبقي الحَمَم، فاجتمع حرفان من لفظ واحد، فأبدل أحدهما ياء، كما قالوا: تظنّيت، والأصل: تظنّنت، وتقضيّت، والأصل: تقضضت، وهو كثير.
стр. 115
وقيل: بل رخّم في غير النّداء، فبقي: الحَمَا، فأبدل الألف ياء. ومثله قول الآخر:
دُعاء حماماتٍ يُجاوِبُها حَمِي
ففي قوله: حَمِي من العلة ما ذكرنا.
ومثله قوله الآخر:
غَرْثَى الوِشَاحَيْنِ صَمُوتِ الخَلْخَلِ
يريد: الخَلْخَالَ، فحذف لما احتاج إلى ذلك.
٣٢ - ومما يجوز له: إشباع الضمة، فيجعلها واواً، وإشباع الكسرة فتكون ياء، وكذا يشبع الفتحة فيجعلها ألفاً؛ فمن ذلك قول الشاعر:
وإنّني حيثُما يَثْنِي الهَوىَ بَصَرِي ... من حيثُ ما سَلَكُوا أدنو فَأَنْظُورُ
стр. 116
يريد: فأنظر، فأشبع حركة الظاء، فصارت واواً.
وكذا قول الآخر:
يَنْبَاعُ من ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ... زَيَّافةٍ مثلِ الفَنِيق المُكْدَمِ
فقال: ينباع، يريد: يَنْبَعُ، فأشبع الفتحة فصارت ألفاً.
قالوا: ومن هذا الباب قول الآخر:
تنفِي يَدَاهَا الحَصَى في كلِّ هاجِرَةٍ ... نَفْيَ الدَّرَاهيمِ تنقادُ الصيَّاريفِ
стр. 117
قيل: أشبع الكسرة التي في الهاء، فصارت ياءً في قولك: دراهم.
وقيل: هو جمع على غير واحده، كما قالوا: مَذَاكير في جمع: ذَكَرٍ.
وقيل: الرواية: نفي الدنانير، فليس في هذا ضرورة؛ لأن ديناراً يُجمع: دنانير، لأن رابعَهُ حرفُ مدٍّ ولين، وكل ما كان كذلك جُمع على ما ذكرنا، نحو: مِفتاح مفاتيح وقِنديل وقناديل.
٣٣ - ومما يجوز له: إثبات ما يجوز حذفُه؛ مثل قولهم: هؤلاء الضَّارِبُون زيداً، فإذا أضمروا قالوا: الضاربوه، فوصلوا المضمر، ولا يجوز انفصاله، وحذفوا النون للإضافة، ويجوز إثباتُها للشاعر، كما قال الأول:
هم القائلونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ ... إذا ما خَشُوا من مُحدث الأمرِ مُعْظَمَا
стр. 118
وكان الوجه أن يقول: الامروه، ولكن رد النون اضطراراً. ومثله:
ولم يرتَفِقْ والناس مُحْتَضِرُونَهُ ... جميعاً وأيدي المُعْتَفِينَ رَوَاهِقُهْ
فقال: محضرونه، والوجه: محتضروه.
٣٤ - ومما يجوز له: إزالةُ الإضافة وإدخالُ النون في العدد، إذا قال: مائةُ درهمٍْ ومائتا دِرهمٍ، فيجوز له أن يقول: مائةٌ درهماً، ومائتانِ درهماً؛ كما قال الأول:
إذا عاش الفَتَى مائتين عاماً ... فقد ذَهَبَ اللَّذاذةُ والفَتَاء
стр. 119
فقال: مائتين عاماً، وكان الوجه أن يقول: مائتي عامٍ، على ما ذكرنا، ولكن جاز له هذا اضطراراً.
ومثله:
أنْعَتُ عَيْراً من حَمِير خَنْزَرَهْ
في كلِّ عَيْرٍ مائتانِ كَمَرَهْ
فقال: مائتانِ كَمَرهْ، والحق أن يقول: مائتا كَمَرَهْ.
