← Баляга

Баляга · id 36098

شرح مائة المعاني والبيان

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (303 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(وَالْفَصْلُ للتَّخْصِيصِ) قلنا يفيد ماذا؟ يفيد التخصيص لكن متى يفيد التخصيص؟ إذا لم يوجد في الجملة ما يفيد التخصيص، فإذا وجد في الجملة ما يفيد التخصيص حينئذٍ صار مؤكِّدًا، فقولنا مثلاً: زَيْدٌ هُوَ الْمُنْطَلِقُ. زَيْدٌ الْمُنْطَلِقُ حصل تعريف الجزأين وسيأتينا أنه من المخصصات زَيْدٌ الْمُنْطَلِقُ لا غيره من أين أخذنا؟ من تعريف الجزأين، إذًا وُجِدَ عندنا سبب وطريق للحصر والقصر، وهو تعريف الجزئين، إذا أدخلت ضمير الفصل مع الدلالة دلالة الجملة على الحصر والقصر حينئذٍ صار مؤكدًا ولا يفيد التخصيص، إن زَيْدٌ هُوَ الْمُنْطَلِقُ ما الذي أفاد التخصيص؟ تعريف الجزأين، وما وظيفة (هو) ضمير الفصل؟ تقول: مؤكِّد. نقول هنا: مؤكد. حينئذٍ إذا عُرِّفَ المسند أفاد التخصيص بخلاف تعريف المسند إليه لا يفيد التخصيص زَيْدٌ عَالِمٌ، زَيْدٌ مسند إليه وهو معرفة، عَالِمٌ خبر، هل أفاد التخصيص؟ لا مع كون المسند إليه معرفةً والمسند نكرةً لم يفد التخصيص، بخلاف زَيْدٌ هُوَ الْعَالِمُ حينئذٍ أفاد التخصيص بتعريف المسند، إذًا (وَالتَّعْرِيفُ) تعريف المسند ليكون الحكم على الذي علمه المخاطب ببعض المعرفات السابقة التي مرت معنا فيما سبق، (وَالتَّعْرِيفُ) لإفادة المخاطب حكمًا أو لازم حكمٍ على شيء معلوم له بأحد طرق التعريف بأمر آخر مثله، أي: إذا كان السامع يعلم بالمحكوم عليه إحدى صفتين وهذه مسألة أخرى يعني: زَيْدٌ أَخُوكَ. أيهما المبتدأ وأيهما الخبر؟ لأن الجزأين معرفان هنا، أيهما المبتدأ وأيهما الخبر؟ حينئذٍ نأتي إلى المعنى زَيْدٌ أَخُوكَ عند ابن مالك ﵀ يتعين لا يجوز تقديم الخبر على المبتدأ هنا، زَيْدٌ أَخُوكَ زَيْدٌ مبتدأ وَأَخُوكَ خبر متعين، وعند غيره لا، يجوز الوجهان، لكن الذي يُرِجِّحُ هو المعنى فإذا كنت تعلم زيدًا ولا تعلم - المخاطب يعني - ولا يعلم أنه يعلم أنه أخوه حينئذٍ تجعل المعلوم زيد، وتجعل الخبر الذي هو مجهول أخوك، وإذا كان يعلم أن له أخًا لكن لا يدري أنه زيد فحينئذٍ تقول: أَخُوكَ زَيْدٌ. فحينئذٍ صار المحكوم عليه أخوك لماذا؟ لكونه معلومًا، لكن لا تدري أنه هو زيد أو عمرو أو خالد وقلت: أَخُوكَ زَيْدٌ. فصار فرق بينهما، إذا كان السامع يعلم للمحكوم عليه إحدى الصفتين وأردت أن تفيده الأخرى فاجعل المعلوم له مبتدأ، المعلوم تجعله مبتدأ، وغيره خبرًا كما إذا كان يعرف زيدًا باسمه ووصفه، يعلم الشخص نفسه زيد باسمه ووصفه، [ويجهل كَوْنُهُ] (١) يجهل كَوْنَهُ أخاه فتقول: زَيْدٌ أَخُوكَ. يعلم زيد باسمه ووصفه ويجهل كونَهُ أخاه تقول: زَيْدٌ أَخُوكَ.

стр. 142

وعكسه وهو أَخُوكَ زَيْد لمن علم أن له أخًا ولا يعلم كونه زيدًا، والتأخير أي: تأخير المسند فلأن ذكر المسند إليه أهم - كما مر معنا - (فَلاِهْتِمَامِ) إذًا يقدم المسند إليه وإذا تقدم المسند لزم منه تأخير المسند، إذًا يتأخر المسند لكون المسند إليه أهم في الذكر - كما مر في تقديم المسند إليه - والأصل في المسند هو التأخير، (وَعَكْسُهُ) أي: عكس التأخير وهو التقديم فلتخصيصه بالمسند إليه، أي: لقصر المسند إليه على المسند نحو: تَمِيمِيٌّ زَيْدٌ. عكسه عكس التأخير وهو التقديم، إذا تقدم المسند على المسند إليه قد يفيد الحصر والقصر - كما سيأتي وقد يكون في بابه - تَمِيمِيٌّ زَيْدٌ، أي لا غيره لا ينسب لغير تميم. فِي الدَّارِ زَيْدٌ، في الدَّارِ فقط زيد طيب. فِي الْبَلَدِ عَالِمٌ. عالم واحد. إذًا تَمِيمِيٌّ زَيْدٌ يعني: أنه مقصور على التميمية لا يتجاوزها إلى غيرها، أو للتنبيه يعني كما أنه يأتي للتخصيص يأتي للتنبيه على أنه خبر من أول وهلة لا نعت، لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا، في الدار زيد هذا قد لا يكون التخصيص، لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا، إذ لو قيل: هِمَمٌ لَهُ. لتوهم أنه نعت - كما مر معنا - أن النكرة إذا جاء بعدها وصف، إذا جاء بعدها لفظ قد يكون اسمًا وقد يكون ظرفًا أو جارًا ومجرورًا حينئذٍ احتياج النكرة إلى الصفة أشد من احتياجها إلى الخبر، احتياج النكرة إلى الصفة أشد افتقارًا من احتياجها إلى خبر، فإذا جاءت النكرة حينئذٍ يتوهم مباشرة الذهن أن ما بعده صفة له، هِمَمٌ لَهُ ماذا بها؟ هذا يحتمل أن له نعت بهمم وأن الخبر لم يأت بعد، فإذا قدمته حينئذٍ أفاد ماذا؟ أنه خبر من أول وهلة، إذ لو قيل: همم له. توهم أنه نعت لشدة طلب النكرة للنعت، أو للتفاؤل إذا أخذنا من المسند التفاؤل، (سعدت بغرة وجهك الأيام) سعدت الأيام، أو لتشوق الناس إلى ذكر المسند إليه بأن يكون في المسند طول يقتضي ذلك نحو: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها، شمس الضحى هذا مبتدأ مؤخر، قدمت هنا ماذا؟ المسند الذي هو ثلاثة، فيه تشويق أو لا؟ عندما تسمع ثلاثة تشرق الدنيا تظن أنك واحد منهم. إذًا (وَعَكْسُهُ) أي: التأخير أو التقديم ... (يُعْرَفُ) يعني: يعرف أكثرها مما تقدم في المسند إليه، الوصف هذا مبتدأ و (يُعْرَفُ) الجملة خبر عن المبتدأ، والتعريف والتأخير عكسه معطوفات على ما سبق، (وَالتَّنكِيرُ) أيضًا (يُعْرَفُ) مما تقدم في المسند إليه، فلإرادة عدم العهد وعدم الحصر الدال عليهما التعريف نحو: زَيْدٌ كَاتِبٌ، وَعَمْرٌ شَاعِرٌ. وللتفخيم نحو: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] على أنه خبر محذوف، للتحقير ما زيد شيء، فكل ما يتأتى في المسند إليه في التنكر يتأتى هنا. والله أعلم. (الْبَابُ الرَّابِع) في (أَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ) الباب الرابع من الأبواب الثمانية (أَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ).

стр. 143

(مُتَعَلَّقَاتِ) جمع متعلِق، قيل: يجوز فيه الكسر والفتح متعلِّقات متعلَّقات لأنها جمع لمتعلِّق أو متعلَّق فيجوز فيها الوجهان، والأولى الكسر، جوزوا الوجهين لكن الأولى أن يقال بالكسر، بل لو قيل بأنه يتعين لكان أولى أيضًا لماذا؟ لأن المعمول متعلِّق والعامل متعلَّق به، إذًا فرق بين العامل والمعمول والمراد هنا المعمولات المتعلِّقات المراد به المعمولات ليس المراد به العوامل، والعامل متعلَّق به، فإذا قلت: قَامَ زَيْدٌ. قَامَ متعلَّق به ما الذي تعلق بـ قَامَ؟ زَيْدٌ، فزيد متعلِق، إذًا قيل جمع متعلِّق بكسر اللام وفتحها لكن نقول: الأولى الكسر؛ لأن المعمول متعلِّق والفعل متعلَّق، والمراد بالمتعلِّقات المعمولات التي تتعلق بالفعل، أي ترتبط أو يرتبط معناها به كالمفاعيل وشبه المفاعيل من حال وتمييز كلها مرتبطة بالفعل، يعني: بعاملها، فإذا قلت: ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبًا شَدِيدًا أَمَامَ الأَمِيرِ عِنْدَ بَيْتِهِ كل هذه متعلِّقات تعلَّقت بماذا؟ بـ ضَرَبَ لأنها معمولات له، إذًا كلها متعلِّقات وضرب هذا متعلَّق به. هذه لها أحوال من حيث الذكر، ومن حيث الحذف، ومن حيث التقديم والتأخير، ثم أغراض الحذف لِمَ حُذِفَ المفعول به وقد يجب حذفه، وقد يجب ذكره. إذًا لها أحوال، ما هي هذه الأحوال؟ تبحث في هذا المحل. (أَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ) نص على الفعل وليس التنصيص تخصيص له دون غيره، بل الفعل وما يعمل عمله، كاسم الفاعل ونحوه، واختصر في الترجمة على الفعل لأصالته في العمل، وهذا دائمًا يذكرون الأصل ويتركون الفرع، وأعلم أنه أراد هنا من الأحوال، الأَحوال يعني: الصفات. أراد بعض الأحوال لا كل الأحوال لماذا؟ لأن متعلِّقات الفعل قد يجري فيها كثير من الأحوال المذكورة في المسند إليه والمسند، يعني: بعض الأشياء مشتركة بين ما مضى وبين ما يأتي لأن المفعول به قد يُنَكَّر وقد يُعَرّف، قد يُعَرّف بضمير أو يُعَرّف باسم إشارة، أو .. أَو .. كل ما قيل هناك من الأغراض في التعريف أو التنكير يقال في المفعول. إذًا بعضها قد مر معنا. واعلم أنه أراد من الأحوال بعضها لا كلها؛ لأن متعلقات الفعل قد يجري فيها كثير من الأحوال المذكورة في باب المسند والمسند إليه كالتعريف والتنكير وما أشبه ذلك من ما مر، ولكن لما اختص بعضها بنوع غموضٍ ومزيد دقة وُضِعَ هذا الباب لذلك البعض، كحذف المفعول، هناك لم يذكر، هناك المسند والمسند إليه، فحذف المفعول وتقديمه على الفعل وتقديم بعض المعمولات على بعض ما هي الأغراض؟ ما مرت هذه، لم تمر معنا في المسند ولا المسند إليه وإنما عنون لها بهذا الباب لهذه المسائل. ثُمَّ مَعَ المَفْعُّولِ حَالُ الفِعْلِ ... كَحَالِهِ مَعْ فَاعِلٍ مِنْ أَجْلِ تَلَبُّسٍ لاَ كَوْنُ ذَاكَ قَدْ جَرَى ... .............................

стр. 144

(ثُمَّ) للترتيب الذكري، (ثُمَّ مَعَ المَفْعُّولِ) به قَيَّد، لأن المراد به المفعول به، (ثُمَّ مَعَ المَفْعُّولِ) به (حَالُ الفِعْلِ) الفعل الاصطلاحي ... (كَحَالِهِ) أي: حال الفعل (مَعْ فَاعِلٍ) أي: ذكر الفعل مع الفاعل أو مع المفعول، أو ذكر كل من الفاعل والمفعول مع الفعل من أجل ماذا؟ (مِنْ أَجْلِ تَلَبُّسٍ)، (حَالُ الفِعْلِ) مبتدأ (مَعَ المَفْعُّولِ) بفتح. وَمَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ الأصل فيها الفتح، أصله يحتمل أنه مَعْ حركت للتخلص من التقاء الساكنين على كل (مَعَ المَفْعُّولِ) هذا خبر مقدم، (حَالُ الفِعْلِ) الاصطلاحي مع المفعول به كحال الفعل مع الفاعل، (حَالُ الفِعْلِ) مع المفعول كحال الفعل مع الفاعل، وما هو حال الفعل مع الفاعل؟ أنه واقع منه يعني: متلبس به قَامَ زَيْدٌ، ضَرَبَ زَيْدٌ، ما العلاقة بين ضرب وزيد؟ التلبس الارتباط بمعنى أن الحدث الذي دلّ عليه ضرب هو الذي أوقعه زيد، إذا ذكر المفعول فحال المفعول مع ضرب كحال زيد مع ضرب، يعني: بينهما علاقة لكن العلاقة تختلف، علاقة ضرب بزيد على أنه أوقع أوجد الفعل، وعلاقة ضرب مع زيدًا عمرًا مثلاً مفعول به كونه وقع الحدث عليه، إذًا كل من الفاعل والمفعول به له ارتباط بالفعل، لا فرق بينهما، فتأثير الفاعل في الفعل من حيث إيقاعه، [وتأثير المفعول به] (١) إيقاعه على الغير، وتأثير المفعول به مع الفعل من حيث كونه محلاً للوقوع، إذًا كل من الفاعل والمفعول به له ارتباط بالفعل وإن اختلفت جهة الارتباط، ولذلك قال: (مِنْ أَجْلِ تَلَبُّسٍ). يعني: من أجل دلالة على أن الفاعل تلبس بالفعل وأن المفعول تلبس بالفعل، إذًا (تَلَبُّسٍ) قدر مشترك بين النوعيين.

стр. 145

(ثُمَّ مَعَ المَفْعُّولِ) به (حَالُ الفِعْلِ كَحَالِهِ) أي: حال الفعل (مَعْ فَاعِلٍ) أي: ذكر الفعل مع الفاعل أو مع المفعول إذا حُذِفَ الفاعل، أو ذكر كل من الفاعل والمفعول مع الفعل (مِنْ أَجْلِ تَلَبُّسٍ) أي: من أجل إفادة تلبس الفعل بكل منهما، بالفاعل وبالمفعول لكنهما يفترقان - الفاعل والمفعول - لأن تلبسه بالفاعل من جهة وقوعه منه، [وَتَلَبْسُهُ] (١) وَتَلَبْسَهُ بالمفعول من جهة وقوعه عليه، فإذا قلت مثلاً: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، زَيْدٌ فاعل، وَعَمْرًا مفعول به، وضرب هو العامل ولذلك دائمًا نقول: ما معنى العامل؟ إذا قيل: هذا عامل يعمل النصب ويعمل الرفع. هذا اللفظ عامل يدل على أن ما رفعه أو نصبه أو خفضه يتمم معناه له ارتباط به من حيث المعنى، فلا يتم ضَرَبَ إلا بِزَيْد، ولا يتم ضَرَبَ إلا بعمرو لأنه محل للوقوع، حينئذٍ إذا قلت: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا. ضَرَبَ فعل ماضي، زَيْدٌ فاعل، عَمْرًا مفعول به، هذا من حيث اللفظ، ظاهريًّا لكن من حيث المعنى وتحقق مدلول اللفظ فتقول: [زيد محل] (٢) زيد هو الذي أوقع الحدث، وعمرو محل لوقوع الحدث، إذًا لهما ارتباط بضرب لكن جهة الارتباط مختلفة، إذًا من أجل إفادة تلبس الفعل بكل منهما لكنهما يفترقان، بأن تلبسه بالفاعل من حيث وقوعه منه، وتلبسه بالمفعول من جهة وقوعه عليه، ومن هذا يعلم أن المراد بالمفعول المفعول به، ولذلك قيدنا لأنه لم قابله بالفاعل علمنا، وشَرَّكَ بينهما في التلبس علمنا أن المراد به هنا هو المفعول به، لأنه هو الذي يقع عليه بخلاف ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبًا شَدِيدًا، ضَرْبًا شَدِيدًا هذا مفعول مطلق، بينهما علاقة نعم، لكن لا من جهة التلبس، وإنما من جهة نوعية الضرب، ففرق بينهما ولذلك نقول: المفعول المراد به مفعول به.

