← Адаб

Адаб · id 36088

ما يجوز للشاعر في الضرورة

القيرواني، القزاز

Полный текст (263 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومنه قول حسان: كأنَّ سَبِيئَةً من بيتِ رَأْسِ ... يكون مِزاجَهَا عَسَلٌ وماءٌ فجعل العَسَل اسم كان، والماء معطوفاً عليه، ونصب المزاج وهو معرفة، فجعله الخبر وقدّمه. وكذا قوله: فإنك لا تبالِي بعدَ حَوْلٍ ... أظبيٌ كان أمَّك أم حِمَارُ فنصب الأمّ، جعلها خبراً، وجعل الظبي والحمار اسمَ كان، وهما نكرتان.

стр. 72

وكذا أنشد النحويون: ألا مَنْ مُبْلغٌ حسّان عَنِّي ... أسِحْرٌ كان طِِبًّك أم جُنُونُ فنصب الطبّ وجعله خبراً، وجعل السحر والجنون اسم كان وهما نكرتان. وأنشدوا أيضاً: أسكرانُ كان ابنَ المَرَاغة إذا هَجَا ... تميماً بجوَفِ الشَّام أم متساكِرُ وقال سيبويه: فهذا إنشاد بعضهم، وأكثرهم ينصب سكرانَ، ويرفع الطِّبَّ، وينصب سِحْراً، ويرفع متساكراً، وجنونا على قطع وابتداء، كأنه قال: أم هو متساكرُ.

стр. 73

وزعم بعض أهل النظر أن هذا لا يجوز، وأن قوله: يكون مزاجُها بالرفع وعسلا بالنصب، يجعله خبر كان، ويرفع ماء على الاستئناف، كأنه قال: وماء كذلك. وقال في قوله: أسكرانُ كان ابن المراغة إذا هجا ... . . . . . . . . . . . . . النصب في سكران يجعله خبر كان متقدماً، وترفع ابن المراغة تجعله اسمها، وترفع متساكراً على ما قال سيبويه، كأن قال: أم هو متساكر. وقال في قوله: . . . . . . . . . . . . . . . . ... أسحرٌ كان طبَّك أم جنونُ النصب في السحر يجعله خبر كان، ويرفع الطب يجعله اسم كان، ويرفع الجنون على الاستئناف أيضاً، كأنه قال: أم هو جنون. وقال في قوله: . . . . . . . . . . . . ... أظبيٌ كان أمَّك أم حمارُ لم يجعل هاهنا اسم كان نكرة؛ لأن في كان ضمير الظبي والضمير لا يكون إلا معرفة، فهو اسم كان، والأم الخبر، فكأنك جعلت اسمها معرفة وخبرها معرفة، وهذا حسن في الكلام، إذ قلت: كان زيد أخاك وكان أخوك زيداً تجعل أيُّهما شئت اسم كان، إذا كانا معرفتين.

стр. 74

قال: ويرفع حماراً على القطع والاستئناف، كأنك قلت: أم هو حمار. ومن أجاز الأول له حجج على هذا، إن شئت أن تراها؛ طلبتها في كتابنا المؤلف في الحروف، تجدها على وجهها، إن شاء الله، لأن هذا موضع اختصار، إذ كان القصد فيه ذكر ما يجوز للشاعر، لا استقصاء العلل. ١٠ - ومما يجوز له: أن يؤنّث المذكّر، إذا كان مضافاً إلى مؤنث، أو هو من سببه، كما أنشد النحويون: لما أتى خَبَرُ الزُّبير تواضَعَتْ ... سُورُ المدينة والجبالُ الْخُشَّعُ فأنث السور لما أضافه إلى المدينة، فكأنه قال: تواضعتِ المدينةُ.

