← Баляга

Баляга · id 36098

شرح مائة المعاني والبيان

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (303 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(وَالإِبْدَالُ يَزِيدُ تَقْريرًا لِمَا يُقَالُ) هذا الثالث من التوابع، (وَالإِبْدَالُ) منه أي: من المسند إليه (يَزِيدُ) المسند إليه (تَقْريرًا) أي: تقرير الأمر في نفس السامع ففيه نوع تقوية وتوكيد لماذا؟ لأنه في نية تكرار العامل مثل السابق: قدم صديقك خالد. يحتمل أنه بدل كأنك قلت: قدم صديقك قدم خالد. لأن العامل في الثاني هو عين العامل في الأول لكن على التكرار، يعني: أو بتعبير آخر أدق نقول: العامل في الثاني مغاير للعامل الأول من حيث العمل، لكنه من حيث الوصف فهو هُو، قدم صديقك قدم خالد، إذًا العامل في صديق هو عينه العامل في خالد لكن باعتبار التعدد لا باعتبار الاتحاد، يعني: ليس هو كالصفة مع الموصوف. يزيد تقريرًا (لِمَا يُقَالُ) أي: بالمعنى المقصود (لِمَا يُقَالُ) تتمة يعني للذي (يُقَالُ) المراد به المعنى المقصود، فالإبدال من المسند إليه لزيادة التقريب وفائدته المبالغة وسبب التقرير هنا تأكيد المعنى تكرار العامل، فقوله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. أبدل ليكون شهادة بالصراط بالاستقامة على أبلغ وجه ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ صراط من؟ ما صفة أهله؟ قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾. إذًا فيه زيادة تقرير لأنه إذا طرق السمع أولاً مبهمًا ثم عُقِّبَ بالتفسير تمكن عنده، وكذا بدل البعض كالسابق بدل الكل من الكل نحو: جاء القوم أكثرهم. جاء القوم جاء أكثرهم والاستمال نحو سُلِبَ عمرو ثوبه، سُلِبَ عمرو سُلِبَ ثوبه، فيه تكرار، وأما بدل والغلط فلا يرد هنا لأنه ليس بفصيح خارج عن الفصاحة، والمراد بالزيادة التقرير أي التثبيت بالحكم والمسند إليه في ذهن السامع لاشتماله على تكرير الحكم والمسند إليه. ثم قال: الْعَطْفُ تَفْصِيلٌ مَعَ اقْتِرَابِ ... أَوْ رَدِّ سَامِعٍ إِلَى الصَّوَابِ

стр. 107

(الْعَطْفُ) المراد به عطف النسق، (الْعَطْفُ) مبتدأ و (تَفْصِيلٌ) خبره، و (الْعَطْفُ) أي: النسق أي جعل المسند إليه معطوفًا عليه غيره بأحد الحروف العشرة أو التسعة المشهورة عند النحاة وهي مكررة في النحو ومكررة بمعانيها، والأصل قاعدة هنا أن يعتبر في المعنى معنى الحرف المعنى الذي وُضع له الحرف، فالواو لمطلق الجمع، والفاء للترتيب لا # ٤٣.٤٨، وثم، المعاني تلك هي المعتبرة هنا، فإذا عطفت بالفاء لإرادة معنى الفاء، وإذا عطفت بـ ثم لإرادة معنى ثُمَّ .. وهكذا، الحكم واحد، هذه قاعدة عامة في هذا الباب ولكن مثل بمثالين، و (الْعَطْفُ) المذكور يكون لأمور منها (تَفْصِيلٌ) بالصاد المهملة أي: تفصيل المسند إليه. (تَفْصِيلٌ) (مَعَ اقْتِرَابِ) أي: مع اختصار. أراد بالاقتراب هنا الاختصار هذا تعبير في ذلك، مع اختصار في ذلك التفصيل لطي العامل من المعطوف، نحو قولك: جاء زيد وعمرو. هنا فصلت جاء زيد وعمرو، أفادت الواو المغايرة هذا الأصل في العطف حينئذٍ فصلت في من ثبت له المجيء وهو زيد وهو عمرو، فإن فيه تفصيل الفاعل لأنه زيد وعمرو من غير دلالة على تفصيل الفعل، الفعل واحد الذي هو المسند بأن المجيئين كانا معًا أو مترتبين مع مهلة أو بلا مهلة، إذ الواو وإنما هي لمطلق الجمع، أي: لثبوت الحكم للتابع والمتبوع من غير تعرض لا لترتيب ولا لمعية، كما هو الشأن في معنى الواو وهو مذهب البصريين، قيل: واحترز بقوله: مع اختصار أي نحو قوله: جاءني زيد وجاءني عمرو. هنا ليس عندنا اختصار لماذا؟ لأنه فصَّل المسند، وبالسابق فصل الفاعل ووحد المسند، جاء ثبت المجيء واحد زيد وعمرو إذًا التفصيل في الفاعل، لو قلت: جاء زيد وجاء عمرو. فصلَّت كذلك في المسند فليس فيه اختصار، فإنه وإن أفاد تفصيل المسند إليه لكنه لا يفيد بالاختصار، فلا يكون من عطف المسند إليه بل من عطف الجملة. (أَوْ رَدِّ سَامِعٍ إِلَى الصَّوَابِ) أو يكون العطف فيه (رَدّ سَامِعٍ) أي: للسامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب فيه، وذلك بالعطف بلا - وهذا مر معنا في النحو - جاءني زيد لا عمرو، إذا اعتقد المخاطَب أن الذي جاءك زيد حينئذٍ قد أخطأ في الحكم فترده من الخطأ إلى الصواب تقول: جاءني زيد لا عمرو. (أَوْ رَدِّ سَامِعٍ إِلَى الصَّوَابِ) يعني: من الخطأ الذي أعتقده إلى الصواب وهذا يكون بلا وبل كذلك ولكن على تفصيل عند النحاة.

стр. 108

(وَالْفَصْلُ للتَّخْصِيصِ) مبتدأ وخبر، ومن جملة أحوال المسند إليه، ... (الْفَصْلُ) فصل ماذا عن ماذا؟ المسند عن المسند إليه [أنتم ظاهرية] المراد بالفصل هنا ما يسمى بضمير الفصل [ها ها] (وَالْفَصْلُ للتَّخْصِيصِ) يعني: من جملة أحوال المسند إليه الفصل أي: تعقيبه بما صورته صورة ضمير مرفوع منفصل يُؤْتَى به بين المبتدأ والخبر، زيد هو القائم، هو، هذا ضمير فصل، صورته صورة ضمير، هو ليس بضمير على الصحيح، هو حرف لكن صورته صورة الضمير ولذلك سُمَّي ضميرًا، فصل بين المسند إليه والخبر، واضح؟ هذا يُسمى ضمير فَصْلٍ. أي: تعقيبه بما صورته صورة ضمير مرفوع منفصل يُؤتى به بين المبتدأ والخبر وهما أصله عند اشتباه الخبر بالصفة، يعني: [زيد قائم] (١) يحتمل احتمالاً أن قائم صفة لزيد، زيد القائم بـ ... (أَلْ) ليس نكرة هذا يحتمل إذا قلت: زيد قائم هذا لا يحتمل أنه صفة، لماذا؟ لأن قائم نكرة وزيد معرفة، ولا بد من التطابق، إذًا لا يحتمل، لكن لو قلت: زيد القائم احتمل أن القائم هنا صفة لزيد وأنت أردت أن يكون خبرًا فتأتي بالضمير، زيد هو القائم فتعين أن يكون خبرًا لأنه لا يوصل بين الموصوف وصفته الضمير، وذلك إذا كان الخبر معرفة نحو: زيد هو العالم. أو اسم تفضيل مستعملاً بمن نحو: زيد هو أفضل من عمرو. أو فعلاً ماضيًا نحو: زيد هو قام، أو فعلاً مضارعًا نحو: زيد هو يقوم. أربعة أحوال، يعني لا يُؤْتَى بضمير الفصل بعد المبتدأ المسند إليه إلا إذا كان الخبر معرفةً، أو اسم تفضيل وذكرت معه من، [أو فعل ماضي] (٢) أو فعلاً ماضيًا، أو فعلاً مضارعًا. وإنما يجاء به إذا كان الخبر أحد هذه الأمور المذكورة، وتسميته بالفصل عند البصريين، والكوفيين يسمونه عامدًا أو دعامة، وله أحكام، هل هو اسم أو حرف، وعلى الأول إذا ثبت أنه اسم هل له موضع من الإعراب أو لا؟ وإذا كان له موضع هل الموضع باعتبار من قبله؟ أو باعتبار ما بعده، أقوال مبسوطة في كتب النحو، وجعله من أحوال المسند إليه دون المسند مع أن واسطة لاقترانه أولاً بالمسند إليه، أو لأنه في المعنى عبارة عنه وفي اللفظ مطابق له فإفرادًا وتذكيرًا وتأنيثًا وتثنيةً وجمعًا، كذلك وتكلمًا وخطابًا وغيبًا، يعني: لماذا جعلناه من توابع المسند إليه مع كون القدر المشترك بين المسند إليه والمسند؟ لأن له أحكامًا تتأتى على ضمير الفصل راجعة إلى المسند إليه، والحق أن فائدته ترجع إليهما جميعًا، لأنه يجعل أحدهما مخصصًا ومقصورًا عليه، ولآخر مخصصًا به ومقصورًا عليه، ويكون الإتيان به كما قال الناظم هنا: (للتَّخْصِيصِ). يعني: لإفادة التخصيص والقصد، وهو إثبات الحكم بالمذكور ونفيه عن ما عداه، وهذا قد يذكره في باب القصر فيما يأتي، ويكون الإتيان به (للتَّخْصِيصِ) أي: لأجل التخصيص بالمسند إليه بالمسند أي قصره على المسند إليه، لأنه مما يفيد القصر والحصر نحو: زيد هو القائم. يعني: لا غيره.

стр. 109

إذًا أثبت القيام لزيد وحصرته في زيد ونفيت القيام عن غير زيد، بماذا حصل؟ بضمير الفصل كأنك قلت: ما قائم إلا زيد، والزيدان هما قائمان انظر ثنيت هما، والزيدون هم القائمون ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: لا غيرهم. ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] أي: لا غيره. واضح هذا؟ لما فرغ الناظم من الكلام عن إتباع المسند إليه بأحد التوابع المتقدم بيانها أو ما يتصل بذلك أو ضمير الفصل شرع بالكلام على تقديمه والأصل ويقال: تأخيره فقال: ............ والتَقْدِيمُ ... فَلاِهْتِمَامِ يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ كَالأَصْل وَالتَّمْكِينِ وَالتَّعَجُّلِ ... ............................. تقديم المسند إليه هذا تابع لذاته، فصل بينهما الناظم تبعًا للقزويني في ... ((التلخيص)). (والتَقْدِيمُ) يعني: المسند إليه على غيره من أجزاء الكلام، والمراد هنا من التقديم إراده مقدمًا يعني: لا يتأخر، لأنك تقول: في الدار زيد، زيد في الدار. متى تُقَدِّمُ ومتى تؤخر؟ هنا يبحث البيانيون، ... (فَلاِهْتِمَامِ) به يعني: يقدم المسند إليه لقاعدة عامة وهو أنه مهم، ثم هذه الأهمية لها أسباب يعني: الاهتمام هذا جنس عام ويصدق بماذا؟ لكونه الأصل ولكونه التمكين والت ... #٥٢.١٥ هذه كلها سبب أو أسباب لبيان كون المسند إليه مهتمًا به، واضح؟ إذًا القاعدة العامة في كونه مقدمًا هو الاهتمام، ثم ما وجه هذا الاهتمام؟ بأي سبب يكون؟ وبأي طريقة يكون؟ هو الذي ذكره فيما بعده. ولذلك قال: (فَلاِهْتِمَامِ) به وأنه هو المهم عند المتكلم أو المخاطب من ذكره غيره. أي: فلكون ذكره أهم ولا يكن في التقديم مجرد ذكر الاهتمام، بل لا بد من أن يبين أن الاهتمام من أي وجه وبأي سبب فلهذا فصله الناظم بقوله: (يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ) والتفصيل. لماذا؟ لأي شيء؟ للاهتمام. قال ماذا؟ (والتَقْدِيمُ فَلاِهْتِمَام) الاهتمام يحصل بماذا؟ قال: (يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ). يعني: التنويع والتفصيل للاهتمام (كَالأَصْل) وما عطف عليه، (يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ) أي: تفصيل جهة الاهتمام وسببه (كَالأَصْل) فيه لأن المسند إليه الأصل فيه أن يكون مقدمًا لماذا؟ لأنه محكوم عليه، والمحكوم عليه الأصل أن يتقدم لأنه موضوع، والخبر محمول عليه، هذا الأصل كالأساس بالنسبة للبيت، (كَالأَصْل) فيه أي: الأمر الذي ينبغي أن يتصف الشيء به في نفسه لولا المانع، وذلك لأنه محكوم عليه ولا بد من تحققه قبل الحكم فقصدوا أن يقدم في الذكر أيضًا، وهذا واضح، لاسيما ولا مقتضى للعدول عنه لأنه إذا لم يكن سبب لأن يتأخر المسند إليه إذا لم يكن عندنا مقتضٍ - وهذا موافق للأصل - فاجتمع فيه أمران: كونه الأصل محكومًا عليه. وكونه لم يوجد مقتضٍ لتأخيره.

стр. 110

لذلك قال: لاسيما ولا مقتضي للعدول عنه إذ لو وجد أمر يقتضي العدول عن ذلك الأصل فإنه يُلغى - يعني: التقديم - ولا يقدم المسند إليه على المسند كما في الفاعل مع فعله، فإن مرتبة العامل الذي هو الفعل مثلاً التقديم على المعمول كالفاعل، لأن الكلام في المسند إليه يعم المبتدأ والفاعل، المبتدأ واضح أنه متقدم فقام زيد هنا متأخر، لماذا تأخر؟ لوجود المقتضي، ما هو المقتضي؟ أنه فاعل، وكونه فاعلاً بمعنى أنه لا يتقدم على عامله، وبعد فعل فاعل، وهذا يبحث في كتب النحو، وكما لو تضمن الخبر استفهامًا ما نحو: أين زيدٌ حينئذٍ تقول ماذا؟ أين زيدٌ؟ أين مبتدأ، زيدٌ وأين الخبر؟ أين، إذًا لماذا؟ تأخر هنا لوجود المقتضي وهو كون الخبر متضمنًا الاستفهام، والاستفهام له الصدارة في الكلام، حينئذٍ وجب تقديمه، ولهذا الموضع من المواضع وجوب تقديم الخبر على المبتدأ، أين زيدٌ؟ فإنه من مقتضيات العدول عن الأصل .. وهكذا. والتمكين فالأصل والتمكين أن يكون التقدير للمسند إليه بالتمكين أي: التَّمَكُّن يعني: تمكن الخبر في ذهن أو تمكن الخبر في ذهن السامع، تمكن الخبر في ذهن السامع لأن في المبتدأ تشويقًا إليه أي: للخبر وذلك إذ وصف المبتدأ بوصف غريب مشوقٍ إلى معرفة خبره، ولا شك أن حصول الشيء بعد التشوق إليه أوقع في النفس من غيره، بمعنى أنك تقدم المبتدأ على الأصل لوجود مقتضٍ وهو ماذا؟ أن فيه شيئًا يدل على التشويق، وهذا التشويق يمهد للخبر حينئذٍ هذه الفائدة مشتركة بين المبتدأ والخبر، فحينئذٍ إذا جاء الخبر بعد التشوق تمكن في النفس كما قال الشاعر: والذي حارت البرية فيه هذا مبتدأ، هذا يجعل الإنسان عندما يسمع هذا الكلام من هو الذي حارت البرية - إنسان - حيوانٌ مستحدثٌ من جماد جاء الخبر حينئذٍ تمكن في النفس، فقدم المبتدأ وهو الموصول [وصل معنى نعم] (١) وهو الموصول لما وصله بجملة قوله: حارت البرية فيه

