Полный текст (502 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وكان أبو العباس ابن تيمية يعظم شأن هذا الحديث، وكذلك غيره من العلماء ﵃.
وفي الترغيب والترهيب للأصبهاني بسنده، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنكم على بينة من ربكم ما لم تظهر فيكم سكرتان سكرة الجهل وسكرة حب العيش وأنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله وستحولون عن ذلك إذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل الله فالقائمون يومئذ بالكتاب والسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار).
ورواه أبو كبر ابن أبي الدنيا من طريق آخر ولفظه: "أنتم اليوم على بينة من ربكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، وستحولون عن ذلك إذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل أنتم اليوم على بينة من ربكم ثم تظهر فيكم السكرتان سكرة الجهل، وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك، القائمون يومئذ بالإيمان سرًا وعلانية كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولهم أجر خمسين. قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: لا، بل منكم".
ورواه الحافظ أبو نعيم -في الحلية- وأبو الشيخ ابن حيان -في كتاب الأمثال- من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: "أنتم اليوم على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في الله، ثم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك فلا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر ولا تجاهدون في الله القائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر خمسين صديقًا قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: لا بل منكم".
ورواه أبو نعيم -أيضًا- من حديث عائشة مرفوعًا: "غشيتكم السكرتان سكرة حب العيش وحبُّ الجهل فعند ذلك لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر والقائمون بالكتاب وبالسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار".
ورواه -أيضًا- من حديث عروة عن أبيه مرفوعًا: "غشيتكم السكرتان، سكرة الجهل
стр. 72
وسكرة حب العيش، فعند ذلك لا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر".
وروى الإمام أحمد -في المسند- من حديث بنت أبي لهب ﵂ قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر. فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ فقال: ﷺ : (خير الناس أقرؤهم وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم).
رواه الحافظ أبو نعيم -في كتابه معرفة الصحابة- من حديث شريك، عن سماك، عن زوج درة، عن درة ﵂ قالت: دخل علي النبي ﷺ فقلت: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: (أتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم لرحمه).
هكذا رواه عثمان بن أبي شيبة عن شريك خالفه الهيثم بن جميل وأحمد بن عبد الملك الحراني. فروياه عن شريك عن عبد الله بن عميرة عن زوج درة عن درة وهي بنت أبي لهب بن عبد المطلب.
ورواه الإمام ابن أبي الدنيا- في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبيهقي في الزهد، وأبو الشيخ ابن حيان -في كتاب الثواب- والله أعلم.
وروى ابن خزيمة- في صحيحه، وأبو القاسم الأصبهاني بسنديهما عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم. فقال رجل من القوم: يا رسول الله هذا من أشد ما أتيتنا به، قال رسول الله ﷺ : إن أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر صلاة، وحملك عن الضعيف صلاة، وإحالة القذر عن الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة).
قوله: (الميسم) بالمثناة التحتية- هي العلامة أي على كل عضو موسوم بالصنع صنع الله.
وقيل: منسم بالنون بالمراد به العظم والله أعلم.
وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن النسائي، والبيهقي، وصحيحي
стр. 73
الحاكم، وابن حبان، والمعجم الكبير للطبراني بألفاظ مختلفة، عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : (أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله. قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا أو تصنع لأخرق. قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك).
هذا لفظ الصحيحين، وأحمد.
ورواه الأصبهاني من حديث أبي الدرداء عويمر. قال: (قلت: يا نبي الله إن مع الإيمان عملًا؟ قال: يرضخ مما رزقه الله. قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال: قلت: يا رسول الله إن كان عيبًا لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: يعين صانعًا أو يصنع لأخرق. قال: قلت: يا نبي الله إن كان أخرق ولا يستطيع أن يعين مغلوبًا؟ قال: ما تريد أن تترك في صاحبك من خير؟ قال: ليمسكن أذاه عن الناس. قلت: يا نبي الله إذا فعل ذلك يدخل الجنة؟ قال: ما من مسلم أو مؤمن يفعل خصلة من هؤلاء إلا أخذت بيده حتى يدخل الجنة).
(الرضخ) الصدقة اليسيرة.
و(الأخرق) الذي لا يحسن كسبًا ولا يستطيع. وقيل الأخرق الذي لا رزق له ولا سياسة عنه والخرقان للنساء كذلك.
وقيل الأخرق الجاهل بما يجب أن يعمله.
وقيل الجاهل هو الأحمق والله أعلم.
وفي صحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) هذا لفظ مسلم ولفظ أبي داود: قال يصبح على كل سلامى من بني آدم صدقة. وتسليمه على من لقي صدقة وأمره بالمعروف
стр. 74
صدقة ونهيه عن المنكر صدقة. وإماطة الأذى عن الطريق صدقة. وبصعد أهله صدقة ويجزي من ذلك كله ركعتان من الضحى.
زاد في رواية: قالوا: يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته فيكون له صدقة؟ قال: أرأيت إن وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم؟ .
وحكى صاحب الأطراف رواية أبي داود للنسائي، وروى الحديث بلفظ آخر. وقال أهل اللغة: السلامى- بضم السين المهملة، وتخفيف اللام، وفتح الميم- المفصل.
وفي صحيح مسلم، وسنن النسائي -أيضًا- من حديث عبد الله بن فروخ، أنه سمع (عائشة) ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : (إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس أو شوكة أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين وثلاثمائة مفصل، فإنه يمشي -يومئذ- وقد زحزح نفسه عن النار).
قال أبو توبة الربيع بن نافع، وربما قال: (يمسى) يعني بالمهملة. وفي رواية- بعد قوله: (عن منكر) - أو علم خيرًا أو تعلمه.
قوله: (مفصل) بفتح الميم وكسر الصاد.
و(فروخ) - بفتح الفاء، وتشديد الراء، آخره خاء معجمة -أعجمي لا ينصرف- والله أعلم.
وروى الترمذي، وابن حبان -في صحيحه- من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك م دلوك في دلو أخيك لك صدقة).
قال الترمذي: حديث حسن.
ورواه ابن حبان بلفظ: (ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس. قيل: يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح والتحميد، والتكبير، والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى
стр. 75
عن الطريق وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك).
وقد تقدم بعض روايات هذا الحديث.
ورواه البزار، والطبراني من حديث ابن عمر. ولفظه: (إن تبسمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق يكتب لك به صدقة. وإن أمرك بالمعروف صدقة وإرشادك الضال يكتب لك به صدقة).
(أرض الضلال) يعني المضلة.
(والإماطة) الإزالة.
(والأذى) كل ما يتأذى منه في الطريق دق أو جل. قاله أهل اللغة وروى الحافظ أحمد البيهقي، عن ليلى امرأة بشير بن معبد المعروف بابن الخصاصية عن زوجها بشير ﵁ أنه سأل النبي ﷺ أصوم يوم الجمعة ولا أكلم ذلك اليوم أحدًا؟ فقال النبي ﷺ : (لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها في شهر وأن لا تكلم أحدًا فلعمري لأن تكلم فتأمر بمعروف أو تنهى عن منكر خير من أن تسكت).
وروى أبو حفص عمر بن شاهين، م طريق عبد الرحمن بن عمر بن جبلة. قال: حدثتنا حبة بنت شماح قالت: حدثتني بهية، عن أبيها. قال: سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: (إسباغ الوضوء، والصلاة لوقتها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر بالمعروف ما استطعت وأن تلقى الله ولسانك (رطب) من ذكره).
وروى الحافظ ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي ذر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كان عليه سلطان فأراد أن يذله نزع الله ربقة الإسلام من عنقه حتى يعود فيكون فيمن يعزه).
стр. 76
أمرنا رسول الله ألا يغلبونا على ثلاث: أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعلم الناس السنن ورواه الإمام أحمد -في المسند- بأتم من هذا. فقال: إن رسول الله ﷺ خطبنا. فقال: (إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وليس بمقبول منه (توبة) حتى يسد ثلمته التي ثلم وليس بفاعل، ثم يعود فيكون فيمن يعزه، ثم أمرنا رسول الله ﷺ أن لا يغلبونا على أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونعلم الناس السنن).