стр. 75

ومثله: مَشَيْن كما اهْتزَّت رماحٌ تسفَّهَتْ ... أعالِيَها مَر الرِّياحِ النَّواسِمِ فأنث المَرَّ؛ إذ كان من الرياح، فكأنه قال: تسفهت أعاليها الرياح. ومثله: إذا بعضُ السِّنينَ تَعَرَّقَتَنا ... كَفَى الأيتامَ فقدُ أبِي الَيَتِيمِ فأنث البعضَ؛ لإضافته إلى السِّنين، كأنه قال: إذا السنون تعرقتنا. ومثله: طولُ اللَّيالي أسرعتْ في نَقْضِي

стр. 76

نَقَضْن طُولِي ونَقَضْنَ عَرْضِي ويروي: مَرّ الليالي، فأنّث لما أضاف إلى اللَّيالي، على ما ذكرنا. ١١ - ومما يجوز له: إظهار الضمير في الموضع الذي أنت مُسْتَغْنٍ عن إظهاره فيه؛ وذلك مثل قولك: ما زيدٌ منطلقاً أبوه، فالهاء في أبيه ضمير زيد، فأنت مستغن بها عن إظهاره، فلو أظهرته فقلت: ما زيدٌ منطلقاً أبو زيد، وزيدٌ الأول زيدٌ الثاني، لم يجز في الكلام، وجاز في ضرورة الشعر.

стр. 77

ومنه قول الشاعر: لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ ... نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفَقِيرَا وكان الوجه أن يقول: لا أرَى الموتَ يسبقُه شيءٌ، ولكن أظهر الضمير اضطراراً. ومثله: إذا الوَحْشُ ضَمَّ الوحشَ في ظُلُلاَتِها ... سَوَاقِطُ من حَرٍّ وقد كان أظْهَرا وكان الوجه أن يقول: إذا الوحش ضمّها.

стр. 78

ومثله: لَعَمْرُك ما مَعْنٌ بتاركِ حَقِّه ... ولا مُنْسِئٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ فَمَعْنٌ الأخير هو مَعْنٌ الأول، وكان الوجه أن يأتي بضميره. وزعم بعض أهل النظر أن هذا لا يجوز في شعر ولا كلام؛ وقال: إنما يجوز إذا كان اسما للجنس، كقوله ﵎: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ فأعاد الظاهر ولم يضمره. وقال مثلُه ما ذكر في البيت الأول؛ لأن الموت بمنزلة الأرض. وهذا إذا جاز في هذا، فما يمنعه أن يجوز في سائر الأسماء؟ على أنّ قولَه: لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بتاركِ حَقِّه ... . . . . . . . . . . . . . . . . خارجٌ عَمَّا شَرَطَ؛ لأنّه اسمُ عَلَمٍ. ١٢ - ومما يجوز له: الفرقُ بين الجارّ والمجرور في الشعر، وليس ذلك بجائز في الكلام؛ لا تقول: هذا غلام اليوم زيد، ويجوز في الشعر كما قال الشاعر: رُبَّ ابن عمٍّ لُسلَيْمى مُشْمَعِلْ

стр. 79

طَبَّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادِ الكَسِلْ فأضاف الطّباخ إلى الزّاد وفرق بينهما بساعات الكرى. ومثله، على إنشاد بعضهم: وكرَّارِ خَلْفَ المُجْحَرينَ جَوَادِه ... إذا لم يُحَامِ دُونَ أنثى حَليلُها فأضاف كرّار إلى الجَواد وفرّق بينهما بخلف المُجْحَرِينَ. ومنهم من يرويه: طباخ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ فيضيف طَبَّاخاً إلى ساعات، وينصب زادَ الكَسِل بطباخ. وكذا ينشد: وكرّار خلفِ المُجْحَرِينَ جَوَادَهُ ... . . . . . . . . . . . . . . فيضيف أيضاً إلى خَلْف، ويجعل الظرف في كل هذا مفعولاً على السَّعة، كما أنشد سيبويه:

стр. 80

يا سارق اللَّيلةِ أهْلَ الدَّارِ فجعل الليلة مفعولة على السعة، وأضاف إليها، ونصب أهل الدار بسارق، وهذا على هذه الرواية لا ضرورة فيه. ومما جاء قد حِيَل بينه وبين المجرور، قولُ الآخر: لما رأتْ ساتِيدَمَا استَعْبَرَتْ ... لله درُّ اليومَ مَنْ لامَهَا يذكر ناقته. وسَاتِيدَما اسم مكان. وفرق في هذا البيت بين دَرّ ومَنْ بقوله: اليوم والتقدير: لله دَرُّ مَن لامَهَا اليومَ، فَمَنْ في موضع جَرّ.