стр. 111

فصارت النفس متشوقةً إلى الخبر عنه، ما هو؟ فلما أتى إلي بعد ذلك الشوق صادف عنده من التمكن ما لم يصادفه لو عكس الأمر، والتعجل أي: ويكون تقديم المسند إليه لأجل التعجل يعني: تعجيلاً للمسرة خبر. نجح زيدٌ أو ناجحٌ زيدٌ حينئذٍ نقول: هذا عجل. يعني لم يكن هذا في المبتدأ، أي: لتعجيل المسرة للمخاطب بالتفاؤل بلفظه إذا كان مِمَا يتفاءل به نحو: سعدٌ في دارك، هو يحب سعد مثلاً قال: سعدٌ في دارك فرحًا منذ أن سمع سعد استبشر بذلك، أو لتعجيل الإساءة مثلاً كقولك مثلاً السفاح في دارك [ها ها] هذا فيه ماذا تعجيلٌ للإساءة إليه. (وَقَدْ يُفِيدُ الاخْتِصَاصَ إِن وَلِي)، (وَقَدْ) هذا للتكثير هنا ليس للتقليل (وَقَدْ يُفِيدُ) تقديم المسند إليه ... (الاخْتِصَاصَ) وعرفنا معنى الاختصاص متى؟ (إِن وَلِي نَفْيًا) بلا فاصل بينهما يعني: إذا تقدم المسند إليه وكان الخبر جملةً فعلية وكان النافي قد اتصل بالمسند إليه، يعني: ليس بينهما فاصلٌ البتة (وَقَدْ) هذه للتكثير (يُفِيدُ) تقديم المسند إليه لا لما سبق من الاعتبارات، بل يقدم ليفيد (الاخْتِصَاصَ) والحصر بالفعل الواقع في مقام الخبر، يعني: قصر الخبر الفعل عليه، وهذه قيود يتقدم المسند إليه، ويكون تاليًا لنفيٍ بلا فاصل، ويكون الخبر جملة فعلية. بهذه القيود الثلاث أفاد الاختصاص والقصر. ما أنا قلت هذا. ما أنا قلت، أنا قلت جملةٌ اسمية أنا مبتدأ وتقدم، قلتُ هذا، هذه جملة فعلية خبر ما هنا، حينئذٍ ما أنا قلت هذا فيه حصرٌ أم لا؟ فيه حصر أم لا؟ ماذا تفهم من هذه الجملة؟ ما أنا قلت هذا؟ بل غيري، بل سواي. إذًا الحصر هنا في نفي القول عن الشخص نفسه، وفيه فائدة أخرى من جهة المفهوم وهي إثباته للغير، وذلك لا يصح أن يقال ما أنا قلت هذا ولا غيري هذا تناقض ولا يصح، لماذا؟ لأنك بقولك ولا غير بالمنطوق نفيت ما أثبته بالمفهوم لأن قولك ما أنا قلت بمفهومه فيه ثبوتٌ للغير بأنه قاله، فإذا قلت ولا غير حينئذٍ تناقضت. إذًا (وَقَدْ يُفِيدُ الاخْتِصَاصَ إِن وَلِي) وكذلك إن وَلِِيَ، يعني: تلا المسند إليه نفيًا، لكن قَصَّرَ هنا الناظم، وكان الخبر جملةً فعلية، ليس نفيًا فقط، وكان الخبر جملةً فعلية، فإن كان جملة اسمية فلا، إن كان مفردًا فلا، فلا يختص الحكم هنا إلا بما إذا كان الخبر جملة فعلية، أي: أداة نفيٍ أي: واقعًا بعدها بلا فاصلٍ سواءٌ كان مظهرًا، أو مضمرًا، معرفًا، أو منكرًا، مطلقًا المسند إليه سواء كان ضميرًا أم لا معرفةً أم لا، نحو: ما أنا قلت هذا. أي: بل سواي أي للغير. وإنما يختص نفي القبول أو القول عنه وإنما يختص نفي القول عنه إذا وقع على غيره، إذ لو لم يقع على غيره لم يختص نفيه به، الاختصاص هنا في ماذا؟

стр. 112

في نفي القول عن نفسه، ما أنا قلت هذا، الاختصاص الذي أفاده تقدم النفي وتقدم المسند إليه وكون الجملة الفعلية خبرًا عن المبتدأ هو نفي القول عن الذات، وهذا إنما يكون فيه إثباتٌ لغيره، إذًا له جهتان، ولذلك قال: إنما يختص نفي القول عنه إذا وقع على غيره، إذا إذ لو لم يقع على غيره لم يختص نفيه به، فالتقديم يفيد نفي الفعل عن المتكلِم وثبوته لغيره على الوجه الذي نُفِيَ عنه من العموم أو الخصوص، ولا يلزم ثبوته لجميع من سواه، يعني: إذا قلت: ما أنا قلت هذا. إذًا بل سوايَ، إذًا كل من سواه، لا، ليس المراد هذا، وإنما المراد به البعض على الوجه الذي نُفِيَ عن المتكلِم، لأن التخصيص إنما هو بالنسبة إلى من توهم المخاطب اشتراكه مع المتكلم أو انفراده به دونه، بخلاف لو قلت: ما قلتُ. ما قلتُ هذا فيه نفي فقط ليس فيه اختصاص النفي عنك وإثباته لغيرك، فإنه إنما يكون في شيءٍ لم يثبت أنه مقولٌ، ما قلت يعني: هذا يأتي في المناظرة أو المجادلة، لو قلتَ: ما قلتُ هذا. حينئذٍ ما الذي تُفيده هذه الجملة؟ تفيد أن هذا القول منفي لكنه لا يدل على أنه قد قيل، لكن قولك: ما أنا قلتُ هذا، هذا فيه إثباتٌ للقول، فرقٌ بين الجملتين، ما قلتً هذا. إذًا القول لم يقل من أصل، ليس فيه دلالة. لكن ما أنا قلتُ هذا. القول قد قيل به لكنه لم أقله أنا نفيت عن نفسي وأثبته لغيري، ففرقٌ بين الجملتين، بخلاف: ما قلتُ. فإنه إنما يكون في شيءٍ لم يثبت أنه مقول، وما أنا قلتُ هذا في شيءٍ ثبت أنه مقولٌ ولكن نفيته عن نفسي، فالتقدم هنا أفاد التخصيص، ونفي الحكم عن المذكور مع ثبوته لغيره. وهذه المسألة فيها تفصيلات كثيرة جدًا في ((المطولات)) ترجعون إليها. ثم ختم الباب بمسألة وهي أن جميع ما تقدم في هذا الباب من الأحوال المقتضية لاختلاف المسند إليه من الحذف والذكر .. إلى آخره هو مقتضى الظاهر، يعني: الكلام هنا كالكلام في أَضْرُبِ الخبر، أضرب الخبر عرفنا ابتدائي لا يؤكد، الطلبي مؤكد واحد استحسانًا يعني: وجوبًا أقل، الإنكاري وجبت. ثم قد تتبدل وتتغير، يعني: يخرج الكلام على غير مقتضى الظاهر، هنا كذلك قد يقتضي الظاهر الحذف لكن تخالفه فتذكره، قد يقتضي المقام الذكر لكنك تحذفه، إذًا قد يؤتى بالكلام في الاعتبارات الماضية لا على وجهٍ، لكن لا بد من فائدة ونكتة. ما سبق هو مقتضى الظاهر وقد يخرج الكلام على خلافه لنكتةٍ، ولذلك قال: وَقَدْ عَلَى خِلاَفِ الظَّاهِرِ ... يَأْتِي كَالأُولَى وَالْتِفَاتٍ دَائِر (وَقَدْ) تقليل أو تكثير؟ إن كان في نفسه فهو كثير، كثير جدًا ولذلك الغيب والالتفات كثير حتى في القرآن، وإن كان باعتبار ما جرى على وفق الظاهر فهو قليل، فالتقليل والتكثير هنا باعتبار المقابل، إن كان في نفسه فهو كثير، وإن كان بمقابلة ما سبق فهو قرين.

стр. 113

(وَقَدْ) يأتي (عَلَى خِلاَفِ)، (وَقَدْ) (عَلَى خِلاَفِ) مقتضى ... (الظَّاهِرِ) لاقتضاء الحال إياه (يَأْتِي) ما هو؟ (وَقَدْ) يأتي (عَلَى خِلاَفِ) مقتضى الظاهر، ما هو الذي يأتي؟ المسند إليه [نعم المسند إليه]، قد يأتي المسند إليه والعارض له الحذف ومقتضى الظاهر أنه يذكر فحينئذٍ جاء خلاف مقتضى الظاهر، لنكتةٍ فمن ذلك قالوا: وضع المضمر موضع الظاهر، قد يقتضي الكلام أن تعبر بالاسم بالظاهر فتأتي بالضمير، والعكس بالعكس، كقوله: نِعْمَ عبدًا ما كان نعم العبد، العبد عبدًا أين الاسم الظاهر؟ وأين الضمير؟ نِعْمَ العبد، العبد اسم ظاهر، قد تعدل عن هذا الظاهر وتقول: نِعْمَ عبدًا أين الضمير؟ نِعْمَ هو عبدًا، إذًا عدلت عن التصريح بالعبد وجئت به مضمرًا، يعني: ضميرًا، إذ المقام يقتضي الإظهار لعدم تقدم المسند إليه، فأضمر معادًا إلى مُتَعَقَّلٍ في الذهن والتزم تفسيره بنكرةٍ ليُعْلَمَ جنس المتعقل، يعني: قد تقول: نِعْمَ عبدًا، والأصل أن تقول: نِعْمَ العبد، فتَعْدِل عنه فتقول: نِعْمَ عبدًا، عدلت عن الاسم الظاهر إلى الضمير، ما الذي سوَّغ لك ذلك؟ كونك جئت بنكرةٍ، وهذه النكرة تعتبر مفسرة لمرجع الضمير، لأن الضمير في الأصل يرجع إلى متقدم، وهناك [ستة أحوال أو $$ ١.٠٧.١١] ستُ أحوال يرجع الضمير إلى متأخر منها هذا الضمير، نِعْمَ عبدًا. عاد الضمير إلى عبدًا ولم يعد إلى متقدم، فلما كان كذلك حينئذٍ وضع الضمير موضع الاسم الظاهر، ومثَّل الناظم بمثالين للخروج عن جاء مقتضى الظاهر، الأول أشار إليه بقوله: (كَالأُولَى). الأولى يعني: كونه أولى بالقصد والإرادة، أي: من خلاف المقتضى أي: مقتضى الظاهر مجاوبة المخاطب بغير ما ترقب، يعني: يسأل السائل أو يطلب بلسانٍ مقاله يطلب كلامًا فأجيبه بغير ما سأل، هذا يُسَمّى ماذا؟ الأسلوب الحكيم ... [سماه السكاكي (المغالطة)] (١) مجاوبة المخاطب بغير ما يترقب، وسماه الجرجاني (المغالطة) ليس السكاكي، والسكاكي الأسلوب الحكيم وذلك بحمل كلامه على خلاف قصده، تنبيهًا على أنه أولى بالقصد، كمن يسأل عن شيءٍ لا يختص به فتجيبه بجوابٍ يتعلق به، كأنك تقول: كان الأولى بك أن تسأل عما أجبتك به، وأما ما سألت عنه فهذا تعديل عنه، كقول الْقَبَعْثَرَى وقد قال له الحجاج متوعدًا: لأحملنك على الأدهم. قصد به الحديد، فحمله القَبَعْثَرَى على الخيل: مثل الأمير يحمله على الأدهم والأشهب. هذا حَمَلَ ماذا؟ حَمَلَ كلام المتكلم على خلاف مقتضى الظاهر، لأن مقتضى الظاهر أن الأدهم مراد به الحديد، فقال له: مثل الأمير يحمله على الأدهم والأشهب. أراد الحجاج أن يقيده فتلقاه القَبَعْثَرَى بغير ما ترقبه من فهمه التوعد بألطف وجهٍ مشيرًا إلى أن من كان مثله في السلطة والسعة إنما يناسبه أن يجود بأن يحمل على الأدهم والأشهب من الخيل، لا أن يقيد. فقال له الحجاج: إنه حديد. فقال: لأن يكون حديدًا خيرٌ من أن يكون بليدًا. حديد قال له: لأن يكون حديدًا أولى من أن يكون بليدًا. ومنه إجابة السائل بغير ما يتطلب تنبيهًا على أنه الأولى أو الأهم.

стр. 114

قالوا: كقوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] اشتهر هذا المثال عند البيانيين سألوا عن الهلال يبدوا دقيقًا ثم يتزايد حتى يستوي ثم ينقص حتى يعود كما بدأ، فأي فائدةٍ تحت ذلك، فأجيب ببيان حكمة ذلك وهي أنه معرفة المواقيت والحلول والآجال، يعني: ليس لكم أن تسألوا عن دقته وغيره، ورُوِيَ أنهم لم يسألوا عن سبب زيادة الهلال ونقضانه بل عن سبب خلقه، والله أعلم. الثاني وأشار إليه بقوله: (وَالْتِفَاتٍ دَائِر). يعني: دائرٍ بين التكلم والخطاب والغيبة التفات دائر، دائر بين ماذا؟ بين التَّكَلُّمِ والخطاب والغيبة. المشهور عند الجمهور أن الالتفات هو التعبير عن معنًى بطريقٍ من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه بطريقٍ آخر منها، يعني: خاصٌ بهذه الثلاثة، يتكلم عن الغيبة ثم ينتقل مباشرة إلى الخطاب، أو العكس بالعكس، فالانتقال من الغيبة إلى التكلم، ومن التكلم إلى الخطاب، وهذا يسمى ماذا؟ يسمى التفاتًا لأنه على خلاف مقتضى الظاهر. مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]. ﴿أَعْبُدُ﴾ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، الأصل وإليه أرجع هذا الأصل ﴿أَعْبُدُ﴾ أرجع، ﴿أَعْبُدُ﴾ ترجع، إذًا هذا إلى الخطاب والأصل وإليه أرجع، ومن التكلم إلى الغيبة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١، ٢] أين الالتفات؟ ... ﴿أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ﴿إِنَّا﴾ وهذا تكلم من التكلم إلى الغيبة، أين الغيبة؟ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ لأن الاسم الظاهر عندهم من الغيبة، تقول: زيدٌ قائمٌ، زيدٌ غائب هذا ليس، لإنه إما خطاب وإما هو وإما أنا، إما هذا أو ذاك، واحدٌ من الثلاثة، فإذا قلت: زيدٌ قائمٌ. هذه عبارة عن الغيبة فالاسم الظاهر نوعٌ من أنواع التعبير عن الغائب، فإذا قال: ﴿إِنَّا﴾. هذا متكلم، ثم قال: ﴿فَصَلِّ﴾ الأصل يقول: لِي لكن قال ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ غيبةٌ لأنه اسم ظاهر. ومن الخطاب إلى الغيبة حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم هذا الأصل، لكن قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]. هذا التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة. ومن الغيبة إلى التكلم ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر: ٩]. ومن الغيبة إلى الخطاب ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] الفاتحة الآيات الثلاثة الأول ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢، ٤] هذه كلها ثلاث آيات غيبة لأنه بالاسم الظاهر ﴿إِيَّاكَ﴾ انتقال لأن الأصل إياه نعبد وهذا الأصل، لكن خرج عن مقتضى الظاهر لنكتةٍ.

