Полный текст (1 125 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
[١٤٠٢] إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ مَعْنَاهُ خِبْتَ مِنَ الْأَجْرِ وَقِيلَ بَطَلَتْ فَضِيلَةُ جُمْعَتِكَ وَقِيلَ صَارَتْ جُمْعَتُكَ ظُهْرًا قَالَ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ وَيَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الْأَخِيرِ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ مَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظهرا قَالَ بن وَهْبٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ مَعْنَاهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَحرم فَضِيلَة الْجُمُعَة
стр. 387
[١٤١١] حفظت ق وَالْقُرْآن الْمجِيد مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ اخْتِيَارِ ق أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْمَوْت والبعث والمواعظ الشَّدِيدَة والزواجر الأكيدة كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ الْقِلَّةُ هُنَا بِمَعْنَى الْعَدَم كَقَوْلِه تَعَالَى فقليلا مَا يُؤمنُونَ وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ قَالَ النَّوَوِيُّ لَيْسَ هَذَا مُخَالفا
стр. 388
لِلْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْأَمْرِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ وَلِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى
[١٤١٨] وَكَانَت خطبَته
стр. 389
قَصْدًا وَصَلَاتُهُ قَصْدًا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ طَوِيلَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخُطْبَةِ
стр. 390
لَا تَطْوِيلًا يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَهِيَ حِينَئِذٍ قَصْدًا أَيْ مُعْتَدِلَةً وَالْخُطْبَةُ قَصْدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضعهَا
стр. 391
مُصِيخَةً أَيْ مُصْغِيَةً مُسْتَمِعَةً لَا تَعْمَلُ الْمَطِيُّ أَيْ لَا تُحَثُّ وَتُسَاقُ وَالْمَطِيُّ جَمْعُ مَطِيَّةٍ وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي يُرْكَبُ مَطَاهَا أَيْ ظَهْرُهَا وَيُقالُ يُمْطَى بِهَا فِي السَّيْرِ أَيْ يُمَدُّ
стр. 392
(كِتَاب تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ)
[١٤٣٣] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ هُوَ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أُخْرَى مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحت وَيُقَال فِيهِ بن باباه وبن بَابي بِكَسْر الْبَاء الثَّانِيَة
стр. 393
[١٤٤٥] صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكْثَرُهُ رَكْعَتَيْنِ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ آمَنَ وَأَكْثَرُ مَنْصُوبَانِ نَصْبَ الظَّرْفِ وَالتَّقْدِيرُ زَمَنَ آمَنَ فَحَذَفَ الْمُضَافُ وَأَقَامَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه أَي أَكثر نون النَّاسِ وَأَمَّا وَأَكْثَرُهُ فَعَائِدٌ إِلَى جِنْسِ النَّاسِ وَهُوَ مُفْرد
стр. 394
(كتاب الْكُسُوف)
[١٤٥٩] إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَيْ كُسُوفَهُمَا آيَتَانِ لِأَنَّهُ الَّذِي خَرَجَ الْحَدِيثُ بِسَبَبِهِ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَيْ عَلَامَتَانِ لِقُرْبِ الْقِيَامَةِ أَوْ لِعَذَابِ اللَّهِ أَوْ لِكَوْنِهِمَا مُسَخَّرَيْنِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحْتَ حُكْمِهِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ قَالَ الْحَافِظ بن حَجَرٍ أَيِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَعِظَمِ قُدْرَتِهِ أَوْ عَلَى تَخْوِيفِ الْعِبَادِ مِنْ بَأْسِهِ وَسَطْوَتِهِ
стр. 395
[١٤٦٠] بَيْنَمَا أَنَا أَتَرَامَى بِأَسْهُمٍ لِي قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ أَرْمِي وَأَرْتَمِي وَأَتَرَامَى وَأَتَرَمَّى فَأَتَيْتُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا أَيْ كُشِفَ وَأُزِيلَ مَا بِهَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مِمَّا يُسْتَشْكَلُ وَيُظَنُّ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ ابْتَدَأَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ بَعْدَ انْجِلَاءِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ صَلَاتِهَا بَعْدَ الِانْجِلَاءِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي طَرِيقٍ آخَرَ ثُمَّ جَمَعَ الرَّاوِي جَمِيعَ مَا جَرَى فِي الصَّلَاةِ مِنْ دُعَاءٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ فَتَمَّتْ جُمْلَةُ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ أَوَّلُهُمَا فِي حَالِ الْكُسُوفِ وَآخِرُهُمَا بَعْدَ الِانْجِلَاءِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ وَلِقَوَاعِدِ الْفِقْهِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا مُسْتَقِلًّا بَعْدَ انْجِلَاءِ الْكُسُوفِ لَا أَنَّهَا صَلَاةُ كُسُوفٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا ضَعِيفٌ مُخَالف
стр. 396
لظَاهِر الرِّوَايَة الْأُخْرَى