(الربقة) بكسر الراء وفتحها- واحدة الربق وهي عرى في حبل الشد إليهم والله أعلم.
وروى الإمام أحمد -في المسند- من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده إن المعروف والمنكر خليقتان ينصبان للناس يوم القيامة فأما المعروف فيبشر أصحابه ويوعدهم الخير وأما المنكر فيقول: إليكم وما يستطيعون له إلا لزامًا).
وروى الطبراني -في المعجم الأوسط- من حديث أم سلمة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : (صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيًا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة وأول من يدخل الجنة أهل المعروف).
وروى علي بن معبد -في كتاب الطاعة والمعصية- بسنده، عن يحيى بن عطاء، عن النبي ﷺ قال: (ما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثه في بحر لجي). قال الحافظ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي: ولا أدري من يحيى بن عطاء فهو مرسل أو معضل انتهى.
стр. 77
وروى أبو منصور شهردار الديلمي في كتاب الفردوس من حديث جابر مرفوعًا بنحوه. وروى أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده عن وهيب بن الورد مولى بني مخزوم ﵀ قال: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم فقال: يرحمك الله ما الذي أخفي من عملي؟ قال ما يظن بك أنك لم تعمل حسنة قط إلا أداء الفرائض. قال يرحمك الله فما الذي أعلن من عملي؟ قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده وقد اجتمع الفقهاء على قول نبي الله ﷺ : ﴿واجعلني مباركًا أين ما كنت﴾ وما بركته تلك؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أين ما كان.
وروى ابن أبي الدنيا أيضًا بسنده عن العلاء بن عبد الرحمن الجهني رحمة الله عليه. قال: حدثني الذي سمع عليًا. قال: الجهاد على أربع شعب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين. فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق ومن صدق في المواطن قضى ما عليه. ومن شنى الفاسقين وغضب لله غضب الله له، قال: فقام الرجل إلى علي ﵁ فقبل رأسه.
وبسنده عن الحسن بن علي بن حسن عن أبيه عن جده قال كان يقال: لا يحل لعين مؤمنة ترى الله يعصى فتطرف حتى تغيره.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أنعش حقًا بلسانه جرى (الله) له أجره حتى يأتي يوم القيامة فيوفيه الله ثوابه ... ). ورواه الطبراني في مكارم الأخلاق.
وفي رواية لأحمد: (ما من رجل ينعش بلسانه حقًا فعمل به بعده إلا جرى عليه أجره إلى يوم القيامة ثم وفاه الله -تعالى- ثوابه يوم القيامة).
ورواه البيهقي -في شعب الإيمان-.
قوله (ينعش) أي يقول ويذكر.
وروى أبو الفتح نصر بن إبراهيم -في كتاب الحجة- بسنده- عن عبد الله بن موهب عن عصمة بن مالك الخطمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لمقام أحدكم
стр. 78
في الدنيا يتكلم بكلمة يحق بها حقًا، أو يبطل بها باطلًا خير له من هجرة معي).
وروى الإمام أحمد، وابن حبان -في صحيحه- من حديث أبي ذر ﵁ قال: (أوصاني خليلي ﷺ بصلة الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا).
ورواه ابن أبي الدنيا- ولفظه: (أوصاني رسول الله ﷺ بقول الحق وإن كان مرًا، وأوصاني أن لا تأخذني في الله لومة لائم).
وروى البيهقي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق).
وقاله ابن مسعود ﵁: من كان على الحق فهو جماعة وإن كان وحده.
وقال -أيضًا-: تكلموا بالحق تعرفوا واعملوا به تكونوا من أهله.
وروى محمد بن سعد -بسنده- عن محمد بن مسلم الزهري أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب: ألا أكون بمنزلة من لا يخاف في الله لومة لائم. فقال: أما أن تلي من أمر الناس شيئًا فلا تخف في الله لومة لائم، وأما وأنت خلو من أمرهم فآليت على نفسك أمر بالمعروف وانه عن المنكر.
وقال -أيضًا-: لا يقيم أمر الناس إلا رجل يتكلم بلسانه، يخاف الله في الناس، ولا يخاف الناس في الله.
فصل -٢٣ - : ما ورد في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحث على تعلم وتطبيق أحكام الشرع لأنها تحيي القلوب
ومما ورد في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدلالة على الخير وتعليمه
стр. 79
ما روي عن سعيد بن جبير. أنه قال- عند قوله -تعالى-: ﴿إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليمٌ﴾. الأواه المعلم للخير.
وقال -تعالى-: ﴿فلولا نفر من كلِّ فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقَّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يحذرون﴾. فالإنذار: إحياء المنذر بماء العلم.
وثبت في الصحيحين، وسنن أبي داود من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم).
قوله: (حمر النعم) -بضم الحاء المهملة وإسكان الميم، والنعم بفتح النون- لون محمود من الإبل.
أي تكون لك، تتصدق بها. وقيل: تملكها. والله أعلم.
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد، وسنن ابن حبان من حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).
والحسد -هنا- يراد به الغبطة، وتمني مثل ما لأخيه مسلم من غير زوال النعمة عنه، والله أعلم.
وفي صحيح مسلم، ومسند احمد، وسنن أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا).
стр. 80
ورواه مالك في الموطأ مرسلًا. وقال فيه: "ما من داع يدعو إلى هدى .. وما من داع يدعو إلى ضلالة .. " وذكر الحديث.
ولأحمد -أيضًا- وابن ماجه. قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فحث على الصدقة. فقال رجل: عندي كذا وكذا. قال: فما بقي من المجلس رجل إلا قد تصدق بما قل أو كثر.
فقال رسول الله ﷺ : (من سن خيرًا فاستن به، كان له أجره كاملًا ومن أجور من استن به لا ينقص من أجورهم شيئًا ومن استن شرًا فاستن به فعليه وزره كاملًا ومن أوزار الذين استنوا به لا ينقص من أوزارهم شيئًا).
وروى أحمد -أيضًا- والحاكم نحوهن من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال الحاكم فيه: صحيح الإسناد.
وفي المسند -أيضًا- وجامع الترمذي من حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سن سنة خير فاتبع عليها فله أجره، ومثل أجور من تبعه غير منقوص من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة شر فاتبع عليها، كان عليه وزره ومثل أوزار من تبعه غير منقوص من أوزارهم شيئًا).
وقال الترمذي حسن صحيح.
وروى مسلم، وأحمد -أيضًا- بزيادة وفيها: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء).
ورواه ابن ماجه من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله بنحوه وقال فيه: فعمل بها بعده.
وفي سنن ابن ماجه -أيضًا- من حديث أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع، فإن له مثل أوزار من تبعه لا
стр. 81
ينقص من أوزارهم شيء، وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فإن له مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيء).
وروى الطبراني -في الكبير- بإسناد لا بأس به، عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا: (من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك، ومن سن سنة سيئة فعليه إثمها حتى تترك، ومن مات مرابطًا جرى عليه عمل المرابط حتى يبعث يوم القيامة).
وفي جامع الترمذي، وغيره من حديث عمرو بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لبلال بن الحارث يومًا: (اعلم- يا بلال. قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: اعلم أنه من أحيا سنة من سنتي أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا).
قال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه ابن ماجه في سننه، ولم يذكر بلال بن الحارث.
وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ فجاء رجل فقال: (إني أبدع بي يا رسول الله فاحملني. فقال: ما عندي ما أحملك عليه فقال رجل: أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله ﷺ من دل على خير فله مثل أجر فاعله). هذه رواية مسلم، وأحمد.
(ورواية أبي داود، والترمذي، فقال له رسول الله ﷺ : ائت فلانًا .. فأتاه فحمله).
وذلك الحديث رواه الترمذي -أيضًا- من حديث أنس بن مالك ﵁ قال:
стр. 82
أتى النبي ﷺ رجل يستحمله، فلم يجد ما يحمله، فدله على آخر فحمله فأتى لنبي ﷺ فأخبره فقال: (الدال على الخير كفاعله).
ورواه البزار وزاد "والله يحب إغاثة اللهفان".