стр. 146

ومن هذا - الكلام السابق - تقرر أن المراد بالمفعول المفعول به، لأن هذا تمهيد لحذفه، وإن كان سائر المفاعيل [من] جميع .. نعم، وإن كان سائر المفاعيل بل جميع المتعلقات كذلك فإن الغرض من ذكرها مع الفعل إفادة تلبسها لكن من جهات مختلفة، قد يكون لذات الفعل من حيث إيقاع الحدث، ومن حيث كونه محلاً لوقوع الحدث ومن حيث صفات الحدث، من حيث الزمان والمكان وغيرها، فإن الغرض من ذكرها مع الفعل إفادة تلبسها من جهات مختلفة كالوقوع فيه وله ومعه وغير ذلك، (لاَ كَوْنُ)، لا كونِ (ذَاكَ قَدْ جَرَى) يعني: لا من أجل كون ذاك الفعل قد جرى أي وقع، ليس المراد تلبس الفعل مع الفاعل أو مع المفعول لكونه يدل على أن الحدث قد وقع، ليس هذا المراد وإنما المراد كون الحدث واقعًا لكن من حيث الفاعل ومن حيث المفعول به، لأنك لو أردت أن تدل على إيقاع الضرب فقط حينئذٍ قلت: وقع ضرب، وُجِدَ ضرب ما تحتاج أن تقول: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا. لتدل على أن مدلول هذا اللفظ إيقاع ضَرْبٍ فحسب، لا، ليس هذا المراد؛ لأن ضرب يدل على إيقاع حدث لكنه مخير في الزمن الماضي، لو أردت أن تخبر بأن ثَمَّ ضربًا قد وقع بقطع النظر عن زمنه وفاعله ومفعوله تقول: حصل ضَرْبٌ، وَقَعَ ضَرْبٌ. لكن من الضارب؟ من المضروب؟ متى وقع؟ هذا لا يحتاج إليه في هذا التركيب، وإنما تأتي بوقع ضرب، إذا قلت: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا. لا تفيد هذا التركيب الذي سبق بيانه، إذًا لا من أجل كون ذلك الفعل قد جرى أي: وقع أي: ليس الغرض من ذكر المفعول به مع الفعل إفادة وقوع الفعل وثبوته في نفسه من غير إرادة أن يُعْلَمَ مِمَّنْ وَقَعَ، وعلى مَنْ وَقَعَ، إذ لو كان الغرض ذلك لكان ذكر الفاعل والمفعول معه عبثًا، نعم، لو كان المراد مجرد إيقاع الضرب كقولك: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا. زَيْدٌ عَمْرًا هذا عبث لماذا تذكره؟ إذا أردت الإخبار بإيقاع ضرب وقع ضرب بقطع النظر عن كونه من زيد أو على عمرٍ، فإذا ذكرت الفاعل مع المفعول فثَمَّ معنى آخر يدل عليه التركيب ليس هو إفادة إيقاع الضرب فحسب، ولذلك قال: (لا) (مِنْ أَجْلِ) (كَوْنُ ذَاكَ) أي: الحدث. (قَدْ جَرَى) وقع فقط، لأن هذا لا يُعَبَّر عنه بذكر الفاعل والمفعول، بل تحذف الفاعل وتحذف المفعول بل تأتي بمصدرٍ قد أسند إلى فعل آخر كـ وقع وحصل. إذًا إذ لو كان الغرض ذلك لكان ذكر الفاعل والمفعول معه عبثًا، يعني: من غير ذكر الفاعل أو المفعول، لكونه حينئذٍ عبثًا فليس في هذا التركيب شيء من متعلقات الضرب، يعني الحاصل. إذًا حاصل ما ذكره المصنف هنا حاصل الفعل مع المفعول، كالفعل مع الفاعل في ماذا؟ في أن الغرض من كل منهما إفادة التلبس به، لا إفادة وجوده يعني حصول الحدث فقط، وإلا قيل: وُجِدَ ضرب مثلاً إلا يعني من غير ذكر الفاعل والمفعول، وإلا لو كان كذلك لذكر الفاعل والمفعول يعد عبثًا، إلا أن جهة التلبس تختلف، ففي الفاعل من جهة وقوعه منه، وفي المفعول من جهة وقوعها عليه، والمميز لذلك الرفع في الفاعل والنصب في المفعول به كما هو مبين في علم النحو. ثم قال - انتقل إلى مسألة أخرى -: ................... ... وَإِنْ يُرَدْ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرَا

стр. 147

النَّفْيُ مُطلَقًا أَوِ الإِثْبَاتُ لَهْ ... فَذَاكَ مِثْلُ لاَزِمٍ فِي المَنْزلَةْ مِنْ غَيْر تَقْدِيرٍ وَإِلاَّ لَزِمَا ... ............................. المتكلم الذي يتكلم بالخبر - سيأتي بالمسند والمسند إليه - تارة يريد الإخبار عن الفعل، إذًا - نرتب مقدمات - المتكلم تارةً يريد بكلامه الإخبار عن الفعل أي: الحدث. من غير تلبس بفاعل ولا مفعول به ماذا يقول؟ إذا أراد أن يخبر عن الحدث فقط من غير ذكر الفاعل أو المفعول، لا يريد أن يبين من الفاعل ومن المفعول؟ نقول: قد حصل حادث صحيح أو لا؟ حصل حادث يعني: وقع وثبت، فالدلالة هنا حادث يدل على أن شيئًا قد وقع ولم يكن من غير تعرض بفاعل ولا مفعول، حينئذٍ إذا أراد المتكلم أن يخبر بإيقاع الحدث فقط لا يذكر فاعلاً ولا مفعولاً، وإنما يأتي بالمصدر فيقول: وقع حدث. وإن شاء قال: حادث - ولا إشكال فيه -، أو وقع ضرب ونحوه، فليس في هذا التركيب شيء من متعلقات الضرب، هذا أولاً. وتارة لا يريد أن يخبر بإيقاع الحدث فقط، وإنما يريد أن يذكر معه الفاعل، فحينئذٍ يأتي بالفعل الصناعي أولاً قال: وقع ضرب. ضرب جاء بالفعل اللغوي وهو المصدر، إذا أراد أن يدل على الفاعل فحينئذٍ يأتي بقَامَ يَقُومُ قُمْ .. إلى آخره يعني: يأتي بالفعل الصناعي، فإن كان لازمًا - هذا أمر واضح - يقول: قَامَ زَيْدٌ. ليس عندنا مفعول به، فيقول: قَامَ زَيْدٌ، مَاتَ عَمْرٌ، قَعَدَ خَالِدٌ، جَلَسَ مُحَمَّدٌ. فيأتي بالفعل الصناعي وهو لازم ولم يُرِدْ من هذا اللفظ إلا أن يثبت الفاعل فحسب، هذه مرحلة ثانية. وإما أن يكون الفعل الصناعي لا يكون لازمًا، وإنما يكون متعدِّيًا - هذا له أحوال، الكلام الآن في المتعدِّي - فتارة يقصد بالفعل المتعدي الإخبار بالحدث في المفعول دون الفاعل، الفعل المتعدي فيقصد إيقاع الحدث من المفعول ولا يعنيه الفاعل، يعني: يطوي ذكر الفاعل هذا ماذا يسمى عند النحاة؟ .. الكلام في الفعل. .. نعم المبني للمجهول، ضُرِبَ زَيْدٌ، هنا قلنا: حذف الفاعل له أغراض، قد يحذفه لغرض ما، لا أريد أن أخبرك بالفاعل، ضُرِبَ زَيْدٌ، هنا فعل صناعي متعدي [حُذِفَ المفعول وإنما] (١) حُذِفَ الفاعل، وإنما أريد أن يخبر عن وقوع هذا الحدث وإيقاعه على المفعول، فحينئذٍ يأتي به على صيغة مغير الصيغة، يعني: يحذف الفاعل ويغير صيغة الفعل ويُسنده إلى المفعول به فيرتفع، هذا إذا كان الفعل الصناعي متعدّيًا ولم يقصد المتكلم ذكر الفاعل وإنما عنى المفعول به، فيأتي بالفعل الصناعي مُغير الصيغة ويأتي بالمفعول به على أنه نائب عن الفاعل، فيقول: ضُرِبَ عَمْروٌ. وتارة يقصد المتكلم بالإخبار - بالخبر يعني - يقصد الإخبار بالفاعل يعني يَعني بكلامه الفاعل ثم لا يذكر المفعول، وهذا ضربان نوعان:

стр. 148

يقصد الفاعل ليس كالأول لم يقصد الفاعل جاء بالفعل المتعدي وإنما جاء بالفعل المتعدي وقصد الفاعل ولا يذكر المفعول، يعني: يترك ذكر المفعول وعدم ذكر المفعول مع الفعل المتعدي وإسناده إلى الفاعل له أغراض وله أحوال، في الجملة ينقسم إلى نوعين، وهو الذي عناه الناظم هنا بقوله: ... (وَإِنْ يُرَدْ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرَا). هذه الجملة معترضة أراد به تقييد الحكم، بمعنى أن الكلام فيما لم يذكر المفعول به، (وَإِنْ يُرَدْ .. النَّفْيُ) احذف (إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرَا) أتركها ما تحذفها من النظم يعني: من الذهن. (وَإِنْ يُرَدْ ... النَّفْيُ مُطلَقًا أَوِ الإِثْبَاتُ لَهْ ... فَذَاكَ مِثْلُ لاَزِمٍ ............ هذا النوع الأول، ونشرحه على ما نذكره ثم نأتي إلى البيت، وهو ضَرْبَان - يعني إذا قصد الإخبار بالفاعل ولم يذكر المفعول معه -: الضَّرْبُ الأول: أن يقصد المتكلم إثبات المعنى للفاعل أو نفيه عنه. إما إثبات أو نفي، ضرب زيد، أو ما ضرب زيد، إما إثبات أو نفي، هذا واضح، على الإطلاق يعني: مطلقًا من غير اعتبار أي معنى آخر، من غير اعتبار عموم ولا خصوص ولا تعلق بمن وقع عليه، فالمتعدِّي كاللازم، المتعدِّي هنا كاللازم، إذا قصد بالفعل المتعدي إسناده إلى الفاعل ولم يلتفت ولم يلحظ المفعول به وتَعَلُّق المفعول بالفعل حينئذٍ الفعل المتعدي كاللازم، يُنَزّل مُنَزَّلَة اللازم، إذا أردت الإخبار بإيقاع ضرب منك فقط ولم تُرد الإخبار عن المفعول به، تقول: ضَرَبْتُ. ولا تقل زَيْدًا، وحينئذٍ ضَرَبْتُ مثل قام زيد. يعني: يكون لازمًا، مُنَزّل مُنَزَّلَة اللازم، هل عندنا مفعول؟ لا، ليس عندنا مفعول، لا تقل حذفت المفعول به لأنه لم يُرَدْ أصلاً ما أردته لذلك قال: (إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرَا). بمعنى أنه قد حُذِفَ أصلاً لم يقدر ابتداءً، فحينئذٍ يكون الفعل المتعدي كاللازم. إذًا النوع الأول أن يقصد المتكلم إثبات المعنى للفاعل. إذًا عندنا فاعل لا بد من ذكره أو نفيه عنه على الإطلاق كما قال: (النَّفْيُ مُطلَقًا). من غير اعتبار عموم ولا خصوص ولا تعلق بمن وقع عليه، فالمتعدي حينئذٍ ... كاللازم، فلا يذكر مفعوله لئلا يُتَوَهَّمَ أو يَتَوَهَّمَ السامع أن الغرض الإخبار بتعلقه بالمفعول، ولا يقدر كذلك حينئذٍ، ليس عندنا مفعول به محذوف ولا بد من تقديره لأن المقدر كالمذكور، وهذا ضربان - كما سيأتي -.

стр. 149

إذًا قول الناظم هنا: (وَإِنْ يُرَدْ). (إِنْ) حرف شرط، و (يُرَدْ) هذا مُغير الصيغة، وقوله: (النَّفْيُ). هو نائب الفاعل (إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرَا) المفعول به مع الفعل المتعدّي المسند إلى فاعله، وألف (ذُكِرَا) للإطلاق، والجملة معترضة مراد بها تبيين حال المفعول به لو لم يذكر، أما إذا ذكر هذا شأن آخر، والكلام هنا فيما إذا لم يذكر، (إِنْ يُرَدْ) بذكر الفعل الصناعي المتعدّي مع الفاعل (النَّفْيُ) قلنا: هذا نائب فاعل لا يرد. أي: نفي الفعل عن الفاعل (مُطلَقًا)، أي: من غير اعتبار عموم في الفعل بأن يراد جميع أفراده أو خصوص بأن يراد بعضها ومن غير اعتبار تعلقه بمن وقع عليه فضلاً على عمومها وخصوصها، بمعنى أنه لم يلحظ مع الفعل أي أمر آخر، لا عموم ولا وخصوص ولا كونه متعلقًا بعَمْرٍو من حيث كونه وقع عليه مطلقًا (النَّفْيُ مُطلَقًا أَوِ الإِثْبَاتُ لَهْ)، (أَوِ) للتنويع، (أَوِ) أن يرد إثبات الفعل له أي لفاعله (مُطلَقًا)، فالإطلاق يرجع إلى النفي والإثبات، (فَذَاكَ) أي: الفعل المتعدّي (مِثْلُ لاَزِمٍ) أي: مثل الفعل اللازم (فِي المَنْزلَةْ) أي: مُنَزّل مُنَزّلة اللازم (مِنْ غَيْر تَقْدِيرٍ) يعني: للمفعول. لأن المقدر كالمذكور، ونحن نتحدث عن ماذا؟ عن فعل ليس له مفعول أصلاً، وهذا إنما كان بمرحلة ثانية، يعني: الأصل فيه أنه متعدٍّ ويقتضي مفعولاً به، لكن لَمَّا لم يلحظ فيه إلا إسناده إلى الفاعل فكأنه لم يكن له مفعول حينئذٍ حذف ابتداءً ولا يقدر، لأنك لو قدرته فقد لاحظته، فحينئذٍ يفسر الفعل هنا بكونه فعلاً لازمًا فيقتضي يعني: يرفع فاعلاً ولا تقل: يقتضي مفعولاً به. (مِثْلُ) فعل اللازم (فِي المَنْزلَةْ)، أي: منزلته أو مُنَزّل مُنَزَّلة الفعل اللازم، (مِنْ غَيْر تَقْدِيرٍ) أي: من غير أن يقدر له مفعول، لأن المقدر كالمذكور، في أن السامع يفهم منهما أن الغرض الإخبار بوقوع الفعل عن الفاعل باعتبار تعلقه بمن وقع عليه، يعني: لو جعلت المفعول به مقدرًا حينئذٍ السامع يَلْحَظ هذا المعنى، فحينئذٍ لم يرد بالفعل المتعدّي اللازم لأنه صار متعدّيًا متى؟ إذا قدرته. إذًا هذا هو الضرب الأول، إذا أريد بالفعل أن يسند إلى الفاعل من غير ملاحظة معنى للمفعول البتة، لا عموم في الفعل ولا خصوص ولا بمن تعلق به من حيث وقوع الحدث عليه، فحينئذٍ الفعل المتعدّي كاللازم، وهذا ضربان نوعان، هذا النوع ضربان: الأول لأنه إما أن يُجعل إطلاق الفعل كناية عن الفعل، يعني قد يكون هناك كناية استعمل ضربت مُنَزَّلة ضربت زيدًا، كأنه كني به، يعني: الأصل أن يقول: ضَرَبْتُ زَيْدًا، [حذف المفعول وحذف المفعول $ ٣٩.٢٠] وضربت الأصل فيه أنه متعدي فاستعمل بدلاً من ضربت المتعدي إلى زَيْدًا ضَرَبْتُ يعني: من باب الكناية، إما أن يجعل إطلاق الفعل كناية عن الفعل متعلقًا بمفعول مخصوص دلت عليه القرينة أو لا؟ أما الأول الذي دلت عليه القرينة كقول الشاعر مثلاً: شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ......... يرى ماذا؟ حذف المفعول به ويسمعَ واعي

стр. 150

أن يرى مبصرٌ ويسمع واعي، يرى متعدٍّ في الأصل، ويسمع كذلك متعدٍّ في الأصل هنا لم يتعدَّ وإنما رفع فاعلاً في الموضعين فقط، أي: المقصود هنا أن يرى مبصرٌ أي: أن يكون ذو رؤية أو يكون ذو سمع لأن المراد وجود من يبصر ووجود من يسمع، فأُسْنِدَ الفعل إلى الفاعل بقطع النظر عن مُتَعَلَقِهِ وهو المفعول به فحينئذٍ صار كاللازم، أي: أن يكون ذو رؤية وذو سمع فيُدرك بالبصر محاسنه وبالسمع أخباره، فحينئذٍ نَزَّل يرى ويسمع مُنَزَّلة اللازم، أي: يصدر منه الرؤية والسماع من غير تعلق بمفعول مخصوص. قال السيوطي هنا: أي ليس في الوجود ما يُرى ويُسمع إلا آثاره المحمودة. فإذا أبصر مبصر لا يرى إلا محاسنه، وإذا سمع سامع كذلك لا يسمع إلا بأخبار حسنة، فغيظ عداه أن يقع إبصار - وقع إبصار - أو سمع، فإنه كيف وقع لا يقع إلا على محاسنه، بخلاف ما لو قال: أن يرى مبصر محاسنه. يعني: ذكر المفعول به، فإنه ليس فيه حينئذٍ ما يقتضي أنه ليس في الوجود ما يُبْصَر غير محاسنه. يعني: استعمال اللازم هنا أدق في المعنى من استعمال المتعدي. فلو قال: يرى مبصر. يعني: لا يرى أي مبصر إلا محاسنه، بخلاف يرى مبصر محاسنه، كذلك السمع، ويسمع واعي يعني: لا يسمع الواعي إلا أخباره المحمودة، فإذا حذف المحمود به وجعل الفعل كاللازم حينئذٍ لا يُسمع في الوجود إلا محاسنه كما أنه لا يبصر إلا محاسنه، ثم جُعِلا الفعلين السابقين يرى ويسمع كناية عن الرؤية والسماع المتعلقين بمفعول مخصوص - وهو محاسنه وأخباره -. والثاني: الذي لا يكون في قرينة كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] يعلمون ماذا؟ ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ يعلمون متعدّي أو لا؟ متعدّي في الأصل أما هنا فهو لازم، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قيل: الفعلين في الموضعين هما متعديان في الأصل لكن هنا المراد ماذا؟ المراد مقارنة من اتصف بصفة العلم بقطع النظر عن المعلوم، ونفي العلم بقطع النظر عن المعلوم، حينئذٍ صار الوصل هنا مقيدًا بكونه مسندًا إلى الفاعل بقطع النظر عن مفعوله، فقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ يعلمون فعل وفاعل، والأصل أنه متعدّي أليس كذلك؟ أين المفعول؟ ليس عندنا مفعول، لماذا؟ لكونه لازمًا ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعلمون ماذا؟ نقول: هنا لازم وليس بمتعدّي، لماذا؟ لأنه قصد الفعل ابتداءً أن لا يتعلق بمفعول به البتة فنُزِّلَ مُنَزّلة اللازم فإن الغرض هنا إثبات العلم له مطلقًا في الأول ... ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ ونفيه عنهم كذلك في الثاني ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي من غير عموم في أفراده ولا خصوص، والمعنى لا يستوي من يُوجد منه حقيقة العلم ومن لا يوجد. يعني: من له صفة العلم لا يستوي مع من انتفى عنه صفة العلم.