стр. 81

ومثله: كأنَّ أصواتَ مِن إيغالِهِنَّ بنا ... أواخر المَيْسِ أصواتُ الفَرَاريج يريد: كأن أصوات أواخرِ الميْس أصواتُ الفراريج، ففرَّق بين الجار والمجرور. ومثله قول الآخر: هما أخَوا في الْحَرْبِ مَنْ لا أخَا لَهُ ... إذا خافَ يومَا نَبْوَةً فَدَعَاهُمَا ففرّق بين أخَوَا وبين مَنْ بقوله: في الحرب. والتقدير: هما أخوا من لا أخا له في الحرب. وزعم سيبويه أن من هذا الباب قول الشاعر:

стр. 82

إلاّ عُلالةَ أو بُدَا ... هَةَ قارِحٍ نَهْدِ الجُزَارَهْ قال سيبويه: أراد إلاّ عُلالَة قارِحٍ ففرق بينهما ببُدَاهَة، وغلط في هذا. وقيل: كان يلزمه أن يقول: إلا علالة أو بداهته قارح؛ لأن التقدير على قوله: إلا عُلالة قارحٍ أو بُداهتَه. والتقدير عند غيره: إلا عُلالَة قارحٍ، أو بداهةَ قارِحٍ، ثم حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما يقول: هو أعزُّ وأفضلُ مَنْ ثَمَّ، والتقدير: هو أعزُّ مَنْ ثَمَّ وأفضلُ مَنْ ثَمَّ، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه. ومما هو أصعب من هذا قول الشاعر: فَزَجَجْتُها بِمِزَجَّةٍ ... زِجَّ القلوصَ أبي مَزَادَهْ

стр. 83

يريد: زَجَّ أبي مزادةَ القلوصَ، ففرّق بين الظرف، ونصب المفرَّق به بالعامل. وهذا أصعب مما جاز. ومثله قول المتنبي: حملتُ إليه من لساني حَدِيقةً ... سَقاها الحِجَى سَقْيَ الرِّياضَ السَّحائبِ يريد: سَقْيَ السحائب الرياضَ، فجاء به على قول الأول. ١٣ - ومما يجوز له: أن يكون اللفظ واحداً والمعنى جمعاً، كما قال الشاعر: بها جِيَفُ الحَسْرَى فأمّا عِظامُها ... فبيضٌ وأمّا جلدُها فصليبُ فقال: وأما جلدُها، فوحَّد وهو يريد: وأما جلُودُها، ولكن أخرجه على لفظ الواحد اتّساعاً. ومثله قول الآخر: لا تنكرِ القتلَ وقد سُبِينَا

стр. 84

في حَلقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجِينَا فقال: في حلقكم، يريد: في حلوقكم، فأخرجه على لفظ الواحد اتّساعاً، ومثله على ما ذكرنا. ١٤ - ويجوز له: قَلْبُ هذا المعنى، يجمع والمعنى واحد؛ كما قال الشاعر: كأن نُسوعَ رَحْلِي حين ضمَّت ... حَوالِبَ غُرَّزاً ومِعىً جِياعَا فقال: جياعا، وكان الوجه أن يقول: جائعاً؛ لأن المعى واحد.

стр. 85

١٥ - ومما يجوز له: قَلْبُ المعنى إذا كان الكلام لا يُشكل؛ وذلك أن يقول: أُدخِلَ فُوهُ الحَجَرَ فيكون المعنى أن الفَمَ أُدْخِل في الحَجَر وإنما حقيقته أن الحَجَرَ أدخل في الفم. وكذلك قال الشاعر: ترى الثورَ فيها مُدخِلَ الظِّلِّ رأسَه ... وسائِرُهُ بادٍ إلى الشمس أجمعُ فجعل الظلَّ يدخل الرأسَ، وإنما يجوز أن يقال: مُدخل رأسِه الظِّلَّ، فقَلَب لأنه لا يُشكل، وقد أجاز هذا الشأنّ الناسُ في الكلام، فضلاً عن الشعر، وأجازوا: أُعْطِيَ الدرهمُ زيداً فجعلوا الدرهم آخذاً لزيد، والوجه: أُعطي زيدُ الدِّرهَم، لأنه القابضُ له، ولكن هذا لا يشكل. ١٦ - ومما يجوز له: أن يُخبِر عن الشَّيء بخبرٍ ليس من جنسه، ولكن يكون تحت ذلك الخبر حذف تقوم به الفائدة.

