Полный текст (502 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وإذا دارت المفسدة بين الكراهة والتحريم فللاحتياط تحمل على التحريم فإن كانت مفسدة التحريم محققة فقد؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ باجتنابها.
وإن كانت منفية فقد اندفعت مفسدة المكروه، وأثيب على قصد اجتناب المحرم، فإنَّ اجتناب المحرم أفضل من اجتناب المكروه كما أن فعل الواجب أفضل من فعل المندوب.
قال ابن عبد السلام وغيره والله أعلم.
قال أبو حامد الغزالي: (واعلم أنَّ المنكر ينقسم إلى محظور، ومكروه فإذا قلنا: منكر مكروه، فاعلم أن المنع منه مستحب والسكوت عليه مكروه، وليس بحرام، إلا إذا لم يعلم الفاعل على أنه مكروه، فيجب ذكره له فإنَّ الكراهة حكم في الشرع يجب تبليغه إلى من لا يعرفه. وإذا قلنا منكر محظور، أو قلنا: منكر مطلقًا فيزيد به المحظور، ويكون السكوت عليه مع القدرة محظورًا. فمن ذلك إسارة الصلاة بترك الطمأنينة في أركانها فهو منكر مبطل للصلاة عند جمهور العلماء بنص حديث - المسيء في صلاته - فيجب النهي عن ذلك، إلا الحنفي الذي يعتقد أنه لا يمنع صحة الصلاة، إذ لا ينفع النهي معه، ومن رأى ذلك شيئًا فسكت على فهو وشريكه، هكذا ورد به الحديث وقد ورد في الغيبة ما يدل عليه وهو أن المستمع شريك للقائل، وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة من نجاسة لا يراها، أو انحراف عن القبلة، إلا لمن يعلم أنَّ الواجب إصابة الجهة، فكل ذلك يجب إنكاره.
فإن كان المعكتف في المسجد يضيع أكثر أوقاته في أمثال ذلك، ويشتغل عن التطوع من الصلاة وذكر وغيره، فإن هذا أفضل منه، لأنه فرض وهي قربة تتعدى فائدتها فهي أفضل من نافلة تقتصر عليه فائدتها).
(وكذلك ينبغي أن توضع الأعمال في مواضعها وأوقاتها على حسب مراد الله - تعالى - منه، فيضع كل عمل موضعه فلا يقدم ما لا يفوت على ما يفوت، ولا يقدم العمل المفضول على الفاضل ولا يراعي الجمعية مطلقًا بل يراعي مراد الرب - تعالى - في العمل ورضاه به
стр. 107
وإن تفرقت جمعيته إذا كان العبد مطالبًا بذلك العمل، أما إذا لم يطالب فرعاية الجمعية أفضل وأولى من رعايته غيرها.
ومثاله إذا رأى مظلومًا وأمكنه نصرته باليد واللسان بلا فتنة وشر يترتب على نصرته وله جمعية وحال يعلم أنها تتفرق بنصرته، فليقدم النصرة على الجمعية، لأنها مراد الرب سبحانه - منه في ذلك الوقت وذلك الموطن. فكذا اذا راي منكرًا وقد انتهكت المحارم وله جمعية يعلم تفرقتها في إقامة دين الله فليقم بدين الله، ولا يلتفت إلى الجمعية، فإن إقامة الدين هي مراد الرب في هذا الموطن وفي هذا الوقت وأمثال ذلك، فكما أنه يتلذذ بالجمعية مع الله فنبغي أن بتلذذ بالتفرقة إذا جاء أمر الله، فإن الجمعية لله، والتفرقة لله، فيكون الفرح (برضى) الله لا بغير ذلك. كما قال الإمام العارف عماد الدين أحمد الواسطي وغيره).
قال أبو حامد ﵀: (وإن كان الاشتغال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنعه عن الكسب الذي هو قوته، فإن كان معه مقدار كفايته لزمه الاشتغال بذلك، ولم يجز له ترك الإنكار لطلب زيادة الدنيا، فإن كان محتاجًا إلى الكسب لقوت يومه فهو عذر له فيسقط الوجوب عنه، لعجزه عنه انتهي).
وسيأتي الكلام على ما يسقط به وجوب الأمر بالمعروف.
فصل - ٣١ - : قول العز: من فعل واجبًا متعديًا أو مندوبًا متعديًا أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديان فقد قام بحق نفسه وحق ربه
قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: (من فعل واجبًا متعديًا أو مندوبًا متعديًا، أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديين فقال قام بحق نفسه، وحق ربه، وحق من تعدي إليه ذلك. والقرآن مشحون بالترغيب في هذا النوع.
ثم قال - في مكان آخر - كل مطيع لله محسن إلى نفسه فإن كان إحسانه متعديًا إلى غيره تعدد أجره بتعدد من تعلق به إحسانه وكان أجره على ذلك مختلفًا باختلاف ما تسبب إليه من جلب المصالح ودرء المفاسد، فإن كان إمامًا فهو محسن إلى نفسه، وإلى كل من تعلق به إحسانه من رعيته وأعوانه وأنصاره وولاته وقضاته، وإن كان حاكمًا فهو محسن إلى نفسه بطاعة ربه، وإلى المدعو إن كانت له حجة فقد نصره بإيصال حقه إليه، وإلى المدعى
стр. 108
عليه طالما يتخلص خصمه من ظلمه، والمدعي مظلومًا. وإن كان الأمر بالعكس فقد نصر المدعي عليه مظلومًا، والمدعي ظالمًا.
وإن كان شاهدًا فهو محسن إلى نفسه، وإلى الخصمين بالتحمل والأداء، لأنه متسبب إلى نصر الظالم والمظلوم.
وإن كان مفتيًا فهو محسن إلى نفسه وإلى المستفتي وإلى المستفتى عليه، وإلى غير ذلك من جميع أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم قال رحمه الله تعالى في مكان آخر: (وإن قدر على الجمع بين الأمر بمعروفين في وقت واحد لزمه ذلك، لوجوب الجمع بين المصلحتين. وإن تعذر الجمع بينهما لزمه الأمر بأفضلهما - لما ذكرناه من تقديم أفضل المصلحتين على أدناهما.
مثال: الجمع بين الأمر بمعروفين فما زاد مثل أن يرى جماعة قد تركوا الصلاة المفروضة حتى ضاق وقتها بغير عذر. فيقول لهم بكلمة واحدة: صلوا أو قوموا إلى الصلاة، فإن أمر كل واحد منهم واجب على الفور. وكذلك تعليم ما يجب تعليمه، وتفهيم ما يجب تفهيمه باختلاف رتبه وهذان قسمان:
أحدهما: وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه كتعريف التوحيد، وصفات الإله، فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل.
القسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة، كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامة الطاعات، التي هي وسائل إلى المثوبات والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد).
(ومن قدر على الجمع بين درء أعظم الفعلين مفسدة ودرء أدناهما مفسدة جمع بينهما لما ذكرناه من وجوب الجمع بين درء المفاسد: مثل أن ينهى عن منكرين متفاوتين أو متساويين فما زاد بكلمة واحدة.
مثال المنكرين المتفاوتين: أن يرى إنسانًا يقتل رجلًا، وآخر يسلب مال إنسان فيقول لهما كفَّا عمَّا تصنعان.
ومثال المتساويين: أن يرى اثنين قد اجتمعا على قتل إنسان أو سلب ماله فيقول لهما كفا عن قتله أو سلبه. وكذلك يقول للجماعة: كفوا عما تصنعون. وإن قدر على دفع
стр. 109
المنكرين دفعة واحدة لزمه ذلك بكلمة واحدة.
وإن قدر على دفع أحدهما دفع الأفسد فالأفسد والأرذل فالأرذل سواء قدر على دفع ذلك بيده أو بلسانه: مثل أن يتمكن الغازي من قتل واحد من المشركين بسهم ومن قتل عشرة برمية واحدة تنفذ في جميعهم فإنه يقدم رمي العشرة على رمي الواحد، إلا أن يكون الواحد بطلًا عظيم النكاية في الإسلام حسن التدبير في الحروب فيبدأ برميه؛ دفعًا لمفسدة بقائه، لأنها أعظم من مفسدة بقاء العشرة.
وكذلك لو قدر على أن يفتح فوهة النار أولى من قتل المائة، لما فيه من عظم المصلحة، فإن كان فتح الفوهة أخف من قتل المائة بالسلاح.
وكذلك تتفاوت كراهة المنكر بالقلوب ـ عند العجز - عن إنكاره باليد واللسان - بتفاوت رتبة فتكون كراهة الأقبح أعظم من كراهة ما دونه. والله أعلم).
