← Акыда

Акыда · id 36091

مختصر التحفة الاثني عشرية

محمود شكري الألوسي

Полный текст (339 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المثنى ابن الحسن السبط الأكبر سألوه عن حديث «من كنت مولاه» هل هو نص على خلافة علي؟ قال لو كان النبي ﷺ أراد خلافته بذلك الحديث لقال هكذا: يا أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم من بعدي فاسمعوا وأطيعوا. ثم قال الحسن: أقسم بالله أن الله تعالى ورسوله لو آثرا عليا لأجل هذا الأمر ولم يمتثل علي لأمر الله ورسوله به ولم يقدم على هذا الأمر لكان أعظم الناس خطأ بترك امتثال ما أمر الله ورسوله به. قال رجل: أما قول رسول الله ﷺ «من كنت مولاه فعلي مولاه؟» قال الحسن: لا والله، إن رسول الله لو أراد الخلافة لقال واضحا وصرح بها كما صرح بالصلاة والزكاة وقال: يا أيها الناس إن عليا ولي أمركم من بعدي والقائم في الناس بأمري. (١) وأيضا في هذا الحديث دليل صريح على اجتماع الولايتين في زمان واحد، إذ لم يقع التقييد بلفظ «بعدي» بل سوق الكلام لتسوية الولايتين في جميع الأوقات من جميع الوجوه كما هو الأظهر، وشركة الأمير للنبي ﷺ في التصرف ممتنعة فهذا أدل على أن المراد وجوب محبته، إذ لا محذور في اجتماع محبتين، بل إحداهما مستلزمة للأخرى، وفي اجتماع التصرفين محذورات كثيرة كما لا يخفى. (٢) وإن قيدتموه بما يدل على إمامته في المآل دون الحال فمرحبا بالوفاق، لأن أهل السنة أيضا قائلون بذلك في حين إمامته. وأما وجه تخصيص الأمير بالذكر دون غيره فلما علمه النبي ﵇ بالوحي من وقوع الفساد والبغي في زمن خلافته وإنكار بعض الناس لإمامته. وكذلك فسر بعض الشيعة «الأولى» الواقع في صدر الحديث بالأولى بالتصرف، وهو باطل، والمراد الأولى في المحبة، يعني ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم في المحبة؟ لتتلائم أجزاء الكلام، ولفظ الأولى قد ورد في غير موضع بحيث لا يناسب أن يكون معناه الأولى بالتصرف أصلا كقوله تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾، ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ فإن سوق هذا الكلام لنفي نسب الأدعياء عمن يثبتونه، وبيانه أن زيد بن حارثة لا ينبغي أن يقال في حقه زيد بن محمد لأن نسبة النبي ﷺ إلى جميع المسلمين كالأب الشفيق بل أزيد، وأزواجه أمهات أهل الإسلام، (٣) والأقرباء

стр. 177

في النسب أحق وأولى من غيرهم، وإن كانت الشفقة والتعظيم للأجانب أزيد، (١) ولكن مدار النسب على القرابة في الأدعياء، وهي مفقودة في الأدعياء، وحكم ذلك في كتاب الله، ولا دخل ههنا لمعنى الأولى بالتصرف في المقصود أصلا. (٢) وقد أورد بعض المدققين منهم دليلا على نفي المحبة، وهو أن محبة الأمير أمر مفاد حيث كان ثابتا في ضمن آية ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضا كان لغوا، ولا يخفى فسداه، أولم يفهموا أن بيان محبة أحد في ضمن عموم شيء وإيجاب محبته بخصوص أمر آخر فرق بينهما لا يخفى على العقلاء. مثلا لو آمن أحد بجميع أنبياء الله ورسله، ولم يتعرض لاسم محمد ﷺ بخصوصه في الذكر، لم يكن إسلامه معتبرا. وفي هذا تكون محبة الأمير بشخصية مقصودة بالوجوب، وفي الآية يكون وجوبها مفادا بوصف الإيمان الذي هو عام. ولو فرضنا اتحاد مضمون الآية والحديث لا يلزم اللغو أصلا لأن وظيفة النبي أن يؤكد مضامين القرآن لإلزام الحجة وإتمام النعمة. (٣) ومن تدبر الكتاب والسنة لا يتكلم بمثل هذا الكلام. وإلا فتأكيدات النبي وتقريراته في أبواب الصلاة والزكاة وتلاوة القرآن ونحو ذلك كلها تصير لغوا والعياذ بالله. وعند الشيعة أيضا دعوى التنصيص على إمامة الأمير وتأكيده ثابتة، (٤) فيلزم على تقدير صحة هذا القول أن يكون ذلك كله حشوا. وسبب هذه الخطبة الذي ذكره المؤرخون وأهل السير يدل على أن المقصود منها كان إلزام المحبة للأمير، ولأن جماعة الصحابة الذين كانوا متغيبين مع الأمير في سفر اليمن كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما من المشاهير بعد ما رجعوا من سفرهم من الأمير، فتكلم النبي ﷺ في حقه هكذا، وقد أورد هذه القصة محمد بن إسحق وغيره من أهل السير مفصلة. الحديث الثاني: روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه ﷺ لما استخلف الأمير في غزوة تبوك على أهل بيته من النساء وتركه فيهن وقد توجه هو إلى تلك الغزوة، قال الأمير: يا رسول الله أتخلِفني في النساء والصبيان؟ فقال النبي ﷺ له: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». (٥) قالت الشيعة: إن

стр. 178

المنزلة اسم جنس مضاف إلى العلم فيعم جميع المنازل لصحة الاستثناء، وإذا استثني مرتبة النبوة فثبت للأمير جميع المنازل الثابتة لهارون، ومن جملتها صحة الإمامة، وافتراض الطاعة أيضا لو عاش هارون بعد موسى، لأن هارون كانت له هذه المرتبة في عهد موسى، فلو زالت عنه بعد وفاته لزم العزل، وعزل النبي ﷺ ممتنع للزومه الإهانة المستحيلة في حقه فثبتت هذه المرتبة للأمير أيضا وهي الإمامة. (١) والجواب عن ذلك بوجوه: الأول - أن اسم الجنس المضاف إلى العلم ليس من ألفاظ العموم عند جميع الأصوليين، (٢) بل هم صرحوا بأنه للعهد في غلام زيد وأمثاله، (٣) لأن تعريف الإضافة المعنوية باعتبار العهد أصل، وفيما نحن فيه قرينة موجودة وهي قوله «أتخلفني في النساء والصبيان» يعني أن هارون كما كان خليفة لموسى حين توجه هو إلى الطور كذلك صار الأمير خليفة للنبي ﷺ إذ توجه إلى غزوة تبوك، والاستخلاف المقيد بهذه الغيبة لا يكون باقيا بعد انقضائها كما لم يبق في حق هارون أيضا. ولا يمكن أن يقال انقطاع هذا الاستخلاف عزل موجب للإهانة في حق الخليفة لأن انقطاع العمل ليس بعزل، والقول بأنه عزل خلاف العرف واللغة، ولا تكون صحة الاستثناء دليلا للعموم إلا إذا كان متصلا، وههنا منقطع بالضرورة، لأن قوله «إنه لا نبي بعدي» جملة خبرية، وقد صارت تلك الجملة بتأويلها بالمفرد بدخول إن في حكم (إلا عدم النبوة) وظاهر أن عدم النبوة ليس من منازل هارون حتى يصح استثناؤه لأن المتصل يكون من جنس المستثنى منه وداخلا فيه والنقيض لا يكون من جنس النقيض وداخلا فيه، فثبت أن هذا المستثنى منقطع جدا، ولأن من جملة منازل هرون كونه أسن من موسى وأفصح منه لسانا وكونه شريكا معه في النبوة وكونه شقيقا له في النسب، وهذه المنازل غير ثابتة في حق الأمير بالنسبة إلى النبي ﷺ إجماعا بالضرورة، فإن جعلنا الاستثناء متصلا وحملنا المنزلة على العموم لزم الكذب في كلام المعصوم. الثاني - أنا لا نسلم أن الخلافة بعد موت موسى كانت من جملة منازل هرون، لان هرون كان نبيا مستقلا في التبليغ، ولو عاش بعد موسى أيضا لكان ولم تزل عنه

стр. 179

هذه المرتبة قط، وهي تنافي الخلافة لأنها نيابة للنبي ولا مناسبة بين الأصالة والنيابة في القدر والشرف، فقد علم أن الاستدلال على خلافة الأمير من هذا الطريق لا يصح أبدا. وأيضا أن النبي ﷺ لما شبه الأمير بهارون - ومعلوم أن هارون كان خليفة في حياة موسى بعد غيبته، وصار يوشع بن نون وكالب بن يوقنا (١) خليفة له بعد موت موسى - لزم أن يكون الأمير أيضا خليفة في حياة النبي ﷺ بعد غيبته لا بعد وفاته، بل يصير غيره خليفة بعد وفاته حتى يكون التشبيه على وجه الكمال، إذ حمل التشبيه في كلام الرسول على النقصان غاية عدم الديانة والعياذ بالله. ولو تنزلنا قلنا ليس في هذا الحديث دلالة على نفي إمامة الخلفاء الثلاثة، غاية ما في الباب أن استحقاق الإمامة يثبت به للأمير ولو في وقت من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة، فالتقريب به أيضا غير تام. (٢) الحديث الثالث: رواه مرفوعا أنه قال «إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي» وهذا الحديث باطل، لأن في إسناده أجلح (٣) وهو شيعي متهم في روايته. وأيضا غير مقيد بالوقت المتصل بزمان وفاته ﷺ ، ولفظ «بعدي» يحتمل الاتصال والانفصال (٤) وهو مذهب أهل السنة القائلين بأن الأمير كان إماما مفترض الطاعة بعد النبي ﷺ في وقت من الأوقات. الحديث الرابع: رواه أنس بن مالك أنه كان عند النبي ﷺ طائر قد طبخ له وأهدي إليه فقال «اللهم ائتني بأحب الناس إليك يأكل معي هذا الطير» فجاءه علي. (٥) وهذا الحديث قد حكم أكثر المحدثين بأنه موضوع، وممن صرح بوضعه الحافظ شمس الدين الجزري، (٦) وكذلك الذهبي في تلخيصه. (٧) ومع هذا فهو غير مفيد للمدعى أيضا، لأن القرينة تدل على أن المراد بأحب الناس إلى الله في الأكل مع النبي ﷺ . ولا شك أن الأمير كان أحبهم إلى الله في هذا الوصف، لأن أكل الولد ومن حكمه مع الأب يكون موجبا لتضاعف اللذة بالطعام. وإن سلمنا أن يكون المراد بأحب الناس مطلقا فإنه لا يفيد المدعى أيضا، إذ لا يلزم أن يكون أحب الخلق إلى الله صاحب الرئاسة العامة، فكأين من أولياء