٣٥ - ومما يجوز له عند الكوفيين، ولا جوز عند البصريين مدّ المقصور؛ وحجتهم في ذلك أنك تخفّف الشيء بالحذف منه، وليس لك أن تزيد فيه ما ليس منه؛ فلذلك جاز عندهم قصرُ الممدود، لأنَّك تحذف
стр. 120
منه ما تخفِّفه به، ولم يَجُزْ مدُّ المقصور؛ لأنك تزيد فيه ما ليس منه.
وأنشد من أجاز مدّ المقصود:
يا لك من تمر ومن شِيشاءِ
يَنْشَبُ في الحَلْقِ وفي اللَّهاءِ
فمد اللَّها، وهو جمع لَهَاةٍ، مثل: قطاة وقطاً.
ومثله قول الآخر:
قفاؤُكَ أحسنُ من وَجْههِ ... . . . . . . . . . . . . . . . .
فمد القَفَا، وهو مقصور أيضاً.
٣٦ - ومما يجوز له: أن يجعلَ في الفعل علامةً من التثنية والجمع،
стр. 121
والفعل متقدّم، فيقولون: قاما الزيدان وقاموا الزيدون، وأنشدوا في ذلك:
يلُومُونِني في اشتراء النَّخِي ... لِ أهلِي فكلُّهُمُ أَلْوَمُ
فقال: يلومونني، وهو فعل للقوم.
ومثله قول الآخر:
ولكنْ دِيَافِيٌّ أبوه وأمُّه ... بحَوْرَانَ يَعْصِرْن السَّلِيطَ أقارِبُهْ
فقال: يَعْصِرْن، وهو فعلٌ للأقارب.
وإنما جاز هذا عندهم؛ لأنهم جعلوا في الفعل علماً من التثنية والجمع، كما
стр. 122
جعلوا فيه عَلَماً للتأنيث في قولك: قامت هِنْدٌ وذهبتْ دَعْدٌ.
وزعم أكثر النحويين أن هذا جائز في الشعر والكلام؛ قالوا: ومنه قول الله ﵎: ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾، فَجَمَع في الفعل، وهو متقدّم، وكذا قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، فقال: أسرُّوا وهو فِعْلُ الذين. وحكوا عن العرب: أكلوني البراغيث.
وأنكر قومٌ هذه اللغة، وقالوا: لو كانت أكلتني كانت حجّة، ولكن لما قالوا: أكلوني جعلوا في فِعْلِ من لا يعقل عَلَمَ ما يعقل، كان صاحبها غالطاً، فلم تقم به حجّة.
ولهم في الآيتين تأويل منه أن يجعلوا ما في الفعل ضميراً، ويجعلوا كثيراً والذين بدلاً منه، ومنه أن يجعلوا الذين بدلاً من الناس
стр. 123
في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾.
ومن أجاز ما قدمنا يجعله وجهاً ثالثاً.
٣٧ - ومما يجوز له: حذفُ النون التي هي غير أصلية في الجمع المُسَلَّم والتثنية بغير إضافة؛ فمن ذلك ما ذكرته من قول الشاعر:
أبني كُلَيبٍ إنّ عَمَّيَّ اللَّذَا ... قَتَلا الملوكَ وفكَّكا الأغْلاَلا
وإنما جاز هذا عند قوم؛ لأن اللَّذَيْنِ لا يتم اسماً إلا بصِلةٍ، فطال فحذف منه لطوله، وذكرته أوّلا، وذكرت أن منه قول الشاعر:
لها مَتْنَتَانِ خَظاتا كما ... أكبَّ على ساعِدَيْهِ النَّمِرْ
وأنه يريد خظاتان في بعض الأقوال، ولكن حذف.
وكذا قول الآخر:
لنا أعنُزٌ لُبْنٌ ثلاثٌ فبعضُها ... لأولادنا ثِنتَْاَ وفي بيتنا عَنْزُ
стр. 124
فقال: ثِنْتَا وهو يريد: ثنتان، فحذفُ النون عندهم اضطرارٌ. ومما حُذف في الجمع قول الآخر:
ولقد يَغْنَى بها جيرانُكَ المُمْسِكُو مِنك بحبلٍ للوِصَالْ.
