← Адаб

Адаб · id 36088

ما يجوز للشاعر في الضرورة

القيرواني، القزاز

Полный текст (263 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٧٠ - ومما يجوز له أن يأتي بالماضي من الأفعال في معنى المستقبل، كما قال الشاعر: شَهِدَ الحُطيئةُ حين يَلْقَى رَبَّهُ ... أنَّ الوليدَ أحقُّ بالعُذْرِ فقال: شهد، فجاء بالماضي في موضع المستقبل. ومثله قول الآخر: وإني لآتيكم تذكُّرَ ما مَضَى ... من الدَّهرِ واستِيجَابَ ما كان في غَدِ ومثله قول الآخر: لقد أمرُّ على اللئيم يَسُبُّنِي ... فمضيتُ ثُمَّتَ قلْتُ لا يَعْنِيِني

стр. 177

قال: فمضيت وهو يريد: فأمضي. وقد زعم قومٌ أن هذا ليس من الاضطرار، وأجازوه في الكلام، وقالوا: هو من أفصحه؛ ومنه قوله جلَّ وعَزَّ: ﴿وإذْ قَالَ اللهُ يا عِيسَى بْنَ مَرْيَم أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ﴾، قالوا: معناه: وإذ يقول الله يومَ القيامة. ومثله قوله جلَّ وعَزَّ: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مَالَهُ أخْلَدَهُ﴾، أي يُخِلدُه؛ لأنه لم يكن خُلودٌ بعد. وكذا قوله جلَّ وعَزَّ: ﴿قَالُوا يا أباَناَ مُنِعَ مِنَّا الكيْلُ﴾، وإنما هو يُمْنَع منا، إن لم تُرسلْ معنا أخانا؛ لأنّه لم يُمْنَعْ بعد. ٧١ - ومما يجوز له: إثباتُ الهاء في صفات المؤنّث التي جرت على كلامهم بغير هاءٍ، وذاك أن العرب تقول: مِلْحَفَةٌ جَديدٌ وخَلَقٌ، ولا تقول غير ذلك، ولكن إذا اضطر الشاعر جاز له ردها؛ كما قال مزاحم العقيلي:

стр. 178

تَرَاهَا على طُولِ القَوَاءِ جَديدةً ... وعَهْدُ المَغَانِي بالحُلُولِ قَدِيِمُ وكان الوجه أن يقول: جديد؛ لأنه كلام العرب، غير أنه أجراه على ما كان يجب له في الأصل. وكذا يقولون: أصبحت هندٌ دَهِينَةٌ، والوجه: دهينا، ومنه قول الآخر: قد أصبَحَتْ بالأمْسِ ماءُ اللِّينَهْ يَحُفُّها مِلْ قَوْمِ أرْبَعُونَهْ حاليةً كاسيةً دَهِينَهْ وإنما فعلوا ذلك إرادة البيان، كما قالوا: هذه فَرَسَةٌ وعَجُوزَةٌ، فأثبتوا الهاء؛ إرادة البيان في التأنيث. ومثله قول الآخر: رأيتُ خُتُونَ العامِ والعامِ قَبلَهُ ... كحائِضَةٍ يُزْنَى بها غَيْرِ طاهِر

стр. 179

فقال: كحائضة، والوجه: كحائض، لأنه صفة للمؤنث، لا يَشرَكُها فيه المذكَّر. ٧٢ - ومما يجوز له أن يقول: لا زيدٌ في الدَّار؛ لأن هذا موضع (ما)، فإذا كرر وقال: لا زيدٌ في الدار ولا عمروٌ جاز، فإن اضطر جاز له أن يوقعها على المعرفة بلا تكرير، كما قال الأول: بَكَتْ جَزَعاً واسترجعتْ ثم آذنتْ ... ركائِبُهَا أنْ لا إلينا رُجُوعُها فأوقعها على الرجوع، وهو معرفة مبتدأ، وإلينا الخبر. ومثل هذا قول الآخر: مَنْ صَدَّ عن نِيرانهَا ... فأنا ابنُ قَيْسٍ لا بَرَاحُ

стр. 180

وحق (لا) أن تكررها هنا أيضاً، كما قال ﵎: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ فإذا أفردت كان ذلك من ضرورة الشعر، و (لا) فيه تُردّ على معنى ليس. ٧٣ - ومما يجوز له: إدخال إلاَّ في الواجب مع كُلٍّ، لأن فيها معنى النفي. ومنه قول الآخر. فكلُّهُمُ حاشاكَ إلاَّ وَجَدْتَهُ ... كعَيْنِ الكَذُوبِ جُهْدُها وَاحْتِفَالُها فأدخلها في الواجب، كما تدخل مع الجَحْد؛ لأن المعنى معنى العموم؛ أي ما منهم أحدٌ إلاَّ وجدتَه كعين الكَذُوب حاشاك. ٧٤ - ومما يجوز له: بدل الحروف بعضها من بعض، إذا احتاج ذلك لعلة، كما قال الشاعر. لها أشارِيرُ من لحم تُتَمِّرُهُ ... من الثَّعالِي وَوَخْزٌ من أرانيها