стр. 115

والالتفاتُ مأخوذٍ من التفات، التفات الإنسان من يمينه إلى شماله وبالعكس، ووجه التسمية فيه ظاهر وهو من محاسن الكلام، ووجه حسنه ما ذكره الزمخشري هو أن الكلم إذا نقل من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ كان ذلك أحسن تطريةً لنشاط السامع وأكثر إيقاظًا للإصغاء إليه من إجراءه على أسلوبٍ واحد، يعني: الذي يستمع بعقل إذا انتقل من خطاب إلى غيبة، ومن غيبة ينشط، أما الذي لا يدري فهو لا يدري. ومن خلاف الظاهر التعبير عن المستقبل بلفظٍ الماضي هذا لا بد من ذكره، التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، والعكس كذلك، يعني: الأصل في المعنى الماضي الحدث الذي وقع في الزمن الماضي أن يعبر عنه بالزمن الماضي قد يعبر عنه بالمستقبل لنكتة. ومنه ماضٍ عن مضارعٍ وضع ... لكون محققًا نحو فزع إنما يدل على تحقق وقوعه ويجعل ما هو للواقع كالواقع ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾ [النمل: ٨٧]، ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ﴾ على بابه لا إشكال فيه لأن النفخ لم يقع بعد ﴿فَفَزِعَ﴾ ما فزعوا بعد، لأن فزع يدل على ماذا؟ يدل على حدثٍ وقع في الزمن الماضي، إذًا الفزع وقع، وهو لم يقع، حينئذٍ نقول: استعمل الماضي مرادًا به المستقل للدلالة على تحققه. منه كذلك ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠] بعد ما نادوْا سينادي ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: ٤٨] كذلك، جعل المتوقع الذي لا بد من وقوعه بمنزلة الواقع. إذًا (وَقَدْ عَلَى خِلاَفِ الظَّاهِرِ يَأْتِي كَالأُولَى) هذه بفتح الهمزة وسكون الواو، (وَالْتِفَاتٍ دَائِر) وبهذا انتهيا من أحوال المسند إليه، وبحثه طويل جدًا، والله أعلم. وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 116

عناصر الدرس * الباب الثالث: أحوال المسند. * أغراض حذفه وذكره. * أغراض ذكره جملة أو مفرداً. * فائدة تقييده بالفضلات وتركه. * فائدة تقييده بأدوات الشرط. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: (البابُ الثَّالِثُ: أَحوَالُ المُسْنَدِ). (البابُ الثَّالِثُ) من الأبواب الثمانية التي انحصر فيها علم المعاني: ... (أَحوَالُ المُسْنَدِ)، قدَّم الباب الأول في أحوال الإسناد الخبري - ومر ... معنا - والباب الثاني في أحوال المسند إليه، و (البابُ الثَّالِثُ) في (أَحوَالُ المُسْنَدِ)، وحينئذٍ تمت الأجزاء الثلاثة. وهذه أهم ما يُعْتَنَى به في هذا المقام: الإسناد، والمسند إليه، والمسند. وكلاها الثلاثة متلازمة. إذ لا مسند إليه إلا بمسند ولا عكس، ولا إسناد إلا بمسندٍ إليه ومسند، فإذًا لكل واحد من هذه الثلاثة الأجزاء أحكامٌ تتعلق بها يحتاج الطالب أن يتمعن فيها على جهة الخصوص. (أَحوَالُ المُسْنَدِ) أي المحكوم به وهو المحمول فعلاً كان أو اسم، يعني: يسمى محمولاً عند المناطقة، والمسند إليه يسمى موضوعًا عند المناطقة، وإن كان العبارات مختلفة إلا أن المعنى واحد، نعم اختلاف بعض الأحكام التي لا تضر. (أَحوَالُ المُسْنَدِ) أي: المحكوم به وهو المحمول فعلاً كان أو اسمًا، بخلاف المسند إليه فلا يكون إلا اسمًا، وأما المسند فإنما يكون اسمًا ويكون فعلاً، يعني: تارةً يكون اسمًا وتارةً يكون فعلاً، وهذا من أبرز الفوارق بين النوعين مع كون الأول المسند إليه محكومًا عليه والثاني محكومًا به. وهذا فرقٌ جوهري من حيث المعنى، وأما من حيث اللفظ وما يدل عليه فالمسند إليه لا يكون إلا اسمًا، والمسند يكون اسمًا ويكون فعلاً. وأخرَّه عن المسند إليه لأنه فرع، المسند إليه أصلٌ، والمسندُ فرعٌ عنه ومسوقٌ لأجله؛ لأن المسند إليه - كما مر - محكومٌ عليه والمسندُ محكومٌ به وهو متضمنٌ للحكم، والثاني لا شك أنه مؤخرٌ عن الأول؛ لأن المحكوم عليه مقدمٌ وَقُدِّمَ الأَوَّلُ عِنْدَ الوَضْعِ ... لأَنَّهُ مُقَّدَّمٌ بِالطَّبْعِ فالطبع يقتضي أن يقدم المحكوم عليه أولاً، ثم بعد ذلك يأتي المحكومُ به. أحوال المسند - عرفنا المسند - أحواله يقال فيه ما قيل فيما سبق، المراد بها الأمور العارضة للمسند، فتعرض له أمور كما أن المسند إليه تعرض له أمور، فالأحوال العارضة هنا تعرض للمسند من حيث هو مسندٌ كالترك، والذكر، والتعريف والتنكير، وكل ما مضى من الأبحاث المتعلقة بالمسند إليه، ثَمَّ اشتراكٌ من حيث المعنى عرفنا أنه ثم فرقًا بينهما، ومن حيث الأحوال العارضة فيعرض للمسند ما يعرض للمسند إليه من حيث الذكر، والحذف، والتعريف والتنكير .. إلى آخر ما مر معنا. وفيه أبحاث: الأول في تركه، قال الناظم:

стр. 117

(لِمَا مَضَى التَّرْكُ) ما إعراب الترك؟ مبتدأ مؤخر (لِمَا مَضَى) يعني: للذي مضى، يعني: مرَّ وانتهى ذكره (التَّرْكُ)، الترك هنا أحوال الترك في المسند (لِمَا مَضَى) يعني: يُترك المسند إليه لما مر من أحوالٍ في المسند إليه، فحينئذٍ اشتركا من حيث الجملة فيُترك المسند لأغراضٍ هي بعينها التي يُترك المسند إليه أو إن شئت عبر بيحذف لأجلها، (لِمَا مَضَى) من النكت في حذف المسند إليه الترك، أي: ترك المسند إليه لما مضى بحذف المسند إليه، في قوله فيما سبق: الحَذْفُ لِلصَّوْنِ وَلِلإِنكَارِ ... وَالإِحْتِرَازِ أَوْ لِلإِخْتِبَارِ وكما أن المسند إليه يُحذف للصون، كذلك المسند يحذف للصون، إما لصون المسند لعظمته ومكانته، وإما لصون لسانك أنت عن حقارته ورزالته، كذلك للإنكار والاحتراز والاختبار. فالاحتراز عن العبس أي: الإتيان بما لا فائدة فيه للعلم به، نأتي ببعض الأمثلة فقط نحو: زيدٌ في جواب من قام؟ زيدٌ، ما إعراب زيد؟ فاعل، ليس مبتدأ نحن في المسند إليه، ذكرتني المسند يكون خبرًا ويكون فعلاً، المسند إليه هو المحكوم به ولذلك مر معنا حد الإسناد نسبةُ حكمٍ إلى اسمٍ إيجابًا أو سلبًا، احفظ هذا الحدّ واعرف المراد بالاسم والمراد بالحكم ترتاح كثير من هذا المقام، نسبة أي: إضافة حكمٍ، ما المراد بالحكم هنا؟ الخبر والفعل، الخبر بأنواعه المفرد والجملة وشبه الجملة، والفعل بأنواعه الماضي والمضارع، والأمر على خلافٍ فيه - هل تقع الجملة طلبية خبرًا أو لا؟ - والصحيح أنها تقع، حينئذٍ المراد بالحكم الاسم الخبر بأنواعه والفعل بأنواعه، إلى اسمٍ المراد به المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل. احفظ هذا التعريف بهذا التعليق تستريح كثيرًا. إيجابًا أو سلبًا هذا تقسيم للجملة قد تكون موجبة وقد تكون سالبةً - يعني: منفية، يعني: المسند يكون خبرًا ويكون فعلاً من قام؟ زيدٌ ما إعراب زيد؟ فاعل - لا تتردد - فاعل لأن التقدير قام زيدٌ، حذفت قام لدلالة قام التي في السؤال، فذكره حينئذٍ يكون من باب التطويل لأنه لا فائدة منه؛ لأن السائل يسأل عن ماذا؟ عن حدثٍ مخصوص عبر عنه بقام، من قام؟ إذًا يعلم أن ثَمَّ قيامًا قد وقع، فإذا قلت له: قام ماذا صنعت؟ أطلت في الحديث بدون فائدة، وإنما تذكر الفائدة مباشرةً زيدٌ، زيدٌ فاعلٌ لفعل محذوف جوازًا، إذًا الاحتراز عن العبث الإتيان بما لا فائدة فيه للعلم به نحو زيدٌ في جواب من قام، وقوله: كذلك ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيّارٌ بها لغريب

стр. 118

فإني وقيّارٌ، كذلك. الرحل هو المنزل والمأوى، وقيار اسم فرسٍ للشاعرِ، فالمسند لقيار محذوف لأن قيار هنا مبتدأ، لدلالة ما قبل عليه، والتقدير وقيارٌ كذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠]. ﴿لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ﴾، ﴿أَنتُمْ﴾ ما إعرابها؟ ليست مبتدأ، بل هي فاعل لو تملكون، تملكون هذا الأصل وحذف تملكون فانفصل الضمير صار أنتم، لأن الواو تأتي تملكون الواو هي الفاعل، هذه لا تكون إلا متصلة لا يكون منفصلاً، فحينئذٍ أنيب أنتم مناب الواو، والأصل لو تملكون تملكون، فحذف الفعل احترازًا عن العبس لوجود المفسر فانفصل الضمير وليس أنتم مبتدأ، وما بعده خبر، بل فاعل لفعلٍ محذوف، وقول الشاعر كذلك: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلفٌ الرأي والرأي الآخر، نحن بما عندنا راضون أليس كذلك؟ نحن بما عندنا راضون، نحن راضون أليس كذلك؟ وبما عندنا متعلق براضون، إذًا حذف الخبر من الأول لدلالة الثاني عليه، نحن بما عندنا وأنت، [إذا جاءت الواو لا تبحث عن المبتدأ بعد الواو انتبه هل سبق $ ٩.١٦ وأنه مستدرك بعده]، إذا جاءت الواو نحن بما عندنا وأنت، لا تبحث عن الخبر بعد الواو، إذًا نحن بما عندنا نحن مبتدأ أين الخبر؟ نحن ماذا؟ قائمون نائمون آكلون شاربون يحتمل، لكن بدلالة المتأخر نحن بما عندنا راضون فحذف الخبر، إذًا: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلفٌ

стр. 119

أي نحن بما عندنا راضون، (لِمَا مَضَى التَّرْكُ) أي ترك المسند إليه لما مضى في حذف المسند إليه، عرفنا الآن وعبَّر هنا بالترك وفيما سبق بالحذف هل هو مقصودٌ أم لا؟ قال: الحذف للصون في المسند إليه، وهنا قال: ... (لِمَا مَضَى التَّرْكُ) هل ثَمّ فرقٌ؟ نعم لأن المسند إليه ركنٌ، فالأصل فيه أن يذكر وهو عمدة محكومٌ عليه، لا يجوز حذفه البتة، هذا أصلٌ إلا إذا دلت قرينة عليه، حينئذٍ إذا ترك لا بد وأن يدل على أنه متروك شيءٌ ما، لا بد أن يدل على كونه متروكًا شيءٌ ما، حينئذٍ لما كان هذا استلزامًا لذكر المسند إليه وجودًا أو عند الحذف، عُبِّر بالحذف للدلالة على أنه يذكر أولاً ثم يحذف، لماذا؟ لكونه عمدة، وأما المسند فهذا يمكن أن يستغنى عنه فلكونه فرعًا عن المسند إليه، عُبِّر عنه بالترك بمعنى أنه قد لا يذكر ابتداءً، وأما المسند إليه فلا يذكر ثم يحذف، ففرقٌ بين النوعين، وعبَّر هنا بالترك وفي المسند إليه بالحذف تنبيهًا على أن المسند إليه هو الركن الأعظم، نعم هو الركن الأعظم من الجزأين، هو الركن الأعظم الشديد الحاجة إليه حتى أنه إذا لم يذكر فكأنه أُتي به ثم حذف، يعني: لا بد أن يكون مذكورًا، إما أن يؤتى به صراحةً وإما أنه يؤتى به ثم يحذف، يعني: لا يترك ابتداءً بل يذكر ثم يحذف لأصالته وعمديته حتى أنه إذا لم يذكر فكأنه أُتِيَ به ثم حذف بخلاف المسند فإنه ليس بهذه المثابة، فكأنه تُرِكَ من الأصل يعني: لم يذكر. إذًا الترك لا يفهم أنه ذكر ثم حذف والحذف لا، ذكر أولاً ثم حذف، وعُبِّر بالتعبيرين لدلالة على أن المسند إليه ركنٌ أعظم، والمسند - وإن كان عمدة - إلا أنه ليس مساويًا للمسند إليه. (لِمَا مَضَى التَّرْكُ) في عبارة الناظم قصور لأنه أحال على شيءٍ حين مضى مطلقًا، لأن في ترك المسند اعتباراتٌ لم تكن هناك، هل كل ما ترك في المسند هو بعينه الغرض في المسند إليه على ظاهر كلام الناظم؟ نعم، (لِمَا مَضَى التَّرْكُ) الترك لكل ما مضى ما اسم موصول بمعنى الذي، إذًا عمّ، فكل تركٍ في المسند هو بعينه الترك أو الحذف في المسند إليه، لكن ليس الأمر كذلك، ثَمّّ تركٌ في المسند ليس موجودًا في المسند إليه، لأن في ترك المسند اعتباراتٍ لم تكن هناك، مثل أن يكون مثلاً قد يحذف المسند لأنه مثل، والأمثال تحكى كما هي، كما في قوله: كل رجلٍ وضيعته. كلُّ: مبتدأ، رجلٍ: مضاف إليه، وضيعته: معطوفٌ على كل أين الخبر؟ محذوف لماذا؟ سماعًا، هل هذا الغرض موجودٌ في المبتدأ؟ لا، ليس موجودًا، فكيف يقول: الترك لما مضى؟ هذا يَرِدُ عليه. إذًا في عبارته قصور لأنه يرد عليه بعض الاعتبارات في المسند من حيث الحذف كما لو كان مثلاً فحينئذٍ يبقى على أصله، أو جاريًا مجرى المثل كقولهم: ضربي زيدًا قائمًا، ضربي زيدًا إذا كان قائمًا، وكأكثر شرب السويق ملتوتًا، إذا كان ملتوتًا، حينئذٍ نقول: قد يُحذف الخبر لغرضٍ ليس موجودًا في المسند إليه، هذا الذي نريده في هذا المقام، فقول (لِمَا مَضَى التَّرْكُ) فيه إجمالٌ والصواب أن بعض الأغراض قد تكون في المسند ولا تكون في المسند إليه.