стр. 180

وأنبياء كانوا أحب الخلق إلى الله ولم يكونوا ذوي رئاسة عامة، كزكريا ويحيى وشمويل الذي كان طالوت في زمنه صاحب رئاسة عامة بنص إلهي، وأيضا يحتمل أن أبا بكر لعله لم يكن في ذلك الحين حاضرا في المدينة المنورة والدعاء كان خالصا بالحاضرين دون الغائبين بدليل قوله «اللهم ائتني» لأن إحضار الغائب من مسافة بعيدة في آن قصير لا يعقل إلا طريق خرق العادة، والأنبياء لا يسألون الله خرق العادة إلا في وقت التحدي، وإلا لما احتاجوا في الحرب والقتال إلى تهيئة الأسباب الظاهرة. ويحتمل أن يراد التبعيض بذلك كما في قولهم فلان أعقل الناس وأعلمهم وأفضلهم. وعلى تقدير دلالته على المدعى لا يقاوم الأخبار الصحاح الدالة على خلافة أبي بكر وعمر، مثل «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» (١) وغير ذلك. الحديث الخامس: رواية جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» (٢) وهذا الخبر أيضا مطعون فيه، قال يحيى بن معين: لا أصل له، (٣) وقال البخاري إنه منكر، وليس له وجه صحيح. (٤) وقال الترمذي إنه منكر غريب. (٥) وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. (٦) وقال ابن دقيق العيد: لم يثبتوه. (٧) وقال النووي والذهبي والجزري إنه موضوع. (٨) فالتمسك بالأحاديث الموضوعة مما لا وجه له، إذ شرط الدليل اتفاق الخصمين عليه. ومع هذا ليس مفيدا لمدعاهم إذ لا يلزم أن من كان باب مدينة العلم فهو صاحب رئاسة عامة بلا فصل بعد النبي ﷺ ، غايته أن شرطا من شروط الإمامة قد تحقق فيه بوجه أتم، ولا يلزم من تحقيق شرط واحد وجود المشروط بالشروط الكثيرة، مع أن ذلك الشرط كان ثابتا في غيره أيضا أزيد منه برواية أهل السنة مثل «ما صب الله شيئا في صدرى إلا وقد صببته في صدر أبي بكر» (٩) ونحو «لو كان بعدي نبي لكان عمر» (١٠) فإذا اعتبرت روايات أهل السنة فليتعبر كلها، وإلا فلا ينبغي أن يقصد إلزامهم برواية واحدة من رواياتهم. الحديث السادس: وهو ما رواه الإمامية مرفوعا أنه ﷺ قال «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في بطشه، وإلى

стр. 181

عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب». (١) وجه التمسك بهذا الحديث أن مساواة الأمير للأنبياء في صفات قد علمت به، والأنبياء أفضل من غيرهم، والمساوي للأفضل أفضل فكان علي أفضل من غيره، والأفضل متعين للإمامة دون غيره. ولا يخفى فساد هذه المقدمات والمبادئ الواقعة في الاستدلال من وجوه: الأول - أن هذا الحديث أورده الحلي في كتبه وقد نسبه إلى البيهقي مرة إلى البغوي أخرى وليس في تصانيفهما أثر منه. ولا يتأتى إلزام أهل السنة بالافتراء. مع أن عند أهل السنة أن الأحاديث التي تذكر في كتبهم إذا لم يصرح بصحتها لا يحتج بها. الثاني - أن ما ذكر محض تشبيه لبعض صفات الأمير ببعض صفات أولئك الأنبياء، والتشبيه كما يكون بأدواته المتعارفة كالكاف وكأن ومثل ونحوها، وكذلك يكون بهذا الأسلوب كما تقرر في علم البيان أن من أراد أن ينظر القمر ليلة البدر فلينظر إلى وجه فلان. فهذا القسم داخل أيضا في التشبيه ولو تجاوزنا عن ذلك لكان استعارة مبناها على التشبيه، وفهم المساواة بين المشبه والمشبه به من كمال السفاهة. وقد روي في الأحاديث الصحيحة لأهل السنة تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى وتشبيه عمر بنوح وتشبيه أبي ذر بعيسى ولكن لما كان لأهل السنة حظ عظيم من العقل لم يحملوا ذلك التشبيه على المساواة أصلا بل أعطوا كلا مرتبته. الثالث - أن المساواة بالأفضل في صفة لا تكون موجبة لأفضلية المساوي لأن ذلك الأفضل له صفات أخر قد صار بسببها أفضل. وأيضا ليست الأفضلية موجبة للزعامة الكبرى كما مر. الرابع - إن تفضيل الأمير على الخلفاء الثلاثة من هذا الحديث يثبت إذا لم يكن أولئك الخلفاء مساوين للأنبياء المذكورين في الصفات المذكورة أو في مثلها ودون هذا خرط القتاد. ولو تتبعنا الأحاديث الدالة على تشبيه الشيخين بالأنبياء لبلغت مبلغا لم يثبت مثله لمعاصريهما. ولهذا ذكر المحققون من أهل التصوف أن الشيخين كانا حاملين لكمالات

стр. 182

النبوة وكان الأمير حاملا لكمالات الولاية ومن ثمة صدر من الشيخين الأمور التي تصدر من الأنبياء من الجهاد بالكفار وترويج أحكام الشريعة وإصلاح أمور الدين بأحسن أسلوب وتدبير، وظهر من الأمير ما يتعلق بالأولياء من تعليم الطريقة والإرشاد لأحوال السالكين ومقاماتهم والتنبيه على غوائل النفس والترغيب بالزهد في الدنيا ونحوها أكثر من غيره. وقد دل على هذه التفرقة حديث رواه الشيعة في كتبهم وهو قوله ﷺ «إنك يا علي تقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلتهم على تنزيله» لأن مقاتلات الشيخين كلها كانت على تنزيل القرآن فكان عهدهما من بقية زمان النبوة وزمن خلافة الأمير كان مبدأ لدورة الولاية وإليه تنتهي سلاسل جميع الفرق من أولياء الله تعالى كما تصل سلاسل الفقهاء والمجتهدين في الشريعة بالشيخين ونوابهما كعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأمثالهم - رضي الله تعالى عنهم - ويكون فقه أولئك الفقهاء رشحة من بحار علومهم. وكان معنى الإمامة التي بقيت في أولاد الإمام وجعل بعضهم بعضا وصيا له فيها هي قطبية الإرشاد ولهذا لم يرو إلزام هذا الأمر من الأئمة الأطهار على كافة الخلائق بل جعلوا بعض أصحابهم الممتازين المنتخبين مشرفين بذلك الفيض الخاص ووهبوا لكل واحد منهم هذه الكرامة العظيمة بقدر استعداده. وهذه الفرقة السفيهة قد أنزلوا تلك الإشارات كلها على الرئاسة العامة واستحقاق التصرف في أمور الملك والمال فوقعوا في ورطة الضلال، ومن أجل ما قلنا يعتقد كل الأمة الأمير وذريته الطاهرة كالشيوخ والمرشدين. الحديث السابع: روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال «من ناصب عليا في الخلافة فهو كافر» (١) وهذا الحديث لا أثر له بوجه في كتب أهل السنة أصلا بل نسب ابن المطهر الحلي روايته إلى الأخطب الخوارزمي. والحلي خوان في النقل، والأخطب كان من الغلاة الزيدية. ومع هذا لم يرو هذا الحديث في كتابه المؤلف في مناقب أمير المؤمنين. (٢) ولو فرضنا كونه في كتابه فلا اعتبار له لكونه مخالفا للأحاديث الصحاح الموجودة في كتب الإمامية. منها قوله ﵇ في نهج البلاغة «أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من

стр. 183

الزيغ والاعوجاج». (١) ولئن اعتبرنا هذا الحديث لا يتحقق مضمونه أيضا إلا إذا طلب الأمير الخلافة وانتزعها الآخر من يده. وهذا المعنى لم يقع في عهد قط، لأن الأمير لم يطلب الخلافة في زمن الخلفاء الثلاثة، كما ذكر في كتب الإمامية أن الرسول ﷺ كان وصى الأمير بالسكوت ما لم يجد أعوانا فسكت الأمير في عهد الخلفاء الثلاثة لأجل هذه الوصية! وحين صار طالبا لها لم يقصد أحد - من أم المؤمنين والزبير وطلحة - نزع الخلافة من يده أصلا، بل إنما سأل هؤلاء الأمير تنفيذ حكم القصاص على قتلة عثمان - رضي الله تعالى عنه - ثم انجر الأمر إلى القتال كما تشهد بذلك كتب السير (٢) وخطب الأمير - رضي الله تعالى عنه -. سلمنا، ولكن المراد من " الكافر " كفران النعمة، إذ خلافة أمير المؤمنين كانت نعمة في زمنها يدل عليه لفظ «الخلافة» إذ هي بالإجماع مشروطة بالتصرف في الأرض، وذلك لم يكن للأمير في زمن الخلفاء الثلاثة ولهذا لم يقع في الحديث لفظ الإمامة. سلمنا، ولكن الله تعالى قال في كتابه لمنكر خلافة الخلفاء الثلاثة في آية الاستخلاف كافر أيضا كقوله تعالى ﴿ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ والمعنى أن من أنكر خلافة أولئك المستخلفين بعد استماع هذه الآية الكريمة والعلم باستخلافهم الصادر من الله تعالى فأولئك هم الكاملون في الفسق، والكامل فيه هو الكافر كما لا يخفى. مع أن روايات الأخطب الزيدي عند أهل السنة كلها ضعيفة وكثير منها موضوعة فكيف يحتج بها؟ (٣) الحديث الثامن: رواه الشيعة أن الرسول ﷺ قال: «كنت أنا وعلي بن أبي طالب نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين: فجزء أنا، وجزء علي بن أبي طالب». (٤) وهذا الحديث موضوع قطعا بإجماع أهل السنة، وفي إسناده محمد بن خلف المروزي (٥) قال يحيى بن معين: هو كذاب. وقال الدارقطني: متروك ولم يختلف أحد في كذبه. ويروي من طريق آخر وفيه جعفر بن أحمد (٦) وكان رافضيا غاليا كذابا وضاعا، وكان أكثر ما يضع في مدح الصحابة وسبهم. وعلى

стр. 184

تقدير صحته معارض بالأخبار الأخر نحو قوله «أول من خلق الله نوري» (١) وقوله «أنا من نور الله وكل شيء من نوري» (٢) فإنه إن كان الأمير من نوره فلا وجه للتخصيص وإن كان مستقلا مثله فيلزم التكذيب. ومع هذا فقد ثبت اشتراك الخلفاء الثلاثة معه ﷺ في عالم الأرواح بالرواية الأخرى التي هي أحسن من تلك الرواية إذ ليس في إسنادها متهمون بالكذب والوضع. وهي ما روى الشافعي بإسناده إلى النبي ﷺ أنه قال: «كنت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بألف عام فلما خلق أسكننا ظهره ولم نزل ننتقل في الأصلاب الطاهرة حتى نقلني إلى صلب عبد الله ونقل أبا بكر إلى صلب أبي قحافة ونقل عمر إلى صلب الخطاب ونقل عثمان إلى صلب عفان ونقل عليا إلى صلب أبي طالب» (٣) ويؤيد هذه الرواية حديث «الأرواح جنود مجندة: ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (٤) وبعد اللتيا والتي لا يدل حديثهم على المدعي أصلا لأن اشتراك الأمير في نور النبي لا يكون مستلزما لوجوب إمامته بلا فصل وأية ملازمة بينهما فليبينوها بحيث لا يتوجه إليه المنع ودونه خرط القتاد. ولا بحث لنا في قرب النسب وإلا لكان العباس أولى بالإمامة لكونه عم النبي والعم أقرب من ابن العم عرفا وشرعا. فإن قالوا إن العباس لحرمانه من اتحاد النور لم يحصل له لياقة للإمامة لأن نور عبد المطلب انقسم في عبد الله وأبي طالب ولم يصب أبناؤه الآخرون، قلنا: إن كان مدار التقدم في الإمامة على قوة النور وكثرته فالحسنان أحق بالإمامة من الأمير للقوة والكثرة معا. أما القوة فلأن النور لما انقسم وصلت حصة الرسول إلى جنابه فانشعب من تلك الحصة السبطان الكريمان بخلاف الأمير فإنه كان شريكا في أصل النور لا في حصة النبي ﷺ وحصة النبي ﷺ من النور كانت أقوى من حصة غيره. وأما الكثرة فلأن الحسنين كانا جامعين لنوري النبي ﷺ والأمير معا والاثنان أكثر من الواحد قطعا. الحديث التاسع: رواه عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أن النبي ﷺ قال يوم خيبر «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه» (٥) وهذا