(وروى نحوه ابن حبان -في صحيحه- من حديث ابن مسعود. ورواه البزار مختصرًا. "الدال على الخير كفاعله").
ورواه الطبراني في الأوسط، والكبير من حديث سهل بن سعد).
قوله: أبدع بي -بضن الهمزة وكسر الدال يعني عبطت ركابي. يقال: أبدع به إذا كلَّت ركابه وعطبت، وبقي منقطعًا به).
قال العلماء: المراد بمثل أجر فاعله- أن له ثوابًا بذلك الفعل كما أن لفاعله ثوابًا ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء. والله أعلم.
وروى "الحاكم" من حديث علي موقوفًا. في قوله -تعالى-: ﴿قو أنفسكم وأهليكم نارًا﴾.
قال: علموا أهليكم الخير.
وقال: صحيح على شرطهما.
وروى البيهقي، وأبو يعلى الموصلي من حديث أنس مرفوعًا: (ألا أخبركم عن الأجود الأجود؟ الله الأجود الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودكم من بعدي رجل علم علمًا فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاد بنفسه لله حتى يقتل).
وسيأتي -في الباب العاشر- إن شاء الله تعالى- بمنه وكرمه.
وروى الطبراني -في الأوسط- من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (مثل
стр. 83
الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكثر الكنوز ولا ينفق منه).
وروى -أيضًا- في الكبير- من حديث ابن عباس مرفوعًا: ناصحوا في العلم، فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله والله مسائلكم يوم القيامة.
وروى ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: (من علم علمًا فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل شيء).
وروى أيضًا أبو الشيخ ابن حيان من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علمًا، ثم يعلمه أخاه المسلم).
وروى البيهقي، وغيره من حديث جابر مرفوعًا: (يبعث العالم والعابد فيقال للعابد ادخل الجنة، ويقال للعالم: اثبت حتى تشفع للناس بما أحسنت أدبهم).
وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من داع يدعو إلى شيء إلا وقف يوم القيامة لازمًا لدعوته ما دعا إليه، وإن دعا رجل رجلًا).
وفي جامع الترمذي من حديث أبي أمامة مرفوعًا: (إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير).
وقال غريب: وفي بعض النسخ: حسن صحيح.
ورواه البزار من حديث عائشة مختصرًا. قال: (معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر).
стр. 84
وروى ابن ماجه بإسناد حسن، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله، خير لك من أن تصلي مائة ركعة. ولأن تغدو فتعلم بابًا من العلم عمل به أو لم يعمل، خير لك من أن تصلي ألف ركعة).
وروى أيضًا- من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من دخل مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه، فهو كالمجاهد في سبيل الله. ومن جاء لغير ذلك فهو كالذي ينظر إلى متاع غيره).
وروى الطبراني -في المعجم الكبير- نحوه من حديث أبي هريرة.
وروى في الكبير -أيضًا- من حديث أبي أمامة مرفوعًا: (من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرًا أو يعلمه كان له كأجر حاج تامًا حجته) ورجاله كلهم موثقون.
وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس).
(وقد روى عن ابن مسعود نحوه بمعناه).
وروى الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة مرفوعًا: (من علم عبدًا آية من كتاب الله فهو مولاه، لا ينبغي أن يخذله ولا يستأثر عليه).
وفي كتاب الحلية -لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني- بسنده، عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا: (ما أهدى مسلم إلى أخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى).
стр. 85
ورواه البيهقي -في الشعب- ولفظه من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى ويرده بها عن ردى).
وروى أبو القاسم الطبراني -في الكبير- من حديث ابن عباس مرفوعًا: (نعم العطية كلمة حق تسمعها، ثم تحملها إلى أخ لك مسلم فتعلمها إياه).
وقال الحافظ عبد العظيم المنذري: ويشبه أن يكون موقوفًا. انتهى.
وروى أبو موسى المديني نحوه، من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه مرفوعًا بلفظ "نعمت الهدية، ونعمت العطية الكلمة من كلام الحكمة يسمعها الرجل فينطوي عليها حتى يؤديها إلى أخيه".
وروى الطبراني -في الأوسط- من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهم أرحم خلفائي. قلنا يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلمونها الناس).
وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بسنده، عن ابن مسعود مرفوعًا: (من تعلم بابًا من العلم ليعلم الناس العلم أعطي ثواب سبعين صديقًا).
وروى الحافظ أبو نعيم بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: (ما من رجل تعلم كلمة أو كلمتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا مما فرض الله فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة).
قال أبو هريرة: فما نسيت حديثًا بعد إذ سمعتهن من رسول الله ﷺ .
وفي صحيح مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
стр. 86
وروى ابن ماجه بإسناد صحيح، عن قتادة مرفوعًا: (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاثًا: ولدًا صالحًا يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها وعلمًا يعمل به من بعده).
وروى -أيضًا- بإسناد حسن، وروى البيهقي، وابن خزيمة- في صحيحه من حديث أبي هريرة -أيضًا- مرفوعًا: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمه ونشره .. ) الحديث.
وروى الطبراني -أيضًا- في المعجم الأوسط- من حديث ابن عباس.
وروى الطبراني في الكبير حديث سمرة بن جندب مرفوعًا: (ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر).
مرفوعًا: (علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علمًا فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعًا ولم يشتر به ثمنًا فذلك تستغفر له حيتان البحر ودواب البر والطير في جو السماء، ويقدم على الله سيدًا شريفًا حتى يرافق المرسلين ورجل آتاه الله علمًا فبخل به على عباد الله وأخذ عليه طمعًا واشترى به ثمنًا فذلك يلجم بلجام من نار يوم القيامة وينادي مناد: هذا الذي آتاه الله علمًا فبخل به عن عباد الله وأخذ عليه طمعًا واشترى به ثمنًا وكذلك حتى يفرغ من الحساب).
وفي كتاب الزهد والرقائق -لابن المبارك- بمسنده، عن الحسن البصري -رحمة الله عليه- قال: (من استطاع منكم أن يكون إمامًا لأهله إمامًا لحيه إمامًا لمن وراء ذلك، فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب).
وبسنده، عن حماد بن أبي سليمان -رحمة الله عليه- قال: (يجيء رجل يوم القيامة فيرى عمله محتقرًا، فبينما هو كذلك إذ جاء مثل السحاب حتى يقع في ميزانه فيقال: هذا ما كنت تعلم الناس الخير فورث بعدك فأجرت فيه).
стр. 87
وقال عيسى ﵇: (من علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات).
ورواه الترمذي -في جامعه- بسنده، عن الفضيل بن عياض وقال يحيى بن معاذ: مثل الواعظ الحكيم، مثل الصياد يصيد العباد من أفواه الشياطين. فالدنيا بحره، والحكمة شبكته، وقلوب الناس صيده فلو لم يصد في عمره إلا واحدًا لكان قد حصل له خير كثير.
وسأل سليمان بن عبد الملك، أبا حازم. فقال: من أكيس الناس؟ قال رجل ظفر بطاعة الله فعمل بها، ثم دل الناس عليها.
والقوي الكامل من أوصل النفع للسالكين والهداية للحائرين وكمل به الناقص، ورجع به الناكص. وقوى به المضعوف، واستعان به الملهوف. فهذا من خلفاء الرسل حقًا والداعي إلى الله صدقًا.
وقد رجح كثير من العلماء ﵃ حق المعلم على حق الوالد. وقالوا في الوالد: إنه إنما أوجد نطفة يأكلها الدود غدًا، والمعلم سبب بقاء الروح في النعيم المقيم بالعلم الذي ألقي إليها.
وقد جاء في قراءة "عائشة الشاذة": النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم وأنشد:
من علم الناس فهو خير أب ... ذاك أبو الروح لا أبو النطف
ومن حقوق الإخوة في الدين: التعليم والنصيحة، فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال فإن كنت غنيًا بالعلم فعليك مواساته من فضلك، وإرشاده إلى كل ما ينفعه في الدين والدنيا وذلك من مراتب الجود، بل الود بالعلم أفضل من الجود بالمال، لأن العلم أشرف من المال. فمن الجود أن تبذله لمن يسألك عنه بل تطرحه عليه طرحًا. فإن علمته وأرشدته فلك يعمل بمقتضى العلم فعليك نصحه.