[١٤٦١] لَا يَخْسِفَانِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ الضَّمُّ وَحَكَى بن الصَّلَاحِ مَنْعَهُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ بَعْضَ الْجَاهِلِيَّةِ الضُّلَّالِ كَانُوا يُعَظِّمُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فَبَيَّنَ أَنَّهُمَا آيَتَانِ مَخْلُوقَتَانِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا صُنْعَ لَهُمَا بَلْ هُمَا كَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ يَطْرَأُ عَلَيْهِمَا النَّقْصُ وَالتَّغَيُّرُ كَغَيْرِهِمَا وَكَانَ بَعْضُ الضُّلَّالِ مِنَ الْمُنَجِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُ لَا يَنْكَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِأَقْوَالِهِمْ لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَادَفَ مَوْتَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ فَإِنْ قُلْتَ مَا تَقُولُ فِيمَا قَالَ أَهْلُ الْهَيْئَةِ أَنَّ الْكُسُوفَ سَبَبُهُ حَيْلُولَةُ الْقَمَرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ فَلَا يُرَى حِينَئِذٍ إِلَّا لَوْنُ الْقَمَرِ وَهُوَ كَمِدٌ لَا نُورَ لَهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي آخِرِ الشَّهْرِ عِنْدَ كَوْنِ النَّيِّرَيْنِ فِي إِحْدَى عُقْدَتَيِ الرَّأْسِ وَالذَّنَبِ وَلَهُ آثَارٌ فِي الْأَرْضِ هَلْ جَازَ الْقَوْلُ بِهِ أَمْ لَا قُلْتُ الْمُقَدِّمَاتُ كُلُّهَا مَمْنُوعَةٌ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَإِنْ كَانَ غَرَضُهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى سُنَّتَهُ بِذَلِكَ كَمَا أَجْرَى بِاحْتِرَاقِ الْحَطَبِ الْيَابِسِ عِنْدَ مِسَاسِ النَّارِ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ
стр. 397
وَإِنْ كَانَ غَرَضُهُمْ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَقْلًا وَلَهُ تَأْثِيرٌ بِحَسَبِ ذَاتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ جَمِيعَ الْحَوَادِثِ مُسْنَدَةٌ إِلَى إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً إِذْ لَا مُؤَثِّرَ فِي الْوُجُودِ الا الله تَعَالَى
[١٤٦٥] فَنَادَى أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةً بِنَصْبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْإِغْرَاءِ وَجَامِعَةٍ عَلَى الْحَالِ أَيْ احْضُرُوا الصَّلَاةَ فِي حَالِ كَوْنِهَا جَامِعَةً وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات
стр. 398
قَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةِ مُعَلَّلَةٌ ضَعِيفَةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِهِمُ الِاخْتِلَافُ فِي الرِّوَايَاتِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الْكُسُوفِ فَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ تَأَخَّرَ انْجِلَاءُ الْكُسُوفِ فَزَادَ عَدَدُ الرُّكُوعِ وَفِي بَعْضِهَا أَسْرَعَ الِانْجِلَاءُ فَاقْتَصَرَ وَفِي بَعْضِهَا تَوَسَّطَ بَيْنَ الْإِسْرَاعِ وَبَيْنَ التَّأَخُّرِ فَتَوَسَّطَ فِي عَدَدِهِ وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ تَأَخُّرَ الِانْجِلَاءِ لَا يُعْلَمُ فِي أَوَّلِ الْحَالِ وَلَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ مَنْوِيٌّ فِي أَوَّلِ الْحَالِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بن رَاهَوَيْه وبن جرير وبن الْمُنْذِرِ جَرَتْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي أَوْقَاتٍ وَاخْتِلَافُ صِفَاتِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى بَيَانِ جَوَازِ جَمِيعِ ذَلِكَ
стр. 399
فَتَجُوزُ صَلَاتُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّابِتَة قَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا قوي
стр. 400
[١٤٧٠] أَنَّ سِجَالَ الْمَاءِ جَمْعُ سَجْلٍ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وَهُوَ الدَّلْو
стр. 401
[١٤٧٢] رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَفْظُ الْمَقَامِ يَحْتَمِلُ الْمَصْدَرَ وَالزَّمَانَ وَالْمَكَانَ كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ هَذِهِ أَوْضَحُ مِنْ رِوَايَةِ الصَّحِيحِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِي تَلِكَ فَإِنْ قُلْتَ هَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ رَأَى فِي هَذَا الْمَقَامِ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى قُلْتُ نَعَمْ إِذِ الشَّيْءُ يَتَنَاوَلُهُ وَالْعَقْلُ لَا يَمْنَعُهُ وَالْعُرْفُ لَا يَقْتَضِي إِخْرَاجَهُ قُلْتُ وَقَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَةُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ قَوْلَهُ كُلَّ شَيْءٍ مُخَصَّصٌ بِقَوْلِهِ وُعِدْتُمْ وَذَلِكَ خَاصٌّ بِفِتَنِ الدُّنْيَا وَفُتُوحِهَا وَبِمَا فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ قَوْلُهُ فِي مَقَامِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَقَامَ الْحِسِّيَّ وَهُوَ الْمِنْبَرُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَقَامَ الْمَعْنَوِيَّ وَهُوَ مَقَامُ الْمُكَاشَفَةِ وَالتَّجَلِّي بِالْحَضَرَاتِ الْخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ حَضْرَةِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْأَرْوَاحِ وَالْغَيْبِ الْإِضَافِيِّ وَالْغَيْبِ الْحَقِيقِيِّ فَإِنَّهُ الْبَرْزَخُ الَّذِي لَهُ التَّوَجُّهُ إِلَى الْكُلِّ كَنُقْطَةِ الدَّائِرَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّائِرَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ
стр. 402
وَسَلَامُهُ وَنَفَعَنَا مِنْ نَفَحَاتِ قُدْسِهِ بِمُتَابَعَتِهِ وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَيْ يَعْسِفُهُ وَيَكْسِرُهُ كَمَا يَفْعَلُ الْبَحْرُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ شِدَّةُ تَلَهُّبِهَا وَاضْطِرَابِهَا كَأَمْوَاجِ الْبَحْرِ الَّتِي يَحْطِمُ بَعْضهَا بَعْضًا وَرَأَيْت فِيهَا بن لُحَيٍّ اسْمُهُ عَمْرٌو وَلُحَيٌّ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ
стр. 403
التَّحْتِيَّة لقبه واسْمه عَامر
[١٤٧٤] مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ هُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْغَيْرَةِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ يَحْصُلُ مِنَ الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ وَأَصْلُهَا فِي الزَّوْجَيْنِ وَالْأَهْلِينَ وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ تَغَيُّرٍ وَنَقْصٍ فَيتَعَيَّن حمله على الْمجَاز قَالَ بن دَقِيقِ الْعِيدِ أَهْلُ التَّنْزِيهِ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ إِمَّا سَاكِتٌ وَإِمَّا مُؤَوِّلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرَةِ شِدَّةُ الْمَنْعِ وَالْحِمَايَةُ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْمُلَازَمَةِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالَ الْبَاجِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ ﵊ قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمٍ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ وَلَعَلَّهُ مِمَّا أُرَاهُ فِي مَقَامِهِ مِنَ النَّارِ وَشَنَاعَةِ مَنْظَرِهَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ لَوْ تَعْلَمُونَ مِنْ عِظَمِ انْتِقَامِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْجَرَائِمِ وَشِدَّةِ عِقَابِهِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا كَمَا عَلِمْتُ وَتَرَوْنَ النَّارَ كَمَا رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَيَقِلَّ ضَحِكُكُمْ لِفِكْرِكُمْ فِيمَا علمتموه
[١٤٧٥] عائذا بِاللَّه قَالَ بن السَّيِّدِ هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي يَجِيءُ عَلَى مِثْلِ فَاعِلٍ كَعُوفِيَ عَافِيَةً أَوْ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ النَّائِبَةِ مَنَابَ الْمَصْدَرِ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ كَأَنَّهُ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ عَائِذًا وَرُوِيَ بِالرَّفْع أَي أَنا عَائِذ قَالَ الْحَافِظ بن حَجَرٍ وَكَأنَ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَطَّلِعَ ﷺ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ
стр. 404
[١٤٧٧] حَدثنَا عَبدة بن عبد الرَّحِيم أَنبأَنَا بن عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي كُسُوفٍ فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ قَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ تَفَرَّدَ النَّسَائِيُّ عَن عُبَيْدَة بِقَوْلِهِ فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ وَهُوَ وَهَمٌ بِلَا شَكٍّ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ الْكُسُوفَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بِالْمَدِينَةِ فِي الْمَسْجِدِ هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِي وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وبن عَبْدِ الْبَرِّ وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فَيُخْشَى أَنْ يَكُونَ الْوَهَمُ مِنْ عَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ هَذَا فَإِنَّهُ مَرْوَزِيٌّ نَزَلَ دِمَشْقَ ثُمَّ صَارَ إِلَى مِصْرَ فَاحْتَمَلَ أَنَّ النَّسَائِيَّ سَمِعَهُ مِنْهُ بِمِصْرَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ
стр. 405
الْوَهَمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ كِتَابٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا بِطَرِيقٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَعُرِضَ هَذَا عَلَى الْحَافِظِ جَمَالِ الدِّينِ الْمِزِّيِّ فَاسْتَحْسَنَهُ وَقَالَ قَدْ أَجَاد وَأحسن الانتقاد
стр. 406