стр. 120

إذًا قد يحذف المسند إليه وقد يترك المسند، والنحاة يعبرون بالحذف في الموضعين لأنهم لا يدققون في مثل هذه المواضع، قد يحتمل بعض الألفاظ أو بعض الجمل، إما حذف المسند أو حذف المسند إليه يحتمل هذا: فصبرٌ جميل مثال مشهور عند البيانيين، فصبرٌ جميل، فصبرٌ جميلٌ، صبرٌ جميل. جميل ما هو إعرابه؟ صفة ليس بخبر، فصبرٌ: هذا نكرة، جميل: هذا نعته، هذا يحتمل أن المحذوف المبتدأ فأمري أو حالي صبرٌ جميل، أو شأني صبرٌ جميل، فصبرٌ جميل أَجْمَلُ بي، أَجْمَلُ بي يعني: أحسن بي أن يكون، يحتمل أن يكون المبتدأ هو المحذوف ويحتمل أن يكون الخبر هو المحذوف، جَوِّز هذا أو ذاك، يعني: يجوز أن يكون المحذوف هو المسند إليه ويكون التقدير فأمري صبرٌ جميل، ويجوز أن يكون من حذف المسند فصبرٌ جميل أجمل بي، لكن الأولى أن يكون المحذوف المسند إليه هنا، لماذا؟ قالوا: وإن كان يحتملهما على السواء إلا أن الأول أولى لماذا؟ قالوا؟ لأن سياق الكلام للتمدح بحصوله له، لو قلت مثلاً: فأمري - شأني وحالي - صبرٌ جميل الصبر واقع أو لا؟ ماذا تفهم؟ تأملوا! واقع، فأمري صبرٌ جميل الصبر واقع أم لا؟ واقع، طيب صبرٌ جميل أجمل بي واقع أو لا؟ ليس بواقع. إذًا لو جاز أن يكون من حذف المسند إليه أو المسند نقول: في هذا المقام يترجح أن يكون المحذوف هو المسند إليه لأن يعقوب كان يتمدح بكون الصبر حاصلاً له، وهذا إنما يكون إذا حذف المسند إليه ولا يستويان من حيث المعنى. إذًا لأن سياق الكلام التمدح لحصوله له والإخبار بأن الصبر الجميل أجمل لا يدل على حصوله له، ففرقٌ بين المعنيين، ولكن القاعدة العامة عند النحاة أنه يجوز، إذا كان كلٌ منهما سائغ حينئذٍ جاز أن يكون الأول وجاز أن يكون الثاني، والقاعدة العامة بعضهم يرى أنها الخبر هو الذي يكون مذكورًا، والمسند إليه هو الذي يكون المبتدأ هو الذي يكون محذوفًا لأن الخبر هو محط الفائدة، فحينئذٍ لا بد من ذكره، وبعضهم يرى أن المبتدأ هو الذي يكون محذوفًا $ ١٧.٣٧كقاعدة عامة إذا لم يترجح المعنى لماذا؟ قالوا: لأن المبتدأ لا يكون إلا معلومًا، يعني: عندما أخبرك بأن زيد عالم، زيدٌ عالمٌ ما الذي تعلمه أنت من كلامي وما الذي تجهله؟ المبتدأ معلوم وإلا ما صار واسطة بيني وبينك في الحديث، لو جئتك بزيد ولا تعلمه وعالمٌ ولا تعلمه حينئذٍ ما حصل الخطاب، لا بد من مقدمة لأعرِّف لك من هو زيد ثم أصفه بكونه عالما، لكن إذا كان معلومًا زيدٌ عالمٌ إذًا المبتدأ هنا واسطة ووسيلة من أجل الحكم الذي هو الخبر، قيل: الخبر أولى بالذكر لأنه محط الفائدة، وقيل: المبتدأ لأنه العامل وأيضًا الحذف من الأواخر أولى. على كلٍ إن رجح المعنى فهو الذي يُحْكَمُ به كما في المثال السابق، وإن لم يترجح فالظاهر إن الأولى أن يكون المحذوف هو المبتدأ - وإن كان عاملاً - فحذف العوامل كثير ليس بالقليل، يعني: هو قياسي مبتدأ عاملٌ في الخبر والحذف من الأواخر، نقول: هنا يراعى ماذا؟ يراعى القضية الكبرى وهي كون المبتدأ محكومًا عليه وكون المسند أو الخبر محكومٌ به، فحينئذٍ إذا كان كذلك فالأصل هو الجهل بالحكم وهو الذي تضمنه الخبر ولذلك إبقاؤه في اللفظ يكون أولى.

стр. 121

(لِمَا مَضَى التَّرْكُ) حال كونه مع القرينة يعني: لا يجوز ترك الخبر المسند إليه وحذفه إلا إذا كان هناك قرينة وهذا كما ذكرناه سابقًا في باب المسند إليه لأن القاعدة العامة في باب النحو وحذف ما يعلم جائزٌ مفهومه أن ما لا يعلم حذفه لا يجوز وهذا مطلقًا في باب المسند وفي غيره، إذًا التنصيص هنا يكون من باب التقعيد العام الذي يذكره النحاة، (مَعَ القَرِينَةْ) بالإسكان أي: وشرط الترك أن توجد قرينةٌ دالةٌ عليه ليفهم المعنى، وهي إما سؤالٌ مذكور، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ... [الزخرف: ٨٧]. ما إعراب [لفظ الجلالة $ ٢٠.٠٨] ﴿اللَّهُ﴾ فاعل لا تقول مبتدأ، الله لماذا؟ لأنه وقع في جواب السؤال، والسؤال معادٌ في الجواب، فحينئذٍ تقول التقدير: خلقنا الله، فاللهُ هذا فاعل والعامل فيه يكون محذوفًا، أي خلقنا الله الدليل على ذلك التصريح به في قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ﴾ [الزخرف: ٩]. ما قال لا يقولن العزيز، أعادوا العامل مع كونه مذكورًا في السؤال - وسيأتي لما ذُكِرَ. ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] ما قال: قل الذي قال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي﴾ إذًا التصريح بالعامل وهو فعلٌ في هذين الموضعين وفي غيرهما يدل على أن القول هنا: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] فاعل، لأن حمل النظير على النظير هذا من قواعد النحاة، وهذا خاصةً في القرآن، إذا جاء التصريح بشيءٍ في موضعٍ وجاء مبهمًا في موضعٍ معين آخر واحتمل أمرين تحمله على ما صُرِّحَ به، ولذلك كل ما في القرآن التي تحتمل أن تكون تميمية أو حجازية ما جاء مصرحًا في ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١]، ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]. هذا جاء مُصَرَّحًا بأنها حجازية؛ لأنه هي التي تعمل عمل ليس، في بعض المواضع ما جاء يعني: إما أنها دخلت الباء على الخبر، وإما أنه لا يظهر في الإعراب، حينئذٍ نقول: الراجح أنها حجازية وليست تميمية لماذا؟ لورود التصريح به في موضعٍ آخر، إذًا القاعدة عندنا هنا أنه ما جاء مبهمًا أو مترددًا بين احتمالين وجاء في موضعٍ آخر مصرحًا به في القرآن حينئذٍ نحمل النظير على النظير، ولا نقول: هذا كذا، وهذا يحتمل أمرين، لا، نحمل هذا على ذاك. إذًا السؤال الذي هو القرينة قد يكون مذكورًا منصوصًا عليه ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي خلقنا الله، أو مقدر للعلم به يعني: قد يكون السؤال مقدرًا يفهم من الكلام كقوله: لِيُبْك يزيد ضارعٌ لخصومةٍ ... ومختبطٍ مما تطيح الطوائح

стр. 122

يبكى يزيد: مغير الصيغة، ويزيد هذا نائب الفاعل، وضارعٌ هذا محل الشاهد مرفوعٌ على أنه فاعل لفعلٍ محذوف، كأنه قال: من يبكيه؟ [أو من، نعم:] (١) من يبكيه؟ بَكَى يَبْكِي، من يبكيه؟ قال: ضارعٌ، وضارعٌ هنا جاء جوابًا لسؤالٍ مقدر، وعلم من السياق، فيبكى مغير الصيغة ويزيد نائب فاعل وضارعٌ مرفوعٌ بفعلٍ محذوف كأنه قيل: من يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارعٌ. لأنه كان ملجئًا للأذلاء وعونًا للضعفاء. إذًا هذا ما يتعلق بالترك وعرفنا ما فيه. (التَّرْكُ) (لِمَا مَضَى) مبتدأ وخبر، خبر مقدم، وما هنا فيه عموم، وصلة الموصول هنا الجار متعلق بمحذوف خبر مقدم، مع القرينة هذا حالٌ مع متعلق بمحذوف حال من الترك، حال كون الترك كائنًا مع قرينة، وعرفنا قرينه المراد بها السؤال قد يكون مذكورًا وقد يكون محذوفًا للعلم به. (وَالذِّكْرُ) لما مضى، ما إعراب (الذِّكْرُ) معطوف على الترك، هل الحديث هنا في نوعٍ واحد أو في نوعين الترك والذكر هما مبحثان أليس كذلك؟ (التَّرْكُ) (لِمَا مَضَى)، (وَالذِّكْرُ) لما مضى، الذكر مبتدأ حُذِفَ خبره لدلالة ما قبله عليه، (وَالذِّكْرُ) لما مضى، فصل الجملتين أولى لأن كلاً منهما مبحثٌ خاصٌ من مباحث المسند، (وَالذِّكْرُ) أي ذكر المسند لما مضى، أين مضى؟ في ذكر المسند إليه من قوله: وَالذِّكْرُ لِلتَعْظِيمِ وَالإِهَانَةِ ... وَالْبَسْطِ وَالتَّنْبِيهِ وَالْقَرِينَةِ

стр. 123

فكل ما قيل هناك يقال: هنا على ماذا؟ على ما أطلقه الناظم (وَالذِّكْرُ) لما مضى، ما هذه صيغة عموم، حينئذٍ كل ما مضى في المسند إليه من أغراض ذكر المسند إليه يُذكر من أغراض ذكر المسند، ككونه الأصل ولا مقتضي للعدول عنه أو الاحتياط لضعف التأويل على القرينة كقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. لما ذكر هنا المسند مع كونه حذف في الآية التي ذكرناها سابقًا، ضعفًا على التأويل على القرينة يعني كأنه تلويحٌ بأنهم أغبياء، أو بأنهم لا يفهمون، أو التنبيه على غباوة السامع كقوله تعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] في جواب قوله: ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٢، ٦٣] ﴿فَعَلَهُ﴾ أعاد الفعل مع أنه في جواب السؤال، فالأصل أنه يحذف، هذا فيه تأويل على ما مضى، أو التعظيم كقولك زيدٌ سلطان العلماء مثلاً، أو محمدٌ نبينا ﷺ هذا لم يخالف في الإسلام مثلاً، أو الإهانة كزيدٌ بن الحجام ونحو ذلك مما سبق بيانه، كل ما يقال هناك يقال هنا، زاد هنا فائدة ليست هناك (أَوْ يُفيِدُنَا) أي الذكر (تَعْيِينَهْ) يعني ذكر المسند إليه يفيدنا دون حذفه تعين المسند، يعني: تعين نوعه ما هو؟ لأن المسند كما عرفنا يكون فعلاً ويكون اسمًا، فإذا حذفه قد لا ندري هل المحذوف هذا اسمٌ أم فعلٌ؟ لأنه يختلف المعنى كما سيأتي، إذًا أو للتنويع أو الذكر يعني: ذكر المسند إليه يفيدنا نحن يفيد هو نا، هو الضمير يعود إلى الذكر ونا مفعولٌ به (تَعْيِينَهْ) مفعولٌ به يفيدنا ماذا؟ تعيينه نعم أفاد يفيدنا نحن تعيينه يكون مفعول ثاني لإفادة، (أَوْ يُفيِدُنَا تَعْيِينَهْ) من كونه اسمًا لا فعلاً، حينئذٍ يفيد الثبوت، لأن الاسم يدل على الثبوت لكون الاسم يدل على الذات وهي لا تتغير، نبينا محمدٌ، محمدٌ نبينا نقول الخبر هنا في الموضعين: كان خبرًا دل على ذاتٍ، والذات في الأصل أنها لا تتغير، فدل على الثبوت هذا معنى الثبوت، الثبوت معناه عدم التغير، فإذا كان الاسم هو المسند حينئذٍ نفهم بأن مدلول المسند ثابتًا وليس بمتغير، أو كونه فعلاً لا اسمًا ليدل على التجدد؛ لأن الفعل يدل على أحوال الذات المتعلقة بالأزمنة، الفعل له دلالة يدل على أحوال الذات المتعلقة بالأزمنة، قام زيدٌ، زيدٌ هنا ذات دل الفعل على أنها موصوفةٌ بصفةٍ حدث وهو القيام في الزمن الماضي، إذًا دل على ذاتٍ وهي مرتبطة بزمانٍ معين عرفنا هذا الارتباط من الفعل، وكونه في الزمن الماضي كذلك عرفناه من صيغة قام، إذًا الفعل يدل على أحوال الذات المتعلقة بالأزمنة، فحينئذٍ يتغير بتغيرها، قام زيدٌ، يقوم زيدٌ، قم يا زيدٌ. تغيرت الأزمنة بتغير الفعل والذات هي الذات، فلو حذف المسند في هاتين الصورتين الاسم والفعل لم يدر أهو اسمٌ أم فعل؟ فتفوت الدلالة على المعنى المراد من حدوثٍ في الفعل أو ثبوتٍ في الاسم. إذًا: . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . أَوْ يُفيِدُنَا تَعْيِينَهْ

стр. 124

وَكَونُهُ فِعْلاً فَلِلتَّقيدِ ... بالْوَقتِ مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ وَاسْماً فَلاِنْعِدَامِ ذَا. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . هذا ما يتعلق بكون المسند فعلاً أم اسمًا، (وَكَونُهُ) أي المسند (فِعْلاً فَلِلتَّقيدِ)، يعني: فيكون للتقيد يعني: تقيد المسند أي يخصصُ (بالْوَقتِ)، يعني: نجيء بالمسند فعلاً من أجل أن نقيد المسند بالوقت، لأن الفعل يدل على الوقت يعني الزمن أحد الأزمنة الثلاثة إما الماضي أو الحال أو المستقبل، (وَكَونُهُ) أي: المسند (فِعْلاً) فيكون (لِلتَّقيدِ) أي: تَقَيّد المسند أي: يخصص للوقت الخاص به من الأزمنة الثلاثة أعني الماضي، وهو الزمان الذي قبل زمان التكلم، والمستقبل: وهو الذي يُتَرَقَّبُ وجوده بعد هذا الزمان، الزمن الماضي قبل زمن التَّكَلُّم، المستقبل هو الذي يحدث بعد زمان التكلم، بقي ماذا؟ الحال، الحال النحاة يقولون: دل على الحال ويسكتون. ولكن عند البيانيين فلسفةٌ جيدة والحال وهو أجزاءٌ من أواخر الماضي وأوائل المستقبل، أواخر الماضي وأوائل المستقبل، هذا هو الحال لا يكاد أن .. ولذلك أنكره بعض النحاة قالوا: الحال هذا لا وجود له. لماذا؟ لأن الحال معناه الوقت الذي يكون متصلاً بآخر جزءٍ من الماضي وبأول جزءٍ من المستقبل، هذا لا وجود له، لأن درسنا الآن منه ما هو ماضي ومنه ما هو مستقبل كل ما مضى فهو ماضي حتى الكلمة هذه ماضي صار، والمستقبل الآتي فحينئذٍ أين وجود الحال؟ لا يكاد أن .. ، يعني: هو غير قارٍ كما يعبر عنه البعض، هذا لا وجود له، [ولذلك] (١) لكن اشتهر عند النحاة هو هذا، من أواخر الماضي وأوائل المستقبل متعاقبًا من غير مهلةٍ وتراخٍ. كما تقول: زيدٌ يصلي. زيدٌ يصلي يعني: الآن هو في أثناء الصلاة، طيب الصلاة ثلاثة أشياء صلاةٌ مضت يعني: جزءٌ منها مضى، وجزءٌ منها آتٍ، الذي أخبرت بالكلم وقت فعله هو الحال، وما عداه إما ماضي أو مستقبل، فقوله: يصلي. منه ماضي ومنه مستقبل ومنه حال فكيف يقول النحاة: بأنه للحال؟ حينئذٍ فيه نوع تعميم، ولذلك هو اصطلاحًا عرفي فقط، وإلا الحال هذا هو حقيقته آخر أجزاء الماضي وأول أجزاء المستقبل وهو بينهما ولا يكاد أن يكون قارًا بل يذهب، منذ أن تتكلم صار ماضيًا، زيدٌ يصلي والحال أنه قد مضى بعضٌ من صلاته وبعضٌ منها مشغولٌ به وبعضٌ منها مستقبلٌ له، فجعلوا الصلاة الواقعة في الأنات المختلفة المتعاقبة واقعةً في الحال وهذا أمرٌ عرفي. يعني: مجرد اصطلاحٍ فحسب.