فصل - ٣٢ - : بيان آراء العلماء في: هل من شروط وجوب إنكار المنكر غلبية الظن في إزالته
ولا يسقط عن المكلف وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله؛ لقوله - تعالى -: ﴿وذكِّر فإنَّ الذِّكرى تنفع المؤمنين﴾. فإنَّما عليه الأمر والنهي لا القبول؛ لقوله - تعالى -: ﴿مَّا على الرسول إلاَّ البلاغ﴾.
واختلف العلماء ﵃ هل من شروط وجوب إنكار المنكر غلبة الظَّنِّ في إزالته؟
ففيه روايتان عن الإمام أحمد: إحدى الروايتين ليس من شرطه لظاهر الأدلة وجه الأولى قوله - تعالى -: ﴿واصبر على ما أصابك﴾.
قال القاضي أبو يعلى - في كتاب المعتمد -: ويجب إنكار المنكر وإن لم يغلب في ظنه زواله في إحدى الروايتين نقلها أبو الحارث.
стр. 110
وقد سئل أحمد ﵁ عن الرجل يرى منكرًا ويعلم أن لا تقبل منه - يسكت؟ فقال: إذا رأى المنكر فليغيره ما أمكنه.
قال ابن حمدان في (الرعاية الكبرى): وقيل ينكره وإن أيس من زواله أو خاف أذًى أو فتنة، والعالم والجاهل، والعدل والفاسق، والمسيب والغريب في ذلك سواء. انتهي. والله، أعلم.
وروى ابن أبى الدنيا - بإسناده - عن سفيان بن عيينة. قال: قالوا لعبد الله بن عبد العزيز في الأمر بالمعروف تأمر من لا يقبل منك؟ قال: يكون (معذورًا) قلت: عبد الله، هو عبد العزيز عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵃.
قال الذَّهبي: كان يلقب بالعمري، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر قوالًا بالحق.
وقال أبو الوفاء ابن عقيل: (إذا غلب على ظنه أنه لا يزول، فروايتان عن الإمام أحمد: إحداهما يجب).
قال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدَّس الله روحه - (ويجوز أن يرتدع، وينزجر، ويرق قلبه، ويلحقه التوفيق والهداية، ببركة صدقة فيرجع عما هو عليه، والظن لا يمنعه من جواز إنكاره).
وقال أبو حامد الغزالي: (فإن كان غالب ظنه أنه يفيد وهو مع ذلك لا يتوقع مكروهًا فقد اختلفوا في وجوبه، إذ لا ضرر فيه وحذره متوقع، وعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقتضي الوجوب بكل حال).
وقال الإمام أحمد - في روايةٍ أخرى - في الرجل يرى منكرًا، ويعلم أنه لا يقبل منه هل يسكت؟ فقال: يغير ما أمكنه، فظاهره أنه لا يسقط.
وعنه رواية آخري: يلزمه إذا رجا حصوله - ذكره أبو الفرج بن الجوزي وقال الأرجي في نهاية المبتدئين:
стр. 111
يجوز الإنكار فيما لا يرجى زواله وإن خاف أذى.
وقيل: لا يجوز. وقيل: يجب.
وذكر القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء - في المعتمد - أنه لا يجب. وإذا لم يجب الإنكار ففعله أفضل من تركه، قاله ابن عقيل. وقال القاضي - خلافًا لأكثرهم في قولهم - ذلك قبيح ومكروه إلا في موضعين: أحدهما، كلمة حق عند سلطان جائر، والثاني: إظهار الإيمان عند ظهور كلمة الكفر. انتهى.
(ولا يسقط فرضه - أيضًا - بالتوهم؛ لأنه لو قيل له: لا تأمر فلانًا بالمعروف فإنه يقتلك. لم يسقط عنه لذلك، وحكى القاضي عياض عن بعضهم وجوب الإنكار مطلقًا في هذه الحال وفي غيرها).
وحكي عن ابن العربي المالكي ﵀ أنه قال: إن رجا زوال المنكر وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له الاقتحام عند أكثر العلماء.
وسيأتي في الإنكار على السلطان - في الباب الثاني - من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله فيه مقال أن يقوله، فيقول الله : ما منعك أن تقول فيه. فيقول: يا رب خشيت الناس فيقول: أنا أحق أن تخشى).
وله طرق هنالك عديدة.
قال الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام: ومن قدر على إنكار المعاصي مع الخوف على نفسه كان إنكارها مندوبًا إليه ومحثوثًا عليه، لأن المخاطرة بالنفوس في إعزاز الدين مأمور بها كما يتعزز بها في قتال المشركين، وقتال البغاة المتأولين، وقتال ما نهى الحقوق بحيث لا يمكن تحصيلها منهم إلا بالقتال.
وسيأتي في الباب الثاني - من حديث طارق بن شهاب أن رجلًا سأل النبي ﷺ : (أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حقٍ عند سلطانٍ جائر). فجعلها ﷺ أفضل الجهاد؛
стр. 112
لأن قائلها قد جاد بنفسه كل الجود بخلاف من يلاقي قريبه في القتال؛ فإنه يجوز أن يقهره ويقتله فلا يكون بذله نفسه - مع تجويز سلامتها - كبذل المنكر نفسه مع يأسه من السلامة.
قال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدَّس الله روحه -: (فهل يجوز الإنكار إذا غلب على ظنه الخوف على نفسه؟ فعندنا يجوز ذلك وهو الأفضل إذا كان من أهل العزيمة والصبر فهو كالجهاد في سبيل الله مع الكفار.
قال أبو الفرج بن الجوزي: (فأما السبُّ والشتم فليس بعذرٍ في السكوت، لأن الآمر بالمعروف يلقى ذلك في الغالب).
وسيأتي - في فضل الصبر - من الباب الرابع - قول أبي داود لأحمد ﵀: (يشتم الآمر بالمعروف؟ قال: يحتمل. من يريد أن يأمر وينهى، لا يريد أن ينتصر بعد ذلك).
وقد جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كان أهل قريةٍ يعملون بالمعاصي وكان فيهم أربعة نفر ينكرون ما يعملون. فقال أحدهم: إنكم تعملون كذا وكذا! !
فجعل ينهاهم ويزجرهم بقبيح ما يصنعون فجعلوا يردون عليه ولا يرجعون عن أعمالهم فسبهم فسبوه وقاتلهم فغلبوه فاعتزل. وقال: اللهم إني نهيتهم فلم يطيعوني وسببتهم فسبوني وقاتلتهم فغلبوني ثم ذهب وقام الآخر فنهاهم فلم يطيعوه فسبهم فسبوه فاعتزل. ثم قال: اللهم إني نهيتهم فلم يطيعوني، وسببتهم فسبوني ولو قاتلتهم غلبوني ثم قام الثالث فنهاهم فلم يطيعوه فاعتزل. ثم قال اللهم إني نهيتهم فلم يطيعوني ولو سبيتهم لسبوني ولو قاتلتهم غلبوني ثم ذهب. وقام الرابع وقال: اللهم إني لو نهيتهم لم يطيعوني ولو سببتهم لسبوني ولو قاتلتهم غلبوني ثم ذهب فاعتزلهم.
قال ابن مسعود ﵁: كان الرابع أدناهم منزلة وقليل فيكم مثله.
ولا يسقط وجوبه - أيضًا - بتأويل ولا مداهنة.
قال أبو داود سليمان بن الأشعث: (سئل أبو عبدالله يعني الإمام أحمد ﵀ -
стр. 113
عن رجلٍ له جار يعمل بالمنكر ينكر عليه؟ قال: نعم ينكر عليه ... ).
قال أبو طالب عمر بن الربيع: واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حالان مخالفان للطبع والهوى، فلا ينبغي لأحد أن يدع ما يلزمه من القيام بهما بتأويل، والمؤمن لا يدع نفسه تميل إلى التأويل، لما أكَّد الله - سبحانه - بقوله: ﴿لاَّ تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يؤادُّون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾.
فلا يسع أحدًا بعد هذا أن يدفع عن نفسه شيئًا مما وجب عليه القيام لله به بتأويل يريد أن يسقط عن نفسه شيئًا مما وجب عليه وجوب فرض لله - تعالى -.
وكذلك لا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، زعمًا أن ذلك رضا بقضاء الله - تعالى - كما غلط فيه بعض المنحرفين والبطالين وقالوا: إن المعاصي والفجور وغير ذلك - من القبائح الظاهرة والباطنة - من قضاء الله وقدره، فيجب الرضا به وعدم التعرض إلى فاعله بقول أو فعل ولو بالكراهة فقد تلبس عليهم حتى رأوا السكوت على المنكرات مقامًا من مقامات الرضا، وسموه حسن الخلق، وحتى ذهبوا إلى ترك الدعاء زاعمين أن ذلك رضاء بوجود القضاء. فهذا كله جهل بالتأويل وغفلة عن فهم معنى التنزيل، فقد ذم - سبحانه - من رضي بالمعاصي، وما يتعلق بها من أمور الدنيا المذمومة حيث قال: ﴿ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾.