[١٤٨٢] لقد أدنيت الْجنَّة مني قَالَ الْحَافِظ بن حَجَرٍ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْحُجُبَ كُشِفَتْ لَهُ دُونَهَا فَرَآهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا وَطُوِيَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهَا وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهَا مَثَلَتْ لَهُ فِي الْحَائِطِ كَمَا تَنْطَبِعُ الصُّورَةُ فِي الْمِرْآةِ فَرَأَى جَمِيعَ مَا فِيهَا وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَا إِحَالَةَ فِي إِبْقَاءِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا لَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ قَدْ خُلِقَتَا وَوُجِدَتَا وَذَلِكَ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لِنَبِيِّهِ ﷺ إِدْرَاكًا خَاصًّا بِهِ أَدْرَكَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا كَمَا خَلَقَ لَهُ إِدْرَاكًا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَطَفِقَ يُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَثَّلَ لَهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَصَوَّرَهُمَا لَهُ فِي الْحَائِطِ كَمَا يَتَمَثَّلُ صُوَرَ الْمَرْئِيَّاتِ فِي الْمِرْآةِ وَلَا يُسْتَبْعَدُ هَذَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الِانْطِبَاعَ فِي الْمِرْآةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَجْسَامِ الصَّقْلِيَّةِ لِأَنَّا نَقُولُ إِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ عَادِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ وَيَجُوزُ أَنْ تُخْرَقَ الْعَادَةُ وَخُصُوصًا فِي مُدَّةِ النُّبُوَّةِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ تِلْكَ الشُّرُوطَ عَقْلِيَّةٌ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأُمُورُ مَوْجُودَةً فِي جِسْمِ الْحَائِطِ وَلَا يُدْرِكُ ذَلِكَ إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم
стр. 407
مِنْ قُطُوفِهَا جَمْعُ قِطْفٍ وَهُوَ مَا يُقْطَفُ مِنْهَا أَيْ يُقْطَعُ وَيُجْتَنَى تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ قَالَ بن مَالِكٍ فِي هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ وَهُوَ مِمَّا خَفِيَ عَلَى أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ مَعَ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالشِّعْرِ الْقَدِيمِ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ أَيْ هوامها وحشراتها
стр. 408
فافزعوا بِفَتْح الزَّاي أَي الجؤا
стр. 409
[١٤٨٥] إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنَ الْعُظَمَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فَإِنْ قُلْتَ مَا فَائِدَةُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ الِانْكِسَافَ لِلْحَيَاةِ لَا سِيَّمَا هُنَا إِذِ السِّيَاقُ إِنَّمَا هُوَ فِي مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَيَتِمُّ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ قُلْتُ فَائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُولُ قَدْ لَا يَكُونُ الْمَوْتُ سَبَبًا لِلِانْكِسَافِ وَيَكُونُ نَقِيضُهُ سَبَبًا لَهُ فَعُمِّمَ النَّفْيُ أَيْ لَيْسَ سَبَبُهُ لَا الْمَوْتَ وَلَا الْحَيَاةَ بَلْ سَبَبُهُ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ إِنَّ اللَّهَ إِذَا بَدَا لشَيْء من خلقه خشع لَهُ قَالَ بن الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ قَالَ أَبُو حَامِد
стр. 410
الْغَزَالِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ يَصِحَّ نَقْلُهَا فَيَجِبُ تَكْذِيبُ نَاقِلِهَا وَإِنَّمَا الْمَرْوِيُّ مَا ذَكَرْنَا يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي لَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِيهِ قَالَ وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ تَأْوِيلُهُ أَهْوَنَ مِنْ مُكَابَرَةِ أُمُورٍ قَطْعِيَّةٍ فَكَمْ مِنْ ظَوَاهِرَ أُوِّلَتْ بالأدلة الْعَقْلِيَّة الَّتِي لاتنتهي فِي الوضوح إِلَى هَذَا الْحَد قَالَ بن الْقَيِّمِ وَإِسْنَادُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ وَلَكِنْ لَعَلَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مُدْرَجَةٌ فِي الْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَلِهَذَا لَا تُوجَدُ فِي سَائِرِ أَحَادِيثِ الْكُسُوفِ فَقَدْ رَوَاهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ وَقَبِيصَةُ الْهِلَالِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِهِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فَمِنْ هُنَا يُخَافُ أَنْ تَكُونَ أُدْرِجَتْ فِي الْحَدِيثِ إِدْرَاجًا وَلَيْسَتْ فِي لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ هُنَا مَسْلَكًا بَدِيعَ الْمَأْخَذِ لَطِيفَ الْمَنْزَعِ يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ السَّلِيمُ وَالْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ وَهُوَ أَنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ يُوجِبُ لَهُمَا مِنَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ بِانْمِحَاءِ نُورِهِمَا وَانْقِطَاعِهِ عَنْ هَذَا الْعَالَمِ مَا يَكُونُ فِيهِ ذهَاب سلطانهما
стр. 411