стр. 185

الحديث أصح وأقوى من غيره، ولكن مدعى الشيعة غير حاصل منه إذ لا ملازمة بين كونه محبا لله ورسوله ومحبوبا لهما وبين كونه إماما بلا فصل أصلا، على أنه لايلزم من إثباتهما له نفيا عن غيره، كيف وقد قال الله تعالى في حق أبي بكر ورفقائه ﴿يحبهم ويحبونه﴾ وقال في حق أهل بدر ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾ ولا شك أن من يحبه الله يحبه رسوله ومن يحب الله من المؤمنين يحب رسوله، وقال في شأن أهل مسجد قبا ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين﴾ وقال النبي ﷺ لمعاذ «يا معاذ إني أحبك». (١) ولما سئل: من أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة» قيل: ومن الرجال؟ قال: «أبوها». (٢) وإنما نص على المحبية والمحبوبية في حق الأمير مع وجودهما في غيره لنكتة دقيقة تحصل من ضمن قوله «يفتح الله على يديه» وهي أنه لو ذكر مجرد الفتح لربما توهم أن ذلك غير موجب لفضيلته لما ورد «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٣) فأزال ذلك التوهم بإثبات هاتين الصفتين له فصار المقصود منه تخصيص مضمون «يفتح الله على يديه» وما ذكر من الصفات لإزالة ذلك التوهم. الحديث العاشر: «رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار» (٤) وهذا الحديث يقبله أيضا أهل السنة، ولكن لا مساس له بمدعى الشيعة وهو الإمامة بلا فصل، وقد جاء في حق عمار بن ياسر «الحق مع عمار حيث دار» (٥) وفي حق عمر أيضا «الحق بعدي مع عمر حيث كان» (٦) بل في هذين الحديثين إخبار بملازمة الحق لعمر ولعمار، بخلاف الحديث عن الأمير فإنه دعاء في حقه، والفرق بين الإخبار والدعاء غير خاف، خصوصا على ما قرره الشيعة من أن استجابة دعاء النبي لازمة عندهم، فقد روى ابن بابويه القمي أن رسول الله ﷺ دعا ربه أن يجمع أصحابه على محبة علي فلم يكن ذلك. وزاد في حق عمر لفظ «بعدي» ليكون دليلا على صحة إمامته وإمامة من رآه عمر إماما. وعلى مذاق الشيعة يكون هذا الحديث دليلا على عصمته، لكن مذهب أهل السنة لا يكون غير النبي معصوما. وقد تمسك بعض ظرفاء أهل السنة بحديث علي المذكور على صحة أبي بكر وعمر

стр. 186

وعثمان، لأن عليا كان معهم وبايعهم وتابعهم وصلى معهم في الجمع والجماعات ونصحهم في أمور تتعلق برئاستهم، فيصح قياس المساواة ههنا: الحق مع علي، وعلي مع أبي بكر وعمر، فالحق معهما، لأن مقارن المقارن مقارن. وهذه المقدمة الأجنبية التي هي مدار صحة النتيجة في هذا القياس صادقة لا محالة، وهذا القياس لروايات الشيعة، فإنه ثبت في (نهج البلاغة) أن عمر بن الخطاب لما أراد أن يخرج إلى دفع فتنة نهاوند استشار علي ابن أبي طالب فقال له الأمير: «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أوعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث ما طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده. قال الله تعالى ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾. ومكان القيم من الإسلام مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه، فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع أبدا. والعرب وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا، واستدر الرحى بالعرب» إلى آخر خطبته المذكورة في نهج البلاغة. (١) فعلم بالصراحة أن الأمير كان معينا وناصرا وناصحا أمينا لعمر بن الخطاب، ولو كان بينهما نفاق والعياذ بالله لأشار عليه بالذهاب إلى العجم، وإذا اشتغل عمر وأهل عسكره بالقتال تصرف الأمير بالحجاز التي كانت دار الإسلام واتبعه الناس طوعا أو كرها. وأيضا قد علم أن الأمير عد نفسه في زمرة أبي بكر وعمر حيث أدخل نفسه فيهم وقال «نحن على موعد من الله». وأيضا قد ذكر في (نهج البلاغة) أن الأمير قال لعمر بن الخطاب حين استشاره في غزوة الروم «إنك متى تسير إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم (٢) وتنكب لا تكن للمسلمين كأنفة (٣) دون أقصى بلادهم، وليس بعدك مرجع يرجعون إليه. فأرسل إليهم رجلا مجربا (٤) واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهره الله فذلك ما تحمد، وإن تكن الآخرى كنت ردءا (٥) للناس ومثابا للمسلمين» (٦) والعجب من الشيعة كيف يتركون مثل هذه الروايات الثابتة في أصح الكتب عندهم كأنهم لو يروها ولم يسمعوها، ويذعنون بالمخالفة فيما بينهم بما شاع عندهم من الروايات

стр. 187

الموضوعة والمفتريات، ثم يتخبطون إذ يرون هذه الروايات الصحيحة، فقد يقولون إن هذه كلها - من متابعة الأمير ومبايعته للشيخين - كانت لمحض قلة الأعوان والأنصار، ثم يفحمون فيما قالوا بروايات ثقاتهم الدالة صراحة على قوة الأمير وغلبة أعوانه وكثرة انصاره، كما روى أبان بن عياش (١) عن سليم (٢) بن قيس الهلالي وغيره أن عمر قال لعلي: والله لئن لم تبايع أبا بكر لنقتلنك. قال له علي: لولا عهد عهده إلى خليلي لست أخونه لعلمت أينا أضعف ناصرا وأقل عددا. (٣) فهذه الرواية تدل بالصراحة على أن سكوت الأمير كان بسبب أمر سمعه من النبي ﷺ وهو أن الخلافة حق أبي بكر بلا فصل ثم حق عمر، وههنا البرهان العقلي الموافق لأصول الشيعة قائم على أن العهد المذكور كان هذا، لأن الإمامة لو كانت حق الأمير وكان النبي أوصاه بترك المنازعة للشيخين مع كثرة الأعوان والأنصار المستفادة من هذه الرواية صراحة للزم أن النبي أوصاه بتعطيل أمر الله ونحوها، معاذ الله من ذلك. كيف وقد قال الله تعالى ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ في زمان كان الواجب أن يقاتل مسلم واحد عشرة كفار، فجاهد النبي وكلف الناس بالجهاد بهذه التأكيدات مع كثرة المشقة والصعوبة، وفي زمان تم فيه الدين وكملت النعمة يأمر (٤) مثل هذا الذي هو أسد الله بالجبن والخوف وترك التبليغ لأحكام الله ويجوز الفتن والفساد وتحريف كتاب الله وتبديل دينه ﴿أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ حاشاه ثم حاشاه، أولئك مبرأون مما يقولون، وشأن النبوة والرسالة مناف لهذه الوصية أشد منافاة. وقد يقول الشيعة إن ترك الأمير للمنازعة وإظهاره الموافقة والمناصحة مع الخلفاء الثلاثة كان لمحض الاقتداء بأفعال الله تعالى وهي إمهال الجاني والتأني في المؤاخذة، وقد استخرج هذا التوجيه ابن طاوس سبط أبي جعفر الطوسي، وقد ارتضى به الآخرون من إخوانه غاية ارتضاء، مع أنه تأويل باطل، لأن الاقتداء بأفعال الله تعالى فيما يخالف الشرع غير جائز للناس فضلا عن أن يكون واجبا، إذ الباري تعالى قد ينصر الكفرة في بعض الأحيان ويخذل المسلمين ويميت الصالحين ويحيى الفساق ويرزقهم بغير حساب ويقدر الرزق على الصلحاء وغير ذلك على

стр. 188

ما علِمه من المصالح والحكم، ولا يجوز لأحد من العباد نصرة الكافر وقتل المسلم بغير حق وإعانة الفاسق على فسقه وخذلان الصالح، بل لابد للعباد من الامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه، وهذا هو شأن العبودية أن يتلقى بالقبول حكم الله، ويعمل بالجد على وفقه، لا أنه يقتدى بأفعال المالك. وأما ما قيل «تخلقوا بأخلاق الله» (١) فبابه المكارم دون الأحكام، وإلا فمن لم يصل ولم يؤت الزكاة ولم يحج البيت مع الاستطاعة اقتداء بالله تعالى فهل يعذر في الدنيا والآخرة؟ ومن قال إن التأني وترك العجلة محمود فليس مطلقا، بل التأخير والتأني في الأمور الحسنة غير محمود البتة، لأن المالك إذا أمر رسله وعباده بتعجيل أمر فإن لم يسارعوا إلى أمره يكونوا عصاة لا محالة كما قال الله تعالى ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾ وقال تعالى في مدح عباده المتعجلين في امتثال أوامره ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ ولهذا صار المثل المشهور «لا حاجة إلى الاستخارة في أمر الخير» و «خير الخير ما كان عاجله». والإمام الذي له منصب هداية الخلق وإرشاد الضالين كيف يجوز له التاني إذ يفوت منه فيه واجبات كثيرة، وأيضا يكون للتأني حد، وهل يمضى أحد في التأني خمسة وعشرين عاما؟ ولو قال: إن تأني الأمير كان بأمر الله تعالى قلا يلزم ترك الواجبات، قلنا: فقد علم أن إمامة الأمير لم تكن متحققة في ذا الزمن، وإلا فنصبه للإمامة ثم أمره بالتأني وترك لوازم الإمامة متناقضان فيما بينهما، ويشبه ذلك أن السلطان قلد أحدا القضاء وأمره بالاختفاء مدة ذلك قائلا له: لا تظهر قضاءك في تلك المدة، وامتنع أن تقام قضية بحضورك، ولا تتكلم بين المتخاصمين. فهذا يدل صريحا على أن السلطان يعده القضاء، لا أنه نصبه بالفعل للقضاء. ولو حملنا على الظاهر يلزمه التناقض الصريح وتفويت الغرض من نصب القاضي، بل هو محض السفاهة. ولا يخفى قبحه، والله تعالى منزه عن ذلك. وأيضا إذا كان الأمير مأمورا من الله بالتأني وإخفاء الإمامة وترك دعواها يكون المكلفون في ترك متابعته وإطاعة الأمر معذورين، فلو خالفوا ونصبوا غيره لحفظ دينهم ودنياهم وتمشية مهماتهم في هذه المدة؛ لا يكون للعقاب والعتاب عليهم محل أصلا إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

стр. 189

الحديث الحادي عشر: رواه أبو سعيد الخدري أنه قال: قال النبي ﷺ لعلي «إنك تقاتل علي تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله». (١) ولا يخفى أن هذا الحديث لا مساس له بمدعاهم، إذ مفاده: إنك تقاتل في حين من الأحيان على تأويل القرآن. وهذا هو مذهب أهل السنة أن الأمير في مقاتلاته حين قاتل كان على الحق ومصيبا لا ريب فيه، ومخالفوه كانوا على الخطأ ولو بالاجتهاد. ولا دلالة في هذا الحديث على أن الأمير إمام بلا فصل، إذ لا ملازمة بين المقاتلة على تأويل القرآن والإمامة بلا فصل بوجه من الوجوه، فإيراد هذا الحديث في مقابلة أهل السنة غاية الجهل، بل لو استدل به على مذهب أهل السنة لأمكن، لأنه يفهم منه بالصراحة أن الأمير قد يكون إماما في عصر يقاتل فيه على تأويل القرآن ووقت قتاله معلوم متى كان، وهو من دلائل أهل السنة على أن الحق كان في جانب الأمير وكان مقاتلوه على الخطأ حيث لم يفهموا معنى القرآن وأخطأوا في اجتهادهم. وإنكار تاويل القرآن ليس بكفر إجماعا، (٢) وإن أنكر أحد معنى القرآن الظاهر بسوء فهمه ففي كفره تأمل، فضلا عن أن ينكر المعنى الخفي الذي هو التأويل. (٣) وعقيدة الشيعة أن محاربيه كفرة (٤) كما ذكر في (تجريد العقائد) للطوسي. ولا وجه لكفرهم على أصول الشيعة أيضا. الحديث الثاني عشر: رواه زيد بن أرقم عن النبي ﷺ أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله وعترتي» (٥) وهذا الحديث أيضا كالأحاديث السابقة لا مساس له بمدعاهم، وإذ لا يلزم أن يكون المتمسك صاحب الزعامة الكبرى. سلمنا، ولكن قد صح الحديث أيضا «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنوجذ». (٦) سلمنا، ولكن العترة في لغة العرب هم الأقارب، فلو دل الحديث على الإمامة لزم أن يكون جميع أقاربه ﷺ أئمة واجبي الإطاعة وهو باطل. وأيضا قال ﷺ «واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد»، (٧) «وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» (٨) خصوصا قوله «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» البالغ درجة الشهرة والتواتر المعنوي، فلزم من هذه الأحاديث أن يكون أولئك الأشخاص أئمة وأن يدل هذا الحديث على إمامة