стр. 125

إذًا: (وَكَونُهُ فِعْلاً فَلِلتَّقيدِ بالْوَقتِ) إذا أردت الدلالة على أن المسند إنما حكم به على المسند إليه في أحد الأزمنة الثلاثة فتأتي بالماضي للماضي والمستقبل للمستقبل والحال للحال، وإنما كان الفعل مقيِّدًا للتقيد بالزمان لأنه دالٌ بصيغته على أحد الأزمنة الثلاثة، نعم وهو كذلك، فالفعل الماضي يدل على الزمان بالصيغة أليس كذلك؟ فَعَلَ فَعُلَ فَعِلَ نقول: مجرد إتيان الفعل على هذا الوزن دل على أنه ماضي انطلق أَفْعَلَ تَفَعَّلَ اسْتَفْعَلَ، الأوزان التي مرت معنا في المقصود، نقول: هذه كلها تدل على أنه ماضي، كذلك يَفْعُلُ يَفْعَلُ يَفْعِلُ هذا يدل على المضارع، افْعَلْ هذا يدل على المستقبل، فإن الدلالة على أحدها على وجهٍ أخصر جيء به يعني: لماذا جيء به؟ من أجل أن يدل على الزمن بالصيغة مع الاختصار، لأنك لو قلت: زيدٌ قائمٌ أمسِ، أيهما أقرب قائمٌ أمسِ أو قام زيدٌ؟ قام زيدٌ. إذًا هو أخصر، ماذا صنعنا؟ حذفنا أمسِ اختصارًا وجئنا بقام بدلاً من قائم، حينئذٍ يكون دلالة قام على قائمٌ أمسِ من حيث الصيغة، فبدلاً من أن نطيل الكلام ونأتي بلفظٍ زائد عن الاسم لأن الاسم قد يدل على الزمان لكن بقيدٍ، وأما الفعل يدل على الزمان لكن بالصيغة فهو دلالةٌ وضعية، إذًا إنما كان الفعل مقيدًا للتقيد بالزمان لأنه دالٌ بصيغته على أحد الأزمنة الثلاثة، فإذا أراد الدلالة على أحدها أتى به على وجه الاختصار لدلالته عليه من غير احتياجٍ إلى قرينةٍ تدل على ذلك، بخلاف الاسم فإنه إنما يدل على ذلك بقرينةٍ خارجةٍ، كقولنا: زيدٌ قائمٌ أمس، وإذا أردت الآن زيدٌ قائمٌ الآن، وإذا أردت غدًا مستقبل زيدٌ قائمٌ غدًا فبدل من أن تأتي بهذه الألفاظ تأتي بالاختصار وتأتي به فعلاً. هذه الفائدة الأولى (وَكَونُهُ فِعْلاً فَلِلتَّقيدِ بالْوَقتِ).

стр. 126

فائدة ثانية: - نأخذها من كون الفعل مُسْنَدًا - (مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ)، يعني: مع الدلالة على التجدد، حصول الشيء الذي هو الحدث شيئًا فشيئًا، ولذلك #٣٥.٣٥ .. قال: الجملة الاسمية تدل على الثبوت والدوام، والجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث. ما المراد؟ الاسم عرفنا أنه يدل على الذات، والذات لا تتغير في الأصل، والفعل يدل على الحدث متعلق بالزمن، ولا شك أن الحدث يقع شيئًا فشيئًا، فحينئذٍ نقول: دلالة الجملة الفعلية على الحدث لكون الفعل دالاً على حدثٍ وزمنٍ، ولا شك أن الزمن له أجزاءٌ متعاقبة وكل زمنٍ يقطع فيه شيءٌ من الحدث حينئذٍ يحصل شيئًا فشيئًا، (مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ) الذي هو من لوازم الزمان الذي هو جزءٌ من مفهوم الفعل، وتجدد الجزء وحدوثه يقتضي تجدد [الكل وحدوثه، على ما لو] (١) الكلَّ وحدوثه على ما ذكرناه، لأن يقوم مثلاً هذا يدل على التجدد والحدوث كيف؟ نقول: هنا يقوم دلَّ على حدثٍ وزمن ولا شك أنه دل على حدثٍ يعني: نوعٍ من أنواع الحدث وهو القيام، طيب والزمن؟ لا شك أنه أجزاء، والحدث الذي هو القيام لا يقع في جزءٍ مباشرةً كله، وإنما يقع شيئًا فشيئًا، شيئًا فشيئًا، شيئًا فشيئًا هذا ليس منتهى، يعني: الفعل لا يدل على الانتهاء، وإنما يدل على أن هذا الوصف الذي هو القيام قائمٌ وواقعٌ جزءً فجزء لأن الزمان أجزاء، وكذلك الحدث قابلٌ لأن يكون في الأجزاء، بخلاف الاسم الذي يدل على الثبوت. إذًا (مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ) الذي هو من لوازم الزمان، كيف عرفنا أنه من لوازم الزمان لأن له أجزاء وكل حدثٍ له جزءٌ يقع في جزءٍ من الزمان، ولا شك أن درسنا هذا له ساعة مثلاً هل وقع في الجزء الأول من المغربية أو وقع شيئًا فشيئًا حتى استوفى الساعة؟ هذا مثال حسي الآن؟ وقع شيئًا فشيئًا حتى استوفى الساعة الكاملة إذًا نقول: هذا المراد بالتجدد، بمعنى أن الحدث الذي هو الدرس وهو إلقاء الدرس وقع شيئًا فشيئًا بأن الزمان يتسع شيئًا فشيئًا، ويلحق كل جزء من أجزاء الزمان جزءٌ من الحدث فيقع فيه، وهذا المراد بالتجدد، لأنه فعلنا هذا حدث، وفعلك أنت هذا حدثٌ، الذي هو جزءٌ من مفهوم الفعل، وتجدد الجزء جزء الزمان وحدوثه يقتضي ماذا؟ يقتضي تجدد الكل وحدوثَه، والتجدد هو الحدوث شيئًا فشيئًا، بمعنى أن من شأنه أن يقع مرةً بعد مرة، هذا يقال: في الشأن الفعل المضارع، الفعل الماضي يدل على التجدد أيضًا لكن ليس بهذا المعنى، [التجدد عند النحاة وعند البيانيين على نوعين التجددٌ ليس التجدد المراد به] (٢) الحدوث على نوعين: حدوثٌ بعد أن لم يكن. يعني: بعد عدم. وهذا يشترك فيه الفعل الماضي والمضارع، لأنك تقول ماذا؟ قام زيدٌ. قبل اتصافه بالقيام لم يقم. إذًا دلَّ قام على الحدوث، تفهم من قام زيدٌ أن القيام لم يكن ثم كان، هذا حودثٌ أم لا؟ حدوثٌ لكنه ليس هو المراد هنا، (مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ) والحدوث بمعنى واحد بمعنى حصوله شيئًا فشيئًا مرةً بعد مرة، وهذا لا يدل عليه الفعل الماضي، وإنما يدل الفعل الماضي على الحدوث بمعنى وجود الشيء بعد ألم يكن، وليس هذا بمرادٍ هنا.

стр. 127

إذًا الحدوث كم نوع؟ نوعان: نوعٌ بمعنى الوجود بعد العدم. وهذا يشترك فيه الفعل الماضي والمضارع، بل الفعل كله بأنواعه الثلاثة يدل على حدوث الشيء بعد ألم يكن. وأما الحدوث الذي هو أخص من هذا المعنى متعلقٌ بالفعل الماضي، وهو حدوث الشيء شيئًا فشيئًا لأن الفعل يدل على الاستمرار، وهذا واضحٌ، يعني: تأمل في دلالة الفعل الماضي تفهم أنه ليس هذا المراد، إذا قلت: زيدٌ يقوم. يعني: يحصل القيام في المستقبل شيئًا فشيئًا، لكن قام زيدٌ هو انتهى وانقطع، فكيف يحصل شيئًا فشيئًا فهذا متنافٍ معه. إذًا الحدوث نوعان: حدوثٌ بمعنى وجود الشيء بعد ألم يكن، وهذا الفعل بأنواعه الثلاثة يدل عليه، وليس هو مراد النحاة والبيانيين بكون الجملة دالةً على الحدوث، وإنما هو خاصٌ بالنوع الثاني، وهو حدوث الشيء ووجوده مرةً بعد مرة، يعني: شيئًا فشيئًا وهذا لا يدل عليه الفعل الماضي البتة وإنما هو خاصٌ بالفعل المضارع. إذًا إذا أريد الدلالة على التجدد والحدوث جيء بالمسند بصورة الفعل، إذا أردت أن المسند دالٌ على التجدد والحدوث لا تأتي بالمسند مفردًا أو شبه جملة، وإنما تأتي به بجملةٍ فعلية، هنا قال: كقوله تعالى: ﴿فَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. أين المسند؟ لا يتصور ابتداءً المسند يعني: مبتدأ وخبر، قلنا: المسند الفعل، قد يسند إلى المبتدأ وقد يسند إلى الفاعل، ﴿فَرِيقاً كَذَّبْتُمْ﴾ كذبتم فريقًا وانتهيتم، فيه حدوث أم لا؟ فيه حدوث، يعني: وقع التكذيب بعد أن لم يكن وفرغتم من التكذيب، لأن دلالة الفعل الماضي تدل على الانقطاع، ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ يعني: قتلتم ولا زال القتل مستمرًا شيئًا فشيئًا، وبهذا استدل ابن كثير على أن النبي ﷺ مات شهيدًا، واضح؟ ﴿فَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ أي فريقًا فرغتم من تكذيبه، وهذا ليس فيه تكذيب شيئًا فشيئًا لماذا؟ لأنه فعل ماضي، والفعل الماضي يدل على وقع الشيء والانتهاء منه انقطاعه، إذًا ﴿فَرِيقاً كَذَّبْتُمْ﴾ كذبتم فريقًا وانتهيتم من تكذيبه، وفريقًا فرغتم من قتلهم وها أنتم تَسْعَوْنَ في قتل محمد ﷺ ، هكذا قال المفسرون، وهذا يدل على ماذا؟ على أن قوله ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ على ما ذكرناه زيدٌ يصلي الصلاة منها ما قد وقع وانتهى ومنها ما هو آتٍ في المستقبل، ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ تقتلون دل على شيئين، قتلٌ قد وقع وانتهى، وقتلٌ باقي وما زال، انظروا المعنى كيف يختلف. وكقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] كفاية حصلت وكفاية لا زالت في المستقبل. إذًا: وَكَونُهُ فِعْلاً فَلِلتَّقيدِ ... بالْوَقتِ مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ وَاسْمًا. . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . .

стр. 128

يعني: وكونُه اسمًا يعني: كون المسند اسمًا (فَلاِنْعِدَامِ ذَا) ما هو ذا؟ .. فقط؟ كونه فعلاً دل على أمرين: تقيد بالوقت أحد الأزمنة الثلاثة، وإفادة التجدد. وكونه (اسْماً فَلاِنْعِدَامِ ذَا) يعني: الدلالة على الوقت مع إفادة التجدد، وكون المسند (اسْماً فَلاِنْعِدَامِ ذَا) المذكور لماذا؟ نقدر المذكور؟ .. كيف نطابق؟ .. أي: مبتدأ وخبر ليس عندنا مبتدأ وخبر؟ .. على واحد والمشار إليه اثنان، إذًا لا بد من التأويل لأن لو كان كذلك قال: ... (وَاسْمًا فَلاِنْعِدَامِ) ذين أليس كذلك؟ وذا ثان للمثنى المرتفع صحيح؟

стр. 129

لو كان المراد اللفظين بعينهما لقال: واسمًا فلانعدام ذين، هذا الأصل لكن قال: (فَلاِنْعِدَامِ ذَا) أي: المذكور، ثم تفسر المذكور بشيئين يعني: المذكور يطلق على الاثنين والثلاثة وألف واضح؟ وكونه مسند (اسْمًا فَلاِنْعِدَامِ ذَا) المذكور من التقييد بالوقت وإفادة التجدد، فرجع إلى الأمرين، بأن يراد به بالاسم الدوام والثبات أو الثُبوت لأغراضٍ تتعلق بذلك. إذًا دلالة الاسم إذا وقع مسندًا فحينئذٍ يكون ماذا؟ دالاً على الثبوت، المراد بالثبوت وقوع الشيء بعد أن لم يكن، أو أنه ثابت؟ مرَّ معنا هذا، على أنه ثابت لماذا؟ لأن مدلول الاسم في الأصل ذات، والذات لا تتغير وإذا كان كذلك فحينئذٍ يكون ثابتًا، دلالةٌ أخرى الاستمرار هذا المراد بالدوام، الثبوت والاستمرار الثبوت والدوام، متغايران هي ليست كلمة واحدة، بخلاف التجدد والحدوث هذا بمعنًى واحد، وإن كان الحدوث قد يكون أعم لكن المراد به في هذا الموضع معنى واحد، إذا قلت الاسم يدل على الثبوت والدوام، الثبوت له مدلول والدوام له مدلول آخر، الثبوت هو ثابتٌ لكن لا يلزم منه الاستمرار، الدوام يدل على أنه مستمرٌ، وكون المسند (اسْمًا فَلاِنْعِدَامِ ذَا) المذكور من التقييد بالوقت وإفادة التجدد، بأن يراد به بالاسم إذا وقع مسندًا الدوام والثبوت لأغراضٍ تتعلق به، فالاسم يثبت به الشيءُ للشيء من غير اقتضاء أن يتجدد، ويحدث شيئًا فشيئًا فلا تعرض في زيدٍ أو في زيدٌ منطلقٌ بأكثر من إثبات الانطلاق فعلاً له، الاسم ليس له فائدة إلا إثبات الشيء بالشيء فقط، أنه أثبت له، لكن هل يدل على أنه متجددٌ؟ الجواب: لا. فلا تعرض في زيدٌ منطلقٌ لأكثر من إثباتٍ الانطلاق فعلاً له كما في قولك: زيدٌ طويل، وعمرٌو قصير. وأما الفعل فإنه يُقصد به أو فيه التجدد والحدوث، ومعنى زيدٌ ينطلق، ليس هو معنى زيدٌ منطلق، زيدٌ منطلق يعني: ثبت الانطلاق لزيدٍ، وزيدٌ ينطلق بمعنى أن ينطلق أثبت الانطلاق لزيد ومنه وقع وحصل والباقي مستمرٌ، فمعنى زيدٌ ينطلق أن الانطلاق يحصل له شيئًا فشيئًا وهو يزاوله، وعند البيانيين مثال عجيب جدًا: لا يألف الدرهم المضروب صرتنا لكن يمر عليها وهو منطلقُ. يعني: الدينار إذا جاء والدرهم لا يدخل الجيب، أو يدخل ولكنه لا يبقى. قوله: وهو منطلقٌ يعني: قال المرشدي - كلام جميل -: أن الانطلاق من الصرةِ ثابتٌ للدرهم دائمًا، بحيث لا يستقر في الصرةِ وقتًا ما، لا يستقر وقتًا ما، لماذا؟ لأنه ما جاء بفعلٍ يدل على زمنٍ، وإنما جاء بالاسم، والاسم الذي في الأصل لا يدل على الزمن، فلما أراد الشاعر دلالة اللفظ على هذا المعنى أبرز المسند في صورة الاسم حتى لا يتقيد بزمانٍ دون زمان، ولو قال: هو ينطلق، وهو ينطلق لدل على أنه استقر في صرته ثم حدث له الانطلاق، لا يألف الدرهم المضروب صرتنا. يعني: إذا جاءت الدراهم لكن يمر عليها وهو منطلقُ، بمعنى: أنه يدخل الجيب ولا يستقر فيخرج مباشرةً، لو قال: وهو ينطلق.

стр. 130

معناها أنه استقر وحينئذٍ خرج، لدل على أنها استقر في صرته ثم حدث له الانطلاق، إذ الفعل يدل على الحدوث وحدوث الشيء مسبوقٌ بعدمه، فظهر أن في صورة الاسم مبالغةٌ في الوصف بالجود ليس بصورة الفعل، زيدٌ جوادٌ، زيدٌ يجود فرقٌ بين المعنيين، يجود أبلغ من جوادٍ. إذًا هذا ما يتعلق بـ: (وَاسْماً فَلاِنْعِدَامِ ذَا).