وَبَهَائِهِمَا وَذَلِكَ يُوجِبُ لَا مَحَالَةَ لَهُمَا مِنَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَجَلِّي الرَّبِّ تَعَالَى لَهُمَا وَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ تَجَلِّي اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُمَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ كَمَا يَدْنُو مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَيُحْدِثُ لَهُمَا ذَلِكَ التَّجَلِّي خُشُوعًا آخَرَ لَيْسَ هَذَا الْكُسُوفُ وَلَمْ يَقُلِ النَّبِي ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَجَلَّى لَهُمَا انْكَسَفَا وَلَكِنَّ اللَّفْظَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا بَدَا لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ وَلَفْظُ بن مَاجَهْ فَإِذَا تَجَلَّى اللَّهُ تَعَالَى لِشَيْءٍ مِنْ خلقه خشع لَهُ فهاهنا خَشُوعَانِ خُشُوعٌ أَوْجَبَ كُسُوفَهُمَا بِذَهَابِ ضَوْئِهِمَا وَانْمِحَائِهِ فَتَجَلَّى اللَّهُ لَهُمَا فَحَدَثَ لَهُمَا عِنْدَ تَجَلِّيهِ تَعَالَى خُشُوعٌ آخَرُ بِسَبَبِ التَّجَلِّي كَمَا حَدَثَ لِلْجَبَلِ إِذا تَجَلَّى لَهُ تَعَالَى خُشُوعٌ أنْ صَارَ دَكًّا وَسَاخَ فِي الْأَرْضِ وَهَذَا غَايَةُ الْخُشُوعِ لَكِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى يُثَبِّتُهُمَا لِتَجَلِّيهِ عِنَايَةً بِخَلْقِهِ لِانْتِظَامِ مَصَالِحِهِمْ بِهِمَا وَلَوْ شَاءَ سُبْحَانَهُ لَثَبَتَ الْجَبَلُ لِتَجَلِّيهِ كَمَا يُثَبِّتُهُمَا وَلَكِنْ أَرَى كَلِيمَهُ مُوسَى أَنَّ الْجَبَلَ الْعَظِيمَ لَمْ يُطِقِ الثَّبَاتَ لِتَجَلِّيهِ لَهُ فَكَيْفَ تُطِيقُ أَنْتَ الثَّبَاتَ لِلرُّؤْيَةِ الَّتِي سَأَلْتَهَا وَقَالَ الْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ الْكَبِيرِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفِرَقِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ لَا يَصْدِمُ مَذْهَبُهُمْ فِيهِ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الشَّرْعِ مُنَازَعَتُهُمْ فِيهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ كَقَوْلِهِمْ خُسُوفُ الْقَمَرِ عِبَارَةٌ عَنِ انْمِحَاءِ ضَوْئِهِ بِتَوَسُّطِ الْأَرْضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَقْتَبِسُ نُورَهُ مِنَ الشَّمْسِ وَالْأَرْضُ كُرَةٌ وَالسَّمَاءُ مُحِيطَةٌ بِهَا مِنَ الْجَوَانِبِ فَإِذَا وَقَعَ الْقَمَرُ فِي ظِلِّ الْأَرْضِ انْقَطَعَ عَنْهُ نُورُ الشَّمْسِ وَكَقَوْلِهِمْ إِنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ مَعْنَاهُ وُقُوفُ جِرْمِ الْقَمَرِ بَيْنَ النَّاظِرِ وَبَيْنَ الشَّمْسِ وَذَلِكَ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْعُقْدَتَيْنِ عَلَى دَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا الْفَنُّ لَسْنَا نَخُوضُ فِي إِبْطَالِهِ إِذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُنَاظَرَةَ فِي إِبْطَالِ هَذَا مِنَ الدِّينِ فَقَدْ جَنَى عَلَى الدِّينِ وَضَعَّفَ أَمْرَهُ وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ يَقُومُ عَلَيْهَا بَرَاهِينُ هَنْدَسِيَّةٌ حِسَابِيَّةٌ لَا يَبْقَى مَعَهَا رِيبَةٌ فَمَنْ يَطَّلِعُ إِلَيْهَا وَيُحَقِّقُ أَدِلَّتَهَا حَتَّى يُخْبِرَ بِسَبَبِهَا عَنْ وَقْتِ الْكُسُوفِ وَقَدْرِهِمَا وَمُدَّةِ بَقَائِهِمَا إِلَى الِانْجِلَاءِ إِذَا قِيلَ لَهُ إِنَّ هَذَا عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِ لَمْ يُسْتَرَبْ فِيهِ وَإِنَّمَا يَسْتَرِيبُ فِي الشَّرْعِ وَضَرَرُ الشَّرْعِ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ لَا بِطَرِيقَةِ أَكْثَرَ مِنْ ضَرَرِهِ مِمَّنْ يَطْعَنُ فِيهِ وَهُوَ كَمَا قِيلَ عَدُوٌّ عَاقِلٌ خَيْرٌ مِنْ صَدِيقٍ جَاهِلٍ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 412
إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ فَكَيْفَ يُلَائِمُ هَذَا مَا قَالُوهُ قُلْنَا لَيْسَ فِي هَذَا مَا يُنَاقِضُ مَا قَالُوهُ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا نَفْيُ الْكُسُوفِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَحَيَاتِهِ وَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَالشَّرْعُ الَّذِي يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ وَالطُّلُوعِ مِنْ أَيْنَ يَبْعُدُ مِنْهُ أَنْ يَأْمُرَ عِنْدَ الْخُسُوفِ بِهِمَا اسْتِحْبَابًا فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رُوِيَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّ اللَّهَ إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ خَشَعَ لَهُ فَيَدُلُّ أَنَّ الْكُسُوفَ خُشُوعٌ بِسَبَبِ التَّجَلِّي قُلْنَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ يَصِحَّ نَقْلُهَا فَيَجِبُ تَكْذِيبُ نَاقِلِهَا وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ تَأْوِيلُهُ أَهْوَنَ مِنْ مُكَابَرَةِ أُمُورٍ قَطْعِيَّةٍ فَكَمْ مِنْ ظَوَاهِرَ أُوِّلَتْ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي فِي الْوُضُوحِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ وَأَعْظَمُ مَا يَفْرَحُ بِهِ الْمُلْحِدُ أَنْ يُصَرِّحَ نَاصِرُ الشَّرْعِ بِأَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ طَرِيقُ إِبْطَالِ الشَّرْعِ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ وَهُوَ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ إِنْكَارَ حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ فَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ فِي النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ وَلَكِنَّ تَأْوِيلَهُ ظَاهِرٌ فَأَيُّ بُعْدٍ فِي أَنَّ الْعَالِمَ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَمُقَدِّرَ الْكَائِنَاتِ سُبْحَانَهُ يُقَدِّرُ فِي أَزَلِ الْآزَالِ خُسُوفَهُمَا بِتَوَسُّطِ الْأَرْضِ بَيْنَ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ وَوُقُوفِ جِرْمِ الْقَمَرِ بَيْنَ النَّاظِرِ وَالشَّمْسِ وَيَكُونُ ذَلِكَ وَقْتَ تَجَلِّيهِ عَلَيْهِمَا فَالتَّجَلِّي سَبَبٌ لِكُسُوفِهِمَا