стр. 181

ذلك أنه لما احتاج إلى تسكين الباء في الثعالب والأرانب ليعتدل له الوزن، أبدل منها حرفاً لا يكون في موضعهما من الإعراب إلا ساكناً. وكذا قول الآخر: وَمَنْهَلٍ ليس به حَوَازِقُ ولِضفادِي جَمِّهِ نَقَانِقُ

стр. 182

فإنما احتاج إلى تسكين العين في الضفادع؛ ليتفق له الوزن فأبدل الياء مكانها، لأنها لا تكون في هذا الإعراب إلا ساكنةً. ومما يقرب من هذا البدل والتعويض، ما أنشد الفراء: الباعثِ الناسَ والأمواتَ قد ضَمِنَتْ ... إياهُم الأرضُ مُذْ دَهْرِ الدَّهارِيرِ قال: فإنما يريد: مُذْ دَهْرِ الأدَاهِير، ولكنه لمَّا احتاج إلى العِوض جعل الرَّاء عِوضاً من الهمزة. وقال: مثله تصغيرهم الأصيل: أُصَيْلالاً، وإنما هو تصغير آصالٍ، زيدت لام في آخره، وحذفت الهمزة من أوله، كأنهم أرادوا أُوَيْصالاً، فقالوا: أصَيْلال. وقال قوم: الدهارير جمعٌ لا واحدَ له، ولو كان له واحد، وجب

стр. 183

أن يكون دُهٍروراً، وأيضاً فإنه يلزم أن لا يقع هاهنا عِوَضٌ؛ لأنه لا اضطرار فيه في وزن ولا غيره؛ لأنه لو قال في وزن الشعر: الأداهير في موضع: الدهارير لم ينقص ذلك من الوزن ولا كانت فيه ضرورة. وكذا قالوا في قول الآخر: حتَّى كأن لم يكُنْ إلاَّ تذكُّره ... والدَّهرُ أيَّتَمَا حالٍ دَهَاريرُ قالوا: وأُصيْلال اللام فيه بدل من النون والأصل: أُصَيْلان كأنهم صَغَّرُوه على هذا البناء، كما صغروا المغرِب: مُغَيْرِبان؛ كأنه تصغير مَغْرِبان، وأشياء من هذا إن ذكرناها طال بها الكتاب.

стр. 184

٧٥ - ومما يجوز له: الإيجاز في الإخبار، والإتيان بما يدل على ما أراد، كما قال الشاعر يرثي أخاه: إلى اللهِ أشْكُو لا إلى الناسِ فَقْدَهُ ... وَلَوْعَةَ حُزْنٍ أَوْجَعَ القلبَ داخلُهْ وتحقيقُ رؤيا في المنام رأيتُها ... فكان أخيِ رُمحِي تَرَفَّضَ عامِلُهْ فلم يذكر الرؤيا التي رأى، ولكن دلّ على ما رأى عبارتُه؛ لأنه حين قال: . . . . . . . . . ... فكان أخي رُمحيِ تَرَفَّض عامِلُهْ فقد دلّ على أنه رأى أنه ترفَّضَ عاملُ رُمحه، فتأوَّل ذلك فقدانَ أخيه. ٧٦ - ومما يجوز له: تَرْكُ المصدر إلى ما يَقْرُبُ من مصدر ذلك الفعل ويكون أصْلَهُ. كما قال رؤبة وذكر الصائد: لا يَلْتَوِي مِن عَاطِسٍ ولا نَغَقْ يقول: لا يتطيَّر من عاطسٍ، ولا من صوت غراب. والمصدر النَّغِيقُ