فقال: الممسكو، وحقه أن يقول: الممسكون: فحذفَ النون لما ذكرنا من أنّ ذلك جائز للشاعر، منه قول الآخر:
وحاتِمُ الطائِيُّ وهَّابُ المِئِي
стр. 125
يريد: المِئين، فحذف النون أيضاً على ما ذكرنا.
وكذا قول الآخر:
يأكلُ أيّامَ الهُزالِ والسِّنِي
يريد: السِّنين، فحذف أيضاً اضطراراً.
وقد زعم قومٌ أن المِئِي جمع مائة، كتمرة وتمر.
وقالوا: يجوز أن يبني السِّنين والمِئين على حذف النون، وجَعْلِ ما بقي اسماً، كأنه يُجْعَل: سِنُو ومِئُو، من قولك: سِنُونَ ومِئُونَ اسماً بعد الحذف، فلم يمكن أن يكون اسم آخره واو قبلها متحرّك، فقلب الواوَ ياءً، وردَّ الضمة كسرةً؛ فقال: المِئِي والسِّنِي.
٣٨ - ومما يجوز له عند الكوفيين: حذفُ باء الإلزاق، في قولهم: مررت بزيد، فأجازوا: مررت زيداً، وأنشدوا:
تمرُّون الدِّيارَ ولم تَعُوجُوا ... كلامُكُمُ عَلَىَّ إذاً حَرَامُ
стр. 126
يريدون: تمرُّون بالدِّيار.
وأنكر هذا سائر البصريين، وقالوا: لا يجوز في كلام ولا شعر. وقال محمد بن يزيد: قال عمارة بن عَقيل بن بلال بن جرير: إنما قال جَدِّي:
مَرَرْتُم بالدِّيار فلم تَعوجُوا ... كلامُكُمُ عَلَىَّ إذاً حَرَامُ
فعلى هذا ليس فيه اضطرار، ويصح ما قال البصريون؛ لأن الفعل لا يصل إلى اسم إلا بالباء، ولا يوجد في كلام العرب بغير ذلك.
٣٩ - ويجوز له أن يحذف (أنْ) من جواب عَسَى؛ إذا قلت: عَسَى زيد أنْ يقوم، فهو الوجه، وجاء في الشعر: عَسَى زَيْدٌ يقومُ، وأنشدوا:
стр. 127
عَسَى الهَمُّ الذي أمْسَيْتَ فيه ... يكونُ وَرَاَءهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
فأسقط (أنْ)، والوجه إثباتها؛ ولكن الشاعر شبّه عَسَى بَلَعَلَّ، فكما يقول: لَعَلَّ زيداً يقومُ، كذا يقول: عَسَى زيد يقوم.
ومثله:
عَسَى اللهُ يَغنِي عن بلاد ابنِ قادر ... بُمنْهَمِرٍ جَوْنِ الرَّبابِ سَكُوبِ
ومثله: حذف (أنْ) أيضاً بعد: يُوشك مَنْ فَعَلَ أنْ يُفْعَل به، وأجازوا في الشعر: يُفْعَلُ به، وأنشدوا:
يوشِك مَنْ فَرَّ من مَنِيَّتِه ... في بعض غِرَّاتِهِ يُوافقُهَا
стр. 128
٤٠ - ومما يجوز له: حذف الياء من الجمع، الذي حقّها أن تثبت فيه؛ مثل قولك: قِنديل وقَناديل ودَامُوس ودَوامِيس؛ فيقولون: دَوامِس وقَنادِل ومنه قول الشاعر:
قد قَرَّبَتْ ساداتِها الرَّوَائِسَا
والبَكَراتِ الفُسَّجَ العَطَامِسا
فحذف الياء. والوجه أن يقول: العطاميس؛ لأنه جمع عُطْمُوس والعُطموس: الناقة الحسنة، والرَّوَائِس جمع رائسة، وهي الناقة السريعة.