وأما الأولاد والأهلون فحقوقهم أعظم وتعليمهم آكد، قال قتادة في قوله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارًا﴾. (تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله تأمرهم به وتساعدهم عليه).
стр. 88
وقال الضحاك، ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله وإماءه، وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم عنه.
وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود والترمذي من حديث سبرة، عن أبيه، عن جده. قال: قال رسول الله ﷺ : (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها).
هذا لفظ أبي داود.
وقال الترمذي: حديث حسن.
وروى أبو داود نحوه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
قال الفقهاء: (وهكذا في الصوم، ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر). والله أعلم.
فصل -٢٤ - : وجوب تبليغ الشرع وأن ذلك يثمر نضارة الوجه
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث أبان بن عثمان. قال: خرج زيد بن ثابت ﵃ من عند مروان نصف النهار، قلنا: ما بعث إليه في هذه الساعة إلا لشيء سأله عنه، فقمنا فسألناه، فقال: نعم، سألني عن أشياء سمعتها من رسول الله ﷺ فقد سمعته يقول: (نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى آخر هو أفقه منه).
قال الترمذي: حديث حسن.
وروى النسائي، وابن ماجه المسند منه.
стр. 89
وزاد فيه أحمد:
ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبدًا: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم).
ورواه ابن حبان -في صحيحه- والبيهقي بتقديم وتأخير وزيادة.
(وروى نحوه -الطبراني- من حديث أنس). "إخلاص نيته ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى قال: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ وقال: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.
وروى أبو نعيم أحمد بن عبد الله في كتابه المستخرج على صحيح مسلم نحوه من حديث "الشعبي" قال: قدم علينا النعمان بن بشير فخطبنا. قال: قال رسول الله ﷺ (نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يلغه إلى من هو أفقه منه، فرب حامل فقه ليس بفقيه).
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والطبراني نحوه من حديث جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "قام فينا رسول الله ﷺ بالخيف من منى. فقال: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها من لم يسمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه).
وروى أحمد، وابن ماجه -أيضًا- والترمذي نحوه من حديث ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: (نضر الله امرءًا سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع).
هذا لفظ الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
وعند أحمد، وابن ماجه (أحفظ عوض أوعى).
قوله: (نضر الله) روي بالتشديد والتخفيف من النضارة.
стр. 90
ومعناه: الدعاء له وهي البهجة وحسن الخلق.
وقوله: (لا يغل) يروى بفتح الياء من الغل الذي هو الحقد. يعني لا يدخله حقد يزيله عن الحق.
ويروى بضم الياء (من الإغلال) وهو الخيانة.
وفي صحيح البخاري، ومسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج .. الحديث مختصر).
وروى مسلم، وابن ماجه من حديث ابن أبي بكرة، عن أبيه، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه).
وروى ابن ماجه -أيضًا- نحوه من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا "ليبلغ الشاهد الغائب".
وروى -أيضًا- نحوه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا بلفظ: "ليبلغ شاهدكم غائبكم".
وروى الإمام أحمد من حديث ابن عباس مرفوعًا: (تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم).
ورواه أبو داود مرفوعًا.
وروى الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (اللهم ارحم خلفائي. قلنا: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون يروون أحاديثي ويعلمونها الناس).
стр. 91
وروى الطبراني، وابن عبد البر، وغيرهما من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح: (تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعلميه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة ... ). الحديث.
ففي ما تقدم في هذين الفصلين من الأحاديث والآثار دليل وتنبيه على فضيلة الأمر بالمعروف من الدلالة على الخير، ومساعدة لفاعله وتعليمه العلم، ووظائف العبادات لا سيما لمن يعمل بها من المتعبدين والله أعلم.
فصل -٢٥ - : من ذب عن عرض مسلم وهو غائب وقاه الله النار يوم القيامة
روى الإمام أحمد، والترمذي، والطبراني، وابن أبي الدنيا- في كتاب الصمت، والبيهقي- في الشعب، والخرائطي- في مكارم الأخلاق من حديث أبي الدرداء عويمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من رد عن عرض أخيه رد الله النار عن وجهه يوم القيامة).
قال الترمذي: حديث حسن.
وفي رواية أخرى: (كان له حجابًا من النار).
ورواه أبو نعيم -في الحلية- ولفظه: "من رد عن عرض أخيه المسلم ... ".
وعند الترمذي: (من ذب عن عرض أخيه المسلم وقى الله وجهه لفح نار جهنم يوم القيامة).
стр. 92
ورواه أبو الشيخ ابن حيان- في كتاب التوبيخ. ولفظه: (من ذب عن عرض أخيه بالمغيبة رد الله عنه عذاب النار يوم القيامة) وتلا رسول الله ﷺ : ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾.
وفي مسند الإمام أحمد، ومعجم الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعًا: (من ذب عن عرض أخيه بالمغيبة كان حقًا على الله أن يعتقه من النار).
ورواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي ولفظه: (من ذب عن لحم أخيه بالمغيبة كان حقًا على الله أن يعتقه أو ينجيه من النار).
ورواه أحمد -أيضًا- بهذا اللفظ.
وفي رواية: (يقيه من النار).
ورواه الطبراني، والخرائطي -في مكارم الأخلاق- بهذا اللفظ من حديث أبي الدرداء.
وفي الشعب للبيهقي -أيضًا- من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من نصر أخاه بالمغيبة نصره الله في الدنيا والآخرة).
وروى -أيضًا- نحوه عن عمران بن حصين موقوفًا: (من نصر أخاه المسلم بظهر الغيب وهو يستطيع نصره، نصره الله في الدنيا والآخرة).
ورواه -أيضًا- من طريقين آخرين، عن عمران مرفوعًا.
ورواه ابن أبي الدنيا، وغيره من حديث ابن عبد الله موقوفًا بلفظ: من نصر أخاه المسلم بالغيب نصره الله في الدنيا والآخرة.
стр. 93
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن أبي الدنيا من حديث جاب بن عبد الله وأبي طلحة الأنصاري ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من مسلم يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا أخذله الله في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصرة الله - تعالى - في موضع يحب فيه نصرته).
وفي مسند أحمد، وسنن أبي داود من حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من حمى مؤمنًا من منافق بعث الله ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنًا بشيء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال).
ورواه ابن أبي الدنيا، وغيره - أيضًا - بسنده، عن أنس مرفوعًا: (من حمى عرض أخيه في الدنيا بعث الله ملكًا يوم القيامة يحميه عن النار).
وينبغي لمن ثلم عرض أخيه المسلم بحضوره أن يقدر أن أخاه حاضر من وراء جدار يتسمع عليه، ويظن أنه لا يعرف حضوره، فما كان يتحرك قلبه من النصرة له بمسمع منه ومرأى فيجب أن يكون في غيبته كذلك.
كما قال بعضهم:
ما ذكر أخ لي بغيب إلا تصورته جالسًا فقلت فيه ما يحب أن يسمعه.
وقال بعضهم:
ما ذكر أخٍ لي بغيب إلا تصورت نفسي في صورته فقلت فيه مثل ما أحب أن يقال في.
وهذا من أصدق الإسلام وهو أن لا يرى لأخيه إلا ما يراه لنفسه، ومن لم يكن مخلصًا في إخائه فهو منافق، لأن الإخلاص استواء الغيب والشهادة، واللسان والقلب، والسر والعلانية.
стр. 94
فصل - ٢٦ - : صلاح العباد في طاعة الله وطاعة الله لا تتم إلا بالاجتهاد في القيام بهذا الواجب
روى الإمام أبو عبد الله البخاري من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله).
ورواه الإمام أحمد، والنسائي من حديث أبي سعيد وحده.
ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وحده. قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من والٍ إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالًا فمن وقي شرها فقد وقي، وهو من التي تغلب عليه).
وروى أحمد هذه الرواية - أيضًا - وعنده: "ما من نبي ... ".
وفي صحيح البخاري - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (ما بعث الله من نبي، ولا كان من بعده من خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا فمن وقي بطانة السوء فقد وقي).