стр. 190

العترة، فكيف يصح الحديث المروي عن الأمير بالتواتر عند الشيعة «إنما الشورى للمهاجرين والأنصار» (١) وكذلك لا يدل حديث «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» (٢) إلا على أن الفلاح والهداية منوطان بمحبتهم ومربوطان باتباعهم والتخلف عن محبتهم وأتباعهم موجب الهلاك. وهذا المعنى بفضل الله تعالى مختص بأهل السنة، لأنهم هم المتمسكون بحبل وداد جميع أهل البيت، كالإيمان بكتاب الله كله لا يتركون حرفا منه، وبالأنبياء أجمعين بحيث لا يفرقون بين أحد من رسله وأنبيائه، ولا يخصمون بعضهم بالمحبة دون بعض، لأن الإيمان ببعض الكتاب بحكم ﴿تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ وببعض الأنبياء بدليل ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾ الآية كفر غليظ، بخلاف الشيعة لأنهم ما من فرقة منهم إلا وهي لا تحب جميع أهل البيت، بل يحبون طائفة ويبغضون أخرى. ولبعض الشيعة ههنا تقرير عجيب حيث قال: تشبيه أهل البيت في هذا الحديث يقتضى أن محبة أهل البيت واتباعهم كلهم غير ضروري في النجاة، لأن أحدا لو تمكن من زاوية من السفينة تحصل له النجاة من الغرق بلا شبهة، بل كذلك الدوران في السفينة بأن لا يجلس في مكان واحد، فالشيعة إذا كانوا متمسكين ببعض أهل البيت ومتبعين لهم يكونون ناجين بلا شبهة فقد اندفع طعن أهل السنة عليهم بإنكارهم لبعض أهل البيت. وأجاب عنه أهل السنة بوجهين: الأول بطريق النقض بأن الإمامية لابد لهم أن لا يعتقدوا على هذا التقرير أن الزيدية والكيسانية والناوسية والأفطحية وأمثالهم من فرق الشيعة ضالون هالكون في الآخرة، بل ينبغي أن يعتقدوا فلاحهم ونجاتهم، لأن كلا من هذه الفرق وأمثالهم آخذون زاوية من هذه السفينة الوسيعة ومتخذون فيها مكانهم، والزاوية الواحدة من تلك السفينة كافية للنجاة عن الغرق، بل التعيين بالأئمة الاثني عشر صار مخدوشا على هذا التقرير، إذ الكفاية بزاوية واحدة من السفينة في النجاة من الغرق

стр. 191

مفروضة، ومعنى الإمام هو هذا أن اتباعه يكون موجبا للنجاة في الآخرة، ففسد مذهب الاثني عشرية بل الإمامية كلهم فلا يصح لكل فرقة من فرق الشيعة ذلك بل لا بد لهم أن يعلموا جميع المذاهب حقا وصوابا، مع أن بين مذاهبهم كثير من التناقض والتضاد الواقع، والحكم في كلا الجانبين المتناقضين بكونهما حقا في غير الاجتهادات قول باجتماع النقيضين وهو بديهي الاستحالة. الثاني بطريق الحل: بأن التمكن في زاوية من زوايا السفينة إنما ينجي من الغرق لو لم يخرق في زاوية أخرى منها، وإلا فيحصل الغرق قطعا. وما من فرقة من فرق الشيعة متمكنين في زاوية من هذه السفينة إلا وهم يخرقون في زاوية أخرى منها. نعم أهل السنة وإن كانوا يدورون في كل الزوايا المختلفة ويسيرون فيها، لكنهم لم يخرقوها في زاوية منها ليدخلوا من ذلك الطرف موج البحر فيغرقها. والحمد لله. (الدلائل العقلية) وأما الدلائل العقلية للشيعة فهي كثيرة جدا ولنذكر قاعدة يمكن الحل بها لكل دلائلهم فنقول: إن الدليل على هذا المدعى لا يخلو عن ثلاثة أقسام: لأنه إما جميع مقدماته عقلية، أو جميعها نقلية، أو بعضها عقلية وبعضها نقلية، وهذا الاصطلاح غير الاصطلاح المشهور في الكلام، فإن الدليل العقلي يطلق فيه على ما كان مركبا من العقليات الصرفة، والدليل النقلي يطلق على ما كانت إحدى مقدماته موقوفة على النقل. وهذه الأقسام الثلاثة من الدليل لابد أن تكون مأخوذة من شرائط الإمامة أو من توابعها أو من طريق تعينها. وأصل هذه الدلائل كلها هي مباحث الإمامة، ومباحثها فرع لمباحث النبوة، لأن الإمامة نيابة للنبوة، ومباحث النبوة فرع الإلهيات، لأن النبوة والرسالة من الله تعالى. فإذا فسدت أصول الشيعة ومقرراتهم في هذه المباحث الثلاثة بمخالفة الكتاب والعترة والعقل السليم صارت دلائلهم كأنها أخذت تحت المنع في ثلاث مراتب. ولنبين هذا الاجمال بمثال واضح: مثلا مقدماتهم المأخوذة في الدلائل الكثيرة عندهم «الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه» أصله «أن نصب الإمام واجب على الله تعالى» وأصل

стр. 192

هذا الأصل إن بعث النبي واجب على الله» ولما أبطلنا مذهبهم في هذه المباحث بشهادة العدول - الكتاب، والعترة، والعقل السليم - لم يبق شبهة ولا شك في بطلانه. (١) ولنذكر بعضا من دلائلهم العقلية، وإن كان يستغنى عن ذكرها بما ذكرنا. فنقول: الأول من دلائلهم أنهم قالوا: «إن الأمام يجب أن يكون معصوما، وغير الأمير من الصحابة لم يكن معصوما، فكان هو إماما لا غيره»، (٢) وهو المدعى. ولا يخفى أن تقرير الاستدلال ناقص لا يفيد المدعى، لأن الدعوى مركبة من ثبوت الإمامة للأمير وسلبها عن غيره. والدليل المذكور لا يلزم منه إلا سلب مفهوم كل أحد غير الأمير من الصحابة عن ذات متصفة بالإمامة فقط، وهو غير مطلوب، فالاستدلال الصحيح بعكس ترتيب هذا القياس المذكور، وضم قياس آخر إليه من الشكل الأول فيفيد مجموعهما المدعى، وهو هكذا: «لم يكن أحد غير الأمير من الصحابة معصوما، وكل إمام يجب أن يكون معصوما» على الضرب الثاني من الشكل الثاني، ونتيجة هذا القياس سالبة كلية وهي «لم يكن أحد غير الأمير منهم إماما» فيحصل منه سلب الإمامة عن غير الأمير من الصحابة. والقياس الآخر «إن الأمير كان معصوما، وكل معصوم يكون إماما، فالأمير يكون إماما» فيلزم منه ثبوت إمامته، فمجموع هذين القياسين تثبت به الدعوى وهو المطلوب. (٣) ويجاب عن الأول بمنع الكبرى أعني «كل إمام يجب أن يكون معصوما» وبمنع استثناء الأمير منهم في الصغرى، وإسنادهما أقوال الأمير الآتية، وبهذا المعنى يرد المنع على الصغرى التي جعلها المستدل كبرى قياسه، وإلا فهي مسلمة بالضرورة فلا يصح منعها، ويجاب عن الثاني بمنع الصغرى وسنده سند منع الاستثناء، وبفوات بعض الشروط من كلية كبراه لأن المعصوم عام فإن الأنبياء والملائكة وفاطمة معصومون وليسوا بأئمة بالمعنى المتنازع فيه، فحمل «الإمام» على جميع أفراده لا يمكن، وعلى بعض أفراده يجعل القضية جزئية وهي لا تصلح لكبروية الشكل الأول لاشتراط كليتها، فافهم.

стр. 193

وقال المؤلف: (١) وفي هذا الدليل تكون الصغرى والكبرى ممنوعتين، أما الصغرى فلأن الأمير نص بقوله «إنما الشورى للمهاجرين والأنصار» إلخ على أن الشورى لهم فقط، وبديهي أن الجماعة الذين جعلهم المهاجرون والأنصار خلفاء لم يكونوا معصومين، فعلم قطعا أن العصمة ليست بشرط في الإمامة أصلا. وأيضا لما سمع الأمير ما قال الخوارج «لا إمرة» قال «لابد للناس من أمير بر أو فاجر» كذا في (نهج اليلاغة). سلمنا.، ولكن العلم بأنه معصوم لا يمكن حصوله لغير النبي، لأن أسباب العلم كلها ثلاثة أشياء: الحواس السليمة، والعقل، وخبر الصادق. ولا سبيل لأحد منها إلى تحصيله. أما الأول فظاهر إذ العصمة هي الملكة النفسانية المانعة من صدور الذنوب والقبائح غير المحسوسة، وأما الثاني فلأن العقل أيضا لا يدرك تلك الملكة إلا بطريق الاستدلال بالأفعال أحد بخصوصه وآثاره خصوصا نيات القلب ومكنونات الضمائر - من العقائد الفاسدة والحسد والبغض والعجب والرياء وغيرها من ذمائم الأخلاق - لا يمكن أولا حصوله، ولو سلمنا أنه حاصل ولكن يجوز حصول ما هو حاضر من جميع الأفعال والآثار الحسنة الباقية فإنها يمكن العلم بها، وأما ما مضى وما سيأتي من تلك الأفعال والآثار فلا سبيل لأحد إلا الله إلى العلم بها، لأن أحوال بنى آدم كثيرا ما تتغير آنًا فآنا بمكر الشيطان وإغواء النفس وقرناء السوء فيصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا. أما سمعت قصة برصيصاء الراهب (٢) وبلعم بن باعورا (٣) وهي كافية للعبرة في هذا الباب، والدعاء المأثور «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك» (٤) دواء شاف لداء الشبهة والشك في هذا الامر. ولو فرضنا أنها علمت، ولكن كيف تدرك حقيقة العصمة التي هي امتناع صدور الذنب؟ غاية الأمر فيه أنا نعلم عدم الصدور منه وهي مرتبة المحفوظية، ولا يجزئ هذا القدر من العلم في إدراك العصمة ما لم يوجد العلم بالامتناع. واما الثالث فلأن خبر الصادق قسمان: إما متواتر،