٤١ - ومما يجوز له على قول قوم من النحويين: حذف الإعراب؛ إذا احتاج إلى ذلك. وهذا لا يكاد يجوز عند أكثرهم في كلام ولا شعر. وأنشد من أجازه:
فاليومَ أشربْ غير مُستحقبٍ ... إثماً من الله ولا واغِلِ
стр. 129
فحذف الإعراب من أشربُ، وهو فعل مستقبل، حقه أن يكون مرفوعاً، ولكن فَعَل هذا فيه ما يُفعل في الحركات التي تحذف استثقالاً، وليس بإعراب.
ومن أنكره رواه: فاليومَ فاشْرَبْ، على الأمر لنفسه.
وكذا قول الآخر:
إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحبْ قَوِّمِ
بالدَّوِّ أمثالَ السَّفِينِ العُوَّمِ
стр. 130
فقال: صَاحِبْ، ولم يُعرب.
ويقرب منه في الضرورة، ما أنشدونا لوضَّاح اليَمَانِيِّ:
عجِبَ الناسُ وقالوا ... شِعْرُ وضَّاحِ اليَمَانِي
إنما شِعْرِيَ قَنْدٌ ... قد خُلِطْ بالُجلْجُلاَنِي
فأسكن الفعل في قوله: خُلِطَ.
وأسهلُ من هذا، حذفُ الإعراب في النصب عن الياء والواو في قولك: لن يَرْمِيَ ولن يَغْزُوَ، ولو جاء في شعر ساكناً لجاز، وذلك أن يُشَبَّه بَغَيْرِه في الرفع والجرّ، الذي يكون فيه
الياء والواو ساكنة، فيُجري في النصب على ذلك، ومنه قول الشاعر:
سَوَّى مَسَاحِيهِنَّ تقطيطَ الحُقَقْ
стр. 131
فأسكن الياء في موضع النصب.
وكذا ما أنشده سيبويه:
يا دارَ هندٍ عَفَتْ إلاّ أثَافِيهَا ... . . . . . . . .
فخفف الأثَافِيَّ وأسكن الياء في النصب؛ لأنه استثناء فحق الياء أن تكون منصوبة، ولكن قائل هذا يفعلُ به ما يفعل في الجر والرفع من حذف الحركات.
وكذلك قول الآخر:
كَفَى بالنّأيِ من أسماَء كافي ... وليس لسقْمِه إذا طال شَافِ
والوجه: كافياً، فأجراه على ما ذكرنا.
وكذا قول الآخر:
كم قد ذكرتك لو أُجْزَى بتذكرةٍ ... يا أشبهَ الناس كلِّ الناس بالقَمرِ
إني لأَجْذَلُ أن أُمْسِي مُقابِلَهُ ... حُبَّا لرؤيةِ مَنْ أشبهتِ في الصُّوَرِ
стр. 132
فقال: أُمْسِي مقابله.
٤٢ - ومما يجوز له: تشديد المخفّف اضطراراً، وتغيير البناء، كما قال الأول:
تعرَّضَتْ لِي بمكانٍ حِلِّ
تعرُّضَ المُهْرَة في الطِّوَلِّ
يريد: الطِّوَلَ، فثقّل اللام اضطراراً. والطِّوَلُ: الحَبْلُ الذي يرخى للدابّة، ترعى فيه؛ ومنه قول طرفة:
لعمرُكَ إنّ الموتَ ما أخطأ الفَتَى ... لكالطِّوَلِ المرْخَى وثنْيَاهُ باليَدِ
стр. 133
ومثل الأول قول الآخر:
قُطُنَّةٌ من أجْوَدِ القُطُنِّ
فثقّل، وإنما هو القُطْنُ.
ومن التغيير قول الآخر:
وأنتَ يا بُنَيَّ فاعْلَمْ أنِّي
أحِبُّ مِنكَ مَعْقِدَ الوُشْحَنِّ
وأنت تريد جمع الوشاح، فزاد وغيّر كما ترى.