وقال - تعالى -: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم﴾.
وفي الأحاديث المشهورة ما يدل على أن من رضي بمنكر كان شريكًا لفاعله - كما سيأتي في هذا الباب وغيره.
بل من أسباب رضا الله - تعالى - على العبد كراهة معاصيه، والمبادرة بالإنكار على أهلها والقيام بما أوجبه - سبحانه - عليه من ذلك.
وأنشدوا:
يا طالب الأمر لا تركن إلى الكسل ... واعجل فقد خلق الإنسان من عجل
واستشعر الصبر وانه من لمحة وقل ... أعوذ بالله من علم بلا عمل
стр. 114
فصل - ٣٣ - : عدم سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعزلة مادام قادرًا على الأمر والنهي
ولا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعزلة وعدم الاختلاط بالناس إذا كان قادرًا على الأمر والنهي، ولم يكن في غيره كفاية، بل الحضور مع المسلمين وتكثير سوادهم في جمعهم وجماعاتهم ومشاهد الخير، ومجالس الذكر، وعيادة مريضهم وتشييع جنائزهم وإرشاد جاهلهم وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واكتساب الفوائد، وتكثير الشعائر، والتعاون على البر والتقوى، وإعانة المحتاج، ونصر المظلوم.
وقمع نفسه عن الإيذاء، وصبره على الأذى من أفضل القربات وأجلُّ العبادات - كما ذكر غير واحد من العلماء.
قال النواوي ﵀: اعلم أن الاختلاط بالناس - على هذا الوجه - هو المختار الذي كان عليه رسول الله ﷺ وسائر الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - وكذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، ومن خلفهم من علماء المسلمين وخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين كسعيد بن المسيب، وعامر بن شرحبيل الشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شبرمة، وشريح بن الحارث القاضي، وشريك بن عبد الله، ومن بعدهم كهشام بن عروة، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وتبعهم - في ذلك - جمهور العلماء ﵃ أجمعين.
قال الغزالي: (وقال أكثر التابعين: باستحباب المخالطة واستكثار المعارف والإخوان للتآلف والتحبب إلى المؤمنين - والاستعانة بهم في الدين، تعاونًا على البر والتقوى).
قال النواوي: فمذهب الشافعي، وأكثر العلماء على أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن.
وقطع به في موضع - عن الإمام أحمد -.
لقوله - تعالى -: ﴿على البرِّ والتَّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتَّقوا﴾ انتهى.
فإن قيل: فلم لا يجب الخروج من بين الفساق؟ قيل: لأن الله - تعالى - لم يوجب
стр. 115
ذلك، وإنما أمر بإنكار المنكر، لكن إن عجز أحد، وشاء أن يخرج تنزهًا؛ مخافة أن يسمع ما لا يحل فذلك أفضل - قاله جماعة من العلماء - وأيضًا فإن الأنبياء لم يزالوا مقيمين بين الكفار الذين يعملون بالمعاصي، وكانوا ينهونهم، ويخبرونهم بما عليهم من عقاب الله وهم مقيمون بينهم.
فإن قيل: فإن لم يقدروا على إزالة المنكر فهل يحل لهم أن يقعدوا في الأسواق وغيرها مع ما يسمعون من المنكر؟ قيل: نعم، إذا أنكروا عليهم، ووعظوهم فانتهوا لم يكن في قعودهم ضرر، إذا كانوا منكرين بألسنتهم وقلوبهم.
وروى البيهقي من حديث (أبي صغير) عسعس بن سلامة التيمي (بفتح العينين وإسكان السينين التيمي ﵁ أن رجلًا أتى الجبل يتعبد ففقد وطلب فوجد فجيء به إلى رسول الله ﷺ فقال: (لا تفعل أنت ولا أحد منكم، لصبر أحدكم ساعة من نهار في بعض مواطن الإسلام خير من عبادته خاليًا أربعين عامًا).
ورواه شعبة عن الأزرق بن قيس. قال: سمعت عسعس بن سلامة يقول بذلك فذكره.
وفي جامع الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: غزونا على الناس في هذا الشعب ولن أفعل ذلك حتى أذكر لرسول الله ﷺ فقال ﵊: (لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاته بسبعين عامًا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلوا الجنة؟ اغزوا في سبيل الله فإنه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة أدخله الله الجنة).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
رواه الحاكم في المستدرك وفي لفظه: ستين عامًا.
وقال: صحيح على شرط مسلم.
وفي رواية الترمذي: قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بشعب فيه عوينة من ماء عذب فأعجبته لطيبها. فقال: لو أقمت في هذا المكان أعبد الله وأعزل شرِّي عن
стр. 116
الناس سأستأذن في ذلك رسول الله ﷺ فذكر ذلك له. فقال رسول الله ﷺ : (لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله ساعة أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا. ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ قالوا: نعم. فقال: فاغزوا في سبيل الله فإنه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وجبت له الجنة).
ورواه الإمام أحمد - في المسند - ولفظه: أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ مر بشعب فيه عين ماء عذبة فأعجبه طيبه. فقال: لو أقمت هاهنا وخلوت. ثم قال: لا، حتى أسأل النبي ﷺ فسأله فقال: (مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من مقامه في أهله سبعين سنة. أما تحبون أن يغفر الله لكم فيدخلكم الجنة؟ جاهدوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة).
(فواق ناقة) هو ما بين رفع يد الحالب عن الضرع وقت الحلب ووضعها. قيل هو ما بين الحلبتين. والله أعلم.
وفي الترمذي، وسنن ابن ماجه من حديث يحيي بن وثاب، عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).
ولم يسم الترمذي ابن عمر بل أبهم. قال: عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ والطريق واحد.
ورواه ابن أبي الدنيا - بسنده - عن يحيى بن زياد - أيضًا- عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ حسبته قال: قلت: من هو؟ قال: ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لم يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) ورواه أبو نعيم في الحلية.
وفي سنن أبي داود وغيرها من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رجلًا قال يا رسول الله ائذن لي في السياحة فقال رسول الله ﷺ : (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله).
стр. 117
وفي الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح قال: (زرت عائشة مع عبيد بن عمير الليثي وهي مجاورة بثبير فسألتها عن الهجرة. فقالت: لا هجرة اليوم كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله ﷺ مخافة أن يفتن عنه فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد ونية).
وروي - أبو نعيم - في الحلية - بسنده عن الأوزاعي أنه قال: (وقد سئل أيهما أحب إليك إبراهيم بن أدهم أو سليمان الخواص؟ قال: إبراهيم أحب إليّ، لأن إبراهيم كان يخالط الناس وينبسط إليهم).
وروى عن وهب بن منبه - رحمة الله عليه - أن رجلًا قال له: هممت بالعزلة فما ترى؟ قال: (لا تفعل: بل إلى الناس حاجة وبالناس إليك حاجة ولكن كن صموتًا نطوقًا أصم سميعًا أعمي بصيرًا، فإنه لا بد لك من الناس ولا بد للناس منك).
فوائد خلطة الناس سبعة:
(قال المحققون من العلماء: وفي خلطة الناس فوائد سبعة:
الأولى: التعليم والتعلم، وهما أعظم العبادات، كما قال بعض السلف: هداية الخلق أفضل من كل عبادة، كما جاء في غير حديث.
ولا يتصور ذلك إلا بالمخالطة فالمحتاج إلى التعلم لما هو فرض عليه، عاص بالعزلة إذ لا تليق العزلة إلا بالعالم.
الفائدة الثانية: النفع والانتفاع، أما النفع فإنه ينفع الناس إما بماله أو ببدنه فيقوم بحاجاتهم على سبيل الحسبة.
ففي النهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب عظيم، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة الآتي جملة منها - في الباب التاسع -.
وذلك لا ينال إلا بالمخالطة فمن قدر عليها مع القيام بحدود الشرع فهي أفضل له من
стр. 118
العزلة؛ لأن الأدب في القيام بحقوق الخلق هو عدم الإفراط بحيث يشتغل بها عن حقوق الله أو عن تكميلها أو عن مصلحة دينه وقلبه وأن لا يقصر في شيء منها فيعطلها بالكلية، فإن الطرفين من العدوان الضار والله لا يحب المعتدين. ومتى اعتزل الناس ضاعت الحقوق وانقطعت الأرحام فلا يترك حق الباطل.