стр. 185

والنُّغاق، ولكن جاء به على هذا النَّغْق، وحرك الساكن اضطراراً، وذاك أن أصل الأفعال الثلاثية أن يأتي مصدرها على الفَعْل، فيما كان متعديا نحو ضَرَبَهُ ضَرْباً، فإذا لم يكن متعدياً فأصله فُعُول، كقولك: قَعَدَ قعُوداً. وربما جاء الفَعْل فيما كان غير متعدٍّ، والفُعُول فيما كان متعدياً؛ فأما ما جاء منه في المتعدِّي، فقولهم: شكره شُكُورا، وأما ما جاء من الفَعْل في غير المعتدى، فقولهم: عَجَزَ الرجلُ عَجْزَاً، فجاء الشاعر بالفَعْل الذي ذكرنا، على هذا. ومثله قول أبي نواس: وإذا نَزَعْتَ عن الغِواية فَلْيَكنْ ... للهِ ذاك النَّزْعُ لا للنَّاسِ فقال: النَّزْع وحقه أن يقول: النُّزُوع، لأن العرب تقول: نَزعَ الرَّجُلُ عن الأمر نُزُوعاً إذا أقلع عنه، ونَزَع الثوبَ نَزْعاً، فردَّه إلى الفَعْل، كأنه عنده الأصل، أو شبهه بنزع الثوب، فأتى بمصدر مثله. ٧٧ - ومما يجوز له عند الكوفيين: إفراد الاسم الواحد العلم، وعطفه على الجمع، وهم يريدون بالواحد الجمعَ، وجاز ذلك عندهم؛ لأن الجمع الأول يدلّ عليه؛ وذلك مثل قول الشاعر:

стр. 186

فإن تَصِلُوا ما قَرَّب اللهُ بَيْننا ... فإنّكُمُ أعمامُ أُمِّي وخالُها يريد: فإنكم أعمامُ أمي وأخوالُها، فدلّ على ذلك قوله: أعمام. ٧٨ - ومما يجوز له: تُرْكُ تنوين أذْرِعات، وعَانات، وما أشبههما وأن يجعل ذلك بمنزلة مالا ينصرف، فيفتح في موضع الجرّ، وأنشدوا: تخيَّرها أخُو عانَاتَ شَهْراً ... يُرَجِّي بِرَّها عاماً فَعَامَا فلم يَصْرِف عاناتٍ، وهي في كلام العرب مصروفةٌ منونة. ٧٩ - ومما يجوز له: حذف الضمير الذي لابد من إظهاره، وذلك مثل قولك: زيدٌ طعامَكَ آكله هو فهو إظهار الفاعل من آكله، ولابد منه، ولكن يحذف في الشعر، كما قال الشاعر: وإنَّ امْرَأ أهداكِ بيني وبينه ... مَجُوفُ عِلافيٌّ وقِطْعٌ ونُمْرُقُ لَمحقُوقَةٌ أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أنَّ المعانَ موفَّقُ

стр. 187

فحذف صاحب محقوقة؛ أراد: لمحقوقة أنتِ. وكذا قول الآخر: أمُسْلِمَتِي للموتِ أنتِ فميِّتٌ ... وهلْ للنفوسِ المُسْلَماتِ بقاءُ أراد: فأنا ميت، فحذف ما لابد منه في الكلام. ٨٠ - ومما يجوز له: حذف بعض الحروف التي دخلت لمعنى، كما قال الشاعر: قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي

стр. 188

فحذف النون التي كانت في قدني، وذاك أنها دخلت لتَسْلَمَ الدَّالُ على سكونها، فَحَذَفَها لمَّا احتاج إلى الوزن، وحَرَّك الدالَ بالكسر للقافية. وقال آخر: كَمُنْيَةِ جابرٍ إذ قال لَيْتي ... أُصَادِفُه وأفْقِدُ بَعْضَ مَالِي أراد: ليتني فحذف النون؛ لأنها زائدة، وليفعل في ليت ما فُعِل في إنَّ ولَعَلَّ؛ لأنهم يقولون: إِنِّي ولَعَلِّي. ٨١ - ومما يجوز له: الحذف والتغيير، على قول الكوفيين، في قول الشاعر: فلم أرَ مثلها خُباسة واحدٍ ... ونَهْنَهْتُ نفسي بعد ما كدتُ أفْعَلَهْ

стр. 189

قال الفراء: أراد: أفْعَلُها، فحذف الألف وفتح اللام؛ ليدلَّ على أنه حذف الألف؛ لأن الفتحة من جنس الألف. وهذا يفسد عند سائر الناس؛ لأن الفتحة يجب أن تكون على الهاء، واللام فعليها الإعراب، فمستحيلٌ أن يَسْقُطَ ويؤتى بما لا يلزم أن يدخله ولا يكون دليلاً فيه؛ لأن الهاء حائل بينهما. وأيضاً فإن هذا لا يجوز إلا فيما قبل آخره ساكنٌ، فتُردّ حركة الهاء عليه؛ كما أنشد سيبويه: عَجِبْتُ والدَّهْرُ كثيرٌ عَجَبُهْ مِن عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لم أضْرِبُه كان الوجه: لم أضْرِبْ، ثم ردّ حركة الهاء، على الباء الساكنة، وسكَّن الهاء.