стр. 194

وإما خبر الله ورسوله. وظاهر أن المتواتر لا دخل له ههنا لأن المتواتر يشترط انتهاؤه إلى المحسوس في إفادة العلم الضروري، (١) فلا يكون في غير المحسوسات - مثل ما نحن فيه - مفيدا وإلا يكن خبر الفلاسفة بقدم العالم مفيدا للعلم الضروري وهو باطل بالإجماع، وخبر الله ورسوله لا يكون موجبا للعلم في هذا الباب على أصول الشيعة: أما أولا فلأن البداء في الإخبار جائز عندهم، فيجوز أن يخبر في وقت بعصمة رجل ثم بفسقه في وقت آخر، وأحد الخبرين وصل إلينا دون الآخر، وبجوز البداء في الإرادة أيضا بإجماع الشيعة (٢) فيحتمل أن تتعلق الإرادة في وقت بعصمة رجل وفي وقت آخر بفسقه، فارتفع الاطمئنان بأن هذا الرجل يبقى على عصمته إلى آخر العمر. وأما ثانيا: فلأن وصول خبر الله ورسوله إلى المكلفين إما بواسطة معصوم أو بواسطة تواتر، ففي الشق الأول يلزم الدور الصريح، وفي الشق الثاني يلزم خلاف الواقع، لأن كل تواتر ليس مفيدا للعلم القطعي عند الشيعة، (٣) كتواتر المسح على الخف، وغسل الرجلين في الوضوء، وإلى المرافق، وأمة هي أربى من أمة في كلمات القرآن، (٤) وصيغة التحيات في قعدة الصلاة، (٥) وأمثال ذلك. فلا بد من أن يعين تواتر خاص. وذلك أيضا غير مفيد، إذ حصول العلم القطعي من التواتر يكون بناء على كثرة الناقلين وبلوغهم إلى ذلك المبلغ فقط، ولما كذب الناقلون في مادة أو مادتين ارتفع الاعتماد عن اقسامه كلها. ولا يمكن أن تجزي هذه الوجوه في عصمة الأنبياء لأن ثبوتها بأخبارهم الصادقة، وقد ثبت صدقهم في كل ما ادعوا بظهور المعجزات الباهرة، فلا يقاس عليهم من عداهم من العباد ولو إماما فإنه أيضا تابع والتابع دون المتبوع لا محالة، فلا يستقيم بها النقض على ما قاله السائل لاختلاف المادة، مع أنه سند منع بصورة الاستدلال للاهتمام لا غير فافهم. وأما كون الكبرى ممنوعة؛ فلأن الأمير قال لأصحابه: «لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإنني لست بفوق أن اخطئ، ولا آمن من ذلك في فِعلي» كذا في (نهج البلاغة) وظاهر أن هذا القول لا يصدر من المعصوم، خصوصا إذا كانت

стр. 195

واقعة في آخر الكلام «إلا أن يلقي الله في نفسي (١) ما هو أملك به مني» (٢) فإنه دليل صريح على عدم العصمة. لأن المعصوم يملكه الله نفسه كما ورد في الحديث «إنه كان أملكهم لأربه». (٣) وأيضا مروي في دعاء الأمير «اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك ثم خالفه قلبي» كذا أورده الرضى في (نهج البلاغة). (٤) الدليل الثاني: (٥) أن الإمام لا بد من أن لا يرتكب الكفر قط، لقوله تعالى ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ والكافر ظالم لقوله تعالى ﴿والكافرون هو الظالمون﴾ ولقوله تعالى ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ وغير الأمير من الصحابة كلهم كانوا عبدوا الأصنام في الجاهلية فيكون هو إماما دون غيره. (٦) ولا يذهب على العارف أن هذا الدليل - مع كونه ناقصا مثل ما مر - فاسدة بالمرة، فلا بد أن يغير بوجه آخر صحيح. وذلك أن يقال: لم يكن أحد من الصحابة غير الأمير مؤمنا من بدء التكليف، وكل إمام يجب أن يكون مؤمنا كذلك. والقياس الآخر: إن الأمير كان مؤمنا كذلك، وكل من يكون مؤمنا كذلك فهو إمام، ويجاب عن الأول بمنع الكبرى، وسنده الإجماع على عدم الاشتراط في الإمامة بهذا الشرط، وعن الثاني بالنقض لأنه يلزم منه أن يكون كل من هو كذلك من آحاد الأمة إماما، ولا أقل من لزوم إمامة نحو عبد الله بن عباس ﵃ ا، لا يقال اشتراط العصمة يدفعه لأنا نقول إن ذلك الاشتراط بعد تسليمه لا يعتبر في هذا الدليل فالتعدد باطل، بل الثاني يصير حشوا محضا أولا فالانتقاض ضروري لا مرد له. وقال المؤلف: وأجيب بأن هذا الشرط لم يذكره في بحث الإمامة أحد من أهل السنة والشيعة، ولكن خرط الشيعة هذا الشرط حين عمدوا إلى نفي الخلافة عن الخلفاء الثلاثة، ولهذا لم يذكر في آية ولا حديث، بل من أسلم بعد كفره مائة سنة ومن كان مسلما من سبعين بطنا متساويان في الدين والإسلام، ولم يعتبر هذا الشرط فإنه لغو وحشو، والتمسك بآية

стр. 196

﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ ههنا ليس إلا من المغالطة، إذ مفاد الاية أن الرياسة الشرعية لا تنال الظالم، (١) لأن العدالة في جميع المناصب الشرعية - من الإمامة الكبرى والقضاء والاحتساب والإمارة وغيرها - شرط لتحقيق فائدة ذلك المنصب، ونصب الظالم في أي رياسة موجب لفسادها، فبين الكفر والظلم والإمامة منافاة، ولا يجتمع التنافيان في وقت واحد في ذات أصلا، وهذا هو مذهب جميع أهل السنة أن الإمام لا بد أن يكون وقت الإمامة مسلما عادلا، لا أنه لم يكن قبل الإمامة كافرا وظالما، ومن كفر أو ظلم ثم تاب عنه من بعد ذلك وأصلح فلا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم أصلا في لغة وعرف وشرع، إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة وفي غيره مجاز، ولا تكون المجاز أيضا مطرودا بل حيث يكون متعارفا ينبغي أن يطلق هنالك، كما تقرر في محله أن المجاز لا يطرد وإلا لجاز «نخلة» لطويل غير الإنسان، و «صبي» لشيخ، وهي سفسطة قبيحة، (٢) كذا النائم للمستيقظ والفقير للغني والجائع للشبعان والحي للميت وبالعكس. وقد روى الزاهدي في حديث طويل أن أبا بكر قال للنبي ﷺ بمحضر من المهاجرين والأنصار «وعيشك يا رسول الله، إني لم أسجد للصنم قط، فنزل جبريل وقال: صدق أبو بكر» وكذلك ذكر أهل السير والتواريخ في أحوال أبي بكر أنه لم يسجد لصنم قط، فصحت إمامته بملاحظة هذا الشرط أيضا وصارت إجماعا والحمد لله. الدليل الثالث: أن الإمام لابد أن يكون منصوصا عليه، ولا يوجد نص في غير الأمير، فغيره لا يكون إماما بل هو الإمام. (٣) والجواب بعد أن نذكر ما اسلفنا في تصحيح الدليل الأول من عكس الترتيب وضم قياس آخر معه أن المقدمتين ممنوعتان: أما منع الصغرى فلما مر من قول الأمير: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اختاروا رجلا وسموه إماما كان لله رضًا. وأما منع الكبرى فلأنه لو وجد النص في علي، فإما في القرآن أو الحديث فقد مر الأمران جميعا.

стр. 197

ولأنه لو وجد النص لكان متواترا إذ لا عبرة للآحاد في الأصول، ولا أقل من أن يعرفه أهل بيته، وهم قد أنكروه، (١) ولأنه لو وجد النص في الإمام لوجد في كل الأئمة، وقد اختلف أولاد كل إمام بعد موته في دعوى الإمامة، (٢) ولأنه لو وجد النص لما وقع الاختلاف بينهم، ولأنه لو وجد النص فإما أن يبلغه النبي ﷺ إلى عدد التواتر أو لا، وعلى الأول إما أن يكتموه عند الحاجة إلى إظهاره أو يظهروه، ولا سبيل إلى الثاني بالإجماع، والأول يرفع الأمان عن التواتر ويستلزم كذب المتواترات، وإن لم يبلغه النبي ﷺ إلى عدد التواتر لم تلزم الحجة فيه على المكلفين فتنتفي فائدة النص، بل يلزم ترك التبليغ في حق النبي وهو محال. الدليل الرابع: أن الأمير كان متظلما ومتشكيا من الخلفاء الثلاثة دائما في حياته، وبين أنه مظلوم ومقهور، وما ذاك إلا لغصب الإمامة منه فتكون الإمامة حقه دون غيره، إذ الأمير صادق بالإجماع. (٣) وأنت تعلم أن هذا الدليل غير مذكور بتمامه، فإن كبراه مطوية وهي «وكل من كان كذلك فهو إمام» فيلوم من بعد تسليمه أن يكون كل من أوذوا وظلموا حقيقة أئمة، وهذا خلف، واعتبار القيود الأخر يبطل التعدد ويجعله حشوا. وأجيب عن هذا الدليل بمنع صحة تلك الروايات، لأن أهل السنة لم يثبت عندهم إلا روايات الموافقة والمناصحة والثناء بالجميل ودعاء الخير فيما بينهم والمعاونة والإمداد ونحوها. وأكثر روايات الإمامية في هذا الباب موافقة لروايات كما تقدم نقله عن الأمير في نهج البلاغة في قصة عمر، ومن ثنائه عليهم بالخير في حياتهم وبعد موتهم، وارتضائه بأعمالهم وشهادته لهم بالنجاة والفوز. وروايات أهل السنة في هذا الباب أكثر من أن تحصى. ولنذكر منها هنا رواية واحدة رواها الحافظ أبو سعيد ابن السمعان (٤) في (كتاب الموافقة)

стр. 198

وغيره من المحدثين عن محمد بن عقيل بن أبي طالب أنه لما قبض أبو بكر الصديق وسجي عليه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض رسول الله ﷺ ، فجاء علي باكيا مسترجعا وهو يقول «اليوم انقطعت خلافة النبوة» فوقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر مسجى فقال «رحمك الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله وأنيسه ومستروحه وثقته وموضع سره ومشاورته، كنت أول قومه إسلاما وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله ، وأحوطهم لرسول الله وأشفقهم عليه، وأحدبهم الإسلام، وأمنهم على أصحابه، وأحبهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأشبههم برسول الله ﷺ هديا وسمتا ورحمة وفضلا وخلقا، وأشرفهم عنده منزلة وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده. جزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا. كنت عنده بمنزلة السمع والبصر، صدّقت رسول الله حين كذبه الناس فسماك الله في تنزيله صديقا فقال ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ فالذي جاء بالصدق محمد ﷺ ، وصدق أبو بكر. وأسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين عنه قعدوا وصحبته في الشدة أحسن الصحبة ثاني الاثنين وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة وخليفته في دين الله . أحسنت الخلافة حين ارتد الناس وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي. نهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسول الله ﷺ في أصحابه إذ كنت خليفته حقا ولم تنازع ولم تقذع برغم المنافقين وكيد الكافرين وكره الحاسدين وضغن الفاسقين وزيغ الباغين قمت بالأمر حين فشلوا ونظفت حين تعتعوا ومضيت نفوذا إذ وقفوا فاتبعوك فهدوا وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم قوة وأقلهم كلاما وأصوبهم منطقا وأطولهم صمتا وأبلغهم قولا وأكبرهم رأيا وأشجعهم وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا. كنت والله للدين يعسوبا حين نفر الناس عنه وآخرا حين فشلوا. كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا تحملت أثقال ما ضعفوا عنه ورعيت ما أهملوه وحفظت ما أضاعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا وأدركت أوطار

стр. 199

ما طلبوا ورجوا. أرشدتهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا وجليت عنهم فأبصروا. كنت على الكافرين عذابا واصبا وللمؤمنين رحمة وأنسا وخصبا، فطرت والله بعبابها وفزت بجنابها وذهت بفضائلها وأدركت سوابقها لم تفلل حجتك ولم نضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم يزغ قلبك كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف. كنت كما قال رسول الله ﷺ أمن الناس عليه في صحبتك وذات بلدك. وكما قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك عظيما عند الله جليلا في أعين المؤمنين كبيرا في أنفسهم لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز ولا لأحد فيك مطمع. الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه والقوي العزيز عندك ضعيف حتى تأخذ منه الحق. والقريب والبعيد عندك سواء. أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له شأنك الحق والصدق والرفق وقولك حكم وجزم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم حتى بلغت والله بهم السبيل وسهلت العسير وأطفأت النيران واعتدل بك الدين وقوي الإيمان وثبت الإسلام والمسلمون وظهر أمر الله ووكره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك وهدت مصيبتك الأنام فإنا لله وإنا إليه راجعون». (١) وهذه خطبة واحدة من الأمير في مدح أبي بكر، ولو أحصينا جميع خطب الأمير وكلماته في فضائل أبي بكر وعمر ومدحهما المروية في كتب أهل السنة بالطرق الصحيحة لبلغت مفردا كنهج البلاغة بل أطول منه. فإن قلت إن روايات الشيعة في باب تظلم الأمير وشكايته إن كانت كلها موضوعة من رؤسائهم فإن مما يستبعده العقل أن جمعا كثيرا اجتمعوا على الافتراء على الأمير فلا بد من منشأ للغلط فذلك المنشأ ما هو؟ قلت: إن رواتهم كما كذبوا على الأئمة كانوا يكذبونهم كما ورد ذلك عنهم فيما تقدم، وكذبوا عليهم أيضا في المطاعن على الصحابة. وغاية ما في الباب أن مكذبات تلك الروايات وصلت إلى الشيعة أيضا بطرقهم الأخر ومكذبات روايات المطاعن على الصحابة ما وصلت من