٤٣ - ومما يجوز له: حذف الهاء في الترخيم؛ في الوقف والوصل؛ وذلك أن العرب إذا أسقطت هاء في الترخيم؛ ثم وقفت على اسم أسقطتها
стр. 134
منه، أعادتها لبيان الحركة. ويجوز للشاعر ألاّ يُعِيدَها، ويجري الوقف كالوصل؛ مثل قول الشاعر:
وكادت فزارةُ تَشْقى بنا ... فأَوْلَى فَزَارةُ أوْلَى فَزَارَا
فأسقط الهاء من فَزَارة الآخرة، ووقف على حذفها وأشبع الفتحة، فصارت ألفاً للإطلاق.
ومثله قول الآخر:
قِفِي قبلَ التّفَرُّق يا ضُباعَا ... . . . . . . . . . . . . . . .
يريد ضبّاعة، فَعَل به ما فَعَل الأول، وكان الوجه إذا وقف في مثل هذا أن يعيد الهاءَ المحذوفة لبيان الحركة.
٤٤ - ومما يجوز له أن العرب لا تقول: نِعم الرَّجُلُ الظريفُ
стр. 135
زَيْدٌ، ولا بئس الرجلُ الفاسقُ عمرٌو، ولكن إذا اضطر إليه الشاعر جاز له؛ كما قال الأول:
نِعمَ الَفتي المُرِّىُّ أنت إذا هُمُ ... حَضَرُوا لَدَى الحجراتِ نارَ المَوْقِدِ
فالمرىّ من نعت الفتى، جاء به اضطراراً.
٤٥ - ويجوز له: تَقْدِمة (إلا) في الاستثناء، فأجازوا: إلاَّ زيداً أتاني القوم وأنشدوا:
خلا اللهَ ما أرجو سواكَ وإنَّما ... أعُدُّ عِيالِي شُعْبَةً من عيالكَا
وكان الوجه أن يقول: ما أرجُو سِواكَ خَلاَ اللهَ.
٤٦ - ومما يجوز له أنّ الياء تحذف مع التنوين في قولك: قاضٍ وجَوَارٍ، وللشاعر أن يحذفها مع غير التنوين، كأنه يتوهم أن ذاك الحذف أصل فيها ومنه قوله:
كنَواحِ ريشِ حمامَةٍ نَجْدِيَّةٍ ... ومَسَحْتِ باللَّثَتَيْنِ عَصْفَ الإِثْمِدِ
стр. 136
فحذف الياء، وليس موضع تنوين، وكان الوجه أن يقول: كنواحي ريش حمامة، لأنه مضاف لا يدخله التنوين.
ومثله حذفها مع الألف واللام، كما قال الشاعر:
فَطِرْتُ بُمنْصُلِي في يَعْمَلاَتٍ ... دَوَامِي الأيْدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا
فقال: الأيد، وهو يريد: الأيدي، ولكنه توهّم أنه أدخل الألف واللام على محذوف، فأبقاه على حذفه.
ومثله قول الآخر:
وأخُو الغَوَانِ متى يَشَأ يَصْرِمْنَهُ ... ويَعُدْنَ أعداءً بُعَيْدَ وِدَادِ
يريد: الغواني، فحذف على أصل ما ذكرنا.
٤٧ - ومما يجوز له: الترخيم في غير النّداء، وَذاك أنّ النداءَ بابُ حذفٍ واستخفافٍ، فجاز الترخيم فيه؛ لأنه حذف من الاسم، وليس
стр. 137
كذا غيرُه من الكلام، ولكن الشاعر إذا اضطر جاز له ذلك في غير النداء؛ كما قال الأول:
إنَّ ابنَ حارثَ إنْ أشْتَقْ لرؤيتِه ... أو أمتدحْهُ فإنَّ الناسَ قد علمُوا
يريد: حارثة، فرخَّم في غير النداء.