(بطانة الرجل) أي صاحب سره (المتبطن) بداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله كلها.
وقوله: (لا يألوه خبالًا) أي لا يقصر في إفساد أمره والخبال والخبل: الفساد يكون ذلك في الأقوال والأفعال مشتركًًا، والأجسام.
وفي سنن أبي داود، وصحيح ابن حبان من حديث عائشة ﵂ قالت:
стр. 95
قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدقٍ إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوءٍ، إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه).
ورواه النسائي ولفظه: من ولي منكم (عملًا) (فأراد الله به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه).
قال الإمام أحمد: لا نزال بخير ما كان في الناس من ينكر علينا، وما ذاك إلا لأن صلاح العباد والبلاد في طاعة الله ورسوله ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبه صارت هذه الأمة خير أمة.
وكان شغل الصحابة والتابعين في خمسة: قراءة القرآن، وعمارة المساجد، وذكر الله - تعالى - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وذلك لما سمعوه من قوله ﷺ : (كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن منكرٍ، أو ذكر الله - تعالى -).
قال أبو زكريا النواوي -رحمه الله تعالى- -: ينبغي لطالب الآخرة، الساعي في تحصيل رضى الله - تعالى - عنه، أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه وأن يخلص نيته، ولا يهابن من بنكر عليه، لارتفاع مرتبته، فإن الله - تعالى - قال ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾. وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم﴾. وقال: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. انتهى.
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: أعجب من هذا أن معروفكم منكر زمان مضى، وأن منكركم معروف زمان أتى، وإنكم لن تزالوا بخير ما عرفتم الحق.
стр. 96
وذكر أبو محمد عبد الحق الإشبيلي - في كتابه العاقبة عن أبي الحجاج اليماني قال:
قال رسول الله ﷺ : يقول القبر للميت إذا وضع فيه: ويحك يا ابن آدم ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة وبيت الدود؟ ما غرك بي إذ كنت تمر بي فدادًا - فإن كان مصلحًا أجاب عنه مجيب القبر. فيقول: أرأيت إنه كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: يقول القبر: أعود عليه خضرًا، ويعود جسده نورًا وتصعد روحه إلى رب العالمين.
وذكر قاسم بن أصبع. قال: قيل لأبي الحجاج: ما الفداد؟ قال الذي يقدم رجلًا ويؤخر أخرى يعني الذي يمشي متبخترًا.
وذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي - في تذكرته - عن ابن وهب أنه ذكر عن أبي هريرة أنه قال: إن في الجنة حوراء يقال لها: العيناء إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيف عن يمينها وعن شمالها وهي تقول: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
وروى الخلال - بسنده عن عطاء قال: كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله ( ... ) أو (أمرًا) بمعروف، أو (نهيًا) عن منكر أو () في معيشتك مما لا بد لك منه.
فصل - ٢٧ - : أجمع العلماء على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتوافر خصوص الأمر به ولتوعد الشارع تاركه بأشد العقوبة
أجمع العلماء على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محتجين على ذلك، بما سبق من الأمر به، وبما سيأتي من ذم تاركه في الآيات الكريمات والأحاديث الصحاح المرويات. فيجب على الفور لأن الغرض بالنهي زوال المفسدة، فلو أخر النهي عنهما لتحققت المفسدة والمعصية وكذلك كل ما وجب على الفور وجب الأمر به على الفور. لئلا تتأخر مصلحته عن الوقت الذي وجبت فيه فيمن يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 97
فقالت طائفة: فرض على الأئمة وأمرائهم أن يقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على أيدي الظالمين، ونصر الحق، وقتال الباغين، وإنصاف المظلومين، ومنع الدعاة من الفساق والمفسدين.
وقالت طائفة: ذلك على فرض على جماعة المسلمين لا يسعهم التخلُّف عنه بمنزلة الجهاد.
وهذا القول عليه عامَّة أهل العلم من الصَّحابة والتَّابعين وغيرهم لقوله تعالى: ﴿فقاتلوا الَّتي تبغي حتَّى تفيئ إلى أمر الله﴾.
قال أبو حفص عمر بن الملقن: وهذا هو الصَّحيح.
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو عبيد من حديث (جرير) عن الضَّحَّاك: قال الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر فريضتان من فرائض الله .
قال أبو عبيد: أرى الضَّحَّاك: إنَّما تأول بالفرائض (قوله تعالى): ﴿ولتكن منكم﴾ الآية.
وقد سبق الكلام عليها - فيما تقدَّم - والله أعلم.
ثمَّ اختلفوا هل هو فرض عين أو على الكفاية؟ فالجمهور على أنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من علم وتمكن منه بلا عذر؛ لما سبق من قوله - تعالى -: ﴿ولتكن مِّنكم أمَّةٌ يدعون إلى لخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾.
ولم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف.
وقد قال إمام الحرمين أبو المعالي (فرض الكفاية - عندي - أفضل من فرض العين من (حيث) إن فعله البعض يسقط الحرج عن جميع الأمَّة بأسرها وبتركه يأثم المتمكنون منه كلهم).
قال أبو عبد الله بن مفلح: وهو فرض كفاية على من لم يتعين عليه وسواء في ذلك الإمام والحاكم، والعالم، والجاهل، والعدل والفاسق.
стр. 98
وقال قوم: لا يجوز لفاسق الإنكار. لكنَّ الصَّحيح خلافه.
وقال آخرون: لا يجوز الإنكار إلاَّ ممَّن أذن له ولي الأمر انتهى.
وسيأتي الكلام على ذلك مفصلًا في أماكنه.
قال ابو زكريَّا النواوي: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو. وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف. والله أعلم).
وقيل: هو فرض عين على كل مسلم فيتعين على من علمه جزمًا أو شاهده يقينًا وقدر على إزالته وتمكن منه، وعرف ما ينكر، ولم يخف سوطًا ولا عصى ولا أذى.
وقيل أذى يزيد على المنكر أو يساويه ولا يهينه في نفسه أو ماله أو أهله أو حرمته، ورجا حصول المقصود.
قال أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الخلق.
وقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدَّس الله روحه -: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر واجبان على كل مكلف عالم بذلك بشرط القدرة على وجه لا يؤدي إلى فسادٍ عظيمٍ وضررٍ في نفسه وأهله وماله، ولا فرق أن يكون إمامًا أو عالمًا أو قاضيًا أو واحدًا من الرعية. انتهى.
ويجعله أبو عبد الله محمد بن عبد القوي - في منظومه فرض عين بشروط قال:
وأمر بالمعروف والنهي يا فتى ... عن المنكر اجعل فرض عين تسدد
على عالم بالحظر والفعل لم يقم ... سواه به مع أمن عدوان معتد
ولو كان ذا فسقٍ وجهلٍ وفي سوى الـ ... ـذي قيل بالكفاية فاحذر
فشرط أن لا يكون الآمر عالمًا بمحظورية الفعل، وأن غيره لا يقوم بذلك، وأن يأمن في الإنكار عدوان معتدي فإن فقد شرط من ذلك صار فرض كفاية عند صاحب النظم.
стр. 99
قال بعضهم. فمن رأى منكرًا محرمًا وجب عليه إنكاره فرضًا لازمًا لا يسعه التخلف عنه إلى وقت، لخوف فوته، وسقط عن غيره الإثم إذا كان فيه كفاية. إلا أن يشاء أن يعاونه ويشد عضده فليفعل، فإن ذلك نافلة.
وإن كان الذي رآه أولًا ليس له طاقة على إنكاره فإن أول من يطلع عليه يجب عليه معاونته فرضًا لازمًا. حتى يكون فيمن رآه كفاية فيسقط فرض ذلك (عمن) سواهم - كما سيأتي بيانه - في فضل الإعانة على إزالة المنكرات. والله أعلم.
وروي بسنده، عن عطاء بن أبي رباح: أن رجلًا سأل ابن عمر ﵄ فقال: يا أبا عبد الرحمن، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة؟ قال: نعم. قال: إن لم يفعل كفر؟ قال: لا ولكن من لم يفعل أذنب. قال: فقمت إليه فقلبت رأسه.