стр. 200

طرق الشيعة إليهم أو وصلت ولم يفهموا منها التكذيب الصريح لتلك الروايات كما نقل من الصحيفة الكاملة ونهج البلاغة. ولما اجتمعت فرق الشيعة على بغض الصحابة واعتقاد السوء في حقهم لم يرووا ما يكذب تلك الروايات ولم يظهروه بل قصدوا تأييد كذب أوائلهم حيث صار هذا التأييد أهم المطلوب عندهم فمن ثمة صار هذا الكذب إجماعيا لهؤلاء الفرق وأما الأكاذيب الأخر التي في العقائد الإلهية فرواها بعضهم وكذبها بعضهم. الدليل الخامس: أن الأمير ادعى الإمامة وأظهر المعجزة على وفق دعواه كقلع باب خيبر (١) وحمل الصخرة العظيمة ومحاربة الجن ورد الشمس بعد غروبها (٢) فكان في دعواه صادقا فكان إماما. (٣) وهذا الطريق في تقرير الكلام مأخوذ من استدلال أهل السنة في إثبات نبوته ﷺ ولكن بينهما مشابهة في صورة الكلام دون صحة المقدمات فإنها ممنوعة منعا ظاهرا. أما أولا فلأن ذكر المعجزة في إثبات الإمامة إنما هو خطأ محض فكيف يسلم؟ إذ المعجزة لإثبات النبوة دون الإمامة وغيرها من المناصب الشرعية كالقضاء والإفتاء والاجتهاد وسلطنة الناحية وإمارة العسكر والوزارة وأمثالها. ووجهه أن بعثة النبي ﷺ لما كانت من قبل الله تعالى بلا واسطة لم يمكن إثبات نبوته بدون تصديق الله تعالى بخلق المعجزة على يده حين التحدي بخلاف هذه المناصب فإنها تثبت بقول النبي أو بتفويضها إلى الأمة. وأيضا دلالة المعجزة منحصرة في حق الأنبياء ﵈ فلو استدل أحد من غيرهم بها لم يكن استدلاله معتبرا في الشرع. ولما كانت الإمامة متعينة بتعيين النبي أو باختيار أهل الحل والعقد لم يجز أن تكون المعجزة دليلا عليها. على أن روايات الإمامية

стр. 201

مكذوبة لقول من يقول بادعاء الأمير للإمامة في خلافة الخلفاء الثلاثة وكذلك ما يقولون من وجوب التقية ومن أن الرسول أوصى الأمير بالسكوت كما تقدم. وظهور خوارق العادات والكرامات من الأمير مسلم الثبوت ولكن ليس ذلك مخصوصا فيه لصدور مثل ذلك من الخلفاء الثلاثة والصحابة الآخرين وصلحاء الأمة أيضا. (١) على أن قلعة لباب خيبر وقع في زمن النبي ﷺ وإظهار المعجزة قبل الدعوى غير محتاج إليه ولا تثبت به الدعوى. ومحاربة الجن لا أثر لها في كتب أهل السنة بل هي مروية بمحض رواية الشيعة هكذا: إن النبي ﷺ لما خرج إلى غزوة بني المصطلق أخبره جبريل في أثناء الطريق بأن الجن اجتمعت في البئر الفلانية وتريد أن تكيد لعسكركم فأرسل النبي الأمير عليهم فقتلهم! (٢) فلو صحت هذه الرواية يكون ذلك من معجزات النبي ﷺ . وكذا رفع الصخرة العظيمة ليس موجودا في كتب أهل السنة، بل ذكر في كتب الشيعة أن الأمير لما توجه إلى صفين عطش يوما أصحابه في أثناء المرور بفقد الماء فأمر الأمير بأن يحفروا موضعا قرب صومعة راهب فظهرت في أثناء الحفر صخرة عظيمة عجزوا عن نقلها فأخبروا بها الأمير فنزل فرفعها من هنالك ورماها إلى مسافة بعيدة وظهرت تلك الصخرة عين الماء فشرب أهل العسكر فلما شاهد راهب تلك الصومعة هذا الأمر أسلم وقال: نحن وجدنا في الكتب القديمة أن رجلا كذا وكذا ينزل قرب هذا الدير ويرفع هذه الصخرة ويكون على الدين الحق. (٣) وبالجملة إن ثبتت هذه الكرامة تكون كسائر كراماته - رضي الله تعالى عنه -، وليست دعوى الإمامة مذكورة هنا، ولم تقع هذه القصة في مقابلة أهل الشام أيضا. وأما رد الشمس فأكثر محدثي أهل السنة كالطحاوي وغيره صححوه وعدوه من معجزات النبي بلا شبهة إذ أرجع الشمس بعد غروبها ليحصل وقت صلاة العصر للأمير بدعاء النبي ﷺ ، ولتكون صلاته أداء. (٤) وأين كانت في ذلك دعوى الإمامة؟ ومن كان حينئذ منكرا ومقابلا له!

стр. 202

(١) الدليل السادس أن الشيعة قالوا: ما روى أحد من الموافق والمخالف ما يوجب الطعن والقدح في الأمير، بخلاف الخلفاء الثلاثة فإن الموافق والمخالف رويا القوادح الكثيرة في حقهم بحيث يسلب استحقاق الإمامة عنهم، فالأمير الذي هو سالم عن قوادح الإمامة يكون متعينا لها. ولا يخفى أن هذا الدليل - على ما بيناه في تصحيح دلائلهم سابقا - ليس على ما ينبغي من طريق القياس الذي يستدل به على المطلوب، فإن ما ذكره المدعي ههنا إنما هو بيان لإثبات الصغرى في كلا القياسين اللذين يستدل بمجموعهما على المطلوب، وهما هذا: أن كلا من الخلفاء الثلاثة دون الأمير مقدوح فيه ومطعون عليه بما يسلب عنهم استحقاق الإمامة، وكل من كان كذلك فليس إماما، والأمير سالم من ذلك، وكل من كان كذلك فهو إمام، لأن كلا من الموافق والمخالف روى في حقهم ولم يروا في حقه القوادح الموجبة لسلب استحقاق الإمامة. ويجاب بأنا لا نسلم السلامة من القوادح ولا الطعن بها في حقه وحقهم مطلقا، ولا رواية الموافق تلك القوادح أيضا، ولا سلب ما روى المخالف الاستحقاق عنهم، ولا كونها حقه، وكل ذلك ممنوع منعا ظاهرا، لأن الخلفاء الثلاثة كما روى المخالفون (٢) (وهم الشيعة وإخوانهم، لا الموافقون الذين هم أهل السنة وأمثالهم) القوادح الباطلة في حقهم، كذلك رواها في حق الأمير مخالفوه من الخوارج وغيرهم، دون من يوافقونه من أهل السنة والشيعة، فلا سلامة ولا قدح من كل وجه، ولا ضير بالقوادح الباطلة من المخالف في الجانبين، فقد تبين أن حالة كحالهم مطلقا. وأما كبرى القياسين

стр. 203

فالأولى منقوضة بالأنبياء ﵈ لأنهم قد قدح فيهم وطعن عليهم المبطلون، وكل ما يمنع تحقق العالم يمنع تحصل الخاص بالضرورة. والأخرى بمن سلم منها باتفاق الفريقين كابن عباس وأبي ذر وعمار وأمثالهم، وإذا دريت هذا فانظر أن الذين قالوا بإمامة الخلفاء الثلاثة وهم أهل السنة والمعتزلة لم يرووا من قوادحهم قط، بل قرر الشيعة بسبب بغضهم وعنادهم للخلفاء الثلاثة بعض الأشياء بطريق المطاعن والقوادح، ليست تلك الأشياء في الحقيقة محلا لطعن وقدح أصلا كما سيأتي في المطاعن، ولو كانت محلا لها لكانت على الأنبياء والأئمة أيضا مطاعن، بل من يطالع كتب الشيعة بالتأمل يجدها مملوءة بالمطاعن في الأنبياء والأئمة، وما قالوا من أن أحدا من الموافق والمخالف لم يرو ما يقدح في حق الأمير فخبط آخر، لأنهم إن أرادوا بالمخالف أهل السنة فلا يجدي لهم نفعا، فإن أهل السنة لما كانوا معتقدين بصحة إمامته لم يرووا قوادحه، وإن أرادوا به الخوارج وأمثالهم فكذب صريح فإنهم قد سودوا الدفاتر الطويلة والزبر الكثيرة في هذا الباب. (١) ومن جملة من ذكر المطاعن الأمير عبد الحميد المغربي الناصبي في كتابه، وقد دفع كثيرا منها ابن حزم من علماء أهل السنة في كتابه (الفصل) (٢) والشريف من علماء الشيعة في (تنزيه الأنبياء والأئمة) وأعرضنا عن ذكر تلك المطاعن والجواب عنها، لأن ذكرها مما لا يليق بنا في هذا الكتاب. تتمة لبحث الإمامة اعلم أن القدر المشترك في جميع فرق الشيعة المجمع عليه بينهم إنما هو كون الأمير - رضي الله تعالى عنه - إماما بلا فصل، وإمامة الخلفاء الثلاثة باطلة ولا أصل لها. وقد تبين بأوضح البيان إبطال أهل السنة عليهم هذا القدر المشترك، واتضح حق الاتضاح مخالفة هؤلاء الفرق كلهم في ذلك القدر بجميع وجوهه لنصوص الكتاب المجيد وأقوال العترة الطاهرة. وأما بعد هذا القدر المشترك فلهم اختلاف كثير فيما بينهم

стр. 204

بحيث أن بعضهم يضللون ويكفرون ويبطلون بعضا آخرين ويشنعون عليهم، وكفى الله المؤمنين القتال، فقد سقط عن أهل السنة عبء تلك المجادلة الباطلة فلا حاجة بذكر الاختلافات في هذا الكتاب الذي ألف لما بين أهل السنة والشيعة خاصة. (١) (كثرة اختلاف الشيعة) ولنذكر قليلا من أقوالهم في شروط الإمامة ومعناها وتعيين الأئمة وعددهم تنبيها على أن كثرة الاختلاف في شيء دليل على كذبه، لينقلب عليهم طعنهم الوارد منهم على أهل السنة باختلاف الفروع، لأن اختلافهم في الأصول، وظاهر أن أديان الأنبياء السابقين كانت مختلفة في الفروع فقط ومتفقة في الأصول كما قال الله تعالى ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا﴾ الآية. فالدين الذي تكون أصوله مختلفا فيها هو أعجب الأديان بل هو باطل كملة الكفر، إذ هو حينئذ لا يشبه بدين من أديان الأنبياء الماضيين فضلا عن دين الإسلام. ثم لا يخفى ان معنى الإمامة عند الغلاة (٢) محض الحكومة وإجراء الأحكام والأوامر والنواهي وشأن من شؤون الألوهية، وعند غيرهم معناها نيابة عن النبي في أمور الدين والدنيا. والزيدية قاطبة لا يشترطون العصمة في الإمامة، ولا يحسبون النص في حقه ضروريا أيضا، بل الأفضلية عندهم لازمة أيضا، وإنما معنى الإمامة عندهم الخروج بالسيف، ويعتقدون الإظهار من عمدة شرائط الإمامة. والإسماعيلية - إلا النزارية - يشترطون العصمة، (٣) وأما النزارية فهم لا يثبتونها بل يقولون إن الإمام غير مكلف بالفروع، ويجوز له كل ما أراد من السوء والفحشاء كاللواطة والزنا وشرب الخمر ونحوها.