وأما الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة وذلك لا يتأتى إلا بالمخالطة - أيضًا - والمحتاج إليه مضطر إلى ترك العزلة وكذلك إذا اكتسب من وجهة وتصدق وأنفق على عياله فهو أفضل من العزلة.
الفائدة الثالثة: التأديب والتأدب، أما التأدب فهو الارتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في تحمل أذاهم؛ كسرًا للنفس وقهرًا للشهوات وهي من الفوائد التي تستفاد بالمخاطبة وذلك أفضل من العزلة. وأما التأديب فهو أن يروض غيره وذلك حال شيخ المتصوفة معهم، فإنه لا يقدر على تهذيبهم إلا بمخالطتهم، وحاله حال المعلم وحكمه حكمه.
الفائدة الرابعة: الاستئناس والإيناس وهو غرض من يحضر الولائم والدعوات ومواضع المعاشرة والأنس فقد يستحب ذلك لأمر الدين وذلك فيمن يستأنس بمشاهدة أقواله وأحواله في الدين كالأنس بالمشايخ الملازمين لسمت التقوى. ويستحب إذا كان الغرض منه ترويح القلب بتهييج دواعي النشاط في العبادة، فإن القلوب إذا أكرهت عميت ومتى كان في الوحدة وحشة وفي المجالس أنس يروح القلب فهو أولى، إذ الرفق في العبادة من حزم العبادة فهو أمر لا يستغنى عنه، فإن النفس لا تألف الحق على الدوام ما لم تروح وفي تكليفها الملازمة تفتير. قال ﷺ : (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه).
قال ابن عباس ﵄: لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس فلا يستغني الناس إذا عن رفيق يستأنس بمشاهدته ومحادثته فهذا النوع من الاستئناس في بعض أوقات النهار ربما يكون أفضل من العزلة في حق بعض الأشخاص. والله أعلم.
الفائدة الخامسة: نيل الثواب وإنالته، أما نيله فمثل حضور الجنائز، وعيادة المرضى والإعانة على البر والتقوي وحضور مجلس علم وقضاء حاجة وحضور العيدين، وأما الجمع والجماعات في سائر الصلوات فلا بد منها إلا لخوف ضرر ظاهر يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة ويزيد عليه كما ذكر العلماء في مواطنه، وكذلك في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وكذلك في حضور الولائم والدعوات ثواب من حيث إدخال السرور على قلب المسلم.
стр. 119
وأما إنالته الثواب، فهو أن يفتح الباب ليعوده الناس أو يعزوه في المصائب أو يهنئوه على النعم، فإنهم ينالون بذلك ثوابًا وكذلك إذا امتنعوا عن المعاصي بأمره ونهيه. وأما إذا كان سببًا لاجتماع الناس على طاعة الله من صلاة وذكر وغيره أو هداية ضال ونحوه فذلك الغاية القصوى.
الفائدة السادسة: من فوائد المخالطة: التواضع؛ لأنه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في الوحدة وقد يكون الكبر سببًا في اختيار العزلة. كما روي في الإسرائيليات: أن حكيمًا من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين كتابًا في الحكمة حتى ظن أنه قد نال عند الله منزلةً فأوحى الله - تعالى - إلى نبي زمانه أن قل لفلان: قد ملأت الأرض نفاقًا وإني لا أقبل من نفاقك شيئًا. قال: فتخلى وانفرد في سرب تحت الأرض وقال: الآن قد بلغت محبة ربي فأوحى الله إلى نبيه. أن قل له: بإنك لن تبلغ رضاي حتى تخالط الناس وتصبر على أذاهم فخرج فدخل الأسواق وخالط العامة وجالسهم وواكلهم فأوحى الله تعالى - إلى نبيه. أن قل له: الآن قد بلغت رضاي.
قال الغزالي: فكم من معتزل في بيته وباعثه التكبر ومانعه من المحافل أن لا يوقر ولا يقتدي به، ويري الترفع عن مخالطتهم أرفع لمحله.
الفائدة السابعة: التجارب، فإنها تستفاد من المخالطة للخلق ومجاري أحوالهم والعقل الغريزي ليس كافيًا في تفهم مصالح الدين والدنيا وإنما تفيدها التجربة والممارسة ولا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب. ومن أهم التجارب أن يجرب الإنسان نفسه وأخلاقه وصفات باطنه وذلك لا يقدر عليه في الخلوة؛ فإن كل غضوب أو حقود أو حسود أو بخيل أو متكبر إذا لم يخالط الناس لم تتحقق هذه الصفات من نفسه ولا يدركها وهذه الصفات مهلكات في أنفسها يجب إماطتها وقهرها ولا يكفي تسكينها بالتباعد عما يحركها فمثال القلب المشحون بهذه الخبائث مثال دمل ممتلئ بالقيح والمدة وقد لا يحس صاحبه بألم ما لم يتحرك أو يمسه غيره فإن لم يكن له يد تمسه أو عين تبصر صورته ولم يكن معه من يحركه أو يمسه ربما يظن بنفسه السلامة ولم يشعر بالدمل في نفسه واعتقد فقده ولكن لو حركه محرك أو أصابه مشرط حجام لانفجر منه القيح وفار فوران الشيء المحتقن إذا حبس عن الاسترسال فكذلك القلب المشحون بهذه الأخلاق الذميمة إنما تنفجر خبائثه إذا حرك، فالمخالطة لها فائدة ظاهرة عظيمة في استخراج الخبائث وإطهارها ولذلك قيل: (السفر يسفر عن الأخلاق) فإنه نوع من المخالطة الدائمة ثم قال الغزالي: وستأتي فوائد هذه المعاني ودقائقها في ربع المهلكات فإنه بالجهل بها يحبط العمل الكثير وبالعلم بها يزكو العمل القليل.
стр. 120
وهذه الفوائد مرجعها إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن ينبغي أن يزن الإنسان ثواب هذه الفوائد بإقامتها فعند ذلك قد تترجح العزلة وقد تترجح المخالطة كما ذكر الغزالي وغيره. والله أعلم.
ولو لم يكن من فوائد المخالطة سوى التماس بركة المسلمين لكان ذلك كافيًا).
وقد روي الطبراني، وغيره من حديث ابن عمر أنه قيل لرسول الله ﷺ الوضوء من - جر - جديد مخمر أحب إليك أو من هذه المطاهر التي يتطهر منها الناس؟ فقال: (بل من هذه المطاهر التماسًا لبركة أيدي المسلمين).
قال أبو الفرج بن الجوزي ﵀: (من قدر على نفع المسلمين بماله أو بدنه لقضاء حوائجهم مع القيام بحدود الشرع - فإنه أفضل من العزلة إن كان لا يشتغل في عزلته إلا بالنوافل والأعمال البدنية، وإن كان ممن انفتح له طريق عبادة القلب بدوام ذكر أو فكر فذلك الذي لا يعدل به البتة). انتهى.
فصل - ٣٤ - : من تيقن من وجود منكر بالسوق وكان قادرًا على تغييره لزمه الخروج لتغييره
ومن تيقن أن في السوق منكرًا يجري على الدوام أو في وقت بعينه وهو قادر على إزالته وتغييره، فلا يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه، بالقعود في البيت، بل يلزمه الخروج فإن كان لا يقدر على تغيير البعض. وهو محترز عن مشاهدته، ويقدر على البعض لزمه الخروج لأن خروجه إذا كان لأجل تغيير ما يقدر عليه فلا يضره مشاهدة ما لا يقدر على تغييره وإنما يمنع الحضور لمشاهدة المنكر من غير غرض صحيح فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه ليصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات، ثم يعلم ذلك أهله وأقاربه ثم يتعدى - بعد الفراغ منهم - إلى جيرانه، ثم أهله وأقاربه، ثم إلى السواد ثم إلى البوادي فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد.
стр. 121
وإلا خرج للأمر والنهي به كل قادر عليه قريبًا كان أو بعيدًا، ولا يسقط الخروج للأمر والنهي ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفروض دينه، وهو قادر على أن يسعى إليه بنفسه أو بغيره فيعلمه فرضه.
فصل - ٣٥ - : في إنكار المنكر أجر عظيم وفي عدم إنكاره الإثم الكبير
وكما أن في إنكار المنكر (أجر عظيم وثواب جسيم)، فكذلك الإثم الكبير على من تركه عند وجوبه.
وقد سبق في أوائل الكتاب من الآيات الكريمات ما يدل على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم تاركه.
ثم يذكرها هنا ما لم يذكر هناك في ذمه وتوعده.