стр. 190

والذي قال سيبويه في هذا البيت: إنما حملوه على أن الشعراء يستعملون أن هاهنا كثيراً، كأنه قال: بَعْدَ ما كِدْتُ أنْ أفْعَلَهُ. وهذا أيضاً عند أصحابه غلطٌ، وذاك أن كاد لا يجوز أن تدخل معها أنْ إلا في الشعر؛ لأن معناها المقاربة؛ ومنها قول جلَّ وعزَّ: ﴿مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾؛ فكيف تضمر مع ما لا تدخله ثم تعملُ، وهي لا تضمر في غير هذا الموضع حتى يكون في الكلام دليل عليها؟ كما قال الشاعر: ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرَ الوَغَى ... وأن أشْهدَ اللَّذاتِ هل أنتَ مُخْلِديِ

стр. 191

فأراد: أنْ أحْضُرَ، ولكن حذف لما كانت أن الثانية في قوله: وأنْ أشهدَ اللَّذّات تدل على ذلك. على أن بعض النحويين، لم يجز في هذا إلا الرفع، وقال: إذا فُقِدَتْ أن رُفع الفعل. فهذا وأمثاله يضعف ما قال سيبويه عندهم. وقال قوم: بعد ما كدتُ أفعلَنْهُ، ثم حذف النون؛ فبقيت اللام على فتحها. وقد زعم بعض النحويين أن هذا أيضاً غلطٌ؛ لأن النون إذا كانت في هذا الكلام، لم يجب حذفُها؛ إذ لا عِلَّةَ أوجبت ذلك، فإن كان الذي أوجبها اضطرار الوزن، وجب أن يزول عن البناء إلى الأعراب؛ لأن النون ليست بشيءٍ لازم المعنى. واستحسنَ صاحبُ هذا القول قولَ سيبويه وصَوَّبَهُ. ٨٢ - ومما يجوز له: رَفْعُ الاسم بتأويل معنىً في الكلام؛ مثل قول الشاعر: لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ... ومُختبطٌ مما تُطِيحُ الطَّوائِحُ

стр. 192

فرفع يزيد؛ لأنه اسم ما لم يُسَمَّ فاعله، ورفع ضارع ومختبط بالمعنى، لأنه لما قال: لِيُبْكَ عُلم أنَّ له باكياً، فكأنه قال: يبكيه ضارعٌ لخصومةٍ ومختبطٌ. وقد زعم قوم أن هذا جائز في الكلام، وأن منه قوله جَلَّ وعزَّ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾؛ قالوا: فالشركاء مرفوعون بالمعنى، أي زَيَّنَه شركاؤُهم. ٨٣ - ومما يجوز له: إدخال الكاف على الكاف، مثل قول الشاعر:

стр. 193

وَصَالِياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ فأدخل الكاف على الكاف. وهو مثل قول الآخر: فَصُيِّرُوا مثْلَ كَعَصْفٍ مَأكُولْ فأدخل مِثْلاً على الكاف، ومعناهما واحدٌ، إرادةَ التوكيد. ٨٤ - ومما يجوز له: الخفضُ على الجوار، وذلك مثل قول الشاعر:

стр. 194

كأنَّ نَسْجَ العنكَبُوتِ المُرْمِلِ فخفض المُرْمِل لمجاورة العنكبوت، وحقه أن يكون منصوباً لأنه من نعت النَّسْج. ومثله قول امرئ القيس: كأنَّ ثَبِيراً في عَرَانينِ وَبْلِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ فخفض مُزَمَّلاً لجواره البِجاد، وكان حقُّه أن يكون رفعاً، لأنه نعتٌ للكبير. ومثله قول الآخر: كأنَّها ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعْيُنِها ... قُطْناً بِمُسْتَحْصِدِ الأوتار مَحْلُوجِ

стр. 195

فخفض محلوجاً لجواره الأوتار وحقه أن يكون نصباً؛ لأنه من نعت القطن. وأجاز بعض النحويين مثل هذا الكلام، وحكى سيبويه أن العرب تقول: هذا جُجْرُضَبٍّ خَرِبٍ؛ فيخفضون الخَرِبَ لجواره الضَّبَّ وإن كان نعتاً للجُحْر. وهذا عند أكثرهم لا يجوز إلا في الشعر. ٨٥ - ومما يجوز له: قَصْرُ الممدود؛ وذاك أنك إذا قصرته حذفت منه، والعَربُ من كلامها الحذف استخفافاً، كما قال الشاعر: وَشَطَّ بِفُرقَتِهَا بارِحٌ ... فَصَدَّق ذاك غرابُ النَّوى وأضحتْ بِبغْدَانَ في منزلٍ ... شُرُفاتٌ دُوَيْن السَّما فقصَرَ السَّما لما اضطر إلى ذلك، وهو كثير تغني شهرته عن الاستشهاد له. ٨٦ - ومما يجوز له أنك إذا قلت: صَهٍ وإيهٍ، فكأنك قلتَ