стр. 205

(١) ونقل شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في التهذيب (٢) عن شيخه الملقب بالمفيد أنه قال: إن أبا الحسين الهاروني كان أولا شيعيا قائلا بالإمامة ثم لما التبس عليه أمر التشيع بسبب كثرة اختلاف الإمامية ووجد أخبارهم متناقضة متعارضة بغاية الكثرة والشدة رجع عنه وصار شافعيا، ومن كانوا استفادوا وتلمذوا منه في مدة عمره هذه اتبعوه في الرجوع وتبرأوا من المذهب. (٣) والحق أن من تأمل في هذا المذهب تأملا صادقا وعثر على أخبار أصحابه واختلاف أقوالهم كا ينبغي فقد علم باليقين أن سبيل النجاة في هذا المذهب مسدود وطريق الخلاص من مضيق التعارض فيه مفقود، فبالضرورة يتركه ويرجع إلى المذاهب الأخرى إن كان من أهل الحق. وتفصيل ذلك أن الشيعة لهم روايات كثيرة متعارضة عن أئمتهم، بحيث يررون عن كل إمام كلاما مخالفا للإمام الآخر ومخالفا لكتاب الله وسنة رسوله، واحتمال النسخ هنا منتف البتة، إذ ناسخ كلام النبي لا يكون إلا نبيا آخر، ولا يجوز للإمام أن ينسخ أحكاما إلهية أو سنن النبي، وإلا فالإمام لا يكون إماما، إذ الظاهر أن الإمام نائب لا مخالف له ولا نبي مستقل. وأيضا لو قلنا بالنسخ لقلنا بالضرورة إن الإمام المتأخر ناسخ لكلام الإمام المتقدم، فصار مدار العمل على روايات الإمام المتأخر مع أن هؤلاء الفرقة قد أجمعوا في كثير من المواضع على العمل بروايات المتقدم. (٤) وأيضا يمتنع النسخ في الأحكام المؤبدة أيضا وإلا يلزم تكذيب المعصوم، مع أن اختلاف رواياتهم قد وقع في الأحكام المؤبدة أيضا، فزال احتمال النسخ بالكلية، ووجوه ترجيح أحد الخبرين على الأخر لتوثيق رواتهم مطلقا مسدودة، لأن عدة كتب في مذهبهم قرروها كالوحي المنزل من السماء (٥) وما أتى به أحد يحسبه الآخر من تراب الأرض، فلو وثقناها كلها بزعم علمائهم لا يمكن ترجيح بعضها على بعض، وإذا قلنا ما قال بعض الإخباريين

стр. 206

في حق بعضهم وشرعنا في الطعن والجرح عليهم بناء على قولهم يصيرون كلهم مطعونين ومجروحين فلم يظهر سبيل للترجيح أصلا، فبالضرورة لزم تساقط رواياتهم، وانجر الأمر إلى تعطيل الاحكام. وهذه كلها في روايات فرقة واحدة منهم كالاثني عشرية مثلا، إذ كل عالم منهم يروي مخالفا لرواية الآخر. مثلا جمع منهم رووا بأسانيد صحيحة أن المذي لا ينقض الوضوء، (١) وجمع أخرون رووا كذلك أنه ينقض الوضوء. (٢) وجماعة روت أن سجدة السهو لا تجب في الصلاة، وجماعة روت أنها تجب فيها، (٣) والأئمة أيضا سجدوا للسهو. (٤) وبعضهم يروون أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء، (٥) وبعضهم يروون أنه لا ينقضه (٦) وجمع يروون أن المصلي إن لعب عبث بلحيته أو بأعضائه الأخر لا تفسد صلاته، (٧) وجمع يرون أن المصلي أن يلعب بخصيتيه وذكره تجز صلاته. (٨) وهذه الأحوال توجد في جميع أخبارهم كما يشهد بذلك كتاب الفقيه. ومن تصدى من علمائهم للجمع بين الروايات فقد أتى بأعمال عجيبة، وقد قدموا في هذا الأمر شيخ طائفتهم صاحب التهذيب (٩) وغاية سعيه هو الحمل على التقية، (١٠) وقد حمل في بعض المواضع على التقية شيئا ليس ذلك مذهب أحد من المخالفين أو كان مذهبا ضعيفا بأن المخالفين لم يذهبوا إليه إلا أحد أو اثنان اختاروه، وظاهر أن الأئمة العظام لم يكونوا جبانين خائفين بهذا القدر حتى يبطلوا عباداتهم بتوهم أنه لعل أحدا اختار هذا المذهب ويكون حاضرا في هذا الوقت، معاذ الله من سوء الاعتقاد في جناب الأئمة! وفي بعض المواضع حمل جملة من الخبر على التقية وترك مدلول الجملة الثانية منه الذي هو مخالف لمذهب أهل السنة على حاله. ولو كانت التقية فلا معنى في اختيار التقية في جملة غير مخالفة والإظهار في جملة أخرى هي مخالفة لمذهب أهل السنة. فهل هم يعتقدون أن الأئمة كانوا - معاذ الله - براء من العقل والفهم؟ مثاله خبر علي - رضي الله تعالى عنه - أن النبي ﷺ أمره بغسل الوجه مرتين وبتخليل

стр. 207

أصابع الرجلين حين غسلهما، (١) مع أن غسل الوجه مرتين مذهب الشيعة لا مذهب أهل السنة (٢) فإنهم قد أجمعوا على كون التثليث مسنونا فلزم الجمع بين الإظهار والتقية! (٣) وقد ارتكب في بعض المحال تأويلات ركيكة بحيث أسقط كلام الإمام عن علو مرتبة البلاغة. فمن تأويلهم لكلام السجاد الوارد عنه في دعائه أنه قال «إلهي عصيت وظلمت وتوانيت» وهذا الدعاء عن الأئمة الآخرين أيضا في كتبهم الصحيحة، وعلى كل من تقديري الصدق والكذب هو مناف للعصمة، وليس المحل محل التقية إذ حالة المناجاة لا تسعها وهم يقولون إن مراد الأئمة أن شيعتنا عصوا وظلموا وتوانوا ولكن رضينا بهم شيعة ورضوا بنا أئمة فحالنا حالهم وحالهم حالنا! سبحان الله، لو ثبت هذا الاتحاد في الأحوال بين الشيعة والأئمة كيف سرى عصيان الشيعة وظلمهم وتوانيهم في نفوس الأئمة ولم تسر طاعة الأئمة وعدلهم وعباداتهم في ذوات الشيعة؟ فحينئذ يلزم أن تغلب أحوال الشيعة على أحوال الأئمة وهي صارت مغلوبة، بل يلزم في ذوات الأئمة على هذا التقدير اجتماع أمور متناقضة كالفسق والصلاح والعصمة والمعصية والظلم والعدل، ولا يمكن أن تحمل أحوال الشيعة في حق الأئمة بالمجاز فإنه يمتنع في مثل هذه الأدعية التي يكون الحقيقة فيا من الكلام مقصودة كما هو الأظهر معاذ الله من سوء الاعتقاد! ولم يوجد قط في محاورة العرب والعجم نظير لنحو هذه التأويلات أصلا. وما يلزم - باعتبار علم الإعراب - من ركاكة الألفاظ ههنا غير خاف كحمل ضمير المتكلم الواحد على جمع الغائب وصيغة المتكلم على الغيبة. وباعتبار فن البلاغة من قباحة المعاني كإضافة المتكلم فعل الغير إلى نفسه من غير علاقة صارفة إلى المجاز من السببية والأمرية والمحلية والحالية وغير ذلك مما ذكر في موضعه، ومع ذلك ينسبون مثل هذا الكلام الفاسد إلى من بلغ الدرجة العليا من البلاغة. وما الذي يحمل الأئمة على أن ينسبوا ظلم شيعتهم وعصيانهم إلى أنفسهم فيلوثوا أذيالهم الطاهرة بتلك النسبة حتى جعلوا لمنكري عصمتهم سندا قويا وأضلوا جمعا كثيرا من الأمة بتلك الكلمات التي لم تكن ضرورية لهم حاشاهم ثم حاشاهم. وأيضا الأظهر والأجلى أن المسائل الفروعية قد وقعت فيها اختلافات القرون الأولى ولأهل السنة أيضا

стр. 208

اختلافات فيما بينهم ولا يحسبونها في الفروع نقصانا للمختلفين فيها ولا يطاعنون ولا يعاتب فيها بعضهم بعضا. وكان كل واحد منهم في الزمن الأول يناظر ويحاجج في الفروع ويظهر مذهبه فيها ويقيم الدلائل عليه ويستنبط ويجتهد بلا مخافة ويضعف دلائل مخالفه جهرا. فأي شيء كان حاملا للأئمة على التقية في مسائل الفروع؟ ولقد ناظر الأمير في زمن الخليفة الثاني والثالث مناظرات كثيرة في بيع أمهات الأولاد وتمتع الحج ومسائل أخر حتى انجر الأمر من الجانبين إلى العنف ولم يتنفس أحد منهم ولا سيما الخليفة الثاني فإنه كان بزعم الشيعة في هذا الباب أكثر انقيادا (١) بحيث إذا ذكر أحد دليلا من الكتاب أو السنة بين يديه اعترف حتى ألزمته امرأة من نساء العوام في المغالاة بالمهر وهو صار معترفا وقائلا «كل الناس أفقه من عمر حتى المخدَّرات (٢) في الحجال» (٣) وعد الشيعة هذه القصة في مطاعنه فالأمير لم يكن ليستعمل التقية في المسائل الفروعية ويترك إظهار الحكم المنزل من الله الذي كان واجبا عليه إظهاره في ذلك الحين. وأيضا إن الأئمة المتأخرين كالسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا - رضي الله تعالى عنهم - كانوا قدوة أهل السنة وأسوة لهم، وعلماؤهم كالزهري وأبي حنيفة ومالك أخذوا العلم منهم. وقد روى محدثو أهل السنة عنهم في كل فن لا سيما في التفسير أحاديث كثيرة فأي حاجة لهؤلاء الكرام أن يرتكبوا التقية مخافة هؤلاء الناس؟ وهذا الكلام وقع في البين ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: (اختلاف الإمامية في أئمتهم) اعلم أن الإمامية قائلون بانحصار الأئمة ولكنهم مختلفون في مقدارهم فقال بعضهم خمسة (٤) وبعضهم سبعة (٥) وبعضهم ثمانية وبعضهم اثنا عشر (٦) وبعضهم ثلاثة عشر (٧) وقالت الغلاة الأئمة آلهة أولهم محمد رسول الله ﷺ إلى الحسين ثم من صلح من أولاد الحسين إلى جعفر بن محمد وهو الإله الأصغر وخاتم الآلهة ثم من بعده نوابه وهم من صلح من أولاد جعفر. (٨) وذهبت فرقة منهم إلى أن الإمام في هذه الأمة اثنان: محمد ﷺ وعلي بن أبي طالب، وغيرهما ممن كان لائقا لهذا الأمر من أولاد علي فهم نوابهما. (٩) وقالت الحلولية: إن الإمام من يحل فيه الإله وجرى بينهم اختلاف فقال الكيسانية: إن الإمام بعد النبي ﷺ علي ثم محمد بن الحنفية. (١٠) وقالت المختارية منهم: إن الإمام بعد علي