стр. 151

ومثله ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] أضحك من؟ حُذِفَ، لا نقول: حُذِف، وإنما نقول: أضحك استُعمل ابتداءً مراد به الإضحاك، وأبكى استعمل ابتداءً مراد به الإبكاء ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ﴾ ... [النجم: ٤٤] أمات من؟ ﴿وَأَحْيَا﴾ أحيى من؟ و ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨] كل هذه أفعال متعدّية في الأصل لكن المراد بها هنا اللازم، فليس عندنا مفعول، فلا تقدر، إذا عرفتَ تقول: أضحك والمفعول به محذوف. لا، ليس عندنا هنا محذوف، لأن المراد هو الذي منه الإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء والإغناء والإقناء. حينئذٍ فعل أُسْنِد إلى فاعله بقطع النظر ليستوي، يعني مصدر الإحياء هو الله ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ مصدر الإضحاك هو الله ، إذًا المراد بإسناد الفعل إلى فاعله بقطع النظر عن تعلقه فنُزِّل مُنَزَّلة اللازم، واضح هذا؟ إذًا - نرجع إلى الأبيات - (وَإِنْ يُرَدْ) النفي أو الإثبات له مطلقًا يعني: للفعل الاصطلاحي. (فَذَاكَ مِثْلُ لاَزِمٍ) مثل فعل اللازم (فِي المَنْزلَةْ) فلا يتعدى، لكن انتبه من غير تقدير للمفعول به. إذ لو قدرت المفعول به لم يكن مثل اللازم؛ لأن الفعل المتعدي قد يُذكر معه مفعوله وقد يحذف لغرض، والمحذوف لغرض كالموجود وليس هو بلازم، وإنما الكلام هنا في الفعل المتعدي المنزل منزلة اللازم بأن لا يكون له مفعول أصلاً، وهذا مثله. وإما إذا قدرت، فلا، خرج الكلام عن المراد. إذًا (وَإِنْ يُرَدْ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرَا) المفعول به هذا القيد يعني: لم يذكر (إِنْ يُرَدْ) (النَّفْيُ مُطلَقًا) يعني: نفي الفعل، أو الإثبات له مطلقًا بقطع النظر عن عموم أو خصوص في الفعل في أفراده وبقطع النظر عمن وقع عليه الفعل، (فَذَاكَ) الفعل المتعدي (مِثْلُ لاَزِمٍ فِي المَنْزلَةْ) والمكانة والمرتبة (مِنْ غَيْر تَقْدِيرٍ وَإِلاَّ) هذا الضرب الثاني، (إِلاَّ). الضرب الأول: قطع النظر عن المفعول به ابتداءً. الضرب الثاني: لم يقطع النظر. بمعنى أن المتكلم أتى بالفعل المتعدي ملاحظًا المفعول سواء ذكره أم لا، إن ذكره فهو الأصل إن لم يذكره حينئذٍ يلزمه التقدير متى هذا؟ إذا أراد الإخبار عن الحدث الفعل مع فاعله ملاحظًا المفعول به، حينئذٍ يكون على أصله، (وَإِلاَّ) أي: الضرب الثاني أن لا يقطع النظر عن المفعول بل يُقْصَدُ ولا يذكر لفظًا ويقدر بحسد الفرائد، أما إذا ذكره فهذا لا إشكال فيه. (وَإِلاَّ) وإن لم يكن الغرض عند عدم ذكر المفعول مع الفعل المتعدّي المسند إلى فاعله إن لم يكن الغرض إثباته لفاعله أو نفيه عنه مطلقًا، بل قصد تعلقه بمفعولٍ غير مذكورٍ (لَزِمَا)، (لَزِمَا) الألف هذه للإطلاق، ما الذي لزم؟ قال: (مِنْ غَيْر تَقْدِيرٍ وَإِلاَّ لَزِمَا). ما الذي لَزِم؟ التقدير. (مِنْ غَيْر تَقْدِيرٍ وَإِلاَّ لَزِمَا) يعني: لزم التقدير بحسب القرائن الدالة على تعين المفعول إن كان عامًا فعام وإن خاصًا فخاص، (وَإِلاَّ لَزِمَا).

стр. 152

ثم لما وجب تقدير المفعول تعين أنه مراد، ومحذوفٌ من اللفظ لغرضٍ، لأن الغرض متعينٌ عند الحذف إذ لا يجوز الحذف إلا لشيءٍ معلوم، ثم لا يكون الحذف لشيءٍ معلوم إلا لنكتةٍ وفائدة، فإن لم يكن لنكتة أو فائدة وهذا الأصل فيه المنع، فأشار إلى بيانه تفسير الغرض بقوله: (وَالحَذْفُ لِلْبَيَانِ فِيما أُبْهِمَا). (الحَذْفُ) مبتدأ، في الذي أبهما الألف للإطلاق وهو (فِيما أُبْهِمَا) هذا خبر الحذف (لِلْبَيَانِ) متعلقٌ به (وَالحَذْفُ) أي: حذف المفعول به من اللفظ المقدر بعد قابلية المقام، أي: وجود القرينة فيكون للبيانِ (الحَذْفُ لِلْبَيَانِ فِيما) يعني: في الذي (أُبْهِمَا) الألف هذه للإطلاق، وعبارة السيوطي: والحذف فيما أبهما للبيانِ. والحذف في الذي أبهما للبيانِ، للبيان هو الخبر أليس كذلك؟ والحذف في المبهم أي: إن قصد البيان بعد الإبهام. يعني: يحذف المفعول به، ثم يأتي إبهامٌ، الإبهام من أين يأتي؟ يأتي من لفظِ الفعل نفسه عند قراءته، ولهذا قال: وهذا خاص بفعل المشيئة والإرادة، أن يكون القصد من بعد الإبهام من الحذف للمفعول يجيء البيان له، بأن يذكر ما يدل عليه فإن له وقعًا في النفس لم يحصل بذكره ابتداءً وذلك كما في فعل المشيئة والإرادة ونحوهما إذا وقعا شرطًا فإن الجواب يدل عليه نحو: قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. لو شاء هدايتكم لهداكم، هدايتكم هو المفعول به، لو شاء هدايتكم أين الإبهام هنا؟ لو قرأ أو سمع ﴿فَلَوْ شَاء﴾ يذهب الذهن مذاهب شتى شاء ماذا؟ هدايتكم إماتتكم إحياءكم رزقكم موتكم، إذًا يذهب الذهن مذاهب شتى، فلما ﴿لَهَدَاكُمْ﴾ جاء تقدير المفعول به من أين علم؟ من الجواب ﴿فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: لو شاء هدايتكم، هدايتكم المفعول الذي حذف ﴿لَهَدَاكُمْ﴾ فإنه لما قال: ﴿فَلَوْ شَاء﴾ علم السامع أن هناك شيئًا علقت به المشيئة لكنه مبهم، ما هو الذي شاءه هذا مبهم، لما قال: ... ﴿لَهَدَاكُمْ﴾ علمنا أن المحذوف هنا مفعول به وهو ماذا؟ هدايتكم، ما الذي دل عليه؟ الجواب، جاء التقدير بعد الإبهام أليس كذلك؟ جاء التقدير بعد الإبهام فحصل إبهامٌ أولاً بـ ﴿شَاء﴾، ثم جاء التقدير الذي أخذ من هدايتكم، فإذا جيء بجواب الشرط صار مبينًّا وهذا أوقع في النفس من ذكره ابتداءً مبينًا، لو قال لو شاء هدايتكم لهداكم هذا فيه بيان، وحينئذٍ لا يذهب الذهن ولا يذهب السمع في مذاهب شتى. إذًا هذا الموضع الأول أنه والحذف للبيان فيما أبهما يعني: يأتي الحذف للبيان متى؟ في الذي أبهما ابتداءً وذلك يفهم من فعل المشيئة، أو لمجيء الذكر أو يكون الحذف لمجيء الذكر، أي: ذكر المفعول ثانيًا على وجهٍ يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه، يعني: دون ضميره، إظهارًا لكمال العناية بوقوعه عليه كقوله: قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مِثْلاً

стр. 153

قد طلبنا حذف المفعول به، لم نجد مِثْلاً، مثلاً هذا مفعولٌ لنجد، حذفنا من الأول من أجل أن يقطع الثاني على اسمه الصريح، ماذا نقول؟ أي: ذكر المفعول ثانيًا على وجهٍ يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه دون ضمير - الذي هو نجد - إظهارًا لكمال العناية بوقوعه عليه، وضابطه - ضابط عند البيانيين - إذا كان في الكلام فعلان: طلبنا، ونجد، متوجهان إلى مفعولٍ واحدٍ، طلبنا مثل، نجد مثل، إذًا توجها لمفعولٍ واحد حذف المفعول من الأول طلبنا مثلاً حذف من الأول لإيقاع الثاني على صريح لفظه، يعني: من أجل أن ينصب الثاني اللفظ دون الضمير، أليس كذلك؟ وإذا قدرنا في الأول نقدر الضمير لأنه لو ذُكر مع الفعل الأول لكان الواجب أن يذكر مع الفعل الثاني ضميره لتقدم ذكره فيفوت إيقاع الفعل الثاني على صريح لفظه، لو جعلنا مثلاً منصوبًا بطلبنا لقال نجده، فحينئذٍ وقع الثاني على الضمير لا على الاسم الصريح وهذا ليس مرادًا. ولذلك قال: (أَوْ لِمَجِيءِ الذِّكْرِ). يعني: يُقدر في الأول يحذف من أجل أن يأتي الثاني فينصب اللفظ الصريح مثاله: قد طلبنا، هذا متعدي فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مِثْلا أي: قد طلبنا لك مثلاً فيها فلم نجده، هذا أصل التركيب، قد طلبنا مثلاً فلم نجده لكنه ماذا صنع؟ عكس فجعل الثاني ناصب للفظ الصريح، والأول حذف منه الفعل، فحذف مثلاً من الأول إذ لو ذكره لكان المناسب فلم نجده، فيفوت الغرض المذكور وهو إيقاع الوجدان على صريح لفظ المثل لكمال العناية بعدم وجدانه (أَوْ لِرَدِّ تَوَهُّمِ السَامِعِ غيْرِ الْقَصْدِ)

стр. 154

أو يكون الحذف للمفعول مع إداراته لرد توهم السامع غير القصد، وعبَّر عنه السيوطي بقوله: [دفع ابتداء، نعم] (١)، دفع ابتدار الذهن إلى غير المراد. يعني: حذفه من أجل أن لا يتوهم السامع شيئًا لم يرد أي: غير المراد، بأن يسبق الذهن إلى غير المراد، كقوله: وسورة أيامٍ حززنا إلى العظم، حززنا هنا الشاهد حززنا أي: قطعنا إلى العظم، الأصل حززنا اللحم، قطعنا اللحم إلى العظم، لو قال: حززنا اللحم يتبادر الذهن إلى ماذا؟ إلى أنه لم يصل القطع إلى العظم، لكن لما حذفه صار ماذا؟ حززنا إلى العظم، إذًا بلغ الحزُّ مبلغه وهو العظم، ففيه ماذا؟ فيه رد توهم ما قد يقع على للسامع، فحُذِفَ مفعول حززنا وهو اللحم لأنه لو ذكره ربما توهم السامع قبل ذكر ما بعده أن الحزَّ لم ينته إلى العظم، وإنما كان في بعض اللحم فحذفه دفعًا لهذا التوهم، إذًا (أَوْ لِرَدِّ تَوَهُّمِ السَامِعِ غيْرِ الْقَصْدِ) يعني: غير المراد من كلام المتكلم، أو هو للتعميم، أو يكون هو أي: الحذف للتعميم في المفعول مع الاختصار، كقولك: قد كان منه ما يؤلم، ما يؤلم كل أحدٍ. لما حذف أفاد التعميم، بقرينة أن المقام مقام المبالغة، وهذا التعميم وإن أمكن أن يستفاد من ذكر المفعول بصيغة العموم، لكنه يفوت معه الاختصار هنا الغرض أمران: تعميمٌ مع اختصار. لأنه قد يقول قائل يؤلم كل أحدٍ ذكر المفعول أيضًا فيه تعميم، لماذا نقول الحذف للتعميم؟ واضح هذا؟ يؤلم قلنا: حذف المفعول من أجل إفادة التعميم، فيقول: أذكر المفعول بلفظٍ وصيغةٍ تدل على العموم، إذًا يؤلم كل أحدٍ. نقول: لا، المراد هنا التعميم مع الاختصار. ما هو الاختصار؟ حذف المفعول، وفرقٌ بين اللفظين، فَعِلَّة الحذف هنا مركبة من التعميم والاختصار، قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ [يونس: ٢٥]. يدعو من كل؟ عباده، حذف المفعول هنا للإفادة العموم، أي جميع عباده، وهنا أفادت الآية العموم تحقيقًا لا مبالغة كالمثال السابق. (أَوْ لِلْفَاصِلَهْ) أو يكون الحذف للفاصلة، يعني: لأن تراعى الفاصلة، وهو آخر الفقرة، كقوله تعالى ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا﴾ [الضحى: ١، ٣] قلاك هذا الأصل فحذف المفعول به مراعاةً للفاصلة ﴿وَمَا قَلَى﴾ لأن آخرها الألف، وقيل للاختصار ولا مانع أن يجتمع الغرضان في مثالٍ واحد. أي: ما قلاك، فحذف المفعول هنا لأن فواصل الآية على الآي على الألف، نعم، (أَوْ هُوَ لاِسْتِهْجَانِك المُقَابَلَه) يعني: يحذف المفعول به من أجل أن لا تقابل المخاطب بلفظٍ فيه قُبح، يعني: من أجل الاستهجان وهو قبيح لو ذكرته، أو يكون هو أي: للحذف (لاِسْتِهْجَانِك) أي: استقباحك (المُقَابَلَه) منك المخاطب بذكر فيحذف تجنبًا لها كقول عائشة إن صح عند ذكر أحوال النبي ﷺ : ما رأيت منه ولا رأى مني. يعني: ما رأيت منه العورة ولا رأى مني فحُذِفَ المفعول هنا من الموضعين لما في التصريح بلفظ العورة من الهجنة يعني: القبح، وقرينة الحذف اقتران هذا الكلام بذكر أحوال النبي ﷺ وقت مباشرة نسائه. ثم قال:

стр. 155

وَقَدِّمِ المَفْعُولَ أَوْ شَبِيهَهُ ... رَدًّا عَلَى مَنْ لمْ يُصِبْ تَعْيِينَهُ وَبَعْضُ مَعْمُولٍ عَلَى بَعْضِ كَمَا ... إِذَا اهْتِمَامٌ أَوْ لأصْلٍ عُلِمَا (وَقَدِّمِ المَفْعُولَ) على الفعل، هنا أحوال تقديم المفعول على عامله، ... (أَوْ شَبِيهَهُ) يعني: شبيه ماذا؟ شبيه المفعول، الحالة قد تتقدم راكبًا جاء زيدٌ، تقدمت، قدم المفعول على الفعل عامله ليشمل الفعل وغيره، (أَوْ شَبِيهَهُ) أي: شبيه المفعول من الجار والمجرور والظرف والحال وما أشبه ذلك، لأجل ماذا؟ (رَدّاً) هذا مفعول أجله، (رَدّاً) أي: لأجل الرد ... (عَلَى مَنْ) أي: على الذي لم يُصب تعيينه، لم يُصب تعيين المفعول به، أي: تعيين المفعول كقولك: زيدًا عرفتُ. الأصل: عرفت زيدًا، زيدًا عرفت، هذا ترد به على من؟ على من اعتقد أنك عرفت إنسانًا واعتقد أنه غير زيد، عرفت إنسان أنت إنسان تعرف إنسانًا، هذا الأصل لا إشكال فيه، لكن لو اعتقد أنك تعرف عمرًا، وقد أخطأ فحينئذٍ تقول له: زيدًا عرفت لا غيره، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد القصر والحصر، فحينئذٍ زيدًا عرفت أي: لا غيره، ترد به على من اعتقد أنك عرفت عمرًا لا زيد، واعتقد أنه غير زيدٍ وأصاب في الأول أنه إنسان دون الثاني أنه غير زيدٍ، ولهذا تقول: لتأكيد هذا الرد: زيدًا عرفت لا غيره. صح أم لا؟ نعم صح، لا غيره تأكيد، كيف يكون مؤكدًا؟ لأنه لو سكت قال زيدًا عرفت، بالمنطوق إثبات المعرفة لزيد، بالمفهوم نفي المعرفة عن غير زيد، لا غيره دل بالمنطوق ما دل عليه مفهوم السابق توافقا؟ توافقا، الأول دل على لا غيره بالمفهوم، والثاني دل عليه بالمنطوق، ولذلك صار توكيدًا، لما دل عليه مفهوم السابق. وقد يكون لرد الخطأ فيه الاشتراك، كقولك: زيدًا عرفت. لمن اعتقد أنك عرفت زيدًا وعَمْرًا. زيدًا عرفت، إذًا زيدًا لا عَمْرًا، وتقول لتأكيده زيدًا عرفت وحده. صحيح زيدًا عرفته، لأنه اعتقد الشركة وأنت أردت الوحدة: زيدًا عرفت وحده. وهذا توكيدٌ للمفهوم الذي دل عليه التركيب السابق. واعلم أن [تقديم المفعول ونحوه] تقديم المفعول ونحوِهِ يلزمه التخصيص غالبًا الذي ذكرناه سابقًا، أي: لا ينفك عن تقديم المفعول ونحوه في أكثر السور بشهادة الاستقراء وحكم الذوق، ولذلك قال السيوطي رحمه الله تعالى: لا يقال ما زيدًا ضربت ولا غيره. هذا فيه تناقض لأن قولك: ما زيدًا ضربت. أفاد ماذا؟ نفي الضرب عن زيدٍ وإثباته لغير زيد، فإذا قلت: ولا غيره نفيت الضرب عن غير زيدٍ وقد أثبته أولاً هذا يسمى ماذا؟ يسمى تناقضًا، ما زيدًا ضربت ولا غير. هذا لا يصح التركيب غلط لماذا؟ لكون فيه تناقضًا، تناقضًا بين ماذا؟ بكون نفيت ما أثبته أولاً، نفيت عن زيدٍ الضرب، مفهومه إثبات الضرب لغير زيدٍ، حينئذٍ لا يصح أن تقول: ولا غيره. بمعنى أنك لم تضرب غير زيد. لا يقال ما زيدًا ضربت ولا غيره. لأن التقديم يدل على وقوع الضرب على غير زيدٍ تحقيقًا لمعنى الاختصاص، وقولك: ولا غيره. ينفي ذلك فيتناقضان.

стр. 156

ومثل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] أي: لا غيرك ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: لا غيرك. ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ﴾ [المائدة ٢٣] أي: لا على غيره .. وهلم جرا. تقديم ما حقه التأخير يفيد الاختصاص وهو في القرآن كثير. إذًا (وَقَدِّمِ المَفْعُولَ أَوْ شَبِيهَهُ) كالجار والمجرور والحال (رَدّاً عَلَى مَنْ لمْ يُصِبْ تَعْيِينَهُ) حينئذٍ إذا قدمته أفدت الاختصاص (وَبَعْضُ مَعْمُولٍ عَلَى بَعْضِ) أي: قدم بعض معمولٍ على بعضٍ أي: وقدم بعض معمولٍ من الفاعل والمفاعيل ونحوها من الحال والتمييز (بَعْضُ مَعْمُولٍ) الفعل (عَلَى بَعْضِ) يعني: على بعض الآخر (كَمَا إِذَا اهْتِمَامٌ) أي: كما إذا كان ذكر ذلك البعض المقدم أهم (كَمَا إِذَا اهْتِمَامٌ) يعني: كما لو كان هو الأهم (كَمَا إِذَا اهْتِمَامٌ) إذا كان هناك اهتمامٌ، (مَا) هذه زائدة، (كَمَا إِذَا اهْتِمَامٌ) أي: كما إذا كان ذكر ذلك البعض المقدم أهم لاعتناء المتكلم والسامع بشأنه، والاهتمام بحاله لغرضٍ من الأغراض كقولك قُتِلَ الخارجيُّ فلانٌ، لأن الأهم في تعلق القتل هو الخارجي المقتول ليتخلص الناس من شره وليس لهم فائدةٌ في أن يعرفوا قاتله، (أَوْ لأصْلٍ عُلِمَا) الألف للإطلاق (أَوْ لأصْلٍ) أي: يكون تقديم ذلك البعض المعمول على المعمولات الأخر هو الأصل ولا مقتضي للعدول عن ذلك عنه، كالفاعل في نحو: ضرب زيدٌ عمرًا. هنا ماذا قلت؟ ضرب زيدٌ عَمْرًا يجوز؟ يجوز ماذا؟ كم حال هنا؟ ضرب زيدٌ عمرًا، هذا الأصل، ضرب عمرًا زيدٌ، زيدًا ضرب عمرٌو؟ صحيح؟ إيش بالكم؟ طال الدرس ضرب زيدٌ عمرًا. هذا الأصل العامل أولاً، ثم الفاعل، ثم المفعول. الحالة الثانية: تُقدم المفعول على الفاعل، ضرب عَمْرًا زيدٌ هذا جائزٌ، [زيدًا ضرب عَمْرًا] (١) عَمْرًا ضرب زيدٌ قدمت المفعول على العامل لِمَ يجوز؟ ﴿فَرِيقاً هَدَى﴾ [الأعراف: ٣٠] لا. المراد هنا التقديم، لكن لو قلت: زيدٌ ضرب عَمْرًا، على أن زيد فاعل يجوز؟ لا يجوز المراد هنا الأحكام النحوية أما الأغراض فهذا شيء آخر فعندنا ثلاثة أحوال: ضرب زيدٌ عمرًا، هذا الأصل. ضرب عمرًا زيدٌ، هل هذا جائزٌ؟ نقول: نعم يجوز، لكن يجوز تقديم المفعول على فاعله إذا كان ثَمَّ غرض، وإذا لم يكن ثَمَّ غرضٌ فأي النوعين أهم الفاعل أم المفعول؟ حينئذٍ الأصل أن نقدم الفاعل على المفعول، فإذا لم يكن غرض حينئذٍ تقول: قولك ضرب زيدٌ عمرًا أولى بلاغةً من قولك: ضرب عمرًا زيدٌ وإن جائزًا نحوًا، لماذا؟ لكون زيد مقدم على عمرو في الأهمية لأنه فاعل، ولذلك قال: كالفاعل في نحو: ضرب زيدٌ عمرًا لأنه عمدةٌ في الكلام وحقه أن يلي الفعل، والمفعول الأول في أعطيت زيدًا درهمًا يصح أعطيت درهمًا زيدًا، أليس كذلك؟ لكن لكون المفعول الأول في قوة أو معنى الفاعل لكون هو الآخر صار الأولى بالتقديم، فإن أصله التقديم لما فيه من معنى الفاعلية وهو أنه آخذٌ للعطاء.

стр. 157

إذًا قاعدة: وقدم بعض معمولٍ على بعضٍ يجوز إذا كان ثَمَّ قرينة. (كَمَا إِذَا اهْتِمَامٌ) إذا كان الاهتمام بالمقدم، إما لكونه منزلته التقديم، أو إذا لم يكمن منزلته التقديم فحينئذٍ لا بد لفائدةٍ أو نكتة، أو لأصلٍ لكون مرتبته هي الأصل كالفاعل مع المفعول. والمفاعيل قاعدة عن البيانين - نختم بها الدرس المفاعيل - وما بمعناها من الفضلات وإن اشتركت في كونها فضلة لكنها مترتبةٌ فيما بينها عند اجتماعها، فإذا اجتمعت حينئذٍ يقدم المفعول المطلق، المفاعيل كلها إذا اجتمعت يقدم المفعول المطلق، ثم المفعول به بلا واسطة، يعني: بلا حرف جر بزيدٍ، ثم الذي بواسطة، ثم المفعول فيه الزمان، ثم المكان، ثم المفعول له، ثم المفعول معه، هذا الترتيب إذا اجتمعت المفاعيل كلها. المفعول المطلق أولاً، ثم المفعول بلا واسطة، ثم المفعول بواسطة، ثم المفعول فيه الزماني، ثم المكاني، ثم المفعول له، ثم المفعول معه. والأصل أن يذكر الحال عقيب صاحب الحال هذا الأصل، إذًا جاء راكبًا زيدٌ، جاء زيدٌ راكبًا أيهما أولى؟ إذًا لم يكن ثَمَّ غرض جاء زيدٌ راكبًا، لأنه موافق الأصل، الترتيب صاحب الحال أولاً ثم الحال، فالأصل أن يذكر الحال عقيب صاحب الحال، والتابع عقيب المتبوع، وعند اجتماعها يقدم التابع على الحال، وعند اجتماع التوابع الأصل تقديم النعت، ثم التأكيد، ثم البدل، أو عطف البيان وعند اجتماع التأكيد مع المفعول به يقدم التأكيد. هذا ما يتعلق من جهة الاختصار بالباب الرابع (أَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ)، والله أعلم. وصلَّ الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. البلاغة ما تتقن إلا إذا أتقن النحو، ألاحظ بعض المسائل صعبة عندكم لأن النحو شوي ما هو بذاك. ما أدري إيش عندكم في النحو أنتم، النحو أساس، لو تعطي كل يوم فقط النحو ساعة خلال ستة أشهر إن شاء الله تضبطه. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 158

عناصر الدرس * الباب الخامس: القصر * أنواع القصر. * طرق القصر. * ما يقع فيه القصر. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: (الْبَابُ الخَامِسُ: الْقَصْرُ) (الْبَابُ الخَامِسُ) من أبواب المعاني الثمانية حيث قال فيما سبق ... (مُنْحَصِرُ الأَبْوَابِ فِي ثَمَانِ)، ومر الحديث عن أربعة أبواب ووصل إلى الخامس وهو (الْقَصْرُ) لَمَّا كان القصر يجري في ركنيي الإسناد وفي متعلقات الفعل ذكره عقب الأبواب الثلاثة، يعني ما يتعلق بالمسند إليه والمسند ومتعلقات الفعل، وأما الإسناد فلا يكون فيه حصر، وإنما يحصر المسند إليه أو المسند أو المفعول مثلاً أو الحال، فإما أن يتعلق بمسند إليه، وإما أن يتعلق بالمسند، وإما أن يتعلق بأحد متعلقات الفعل، لذلك قال: عقب الأبواب الثلاثة. القَّصْرُ نَوْعَانِ حَقِيقِيٌ وَذَا ... نَوْعَانِ وَالثَّانِي إضَافِيٌّ كَذَا القصر لغةً الحبس، ومنه قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]. يعني محبوسات في الخيام. واصطلاحًا عرَّفوه بأنه تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص، شيء بشيء مسند أو صفه لموصوف أو موصوف بصفة، هذا المراد به على جهة التخصيص، تخصيص شيء يعني: موصوف أو صفة بشيء يعني: بالموصوف أو بصفة فيشمل حينئذٍ نوعي القصر الحقيقي والإضافي، ثم كل منهما إما قصر صفة على موصوف، أو عكسه. بطريق مخصوص يعني من الطرق الآتي بيانها يعني مما ذكره الناظم من الطرق الأربعة المشهورة، كتخصيص زيد بالقيام مَا قَائِمٌ إِلا زَيْدٌ، كأنك خصصت بل خصصت زيد بكونه قائمًا، هنا تخصيص شيء بشيء تخصيص زيد بالقيام بطريق مخصوص وهو (ما، وإلا)، ويجري القصر أو التخصيص بين الفعل والفاعل ما قام إلا زيد، وبين المبدأ والخبر ما زيد إلا قائم، ما قائم إلا زيد، وبين الفعل والظرف بنا مرّ كما سيأتي، وبين الحال وعاملها راكبًا ما جاء راكبًا إلا زيد وغير ذلك مما قد يأتي بيانه. القصر عرفنا معناه في اللغة والاصطلاح، قال (نَوْعَانِ) (القَّصْرُ نَوْعَانِ) (القَّصْرُ) مبتدأ و (نَوْعَانِ) خبره، (حَقِيقِيٌ) هذا بدل مفصل من مجمل وقوله: (نَوْعَانِ) هذا فيه إبهام وإجمال (حَقِيقِيٌ) بالرفع على أنه بدل مفصل من مجمل، يعني بدل بعض من كل، أو تجعله خبرًا لمبتدأ محذوف أول النوعين أولهما حقيقيٌّ، إذا إما أن يكون بدلاً، وإما أن يكون خبرًا مبتدأ محذوف، والثاني إضافي (حَقِيقِيٌ) (نَوْعَانِ) (حَقِيقِيٌ)، ... (وَالثَّانِي إضَافِيٌّ)، (الثَّانِي) مبتدأ و (إضَافِيٌّ) خبره (وَذَا ** نَوْعَانِ) هذه جملة معترضة بين بها أن الحقيقي ينقسم إلى نوعين، (وَذَا) أي الحقيقي مبتدأ (نَوْعَانِ) خبر المبتدأ، وقوله: (كَذَا) (وَالثَّانِي إضَافِيٌّ كَذَا) أي مثل ذا أي الحقيقي بكونه على نوعين. إذًا ذكر في هذا البيت أن القصر ينقسم إلى نوعين. حقيقي وإضافي، وأن الحقيقي والإضافي كل منهما نوعان، وهو (نَوْعَانِ): الأول: حقيقي. والثاني: إضافي. لماذا انقسم القصر إلى نوعين حقيقي وإضافي؟

стр. 159

لأن تخصيص الشيء بالشيء الذي هو حقيقة القصر، إما أن يكون بحسب الحقيقة ونفس الأمر يعني بنفس في الواقع أنه خُصّ زيدٌ بكذا، بأن لا يتجاوزه إلى غيره أصلاً، لأن الأصل في كون الشيء اختص بشيء ما الذي يُفْهَم ويتبادر إلى الذهن أنه لا يتجاوزه إلى غيره، إن كان كذلك فهو الحقيقي، بمعنى أنه في نفس الأمر وحقيقة الأمر أنه عندما خُصَّ بهذا الوصف هذا الوصف لا يتجاوز زيدًا البتة، حينئذٍ يكون حقيقيًّا، إما أن يكون بحسب الحقيقة ونفس الأمر بألا يتجاوزه إلى غيره أصلاً وهو الحقيقي هذا الأول. أو بحسب الإضافة والنسبة، بمعنى أنه خُصَّ زيد بوصف باعتبار وصف آخر لا مطلقًا، أو خُصَّ زيد بوصف باعتبار عمرو لا باعتبار كل الناس وإنما هو باعتبار شيء معين. إذا التخصيص شيء بشيء قد يكون مطلقًا من كل وجه ويكون في نفس الأمر [وقد يكون] وهذا الحقيقي. وقد يكون باعتبار شيء آخر يعني بملاحظة وصف آخر. لو قلت: مَا زَيْدٌ إِلا قَائِمٌ. يعني باعتبار القعود لا باعتبار كل الصفات، وإنما نظرت القيام مقابل للقعود، فزيد قائم لا قاعد فخصصته بوصف القيام هذا المراد بكون إضَافِيًّا أي نسبيًّا، أو بحسب الإضافة والنسبة إلى شيء آخر لئلا يتجاوزه إلى ذلك الشيء وإن أمكن أن يتجاوزه إلى شيء آخر في الجملة وهو الإضافي، وهذا كقولك: ما زيد إلا قائم. بمعنى أنه يعني زيد لا يتجاوز القيام إلى القعود، أليس كذلك؟ إذا كان المقابل يظن أن زيدًا قائم أو قاعد قلت: مَا زَيْدٌ إِلا قَائِمٌ. كأنك نفيت جميع الصفات عن زيد وأثبت له القيام، هل هذا صحيح؟ لا، زيد له صفات متعددة لكن باعتبار كونه قائمًا أو قاعدًا خصصت زيد بالقيام هذا المراد بالإضافي، بمعنى أنه لا يتجاوزه أو لا يتجاوز القيام إلى القعود لا بمعنى أنه لا يتجاوز إلى صفة أخرى أصلاً هذا لا وجود له، لأنه ما من شيء موجود إلى وله عدة صفات. فالـ (حَقِيقِيٌ) حينئذٍ ما كان التخصيص فيه بحسب الحقيقة يعني بالفعل قد خُصَّ زيد بكذا واختص به ولا يتجاوزه إلى غيره البتة، حينئذٍ نقول: هذا تخصيص حقيقي بحيث لا يتجاوز المقصور ما قصر عليه إلى غيره، إذا لم يكن في البلد إلا عالم واحد ما زيد أو ما العالم إلا زيد، قصرت هنا زيد على العلم، إذا غيره ليس بعالم، إن كان كذلك فهو قصر حقيقيّ، وإن كان المرد أنه تمكن في العلم تقول: ما العالم إلا زيد. مع وجود غيره من العلماء وإنما كماله حينئذٍ صار إضافيًّا لأن القصر والتخصيص هنا باعتبار الكمال لا باعتبار وجود العلم لأن غيره مثله، حينئذٍ لو قلت: ما العالم إلا زيد وثَمَّ عمرو وبكر علماء، ماذا عنيت؟ عنيت الكمال، إذا هنا التخصيص إضافيّ وليس بنسبيّ. إذًا الحقيقي ما كان التخصيص فيه بحسب الحقيقة بحيث لا يتجاوز المقصور ما قصر عليه لغيره، والإضافي ما كان التخصيص فيه بحسب الإضافة إلى شيء آخر يعني بملاحظة وصف أو بملاحظة موصوف لا مطلقًا من كل وجه من حيث إثبات الصفة أو النفي عن الموصوف.