ومثله قول الآخر:
ألا أضحتْ حبالُكُمُ رِمامَا ... وأضحتْ منك شاسعةً أُمَاماَ
يريد: أمامة، فرخم في غير النداء، وأشبع الفتحة، فصارت ألفا للإطلاق.
ومثله قول الآخر:
أبو حَنَشٍ يُؤَرِّقُنا وطَلْقٌ ... وعَمَّارٌ وآونةً أُثَالاَ
стр. 138
يريد: أُثالة، فرخَّم وفَعَلَ به في الإطلاق ما ذكرنا.
ومثله:
وقد وَسَطْتُ مالكاً وحَنْظَلا
يريد: حنظلة.
وكذا قال الآخر.
خُذُوا حظَّكُمْ يا آل عِكْرِمَ واذكُرُوا ... أواصِرَنَا والرِّحْمُ بالغَيْبِ تُذْكَرُ
يريد: عكرمة فرخَّم هذا كله في غير النداء، على ما ذكرنا.
٤٨ - ومما يجوز له: التفرقة بين المفسِّر والعدد، في قولك: عِندي ثلاثون رجلاً وأربعون فَرَساً؛ فيجوز له: عندي ثلاثون في الدار رجلاً.
стр. 139
ومنه قول الشاعر:
على أنَّنِي بَعْدَ ما قَدْ مَضَى ... ثلاثون للهجْرِ حَوْلاً كَمِيلاَ
يذكِّرُنِِيكِ حَنيِنُ العُجُولِ ... ونَوْحُ الحمامةِ يدعُو هَدِيلاَ
يريد: ثلاثون حَوْلاً، ففرّق بقوله: للهجر.
٤٩ - ومما يجوز له: إدخال (يا) في النداء على الاسم الذي فيه الألف واللام لازمتين، كالذي، والتي. وحقُّ كلِّ اسمٍ دُعِيَ، وفيه ألف ولام، أن يحذف ذلك منه، إلاَّ قولَهم: يا الله، فإن الألف واللام لزمتا هذا الاسم، حتى صارتا كأحد حروفه، وإنما شبه الذي والتي وما أشبههما بذلك؛ فمن ذلك قول الشاعر:
مِنَ أجْلِكِ يا الَّتِي تَيَّمْتِ قَلبي ... وأنتِ بخيلةٌ بالوُدِّ عَنِّي
وأجاز قوم دخول (يا) على مالا تثبت فيه الألف واللام. وأنشدوا:
стр. 140
فيا الغُلاَمَانِ اللَّذَانِ فَرَّا
إياكُما أن تُكْسِبانَا شَرَّا
ورواية من لم يجزه:
فَيَا غُلامَانِ اللَّذانِ فَرَّا
٥٠ - ومما يجوز له: إبدالُ ياء الإضافة ألفاً في قولك: يا غلامي، فيقولون: يا غُلامَا، فيبدلون من الياء ألفاً؛ لأن الألف أخفُّ من الياء، والفتحة أخفّ من الكسرة، ومنه قول الشاعر:
يا ابْنَة عَمَّا لا تَلُومي واهْجَعِي
أراد: يا ابْنَةَ عَمِّي، فأبدل الياء ألفاً.
стр. 141
وقد زعم قوم أن هذا ليس من الاضطرار؛ لأنه يجوز أن يردّ الياء، ولا ينكسر الوزن.
وقال قوم: يجوز هذا في الشعر والكلام؛ لأنه أحد لغات الإضافة، وهو أنه يجوز أن يقول القائل: يا غلامِيَ ويا غُلامِي ويا غُلامِ ويا غُلامَا وغُلامُ، وهو يريد الإضافة، ولكل هذه عِلَلٌ.
٥١ - ومما يجوز له: تفريقه بين حرف الجَزاء والفِعل، ويَجْزِمُ به، فمن ذلك قول عَدِيّ بن زيد:
فَمَتَى واغلٌ يَنُبْهُم يُحَيُّو ... هُ وتُعْطَفْ عليه كأسُ السَّاقِي
ففرق بين متى وينبهم.