قال الإمام أبو عمر بن عبد البر ﵀: وأجمع المسلمون على أن تغيير المنكر واجب على من قدر عليه، وإنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك.
قال: (والأحاديث عن النبي ﷺ في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًا، ولكنها مقيدة - عنه بالاستطاعة - ذكره عن القرطبي -في تفسيره).
وقد بوب أبو زكريا النواوي ﵀ في كتاب الأذكار - على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال: (هذا الباب أهم الأبواب أو من أهمها، لكثرة النصوص الواردة فيه، ولعظم موقعه، وشدة الاهتمام به، وكثرة تساهل أكثر الناس فيه) انتهى.
قال ابن مفلح: ومن ترك ما يلزمه فعله بلا عذر ظاهر وجب الإنكار عليه، وينكر على من ترك الإنكار المطلوب مع قدرته عليه).
فصل - ٢٨ - : تأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الحكام
ويتأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أعيان المسلمين وهم ذوو
стр. 100
الولاية والسلطان. فعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز، قال الله - تعالى-: ﴿فاتَّقوا الله ما استطعتم .. ﴾.
وروى مسلم، وأحمد والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ( ... إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم ... ).
ثم العلماء الذين قد رفع الله لهم علمًا في الدين، وأقامهم أئمَّة للمؤمنين وجعلهم حجَّةً على العالمين.
ثم العباد الذين قد نشر الله لهم علمًا في العبادة، وأجاش عليهم القلوب بالمحبَّة والإرادة.
ثمَّ غيرهم من أهل النفاسة من الأمراء والتجار وغيرهم ممن قد نشر الله لهم علمًا بقبول القول فهؤلاء الحجَّة عليهم آكد، والمساءلة من الله لهم أشد، لما منَّ الله به عليهم، وبسط لهم في الجاه، وقبول القول فمتى تكلم هؤلاء في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أعز الله بهم الدين وقمع الظالمين والمفسدين، ومتى تخلفوا عن الأمر والنهي وطووا ألسنتهم كانوا أعوانًا للظالمين وعضدًا للمفسدين.
وإنما كثر الفساد والمنكر وظهر في الناس حتى عم الشرق والغرب، وضيعت الفرائض واستحلت المحارم، بسكوت أهل العلم والعباد، وأهل الفضل، لما تركوا من واجب النصيحة بالأمر والنهي والإنكار على من أظهر المنكر، وجاهز به، والتعليم لأهل الجهل.
فلمَّا لم يروا آمرًا ولا ناهيًا، ولا ناصحًا، ولا مؤدبًا، ولا معلمًا، ولا منكرًا ولا مغيرًا أظهروا المنكر واستخفوا بالفرائض واستحلوا المحارم.
فصار أهل العلم والفقه في ذلك آثمين عصاةً خائنين، لمخالفتهم أمر الله وعهده، وحيث قال: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق الَّذين أوتوا الكتاب لتبيِّننَّه للنَّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون﴾.
стр. 101
وحديث النبيِّ ﷺ : (ويلٌ للعالم من الجاهل) فلولا أن تعليمه وأمره ونهيه واجب عليه لازم لما جاء ذمُّهم في الآية الكريمة ولما توعده ﷺ بالويل في السكوت عنه، لأنَّ الويل لا يكون من ترك تطوع وإنما الذَّم والوعيد لا يكون إلا على ترك واجبٍ وفريضة.
فالحق الواجب على العلماء والفقهاء، والفرض اللازم لهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعليم لأهل الجهل، والأخذ على أيديهم، ومنعهم من إظهار المنكرات، لعلهم ينجون من الويل والوعيد الذي جاء على لسان رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة، وإلا كانوا آثمين لتركهم ما وجب عليهم من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والنصيحة اللازمة لهم.
وإنَّما حل بهم الضعف عن القيام بما أوجب الله عليهم من ذلك لأنهم جروا معهم في بعض أحوال أهل الجهل حتى إنك لترى من بعض أهل العلم والفقه النقص في فرائضهم: من مسابقة الإمام في الركوع والسجود الخفض والرفع وكثرة الالتفات وقلة العناية بفرائض الله - تعالى - ثم في الغيبة والوقيعة حتى صارت أكثر مجالسهم على ذلك (لا يتفقدون ذلك) من أنفسهم ولا يقومون عليها بواجب العلم.
هذا كلام أبي طالب عمر بن الربيع.
ثم قال: ولم أقصد الكلام للاستنقاص بهم وإنما أردت تأكيد الحجة عليهم، وأداء واجب النصيحة لهم، لقوله : ﴿وذكِّر فإنَّ الذِّكرى تنفع المؤمنين﴾.
ولقوله ﷺ : (الدِّين النَّصيحة).
فوجبت هذه النصيحة من الصَّغير للكبير ومن الكبير للصَّغير، ولا ينبغي لأحد أن يتكبر عند قبول الحق من الصغير والكبير والجاهل والعالم. انتهى.
والمقصود أن الأدلة قد تطابقت على وجوب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من الكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة، إذ هو من النَّصيحة التي هي الدِّين - كما سيأتي بيانه - ولم
стр. 102
يخالف في وجوبه من علماء الأمة - سلفًا وخلفًا - سوى طائفة من الحشوية وهم فرقة من الرَّافضة - قبَّحهم الله - تعالى - فلا يعتدُّ بخلافهم كما قال إمام الحرمين أبو المعالي لا يكترث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافًا للمعتزلة.
فصل - ٢٩ - : وجوب الإمعان في إنكار البدع المضلَّة حتى تخمد ثم يجب إنكار البدع المضلة، وإقامة الحجة على بطلانها .
وقد قال بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، وذلك في البدع المحرمة، لأن البدع مقسمة إلى: واجبة، ومحرمة ومندوبة، ومكروهة، ومباحة.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، ، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فمحرمة، أو الندب فمندوبة، أو الكراهة فمكروهة، أو المباح فمباحة.
فالبدع الواجبة مثل الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله - تعالى - وكلام رسوله ﷺ وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يمكن حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثل حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة.
ومثل: تدوين أصول الفقه.
ومثل: الجرح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم.
والبدع المحرمة مثل: مذاهب القدرية، والجبرية، والجهمية والمرجئة، والمجسمة، ونحوهم.
(والرد على هؤلاء من البدع الواجبة).
وروى أبو نعيم - في الحلية، والهروي - في ذم الكلام من حديث عمر مرفوعًا: (نهى صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا ومن أهان صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر).
стр. 103
قال أبو بكر المروزي: قلت لأبي عبد الله يعني الإمام أحمد: (يرى الرجل أن يشتغل بالصلاة، والصوم، ويسكت عن الكلام في أهل البدعة، فكلح في وجهي. وقال: إذا هو صام وصلَّى واعتزل الناس أليس إنما هو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلَّم كان له ولغيره؟ ويتكلم أفضل).
وقال أبو حامد الغزالي: الإنكار والنهي في البدع أهم منه في المنكرات، فينظر إلى البلدة التي فيها ظهرت تلك البدعة، فإن كانت البدعة غريبة والناس كلهم على السنة فلهم الإنكار على المبتدع بغير إذن السلطان وإن انقسم أهل البلد إلى أهل البدعة وأهل السنة وكان في الاعتراض تحريك فتنة بالمقابلة فليس للآحاد الإنكار في المذاهب إلا بنصب السلطان، فإذا رأى السلطان الرأي الحق ونصره وأذن لواحد بأن يزجر المبتدعة عن إظهار البدعة كان له ذلك وليس لغيره فإن الذي يكون بإذن السلطان لا يتقابل وما يكون من جهة الآحاد فيتقابل الأمر فيه، فينبغي أن يراعي فيها هذا التفصيل، لئلا يتقابل الأمر فيها ولئلا ينجر المنكرون إلى تحريك فتنة. انتهى.
والبدع المندوبة مثل: إحداث الربط، والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومثل التراويح والقصص، ومثل الكلام في دقائق التصوف، والجدل وغير ذلك إذا قصد بذلك وجه الله.