стр. 160

مَثَّلوا للحقيقي بقولهم: إنما السعادة للمقبولين. يعني الذي قُبِلَ هو الذي يكون سعيدًا، أي أن السعادة مختصة بالمقبولين بحيث لا تتجاوزهم إلى غيرهم فهذا قصر حقيقيّ، قصر صفة على الموصوف. والسعادة تختص بِمن؟ بمن قَبِلَهُ الله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] إذا السعادة منحصرة فيهم، هل توجد السعادة في غيرهم؟ الأصل لا، والسعادة التي يَدَّعِيها مَنْ يَدَّعِيهَا هذه سعادة موهومة، وإنما هم في أهل الإيمان والعمل الصالح.

стр. 161

ومَثَّلوا للإضافي بقولهم: إنما العالم زيد. جواب لمن قال: زيد وعمرو كل منهما عالم. (وَذَا ** نَوْعَانِ). (وَذَا) إذا عرفنا قوله: (القَّصْرُ نَوْعَانِ حَقِيقِيٌ ** وَالثَّانِي إضَافِيٌّ)، (وَذَا ** نَوْعَانِ) ثم قال: (كَذَا) كل من الحقيقي والإضافي ينقسم إلى قسمين، وقوله: (ذَا)، (وَذَا) أي الحقيقيّ المشار إليه الحقيقي (نَوْعَانِ)، (وَالثَّانِي إضَافِيٌّ كَذَا) أي أن الإضافي نوعان كما أن الحقيقية نوعان (كَذَا) أي مثله مثل (ذَا) أي المذكورة وهو الحقيقي بكونه على نوعين الإضافي كذلك. ثم أشار إلى نوعي كل منهما في قوله: (فَقَصْرُ صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ) الفاء هذه فاء الفصيح لأنه أفصحت عن جواب الشرط مقدر، إذا علمت أن القصر الحقيقي نوعان وأردت معرفة كل منهما (فَقَصْرُ) يعني فأولهما قصر، قصر (صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ)، (قَصْرُ صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ) أولهما (قَصْرُ صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ) وهو أي قَصْرُ الصفةٍ على الموصوف (وَعَكْسُهُ) الذي هو قصر الموصوف على الصفة، عندنا أمران صفة وموصوف، صفة القيام والموصوف كزيد أو عمرو، إما أن تقصر الصفة على الموصوف، وإما أن تقصر الموصوف على الصفة، ما حقيقة كل منهما (فَقَصْرُ صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ) نقول: حقيقة هذا النوع ألا تتجاوز صفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر. إذا قصرنا الصفة على الموصوف حينئذٍ إذا قلنا: ما زيد إلا عالم. حينئذٍ قصرنا قصر وصف العلم على زيد، ما العالم إلا زيد، قصرنا صفة العلم على زيد، هل هذه الصفة العلم تتعدَّى زيد في هذا النوع؟ لا، وإنما تختص به ولا تتجاوزه إلى غيره، وهو ألا تتجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر. لكن زيد هل له صفات أخرى؟ نعم له صفات أخرى. إذا الحديث عن قصر الصفة بعينها، أما الصفات الأخرى هذا قد يكون موصوفًا بصفات أخرى، وإنما يكون التخصيص تخصيص شيء بشيء باعتبار صفة معينة التي يُنَصّ عليها، وأما ما عداها يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات أخر. واضح هنا؟ (فَقَصْرُ صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ) بأن هذه الصفة لا تتجاوز يعني لا تتعدَّى يعني لا يتصف بها غير المقصور عليه، هل للمقصور عليه بهذه الصفة له صفات أخرى؟ نقول: نعم، يجوز له لأن يكون له صفات أخرى، فقصر هذه الصفة لا يلزم منه نفي ما عداها من الصفات، والمراد بالصفة هنا (فَقَصْرُ صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ) المراد بها الصفة المعنوية، لأن الصفة قد يراد بها النعت، هل المراد بها النعت؟ الجواب: لا. لأن النعت: هو التابع المشتق أو المؤول بالمشتق. هل المراد بالصفة هنا الصفة النحوية النعت النحوي؟ الجواب: لا، وإنما المراد به الصفة المعنوية، يعني المعنى القائم بالغير، سواء دُلّ عليه بمشتق أو بغيره، قد يجتمعان وقد يفترقان. إذًا المراد بالصفة هنا صفة معنوية، وعبَّر هو بالصفة وبعضهم يُعَبِّرُ بالوصف وكلاهما واحد، حينئذٍ الوصف المعنوي أي المعنى القائم بالغير كالجود والكرم والعلم والْحُسْن ونحو ذلك.

стр. 162

نقول: هذه أوصاف وهي معان قائمة بالغير هي المرادة هنا، أي المعنى القائم بالغير كالجود والكرم ونحوهما، لا النعت النحوي بعني التابع الذي يدل على معنى في متبوعه غير الشمول، وهذا يبحث عنه النحاة. قد يجتمع هنا يصدق عليه الصفة المعنوية وقد لا، فبينهما وخصوص من وجه، بمعنى أنه يجتمعان في مادة، عندنا العموم والخصوص نوعان، عموم وخصوص مطلق، وعموم وخصوص وجهي، المطلق نحتاج إلى مادتين: مادة الاجتماع، ومادة افتراق الأعم عن الأخص. ومثل قولهم: كل قول لفظ من غير عكس، هذا بينهما العموم والخصوص المطلق، فنحتاج إلى مثال في كونه قولاً ولفظ كزيد هذا قولاً ولفظًا، ويحتاج إلى مثال يصدق عليه الأعمّ الذي هو اللفظ ولا يصدق عليه الأخص الذي هو القول، وهو (ديز) مقلوب زيد، لأنه لفظ وليس بقولٍ، هنا قال: العموم والخصوص الوجهي نحتاج إلى ثلاثة مواد، مادة الاجتماع، ومادة افتراق الأعم عن الأخص، ومادة افتراق الأخص عن الأعم. فالعموم والخصوص المطلق نحتاج إلى مثالين مادتين صورتين، والعموم والخصوص الوجهي نحتاج إلى ثلاث مواد يعنى ثلاث صور ثلاث أمثلة، مادة الاجتماع يصدق عليه الأعم والأخص، ومادة يفترق فيها الأعم عن الأخص، ومادة يفترق فيه الأخص عن الأعم. النعت النحوي أو الوصف النحوي مع الصفة المعنوية التي يعنيها البيانيون هنا بينهم العموم والخصوص الوجهي، فهذا أعم معنى من النعت النحوي لتصادقهما على العلم في نحو: أعجبني هذا العلم. على تأويل العلم لأنه جامد الأصل أنه لا يكون نعتًا، وتفارقهما في مثل: العلم حسن. هذا يصدق علي ماذا؟ وصف معنوي وليس بنعت نحوي لماذا؟ لكونه خبرًا لكونه هذا حسن زيد حسن زيد مبتدأ وحسنٌ خبر، هو وصف معنوي لكنه ليس بنعت، وصف معنوي وليس نعتًا نحويًّا، ومررت بهذا الرجل. قالوا: هذا نعت نحوي لكن على التأويل، لأنه جامد لا بد أن يؤول بمشتق، الرجولة ونحوها. مررت بهذا الرجل، إذًا هذا يعتبر نعتًا نحويًّا ولا يكون وصفًا معنويًّا، وهذا النوع أعني قصر الصفة على الموصوف كثير في لسان العرب نحو: ما في الدر إلا زيد. هذا قصر صفة على موصوف، والمراد هنا القصر قصر الكينونة، والثبوت والوجود على زيد، وهذا يحتمل أن يكون حقيقيًّا لئلا يوجد في الدار إلا زيد، تنظر ليس في الدار تقول: ما في الدار إلا زيد قصرت الكينونة في الدار على زيدٍ، يكون حقيقيًّا متى؟ إذا لم يكن معهم مشارك وقد يكون إضافيًّا إذا قصدت بأن الذي له الوجود المعتبر هو زيد، ومن عداه وجود وعدمه سواء. تقول: ما في الدر إلا زيد. واضح هذا؟ فيحتمل هذا المثال لأن يكون حقيقيًّا أو يكون إضافيًّا أعني قصر الصفة على الموصوف نحو كثير هذا نحو: ما في الدار إلا زيد بما يقصد به المبالغة لعدم الاعتداد بغير المذكور حتى كأنه كالعدم، ويحتمل أنه المراد به الحقيقي إذا لم يوجد معه أحد البتة.

стр. 163

(فَقَصْرُ صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ) عرفنا المراد (قَصْرُ صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ) ألا تتجاوز هذه الصفوة موصوفها، يعني تختص به، ولا يَمْنَع أن يكون الموصوف صفات أخر غير الذي ثبت له، عكسه (وَعَكْسُهُ) أي قصر الموصوف على الصفة (عَكْسُهُ) أي خلاف العكس المراد به هنا العكس اللغوي، ليس العكس الاصطلاحي الذي تحدث عنه المناطقة، والعكس لازم، (وَعَكْسُهُ) أي عكس (قَصْرُ صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ) هو قصر الموصوف على الصفة، (عَكْسُهُ) أي عكس المذكور الأول وهو قصر الصفة على الموصوف هذا هو عين الأول خلافه الذي يقابله قصر الموصوف على الصفة، وهو حقيقته ألا يتجاوز الموصوف تلك الصفة إلى صفة أخرى، الموصوف ليس له صفة إلا هذه الصفة، لكن يجوز أن تكون تلك الصفة لموصوف آخر عكس السابق، هنا إلا يتجاوز الموصوف يعني المقصور عليه ألا يتجاوز تلك الصفة لكن هذه الصفة يجوز أن تكون لموصوف آخر (مِنْ نَوْعِهِ) المعروف وهي الأربعة أقسام الآتية يعني عند البيانين، (مِنْ نَوْعِهِ) المعروف: المعروف عند من؟ عند أهل المعاني الصادق بفردية أعني الحقيقي والإضافي، فالأول من الحقيقي إذا علمنا الآن أن عندنا قصر صفة على موصوف هذا نوع، وعندنا قصر موصوف على صفة وكل منهما إما حقيقيّ وإما إضافيّ، فعندنا قصر موصوف على صفة حقيقي. وقصر موصول على صفة إضافي. وقصر صفة على موصوف حقيقي. وقصر صفة على موصوف إضافي. حينئذٍ القسمة رباعية، ولذلك قال بعض الشراح: (وَعَكْسُهُ مِنْ نَوْعِهِ المَعْرُوفِ) وهي الأربعة الأقسام الأربعة الأنواع: فالأول من الحقيقي وهو قصر الصفة على الموصوف كما مرّ في المثال السابق (ما في الدار إلا زيد) قصرنا صفة الكينونة على زيد. والثاني من الحقيقي وهو قصر الموصوف على الصفة نحو: (ما زيد إلا كاتب)، إذا أردنا أنه لم يتصف إلى بوصف بالكتابة هذا كمثال فقط، وإلا ليس بصحيح، يعني زيد ليس له أي صفة أخرى فقط كاتب، لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا .. إلى آخره، فنُفِيَتْ عنه جميع الصفات ولم يكن له إلا صفة واحدة، وهذه الصفة كما أنها مقصورة عليه لا يمنع أن تكون لموصوف آخر عمرو وخالد .. إلى آخره، قصر الموصوف على الصفة (نحو ما زيد إلا كاتب) إذا أريد أنه لا يتصف بغير الكتابة يعني ينقسم الحقيقي أي لا صفة له غيرها، لا صفة لزيد غير الكتابة، إذا أريد بأنه من قصر الموصوف عل الصفة قصرت زيد من الناس على وصف واحد وهو الكتابة ولا يتعداه البتة، يعني لا يوصف بأي وصف آخر غير الكتابة، وأما الكتابة فهي صفة لزيد ولغيره وهو عزيز لا يكاد يوجد، هذا غير موجود، وهو عزيز لا يكاد يوجد هكذا قال السيوطي في ((عقود الجمان)) لتعذر الإحاطة بصفات الشيء حتى يمكن إثبات شيء منها ونفي ما عداها بالكلية، ويمكن وجه آخر وهو أحسن أن يقال: ما من موجود يتصور وجوده إلا وهو متصف بصفات المتعدى ليس له صفة واحدة، يعني كونه موجود هذه صفة، كونه إنسان صفة أخرى، فكيف يقصر على صفة واحدة؟ واضح هذا؟ يعني كونه موجودًا هذه صفة، كونه إنسانًا هذه صفة أخرى يكفي هذا، يكفي في كونه يتصف غير صفة الوجود مثلاً.

стр. 164

فأقسام القصر أربعة، لأنه قصر حقيقي وغير حقيقي وهو الإضافي كما مر، وكل واحد منهما ضربان: قصر موصوف على الصفة. وقصر الصفة على الموصوف. والأول من الحقيقي كقولك في ما مرّ: ما زيد إلا كاتب. إذا أردت ألا يتصف بصفة غير الكتابة، يعني لا صفة له غيرها، وهذا لا يكاد يوجد في الكلام لأنه ما من متصور إلا وتكون له صفات تتعدّى الإحاطة بها أو تعسر، والثاني منه يعني قصر الصفة على الموصوف حقيقي ما في الدار إلا زيد، ومرّ معنا، والفرق بينهما ظاهر فإن الموصوف في الأول لا يمتنع أن يشاركه غيره في الصفة المذكورة: ما زيد إلا كاتب. وقصر الموصوف على الصفة، قلنا: هذا نادر. لكن هل يمكن أن يشاركه غيره؟ نعم، والثاني الذي: ما في الدار إلا زيد يمتنع مشاركته غيره له. إذا قلت: ما في الدار إلا زيد. يعني لا يوصف بالوجود في الدار إلا واحد فقط وهو زيد، هذا يمتنع أن يشاركه غيره، لماذا؟ لأنه من قصر الصفة على الموصوف، وأما قصر الموصوف على الصفة فهذا لا يمتنع الشركة: ما زيد إلا كاتب. إذًا غير زيد كاتب كذلك يوصف بالكتابة، ومثال الأول من الإضافة [قصر الصفة] لا قصر الموصوف على الصفة: ما زيد إلا كاتب، لمن اعتقد اتصافه بالكتابة والشعر، يعني ما زيد إلا كاتب يحتمل أن يراد به ماذا؟ الحقيقي، قلنا: هذا ممتنع لكن له وجه آخر يعني اللفظ جائز لكن باعتبار آخر وهو أنه يكون في مقابلة ماذا؟ في مقابلة من اعتقد أنه كاتب يعني كصحفي مثلاً وشاعر، حينئذٍ نقول: ما زيد إلا كاتب. يعني لا شاعر، حينئذٍ ما زيد إلا كاتب لمن اعتقد اتصافه بالكتابة والشعر فجاز التركيب، أما كونه من قصر الموصوف على الصفة وهو حقيقي، لا، وإنما يكون من الإضافي. ومثال الثاني منه يعني قصر الصفة على الموصوف: ما كاتبٌ إلا زيد. انتبه أن المقصور عليه هو الذي يكون بعد إلا، هذا في ما إلا، وأما في إنما فهو الذي يكون متأخرًا ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ﴾ [النساء: ١٧١] حصرت الله قصرته على الإلوهية ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، ما زيد إلا عالم، المقصور عليه عالم، ما عالم إلا زيد المقصور عليه زيد، واضح هذا؟ إذًا ما بعد إلا هو المقصور عليه، وأما في (إِنَّمَا) فإنما يكون المتأخر، إنما زيد عالم. المقصور في عالم، إنما العالم زيد المقصور في زيد، واضح؟ انتبه! إذا المثال الثاني منه أي قصر الصفة على الموصوف ما كاتب إلا زيد عكس الأول. الأول قلنا ما زيد إلا كاتب هنا قصر الصفة على الموصوف ما كاتب إلا زيد، زيد هو الموصوف وقصرت عليه صفة الكتابة، هذا لمن اعتقد اشتراك زيد وعمرو في الكتابة، لمن اعتقد أن زيد من الناس عمرًا اشتركا في الكتابة وعمر ليس بكاتب، حينئذ تقول: ما كاتب إلا زيد. جعلت زيدًا الموصوف مقصورٌ عليه وصف الكتابة هذا من في مقابلة من اعتقد الاشتراك بين زيد وعمرو، ما كاتب إلا زيد لمن اعتقد اشتراك زيد وعمرو في الكاتبة ويسمى هذا قصر إفراد. القصر للإضافي ثلاثة أنواع:

стр. 165

(قصر إفراد، وقصر قلب، وقصر تعيين) وهذه الثلاثة إنما هي متعلقة بالإضافي دون الحقيقة، إذا كان في مقابلة من اعتقد الشَّرِكَة يكون إفرادًا، يعني من اسمه، القلب فيه قلب، والتعيين في تعيين، والإفراد فيه إفراد. إذًا إذا اعتقد الشَّرِكَة بين زيد وعمرو في الكتابة وواحد منهما ليس كذلك (ما كاتب إلا زيد) هذا يسمى قصر إفراد، ويسمى هذا قصر إفراد وهو تخصيص أمر بأمر دون آخر جوابًا لمن اعتقد اشتراكهما فيه. وهذا هو القسم الأول من الإضافي. الثاني قصر القلب: وهو تخصيص أمر بأمر مكان آخر اعتقد السامع فيه العكس، قلب يعني تقلب عليه هو اعتقد أن العالم زيد وهو ليس بزيد إنما هو عمرو، حينئذ تقلب عليه الاعتقاد، مثال في قصر الموصوف ما زيد إلا عالم لمن اعتقد أنه جاهل يعني هو المتعلَّق واحد لكن الصفة تختلف، إذا اعتقد ... [أن زيد عالمًا] (١) أن زيد جاهل حينئذ تقلب عليه تقول: (ما زيد إلا عالم) هذا قصر الموصوف على الصفة لمن أعتقد أنه جاهل. ومثاله في قصر الصفة على الموصوف (مَا الْعَالِمُ إِلا زَيْدٌ) لمن اعتقد أن العالم عمرو. إذًا قد يكون في قلب قصر صفة على الموصوف لمن ادَّعَى بأن زيدًا جاهل فتقلب عليه، أو ادَّعَى أن العالم عمرو وليس بزيد فتقلب عليه. والثالث قصر التعيين وهو تخصيص أمر بأمر مكان آخر أشكل على السامع تعيين أحدهما. يعني جوز الأمرين، قال: زيد شاعر أو كاتب. يحتمل هذا وذاك تأتي تعيِّن له مَا زَيْدٌ إِلا شَاعِرٌ، أَوْ إِلا قَائِمٌ. مثالٌ في قصر الموصوف مَا زَيْدٌ إِلا قَائِمٌ لمن تردد في قيامه وقعوده، زيد قائم أم لا؟ تردد لم يُعَيَّن له فتأتي بالقصر من أجل التعيين، هو جوَّز الأمرين وتصور الطرفين حينئذٍ تأتي بقولك: مَا زَيْدٌ إِلا قَائِمٌ من أجل الجواب عنه. ومثال في قصر الصفة (مَا قَائِمٌ إِلا زَيْدٌ) لمن تردد في أن القائم زيدٌ أو عمرٌو (ما قائمٌ إلا زيدٌ) فهذه الأقسام الثلاثة الإفراد والقلب والتعيين إنما هي خاصةٌ بالإضافيّ دون الحقيقيّ. فَقَصْرُ صِفَةٍ عَلَى المَوْصُوفِ ... وَعَكْسُهُ مِنْ نَوْعِهِ المَعْرُوفِ طُرُقُهُ النَّفْيُ وَالاِسْتِثْنَا هُمَا ... وَالْعَطْفُ وَالتَقْدِيمُ ثُمَّ إِنَّمَا

стр. 166

فيما مر تخصيص شيءٍ بشيءٍ بطريقٍ، ما هو هذا الطريق؟ يعني إذا أردنا التخصيص كيف نأتي به؟ بأي كلام بأي تركيب؟ الجواب: لا، العرب لها طرق أربع مشهورة في القصر تخصيص شيء بشيء، قصر صفة على موصوف أو العكس، وهذه المشهورات وغيرها زِيد عليها لكنها ليست مشهورة، فـ (طُرُقُهُ) يعني طرق القصر جمع طريق، يعني السبيل الذي يكون إلى القصر كيف يكون أربعة على ما ذكره الناظم: (النَّفْيُ وَالاِسْتِثْنَا) طريق واحدة هذا ليس النفي طريقًا والاستثناء طريقًا، لا، إنما اجتماعهما معًا هما طريق واحد ولذلك قال: (هُمَا). يعني معًا طريق واحد. فقوله: (هُمَا) هذا دفع لوَهَمٍ قد يتوهم فيه الطالب بأن النفي طريق، والطريق الثاني (الاِسْتِثْنَا)، فدفع هذا الوهم قال: لا. (طُرُقُهُ النَّفْيُ وَالاِسْتِثْنَا هُمَا) معًا طريق واحد كما مر معنا في الأمثلة السابقة، مَا قَائِمٌ إِلا زَيْدٌ، مَا نافية وإلا استثنائية. (هُمَا) طريق واحد والمراد بالنفي هنا أحد أدواته سواء كان حرفًا أو كان اسمًا أو كان فعلاً، ليس زَيْدٌ إِلا قَائِمًا، نفي هنا ليس فعل غير زيد إلا قَائِمٌ هذا الاسم، و (الاِسْتِثْنَا) المراد به إلا على جهة الخصوص، مثال في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا ما زَيْدٌ إِلا شَاعِرٌ، هنا قصر الموصوف على الصفة ولذلك جاءت الصفة بعد إلا وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وقلبًا مَا زَيْدٌ إِلا قَائِمٌ، وفي قصر الصفة على الموصوف إفرادًا مَا شَاعِرٌ إِلا زَيْدٌ، وقلبًا مَا الْعَالِمُ إِلا زَيْدٌ لمن اعتقد أن العالم عمرو، يقال فيها ما قيل فيما سبق، لا نقف مع كل مثال، والكل يصلح مثالاً للتعيين والتفاوت إنما هو بحسب اعتقاد المخاطب. يعني: إذا قلت: مَا زَيْدٌ إِلا قَائِمٌ هذا يحتمل أنه إفراد أو قلب، والذي يعين هو ما يكون باعتقاد المخاطب، والذي يُظهر اعتقاد المخاطب وهو غيب ما يكون من القرائن والأحوال، هل المخاطب يُنْكر؟ هل المخاطب ادعى شيئًا فتقلبه عليه؟ هل شك في أمرين وعَيَّن؟ هذا كله باعتبار المخاطب.

стр. 167

وتحقيق القصر في قصر الموصوف على الصفة هنا في ما وإلا كيف جاء القصر؟ كيف جاء التخصيص؟ ما وجهه؟ قالوا: أنه إذا قيل مثلاً: مَا زَيْدٌ. قبل أن تقول: إِلا قَائِمٌ لو قلت: مَا زَيْدٌ. توجه النفي هنا إلى أي شيء؟ عندنا أمران إما ذات زيد، وإما صفة زيد. الذوات لا تنفى، وإنما الذي ينفى أوصاف الذوات، ولذلك ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يعني نكاحًا لأن لا يتعلق تحريم بالذوات، فـ مَا زَيْدٌ هنا احتمالان أن الذي ينفى الذوات. قلنا: هذا ممتنع. بقي ماذا؟ بقي الصفة. من الصفات ما هو متفق عليه ولا يتعرض له كطوله مثلاً أو قصره أو نحو ذلك، ومنه ما قد يختلف فيه النظر كالشاعرية والكتابة، حينئذٍ يتعين الثاني دون الأول. فإذا قلت: مَا زَيْدٌ. توجه النفي إلى صفته لا إلى ذاته، لماذا؟ لأن نفي الذوات يمتنع نفيها، وإنما ينفى صفاتها، لأن الذي يمتنع نفيه يعني: لا يوجد، أن لا يوجد ولذلك نقول مثلاً إذا قيل: لا زَيْدٌ فِي الدَّارِ وَلا عَمْرٌو. يعني: وجود زيد وليس المراد ليس بزيد وإنما وجود زيد، وحينئذٍ لا نزاع في طوله وقصره ونحوهما من الصفات لأنه متفق عليه عمرو ثابت تراه طويلاً، والأصل في الناس يتفقون على أن الطويل طويل وعلى أن القصير قصير لا يختلفون، قد يقع اختلاف باعتبار الناظر، وإنما النزاع في كونه شاعرًا أو كاتبًا حينئذٍ تناولهما النفي، ما زيد المقصود به الكتابة أو الشاعرية. ثم إذا قال: إِلا شَاعِرٌ. جاء التخصيص والقصر حينئذٍ قوله: إِلا شَاعِرٌ. إذا كان المقابل بقصره هنا الموصوف على الصفة في كون عمرو مثلاً شاعر وهو ليس بشاعر، وإنما أردت قصر الموصوف على هذا الوصف. فإذا قلت: مَا زَيْدٌ شَاعِرٌ أَوْ كَاتِبٌ حينئذٍ قلت: إِلا شَاعِرٌ. حصل التخصيص بكون زيدًا شاعرًا لا غير كما في الآية السابقة ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ إذًا النزاع في كونه شاعرًا أو كاتبًا تناولهما النفيّ، فإذا قيل: إلا شاعر. جاء القصر. إذًا الصفة التي جاءت بعد إلا مع مقابلها هي التي دخل عليها النفي. يعني: النفي ما زيد لم يدخل على الذات لما عرفنا لم يدخل على الصفات المتفق عليها وإنما دخل على الصفات المتنازع فيها، فلما جاءت إلا بالتنصيص على إحدى الصفات حصل القصر وجاء القصر. هذا في قصر الموصوف على الصفة.

стр. 168

وفي قصر الصفة على الموصوف أنه متى قيل: مَا شَاعِرٌ. فأُدْخِل النفي على الوصف الْمُسَلَّم ثبوته يعني: متفق على أن هذا الوصف مُسَلَّمٌ لكن محله زيد أو عمرو؟ هو الذي وقع فيه النزاع، فأُدْخِلَ النفي على الوصف الْمُسَلَّم ثبوته أعني الشعر لغير من الكلام فيهما كزيد وعمرو مثلاً، توجه النفي إليهما، إذا كان الحديث أو المقام يقتضي أن يكون بين ذاتين والمراد بهما زيد أو عمرو حينئذٍ مَا شَاعِرٌ توجه النفي إلى وصف زيد بالشاعرية أو وصف عمرو بالشاعرية، فإذا قلت: إِلا زَيْدٌ. حينئذٍ أخرجت عمرًا فقصرت الحكم على زيد. فإذا قيل: إلا زيد. جاء القصر (طُرُقُهُ النَّفْيُ وَالاِسْتِثْنَا هُمَا) طريق واحد لا اثنين هذا هو الطريق الأول وهو أقواها في القصر هو هذا النوع، ولذلك جاء لا إله إلا الله، جاءت على أعلى درجات القصر، لا معبود بحق إلا الله، وكل ما يأتي ما عداها في القرآن فإنما يكون مرتبة ثانية ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] إله واحد، هو حصر وقصر لكنه ليس في القوة كـ لا إله إلا الله، (وَالْعَطْفُ) هذا النوع الثاني أي: ومن طرق القصر العطف بلا أو بل، هذا المراد به هنا (بل، لا) فكقولك في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا. زَيْدٌ شَاعِرٌ لا كَاتِبٌ، هنا قصر الموصوف على الصفة [وقلبًا] إفرادًا وقلبًا زَيْدٌ قَائِمٌ لا قَاعِدٌ لمن يعتقد العكس، فإن لا العاطفة نفت في الأول الكتابة عن زيد وقد أثبتت له الشعر أولاً، فحصلت قصر زيدٍ أي: حبسه على الشعر وعدم مجاوزته للكتابة، زَيْدٌ شَاعِرٌ لا كَاتِبٌ، لا أثبتت ونفت، أثبتت ماذا؟ الشاعرية لزيد، ونفت عنه وصف الكتابة. وفي الثاني زَيْدٌ قَائِمٌ لا قَاعِد نفت لا القعود عنه، زيد قائم لا قاعد نفت عنه القعود، وقد أثبتت له القيام أولاً قبل النفي وحَصَّلَت قصره على القيام وقلبت اعتقاد المخاطب كونه قاعدًا. ومثل لا بل، فقولك: بقصر الموصوف على الصفة إفرادًا: مَا زَيْدٌ قَائِمًا بَلْ قَاعِدٌ. هي حصر وقلبًا: ما عمرو شاعر بل زيد. وتقول في قصر الصفة على الموصوف إفرادًا وقلبًا في العطف بـ لا: زيد شاعر لا عمرو. لمن اعتقد أن عمرًا شاعر لا زيد فيكون قصر إفرادٍ، أو اعتقد أن عمرًا شاعر لا زيد فيكون قصر قلب يعني: باعتبار المخاطب، إن كان المراد به قلب حينئذٍ صار قصر قلب، إن كان فيه تشريك فحينئذٍ صار قصر إفرادًا. وتقول في قصر الصفة على الموصوف إفرادًا في العطف بـ بل: لَيْسَ عَمْرًا شَاعِرًا بَلْ حَامِدٌ هنا نفيت ما قصرت الصفة على الموصوف وقلبًا: ما زيد قائمًا بل قاعد. إذًا العطف بـ لا أو بـ بل في النوعين قصر الصفة على الموصوف أو قصر الموصوف على الصفة يعتبر طريقًا من طرق القصر، وتبين المسائل كما مضى.

стр. 169

(وَالتَقْدِيمُ) أي من طرق القصر تقديم ما حقه التأخير وهذا مرّ معنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] هذا فيه تقديم المعمول على عامله، وهو أسلوب من أساليب القصر والحصر، تقديم ما حقه التأخير كتقديم المعمول على العامل فإنه يفيد الحصر، نحو: بنا مَرَّ. مرَّ زيد بنا، بنا لا بغيرنا. فيه قصر الصفة على الموصوف، وتَمِيمِيٌّ أَنَا يعني: لا قيسيّ. تَمِيمِيٌّ أَنَا هنا قدَّم الخبر على المبتدأ، تَمِيمِيٌّ هذا خبر مقدم وأَنَا مبتدأ مؤخر في قصر الموصوف على الصفة، أي لا قيسي ليس من قيس. إما قصر تعيين وذلك إذا قلته لمخاطب يدَّعِي أنك من قيس تردد أو من تميم من غير ترجيح، وإما قصر قلب إذا قلت لمخاطب يدعي أنك من قيس، وتَمِيمِيٌّ أَنَا، ولا يصلح مثال لقصر الإفراد بتنافي الوصفين، يعني لا يعتقد أنك تميمي وقيسي في وقت واحد، تحتاج إلى تعيين وهذا لا يتأتى، ومثاله قول: شَاعِرٌ أَنَا. لمن اعتقدك شاعرًا أو كاتبًا، واضح هذا؟ (وَالتَقْدِيمُ) يعني بما حقه التأخير، والمثال الأشهر ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ... ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ﴾ [المائدة: ٢٣] فتوكلوا على الله، سواء كان المقدم مفعولاً به أو جارًا ومجرورًا أو غيره كما مر بالأمس زَيْدًا ضَرَبْتُ، يعني لا غيره. زَيْدًا ضَرَبْتُ لا غيره. (ثُمَّ) للترتيب الذكري (إِنَّمَا) يعني ومن طرق القصر (إِنَّمَا) بكسر الهمزة أثبته الجمهور ونفاه كثير، يعني فيه خلاف (إِنَّمَا) أَنَّمَا أثبتها الزمخشري. ومثال قصر الصفة على الموصوف إفرادًا بـ إنما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]. وعرفنا أن المقصور يأتي متأخرًا، وقلبًا إنما زيد قائم. وقصر الصفة على الموصوف إفرادًا وقلبًا: إنما قائم زيد. قصر الصفة على الموصوف. هذه الطرق الأربعة هي المشهورات عند البيانيين، يعني: الحصر والقصر إنما يكون بـ (النفي والاستثناء، والعطف، والتقديم لما حقه التأخير، وإنما). فهذه الطرق الأربعة منها بعد ما عرفناها ما يدل على القصر بالوضع، ومنها ما يدل على القصر بفحوى الكلام يعني: بالمفهوم مع دلالة العقل، ولذلك قال الناظم: (دِلالَةُ التَّقْدِيمِ بِالفَحْوَى) يعني بمفهوم الكلام ليس بالنص، (وَمَا ** عَدَاهُ بِالْوَضْعِ) يعني: بوضع العرب لهذا المعنى هذا التركيب، ووضعت العرب (ما) و (إلا) منطوقًا بهما لإفادة القصر، و (إنما) منطوق بها لإفادة القصر، و (لا) و (بل) لإفادة القصر بأنواعه، بقي ماذا؟ التقديم، التقدِيم العرب لم تقدم وتؤخر في الأصل، وإنما وضعت الترتيب العام الذي يسمى الوضع النوعي، ثم إذا قدم وأخر المتكلم فحينئذٍ يكون شيئًا من عند نفسه أراد به معنًى تعلق في ذهنه وهو الحصر والقصر. إذًا الذي يُفهم من دلالة التقديم من حيث كونه قصرًا إنما هو بالعقل يعني: فحوى الكلام. والذي يُفهم من دلالة القصر لبقية الأنواع الثلاث حينئذٍ نقول: هذا بالوضع. والمسألة طويلة عريضة في كتب البيانيين والأصوليين.