стр. 131

ثم قال: (وَمُفْرَدَا لأنَّ نَفْسَ الحُكْمِ فيهِ قُصِدَا) الخبر كما مر معنا في النحو، أنه قد يكون مفردًا، وقد يكون غير مفرد، والمراد بالمفرد هنا ما يقابل المركب، فقط؟ ما ليس أين؟ ما ليس جملةً ولا شبيهًا بالجملة، ما ليس جملةً ولا شبيهًا بالجملة، فالمفرد يختلف وضعه في أبواب النحو، فالمفرد في باب الإعراب ليس كالمفرد في باب الخبر، ليس كالمفرد في اسم لا والمنادى، وهنا المراد بالمفرد ما ليس جملةً ولا شبيهًا بالجملة، إذًا يقع الخبر المسند إليه مفردًا وقد يقع جملةً والحكم يختلف، وكون المسند مفردًا والمراد به هنا ما يقابل الجملة لا ما يقابل المثنى والمجموع ولا ما يقابل المضاف وشبهه كما هو المفرد في باب المنادى واسم لا، ولا ما يقابل المركب لأن المفرد قد يطلق في مقابلة المركب، وذلك لكونه غير سببيًا يعني: يكون المسند مفردًا إذا كان غير سببيٍّ مع عدم إفادة تقوي الحكم نحو زيدٌ قائمٌ، زيدٌ مبتدأ وقائمٌ خبر، قائمٌ خبر مفرد أو غير مفرد؟ مفرد، الزيدان قائمان، قائمان خبر وهو مفرد، الزيدون قائمون، قائمون خبر وهو مفرد، كزيدٌ قائمٌ فقائمٌ ليس سببيًا ولا يفيد التقوي كقام بل يقرب منه، والسببي هنا - لأجل أن نفهم - ما جرى على غير مَنْ هُو لَهُ، بأن يكون إثبات المسند للمسند إليه بمتعلقه لا لنفسه - كما هو الشأن في النعت السببي - إذا قلت مثلاً: زيدٌ أبوه منطلقٌ، زيدٌ أبوه منطلقٌ، أبوه منطلقٌ الجملة خبر المبتدأ، أليس كذلك؟ أبوه منطلقٌ الإثبات هنا للحكم هل هو لزيد أو لمتعلق زيد؟ لمتعلق زيد؛ لأن الحديث عن أبي زيد وليس عن زيد، واضحٌ؟ هذا مثل قولك: جاء زيدٌ أو جاء زيدٌ العالم أو القائم أبوه، فالعالم أو القائم هنا نعت لزيد، لكنه ليس جارٍ لزيد، وإنما هو جارٍ لما بعده، فالذي يوصف بالعلم أو بالقيام ليس هو الموصوف، وإنما هو ما بعده، هنا كذلك، فالسببيّ ألا يجري الحكم المتعلق بالخبر للمبتدأ، بل لما تعلق به يعني لا لذات المبتدأ بل لشيءٍ تعلق به، كقولك: زيدٌ أبوه منطلقٌ، زيدٌ: مبتدأ أول، أبوه: مبتدأ ثاني، منطلقٌ: خبر الثاني والجملة خبر الأول، أبوه منطلقٌ لم يتعلق بزيد بل بمتعلق زيد وهو الأمر، كذلك: هند عبدها قائمٌ، عبدها قائمٌ، القيام هنا ليس لهند وإنما هو للعبد، كذلك الانطلاق ليس هو لزيد وإنما هو لأبي زيد، إذًا يسمى سببيًّا عند البيانيين، هذا لم يذكره النحاة هناك، فلو كان سببيًّا أو مفيدًا للتقوي فهو جملةٌ قطعًا، يعني: كل ما يفيد السببية أو أفاد التقوية يعني: التأكيد فهو جملة، ما لم يكن كذلك فهو مفردٌ.

стр. 132

زيدٌ قائمٌ، قالوا: هنا لا تكرير للإسناد فيه لأنك إذا قلت زيدٌ قام، شرب، زيدٌ مبتدأ قام فعل ماضي والفاعل ضمير مستتر يعود إلى زيد، هنا قالوا: فيه تقوية للحكم، الخبر وقع فعلاً ماضيًا، وأُسْنِدَ إلى ضمير زيد فكأنك كررت زيدًا مرتين، أثبت له الحكم مرتين، مرة بكون الجملة وقعت قام زيدٌ في القوة لأن الضمير يعود إلى زيد، ومرة أخرى أسندت القيام إلى فاعل، يعني: زيد وقع مرتين مرة بالاسم الظاهر وهو مبتدأ ومرةً فاعلاً، فأخبرت عنه من حيث كونه مبتدأ ومن حيث كونه فاعلاً بقام، تأكيد أو لا؟ في تقوية أو لا؟ فيه تقوية، هذا يسمى ماذا؟ يسمى تقوية الحكم، وليس بمفرد. إذًا زيدٌ قائمٌ لا تكرير للإسناد فيه لكون قائم اسم فاعل، وهو مع مرفوعِهِ عند النحاة وعند البيانيين في حكم المفرد، ولذلك يمثل بهذا المثال للمفرد، زيدٌ قائمٌ يذكر النحاة [بأن الاسم يتألف من اسمين] (١) بأن الكلام يتألف من اسمين، ويذكرون هذا النوع زيدٌ قائمٌ فيعترض عليهم معترض يقول: قائمٌ مؤلف من كلمتين فهو مؤلف من ثلاث كلمات، يجاب بأن اسم الفاعل مع مرفوعِهِ في حكم الاسم المفرد، فحينئذٍ لا تكرار، يعني: لم يسند قائم إلى زيد ولم يسند إلى ضمير زيد، ليس هو كزيدٌ قام ففرقٌ بينهما، فلا يفيد حينئذٍ تقوي الحكم، فزيدٌ قائمٌ هذا مفرد لأنه لا يفيد تقوي الحكم وليس بسببي، ومثله قام زيدٌ هل فيه تكرار؟ لا، ليس فيه تكرار لماذا؟ لأن قام هنا أسند إلى زيد مرة واحدة بخلاف زيدٌ قام أُسند إلى زيد مرتين، مرة باسم صريح ومرة بضميره حيث لا تكرار للإسناد فيه بخلاف الجملة نحو زيدٌ قام، فإنها تفيد ذلك التكرار، تفيد ذلك يعني: التقوي لتكرار الإسناد فيها إلى زيدٍ مرتين، إلى لفظه وإلى ضميره. إذًا المفرد المراد به ألا يكون سببيًا كهندٌ عبدها قائم، أو زيدٌ بوه منطلقٌ، وألا يفيد التقوي، والتقوي له صورةٌ وهي قولهم: زيدٌ قام. وأما قام زيدٌ فليس فيها تقوي البتة. وزيدٌ قائمٌ ليس فيها تقوي البتة. لأنه إذا وجد السببي وتقوي الحكم فهو جملةٌ قطعًا، ما عدا ذلك فليس بجملةٍ.

стр. 133

وتقوي الحكم في الاصطلاح عندهم هنا تأكيده بالطريق المخصوص نحو زيدٌ قام، واصطلاح السكاكي في المسند هنا في زيدٌ قام ويسمى مسندٌ فعلي أو مسندًا فعليًا وفي نحو زيدٌ قام أبوه مسندٌ سببي. إذًا: (وَمُفْرَدَا لأنَّ نَفْسَ الحُكْمِ فيهِ قُصِدَا)، (لأنَّ نَفْسَ الحُكْمِ) يعني: ذات الحكم وهو إثبات مضموم المسند هو المقصود دون التقوى، لأنه إذا قصد التقوى فحينئذٍ خرج عن كونه مفردًا، فإذا لم يقصد فقط نفس الحكم وإنما قُصِدَ زيادٌ على ذلك فهو ليس بمفردٍ، واضح التركيب هنا؟ افهموا البيت (وَمُفْرَدَا) يعني: كون المسند مفردًا، لماذا؟ يعني: ليس بجملة، لأن نفس الحكم فيه في المفرد الذي دل عليه (قُصِدَا) الألف للإطلاق يعني: المقصود هو نفس الحكم، ومتى يكون كذلك؟ إذا لم تكن الجملة سببية ولا مقويةً للحكم. يعني: في نحوه قام زيدٌ وزيدٌ قائمٌ وما عدا ذلك فلا، فالمفرد حينئذٍ يدل على ذات الحكم لا على شيءٍ زائد على الحكم، وزيدٌ قام دل على الحكم وزيادة، وهو تقوي الحكم، لأنه في قوة تكرار الإسناد مرتين، وزيدٌ أبوه قائمٌ كذلك لأنه كرر الضمير في أبوه الذي هو صلته. وَالْفِعْلُ بِالْمَفْعُولِ إِنْ تَقَيَّدَا ... وَنَحْوِهِ فَلِيُفِيدَ زَائِدَا (وَالْفِعْلُ بِالْمَفْعُولِ إِنْ تَقَيَّدَا) والفعل إن تقيدا (بِالْمَفْعُولِ) ونحو المفعول (فَلِيُفِيدَ زَائِدَا) هذا واضح، واضح؟ يعني: الفعل إذا وقع خبرًا [مسندًا إليه] (١) مسندًا إما أن يتقيد بشيء أو لا؟ أليس كذلك؟ نقول: زيدٌ قام، قام لم يتعلق بشيء، أو زيدٌ يقوم، يقوم لم يتعلق بشيء، هل هو مثل: زيدٌ يقوم أبوه؟ لَمَّا ذكرت الفاعل حينئذٍ زاد فائدةً، إذًا وَالْفِعْلُ بِالْمَفْعُولِ إِنْ تَقَيَّدَا ... وَنَحْوِهِ فَلِيُفِيدَ زَائِدَا

стр. 134

(وَالْفِعْلُ) وما أشبهه يعني: وما يعمل عمله من اسم الفاعل واسم المفعول ونحوهما، فهو المسند فعلاً كان أو اسمًا يعمل علمه، (إِنْ تَقَيَّدَا) الألف للإطلاق بالمفعول سواءً كان مفعولاً مطلقًا، أو به، أو له، أو فيه، أو معه، لأنه أطلق المفعول، ونحوه يعني: نحو المفعول مثل ماذا؟ كالحال والتمييز والاستثناء، نحو قولك: ضربت ضربًا شديدًا (فَلِيُفِيدَ زَائِدَا)، ضربتُ هذا فعل وفاعل، أين المسند؟ ضرب، أين المسند إليه التاء، إذًا إذا قلت: ضربتُ، هل هو في المعنى مثل: ضربت ضربًا شديدًا؟ لا، ليس مثله، إذًا لما قلت: ضربًا شديدًا زاد في المعنى (فَلِيُفِيدَ زَائِدَا) هنا قيدت الفعل بالمفعول المطلق ووصفته بكونه شديدًا، حينئذٍ زاد المعنى، فكل ما قيدت الفعل بمقيدٍ ما من مفعولٍ أو نحوه من الفضلات سواءٌ كانت منصوبة أو مخفوضة فحينئذٍ يزيد في المعنى، فإذا قلت: ضربت ضربًا شديدًا أو ضربت زيدًا شربًا شديدًا زاد أو لا؟ زاد المعنى، لأنك ذكرت المفعول به في الأول تقول: ضربت ضربًا شديدًا أخفيت المفعول به، أوقعت الضرب على من؟ أخفيته. ومن حقك هذا، فإذا قلت: ضربت زيدًا أفصحت، إذًا زاد المعنى، ضربت ضربًا شديدًا أو ضربت زيدًا ضربًا شديدًا يوم الجمعة زاد المعنى؟ زاد المعنى، أمامك أو تأديبًا أو جلست والسارية، أو جاء زيدٌ راكبًا، وطاب محمدٌ نفسًا، وما ضربت إلا زيدًا، فهذه كلها مقيدات يعني: تفيد الفعل زيادة معنى، فهي تقيد المسند وتزيده، وتزيده معنًى وتعتبر مقيدات وتفاصيل له، (فَلِيُفِيدَ) هذا القيد المسند معنًى زائدًا ويزاد الحكم بها، فإن تقيد المسند بقيدٍ زائد حينئذٍ يُعتبر تخصيصًا له، كل ما ذكرت تقيدًا فقد خصصته، إذا قلت: ضربت ولم تذكر المفعول به فيه عموم، أليس كذلك؟ فيه عموم وشمول، ما تدري ضربت من؟ ما تدري ضربت من زيد عمرو .. إلى آخره، إذا قلت: ضربت زيدًا حصل تخصيص أم لا؟ ضربت زيدًا ضربًا خفيفًا، وسطًا، شديدًا ما تدري؟ فإذا قلت: ضربت زيدًا ضربًا شديدًا، عَيَّنْت خصصت، ما تدري أين ضربته؟ ضربت زيدًا ضربًا شديدًا عند بيته، لا تدري ضربته أمام أحد أم لا؟ ضربت زيدًا ضربًا شديدًا عند بيته أمام أبيه، حصل تخصيص أو لا؟ كل ما زاد قيدٌ حصل تخصيصٌ للمعنى، (فَلِيُفِيدَ) هذا القيد المسند معنًى زائدًا ويزاد الحكم بها، فإن تقيد المسند بقيدٍ زيادةُ تخصيصٍ له، وكل ما ازداد تخصيصًا ازداد الحكم بعدًا، كما أنه كل ما ازداد عمومًا ازداد قربًا، هذا التفصيل السابق. ثم قال: (وَتَرْكُهُ لِمَانِعٍ مِنهُ). (وَتَرْكُهُ) الضمير يعود إلى التقييد، (وَتَرْكُهُ) أي: التقْيِيد أو التقَيُّد بشيءٍ مما ذُكِرَ يكون (لِمَانِعٍ مِنهُ) يعني: من زيادة الفائدة، والمانع مثلاً كانتهاز فرصة أو الاختصار، أو عدم العلم بمقيدات وإرادة ألا يتطلع عليه الحاضرون ونحو ذلك، مثلاً لو ضربت، أنت تعلم أنك ضربت زيد لكن ما تريد أن تخبر بأن الضرب قد وقع على زيد فتخفي، تقول: ضربت. وتسكت عن البقية لماذا؟ سترًا لزيدٍ أو لنفسك أنت، وكذلك ما يتعلق بالحال والتمييز ونحوها.

стр. 135

ثم قال: (وَالْفِعْلُ) وما أشبهه (إِنْ تَقَيَّدَا) (بِالْمَفْعُولِ) يعني: بالمفاعيل كلها، ونحوه الضمير يعود إلى المفعول كالتمييز والحال وكل الفضلات، (فَلِيُفِيدَ زَائِدَا) يعني: زائدًا على المعنى الذي دل عليه المسند، (وَتَرْكُهُ) أي: ترك التقييد بما ذكر من المفاعيل ونحوها إنما يكون (لِمَانِعٍ مِنهُ) يعني: لغرضٍ ما يمنعك من ذكر القيد. ثم قال: (وَإِنْ بِالشَّرْطِ بِاعتِبارِ مَا يَجِيءُ مِنْ أَدَاتِهِ). (وَإِنْ) قيد ... (بِالشَّرْطِ) يعني: قُيِّدَ المسند الذي هو الفعل (بِالشَّرْطِ) وهنا لا يكون إلا فعلاً، وإن تقيد يعني: المسند (بِالشَّرْطِ) أي: بأداةٍ من أدواته مقدمةً كانت الأداة أو مؤخرة، إن جئتني أكرمتك، تقدم أداة الشرط، أكرمتك إن جئتني تأخرت أداة الشرط، إذًا (بِالشَّرْطِ) مطلقًا تقدم أم تأخر، يكون هذا التقييد (بِالشَّرْطِ) باعتبار ما أي: المعنى الذي يجيء ويثبت من أداته؛ لأن أدوات الشرط إما حرفٌ وإما اسمٌ، وكل حرفٍ أو اسمٍ من أدوات الشرط له معنى، وهذه مبحوثةٌ كلها في علم النحو، فإذا أردت المجرد التعليق تأتي بأن الشرطية، وإذا أردت التعليق في مكانٍ تأتي بأين أو أينما، وإذا أردت الزمان تأتي بمتى .. وهلم جرا، باعتبار ما أي المعنى الذي يجيء ويثبت من أداته، أداته أي: أدواته. يعني: أفاد العموم لأن أداة هذا نكرة أضيف إلى معرفة والمراد به العموم، أي: أدواته التي قيد بأحدها حرفًا كانت أو اسمًا، فلذا عبر بالأدوات الشاملة للنوعين، الحروف والأسماء، وكلها مبسوطةٌ في النحو، هكذا قال: ((عقود الجمان)) وكلها مبسوطةٌ في النحو , يعني: فليرجع إليه، لكن بعضها جديرٌ بأن يخص بالحديث والعناية ويبحث عنه، ولذلك عناه البيانيون في هذا الموضع وهو ثلاثة: إذا، وإن، ولو. يعني: الإحالة تكون عند البيانيين لعلم النحو فقل ما يقال في إن مشترك بين البيانيين والنحاة إلا (إذا، ولو، وإن) فإن فيها مباحث طويلة جدًا وفيها خلافات عريضة جدًا، لكن نختصر ما ذكره المصنف وهي: ثلاثة: إذا وإن ولو. قال الناظم: ?? وَالجَزْمُ أَصْلٌ فِي إِذَا ... لاَ إِنْ وَلَوْ وَلاَ كَذَاكَ مَنْعُ ذَا (وَالجَزْمُ أَصْلٌ فِي إِذَا) إذا جازمة أم لا؟ إذا، من الجوازم أم لا؟ في الشعر خاصة هو يقول ماذا؟ (وَالجَزْمُ أَصْلٌ فِي إِذَا). ..