ومثله قول الآخر:
صَعْدَةُ نابتة في حائرٍ ... أيْنَمَا الرِّيحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ
стр. 142
ففرَّقَ بين أينما وتُمَيِّلْها؛ وإنما التقدير: أينما تَميِّلْها الرِّيحُ تَمِلْ.
ومثله قول الآخر:
فَمَنْ نحنُ نؤمنْهُ يَبِتْ وهو آمنٌ ... ومَنْ لا نُجِرْهُ يُمْسِ فينا مُفَزَّعَا
ففرّق بين مَنْ ونؤمنه بنحن.
٥٢ - ومما يجوز له: الجمع بين العِوَض والمعوّض منه في قولهم: فَمٌ وفَمَوَانِ وذاك أن الميم في فمٍ بدل من الواو التي كانت في فو زيدِ فلما جُعل اسماً منفصلاً، رَدُّوا الواو مع الميم، كما قال الأول:
стр. 143
هما نَفَثَا فِي فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِمَا ... على النابحِ العاوِي أشدَّ رِجامِ
وقد أنكر هذا بعضهم ولم يُجِزْه، وذكر أن الفرزدق قال هذا في حين اختلاطه، وأنه في ذلك الحين ليس بحجة.
ومثل هذا ما أجاز الكوفيون، من إدخال (يا) على اللهُمَّ، وذاك أن الميم عند البصريين بدل من (يا)، فلا يجوز عندهم أن تجتمع مع (يا)، وهي عند الكوفيين الميم من أُمَّ، إذا قلت: اقصد، ومعنى اللهُمَّ عندهم: يا الله أُمَّنا بخيرٍ، ولكن حُذِفت الهمزة وَوُصِلت الميمُ باسم الله ؛ ولذلك أنشدوا:
وما عليكِ أن تَقُولي كُلَّمَا
سبَحتِ أو هَلَّلتِ يا الَّلهُمَّمَا
стр. 144
ارْدُد علينا شيخَنَا مُسَلَّمَا
فأدخل (يا) على اللَّهمّ، وهو عند البصريين لا يجوز، لما ذكرنا. ومثله عندهم قول الآخر:
إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمَّا
دَعَوْتُ يا للَّهُمَّ يا للَّّهُمَّا
وحجّة من مَنَعه، ما ذكرنا من اجتماع البَدَل والمبدل منه.
وقالوا: قول الكوفيين في هذا غلط؛ لأنَّه يلزم ألاَّ يأتيَ بعده جواب؛ لأن قوله: أُمَّنَا يغني عن
الجواب؛ لأن القائل إذا قال: يا اللهُ أُمَّنا
стр. 145
بخير، كان هذا جوابَهُ، أعني هو ما يسأله الداعي، فهو يغني عن قولك: ياللهمّ اغفر لنا.
ورواية البصريين: أللَّهُمَمَا، وكذا أللَّهُمَّا، وردَّ هذا الكوفيون بأن فيه قطع ألف الوصل، وهذا لا يلزم لأنَّها لزمت هذا الاسم حتى صارت كأحد حروفه، فجاز قطعها لذلك.
٥٣ - ومما يجوز له أن يحذِفَ في الوصل ما كان يحذف في الوقف، فتدعو الضرورة إلى أن يُجري الوصلَ مُجْرَى الوقف؛ وذلك مثل قول الشاعر:
وما لَهُ من مَجْد تليدٍ ولا لَهُ ... من الرِّيح حظُّ لا الجنوبُ ولا الصِّبا
فقال: مالَهُ، والوجه أن يقول: ما لَهُو، وإنما يحذف هذا في الوقف، فلما وصل واحتاج، أجرى الوصل مُجْرى الوقف.
ومثله:
أو مُعْبَرُ الظَّهر يُنْبِي هم وَلِيتَّهِ ... ما حجَّ رَبُّهُ في الدُّنْيَا ولا اعْتمَرَا
يريد: رَبُّهُو، فحذف.
следующие страницы →