قال الله - تعالى -: ﴿إنَّ الَّذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّنَّاه للنَّاس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللَّاعنون﴾.
(هذا وعيدٌ شديدٌ لمن يكتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله - تعالى - في كتبه التي أنزلها على رسله).
أخبر - سبحانه - (في هذه الآية أن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ملعونون بلعنة الله أي يتبرأ منه ويبعده من ثوابه).
(واللاعنون الملائكة والمؤمنون، قاله قتادة والربيع).
وقال مجاهد وعكرمة: هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فقيل: المراد بالذم كل من كتم علمًا من دين الله يحتاج إلى نشره كما هو مفسر في الأحاديث الآتية قريبًا.
стр. 122
وفيه دليل على أن ما كان من غير ذلك جاز كتمه.
وقال بعض العارفين: الإشارة في هذه الآية لمن كان الحق كاشفه بعلم من آداب السلوك ثم ظن بإظهاره للمريدين على وجه النصيحة والإرشاد استوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه نزع البركة من علمه حتى يقصر فيه كما أخر تعليم المستحق. والله أعلم.
وفي الصحيح وغيره من حديث أبي هريرة موقوفًا: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدًا شينًا: ﴿إنَّ الُّذين يكتمون ما أنزلنا من البيِّنات والهدى﴾ الآية.
وسيأتي الحديث قريبًا. من رواية ابن ماجه بلفظ آخر.
ثم قال - تعالى -: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا. فبئس ما يشترون﴾.
قال أهل التفسير: هذه الآية توبيخ لعلماء اليهود وهو خبر عام لهم ولغيرهم. قال الحسن وقتادة: (في كل من أوتي علم شيء من الكتاب، فمن علم شيئًا من الكتاب فليعلمه وإياكم والكتمان).
وقال تعالى: ﴿وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا﴾.
أي لا يكتمون ما بأيديهم من العلم، بل يبذلون ذلك مجانًا، ولهذا قال: ﴿أولئك لهم أجرهم عند ربهم﴾.
وروى ابن ماجه عن النبي: (إذا لعن آخر هذه الأمة أولها ... فمن كتم حديثًا فقد كتم ما أنزل الله).
ثم قال - تعالى -: ﴿إنَّ الَّذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلاَّ النَّار ولا يكلِّمهم الله يوم القيامة ولا يزكِّيهم ولهم عذاب أليم﴾.
стр. 123
يعني علماء اليهود كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة- محمد ﷺ وصحة رسالته.
﴿ويشترون به﴾ يعني بالمكتوم ثمنًا قليلًا أي أخذ الرشا وسماه قليلًا، لانقطاع مدته وسوء عاقبته.
قال المفسرون: وهذه الآية وإن كانت نزلت في الأخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارًا لذلك، بسبب دينًا يصيبها.
وذكر البطون دلالة وتأكيدًا على حقيقة الأكل، إذ قد يستعمل مجازًا فيعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة فأخبر عن المآل بالحال.
وقيل: يعذبهم على الكتم بالنار وعليه أكثر المفسرين.
قوله: ﴿ولا يكلمهم الله﴾ عبارة عن الغضب عليهم، وإزالة الرضا عنهم.
يقال: فلان لا يكلم فلانًا إذا غضب عليه. وقيل لا يكلمهم بما يحبون.
وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية.
﴿ولا يزكيهم﴾ أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطرهم.
وقيل: لا يثني عليهم خبرًا.
﴿ولهم عذاب أليم﴾: أي موجع والله أعلم.
وفي سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة موقوفًا: والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت عنه يعني النبي ﷺ شيئًا أبدًا لولا قول الله -تعالى-: ﴿إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب﴾ إلى آخر الآيتين. ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾. قال بعض المفسرين هو البخل بالعلم لأن اليهود بخلوا بإظهار العلم الذي عندهم من صفة النبي ﷺ وكتموا ذلك، ولهذا قال: ﴿واعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا﴾.
قال ابن كثير: (ولا شك أن الآية محتملة لذلك).
стр. 124
وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سئل علمًا يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار).
قال الترمذي: (حديث حسن).
ورواه أبو داود ولفظه: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة).
ولفظ ابن ماجه: (ما من رجل يحفظ علمًا فكتمه) وذكر الحديث.
وروى ابن ماجه -أيضًا- وأبو نعيم أحمد بن عبد الله- في كتابه المستخرج على صحيح مسلم- نحوه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (من كتم علمًا مما ينتفع به في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار).
وروى أبو يعلى، والطبراني -في الكبير- من حديث ابن عباس مرفوعًا: (من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار) الحديث.
وروى الطبراني -أيضًا- في الكبير نحوه من حديث عبد الله بن عمرو.
وروى في الأوسط من حديث ابن مسعود مرفوعًا: (أيما عبد آتاه الله علمًا فكتمه لقي الله يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار).
وروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن عبد الله بن عمر في قوله -تعالى-: ﴿وإذا وقع القول عليهم﴾.
قال: (إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر).
стр. 125
قال ابن عباس ﵄ في قوله -تعالى-: ﴿واتقوا فتنًة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصًة﴾ (أمر الله) المؤمنين أن لا يقروا منكرًا بين أظهرهم فيعمهم العذاب. وكذلك تأول فيها الزبير بن العوام، وغيره. والله أعلم.
وفي الصحيحين، ومسند احمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ عن النبي ﷺ دخل عليها يومًا فزعًا يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، فقالت زينب: قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث، هذه رواية الصحيحين.
وفيهما -أيضًا- أنه ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: (أترون ما أرى؟ قالوا: لا. قال: فإني أرى الفتن تقع خلال بيوتكم كمواقع القطر).
وفي رواية أحمد، والترمذي، وابن ماجه قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من نوم محمرًا وجهه. وهو يقول: لا إله إلا الله. وذكر نحوه.
وفي جامع الترمذي بعد قوله: لا إله إلا الله يرددها ثلاث مرات، وعنده- عوض قوله•وحلق) - وعقد عشرًا.
وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.
ورواه مالك -في الموطأ- من حديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂ قالت:
стр. 126
(يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال رسول الله ﷺ نعم، إذا كثر الخبث).
ورواه أحمد من حديثها -أيضًا- ولفظه. قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده فقلت: يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون؟ قال: بلى. قلت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان).
قوله- في الرواية- الأولى- (ويل) هي كلمة تقال لمن وقع في هلكة ولا يترحم عليه بخلاف- ويح.
وقوله: (للعرب) يعني المسلمين من أهل البادية.
و(الردم) السد، لأنه ردم يأجوج ومأجوج (وهو سد ذي القرنين).
و(يأجوج ومأجوج) بالهمز فيها وتركه- طائفتان من لود يافث بن نوح وهما صنفان من الترك أمتان أكثر الأمم.
وقوله: (أنهلك) بكسر اللام، وحكي فتحتها.
(وفينا الصالحون) أي يقع الهلاك بقوم فيهم من لا يستحق ذلك.
وقوله: (إذا كثر الخبث).
قال أبو عمر بن عبد البر: أولاد الزنا، وقال غير: الزنا.
وإسناد هذا الحديث من سباعيات البخاري. والله أعلم.
وقوله" (إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم) فيه إشارة إلى الحروب التي وقعت بينهم كمقتل عثمان ويوم الحرة وغيرها.
وروى أبو القاسم الطبراني، وأبو بكر البزار وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: قيل: يا رسول الله أتهلك القرية وفيها الصالحون؟ قال: نعم. قيل: بم يا
стр. 127
رسول؟ قال: بتهاونهم وسكوتهم عن المعاصي.
قال أبو عبد الله محمد بن عبد القوي- في نظمه:
تعم بما نجني العقوبة غيرنا ... هنا وغدا يشقى بها كل معتد
وقد ضرب رسول الله ﷺ مثلًا للمنكر والساكت عن الإنكار بما ثبت عنه في صحيح البخاري، ومسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا) هذه رواية البخاري.
ورواية أحمد والترمذي نحوها وقال: حديث حسن صحيح.
ورواه ابن أبي الدنيا -بسنده- عن عامر الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁ يقول على المنبر: يا أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم، فإني سمعت رسول الله ﷺ (يقول): (إن قومًا ركبوا البحر في سفينة فاقتسموا فأصاب كلُّ رجل مكانًا فأخذ رجل منهم الفأس فنقر مكانه فقالوا: ما تصنع؟ قال: مكاني أصنع به ما شئت. فإن أخذوا على يديه نجوا ونجا، وإن تركوه غرقوا وغرق. خذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا).