стр. 136

أي نعم أحسنت ليس العمل، هذا اختبار، لاختباري، الجزم ليس المراد به هنا العمل، وإنما المراد به القطع بوقوع مدخولها (وَالجَزْمُ أَصْلٌ فِي إِذَا) والجزم بوقوع الشرط في الاستقبال يعني: من الزمان في اعتقاد المتكلم أصل في إذا، نقول: أولاً لتعليق الفعل على الفعل في الزمان المستقبل سواء كان ماضي اللفظ أو مضارعه هذا المعنى مشترك بين (إذا) و (إن)، التعليق في المستقبل إِذَا جَاءَ زَيْدٌ أَكْرَمْتُه، هل وقع المجيء؟ هل وقع المجيء؟ لا، الإكرام قطعًا ما وقع، إذًا كلا المعنيين الذيَنِ دلا عليه فعل الشرط والجواب لم يقعا، بل هما في مستقبل، إِذَا جَاءَ زَيْدٌ أَكْرَمْتُه، إِن جَاءَ زَيْدٌ في المستقبل، إذًا (إِذَا) و (إن) تجعل الفعل ماضي اللفظ والمستقبل واضح تجعله في المستقبل، حينئذٍ هي كالسين وسوف، يعني: تعتبر من القرائن الدالة على الفعل المضارع يراد به المستقبل، تعليق الفعل على الفعل، انتبه! الفعل على الفعل يعني: جواب الشرط على فعل الشرط في الزمان المستقبل سواء كان ماضي اللفظ أو مضارعه هذا المعنى مشترك بين (إِذَا) و (إن)، فَإِذَا جَاءَ زَيْدٌ، جاء من حيث اللفظ ماضي ومن حيث المعنى مستقبل، إذًا صيرت الفعل الماضي لفظًا صيرته مستقبلاً. [إن إذا يجيء] إن يجئ زيد، يجئ الأصل فيها أنها يجيء وهو دال على الحال والاستقبال، لكن بدخول (إن) عينته للمستقبل. إذًا إذا كان مضارعًا فهو محتمل على قول الجمهور للحال والاستقبال فتصيره (إِذَا) و (إن) للمستقبل، وإن كان ماضي اللفظ - وهذا الغالب يكون مدخول (إِذَا) حينئذٍ صرفته إلى المستقبل. وهذا المعنى مشترك لكن (إِذَا) تختص بالمجزوم بوقوعه، يعني: إذا تختص [بأن يكون ما (بعدها) مجزوم] (١) بأن يكون ما بعده مجزومًا يعني: سيقع إما تحقيقًا نحو: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ جَاءَ زَيْدُ. طلوع الشمس محقق أم لا؟ محقق. أو إدعاءً ليس تحقيقًا وإنما إدعاءً نحو قولك: إِذَا جَاءَ صَدِيقِي أَكْرَمْتُهُ. فإن مجيئه ليس مقطوعًا به كطلوع الشمس لكنه مُدَّعَى باعتبار خطابي، وهو أن الصديق يزور صديقه. إذًا ما بعد (إِذَا) يكون محقق الوقوع إما تحقيقًا وإما ماذا؟ وإما ادعاءً. (لاَ إِنْ) يعني: لا للجزم إن (وَالجَزْمُ أَصْلٌ فِي إِذَا) الجزم لوقوع الشرط (لاَ إِنْ) يعني: ليس الجزم أصلاً في (إِنْ) يعني مدخول (إِنْ) لا يكون مقطوعًا، لا للجزم (إِنْ) فإنها وإن شاركت (إِذَا) في كون كل منهما للاستقبال إلا أنها تفارقها في كونها موضوعة في الأصل لعدم الجزم بوقوع الشرط، ولهذا تدخل على النادر والمحال.

стр. 137

﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ ... [الأعراف: ١٣١] ﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ﴾، ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ﴾ انظر هنا التعبير بـ (إِذَا) في الحسنة والتعبير بالمصبية بـ أو الإصابة بالسيئة جاء بـ (إِنْ) أتى في الحسنة بـ (إِذَا) ولفظ الماضي أما المعنى فهو مستقبل، لماذا؟ لأن وقوعها مجزومٌ به، الحسنة واقعة لأن المراد بها النعم ونعم الله تعالى لا تنفك عن الخلق، ﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ إذًا الحسنة واقعةٌ واقعة، وفي السيئة: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ﴾ جاء بـ (إِنْ) والفعل المضارع إشارةً إلى ندورها، والسيئة هي ما يسوء الإنسان، ولهذا نُكِّرَتْ إشارةً إلى التقليل بخلاف الحسنة، فإذا جاءتهم الحسنة جاء بال للكمال ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ﴾ إذًا القليل هو إصابة السيئة، وقد تخرج (إِنْ) عن أصلها فتستعمل في المجزوم به، كالتجاهل مثلاً كقول الابن لمن يسأل عن أبيه: إن كان في الدار أخبرتك. هذا فيه إيهام وتجاهل بأنه ليس في الدار، وإنما الأصل أن يقول: إذا كان في الدار أخبرتك. لأنه متحقق الوقوع بأنه في الدار لكن أراد أن يخرج الخبر مخرج المشكوك فيه أو النادر لأنه ليس واقعًا، فالأصل في إذا للجزم وقد تخرج عنه، والأصل في (إِنْ) لعدم الجزم وقد تخرج عنه يأتي لـ الشيء المجزوم به ولذلك قال: (أَصْلٌ)، (وَالجَزْمُ أَصْلٌ). إذًا يفهم منه أن الأصل هذا قد ينتفي فتأتي (إِذَا) لغير الجزم، وعدم الجزم أصلٌ في (إِنْ) وقد يخرج هذا الأصل عن أصله فيكون فرعًا. (وَلَوْ) وأما (لَوْ) فقول الجمهور: إنها حرف امتناعٍ لامتناع. وفسرها الأكثر بأن المراد امتناع الثاني لامتناع الأول، انتبه! حرف الامتناع لامتناع، ثم امتناع ماذا الأول للثاني أو الثاني للأول؟ امتناع الثاني لامتناع الأول، لو جاء زيدٌ أكرمتك. ما الذي يفهم امتناع الإكرام لامتناع مجيء زيد. إذًا امتنع الثاني الذي جوابه (لَوْ) لامتناع الأول الذي هو مجيء زيد. وقول الناظم (وَلَوْ) أي: وليس الجزم بوقوع الشرط أيضًا أصلٌ في (لَوْ)، (لاَ إِنْ وَلَوْ) يعني: (لَوْ) مدخول لا، يعني: لا يكون الجزم أصلاً في (إِنْ) ولا يكون الجزم أصلاً في (لَوْ) أي: وليس الجزم بوقوع الشرط أيضًا أصلٌ في (لَوْ) بل هي لتعليق حصول مضمون الجزاء بحصول مضمون الشرط فرضًا في الماضي مع القطع بانتفاء الشرط فيلزم انتفاء الجزاء كما تقول: لو جئتني أكرمتك. هذا معلق على الإكرام بماذا؟ بالمجيء مع القطع بانتفاء المجيء فيلزم انتفاء الإكرام، فهي امتناعٌ لامتناع، يعني امتناع الثاني أعني: الجزاء لامتناع الأول أعني الشرط، فالجزاء منتفٍ بسبب انتفاء الشرط. الجزاء منتفٍ بسبب انتفاء الشرط، وهذا معنى قول الجمهور - جمهور النحاة - السابق أنها حرف امتناعٍ لامتناع.

стр. 138

وقوله: (وَلاَ لِذَاكَ مَنْعُ ذَا). هذا محل إشكال عند الشراح، ما المراد به؟ (وَلاَ لِذَاكَ مَنْعُ ذَا)، (وَلاَ لِذَاكَ) الذي هو الجزاء (مَنْعُ ذَا) الذي هو الشرط، هذا خلافًا لقول ابن الحاجب لأنه يرى العكس، الجمهور على أنه امتنع الثاني بامتناع الأول، هو يرى أن الأول امتنع لامتناع الثاني. وقال هنا: (وَلاَ لِذَاكَ مَنْعُ ذَا) ليس (مَنْعُ ذَا) (لِذَاكَ) يعني: لم يمتنع الأول امتناع الأول بل العكس امتناع الثاني لامتناع الأول، أي: وليست (لَوْ) لامتناع الشرط لامتناع الجزاء، كما ذهب إليه بعضهم ونسبه المرشدي في ((شرح العقود)) لابن الحاجب حيث قال: فهي لامتناع الأول لامتناع الثاني .. إلى آخر كلامه. وهذا تفسير صاحب ((الدرر الفرائد))، وفسره ((في دفع المحنة)) بقوله: ولاك ذاك منع ذا. أي: ولاك (إِذَا) و (إِنْ) منع (لَوْ) ولاك ذاك أي: مثل ذاك المشار إليه (إِنْ) وإذا منع ذا الذي هو (لَوْ) يعني: المنع كِلا الحروف [والأسماء الثلاثة] (١) الحروف الثلاثة مشتركة في المنع (إِذَا)، و (إِنْ)، و (لَوْ)، إلا أن الامتناع في ... (لَوْ) ليس كالامتناع في (إِذَا) و (إِنْ)، وهو معنًى لا بأس به أي: ولاك إذا وإن منع (لَوْ) فإنها حرف امتناعٍ لامتناع. ثم قال: وَالْوَصْفُ وَالتَّعْرِيفُ وَالتَّأْخِيرُ ... وَعَكْسُهُ يُعْرَفُ وَالتَّنكِيرُ ويأتي بعد الصلاة بإذن الله، والله أعلم. وصلَّ الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 139

عناصر الدرس * الغرض من وصفه وتعريفه. * الغرض من تأخيره أو تقديمه. * الغرض من تنكيره. * الباب الرابع: أحوال متعلقات الفعل. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقوله رحمه الله تعالى: ............... وَإِنْ ... بِالشَّرْطِ بِاعتِبارِ مَا يَجِيءُ مِنْ أَدَاتِهِ ..................... ... ............................. يعني: وإن تقيد المسند بالشرط يعني: بأداة شرط فحينئذٍ يكون المعنى معنى المسند ومقتضاه (بِاعتِبارِ مَا يَجِيءُ مِنْ أَدَاتِهِ) يعني: باعتبار المعنى الذي أدخلتها من أداة فحينئذٍ يكون المعنى، (وَالجَزْمُ أَصْلٌ) لا فرع (فِي إِذَا) المضمنة معنى الشرطية، (لاَ إِنْ وَلَوْ) وعدم الجزم هو الأصل (وَلاَ كَذَاكَ مَنْعُ ذَا) هذا محل إشكال، ولأن ذاك اسم إشارة يرجع إلى أي شيء؟ وذا اسم إشارة يرجع إلى أي شيء؟ فسره بعض الشراح بقوله: أي ولا لذاك. باللام في نسختان: نسخة باللام، ونسخة بالكاف. على اللام (وَلاَ لِذَاكَ مَنْعُ ذَا) لذاك أي: الجزاء. (مَنْعُ ذَا) أي: الشرط، أي: وليست لو لامتناع الشرط لامتناع الجزاء كما نسب لابن الحاجب، وعلى هذا المعنى نقول: (لِذَاكَ). ولا يصح كذاك على النسخة الثانية، وعلى النسخة الأخرى (ولا كذاك منع ذا) يعني: ولا كذاك مشار إليه إذا وإن (مَنْعُ ذَا) الذي هو لو يفترقا من حيث المنع، فكل هذه الحروف (إذا)، و (لو)، و (إن) فيها شيء من الامتناع لكن الامتناع في (لو) أقوى، ولذلك قال: (وَلاَ) (مَنْعُ ذَا) لو (كذاك) أي: مثل منع إذا وإن والمعنى واضح. ثم قال: وَالْوَصْفُ وَالتَّعْرِيفُ وَالتَّأْخِيرُ ... وَعَكْسُهُ يُعْرَفُ وَالتَّنكِيرُ (وَالْوَصْفُ) انتقل إلى مبحث آخر من مباحث المسند، أي: وصف المسند يعني: إذا وُصِف هذا شيء منفك عنه تابع له نحو: زَيْدٌ كَاتِبٌ مُجِيد. زَيد مبتدأ، وكاتب خبر، ومجيد نعت لكاتب الذي هو المسند، هنا وصف فأفاده التخصيص لأنه كاتب منه مجيد ومنه غير مجيد، فإذا قلت: مجيد. فحينئذٍ صار الكاتب مجيدًا صار مجيدًا فأفاده التخصيص لكون الفائدة أعم، لأن زيادة الخصوص توجب أتمية الفائدة لا شك، جَاءَ رَجُلٌ قَصِير، جَاءَ رَجُلٌ عَالِم، جَاءَ رَجُلٌ جَاهِل، لا شك أنه أفاده فائدة أتم من كونه جَاءَ رَجُلٌ ما تدري عالم جاهل طويل قصير، فإذا قلت: جَاءَ رَجُلٌ عَالِمٌ طَوِيلٌ قَصِير ... إلى آخره [طويل قصير ما يأتي معًا ها ها] وقد يخصص المسند بالإضافة نحو ماذا؟ زَيْدٌ غُلامُ رَجُلٍ، والحكم حكمه يعني: غلام رجل لا غلام امرأة. (وَالْوَصْفُ وَالتَّعْرِيفُ)، (وَالتَّعْرِيفُ) تعريف المسند ليكون الحكم على الذي علمه المخاطب ببعض المعرفات التي هي إحدى طرق التعريف، بأن يكون مضمرًا أو علمًا، أو اسم إشارة، أو موصولاً ... إلى غير ذلك، فالحكم هنا كالحكم في المسند إليه، سواء: اتحد التعريفان نحو: الرَّاكِبُ هُوَ الْمُنْطَلِقُ. أو اختلافا زَيْدٌ هُوَ الْمُنْطَلِقُ. الرَّاكِبُ هُوَ الْمُنْطَلِقُ صار ماذا؟ الرَّاكِبُ الْمُنْطَلِقُ متحدان أو لا؟ متحدان، إذ الطريق واحد وهو (أل) الرَّاكِبُ محلًى بـ (أل) معرف بـ (أل)، الْمُنْطَلِقُ معرف بـ (أل).