стр. 86

وذلك مثل قول الشاعر: وكيفَ تُواصِلُ مَنْ أصبحتْ ... خَلالَتُه كأبي مَرْحَب فشبّه الخَلالَة بأبي مَرْحب، وليس هو من جنسها، ولكن المعنى: كخَلالَة أبي مَرحْب فأسقط هذا اتّساعاً. ومثله قول الآخر: كأنَّ عَذِيرَهم بجنُوب سِلَّى ... نعامٌ قاقَ في بَلدٍ قفارِ فالعَذِير: الصوت، فشبّه الصَّوتَ بالنعام، وليس من جنسه، ولكن المعنى: كأنّ عَذِيرهم عَذِيرُ نَعامٍ.

стр. 87

وشَرُّ المَنَايَا ميِّتٌ بين أهله ... كهُلْكِ الفتى قد أسْلَمَ الحَيَّ حاضِرُهُ فشبه المَيِّت بالهُلْك، ولكن التقدير: وشرُّ المنايا مِيتَة مَيِّت. وقد زعم قومٌ أن هذا ليس من ضرورة الشعر، وأنه يجوز في الكلام، وقال: هو مِثْل قول العرب: بنو فلان تطؤُهم الطريقُ، يريد: أهل الطريق، وكما قال : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، يريد: أهلها. ونعرف من هذا الأول - بل هو مما ذكرنا من كلام العرب - قول الشاعر: وأنت سيِّدُها المذكور قد علمتْ ... ذاك العمائمُ يومَ الخندقِ السودُ يريد: أهل العمائم، فحذف وأقام العمائم مُقام ما تضاف إليه. وكذا قول الآخر: إذا حملتُ جَرَّتي على عَدَسْ

стр. 88

على الذي بين الحمار والفَرَسْ فما أُبالي مَنْ غَزَا ومن جَلَسْ وعَدَس إنما هو زَجْرٌ للبغال، فأقامه مُقام ما يُزْجَر به. ومثله قول الآخر، وذكر ناقة: وكأنَّ غاربَها رَُِباوة مُخْرِمٍ ... وتَمُدُّ ثِنْيَ جَديلهَا بشراعِ فالشِّراع: القِلْع الذي للسفينة، وهو يريد ما تحمله، يعني الدَّقَلَ، وبه شُبِّه عُنُقُ الناقة، فأقام ما عليه مُقامه. ومثله قول الآخر، وذكر ناقة: كأنَّ أهدامَ النَّسيل المُنْسَلِ على يَدَيْها والشِّراعِ الأطولِ

стр. 89

يريد: على يديها وعنقها، فسماه شراعاً وهو يريد: الدَّقَل، فسمّاه بما عليه. ومن الأوّل قول الآخر: ولو تَرَى إذْ جُبَّتِي من طَاقِ وَلِمَّتِي مثلُ جَنَاحِ غَاقِ يريد: مثل جناح الغراب، فأجتزأ بصياحه منه. ١٧ - ومما يجوز له: استعمالُ معنىً في الإعراب لا يجوز مثلُه في الكلام، ولكن يجوز له هو أن يستعمله، وهو أن يقول: قاتل زيدٌ عمروٌ؛ لأن كلَّ واحدٍ في المعنى فاعِلٌ بصاحبه. ومنه قول الشاعر: تُواهق رجَلاها يداها ورأسُه ... لها قَتَبٌ خلفَ الحقيبةِ رَادِفُ قال سيبويه: فقال: رجلاها يداها، فجعل كل واحد يفعل بصاحبه.