стр. 196

له: سكوتاً وحديثاً. ويجوز للشاعر حذف التنوين اضطراراً؛ ومنه قول ذي الرُمَّة: وَقَفْنا فقُلْنا إيهِ عن أمِّ سالِمٍ ... وما بالُ تَكْلِيم الدِّيار البَلاقِعِ قالوا: فترك التنوين اضطراراً، وأكثر النحويين على غير هذا؛ وذلك أنهم يجعلون التنوينَ في مثل هذا فرقاً بين المعرفة والنكرة؛ فإذا قالوا: صَهٍ، كان معناه: سكوتاً، وإذا قالوا: صَهِ، فكأنهم قالوا: السَكوتَ، وكذا إيهٍ: حديثاً، وإيهِ: الحديثَ. ٨٧ - ومما يجوز له: إدخال لام القَسَم على إنْ، وتوهّم حذفها، كما قال الشاعر: لئن تَكُ قد ضَاقَتْ عليكُمْ بيوتُكُمْ ... لَيَعْلَمُ رَبِّي أنّ بيتَي واسِعُ

стр. 197

فَجَزَمَ بلئن؛ وزاد لأنه توهّم حذف اللاّمِ والجزم بإنْ. وكذا قال الآخر: لَئِنْ كان ما حُدِّثْتُه اليومَ صادِقاً ... أصُمْ في نهارِ القَيْظِ للشَّمس باديا وأركبْ حِماراً بين سَرْجٍ وفرْوَةٍ ... وأُعْرِ من الخاتامِ صُغْرَى شِماليَا فتوهّم حذف اللام والجزم بإنْ، فموضع كان جَزْمٌ بالشرط، وجَزَمَ أصُمْ بالجواب وهو المجازاة، وجزم أرْكَبْ وأُعْرِ بالعطف على أصُمْ.

стр. 198

وكذا قول الآخر: فلا يَدْعُنِي قَوْمِي صَرِيحاً لحُرَّةٍ ... لئن كنتُ مقتولاً وتَسْلَمَ عامِرُ فتوهّم إسقاط اللام، ونصب تَسْلَمَ؛ لأنّه جوابٌ بالواو، ومعناه: لا يجتمعُ هذانِ، ونصَبَهُ بإضمار أنْ وتسمّيه الكوفيون: الصَّرْفَ. ومنه قول الأعشى: لئن مُنِيتَ بنا عن غِبِّ معركةٍ ... لا تُلْفِنَا من دماء القومِ نَنْتَفِلُ فجزم تُلْفِنَا؛ لأنه توهم سقوط اللام، وأن هذا جوابٌ للشرط.

стр. 199

٨٨ - ومما يجوز له: دخول الحروف بعضها على بعض، كما قال الشاعر: ولئن قومٌ أصابوا غِرَّةً ... وأصبناَ من زمانٍ رَقَقَا لَلَقَد كانُوا لدَى أزْمَانِنَا ... لَصَنِيعيْنِ لبأسٍ وتُقَى فأدخل لاماً على لقد، وهذا ممتنع في الكلام. وكذا قول الآخر: لَدَدْتُهمُ النَّصيحةَ كُلَّ لَدٍّ ... فمجُّوا النصحَ ثم ثَنْوا فَقَاءُوا فَلا والله ما يُلَفى لِمَا بِي ... وَلا لِلِمَا بهم أبدا دَوَاءُ

стр. 200

فأدخل اللام أيضاً. ومنه قول الآخر: كما ما امرؤٌ في مَعْشَرٍ غيرِ رَهطِهِ ... ضَعِيفُ الكلام شَخْصُهُ مُتضَائِلُ فأدخل كما على ما. ومنه قول الآخر: وحُدِّثتُ أنّ إنّما بين بِيشَةٍ ... ونَجْرَانَ أحْوَى والجنَابُ رَطِيبُ فأدخل أنّ على إنّما. ٨٩ - ومما يجوز له: حذف واو الجميع في قولهم: ضربوا ودخلوا، فيقولون: ضَرَبُ ودَخَلُ، وذاك أن من العرب من يجتزئ من الواو بالضمة، فيقول: سَنَدْعُ زيداً، يريد: سندعو فاكتفى بالضمة من الواو. وكذا قرئ ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ و ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ﴾، ثم حملهم هذا على حذف واو الجميع، والاجتزاء بالضمة أيضاً.