والبدع المكروهة مثل: زخرفة المساجد، وتذويق المصاحف، والبدع المباحة مثل: المصافحة عقيب الصلاة، ومثل التوسع في اللذيذ من المأكل والمشارب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام.
وقد يختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله ﷺ فما بعده وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة وغير ذلك.
كما قال ابن عبد السلام، وغيره: (فالأمر بالبدع الواجبة واجب وبالمندوبة مستحب، والنهي عن البدع المحرمة واجب، وعن المكروهة مستحب. والله أعلم).
стр. 104
فصل - ٣٠ - : قول العز بن عبد السلام: الواجبات والمندوبات ضربان:
وسائل/ مقاصد وشرف الوسيلة تابع لشرف مقصدها
قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: (الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما وسائل، والثاني مقاصد. وللوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أدنى المقاصد هي أدنى الوسائل، ثم تترتب الوسائل بترتيب المصالح والمفاسد وكذلك يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها، فالتوسل إلى معرفة الله ومعرفة ذاته وصفاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه، والتوسل إلى معرفة أحكامه أفضل من التوسل إلى معرفة آياته، والتوسل بالسعي في الجهاد.
أفضل من التوسل بالسعي إلى الجماعات في الصلوات المكتوبات، والتوسل إلى الصلوات المكتوبات أفضل من التوسل بالسعي إلى المندوبات التي شرعت فيها الجماعات كالعيدين والكسوفين.
وكلما قويت الوسائل في الأداء إلى المصلحة كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة إلى تحصيل ذلك المعروف المأمور به. رتبته - في الفضل والثواب - مبنية على رتبة الفعل المأمور به، فالأمر بالإيمان أفضل أنواع الأمر بالمعروف، وكذلك الأمر بالفرائض أفضل من الأمر بالنوافل، والأمر بإماطة الأذى عن الطريق في أدنى مراتب الأمر بالمعروف).
لقوله ﷺ : (الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).
(وكذلك النهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر المنهي عنه. ورتبته في الفضل والثواب مبنية على رتبة مفسدة الفعل المنهي عنه، ثم تترتب رتبة على رتب المفاسد إلى أن تنتهيا إلى أصغر الصغائر. فالنهي عن الكفر بالله أفضل من كل نهي في باب النهي عن المنكر.
стр. 105
ولا يخفى أن وسائل المكروه مكروهة، والمندوب مندوبة، والمباح مباحة).
فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المحرم إلا به فهو محرم، وكذلك المندوب والمكروه.
قال العلماء ﵃: كل ما وجب على المرء العمل به او تركه فإن الأمر واجب.
فمن ترك ما يلزمه فعله أو تعليمه شرعًا بلا عذرٍ ظاهرٍ وجب الإنكار عليه مثل: المحافظة على الوضوء وعلى حدوده، ومثل الصلاة في تمام ركوعها وسجودها والمحافظة على أوقاتها، ومثل: إخراج الزَّكاة في وقت وجوبها وكذلك صوم شهر رمضان، وكذلك الحج ونحو ذلك من الفرائض على نحو ما أوجب الله ورسوله فواجب عليك أن تأخذ نفسك بالعمل بذلك، ثم عليك أن تأمر جميع أهلك وولدك، ثم جميع من علمت منه تضييع ذلك أو شيئًا منه.
وأما ما كان فعله نافلة فإن أمرك به نافلة ترجو من الله - تعالى - الثواب على ذلك وأنت غير حرج في ترك الأمر به إلا إذا سألت سائل عن شيء من الخلال التي هي نافلة وأنت عالمٌ بها فحينئذٍ عليك نصيحته فتنكر على من ترك الإنكار المطلوب مع قدرته عليه.
وقال أبو عبد الله بن مفلح - في كتابه الآداب -: (والإنكار في ترك الواجب وفعل الحرام واجب وفي ترك المندوب وفعل المكروه مندوب، وعزاه إلى أصحاب أحمد وغيرهم).
وينبغي الاحتياط في جلب المصالح ودفع المضار؛ لأنَّ المصالح التي أمر الشرع بتحصيلها ضربان: أحدهما: مصالح الإيجاب، والثاني مصالح الندب، والمفاسد التي أمر الشرع بدرئها ضربان: أحدهما مفاسد الكراهة، والثاني: مفاسد التحريم، والشرع يحتاط لدرء مفاسد الكراهة والتحريم كما يحتاط لجلب مصالح الندب والإيجاب، فإذا كانت المصلحة بين الإيجاب والندب فالاحتياط حملها على الإيجاب لما في ذلك من تحقق براءة الذمة، فإن كانت - عند الله - واجبة فقط [حصل على ثواب نيَّة الواجب] وإن كانت مندوبة فقد حصل على مصلحة الندب وعلى ثواب نية الواجب فإن أمرهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة.
стр. 106
وإذا دارت المفسدة بين الكراهة والتحريم فللاحتياط تحمل على التحريم فإن كانت مفسدة التحريم محققة فقد؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ باجتنابها.
وإن كانت منفية فقد اندفعت مفسدة المكروه، وأثيب على قصد اجتناب المحرم، فإنَّ اجتناب المحرم أفضل من اجتناب المكروه كما أن فعل الواجب أفضل من فعل المندوب.
قال ابن عبد السلام وغيره والله أعلم.
قال أبو حامد الغزالي: (واعلم أنَّ المنكر ينقسم إلى محظور، ومكروه فإذا قلنا: منكر مكروه، فاعلم أن المنع منه مستحب والسكوت عليه مكروه، وليس بحرام، إلا إذا لم يعلم الفاعل على أنه مكروه، فيجب ذكره له فإنَّ الكراهة حكم في الشرع يجب تبليغه إلى من لا يعرفه. وإذا قلنا منكر محظور، أو قلنا: منكر مطلقًا فيزيد به المحظور، ويكون السكوت عليه مع القدرة محظورًا. فمن ذلك إسارة الصلاة بترك الطمأنينة في أركانها فهو منكر مبطل للصلاة عند جمهور العلماء بنص حديث - المسيء في صلاته - فيجب النهي عن ذلك، إلا الحنفي الذي يعتقد أنه لا يمنع صحة الصلاة، إذ لا ينفع النهي معه، ومن رأى ذلك شيئًا فسكت على فهو وشريكه، هكذا ورد به الحديث وقد ورد في الغيبة ما يدل عليه وهو أن المستمع شريك للقائل، وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة من نجاسة لا يراها، أو انحراف عن القبلة، إلا لمن يعلم أنَّ الواجب إصابة الجهة، فكل ذلك يجب إنكاره.
فإن كان المعكتف في المسجد يضيع أكثر أوقاته في أمثال ذلك، ويشتغل عن التطوع من الصلاة وذكر وغيره، فإن هذا أفضل منه، لأنه فرض وهي قربة تتعدى فائدتها فهي أفضل من نافلة تقتصر عليه فائدتها).
(وكذلك ينبغي أن توضع الأعمال في مواضعها وأوقاتها على حسب مراد الله - تعالى - منه، فيضع كل عمل موضعه فلا يقدم ما لا يفوت على ما يفوت، ولا يقدم العمل المفضول على الفاضل ولا يراعي الجمعية مطلقًا بل يراعي مراد الرب - تعالى - في العمل ورضاه به
стр. 107
وإن تفرقت جمعيته إذا كان العبد مطالبًا بذلك العمل، أما إذا لم يطالب فرعاية الجمعية أفضل وأولى من رعايته غيرها.
ومثاله إذا رأى مظلومًا وأمكنه نصرته باليد واللسان بلا فتنة وشر يترتب على نصرته وله جمعية وحال يعلم أنها تتفرق بنصرته، فليقدم النصرة على الجمعية، لأنها مراد الرب سبحانه - منه في ذلك الوقت وذلك الموطن. فكذا اذا راي منكرًا وقد انتهكت المحارم وله جمعية يعلم تفرقتها في إقامة دين الله فليقم بدين الله، ولا يلتفت إلى الجمعية، فإن إقامة الدين هي مراد الرب في هذا الموطن وفي هذا الوقت وأمثال ذلك، فكما أنه يتلذذ بالجمعية مع الله فنبغي أن بتلذذ بالتفرقة إذا جاء أمر الله، فإن الجمعية لله، والتفرقة لله، فيكون الفرح (برضى) الله لا بغير ذلك. كما قال الإمام العارف عماد الدين أحمد الواسطي وغيره).