стр. 90

وقد زعم قوم أن هذا لا يجوز، وقالوا: هو فَسَادُ الإعراب، وقَلْبُ ما عليه الأصول. وقالوا: الرواية: تُواهق رجلاها يَدَيْهَا، ولا ضرورة هاهنا، تمنع من هذا الإعراب. ومثله ما أنشده أيضاً سيبويه: قد سالمَ الحياتِ منه القَدَمَا الأفعوانَ والشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا قال سيبويه: فإنما نَصَب الأُفعوان والشّجاع؛ لأنه قد عُلم أنّ القَدَم هاهنا مسالِمةٌ، كما أنها مسالَمةٌ؛ يريد أن القَدَمَ منصوبةٌ،

стр. 91

لأنها مفعولة في المعنى، والشجاع والأفعوان منصوبان؛ لأنهما مفعولان أيضاً؛ لأن ما سالَمَك فقد سالمته. وزعم قوم أن قوله: القَدَمَا، إنما يريد به: القدمان أنهما فاعلان، وأن الشجاع والأفعوان مفعولان، ولكن أسقط النون، كما أسقطها في قوله: أبني كُلَيْبٍ إنّ عَمَّيَّ اللَّذا ... قَتلا الملوكَ وفكَّكَا الأغلالا وهذا جائز في هذا البيت؛ لأن حذف النون من الصلة حَسَنٌ، لطول الاسم، ولا يجوز فيما تقدّم، وقد ذكرته أوّلا. ١٨ - ومما يجوز له: حذفُ الفِعل المتّصل بحرف الجر، والاقتصار على الجار؛ مثل قول الشاعر: ومؤمِنٌ بما عَلَى مُحَمَّدِ أي بما أُنْزِلَ على محمد، فحذف أنزل، لدلالة على عليه. ١٩ - وقد يحذفون حرف الجرّ، مما الوجه فيه إظهاره، كقول الشاعر: ولقد رميتُ اللَّيلَ وهو مقوّض ... بالأرض يزمع دونه الموثوقُ يريد: الموثوق بحزمه وإقدامه.

стр. 92

٢٠ - ويجوز له: إسكان المفتوح. وإن كان ذلك لا يجوز في الكلام، لأن العرب تُسكّن المضموم والمكسور، وتأبى إسكان المفتوح؛ إذ كان الفتح غير مستثقل، فيقولون في عَضُدٍ: عَضْد وفي فَخِذٍ: فَخْذ ولا يقولون في جَمَل: جَمْل. وقد جاء في الشعر إسكان المفتوح. وهو قول الشاعر: وقالوا ترابيٌّ فقلتُ صدَقتمُ ... أبِي من تُراب خَلْقَهُ الله آدمُ يريد: خَلَقَه الله، فأسكن المفتوح اضطراراً. فأما إسكان المضموم، فمثل قول الشاعر: أعِكْرِمَ أنت الأصلُ والفرعُ والذُّرَى ... أتاك ابنُ عَمٍّ زَائِرٌ لَكَ عُفْرِ يريد: عن عُفُر، أي عن بُعْدٍ فأسكنَ. وقالوا في المكسور: لو عُصْرَ منه البانُ والمسْكُ انْعَصَرْ

стр. 93

يريد: عُصِرَ، فأسكن المكسور. ومثله قول الآخر: وأحْفَظُ من أخِي ما حَفْظَ مِنِّي ... ويكفيني البلاءُ إذا بَلَوْتُ يريد: ما حَفِظَ منّي، فأسكن أيضاً. ومثله قول الآخر: . . . . . . . . . . . . ... وذِي وَلَدٍ لم يَلْدَهُ أبَوانِ يريد: لم يَلِدْه، فأسكن اللام، ولم يُمكن سكُون الدال، فَحُرِّك بالضمّ، الذي كان لها في الأصل.

стр. 94

٢١ - ويجوز له أن يجري نون الجميع بالإعراب، يَتَوهَّم أنها أصلٌ؛ كما قال الشاعر: أتُوعدني وراَء بني رياحٍ ... كذبت لَتَقْصُرَنَّ يداك دُونِي عرفنا جَعْفَراً وبني قُشَيْرٍ ... وأنكْرنَا زَعَانِفَ آخَرِينِ فأعرب نون آخرين. ومنه قول الآخر: إنَّي أبِيٌّ أبيٌّ ذو محافظةٍ ... وابنُ أبِيٍّ أبِيٍّ من أُبَيِّينِ وأنتم معشرٌ زَيْدٌ على مائة ... فأجمِعُوا أمركم طُرًّاً فيكدُونِي