стр. 201

ومنه قول الشاعر: إذا ما شاءُ ضَرُّوا مَنْ أرادُوا ... ولا يألُو لهم أحَدٌ ضِرَارا فقال: شاءُ، وكان الوجه: شاءَوا، ولكن حذف الواو واكتفى بالضمة، على أصل ما ذكرنا. وقد أجاز هذا بعضُهم في الكلام، فأما في الشعر فهو كثير. ومنه قول الآخر: فلو أنّ الأطِبَّا كانُ حَوْلِي ... وكان مع الأطِبّاء الأُسَاةُ فقال: كانُ، يريد: كانوا، فحذفَ على أصل ما ذكرنا. ٩٠ - ومما يجوز له: القَلْبُ، كما قال الشاعر:

стр. 202

كانت فريضة ما أتَيْتَ كما ... كان الزُّناءُ فَرِيضة الرَّجْمِ فقلت، وإنما الوجه أن يقول: كما كان الرَّجْمُ فريضةَ الزنَاء، ولكن جاز هذا؛ كما أن الشاعر يعلم أنه مفهوم. ومنه قول الآخر: لقد خِفتُ حتَّى ما تَزِيدُ مَخَافَتِي ... على وَعِلٍ في ذي المَطَارَة عاقِلِ والمعنى: حتًّى ما تزيد مخافةُ وَعَلٍ عَلَى مَخافتي.

стр. 203

وكذا قول الآخر: . . . . . . . . . . . . . . . . ... كأنَّنا رُعْنُ قُفًّ يَرفَعُ الآلا أي يرفعه الآلُ، فقلب على أصل ما ذكرنا. ومنه قول الآخر: وتكْسُو المِجَنَّ الرَّخْوَ خَصْراً كأنّه ... إهانٌ ذَوَي عن صُفْرَةٍ فهو أخْلَقُ وكان الوجه أن يقول: وتكسو الخَصْرَ مِجَناًّ، فقلب على ما ذكرنا. وكذا قال أبو النجم: قبلَ دُنُوَّالأُفْقِ من جَوْزَائِهِ وإنما تدنو الجوزاء إلى الأفق.

стр. 204

وكذا قول الآخر: فصَبَّحَتْه كلابُ الغوث يُؤسِِدُها ... مُسْتَوْضِحُونَ يَرَوْنَ العينَ كالأَثَرِ والوجه: يرون الأثر كالعين. وكذا قول الآخر: . . . . . . . . . . . . . . . . . يَرَوْ ... نَ الجَمْرَ مثلَ تُرابِها أي يرون ترابَها مثلَ الجمر. وكذا قول الآخر: أسْلَمتْهُ في دِمَشْقَ كما ... أسْلَمَتْ وَحْشِيَّةٌ وَهَقَا والوجه: كما أسلمَ وحشيَّةً وَهَقٌ.

стр. 205

٩١ - ومما يجوز له: العطف بفاعلٍ على يَفْعَل، إذا كان في موضع الحال؛ وذلك مثل قول الشاعر: بِتُّ أُعَشِّيها بعَضْبٍ باترِ يَقْصِدُ في أسْؤُقها وَجَائِرِ يريد بقاصدٍ في أسؤُقها وجائرٍ، وكونُ يَفْعَل حالاً كثيرٌ، منه قول الشاعر: متى تأته تعشُو إلى ضَوْء نارِه ... تجدْ خَيْرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقدٍ يريد: متى تأتِهِ عاشياً. وكذا قول الآخر: من الذَّرِيحيَّاتِ جَعْداً آرِكَا

стр. 206

يَقْصُر يمشِي ويَطُول باركَا قال: يَقْصُرُ يمشى، يريد: ماشياً؛ ولذلك عطف عليه ببارِكٍ، وهو فاعل، وهذا كثيرٌ في الكلام، وليس من اضطرار الشعر إذا كان على هذا، ولكن جَعَلَ بعضُهم عطفَ الاسم على الفعل اضطراراً. ٩٢ - ومما يجوز له: جمعُ حرفين بمعنى واحد، إرادة التوكيد، مثل جمع لام كي مع كَيْ في كلمة، وهذا جائز في الكلام، ولكن جاء في الشعر جمع ثلاثة أحرف، وهو في قول الشاعر: من حيثُ لا إنْ ما رأيتُ مِثلكَا فجمع بين لا وإنْ وهما بمعنى ما وما فاجتمعت ثلاثة أحرف بمعنى واحد.