стр. 170

قال الناظم: (دِلالَةُ التَّقْدِيمِ بِالفَحْوَى). (دِلالَةُ التَّقْدِيمِ) يعني تقديم ما حقه التأخير على القصر (بِالفَحْوَى) يعني مفهوم الكلام، ولا شك أن عندنا منطوق وعندنا مفهوم، وهما متقابلان (وَمَا ** عَدَاهُ) أي الذي عداه. أي عدا التقديم الوضع، إيش إعراب الوضع؟ خبر ماذا؟ .. ما الذي عدا تقديم فحوى. .. أي؟ الوضع مبتدأ [نعم]؟ . خبر ما، نعم خبر ما، مَا والذي عداه والذي عدا التقديمَ أو التقديمِ يجوز الوجهان، عداه الوضع يعني: والذي عداه يعني: والذي تجاوز التقديم، وهو الثلاثة الأخر النفي والاستثناء والعطف وإنما بالوضعِ نعم متعلق محذوف، والذي عداه كائن بالوضعِ أنا قلت: الوضعُ بالوضعِ كائن بالوضعِ هو خبر لكنه متعلق بمحذوف. إذًا (وَمَا) أي والذي هذا مبتدأ، (عَدَاهُ). أي عدا التقديم وهو ثلاثة (النفي، وإلا، والعطف بـ لا وبمن وإنما)، (بِالْوَضْعِ) أي كائن وثابت (بِالْوَضْعِ) يعني وضع اللغة الذي يسمى الوضع اللغوي، وجزم العقل كذلك لأن العقل يستعمل في الاستنباط فقط، تقول: الأصل موضوعًا (بِالْوَضْعِ) اللغوي ثم العقل له مجال في الفهم. أليس كذلك؟ وَعُرِّفَتْ بِالنَّقْلِ لاَ بِالْعَقْلِ ... فَقَطْ بَلِ اسْتِنْبَاطُهُ ..... هكذا يقول السيوطي في ((الكوكب))، وعُرِفَتْ يعني اللغة. وعرفت بالنقل لا بالعقل بل استنباطه، العقل يستنبط فقط يستنبط من اللغة، فدلالة التقديم على القصر ليست بطريق الوضع، لأنه لم يوضع لمعنى حتى يستدل العقل على إفادته القصر، التقديم أمر معنوي، كونك قدمت وأخرت نقول: هذا شيء معنوي، وإنما بفحوى ومفهوم الكلام، بمعنى أنه إذا تأمل ذو الذوق السليم فيه فهم القصر وإن لم يعرف اصطلاح البلغاء في ذلك. وأما البواقي فإنها تفيده بالوضع، لأن الواضع واضع اللغة على الخلاف فيه ووضعها لمعاني تفيد القصر، فالانتقالُ فيها إليه وضع لا يحتاج إلى تتبع تراكيب البلغاء. فحينئذٍ نقول: مفهوم القصر من التقديم مدرك بالعقل، يعني فحوى الكلام، والقصر من بقيت الثلاثة مدرك (بِالْوَضْعِ) يعني العرب وضعت هذه الألفاظ للدلالة على القصر، وأما التقديم فلم تضعه العرب ابتداءً وإنما فهمه الناظر أو السامع من فحوى الكلام. ثم قال: (وَأَيْضًا مِثْلَ مَا

стр. 171

الْقَصْرُ بَيْنَ خَبَرٍ وَمُبْتَدَا ** يَكونُ بَيْن فاعِلٍ) وفعل (بين فعل وفاعل) إلى هنا ينتهي البيت (١) (وَأَيْضًا مِثْلَ مَا الْقَصْرُ بَيْنَ خَبَرٍ وَمُبْتَدَا) يعني مثل ما يكون القصر بين خبر ومبتدأ، وهذا عرَّجنا عليه في أول البحث يعني يكون القصر بين مبتدأ وخبر وهذا واضح. قال: كذلك يكون بين فعل وفاعل. ما قام إلا زيد هذا حصل القصر بين ماذا هنا؟ بين الفعل والفاعل ما زيد إلا قائم بين مبتدأ وخبر هذا مراده بالبيت، (وَأَيْضًا) مصدر آضَ إذا رجع منصوب على المفعولية المطلقة دائمًا والعامل فيه محذوف وجوبًا (مِثْلَ مَا) مثل الذي يكون القصر بين خبر ومبتدأ كما تقدم الأمثلة السابقة يكون بين فعل وفاعل نحو: ما قام إلا زيد. وغيرها كالفاعل والمفعول نحو: ما ضرب عمرًا إلا زيدٌ. والمفعولين كذلك ما أعطيت زيدًا إلا درهمًا يعني لم أعطيه شيئًا من الأشياء إلا درهمًا وغير ذلك من المتعلقات. إذًا القصر يكون في الجملة الاسمية بين المبتدأ والخبر، ويكون في الجملة الفعلية. يكون بين ركني الإسناد المبتدأ والخبر، وفعل وفاعل، ويكون بين متعلقات كذلك كالحال وبنا جار ومجرور. ثم قال: ............... ... ................. وَمَا بَدَا مِنْهُ فَمَعْلُومٌ وَقَدْ يُنَزَّلُ ... مَنْزِلَةَ المَجْهُولِ أَوْ ذَا يُبْدَلُ خليكم معي (وَمَا بَدَا مِنْهُ) يعني والذي ظهر (بَدَا) بمعنى ظهر (مِنْهُ) أي من القصر. (فَمَعْلُومٌ) أي: جار على مقتضى الظاهر. والمراد - انتبه لهذه المسألة - أن أصل النفي والاستثناء أن يكون لمخاطب يجهل ما استُعْمِل له، إذا استعملت القصر بما وإلا الأصل أن يكون المخاطب يجهل ما استعمل فيه ما وإلا، وهو إثبات الحكم المذكور إن كان قصر إفراد أو نفيه إن كان قصر قلبٍ وينكره. إذًا المراد هنا أن المخاطب إنما يخاطب بشيءٍ يجهله. إذًا هذا الأصل بخلاف إنما فإن أصله أن يكون الحكم مما يعلمه المخاطب. إذًا إذا قصرت شيئًا بما وإلا فالمخاطب الأصل فيه أنه يجهله، وإذا قصرت بـ إنما فالأصل أنه يعلمه. إن فعلت هذا على هذا النمط فهو على وفق الظاهر، وقد يعكس يعني: يستعمل ما وإلا في المعلوم، ويستعمل إنما في المجهول، واضح؟ إذًا الثاني أن نقول: خرج عن مقتضى الظاهر. ولذلك قال: (وَمَا بَدَا) أي ظهر (مِنْهُ) أي من القصر (فَمَعْلُومٌ) أي جارٍ على مقتضى الظاهر فيما ذكرناه سابقًا، أن أصل النفي والاستثناء لكل مخاطبٍ يجهل ما استُعمل له، والذي استُعمل له ما هو إثبات الحكم المذكور ونفيه على جهة القصر قصر إفراد أو غيره بخلاف إنما فإن أصله أن يكون الحكم من ما يعلمه المخاطب ولا ينكره.

стр. 172

مثال الأول قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [ص: ٦٥]. وقد يخرج عن ذلك فينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب، ولذلك قال:: (وَقَدْ يُنَزَّلُ) (قَدْ) للتحقيق (قَدْ يُنَزَّلُ) ما هو؟ (وَقَدْ يُنَزَّلُ) المعلوم [أحسنت] المعلوم (وَقَدْ يُنَزَّلُ) نائب الفاعل يعود إلى المعلوم (يُنَزَّلُ ** مَنْزِلَةَ المَجْهُولِ)، إذًا (يُنَزَّلُ ** مَنْزِلَةَ المَجْهُولِ) ما الذي يُنَزّل مُنَزّلة المجهول؟ هو المعلوم، إذًا الضمير نائب الفاعل يعود إلى (مَا)، (وَقَدْ يُنَزَّلُ) المعلوم (مَنْزِلَةَ المَجْهُولِ) يجوز فيه الوجهان هذا من ما ينكر عليه، دائمًا تقول يُنَزَّلُ مُنَزلَةَ والشائع عند أهل العلم (يُنَزَّلُ ** مَنْزِلَةَ) وهذا الذي استخدمه هنا أقول: يجوز الوجهان. نَزَلَ مَنْزِلَةَ هذا واضح أنه بالتخفيف، وَيُنَزَّل يجوز فيه الوجهان في المقابل مُنَزَّلَةَ وَمَنْزِلَةَ يجوز فيه التشديد ويجوز فيه التخفيف، (وَقَدْ يُنَزَّلُ ** مَنْزِلَةَ المَجْهُولِ) لاعتبار المناسب يعني لاعتبار المقام فيستعمل له القصر بما وإلا إفرادًا وقلبًا، مثال الإفراد ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] هذه الآية خوطب بها الصحابة والأصل في الاستعمال ما وإلا أن يكون المخاطب يجهل ما دل عليه أو دلت عليه الجملة، وهل الصحابة يجهلون أن محمد رسول؟ يجهلون؟ لا. إذًا هنا نُزِّلَ المخاطب مُنَزّلة من يجهل ما دلت عليه الجملة، واضح هذا؟ الأصل في استعمال ما وإلا أن يكون المخاطب يجهل ما دلت عليه الجملة وهنا هذا الأصل لما كان الخطاب للصحابة يعلمون أن محمدًا ﷺ رسول، إذًا لماذا جيء بما وإلا؟ لا بد من فائدةٍ أخرى، المراد هنا الشاهد أنه استُعمل التركيب في من يَعْلَمُ ونُزِّلَ مُنَزّلة الجاهل، أي هو مقصورٌ على الرسالة هذا كلام السيوطي في ((شرح عقود الجمان)) فيستعمل له القصر نعم ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ أي هو مقصورٌ على الرسالة لا يتعداها. إلى أي وصفٍ؟ إلى التبري من الهلاك، فإنه خطابٌ للصحابة وهو عالمون بأنه غير جامعٍ للرسالة والتبرئ من الهلاك لكنهم لما استعظموا مماته نُزِّلَ مُنَزّلَة إنكارهم إياه فاستُعمل له النفي وإلا، يعني الصحابة ماذا؟ كان يظن بعضهم أن النبي ﷺ لا يعتريه الموت، فلما نزلت الآية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ إذًا هو مقصورٌ على الرسالة ولا يكون مقصورًا على عدم الهلاك، يعني بمعنى أن عدم الهلاك ليس وصفًا مختصًا بالنبي ﷺ فلا يموت، بل هو بشرٌ كسائر البشر فيلحقه الموت، وإنما هو مقصورٌ على الرسالة، والرسالة لا ينافيها الموت. إذًا نُزِّلَ الصحابة لكون بعضٍ قد أنكر أو كاد أن ينكر النبي ﷺ مات نُزِّلَ مُنَزّلة أنه لا يعرف أن النبي ﷺ مختصٌ بالرسالة. إذًا قوله: هو مقصورٌ على الرسالة لا يتعداها إلى التبري من الهلاك.

стр. 173

يعني لا يتبرأ لكونه رسولاً لا يتبرأ من الهلاك الذي هو الموت فإنه خطابٌ للصحابة وهم عالمون بأنه غير جامعٍ للرسالة والتبرئة من الهلاك لكنهم لما استعظموا موته نُزِّلَ مُنَزّلة إنكارهم إياه فاستعمل له النفي وإلا. مثال القلب - يحتاج إلى تأمل - قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] الأول قصر إفرادٍ يعني: قصر على الرسالة دون التبري من الموت هنا قصر قلبٍ ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ فالمخاطبون مَنْ؟ الرُّسل المخاطَبون بهذا الخطاب الرسل، والمخاطِبون هم الكفار ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ فالمخاطَبون وهم الرسل لم يكونوا جاهلين بأنه بشر أليس كذلك؟ لأن الخطاب هنا ﴿إِنْ﴾ هذه الـ (إن إيش نوعها؟ نافية الدليل ﴿إِلاَّ﴾ في جوابها ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ﴾ الأصل في [ما ﴿إِلاَّ﴾] (١) ﴿إِنْ﴾ و ﴿إِلاَّ﴾ أن يكون المخاطب يجهل إذًا الرسل على هذا يجهلون أنه بشر؟ ليس المراد ذلك. لأن الرسل لم يكونوا جاهلين بأنهم بشر ولا منكرين لكنهم نُزِّلُوا مُنَزّلة المنكرين لاعتقاد القائلين لهم اعتقاد وهو الكفار أن الرسول لا يكون بشرًا، أليس كذلك؟ الرسول لا يكون بشرًا مع إصرار المخاطبين وهم الرسل على إدعاء الرسالة، هم أرادوا أن ينفوا الرسالة، لماذا؟ بكونهم بشرًا والرسالة لا تجامع البشرية عندهم. قالوا: ﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: ١٥] إذا كنتم أنتم بشر حينئذٍ لا يكون رسولاً إلا من كان ملك وأنتم لستم ملائكة إذًا أنتم لستم برسل هذه النتيجة. على إدعاء الرسالة فنزلهم القائلون منزلة المنكرين للبشرية لما اعتقدوه من التنافي بين البشرية والرسالة، ثَمّ تنافي في عقولهم بين البشرية والرسالة فقلبوا الحكم فقالوا: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] أي مقصرون على البشرية ليس لكم وصف الرسالة التي تدعونها، وأما إنما فالأصل فيها تستعمل في ما لا يُنكره المخاطَب بأن يكون معلومًا، كقولك إنما زيدٌ أخوك لمن يعلم ذلك ويقر به ترقيقًا عليه، إنما زيدٌ أخوك هو يعلم هذا (أَوْ ذَا يُبْدَلُ) ما هو؟ (ذَا) المشار إليه (أَوْ ذَا)

стр. 174

المجهول [أحسنت] يُبدل بماذا؟ بالمعلوم، وقد يُنَزّل المجهول مُنَزّلة المعلوم كما قال الناظم هنا: (أَوْ ذَا يُبْدَلُ) أي قد ينزل المجهول منزلة المعلوم لإدعاء ظهوره فيستعمل حينئذٍ له إنما، إنما في الأصل للمعلوم، لكن قد نستعمله لماذا؟ للمجهول كقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] قوله تعالى على المنافقين ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ادعوا أن ذلك أمرٌ ظاهر معلوم لأن الحصر بـ إنما يكون لشيءٍ معلوم فإذا قالوا ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ إذًا الصلاح ثابت أمره ظاهر لا يحتاج إلى تنصيص فهم ادعوا أنهم مصلحون فهو أمرٌ ظاهر من شأنه أن لا يجهله المخاطَب ولا ينكره، ولذلك جاء رد يعني لما استعملوا هذا التركيب والأصل فيه أنه للمعلوم حينئذٍ جاء الرد قوي جدًا من الرب جل وعلا، جاء ربه مؤكدًا بـ إن والجملة الاسمية وتعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل وتصدير الكلام بحرف التنبيه الدال على أن مضمون الكلام مما له خطرٌ في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]. لما قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. جاء الرد بماذا؟ ﴿أَلا﴾ حرف تنبيه، ثانيًا: ﴿إِنَّهُمْ﴾ ثالثًا: ﴿هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ تعريف الجزأين، ثم الفصل، والجملة الاسمية. ثم عَقَّبَ ذلك بما يدل على التقريع والتوبيخ وهو قوله: ﴿وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]. إذًا قوله: (وَمَا بَدَا مِنْهُ) يعني والذي ظهر منه (فَمَعْلُومٌ) وهو واضحٌ بين يعني ما يُستعمل للمعلوم وما يُستعمل للمجهول (وَقَدْ يُنَزَّلُ ** مَنْزِلَةَ المَجْهُولِ) ويستعمل المعلوم مرادًا به المجهول (أَوْ ذَا) أي المجهول (يُبْدَلُ) ينزل منزلة المعلوم، والله أعلم. وصلَّى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 175