стр. 413
قَضَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ يُقَارِنُ تَوَسُّطَ الْأَرْضِ وَوُقُوفَ جِرْمِ الْقَمَرِ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَنْبَغِي مُنَازعَة
стр. 414
الْقَوْمِ فِيهِ إِذَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بَرَاهِينُ قَطْعِيَّةٌ تَكَعْكَعْتَ أَيْ تَأَخَّرْتَ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بقيت الدُّنْيَا قَالَ بن بَطَّالٍ لَمْ يَأْخُذِ الْعُنْقُودَ لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ وَهُوَ لَا يَفْنَى وَالدُّنْيَا فَانِيَةٌ لَا يجوز أَن يُؤْكَل فِيهَا مَالا يَفْنَى وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَوْ رَآهُ النَّاسُ لَكَانَ إِيمَانُهُمْ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالْغَيْبِ فَيُخْشَى أَنْ يَقَعَ رَفْعُ التَّوْبَةِ فَلَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا وَقِيلَ لِأَنَّ الْجَنَّةَ جَزَاءُ الْأَعْمَالِ وَالْجَزَاءُ بِهَا لَا يَقَعُ إِلَّا فِي الْآخِرَةِ وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ الْمُرَادُ بِالْيَوْمِ الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَيْ لَمْ أَرَ مَنْظَرًا مِثْلَ مَنْظَرٍ رَأَيْتُهُ الْيَوْمَ فَحَذَفَ الْمَرْئِيَّ وَأَدْخَلَ التَّشْبِيهَ عَلَى الْيَوْمِ بِشَنَاعَةِ مَا رَأَى فِيهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْمَنْظَرِ الْمَأْلُوفِ وَقِيلَ الْكَافُ هُنَا اسْمٌ وَتَقْدِيرُهُ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا مَنْظَرًا أَوْ مَنْظَرًا تَمْيِيزٌ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءُ قَالَ الْحَافِظ بن حَجَرٍ هَذَا يُفَسِّرُ وَقْتَ الرُّؤْيَةِ فِي قَوْلِهِ لَهُنَّ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ
стр. 415
قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ الْقَائِلُ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ الَّتِي تُعْرَفُ بِخَطِيبَةِ النِّسَاءِ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ أَيِ الزَّوْجُ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَلَمْ يُعَدِّهِ بِالْبَاءِ كَمَا عَدَّى الْكُفْرَ بِاللَّهِ لِأَنَّ كُفْرَ الْعَشِيرِ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الِاعْتِرَافِ إِذِ الْمُرَادُ كُفْرُ إِحْسَانِهِ لَا كُفْرَانُ ذَاتِهِ وَالْمُرَادُ بِكُفْرِ الْإِحْسَانِ تَغْطِيَتُهُ أَوْ جَحْدُهُ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ مُدَّةُ عُمْرِ الرَّجُلِ فَالزَّمَانُ كُلُّهُ مُبَالَغَةٌ فِي كُفْرَانِهِنَّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَحْسَنْتَ مُخَاطَبَةَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُخَاطَبًا فَهُوَ خَاصٌّ لَفْظًا عَامٌّ مَعْنًى ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا التَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّقْلِيلِ أَيْ شَيْئًا قَلِيلًا لَا يُوَافِقُ غَرَضَهَا
стр. 416
من أَي نوع كَانَ
стр. 417
[١٥٠٣] خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ بِكَسْرِ الزَّايِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وَبِفَتْحِهَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الصِّفَةِ أَوْ مَفْعُولُ مُطْلَقٍ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ خَشِيَ أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ قَالَ وَهَذَا تَمْثِيلٌ مِنَ الرَّاوِي كَأَنَّهُ قَالَ فَزِعًا كَالْخَاشِي أَنْ تَكُونَ الْقِيَامَةَ وَإلَّا فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَالِمًا بِأَنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى إِعْلَاءَ دِينِهِ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا وَلَمْ يَبْلُغُ الْكِتَابٌ أَجَلَهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا قَدْ يُشْكِلُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ السَّاعَةَ لَهَا مُقَدِّمَاتٌ كَثِيرَةٌ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا وَلَمْ تَكُنْ وَقَعَتْ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجِ الدَّابَّةِ وَالنَّارِ وَالدَّجَّالِ وَقِتَالِ التُّرْكِ وَأَشْيَاءَ أُخَرَ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا قَبْلَ السَّاعَةِ كَفُتُوحِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ومصر وَغَيرهمَا وَإِنْفَاقِ كُنُوزِ كِسْرَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا لَعَلَّ هَذَا الْكُسُوفَ كَانَ قَبْلَ إِعْلَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّانِي لَعَلَّهُ خَشِيَ حُدُوثَ بَعْضِ مُقَدِّمَاتِهَا الثَّالِثُ أَنَّ رَاوِيَهُ ظَنَّ أَنَّهُ ﷺ خَشِيَ أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ
стр. 418
وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ ظَنِّهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ خَشِيَ ذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَعْجِلًا مُهْتَمًّا بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَمْرِ الْكُسُوفِ مُبَادِرًا إِلَى ذَلِكَ وَرُبَّمَا خَافَ أَنْ يَكُونَ نَوْعَ عُقُوبَةٍ فَظَنَّ الرَّاوِي خِلَافَ ذَلِكَ وَلَا اعْتِبَارَ بِظَنِّهِ اه فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ إِمَّا أَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ مُقَدَّرٌ قَبْلَ رَأَيْتُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى تفتؤ تذكر يُوسُف وَإِمَّا أَنَّ أَطْوَلَ مُقَدَّرٌ بِمَعْنَى عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ أَيْ بِمَا لَمْ يُسَاوِ قَطُّ قِيَامًا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ أَوْ قَطُّ بِمَعْنَى حَسْبُ أَيْ صَلَّى فِي ذَلِكَ الْيَوْمَ فَحَسْبُ بِأَطْوَلِ قِيَامٍ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ أَوْ أَنَّهُ بِمَعْنَى أَبَدًا
(كِتَابُ الاسْتِسْقَاء)
[١٥٠٤] هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِبِلَ ضَعُفَتْ لِقِلَّةِ الْقُوتِ عَنِ السَّفَرِ أَوْ لِكَوْنِهَا لَا تَجِدُ فِي طَرِيقِهَا مِنَ الْكَلَأِ مَا يُقِيمُ أَوَدَهَا وَقِيلَ الْمُرَادُ نَفَادُ مَا عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الطَّعَامِ أَوْ قِلَّتُهُ فَلَا يَجِدُونَ مَا يَجْلِبُونَهُ مِنَ الْأَسْوَاقِ وَالْآكَامِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُفْتَحُ وَتُمَدُّ جَمْعُ أَكَمَةَ بِفَتَحَاتٍ وَهِيَ التُّرَابُ الْمُجْتَمِعُ وَقِيلَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ أَرْضٍ وَقِيلَ الْهَضْبَةُ الضَّخْمَةُ وَقِيلَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ خَرَجَتْ عَنْهَا كَمَا يَخْرُجُ الثَّوْبُ عَنْ لَابِسِهِ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ تَقَطَّعَتْ كَمَا يُقَطَّعُ الثَّوْبُ قِطَعًا مُتَفَرِّقَة مُتَبَذِّلًا بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ قَالَ فِي النِّهَايَة التبذل ترك التزين والتهيئ بالهيئة الْحَسَنَة الجميلة على جِهَة التَّوَاضُع
стр. 419
[١٥١٣] عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ يُوهِمُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ ﷺ يَدَيْهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ ثَبَتَ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ فِي مَوَاطِنَ غَيْرِ الِاسْتِسْقَاءِ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فَيُتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعِ الرَّفْعَ الْبَلِيغَ بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ لَمْ أَرَهُ يَرْفَعُ وَقَدْ رَآهُ غَيْرُهُ يَرْفَعُ فَتَقَدَّمَ رِوَايَة المثبتين فِيهِ وَقَالَ الْحَافِظ بن حَجَرٍ ظَاهِرُهُ نَفْيُ الرَّفْعِ فِي كُلِّ دُعَاءٍ غَيْرِ الِاسْتِسْقَاءِ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي الرَّفْعِ فِي غَيْرِ الِاسْتِسْقَاءِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِهَا أَوْلَى وَحُمِلَ حَدِيثُ أَنَسٍ لِأَجْلِ الْجَمْعِ بِأَنْ يُحْمَلَ النَّفْيُ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ أَمَّا الرَّفْعُ الْبَلِيغُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ وَأَمَّا صِفَةُ الْيَدَيْنِ فِي ذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 420
اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ يُسْتَسْقَى هَكَذَا وَمَدَّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ السُّنَّةُ فِي كُلِّ دُعَاءٍ لِرَفْعِ بَلَاءٍ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ جَاعِلًا ظَهْرَ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَإِذَا دَعَا لِسُؤَالِ شَيْءٍ وَتَحْصِيلِهِ أَنْ يَجْعَلَ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ غَيْرُهُ الْحِكْمَةُ فِي الْإِشَارَةِ بِظُهُورِ الْكَفَّيْنِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ دُونَ غَيْرِهِ التَّفَاؤُلُ بِتَقَلُّبِ الْحَالِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ كَمَا قِيلَ فِي تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَةِ الْمَسْئُولِ وَهُوَ نُزُولُ السَّحَابِ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ الْحَافِظ بن حَجَرٍ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ إِبْطَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَعْرٌ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ حَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِنَ الْأَحْكَامِ لَهُ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّ الْإِبْطَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ غَيْرُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَانَ هَذَا لِجَمَالِهِ ﷺ فَإِنَّ كُلَّ إِبْطٍ مِنَ النَّاسِ مُتَغَيِّرٌ لِأَنَّهُ مَغْمُومٌ مُرَاوِحٌ وَكَانَ مِنْهُ ﷺ أَبْيَضُ عَطِرًا