стр. 207

ومثله قول الآخر: يُرََجّى المرءُ مالا إنْ يُلاقِي ... وتُعْرِضُ دون أبْعَدِهِ الخُطوبُ فجمع بين ثلاثة أحرف، وهي ما ولا وإنْ وهي بمعنى واحد. ٩٣ - ومما يجوز له: إدخال الباء في خبر ما، ويجعلها تلي ما كما قال الشاعر: أمَا واللهِ أنْ لو كنتَ حُرَّا ... وما بالحُرِّ أنتَ ولا العَتيقِ فقال: وما بالحر أنت، فأدخل الباء تلي ما، وهذا لا يجوز في الكلام، وإنما جاز لاضطرار الشعر.

стр. 208

٩٤ - ومما يجوز له: تقديمُ الجَحْدِ من آخر الكلمة إلى أوّلها، كما قال الشاعر: إذا أعْجَبتْكَ الدَّهرَ حالٌ من امرئٍ ... فَدَعْهُ وواكلْ حالَهُ واللَّيَالِيَا يجِئْنَ علي وكان من صالحٍ به ... وإن كان فيما لا تَرَى العينُ آلِيَا ومعناه: وإن كان فيما يَرَى الناسُ لا يألُو، فقدَّم الجَحْدَ في أول الكلام، وهو يريد تأخيره. وكذا قول الآخر: ولا وأرُاها تَزَالُ ظالمةً ... تُحْدِثُ لي نكبةً وتنكؤُهَا يريد: وأراها لا تزالُ، فقدّم على ما ذكرنا. ٩٥ - ومما يجوز له: كسر ياء المتكلم التي هي مفتوحة، وذاك أنه يقال في الكلام: هذا غلامِي، وهذه دارِي، فإن شئت فتحت الياء؛ وإن شئت أسكنت؛ فإذا كان قبل هذه الياء حرفٌ ساكنٌ، ياءٌ أو ألفٌ،

стр. 209

كانت مفتوحةً، نحو: عصَايَ قاضِيَّ، فقبلها ألفٌ في عَصَايَ وياء ساكنة في قاضِيَّ. وإذا احتاج الشاعر، كَسَرَ الياء وتوهَّمها كانت ساكنةً، وأنه حرّكها إلى ما يُحرّك إليه الساكنُ، لأن العرب تجيزُ أن يحرَّك الحرفُ إلى الكسر في اجتماع الساكنين، وإن كان أصلهُ غيرَ ذلك، ألا ترى أنهم أجازوا أن يقول القائلُ: لم أرَهُ مُذِ اليومِ، وحقّ الذال أن تُحرّك بالضم، ولكن أصلَ المحرّك لالتقاء الساكنين أن يكون مكسوراً، فيحرك الشاعرُ الياءَ إلى ذلك، كما قال الشاعر: قال لها هل لك يا تَافِيِّ قالت له ما أنتَ بالمرضِيِّ فحرك الياء من فِيَّ بالكسر، لما احتاج إلى ذلك، وكان الوجه الفتح. قد أجاز مثلَ هذا في الكلام بعضُهم؛ فقرأ الأعمش: ﴿وَمَا أَنتُمْ

стр. 210

بِمُصْرِخِيَّ﴾ بكسر الياء، وأكثر الناس على أن هذا لا يجوز في الشعر فضلاً على الكلام؛ قالوا: وهذا من غلط صاحب هذه القراءة، وكثيراً ما يغلط مَنْ لا بَصَرَ له بالعربية في أمثال هذا. ٩٦ - ومما يجوز له عند الكوفيين: إفراد واحد كِلْتا. وأنشدوا: في كِلْتَ رِجْلَيْهَا سُلاَمَي وَاحِدَهْ كلتاهما مَقْرونةٌ بزَائِدَهْ فقال: في كِلْتَ، فوحّد على أصل قولهم؛ لأنهم يقولون إن كلتا تثنية، وهو اسم واحد عند البصريين، وأصلُ تائه واوٌ، ولكن

стр. 211

أبدلت تاءً، لتدُلَّ على التأنيث. واستدلوا على ذلك بأنّ النسب إليه كَلَوِيٌّ، فيرجع إلى الواو، وكِلاَ عندهم واحدُ كَمِعىً. وهذا البيت عندهم من اضطرار الشعر. ٩٧ - ومما يجوز له: إدخال أنْ في جواب كاد، والوجهُ أن لا تَدْخلَ، إذا قلت: كاد زيدٌ يقومُ؛ لأنها وُضعت للمقاربة، وقد أجازوا إدخال أنْ معها، وشبّهوها بعَسَى؛ فقال الشاعر: قد كاد من طُولِ البِلَى أن يَمْصَحَا فأدخل أنْ في الجواب، وحقّها الحذف.