ورواه أبو الفرج بن الجوزي -بسنده- عن النعمان بن بشير مرفوعًا -أيضًا-:
"إن مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمداهن فيها كمثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها. فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه ولم (نؤذ) من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا".
هذا لفظ روايته، وعزاه إلى الصحيحين.
стр. 128
قوله: (القائم في حدود الله) أي المنكر لها، القائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود: ما نهى الله عنه ورسوله.
و(استهموا) أي: اقترعوا. والاستهام طلب السهم والنصيب.
قال العلماء: والهلاك المذكور في الحديث يحتمل (أن) يكون حسيًا ويحتمل أن يكون معنويًا، فأم المعنوي، فإن الواقع في الذنب قد أهلك نفسه، لما يؤول إليه من العذاب بسبب ما فعل والذي لم يغير عليه مثله، لأنه أمر بالتغيير فلما لم يغير وقع في ذنب آخر وهو تركه تغيير المأمور به فأهلك نفسه بما يؤول إليه من العذاب -أيضًا- فإن أخذ على يديه، وأقام عليه حد الله فقد نجا الفاعل للذنب بالحد الذي أقيم عليه.
لحديث عبادة بن الصامت الآتي في آخر الباب الثامن قوله ﷺ : ( .. ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارةٌ له).
ونجا -أيضًا- الذي غير عليه، بإنكاره عليه، وإقامة حكم الله كما أمر وثبت له على ذلك الثواب الجزيل، بدليل (ما تقدم من الكتاب والسنة) وما سيأتي من كلام الله -تعالى-، وحديث رسول الله ﷺ .
وأما الهلاك الحسي، فإن صاحب المعصية يخاف عليه الهلاك في هذه الدار، وكذلك الذي لم يغير عليه، بدليل من الكتاب والسنة. أما الكتاب فقصة أهل السبت. وقد سبق الكلام عليها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ قالت أمةٌ منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم﴾.
وأما السنة:
فلما تقدم، ويأتي من الأحاديث المرفوعة والموقوفة.
قال بعض العلماء: وقد يراد المجموع وهو الظاهر من الحديث، لأنهم إذا تركوهم يفتحون فيدخل الماء في نصيبهم فسيهلكون فهم تسببوا في هلاك أنفسهم ومن تسبب في قتل نفسه فهو هالك في الدنيا والآخرة. وهلاكه في الدنيا بذهاب نفسه، وفي الآخرة بدخول النار والله أعلم.
стр. 129
وفي الصحيحين، ومسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أنزل الله بقوم عذابًا، وأصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم، وعند أحمد على أعمالهم وهي رواية البخاري).
هذا يبين حديث زينب السالف قبله.
قال العلماء: فيكون إهلاك جميع الناس عند ظهور المنكر والإعلان، لأن محاربة ذلك وتغييره واجب عليهم فمن رأى ولم ينكر كمن فعل.
(ودل قوله: ثم "يبعثون" وفي رواية (بعثوا على أعمالهم) أن ذلك الهلاك العام يكون طهرة للمؤمنين الطائعين ونقمة على الفاسفين).
وفي صحيح ابن حبان وغيره من حديث عائشة ﵄ قالت: (قلت يا رسول الله إن الله أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم؟ فقال: يا عائشة إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمة فيهم الصالحون فيصابون معهم ثم يبعثون على نياتهم).
وفي جامع الترمذي من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف قالت: قلت: أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا أظهر الخبث).
وروى مسلم، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أم سلمة -رضي الله
стр. 130
عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ : (يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم فقلت: يا رسول الله! فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته- ورواه الإمام أحمد -أيضًا- من حديث حفصة بنت عمر مرفوعًا بلفظ: يأتي جيش من قبل المشرق يريدون رجلًا من أهل مكة حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم (مثل) ما أصابهم. فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان مستكرهًا؟ قال: يصيبهم كلهم ذلك، ثم يبعث الله كل امرئ على نيته).
وفي مسند أحمد -أيضًا- من حديث عدي بن عدي بن عميرة الكندي، عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يعذب العامة بذنوب الخاصة حتى يروا المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة).
ورواه أحمد -أيضًا- من حديث عدي بن عدي قال: (حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: قال: رسول الله ﷺ فذكره).
ورواه ابن أبي الدنيا بسنده- عن سيف بن أبي سليمان قال: سمعت عدي بن عدي يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره.
ورواه الطبراني، من حديث العرس بن عميرة أخي عدي والله أعلم.
وفي سنن أبي داود، وابن ماجه، من حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا).
ورواه الإمام أحمد -في المسند-.
стр. 131
ولفظه: "ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي، هم أعز منه وأمنع لم يغيروا عليه إلا أصابهم الله بعذاب".
ورواه ابن حبان- في صحيحه وأبو القاسم الأصبهاني.
ورواه ابن أبي الدنيا بهذا اللفظ، ورواه من طريق آخر.
بلفظ: "أيما قوم عمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر لم يغيروا إلا عمهم الله بعقابه".
ورواه -أيضًا- بسنده- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا: "ما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم".
ورواه البيهقي- في شعب الإيمان- بسنده، عن جرير بن عبد الله، عن أبي بكر ﵄ موقوفًا.
قال: «إذا عمل قوم بالمعاصي، بين ظهرانيهم قوم هم أعز منهم فلم يغيروا عليهم أنزل الله عليهم بلاء، ثم لم ينزعه منهم».
وفي المعجم الأوسط للطبراني، وشعب البيهقي من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أوحى الله ﵎ إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها. فقال: يا رب إن فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين. فقال: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط).
قوله: يتمعر أي يتغير [يحمَّر] فالمعنى: إن هذا كان رجلًا متعبدًا وعمل على نفسه ولم يلتفت إلى غيره، بل اشتغل فيما هو فيه، ولم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر، فخسف به أولًا، فمن لم يغضب لله، ولم يتمعر وجهه إذا انتهكت حرمات الله لحقه الإثم وحق عليه العذاب.
فعلى كل واحد من الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حسب حاله لا ينبغي أن يسعه السكوت عن ذلك البتة- كما سبق ويأتي ... والله أعلم.
وروى الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم -بسنده- عن يحيى بن يعمر.
стр. 132
قال: خطب علي بن أبي طالب ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس إنما هلك من هلك قلبكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا، ولا يقرب أجلًا انتهى).
وتأمل يا أخي عاقر الناقة فإنه ما كان إلا واحدًا كما أخبر -سبحانه- في قوله: ﴿إذ انبعث أشقاها﴾. وقوله: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر﴾ وتبعه ثمانية فصاروا تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون فأنزل الله العذاب على قوم صالح بأجمعهم (سواء من آمن منهم به) فأهلك من تحت أديم السماء من مشارق ومغاربها.
قال الله -تعالى-: ﴿إنا أرسلنا عليهم﴾ ولم يقل: عليه. فهلكت الأمة كلها معه وشمل الأصاغر والبهائم من العقوبة ما شمل الأكابر حين لم ينهوا عن عقر الناقة منهم ورضوا بفعله، وكذلك سائر الأمم السالفة الهلكى، يشمل صغارهم ونساءهم وحيوانهم العذاب فعياذًا بك اللهم من سخطك وغضبك وأليم عقابك.
وذكر الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا، عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داود الخطيئة. قال: يا رب اغفر لي. قال قد غفرتها لك، وألزمت عارها بني إسرائيل. قال: يا رب كيف وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدًا؟ أعمل أن الخطيئة، وتلزم عارها غيري؟ فأوحى الله إليه: لما عملت الخطيئة لم يعجلوا عليك بالإنكار.
وفي مسند الإمام أحمد ﵀، وجامع الترمذي، وشعب البيهقي، وغيرهم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي
стр. 133
نفسي بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم).
قال الترمذي حديث حسن.
قوله: (ليوشكن) بكسر الشين المعجمعة أي ليسرعن فلولا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض لما وجب العقاب على تركه، ولأن العقوبات إنما تجب بترك الواجبات. والله أعلم.
وفي سنن ابن ماجه وغيرها من حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجب الله لكم).
ورواه أحمد والبيهقي بلفظ: (يا أيها الناس، إن الله يقول مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجيب لكم).
وروى ابن أبي الدنيا، والطبراني، وأبو القاسم الأصبهاني في حديث سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم وقبل أن تستغفروا فلا يغفر لكم. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقًا ولا يقرب أجلًا. وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء).
أشار بقوله ﷺ في الحديث إلى قوله -تعالى-: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾.