[١٥١٤] مُقْنِعٌ بِكَفَّيْهِ أَيْ رَافِعُهُمَا
[١٥١٥] اللَّهُمَّ اسْقِنَا يَجُوزُ فِيهِ قَطْعُ الْهَمْزَةِ وَوَصْلُهَا لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْقُرْآن ثلاثيا ورباعيا قَزَعَةٌ بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْقِطْعَةُ مِنَ الْغَيْمِ وَخَصَّهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِمَا يَكُونُ فِي الْخَرِيفِ تَقَشَّعَتْ أَيْ أَقْلَعَتْ وَتَصَدَّعَتْ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الْإِكْلِيلِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ كُلُّ شَيْءٍ دَارَ بَين جوانبه
стр. 421
[١٥١٨] اللَّهُمَّ أَغِثْنَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ كَذَا الرِّوَايَةُ بِالْهَمْزَةِ رُبَاعِيًّا أَيْ هَبْ لَنَا غَيْثًا وَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ وَقِيلَ صَوَابُهُ غِثْنَا لِأَنَّهُ مِنْ غَاثَ قَالَ وَأَمَّا أَغِثْنَا فَإِنَّهُ مِنَ الْإِغَاثَةِ بِمَعْنَى الْمَعُونَةِ وَلَيْسَ مِنْ طَلَبِ الْغَيْثِ وَلَا قَزَعَةٌ هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ الْقِطْعَةُ مِنَ السَّحَابِ قَالَ أَبُو عَبِيدٍ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْخَرِيفِ سَلْعٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون اللَّام
стр. 422
جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ فَطَلَعَتْ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ قَالَ ثَابِتٌ وَجْهُ التَّشْبِيهِ فِي كَثَافَتِهَا وَاسْتَدَارَتِهَا وَلَمْ يَرِدْ فِي قَدْرِهَا مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا فِي رِوَايَةٍ سَبْتًا أَيْ أُسْبُوعًا وَكَانَتِ الْيَهُودُ تُسَمِّي الْأُسْبُوعَ السَّبْتَ بِاسْمِ أَعْظَمِ أَيَّامِهِ عِنْدَهُمْ فَتَبِعَهُمُ الْأَنْصَارُ فِي هَذَا الِاصْطِلَاحِ ثُمَّ لَمَّا صَارَ الْجُمُعَةُ أَعْظَمَ أَيَّامِهِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ سَمَّوْا الْأُسْبُوعَ جُمُعَةً وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ رِوَايَةَ سِتًّا تَصْحِيفٌ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا بِفَتْحِ اللَّامِ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ اجْعَلْ أَوْ أَمْطِرْ وَالْمُرَادُ بِهِ صَرْفُ الْمَطَرِ عَنِ الْأَبْنِيَةِ وَالدُّورِ وَلَا عَلَيْنَا قَالَ الطِّيبِيُّ فِي إِدْخَالِ الْوَاوِ هُنَا مَعْنًى لَطِيفٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهَا كَانَ مُسْتَسْقِيًا لِلْآكَامِ وَمَا مَعَهَا فَقَطْ وَدُخُولُ الْوَاوِ يَقْتَضِي أَنَّ طَلَبَ الْمَطَرِ عَلَى الْمَذْكُورَاتِ لَيْسَ مَقْصُودًا لِعَيْنِهِ وَلَكِنْ لِيَكُونَ وِقَايَةً مِنْ أَذَى الْمَطَرِ فَلَيْسَتِ الْوَاوُ مُحَصِّلَةً لِلْعَطْفِ وَلَكِنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ تَجُوعُ الْحُرَّةُ وَلَا تَأْكُلُ بِثَدْيِهَا فَإِنَّ الْجُوعَ لَيْسَ مَقْصُودًا لِعَيْنِهِ وَلَكِنْ لِكَوْنِهِ مَانِعًا عَنِ الرَّضَاعِ بِأُجْرَةٍ إِذْ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَالظِّرَابُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ ظَرِبٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ
стр. 423
وَقَدْ تُسَكَّنُ قَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ الْجَبَلُ الْمُنْبَسِطُ لَيْسَ العالي وَقَالَ الْجَوْهَرِي الرابية الصَّغِيرَة صيبا هُوَ الْمَطَر
стр. 424
[١٥٢٦] بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ هُوَ النَّجْمُ مِنَ النُّجُومِ قِيلَ هُوَ الدَّبَرَانُ وَقِيلَ هُوَ ثَلَاثَةُ كَوَاكِبٍ كَالْأَثَافِيِّ تَشْبِيهًا بِالْمِجْدَحِ الَّذِي لَهُ ثَلَاثُ شُعَبٍ وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الْأَنْوَاعِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَطَرِ
[١٥٢٧] قَحَطَ الْمَطَرُ أَيْ امْتَنَعَ وَانْقَطَعَ وَفِي الْبَارِعِ قَحَطَ الْمَطَرُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْحَاءِ وَقَحَطَ النَّاسُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَفِي الْأَفْعَالِ بِالْوَجْهَيْنِ فِي الْمَطَرِ وَحُكِيَ قُحِطَ النَّاسُ بِضَمِّ الْقَافُ وَكَسْرِ الْحَاء فتكشطت أَي تكشفت
[١٥٢٨] مِثْلُ الْجَوْبَةِ بِفَتْحِ الْجِيمِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْحُفْرَةُ الْمُسْتَدِيرَةُ الْوَاسِعَةُ وَالْمُرَادُ هُنَا الْفُرْجَةُ فِي السَّحَابِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْمَعْنَى أَنَّ السَّحَابَ تَقَطَّعَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مُسْتَدِيرًا وَانْكَشَفَ عَنْهَا حَتَّى بَايَنَتْ مَا جَاوَزَهَا مُبَايَنَةَ الْجَوْبَةِ لِمَا حَوْلَهَا وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالنُّونِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ عِيَاضٌ وَهُوَ تَصْحِيف بالجود
стр. 425
هُوَ الْمَطَرُ الْوَاسِعُ الْغَزِيرُ * (* كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ *) * قَالَ النَّوَوِيّ روى أَبُو دَاوُد وَغَيره وُجُوهًا فِي صَلَاة الْخَوْف يبلغ مجموعها سِتَّة عشر وَجها
следующие страницы →