стр. 209

الحسن ثم الحسين ثم محمد بن الحنفية. (١) وكل فرقة من فرق الشيعة ينقلون عن إمامهم المزعوم أخبارا وروايات في أحكام الشريعة ويدعون تواترها: فالفرقة الأولى من الكيسانية تقول: إن محمد بن الحنيفة ادعى الإمامة بعد موت أبيه وقد نص أبوه على إمامته. والفرقة الثانية أعني المختارية يقولون: إن ادعاء محمد بن علي (٢) للإمامة قد وقع بعد شهادة الإمام الحسين، ولكن رجع في الآخر عن تلك الدعوى وأقر بإمامة ابن أخيه علي بن الحسين - رضي الله تعالى عنهم - أجمعين. وروى الراوندي في (معجزات السجاد) (٣) عن الحسين بن أبي العلاء وأبي المعزي حميد بن المثنى جميعا عن أبي بصير عن أبي عبد الله ﵇ قال: جاء محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فقال: يا علي ألست تقر أني إمام عليك؟ فقال: يا عم لو علمت ذلك ما خالفتك وإن طاعتي عليك وعلى الخلق مفروضة، يا عم أما علمت أن أبي وصى؟ وتشاجرا ساعة فقال علي بن الحسين: بمن ترضى حتى يكون حكما بيننا؟ فقال محمد: بمن شئت. فقال: ترضى أن يكون بيننا الحجر الأسود؟ فقال: سبحان الله! أدعوك إلى الناس وتدعوني إلى حجر لا يتكلم؟ فقال علي: بلى يتكلم، أما علمت أنه يأتي يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد على من أتاه بالموافاة، فندنو أنا وأنت فندعو الله أن ينطقه سبحانه لنا أينا حجة الله على خلقه فانطلقا ووقفا عند مقام إبراهيم ودنيا من الحجر الأسود وقد كان محمد بن الحنفية قال: لئن لم يجبك إلى ما دعوتني إليه إنك إذن لمن الظالمين فقال علي لمحمد: تقدم يا عم إليه فإنك أسن مني. فقال محمد للحجر: أسألك بحرمة الله وحرمة رسوله

стр. 210

وحرمة كل مؤمن إن كنت تعلم أني حجة الله على علي بن الحسين إلا ما نطقت بالحق فلم يجبه ثم قال محمد لعلي: تقدم فاسأله فتقدم علي فتكلم بكلام خفي ثم قال: أسألك بحرمة الله وحرمة رسوله وحرمة أمير المؤمنين علي وبحرمة الحسن والحسين وفاطمة بنت محمد إن كنت تعلم أني حجة الله على عمي إلا ما نطقت بذلك وتثبت له حتى يرجع عن رأيه. فقال الحجر بلسان عربي مبين: يا محمد بن علي اسمع وأطع لعلي بن الحسين لأنه حجة الله عليك وعلى جميع خلقه، فقال ابن الحنفية عند ذلك: سمعت وأطعت وسلمت. (١)

стр. 211

والكيسانية يصدقون هذه الدعوى ولكنهم ينكرون شهادة الحجر بل يقولون بوقوع الشهادة على العكس. فإن الحجر شهد بدعاء محمد بن الحنفية واعترف علي بن الحسين بإمامته ويؤيدون ذلك بسكوت علي بن الحسين عن الإمامة بعد هذه الواقعة وشروع محمد ابن الحنفية بإرسال رسائله وكتبه إلى المختار وشيعة الكوفة الذين كانوا مشتغلين بقتال المروانية وكانوا يرسلون الهدايا والتحف والخمس إلى محمد بن علي لا إلى علي بن الحسين وما دعاهم علي بن الحسين إلى نفسه (١) وذكر القاضي نور الله التستري في (مجالس المؤمنين) أن محمد بن الحنفية لما مات اعتقد شيعته بإمامة ابنه أبي هاشم، وكان عظيم القدر، والشيعة متبعين له وأوصى محمد بن الحنفية بإمامته، فقد علم صريحا أن محمد بن الحنفية لم يرجع عن اعتقاده حتى فوض الإمامة إلى أولاده (٢) وأيضا نقل القاضي كتاب محمد بن الحنفية الذي كان أرسله إلى المختار وشيعته الكوفة بهذه العبارة: أيها المختار اذهب أنت من مكة إلى الكوفة وقل لشيعتنا اخرجوا واطلبوا ثأر الإمام الحسين، وخذ البيعة من أهل الكوفة. قالوا إن أكثر أهل الكوفة قد تولوا عن سليمان بعد إظهار المختار كتاب محمد ابن الحنفية، فقال سليمان لشيعته: إن خرجتم من قبل محمد بن الحنفية فلا بأس به، ولكن إمامي علي بن الحسين. (٣) انتهى كلامه. ويدل بالصراحة ما نقله القاضي من الكتاب وقوله «تولوا عن سليمان» على أن محمد بن الحنفية لم يكن رجع عن اعتقاده. وأيضا نقل القاضي (٤) عن أبي المؤيد الخوارزمي الزيدي أن المختار أرسل إلى محمد بن الحنفية رءوس أمراء الشام

стр. 212

مع كتاب الفتح وثلاثين ألف دينار إلى الإمام علي بن الحسين، وقد صلى هو ركعتين شكرا على هذه الموهبة، وأمر أن يعلقوا رءوس أهل الشام، وقد منعه ابن الزبير من التعليق وأمر بدفنها فدفنوها. (١) انتهى كلامه. فقد تبين أن المختار كان معتقدا بإمامة محمد بن علي، ولا يحمل اعتقاده على التقية إذ لا ضرورة له عليها. وينبغي أن يستمع الآن كلام القاضي نور الله الآخر، ويفهم منه المدعى، فإنه نقل في أحوال المختار عن العلامة الحلي انه قال لا كلام للشيعة في حسن عقيدته، (٢) غاية الأمر أنهم كانوا يعترضون على بعض أعماله ويذكرونه بالسوء فاطلع الإمام الباقر على ذلك فمنع الشيعة من التعرض للمختار وقال: «إنه قتل قتلتنا، وأرسل نقودا كثيرة» (٣) فلا بد للعاقل أن يتأمل ههنا إذ يعلم من هذا الكلام أن إنكار إمامة إمام الوقت (٤) لا يكون سببا للسب والشتم في حق ذلك المنكر.

стр. 213

(١) بل يلاحظ محبته لأهل بيت الرسول، وجهاده أعداء الله، وإذلال الكفرة والانتقام منهم (٢) وإعلاء كلمة الله تنجيه وتوجب فلاحه، وما يصدر منه من الشنائع يجب علينا أن نستره ونستغفر الله له. وهذا هو مذهب أهل السنة في حق من ينكر إمامة إمام وقته ولكنه متصف بهذه الصفات المذكورة. وقالت (الزيدية): إن الإمام بعد الإمام الحسين زيد بن علي، ولا يقولون بإمامة علي بن الحسين لأن الخروج بالسيف شرط للإمامة عندهم، والسكوت والتقية منافيان لها ويررون أن زيد بن علي نقل عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين نصوصا وبشارات في حق إمامته، وكان زيد بن علي منكرا لجميع معتقدات الإمامية كما روى الزيدية والإمامية معا إنكاره. (٣) و (الباقرية) يعتقدون أن الإمام الباقر مهدي موعود، وحي لا يموت. وكذلك (الناووسية) في حق الإمام الصادق، ويروون نصا صريحا بزعمهم عن الصادق وهو قوله «لو رأيتم رأسي تدهده - أي تدحرج - عليكم من هذا الجبل فلا تصدقوا، فإن صاحبكم صاحب السنين». وروى (المهدوية) من الإسماعيلية في حق إسماعيل بن جعفر نصه بالتواتر أن هذا الأمر في الأكبر، ما لم تكن به عاهة. ويكذبون الإمام الكاظم في دعوى الإمامة ويذكرونه بالسوء فإنه أنكر النص المتواتر بزعمهم كأبي بكر في حق علي. وقالت (القرامطة) صار محمد إماما بعد أبيه إسماعيل.

стр. 214

و (الأفطحية) يعتقدون أن عبد الله بن جعفر إمام بلا فصل بعد أبيه لكونه شقيقا لإسماعيل، ولما مات إسماعيل بحضور أبيه وكان النص في حقه بعد موت أبيه أصاب ذلك الشقيق مضمون ذلك النص ميراثا لا غيره من بني العلات، (١) وكانت أم إسماعيل وعبد الله فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فهذان الأخوان كانا سيدين حسينين من الطرفين. وقالت (الموسوية) إن الإمام بعد الصادق موسى الكاظم. وقالت (الممطورية) هو حي لا يموت وهو القائم المنتظر، ويروون عن الأمير نصا متواترا في هذا المدعى أنه قال «سابعهم قائمهم!». و (الاثنا عشرية) معتقدون الإمامية إلى الإمام العسكري بالاتفاق. ثم اختلفوا فقالت (الجعفرية) بإمامة جغفر بن علي، ويقولون: إن الإمام العسكري لم يخلف أبنا، بدليل أن تركته قد ورثها أخوه جعفر كما ثبت بالإجماع، ولو كان له ولد لم يصب جعفر ميراثه. وقيل كان للإمام العسكري ولد صغير مات في زمن أبيه. وروى الكليني عن زرارة أبن أعين عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال لا بد للغلام من غيبة. قلت: ولم؟ قال: يخاف! قلت: وما يخاف؟ فأومأ بيده إلى بطنه. (٢) وفهم بعض الاثني عشرية معنى الإشارة «أن الناس كانوا يشكون في ولادته: سيقول بعض منهم سقط حمله، وبعض يقولون لم يكن حمل أيضا» (٣) ولكن لا يخفى على العاقل أن إشارة الإمام إلى بطنه في جواب «ما يخاف؟» تأبى هذا المعنى صريحا، لأن الجنين لا يكون له خوف، ولو وجد الخوف لا يندفع باختلاف الناس. (٤) هذا بالجملة، إنما المقصود من بيان اختلاف فرقتهم وادعاء كل منهم التواتر على

стр. 215

مزعوماتهم هو أن يستدل بذلك على كذبهم وافترائهم؛ إذ لو تواتر خبر إحدى فرقهم أيضا لم يقع الاختلاف قط بينهم، ولم ينازع محمد بن الحنفية السجاد ولم يحكما الحجر الأسود! ولم يقع تنازع بين زيد بن علي والإمام الباقر، وبين جعفر بن علي وبين محمد المهدي، فإن أهل البيت أدرى بما فيه. ومن هذا ينبغي للعاقل أن يتفطن لكذب جميع فرقهم، فإن هذه كلها افتراءات لهم قرروا - على وفق مصلحة الوقت - إماما بزعمهم وأخذوا يدعون إليه ليأخذوا بهذه الذريعة الخمس والنذور والتحف والهدايا من أتباعهم باسم إمامهم المزعوم ويتعيشوا بها، ومتأخروهم قد قلدوا أوائلهم بلا دليل وسقطوا في ورطة الضلال ﴿إنهم ألفوا آباءهم ضالين، فهم على آثارهم يهرعون﴾. الباب السادس في بعض عقائد الإمامية المخالفة لعقائد أهل السنة العقيدة الأولى مذهب أهل السنة أن الله تعالى لا يجب عليه بعث العباد بحيث يكون تركه قبيحا عقليا. نعم ولكن البعث والحشر والنشر متحتم الوقوع ألبتة لوعده تعالى بذلك حتى لا يلزم خلف الوعد. وقالت الإمامية بوجوب البعث عليه تعالى وجوبا عقليا، والآيات الكثيرة التي هي دالة على أن البعث المعاد متعلقان بوعده تعالى، وما وقع في آخر تلك الآيات من نحو قوله تعالى ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ مكذبة تكذيبا صريحا لعقيدتهم هذه، وقد سبق أن الوجوب على الله تعالى لا معنى له أصلا. العقيدة الثانية مذهب أهل السنة أن الأموات لا رجعة لهم في الدنيا قبل يوم القيامة. وقالت الإمامية قاطبة وبعض الفرق الأخرى من الروافض أيضا برجعة بعض الأموات، (١) فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ والوصي والسبطين وأعداءهم - يعني الخلفاء الثلاثة
следующие страницы →