عناصر الدرس * الباب السادس: الإنشاء. * تعريف الإنشاء الطلبي وأنواعه. * التمني والاستفهام وأدواتهما. * الأمر والنهي وأغراضهما. * تقدير الشرط الجازم بعد هذه الأنواع. * النداء وأغراضه. * مجيئ الخبر بمعنى الطلب والعكس. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: (الْبَابُ السَّادِسُ: الإنْشَاءُ) الباب السادس من الأبواب الثمانية التي ينحصر فيها علم المعاني هو باب الإنشاء الإِنشاء مصدر أَنْشَأَ يُنْشِئُ إِنْشَاءً، وله إطلاقات قد يطلق على نفس الكلام الذي لا يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، لذلك يُعَرَّف على أنه ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته. وعرفنا أن المراد بالصدق هو تطابق الواقع، وعدم مطابقة الواقع هو الكذب. حينئذٍ الصدق المأخوذ في حد الإنشاء هو تعريفه بعينه الصدق الذي أُخِذَ في حدّ الخبر، ولذلك نقول: الكلام يُقَسّم إلى: خبر، وإنشاء. خبر ما احتمل الصدق والكذب لذاته. والإنشاء ما لا يحتملهما. فيطلق الإنشاء على نفس الكلام الذي لا يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، ومر معنا في شرح القويسني لشرح هذه الجملة، كقولك: بعتك هذا بكذا. بعتك هذا عند إنشاء البيع فلا يقال له: صادق أو كاذب. وقد يطلق على ما هو فعل المتكلم. إذًا إما أن يراد به الكلام نفسه، وإما أن يراد به فعل المتكلم. أي إلقاء الكلام الإنشائي. فرق بين الكلام الإنشائي وبين إلقاء الكلام الإنشائي، كما أن الإخبار كذلك، يقال: خبر، وإلقاء الخبر. ففرق بينهما. والأظهر أن المراد هو الثاني يعني: إلقاء الكلام الإنشائي وليس المراد به نفس الكلام. يعني: الباب السادس الإنشاء. ما المراد بالإنشاء قبل الولوج في مسائل الإنشاء؟ هل المراد به مراد الكلام نفسه؟ أو المراد به إلقاء الكلام الإنشائي؟ الثاني، المراد به الثاني، كما يشير إليه قوله: (يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ إِذَا كَانَ طَلَبْ). (يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ) إذًا نقول: هذا يدل على أن المراد به الإلقاء. واعلم أن الإنشاء إما أن لا يكون طلبًا يعني: الإنشاء نوعان: إنشاء طلبي، وغيره. غير طلبي. غير الطلبي الذي لا يكون طلبًا كأفعال المقاربة كاد وأخواتها، وأفعال المدح والذم نعم الرجل زيد هذا إنشاء لكنه ليس طلبيًّا، بئس الرجل عمرو هذا إنشاء لكنه ليس طلبيًّا، وصيغ العقود بعتك واشتريت والقسم ولعل ورُبّ وكم الخبرية ونحو ذلك، هذه كلها إنشاء لكنه من النوع الثاني الذي هو لا يكون طلبيًّا، يعني لا يفهم الطلب كالأمر والنهي. الأمر والنهي فيه شيء من إفهام الطلب فلا يُبحث عنها ها هنا لقلة المباحث البيانية المتعلقة بها، يعني: لا يبحث البيانيون عنا في أفعال المقاربة والقسم ولعل وكم الخبرية لأن الأبحاث متعلقة بها قليلة ولأن أكثرها في الأصل أخبار نقلت إلى معنى الإنشاء، والمقصود بالنظر هنا هو النوع الثاني الذي هو الإنشاء الطلبي لاختصاصه بمزيد أبحاث لم تذكر في بحث الخبر، فالإنشاء حينئذٍ يكون منقسمًا إلى نوعين: طلبي، وغيره. والمقصود هنا الطلبي أي المنسوب إلى الطلب كالاستفهام والأمر ونحو ذلك. قال الناظم: يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ إِذَا كَانَ طَلَبْ ... مَا هُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ وَالمُنْتَخَبْ مِنْهُ التَّمَنِّي وَلَهُ المَوْضُوعُ ... لَيْتَ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ

стр. 176

(يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ) يُسْتَدْعَى الإنشاء يُسْتَدْعَى الظاهر ليس لها معنى، إنما الإنشاء يَسْتَدْعِي يعني: يطلب. وإذا عرفنا أن المراد بالإنشاء هنا إلقاء الكلام الإنشائي ظهر معنا يَسْتَدْعِي يعني: الإنشاء منه استدعاء وهو الطلب. أما يُسْتَدْعَى هذا فيه بعد. قال الناظم: (يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ إِذَا كَانَ طَلَبْ)، (يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ) إذًا الإنشاء قد يكون استدعائيًّا يعني: طلبيًّا، إذا كان طلب هذا أشبه ما يكون بالتفسير إذا كان هو أي الإنشاء طلبًا، وقف عليها على لغة ربيعة، وإلا هو خبر كان طلبًا والألف طلبا هذا الأصل وقف عليها على لغة ربيعة لأن ربيعة تسوي في الوقف بين المرفوع والمخفوض والمنصوب على خلاف لغة الجمهور الذي يفرقون بين المنصوب والمرفوع والمجرور، فيوقف على المجرور والمرفوع بالسكون وأما المنصوب فيوقف عليه بماذا؟ بالألف. وقف على المنصوب منه بالألف ... كمثل ما تكتبه لا يختلف نقول عَمْروٌ قد أضاف زيدا ... وخالد صاد الغزاة صيدا

стр. 177

وقف على المنصوب منه بالألف، إذًا طلبا، هذا الأصل، لغة ربيعة تقف عليه بالسكون كالمجرور والمرفوع، فإذا جاء مثل هذا التركيب إذا كان طلب لا يقال أين الألف التي تكون مبدلة عن التنوين نقول: هذا جرى على لغة ربيعة من باب الاعتذار له. إذًا (طَلَبْ) خبر كان منصوب وقف عليه على لغة ربيعة (مَا هُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ)، (مَا) أي الذي (هُوَ) أي الطلب أو المطلوب. (غَيْرُ حَاصِلٍ) يعني غير موجود وقت الطلب، لأن طلب ما يكون موجودًا محال يكون محالاً من باب تحصيل الحاصل، فقوله: (مَا هُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ) أي وقت الطلب. أي أن الإنشاء الطلبي أو الإنشاء إذا كان طلبًا استدعى مطلوبًا غير حاصل، (مَا هُوَ)، (هُوَ) الضمير يعود على المطلوب، يعني الطلب يتعلق باللفظ أو بإرادة المتكلم، وأما المطلوب هذا متعلق بالمخاطب. إذًا نقول: (مَا هُوَ) أي المطلوب (غَيْرُ حَاصِلٍ) أي: وقت الطلب سواء وُجِدَ ثم عدم، أو لم يكن ابتداءً. يعني المراد أنه غير موجود وقت الطلب، وإذا كان كذلك حينئذٍ إما أن يكون موجودًا ثم عُدِمَ، وإما أن لا يكون موجودًا ابتداءً، فيشمل النوعيين، لماذا؟ قالوا: لامتناع الطلب الحاصل فإنه محال، فلو اسْتَعمل أو اسْتُعمل صِيَغِ الطلب نحو: ليت لي مالاً. لمطلوب حاصل حينئذٍ امتنع إجراؤها على معانيها الحقيقية وهو المطلوب غير الحاصل، يعني: لو جاء في لسان العرب أو جاء في القرآن لفظ وقد كان المطلوب حاصلاً حينئذٍ لا بد من حمله على المعنى المجازي، لماذا؟ لكون الطلب إنما يتوجه إلى شيء غير موجود، وإذا كان كذلك حينئذٍ إذا جاء الطلب لشيء موجود إما أن نقول بأنه تناقض وهذا قد لا يقال به، وإما أن يقال بأن له محملاً حسنًا وهو المجاز، ومن هنا قال النحاة أن الأمر دلالته على إيجاد شيء غير موجود أو ديمومة الموجود، لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿وَاتَّقِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وهو فعل أمر طلب شيء غير موجود، كيف نصنع في هذا الفعل ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ هل التقوى غير موجودة؟ قالوا: هنا نوجه الكلام إلى أمرين، المطلوب بصيغة افعل إما أن لا يكون موجودًا فيطلب وجوده قم كان قاعدًا قلت له: قم. حينئذٍ حصل شيء لم يكن موجودًا، إن كان موجودًا قالوا: لا بد أن نجعل الطلب هنا لشيء غير موجود للقاعدة هنا لأن الطلب لا يتوجه إلا إلى شيء غير حاصل، قالوا: هنا ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ الديمومة هذه شيء معدوم لم تقع بعد، فالمسئول أو المطلوب هنا ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ المراد به دم على التقوى وهذا كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] آمَنُوا وصفهم بالإيمان إذًا كيف يطلب منهم شيئًا قد حصل نقول: من باب تحصيل الحاصل ﴿آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ آمِنُوا الأول حصل به الإيمان، ثم الإيمان قد يزول ولا يثبت، ثم أمر آخر وهو الديمومة والثبات على الإيمان هو الذي تعلق به مدلول آمِنُوا الثاني، حينئذٍ إما إيجاد شيء لم يحصل فيكون مدلول افعل، وإما الشيء الثاني وبه توجه الآيتان وهو ديمومة ما قد حصل، والديمومة معدومة حينئذٍ تعلق الأمر بشيء معدوم وجرى على القاعدة.

стр. 178

إذًا لو اسْتُعمل صيغ الطلب نحو: ليت لي مالاً. لمطلوب حاصل امتنع إجراؤها على التمني هنا نقول: لا بد أنه اسْتُعْمِل في شيء آخر من باب توجيه الكلام. ولذلك النحاة في باب الأمر قد أصابوا وأجادوا في تقسيم الأمر إلى شيئين: الأمر الأول: طلب شيء لم يكن موجودًا. الثاني: قد يكون موجودًا لكن قد يكون الطلب للديمومة عليه. إذًا (يَسْتَدْعِي الإِنْشَاءُ إِذَا كَانَ طَلَبْ) أي الإنشاء إذا كان طلبًا استدعى مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب. ثم قال: (وَالمُنْتَخَبْ مِنْهُ التَّمَنِّي). (وَالمُنْتَخَبْ) يعني: الذي انتخب واختير من أنواع الطلب ليس كل طلب يبحث عنه هنا في باب الإنشاء، وإنما يختار بعض المواضع التي تتعلق بها المباحث البيانية (وَالمُنْتَخَبْ مِنْهُ فِيهِ) بعض النسخ والتي معي [فِيهِ] وليس له وجه، بعض الشروحات [مِنْهُ] وهو أولى، انتخب من كذا هذا الأصل، انتخب من الإنشاء التمني، أما انتخب في الإنشاء التمني هذا بعيد، ففيه الضمير أو منه الضمير يعود للإنشاء، وَانْتَخَبَ وَانْتُخِبَ إنما يتعدّى إلى يتعدى بمن هذا الأصل فيه. إذًا (وَالمُنْتَخَبْ) هذا مبتدأ (مِنْهُ) أي من الإنشاء وهو متعلق بالمنتخب (التَّمَنِّي). وأنواعه كثيرة أي الإنشاء والمنتخب أي المختار منه أي من الطلب (التَّمَنِّي) هذا النوع الأول من أنواع الطلب الذي يبحث عنه البيانيون.

стр. 179

وهو في الاصطلاح عندهم طلب حصول شيء على سبيل المحبة (وَلَهُ الْمَوْضُوعُ ** لَيْتَ)، (وَلَهُ) متعلق بـ (المَوْضُوعُ)، و (لَيْتَ) هذا خبر، (المَوْضُوعُ) للتمني له الضمير يعود للتمني الموضوع له ليت، يعني التمني معنًى من المعاني، والعرب تراعي المعاني وتجعل لها ألفاظًا تدل عليها وهي الحروف في الأصل، ولذلك الأصل في وضع الحروف أن تدل على المعاني القائمة بالنفس، فالتمني له حرفه وهو ليت، والنهي له حرفه وهو لا، والنفي والترجي كل هذه معاني ولها حروف دالة عليها. إذًا (وَلَهُ) أي لهذا المعنى وهو طلب حصول شيء على سبيل المحبة (المَوْضُوعُ) أي اللفظ الموضوع له للتمني (لَيْتَ) أي وُضِعَ له هذا الحرف وحده، ليت هو الذي يدل على التمني، ولا يشترط إمكان الْمُتَمَنَّى بخلاف الْمُتَرَجَّى، الْمُتَرَجَّى أي الشيء الذي تعلق به الرجاء يُشترط أن يكون ممكنًا يعني غير مستحيل وممكن الوقوع، وأما التمني فلا، فالْمُتَمَنَّى لا يُشترط إمكان حصوله بل قد يتعلق التمني بشيء محال، بخلاف الْمُتَرَجَّى فإنه يُشترط إمكانه فيصح التمني (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ)، فيصح التمني كما قال الناظم هنا (وَلَهُ المَوْضُوعُ ** لَيْتَ) عرفنا التمني حقيقته، وعرفنا حرفه، وهو ليت، ثم ما الذي يُتَمَنَّى؟ ما هو الْمُتَمَنَّى؟ هل يُشترط فيه أن يكون شيئًا واقعًا، أو شيئًا يجوز أن يقع، أو لا بد أن يكون محالاً؟ قال: (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ) يعني يجوز أن يكون الْمُتَمَنَّى لشيء (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ) وإن لم يحصل (الْوُقُوعُ) يعني شيئًا محالاً، فيتعلق الْمُتَمَنَّى أو التَّمَنِّي بشيء محال، أو بشيء غير ممكن، أو يصح أن يقال: (يَكُنِ) هنا على بابها (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ) ممكنًا فيكون الخبر محذوفًا يجوز الوجهان، تكون كانت هنا تامة، ويجوز أن تكون ناقصة. إذًا لا يُشترط إمكان الْمُتَمَنَّى هذا القاعدة، بخلاف الْمُتَرَجَّى فإنه يُشترط إمكانه فيصح الْمُتَمَنَّى أو التمني وإن لم يكن الوقوع وكان تامة هنا أو ناقصة والتقدير وإن لم يكن الوقوع ممكنًا بل محالاً وقعه، لأن الإنسان كثيرًا ما يحب المحال ويطلبه، ولا يمتنع تمني الممكن إذا لم يكن توقع وطمع في حصوله لعدم الأسباب الموجبة ووجود الأسباب المانعة إذ لو توقعت وطَمِعْتَ لاستعملت كلمة لعل في الأول وعسى في الثاني. إذًا الأصل في الْمُتَمَنَّى أن يكون محالاً، وإذا كان ممكنًا فحينئذٍ هو على أمرين: إما أن يتوقع وقوعه أو لا. الثاني: يجوز تعلق التمني به والأول لا. ولذلك قال: ولا يمتنع تمني الممكن، متى؟ إذا لم يكن توقع وطمع في حصوله، إما لعدم الأسباب الموجبة ووجود الأسباب المانعة إذ لو توقعت الممكن وطمعت فيه حينئذٍ تستعمل كلمة ليت في التوقع، إذا كان الممكن متوقعًا حينئذٍ لا يكون التمني متعلقًا به، وإنما يكون بـ لعل، وإذا كان الثاني الذي هو الطمع فحينئذٍ يؤتى به بـ عسى، إذًا عسى للشيء الذي طُمِعَ في وجوده مع إمكانه، ولَعَلَّ للشيء الذي توقع وقوعه مع إمكانه، فإن كان ممكنًا ولم يتعلق به طمع ولا توقع حينئذٍ صح التمني ودخول ليت عليه، فالمحال مثل قول الشيخ الهرم:

стр. 180

يا ليت الشباب يعود يومًا ... فأخبره بما فعل المشيب ألا ليت الشباب، ليت، الشباب يعود يومًا، في الدنيا الشباب لا يعود فإذا تمنى أن يعود الشباب حينئذٍ قد تمنى محالاً، لأن الله تعالى حكم بذلك، والممكن الذي لم يُتوقع وقوعه كقول الفقير المملق: ليت لي مالاً فأحج منه. ليت لي مالاً هو لا يتوقع، المال ممكن أو لا؟ ممكن أن يحصل لكن هذا في حاله بعيد جدًا ولم يتوقع ولم يطمع محال يعني في نفسه، فحينئذٍ قوله هذا نقول: ممكن لم يتعلق به الطمع ولا التوقع فجاز التمني، وإما إذا كان المال متوقعًا حينئذٍ لا يصح أن يدخل عليه ليت إنما يأتي بماذا؟ توقع؟ يكون بـ لعل. والمكن الذي لم يتوقع وقوعه كقول الفقير: ليت لي مالاً فأحج منه فإن حصول المال ليس محالاً لكنه غير متوقع الحصول، ومتى كان الْمُتَمَنَّى متوقع الحصول انتقل التمني أو عن التمنِّي إلى الترجِّي فحينئذٍ نأتي بـ لعل، فمن ثَمَّ فرق بعضهم بين التمني والترجي: لأن الأول في البعيد، التمني يكون في البعيد، والثاني في القريب. بعيد الوقوع هذا يأتي التمني فيه. والثاني الذي هو الترجِّي في القريب. وبأن الأول الذي هو التمني في المعشوق للنفس، والثاني: الترجي في غيره. وبأن الثاني الذي هو الترجي في المتوقع، والأول في غيره. إذًا عرفنا حقيقة التمني ثم قال: (وَلَهُ المَوْضُوعُ ** لَيْتَ). ثم بين ما هو الذي يتمنى يتعلق بماذا؟ قال: (وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوُقُوعُ) ممكنًا بل محالاً أو أمكن وقوعه لكنه غير متوقع الحصول ولا يتعلق به الطمع. إذًا الممكن نوعان: ممكن لا يتعلق به الطمع والوقوع فهذا الذي يصح أن يكون متمنى. ونوع آخر يصح أن يكون واقعًا وكذلك يتعلق به الطمع فحينئذٍ لا يدخل عليه حرف تمني وهو ليت. (وَلَوْ وَهَلْ مِثْلُ لَعَلَّ الدَّاخِلَةْ ** فِيهِ)، (وَلَوْ وَهَلْ) و (لَعَلَّ) قد يأتي التمني عرفنا أن حرفه ليت، قد يُتَمَنَّى بغير ليت بواحد من الحروف الثلاثة إما: (لَوْ)، وإما (هَلْ)، وإما (لَعَلَّ)، إذا (لَوْ) قد تأتي للتمني لكنه مجازًا لا حقيقة، لأن الحقيقة هو وضع ليت، و (هَلْ) قد تأتي للتمني لكنه ليس حقيقةً بل هو مجاز، وكذلك (لَعَلَّ) الشأن فيها كالشأن في (لَوْ).
следующие страницы →