وفي الترغيب والترهيب لأبي القاسم الأصبهاني -بسنده- عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها. قالوا: يا رسول الله ما الاستخفاف بحقها؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله -تعالى- فلا ينكر ولا يغير).
стр. 134
وفي مسند أبي بكر البزار -بسنده- عن عمر بن الخطاب، ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم).
ورواه ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر، وزاد- بعد قوله: (فلا يستجاب لهم): (لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن عليكم من لا يرحم صغيركم ولا يوقر كبيركم).
ومعنى الحديث: أن الله سبحانه: لا يجعل في قلوب الأشرار الرهبة منكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجعل في قلوبكم رهبتهم وإذا ارتفعت من قلوب الأشرار الهيبة من المؤمنين، استجرؤا عليهم وتسلطوا عليهم فإذا دعى خيارهم لم يستجب لهم لأنهم ضيعوا أمر الله ومن ضيع أمر الله لم يستجب له.
وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض فيبقى عجاج لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا).
قال العلماء: الشريطة من الناس: الأشراف.
ويعني يقبض من يختاره من أهل الخير.
والعجاج: الرعاع من الناس وهم الأخلاط.
وروى أبو الشيخ بن حيان من حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: (بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر).
стр. 135
ورواه علي بن معبد- في كتاب الطاعة والمعصية- من حديث الحسن البصري مرسلًا بزيادة تأتي في هذا الباب.
وروى من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.
وبئس -في كلام العرب- مستوفية للذم، كما أن نعم مستوفية للمدح.
وفي مسند أحمد، وجامع الترمذي، وصحيح ابن حبان، من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وبينه عن المنكر) وقال: حديث غريب.
وفي لفظ: (ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير) فذكره.
قوله: (ليس منا) أي ليس من نصحائنا والمخلصين منا من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر بحسب وسعة وطاقته بشرائطه.
وروى الترمذي، وابن ماجه من حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بالمعروف أو نهيًا عن منكر، أو ذكر الله ).
وروى أبو القاسم الطبراني- في الأوسط، والكبير من حديث ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ : الإسلام عشرة أسهم، وقد خاب من لا سهم له، شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملة، والثانية الصلاة وهي الفطرة، والثالثة الزكاة وهي الطهرة والرابعة الصوم وهو الجنة، والخامسة الحج وهي الشريعة، والسادسة الجهاد وهي العروة، والسابعة الأمر بالمعروف وهي الوفاء والثامنة النهي عن المنكر وهي الحجة، والتاسعة الجماعة وهي الألفة، والعاشرة الطاعة وهي العصمة).
стр. 136
وروى أبو يعلى الموصلي، وأبو القاسم الأصبهاني -بسنديهما- عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الإسلام ثمانية أسهم، الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، وصوم رمضان سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له).
ورواه أبو بكر البزار من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا.
ولفظه: الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم، والزكاة سهم، وحج البيت سهم، والصيام سهم، والصلاة سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له).
ورواه البيهقي مرفوعًا وموقوفًا.
قال الدارقطني: وهو الأصح.
فدل هذا الحديث: على أن من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر خارج من صفة المؤمنين، كما أن من لم يقم الصلاة ويؤت الزكاة خارج عن صفة المؤمنين، فوجب على المؤمنين -حينئذٍ- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما وجب عليهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. والله أعلم.
وفي صحيح أبي عبد الله الحاكم، وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم، وتحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسليمك على أهلك، فمن انتقص شيئًا منهم فهو سهم من الإسلام يدعه، ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره).
وروى الطبراني -في الكبير بسنده- عن علقمة بن سعد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن جده قال: خطب رسول الله ﷺ ذات يوم، فأثنى على طوائف من المسلمين خيرًا، ثم قال: (ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعطونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون
стр. 137
ويتفطنون) أو لأعاجلنهم العقوبة ثم نزل، فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء؟ قال: الأشعريين هم قوم فقهاء ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب فبلغ ذلك الأشعريين، فأتوا رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ذكرت قومًا بخير، وذكرتنا بشر، فما بالنا؟ فقال: ليعلمن قوم جيرانهم وليفطننهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون، أو لأعاجلنهم بالعقوبة في الدنيا (فقالوا: يا رسول الله أنفطن غيرنا؟ فأعاد قوله عليهم وأعادوا قولهم: أنفطن غيرنا؟ فقال ذلك -أيضًا- فقالوا أمهلنا سنة فأمهلهم سنة، (ليفقهونهم ويعلمونهم ويعظونهم) ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ... ﴾ الآية).
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بسنده، عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (كيف أنتم إذا طغى نساؤكم، وفسق شبابكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك كائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده، وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف إذا لم تأمروا بمعروف وتنهوا عن منكر؟ قالوا: أكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده، وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، يقول الله -تعالى-: ﴿ربي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيرانًا﴾.
ورواه ابن أبي الدنيا -أيضًا- من حديث ابن مسعود بلفظ آخر: (رواه أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة مقتصرًا على الأسئلة الثلاثة وأجوبتها دون الآخرين).
قوله: (لأتيحن) بمثناة من فوق، ثم بمثناة من تحت، ثم حاء مهملة ونون مشددة أي لأقيضن- قاله العلماء.
стр. 138
وذكر رزين نحو هذا الحديث عن علي مرفوعًا -أيضًا- بلفظ: (كيف بكم إذا فسق فتيانكم، وطغى نساؤكم؟ قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن؟ قال: نعم وأشد، كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن؟ قال: نعم وأشد. كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن؟ قال: نعم وأشد. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا).
وروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن ابي ميسرة عمرو بن شبرحبيل- رحمة الله عليه- قال: «يكون في آخر الزمان رجاجة من الناس لا يعرفون حقًا، ولا ينكرون منكرًا يتراكبون كما يتراكب الدواب والأنعام».
وروى -ايضًا- بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اله ﷺ : (ما طفف قوم كيلًا ولا بخسوا ميزانًا إلا منعهم الله القطر، ولا ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا أظهر الله فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم).
وفي سنن ابن ماجه من حديث جابر -رضي الله (عنهما) -، قال: لما رجعت إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر، قال: (ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ ) قال فتية منهم: بلى يا رسول الله بينما نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهبانيهم تحمل على رأسهم قلة فيها ماء فمرت بفتى منهم. فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها: فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها. فلما ارتفعت التفتت إليه. فقالت: سوف تعلم، يا غدر إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا.
قال: يقول رسول الله ﷺ : (صدقت صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟ ).
وروى البيهقي في الشعب من حديث ابن بريدة عن أبيه قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرضه الحبشة لقيه رسول الله- ﷺ فقال: أخبرني بأعجب شيء رأيته بأرض
стр. 139
الحبشة فقال: مرت امرأة على رأسها مكتل فيه طعام، فمر بها رجل على فرس فأصابها فرمى بها، فجعلت أنظر إليها وهي تعيده في مكتلها وهي تقول: ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلومين من الظالم، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه فقال: (كيف تقدس أمة لا يؤخذ لضعيفها من شريفها حقه وهو غير متعتع).
ورواه البيهقي -أيضًا- من حديث جابر مختصرًا بلفظ: (لا قدست أمة لا يأخذ لضعيفها حقه من قويها غير متعتع).
وروى نحوه الطبراني- في المعجم الكبير- من حديث خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب مرفوعًا: (ما قدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها الحق من قويها غير متعتع مختصرًا).
ورواه الطبراني -أيضًا- في الكبير، والأوسط من طريق أخرى بلفظ: (قالت: كان على رأس رسول الله ﷺ وسق من تمر لرجل من بني ساعدة فأتاه يقتضيه فقضاه تمرًا دون تتمره فأبى أن يقبله فقيل: أترد على رسول الله ﷺ قال: نعم ومن أحق بالعدل من رسول الله فاكتحلت عينا رسول الله ﷺ بدموعه. ثم قال: صدق من أحق بالعدل مني لا قدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها ولا يتعتعه مختصرًا).
ورواه أحمد عن عائشة، وكذلك البزار.
ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث أبي سعيد أيضًا ورواته رواة الصحيح.
ولفظه: «لا قدست أمة لا يعطى الضعيف فيها حقه غير متعتع».
ورواه ابن ماجه من حديث أبي سعيد -أيضًا- وذكر فيها قصة التمر المتقدمة آنفًا من حديث خولة غير الأولى وفيها أن النبي ﷺ قال: (لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع).
стр. 140
ورواه الطبراني من حديث أبي مسعود الأنصاري بإسناد جيد.