стр. 140

طيب زَيْدٌ هُوَ الْمُنْطَلِقُ اتحدا أم اختلافا؟ اختلاف زَيْدٌ وهو مسند إليه علم وَالْمُنْطَلِقُ هذا محلًى بـ (أل). بالذي جهله منهما أي: أنه يجب عند تعريف المسند تعريف المسند إليه، إذا عُرِّفَ المسند وجب تعريف المسند إليه لماذا؟ لأن المسند لا يكون أعرف من المسند إليه، لا يكون أعرف، فإذا كان المسند معرفةً وجب تعريف المسند إليه، أليس كذلك؟ هذا هو الأصل أنه يجب عند تعريف المسند تعريف المسند إليه ولا يشترط الاتحاد في التعريف، إذ ليس في كلامهم كون المبتدأ نكرةً والخبر معرفة، هذا لا وجود له، أن يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة لا وجود له في لسان العرب، فتعريف المسند حينئذٍ يكون لما مضى من المسائل المتعلقة بتعريف المسند إليه يعني: متى تعرفه بـ (أل)، ومتى يكون ضميرًا، ومتى يكون عَلَمًا، ومتى يكون بالإضافة .. إلى ما سبق، وإن كان جنس التعريف هنا قد يخالف جنس التعريف هناك بحيث إن تعريف المسند قد يفيد الحصر، ولذلك يقول: زَيْدٌ هُوَ الْمُنْطَلِقُ. زَيْدٌ هُوَ الْمُنْطَلِقُ هو ضمير فَصْلٍ وعند كثير من البيانيين أن ضمير الفصل مر معنا أنه

стр. 141

(وَالْفَصْلُ للتَّخْصِيصِ) قلنا يفيد ماذا؟ يفيد التخصيص لكن متى يفيد التخصيص؟ إذا لم يوجد في الجملة ما يفيد التخصيص، فإذا وجد في الجملة ما يفيد التخصيص حينئذٍ صار مؤكِّدًا، فقولنا مثلاً: زَيْدٌ هُوَ الْمُنْطَلِقُ. زَيْدٌ الْمُنْطَلِقُ حصل تعريف الجزأين وسيأتينا أنه من المخصصات زَيْدٌ الْمُنْطَلِقُ لا غيره من أين أخذنا؟ من تعريف الجزأين، إذًا وُجِدَ عندنا سبب وطريق للحصر والقصر، وهو تعريف الجزئين، إذا أدخلت ضمير الفصل مع الدلالة دلالة الجملة على الحصر والقصر حينئذٍ صار مؤكدًا ولا يفيد التخصيص، إن زَيْدٌ هُوَ الْمُنْطَلِقُ ما الذي أفاد التخصيص؟ تعريف الجزأين، وما وظيفة (هو) ضمير الفصل؟ تقول: مؤكِّد. نقول هنا: مؤكد. حينئذٍ إذا عُرِّفَ المسند أفاد التخصيص بخلاف تعريف المسند إليه لا يفيد التخصيص زَيْدٌ عَالِمٌ، زَيْدٌ مسند إليه وهو معرفة، عَالِمٌ خبر، هل أفاد التخصيص؟ لا مع كون المسند إليه معرفةً والمسند نكرةً لم يفد التخصيص، بخلاف زَيْدٌ هُوَ الْعَالِمُ حينئذٍ أفاد التخصيص بتعريف المسند، إذًا (وَالتَّعْرِيفُ) تعريف المسند ليكون الحكم على الذي علمه المخاطب ببعض المعرفات السابقة التي مرت معنا فيما سبق، (وَالتَّعْرِيفُ) لإفادة المخاطب حكمًا أو لازم حكمٍ على شيء معلوم له بأحد طرق التعريف بأمر آخر مثله، أي: إذا كان السامع يعلم بالمحكوم عليه إحدى صفتين وهذه مسألة أخرى يعني: زَيْدٌ أَخُوكَ. أيهما المبتدأ وأيهما الخبر؟ لأن الجزأين معرفان هنا، أيهما المبتدأ وأيهما الخبر؟ حينئذٍ نأتي إلى المعنى زَيْدٌ أَخُوكَ عند ابن مالك ﵀ يتعين لا يجوز تقديم الخبر على المبتدأ هنا، زَيْدٌ أَخُوكَ زَيْدٌ مبتدأ وَأَخُوكَ خبر متعين، وعند غيره لا، يجوز الوجهان، لكن الذي يُرِجِّحُ هو المعنى فإذا كنت تعلم زيدًا ولا تعلم - المخاطب يعني - ولا يعلم أنه يعلم أنه أخوه حينئذٍ تجعل المعلوم زيد، وتجعل الخبر الذي هو مجهول أخوك، وإذا كان يعلم أن له أخًا لكن لا يدري أنه زيد فحينئذٍ تقول: أَخُوكَ زَيْدٌ. فحينئذٍ صار المحكوم عليه أخوك لماذا؟ لكونه معلومًا، لكن لا تدري أنه هو زيد أو عمرو أو خالد وقلت: أَخُوكَ زَيْدٌ. فصار فرق بينهما، إذا كان السامع يعلم للمحكوم عليه إحدى الصفتين وأردت أن تفيده الأخرى فاجعل المعلوم له مبتدأ، المعلوم تجعله مبتدأ، وغيره خبرًا كما إذا كان يعرف زيدًا باسمه ووصفه، يعلم الشخص نفسه زيد باسمه ووصفه، [ويجهل كَوْنُهُ] (١) يجهل كَوْنَهُ أخاه فتقول: زَيْدٌ أَخُوكَ. يعلم زيد باسمه ووصفه ويجهل كونَهُ أخاه تقول: زَيْدٌ أَخُوكَ.

стр. 142

وعكسه وهو أَخُوكَ زَيْد لمن علم أن له أخًا ولا يعلم كونه زيدًا، والتأخير أي: تأخير المسند فلأن ذكر المسند إليه أهم - كما مر معنا - (فَلاِهْتِمَامِ) إذًا يقدم المسند إليه وإذا تقدم المسند لزم منه تأخير المسند، إذًا يتأخر المسند لكون المسند إليه أهم في الذكر - كما مر في تقديم المسند إليه - والأصل في المسند هو التأخير، (وَعَكْسُهُ) أي: عكس التأخير وهو التقديم فلتخصيصه بالمسند إليه، أي: لقصر المسند إليه على المسند نحو: تَمِيمِيٌّ زَيْدٌ. عكسه عكس التأخير وهو التقديم، إذا تقدم المسند على المسند إليه قد يفيد الحصر والقصر - كما سيأتي وقد يكون في بابه - تَمِيمِيٌّ زَيْدٌ، أي لا غيره لا ينسب لغير تميم. فِي الدَّارِ زَيْدٌ، في الدَّارِ فقط زيد طيب. فِي الْبَلَدِ عَالِمٌ. عالم واحد. إذًا تَمِيمِيٌّ زَيْدٌ يعني: أنه مقصور على التميمية لا يتجاوزها إلى غيرها، أو للتنبيه يعني كما أنه يأتي للتخصيص يأتي للتنبيه على أنه خبر من أول وهلة لا نعت، لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا، في الدار زيد هذا قد لا يكون التخصيص، لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا، إذ لو قيل: هِمَمٌ لَهُ. لتوهم أنه نعت - كما مر معنا - أن النكرة إذا جاء بعدها وصف، إذا جاء بعدها لفظ قد يكون اسمًا وقد يكون ظرفًا أو جارًا ومجرورًا حينئذٍ احتياج النكرة إلى الصفة أشد من احتياجها إلى الخبر، احتياج النكرة إلى الصفة أشد افتقارًا من احتياجها إلى خبر، فإذا جاءت النكرة حينئذٍ يتوهم مباشرة الذهن أن ما بعده صفة له، هِمَمٌ لَهُ ماذا بها؟ هذا يحتمل أن له نعت بهمم وأن الخبر لم يأت بعد، فإذا قدمته حينئذٍ أفاد ماذا؟ أنه خبر من أول وهلة، إذ لو قيل: همم له. توهم أنه نعت لشدة طلب النكرة للنعت، أو للتفاؤل إذا أخذنا من المسند التفاؤل، (سعدت بغرة وجهك الأيام) سعدت الأيام، أو لتشوق الناس إلى ذكر المسند إليه بأن يكون في المسند طول يقتضي ذلك نحو: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها، شمس الضحى هذا مبتدأ مؤخر، قدمت هنا ماذا؟ المسند الذي هو ثلاثة، فيه تشويق أو لا؟ عندما تسمع ثلاثة تشرق الدنيا تظن أنك واحد منهم. إذًا (وَعَكْسُهُ) أي: التأخير أو التقديم ... (يُعْرَفُ) يعني: يعرف أكثرها مما تقدم في المسند إليه، الوصف هذا مبتدأ و (يُعْرَفُ) الجملة خبر عن المبتدأ، والتعريف والتأخير عكسه معطوفات على ما سبق، (وَالتَّنكِيرُ) أيضًا (يُعْرَفُ) مما تقدم في المسند إليه، فلإرادة عدم العهد وعدم الحصر الدال عليهما التعريف نحو: زَيْدٌ كَاتِبٌ، وَعَمْرٌ شَاعِرٌ. وللتفخيم نحو: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] على أنه خبر محذوف، للتحقير ما زيد شيء، فكل ما يتأتى في المسند إليه في التنكر يتأتى هنا. والله أعلم. (الْبَابُ الرَّابِع) في (أَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ) الباب الرابع من الأبواب الثمانية (أَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ).

стр. 143

(مُتَعَلَّقَاتِ) جمع متعلِق، قيل: يجوز فيه الكسر والفتح متعلِّقات متعلَّقات لأنها جمع لمتعلِّق أو متعلَّق فيجوز فيها الوجهان، والأولى الكسر، جوزوا الوجهين لكن الأولى أن يقال بالكسر، بل لو قيل بأنه يتعين لكان أولى أيضًا لماذا؟ لأن المعمول متعلِّق والعامل متعلَّق به، إذًا فرق بين العامل والمعمول والمراد هنا المعمولات المتعلِّقات المراد به المعمولات ليس المراد به العوامل، والعامل متعلَّق به، فإذا قلت: قَامَ زَيْدٌ. قَامَ متعلَّق به ما الذي تعلق بـ قَامَ؟ زَيْدٌ، فزيد متعلِق، إذًا قيل جمع متعلِّق بكسر اللام وفتحها لكن نقول: الأولى الكسر؛ لأن المعمول متعلِّق والفعل متعلَّق، والمراد بالمتعلِّقات المعمولات التي تتعلق بالفعل، أي ترتبط أو يرتبط معناها به كالمفاعيل وشبه المفاعيل من حال وتمييز كلها مرتبطة بالفعل، يعني: بعاملها، فإذا قلت: ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبًا شَدِيدًا أَمَامَ الأَمِيرِ عِنْدَ بَيْتِهِ كل هذه متعلِّقات تعلَّقت بماذا؟ بـ ضَرَبَ لأنها معمولات له، إذًا كلها متعلِّقات وضرب هذا متعلَّق به. هذه لها أحوال من حيث الذكر، ومن حيث الحذف، ومن حيث التقديم والتأخير، ثم أغراض الحذف لِمَ حُذِفَ المفعول به وقد يجب حذفه، وقد يجب ذكره. إذًا لها أحوال، ما هي هذه الأحوال؟ تبحث في هذا المحل. (أَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ) نص على الفعل وليس التنصيص تخصيص له دون غيره، بل الفعل وما يعمل عمله، كاسم الفاعل ونحوه، واختصر في الترجمة على الفعل لأصالته في العمل، وهذا دائمًا يذكرون الأصل ويتركون الفرع، وأعلم أنه أراد هنا من الأحوال، الأَحوال يعني: الصفات. أراد بعض الأحوال لا كل الأحوال لماذا؟ لأن متعلِّقات الفعل قد يجري فيها كثير من الأحوال المذكورة في المسند إليه والمسند، يعني: بعض الأشياء مشتركة بين ما مضى وبين ما يأتي لأن المفعول به قد يُنَكَّر وقد يُعَرّف، قد يُعَرّف بضمير أو يُعَرّف باسم إشارة، أو .. أَو .. كل ما قيل هناك من الأغراض في التعريف أو التنكير يقال في المفعول. إذًا بعضها قد مر معنا. واعلم أنه أراد من الأحوال بعضها لا كلها؛ لأن متعلقات الفعل قد يجري فيها كثير من الأحوال المذكورة في باب المسند والمسند إليه كالتعريف والتنكير وما أشبه ذلك من ما مر، ولكن لما اختص بعضها بنوع غموضٍ ومزيد دقة وُضِعَ هذا الباب لذلك البعض، كحذف المفعول، هناك لم يذكر، هناك المسند والمسند إليه، فحذف المفعول وتقديمه على الفعل وتقديم بعض المعمولات على بعض ما هي الأغراض؟ ما مرت هذه، لم تمر معنا في المسند ولا المسند إليه وإنما عنون لها بهذا الباب لهذه المسائل. ثُمَّ مَعَ المَفْعُّولِ حَالُ الفِعْلِ ... كَحَالِهِ مَعْ فَاعِلٍ مِنْ أَجْلِ تَلَبُّسٍ لاَ كَوْنُ ذَاكَ قَدْ جَرَى ... .............................

стр. 144

(ثُمَّ) للترتيب الذكري، (ثُمَّ مَعَ المَفْعُّولِ) به قَيَّد، لأن المراد به المفعول به، (ثُمَّ مَعَ المَفْعُّولِ) به (حَالُ الفِعْلِ) الفعل الاصطلاحي ... (كَحَالِهِ) أي: حال الفعل (مَعْ فَاعِلٍ) أي: ذكر الفعل مع الفاعل أو مع المفعول، أو ذكر كل من الفاعل والمفعول مع الفعل من أجل ماذا؟ (مِنْ أَجْلِ تَلَبُّسٍ)، (حَالُ الفِعْلِ) مبتدأ (مَعَ المَفْعُّولِ) بفتح. وَمَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ الأصل فيها الفتح، أصله يحتمل أنه مَعْ حركت للتخلص من التقاء الساكنين على كل (مَعَ المَفْعُّولِ) هذا خبر مقدم، (حَالُ الفِعْلِ) الاصطلاحي مع المفعول به كحال الفعل مع الفاعل، (حَالُ الفِعْلِ) مع المفعول كحال الفعل مع الفاعل، وما هو حال الفعل مع الفاعل؟ أنه واقع منه يعني: متلبس به قَامَ زَيْدٌ، ضَرَبَ زَيْدٌ، ما العلاقة بين ضرب وزيد؟ التلبس الارتباط بمعنى أن الحدث الذي دلّ عليه ضرب هو الذي أوقعه زيد، إذا ذكر المفعول فحال المفعول مع ضرب كحال زيد مع ضرب، يعني: بينهما علاقة لكن العلاقة تختلف، علاقة ضرب بزيد على أنه أوقع أوجد الفعل، وعلاقة ضرب مع زيدًا عمرًا مثلاً مفعول به كونه وقع الحدث عليه، إذًا كل من الفاعل والمفعول به له ارتباط بالفعل، لا فرق بينهما، فتأثير الفاعل في الفعل من حيث إيقاعه، [وتأثير المفعول به] (١) إيقاعه على الغير، وتأثير المفعول به مع الفعل من حيث كونه محلاً للوقوع، إذًا كل من الفاعل والمفعول به له ارتباط بالفعل وإن اختلفت جهة الارتباط، ولذلك قال: (مِنْ أَجْلِ تَلَبُّسٍ). يعني: من أجل دلالة على أن الفاعل تلبس بالفعل وأن المفعول تلبس بالفعل، إذًا (تَلَبُّسٍ) قدر مشترك بين النوعيين.

стр. 145

(ثُمَّ مَعَ المَفْعُّولِ) به (حَالُ الفِعْلِ كَحَالِهِ) أي: حال الفعل (مَعْ فَاعِلٍ) أي: ذكر الفعل مع الفاعل أو مع المفعول إذا حُذِفَ الفاعل، أو ذكر كل من الفاعل والمفعول مع الفعل (مِنْ أَجْلِ تَلَبُّسٍ) أي: من أجل إفادة تلبس الفعل بكل منهما، بالفاعل وبالمفعول لكنهما يفترقان - الفاعل والمفعول - لأن تلبسه بالفاعل من جهة وقوعه منه، [وَتَلَبْسُهُ] (١) وَتَلَبْسَهُ بالمفعول من جهة وقوعه عليه، فإذا قلت مثلاً: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، زَيْدٌ فاعل، وَعَمْرًا مفعول به، وضرب هو العامل ولذلك دائمًا نقول: ما معنى العامل؟ إذا قيل: هذا عامل يعمل النصب ويعمل الرفع. هذا اللفظ عامل يدل على أن ما رفعه أو نصبه أو خفضه يتمم معناه له ارتباط به من حيث المعنى، فلا يتم ضَرَبَ إلا بِزَيْد، ولا يتم ضَرَبَ إلا بعمرو لأنه محل للوقوع، حينئذٍ إذا قلت: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا. ضَرَبَ فعل ماضي، زَيْدٌ فاعل، عَمْرًا مفعول به، هذا من حيث اللفظ، ظاهريًّا لكن من حيث المعنى وتحقق مدلول اللفظ فتقول: [زيد محل] (٢) زيد هو الذي أوقع الحدث، وعمرو محل لوقوع الحدث، إذًا لهما ارتباط بضرب لكن جهة الارتباط مختلفة، إذًا من أجل إفادة تلبس الفعل بكل منهما لكنهما يفترقان، بأن تلبسه بالفاعل من حيث وقوعه منه، وتلبسه بالمفعول من جهة وقوعه عليه، ومن هذا يعلم أن المراد بالمفعول المفعول به، ولذلك قيدنا لأنه لم قابله بالفاعل علمنا، وشَرَّكَ بينهما في التلبس علمنا أن المراد به هنا هو المفعول به، لأنه هو الذي يقع عليه بخلاف ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبًا شَدِيدًا، ضَرْبًا شَدِيدًا هذا مفعول مطلق، بينهما علاقة نعم، لكن لا من جهة التلبس، وإنما من جهة نوعية الضرب، ففرق بينهما ولذلك نقول: المفعول المراد به مفعول به.
следующие страницы →