стр. 212

٩٨ - ومما يجوز له: وضعُ الكلام غيرَ موضعه، كما قال الشاعر: صَدَدْتِ فأطْوَلْتِ الصُّدودَ وقَلَّما ... وِصالٌ على طُول الصُّدُودِ يَدُومُ أي: وقلَّما يدومُ وصالٌ على طُول الصُّدود. ويجوز له أيضاً من التقديم والتأخير مالا يكون مثله في الكلام؛ وذلك مثل قول الأول: وما مِثْلُه في النَّاس إلاَّ مُمَلَّكاً ... أبو أمِّه حَيٌّ أبوه يقارِبُهْ يريد: وما مثلُه حَيٌّ يقاربُه إلا مُمَلَّكٌ، أبو أمِّ ذلك المملَّك أبُوه، فدلّ بهذا على أنه خالُه؛ ونصَبَ مملَّكاً، لأنه استثناء مقدم.

стр. 213

٩٩ - ومما يجوز له، وهو من أقبحِ الضرورات: تصحيح حروف الاعتلال، قبل الألف التي تكون بدلا من التنوين في النصب؛ وذاك أنهم يشبهونها بالهاء؛ فيقولون: سِقايا في: سقاءٍ، كما يقولون: سِقاية فيصححون الياء ولا يبدلون منها همزة مع الألف التي هي عوض من التنوين كما يفعلون مع الهاء؛ ومن ذلك قول الشاعر: إذا ما المرء صَمَّ فلم يُكَلَّم ... وأعيا سَمْعُه إلا نِدايَا ولاعَبَ بالعشِيِّ بِنى بنيِه ... كفِعْلِ الهرِّ يلتمس العَظَايا يلاعبُهم وَوَدُّوا لو سَقَوْهُ ... من الذِّيفان مُتْرَعةً إنايَا فأبْعَدهُ الإلهُ ولا يُؤَبَّى ... ولا يُعْطَى من المرضِ الشِّفَايَا فأبقى الياء على ما كانت عليه مع الهاء، والحق أن يبدل منها همزة؛ فيقال:

стр. 214

النداء، والعَظَاء، وإناء، والشّفاء، وهذا من أقبح ضرورة عندهم؛ إذ كان لا أصل له في كلامهم. ١٠٠ - ومما يجوز له: بَدَلُ الهمزة في الموضع الذي لا يقوم فيه الشعر بتحقيقها ولا بتخفيفها؛ وذاك إذا كان قبله متحرك، وأصلها أنها إذا كانت متحركة بالفتح وقبلها فتحة، جعلت بَيْنَ بَيْنَ، ومعنى بَيْنَ بَيْنَ: بَيْنَ الحرف الذي منه حركتها وبين الهمزة، وإذا جعلتها بَيْنَ بَيْنَ، لم ينقص من وزن المحقّقة شيئا؛ فإذا كان الشاعر لا يقوم له الوزن بذلك، أبدل منها، وذلك مثل قوله: سَالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ الله فاحشةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بما سَالَتْ ولم تُصِبِ فأبدل من الهمزة ألفاً، وكان هذا موضع بَيْنَ بَيْنَ.

стр. 215

ومثله قول الآخر: راحتْ بمسلَمَةَ البغالُ عشِيَّةً ... فارْعَيْ فَزَارَةُ لا هَنَاكِ المرتَعُ فقال: لا هَنَاكِ، فأبدل من الهمزة ألفاً، والأصل ما ذكرنا. وكذا قول الآخر: ولا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ عِشْتُ صَوْلَتِي ... ولا أخْتَتِي من صَوْلَةِ المُتَهدِّدِ وكان الأصل هاهنا: ولا أخْتَتِيُّ، وليس هو موضعَ بَدَلٍ؛ لأن الهمزة أيضاً إذا كانت مضمومة أو مكسورة، كانت مع أيِّ حركة قبلها بَيْنَ بَيْنَ في حال التخفيف. وإنما يقع البدل فيها، إذا كانت مفتوحة وكان ما قبلها مضموماً أو مكسوراً؛ كقولك: هذا صاحبُ أبيكَ، فإن أردت تخفيفها قلت: هذا صاحبُ وَبِيكَ، وكذا: مررت بصاحبِ يَبيكَ، فتبدل مع
следующие страницы →