قال أبو حامد ﵀: (وإن كان الاشتغال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنعه عن الكسب الذي هو قوته، فإن كان معه مقدار كفايته لزمه الاشتغال بذلك، ولم يجز له ترك الإنكار لطلب زيادة الدنيا، فإن كان محتاجًا إلى الكسب لقوت يومه فهو عذر له فيسقط الوجوب عنه، لعجزه عنه انتهي).
وسيأتي الكلام على ما يسقط به وجوب الأمر بالمعروف.
فصل - ٣١ - : قول العز: من فعل واجبًا متعديًا أو مندوبًا متعديًا أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديان فقد قام بحق نفسه وحق ربه
قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: (من فعل واجبًا متعديًا أو مندوبًا متعديًا، أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديين فقال قام بحق نفسه، وحق ربه، وحق من تعدي إليه ذلك. والقرآن مشحون بالترغيب في هذا النوع.
ثم قال - في مكان آخر - كل مطيع لله محسن إلى نفسه فإن كان إحسانه متعديًا إلى غيره تعدد أجره بتعدد من تعلق به إحسانه وكان أجره على ذلك مختلفًا باختلاف ما تسبب إليه من جلب المصالح ودرء المفاسد، فإن كان إمامًا فهو محسن إلى نفسه، وإلى كل من تعلق به إحسانه من رعيته وأعوانه وأنصاره وولاته وقضاته، وإن كان حاكمًا فهو محسن إلى نفسه بطاعة ربه، وإلى المدعو إن كانت له حجة فقد نصره بإيصال حقه إليه، وإلى المدعى
стр. 108
عليه طالما يتخلص خصمه من ظلمه، والمدعي مظلومًا. وإن كان الأمر بالعكس فقد نصر المدعي عليه مظلومًا، والمدعي ظالمًا.
وإن كان شاهدًا فهو محسن إلى نفسه، وإلى الخصمين بالتحمل والأداء، لأنه متسبب إلى نصر الظالم والمظلوم.
وإن كان مفتيًا فهو محسن إلى نفسه وإلى المستفتي وإلى المستفتى عليه، وإلى غير ذلك من جميع أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم قال رحمه الله تعالى في مكان آخر: (وإن قدر على الجمع بين الأمر بمعروفين في وقت واحد لزمه ذلك، لوجوب الجمع بين المصلحتين. وإن تعذر الجمع بينهما لزمه الأمر بأفضلهما - لما ذكرناه من تقديم أفضل المصلحتين على أدناهما.
مثال: الجمع بين الأمر بمعروفين فما زاد مثل أن يرى جماعة قد تركوا الصلاة المفروضة حتى ضاق وقتها بغير عذر. فيقول لهم بكلمة واحدة: صلوا أو قوموا إلى الصلاة، فإن أمر كل واحد منهم واجب على الفور. وكذلك تعليم ما يجب تعليمه، وتفهيم ما يجب تفهيمه باختلاف رتبه وهذان قسمان:
أحدهما: وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه كتعريف التوحيد، وصفات الإله، فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل.
القسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة، كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامة الطاعات، التي هي وسائل إلى المثوبات والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد).
(ومن قدر على الجمع بين درء أعظم الفعلين مفسدة ودرء أدناهما مفسدة جمع بينهما لما ذكرناه من وجوب الجمع بين درء المفاسد: مثل أن ينهى عن منكرين متفاوتين أو متساويين فما زاد بكلمة واحدة.
مثال المنكرين المتفاوتين: أن يرى إنسانًا يقتل رجلًا، وآخر يسلب مال إنسان فيقول لهما كفَّا عمَّا تصنعان.
ومثال المتساويين: أن يرى اثنين قد اجتمعا على قتل إنسان أو سلب ماله فيقول لهما كفا عن قتله أو سلبه. وكذلك يقول للجماعة: كفوا عما تصنعون. وإن قدر على دفع
стр. 109
المنكرين دفعة واحدة لزمه ذلك بكلمة واحدة.
وإن قدر على دفع أحدهما دفع الأفسد فالأفسد والأرذل فالأرذل سواء قدر على دفع ذلك بيده أو بلسانه: مثل أن يتمكن الغازي من قتل واحد من المشركين بسهم ومن قتل عشرة برمية واحدة تنفذ في جميعهم فإنه يقدم رمي العشرة على رمي الواحد، إلا أن يكون الواحد بطلًا عظيم النكاية في الإسلام حسن التدبير في الحروب فيبدأ برميه؛ دفعًا لمفسدة بقائه، لأنها أعظم من مفسدة بقاء العشرة.
وكذلك لو قدر على أن يفتح فوهة النار أولى من قتل المائة، لما فيه من عظم المصلحة، فإن كان فتح الفوهة أخف من قتل المائة بالسلاح.
وكذلك تتفاوت كراهة المنكر بالقلوب ـ عند العجز - عن إنكاره باليد واللسان - بتفاوت رتبة فتكون كراهة الأقبح أعظم من كراهة ما دونه. والله أعلم).
فصل - ٣٢ - : بيان آراء العلماء في: هل من شروط وجوب إنكار المنكر غلبية الظن في إزالته
ولا يسقط عن المكلف وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله؛ لقوله - تعالى -: ﴿وذكِّر فإنَّ الذِّكرى تنفع المؤمنين﴾. فإنَّما عليه الأمر والنهي لا القبول؛ لقوله - تعالى -: ﴿مَّا على الرسول إلاَّ البلاغ﴾.
واختلف العلماء ﵃ هل من شروط وجوب إنكار المنكر غلبة الظَّنِّ في إزالته؟
ففيه روايتان عن الإمام أحمد: إحدى الروايتين ليس من شرطه لظاهر الأدلة وجه الأولى قوله - تعالى -: ﴿واصبر على ما أصابك﴾.
قال القاضي أبو يعلى - في كتاب المعتمد -: ويجب إنكار المنكر وإن لم يغلب في ظنه زواله في إحدى الروايتين نقلها أبو الحارث.
стр. 110
وقد سئل أحمد ﵁ عن الرجل يرى منكرًا ويعلم أن لا تقبل منه - يسكت؟ فقال: إذا رأى المنكر فليغيره ما أمكنه.
قال ابن حمدان في (الرعاية الكبرى): وقيل ينكره وإن أيس من زواله أو خاف أذًى أو فتنة، والعالم والجاهل، والعدل والفاسق، والمسيب والغريب في ذلك سواء. انتهي. والله، أعلم.
وروى ابن أبى الدنيا - بإسناده - عن سفيان بن عيينة. قال: قالوا لعبد الله بن عبد العزيز في الأمر بالمعروف تأمر من لا يقبل منك؟ قال: يكون (معذورًا) قلت: عبد الله، هو عبد العزيز عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵃.
قال الذَّهبي: كان يلقب بالعمري، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر قوالًا بالحق.
وقال أبو الوفاء ابن عقيل: (إذا غلب على ظنه أنه لا يزول، فروايتان عن الإمام أحمد: إحداهما يجب).
قال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدَّس الله روحه - (ويجوز أن يرتدع، وينزجر، ويرق قلبه، ويلحقه التوفيق والهداية، ببركة صدقة فيرجع عما هو عليه، والظن لا يمنعه من جواز إنكاره).
وقال أبو حامد الغزالي: (فإن كان غالب ظنه أنه يفيد وهو مع ذلك لا يتوقع مكروهًا فقد اختلفوا في وجوبه، إذ لا ضرر فيه وحذره متوقع، وعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقتضي الوجوب بكل حال).
وقال الإمام أحمد - في روايةٍ أخرى - في الرجل يرى منكرًا، ويعلم أنه لا يقبل منه هل يسكت؟ فقال: يغير ما أمكنه، فظاهره أنه لا يسقط.
وعنه رواية آخري: يلزمه إذا رجا حصوله - ذكره أبو الفرج بن الجوزي وقال الأرجي في نهاية المبتدئين:
следующие страницы →