стр. 95

ومن كانت هذه لُغَتُه، أثبت النون الزائدة في الإضافة؛ ولذلك قال الشاعر: ومئين القرآن فاتلُ عليهم ... ودَع الشِّعر إنّه شَرُّ قِيلِ فأثبت النون في مِئين القرآن، والوجه: مِئِي القرآن، ولكن توهّم النون من الأصل. ومثله قول الآخر: ولقد ولدتَ بنين صِدْقٍ سادةٍ ... ولأنت بعد الله كنتَ السَّيِّدَا فأثبت النون في بنين. وقد زعم أن إجراء هذه النون الزائدة مُجرى الأصلية، مثلما أجْرَوْا الأصلية مُجرى الزائدة في الكلام. قالوا: ومنه قراءة الحسن ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾، فتوهم أن النون زائدة، وأنه بمنزلة: مسلمين ومُسْلِمُون.

стр. 96

٢٢ - وأجاز قوم أن يُتْرَك صَرْفُ ما ينصرف؛ وأنشدوا: وما كان حِصْنٌ ولا حابِسٌ ... يفوقانِ مِرْدَاسَ في مَجْمَعِ قالوا: فَتَرَك صَرْف مِرْدَاسٍ، ومثله ينصرف. ومن أنكر هذا رواه: . . . . . . . . . . . . . . ... يفوقان شَيْخِيَ في مَجْمَعِ واحتج من أجاز هذا بقول الآخر: وَمِمَّنْ وَلَدُوا عامِ ... رُ ذُو الطُّول وذُو العَرْضِ قالوا: فلم يصرف عامِراً وحقُّه الصرف. ومن أبى هذا يقول: عَامِر يراد به القبيلة؛ فلذلك لم ينصرف.

стр. 97

واحْتُجَّ عليهم بقوله: ذو الطّول وذو العرض وأنه لو أراد القبيلة لقال: ذات الطول والعرض. وهذا الاحتجاج عندهم لا يلزم؛ لأنه لمّا اضطرّ ذكّر، كما قال الآخر: قامت تُبَكِّيه على قبره ... مَنْ لِي مِنْ بعدِكَ يا عامرُ تركتَني في الدار ذا غُربةٍ ... قد ذلَّ مَنْ ليس له ناصرُ وكان الوجه أن يقول: ذات غربة، فلما اضطر رده إلى تذكير الإنسان، كأنه قال: تركتني إنساناً ذا غربة. وأنشد آخرون في تَرْكِ صرفِ ما ينصرفُ، قولَ الشاعر:

стр. 98

لَمُصْعَبُ حين جَدَّ الأم ... رُ أكثرُها وأطْيَبُهَا وزعم الأصمعي أن هذا لابن الرقيّات، وقال: ليس بحجَّة، لأن الحَضَرِية أفسدت عليه لغتَه وقال: إنما ينشده الفصحاء: لأنْتُم حين جَدَّ الأم ... رُ أكثرُها وأطْيَبُها ومثله قول الآخر: وإلى ابن أُمِّ أُنَاسَ أرْحَلُ ناقتِي ... عَمْرٍوٍ فُتدْرِكُ حاجتي أو تُسْعِفُ فلم يصرف أُنَاساً. وقال قوم: الرواية: وإلى ابن أُمِّ أُناسٍ ارْحَلُ ناقتِي ... . . . . . . . . . . . . .

стр. 99

فرد حركة الهمزة على التنوين. ومن أجاز مَنْعَ صرفِ ما ينصرف، زعم أنّ أصل الأسماء كلِّها أن يترك صرفُها، ولكن خُفِّفت منها أسماءٌ صرفت، فإذا تُرك صرفُها، رُدَّت إلى أصلها. والوجه غير هذا، لأن أصلَ الأسماء التمكّنُ في التسمية والإعراب، وتُرِك صَرْفُ مالا ينصرف منها؛ لِعِللٍ ذُكِرَت في غير هذا الموضع. ٢٣ - ومما يجوز له أن يُجريَ المعتلَّ من الأسماء مُجْرَى السالم؛ فيقول في الشعر: هذا قاضِيٌ ومررت بقاضي؛ وحقه أن يكون في الرفع والجرّ ساكنَ الياء؛ لاستثقال الحركات في هذه الحروف، إذ كانت الحركات مشتقة منها، والشيءُ في غيره أبين منه في نفسه، كالسواد في البياض أبين منه في السواد. فمما أجراه الشاعر مُجرى السالم من هذا قوله: لا باركَ اللهُ في الغَوَانِي هَلْ ... يُصْبِحن إلا لَهُنَّ مُطَّلََب