ورواه -أيضًا- من حديث معاوية ولفظه: «لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق ويأخذ الضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع».
المكتل شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا تعتعه بتاءين مثناتين من فوق، وعينين مهملتين- أي أقلقه وأتعبه بكثرة ترداده إليه ومطله إياه .. والله أعلم.
وروى الإمام أحمد، والبيهقي، وابن أبي الدنيا، وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رأيتم أمتي لا تقول للظالم أنت ظالم فقد تودع منهم).
ورواه الحاكم من حديث ابن عمر. وقال: صحيح الإسناد.
قال البيهقي ﵀ والمعنى في هذا، أنهم إذا خافوا على أنفسهم من هذا القول فتركوه كانوا- مما هو أشد منه وأعظم من القول والعمل- أخوف، وكانوا إلى أن يدعو جهاد المسلمين (بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، خوفًا على أنفسهم، وإذا صاروا كذلك فقد تودع منهم، واستوى وجودهم وعدمهم، وتودع الخير منهم.
وقال غيره: معنى (تودع منهم) أي استريح منهم، وخذلوا فخلى بينهم وبين المعاصي أو تحفظ منهم، وتوقوا كما يتوقى من شرار الناس. والله أعلم.
وروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن الفضيل بن عياض -قدس الله روحه- قال: ذكر عن نبي الله ﷺ أنه قال: (إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي).
قال: وذكر سفيان نحوه. وقال: ذلك في كتابه : ﴿سأصرف عن ءاياتى الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾.
قال: (سأنزع عن قلوبهم فهم القرآن).
стр. 141
وفي سنن أبي داود من حديث العرس بن عميرة الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها وفي رواية (فأنكرها) كان كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها).
ورواه المغيرة بن زياد الموصلي، عن عدي بن عميرة، عن العرس به.
ورواه أبو عبد الله محمد بن منده- في كتابه معرفة الصحابة- من حديث يحيى بن عبد الحميد (الحماني) قال: حدثنا أبو بكر ابن عياش، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي، عن العرس. قال: قال رسول الله ﷺ : (سيليكم ولاة يعملون أعمالًا تنكرونها فمن أنكر سلم، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها).
وروى ابن عدي -بسنده- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من حضر معصية فكرهها فكأنه غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنه حضرها).
ورواه أبو بكر ابن أبي الدنيا- في كتاب الأمر بالمعروف- بإسناده. وقال عبد الله بن مسعود: (إن العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر صاحبه. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يبلغه فيرضى به).
فصل -٣٦ - : إذا تظاهر الناس بالمنكر وجب على كل من يراه أن يغيره في حدود القدر المستطاع
قال أبو بكر عبد الله القرطبي- عند تفسير قوله -تعالى-: ﴿واتقوا فتنًة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خآصًة﴾. فإن قيل: فقد قال الله -تعالى-: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾.
وقال: ﴿كل نفس بما كسبت رهينه﴾.
وقال: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ... ﴾.
стр. 142
وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق بصاحب الذنب؟ .
فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فيجب على كل من يراه أن يغيره، فإذا سكت عليه فكلهم عاص، هذا بفعله، وهذا برضاه. وقد جعل الله -تعالى- بحكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة. قاله ابن العربي).
وهو مضمون الأحاديث، ومقصود قوله: (واتقوا فتنة تتعدى الظالم، فتصيب الصالح والطالح).
وذكر أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي من الشافعية- في كتاب الشهادات- من الشرح الكبير- خلافًا بين العلماء في تعيين الكبائر وذكر أقوالًا لأصحاب الشافعي وغيرهم ثم قال: وفصل القاضي الروياني. فقال: الكبائر سبع. قتل النفس بغير حق، والزنا واللواط، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبًا، والقذف. وزاد- في الشامل- على السبع المذكورة: شهادة الزور وأضاف إليها صاحب العدة: أكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله ﷺ عمدًا، وسب أصحابه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمته، والأمن من مكر الله .
فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكبائر، لما تقدم في ذلك من الآيات الكريمات والأحاديث الصحاح المرفوعات، والله أعلم.
فصل -٣٧ - : ثبوت عذاب القبر لمن ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم قبول شفاعته
روى الشيخ أبو حيان- في كتاب التوبيخ -بسنده- عن ابن مسعود ﵁-
стр. 143
عن النبي ﷺ قال: (أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه نارًا. فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قال: لأنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره).
وروى -أيضًا- بسنده، عن محمد بن محمد بن يحيى بن حمزة. قال: كتب إلى المهدي أمير المؤمنين وأمرني أن أصلب في الحكم وقال في كتابة: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ قال الله (وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأي مظلومًا فقدر أن ينصره فلم يفعل).
وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث خرشة بن الحر الفزاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يشهد أحدكم قتيلاً لعله أن يكون مظلومًا فيصيبه السخط).
ورواه -أيضًا- الطبراني -في المعجم- إلا أنه قال: (فعسى أن يقتل مظلومًا فتنزل السخطة فتصيبه معهم).
وروى ابن أبي الدنيا -في كتاب الصمت- بسنده، عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من ذكر عند أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فلم ينصره ولو بكلمة أذلة الله في الدنيا والآخرة).
ورواه أبو بكر الخرائطي -في مكارم الأخلاق- وزاد: (من ذكر عنده أخوه المسلم فنصره نصره الله ﵎ بها في الدنيا والآخرة).
ورواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي، وأبو بكر بن السني من حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة).
стр. 144
قال أبو عبد الله محمد بن مفلح -رحمه الله تعالى-: (فظاهر كلام أصحابنا أن نصر المظلوم واجب، وإن كان ظالمًا في شيء آخر. وإن ظلمه في ذلك الشيء لا يمنع نصره على ظالمه في شيء آخر وهو ظاهر الأدلة. انتهى). والله أعلم.
روى البيهقي -في شعب الإيمان- بإسناد حسن، عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقفن عند رجل يقتل مظلومًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره متى لم يدفعوا عنه، ولا تقفن عند رجل يضرب مظلومًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره).
ورواه أبو القاسم الطبراني في معجمه ولفظه: (لا يقفن أحدكم موقفًا يقتل فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من يحضر متى لم يدفعوا عنه ولا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه).
ورواه الحافظ أبو نعيم: في الحلية ولفظه: (لا يقفن أحدكم على رجل يضرب ظلمًا فإن اللعنة تنزل من السماء على من حضره إذ لم يدفعوا عنه).
قال أبو حامد الغزالي: (وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلم والفسق ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها من غير حاجة اعتذارًا بأنه عاجز ولا. يجوز له حضور منكر لا يقدر على تغييره لأن اللعنة تنزل على من حضر ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لتفادي مشاهدتهم للمنكرات) انتهى.
وذكر أبو سمرة النخعي -قيل: اسمه عبد الله بن عابس-: إن منكرًا ونكيرًا أتيا رجلاً إلى قبره وقالا: إنا ضاربوك مائة ضربة فقال الميت: إني كنت كذا وكذا، وتشفع ببعض أعماله الصالحة حتى حطا عنه عشرًا ثم لم يزل يتشفع حتى حطا الجميع إلا ضربة فضرباه ضربة فالتهب القبر عليه نارًا فقال: لم ضربتماني؟ فقالا: مررت بمظلوم فاستغاث بك فلم تغثه.
стр. 145
وروى أبو الشيخ بن حيان في كتاب التوبيخ. ومن حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اغتيب عنده أخوه المسلم فلم ينصره وهو يستطيع نصره أدركه إثمه في الدنيا والآخرة).
ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب: ولفظه: (من اغتيب عنده أخوه واستطاع نصرته فنصره، نصره الله في الدنيا والآخرة).
فصل -٣٨ - : الأحاديث والآثار الواردة في ذم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأما الأحاديث الموقوفة، والآثار الواردة المعروفة بذم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمنها:
ما روى أبو القاسم الأصبهاني -في الترغيب والترهيب- بسنده، عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانًا ظالمًا لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو عليه خياركم فلا يستجيب لكم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم).
وروى أبو بكر ابن أبي الدنيا -في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بسنده، عن حذيفة بن اليمان موقوفًا: (إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير بها منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم اليوم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضُّن على الخير أو ليسحتنكم الله جميعًا بعذاب أو لتأمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم).
ورواه ابن أبي الدنيا -أيضًا- من طريق أخرى: ولفظه: "ليس منا أحد أعظم من أحد لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو لتقاتلن فليظهرن شراركم على خياركم فليقتلنكم حتى لا يبقى أحد يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ثم تدعو الله فلا يستجيبكم لمقتكم".
следующие страницы →