стр. 100

فقال: الغَوانِي فأدخل الجرّ على الياء. ومثله قول الآخر: ويوماً يُجَازِينَ الهَوى غير مَاضِيٍ ... ويوماً تَرَى منهنَّ غُولاً تَغَوَّلُ فقال: ماضِيٍ، فأجراه مُجرى سائر الأسماء المعربة السالمة. ومثله: قد عَجِبتْ مِنِّي ومِنْ يُعَيْلِيَا لما رأتِني خَلَقا مُقْلَوْليا

стр. 101

جعل: يُعَيْلي لا ينصرف، بمنزلة السالم الذي في أوله الياء الزائدة؛ وفَتَحَهُ لأنه موضع الجرّ. وأشبع الفتحة، فصارت ألفاً للإطلاق، كما لو كان يوسف في قافية منصوبة في موضع جر، لقلت: عن يًوسُفَا، مع نظيرهما من القوافي؛ وذلك أن يَعَيْلي تصغير يَعْلَى، فكان حقه في الجرّ والرفع أن يقول: هذا يَُعَيْلٍ، ومررت بيُعَيْلٍ، ورأيت يُعَيْلِيَ، فيفتحه في النصب، ولا يصرفه لأنّه على وزن الفعل المستقبل، فلما أجراه هذا مُجرى السالم، جَعَلَه في موضع الجرّ مفتوحاً، كما يفعل بما لا ينصرف وزاد الألف للإطلاق. ومثله قول الآخر: أبيتُ على مَعَارِيَ فاخراتٍ ... بهنّ مُلَوَّبٌ كَدَمِ العِبَاطِ فأجرى مَعَارِيَ مُجرَى السالم، فحرّكها في الجرّ إلى الفتح، لأنها لو كانت سالمة لم تنصرف؛ إذ كانت مَعَارٍ على مفاعل.

стр. 102

ورواه قوم: أبِيتُ عَلَى مَعَارٍ فاخراتٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . فأجراه على أصله، وأذهب الياء للتنوين على أصل الباب، وهذا لا ضرورة فيه. ومن الأول قول الشاعر: فلو كان عبدُ الله مولًَى هجوتُه ... ولكنّ عَبْدَ الله مَوْلَى مَوَالِيَا وكان الوجه أن يقول: مَوْلَى مَوالٍ، ولكن ردّه إلى الأصلِ، وأجراه مُجرى السالم، فكان بمنزلة مالا ينصرف، ففتَحَهُ في الجرّ، وألحقَ الألفَ للإطلاق. ٢٤ - ومما يجوز له: ردُّ الهمزة في الموضع الذي جرى على أَلْسِنَةِ العرب مخفَّفاً، وذلك أن الفعل المستقبل من رأى جرى على ألسنتهم غير

стр. 103

مهموز تخفيفاً؛ فيقولون: هو يَرَى ذاك، فإذا احتاج الشاعر أجراه على أصله في الهمزة؛ ومنه قول الأول: لَعَمْرُك إنّني لأُحِبُّ نَجْداً ... وما أرْأى إلى نَجْدٍ سَبِيلاَ يريد: وما أرى، فَهَمَز على أصْلِ الهمز في الفِعل. ومثله قول الآخر: ألا تلك جارَتُنَا بالغَضَا ... تقول أتَرْأيْنَهُ لن يَضِيعَا فهمز: أترينه، على الأصل. وكذا قال الآخر: أُرِي عَيْنَيَّ ما لم تَرْأيَاهُ ... كِلانا عَالِمٌ بالتُّرَّهَاتِ

стр. 104

فهمز على أصل ما ذكرنا. ٢٥ - ومما يجوز له: قطع ألف الوصل؛ كما قال الشاعر: ولا يُبادرُ في الشتاء وليدُنا ... ألْقِدْرَ يُنْزِلُها بغير جِعَالِ فقطع الألف من القِدْر، وهي ألف وَصْلٍ، وقال: إنما يكون في النصف الثاني من البيت، كأنَّه موضعٌ سَكَتَ فيه، وابتدأ بها مقطوعة أو في موضع يُتَوَهَّمُ هذا فيه. ومثل الأول قول الشاعر: لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً ... إتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاقِعِ

стр. 105

فقطع الألف من اتسع، وهي ألف وصل. ومثله أيضاً: من لم يَمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرَماً ... ألموتُ كأسٌ والمرءُ ذَائِقُهَا فقطع الألف من قوله: الموتُ كأس على أصل ما ذكرنا. ٢٦ - ومما يجوز له تحريك السّاكن إذا اضطر إلى ذلك؛ مثل قول الشاعر: ثم استمرُّوا وقالوا إنّ مَشْرَبَكُمْ ... ماءٌ بشرقيِّ سَلْمَى فَيْدُ أورَكَكُ وإنما اسم الموضع: رَكٌّ فلمّا اضطرّ حرّك الكاف الساكنة، فأظهر التضعيف.

стр. 106

ومثله قول الآخر: وقاتمِ الأعماقِ خاوِي المختَرَقْ مشتبه الأعلام لَمَّاعِ الخَفَقْ وإنما هو: الخَفْقُ؛ فحرك لمّا اضطر إلى ذلك. وكذا قول الآخر: هاجَكَ من أرْوَى كمُنْهاضِ الفَكَكْ وإنما هو الفَكُّ، يقال: فكَّهُ يَفُكُّهُ فَكّاً، فحرّك وأظهر التضعيف.

стр. 107

وكذا قول الآخر: فالحمدُ لله الذي أعْطَى الحَبَرْ فحرك، وإنما هو مُسَكَّن، وهو السُّرور. ومثله: وشَفَّها اللَّوْحُ بمأْزُولٍ ضَيَقْ يريد: ضَيْقاً، فحرّك. وكذا قوله: صَوَادِقَ العَقْبِ مَهَاذِيبَ الوَلَقْ يريد: الوَلْقَ، وهو: السرعة. فإذا كان قبلَ الحرف مكسورٌ، واحتاجوا إلى حركته، حَرّكُوه بحركة ما قبله، كما قال الشاعر:

стр. 108

. ... ضَرْباً أليماً بِسبْتٍ يَلْعَجُ الجِلِدَا وإنما يريد: الجِلْد، فلما حَرَّكه حَرَّكه بحركة الجيم. وربما كُرِه الجميع بين كسرتين، فرُدَّ إلى الفتح، كما قال الآخر: ولم يُضِعْها، بين فِرْك وعَشَقْ وأصله: العِشْق، وكان حقه في الضرورة أن يقول: عِشِق، فكَرِهَ توالي كسرتين، فرجع إلى الفتح. ٢٧ - ومما يجوز له: تخفيف المشدّد في القافية؛ وذلك أنّ المشدَّد

стр. 109

حرفان، فلما تمّ للشاعر الوزن بأحدهما، حذف الآخر، ومنه قول الشاعر: أصحوتَ اليومَ أمْ شاقَتْك هِرْ ... . . . . . . . . . . . . وكقوله: أرّقَ العينَ خيالٌ لم يَقِرْ ... . . . . . . . . . . . . . . . فخفّف، وأصله التشديد. وكذا قول الآخر: حتى إذا ما لَمْ أجِدْ غيرَ السَّرِي كنتُ امرءاً من مالِكِ بن جَعْفَرِ فخفف: السّرِيّ

стр. 110

ومنه قول الآخر: قتلتُ علياءً وهندَ الجَمَليِ وابناً لصُوحانَ عَلَى دينِ عَلِي فخفّف الياء من عَلِيٍّ، لما احتاج إلى ذلك. ٢٨ - ويجوز له أن يحذف النّون الخفيفة لالتقاء الساكنين، إذا احتاج إلى ذلك، وحقُّه أن يحرِّكها؛ ومنه قول الشاعر: فلستُ بآتيهِ ولا أستطيعُه ... ولاكِ اسْقِنِي إن كان ماؤكَ ذا فَضْلِ فأسقط النون من لكن؛ لسكونها وسكون السين من اسقني، وكان الواجب أن يحرَّكَ إلى ما يُحَرّكُ إليه الساكنُ.
следующие страницы →