← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36110

الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ابن داود الحنبلي

ابن داود الحنبلي

Полный текст (502 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وفي سنن أبي داود من حديث العرس بن عميرة الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها وفي رواية (فأنكرها) كان كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها). ورواه المغيرة بن زياد الموصلي، عن عدي بن عميرة، عن العرس به. ورواه أبو عبد الله محمد بن منده- في كتابه معرفة الصحابة- من حديث يحيى بن عبد الحميد (الحماني) قال: حدثنا أبو بكر ابن عياش، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي، عن العرس. قال: قال رسول الله ﷺ : (سيليكم ولاة يعملون أعمالًا تنكرونها فمن أنكر سلم، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها). وروى ابن عدي -بسنده- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من حضر معصية فكرهها فكأنه غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنه حضرها). ورواه أبو بكر ابن أبي الدنيا- في كتاب الأمر بالمعروف- بإسناده. وقال عبد الله بن مسعود: (إن العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر صاحبه. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يبلغه فيرضى به). فصل -٣٦ - : إذا تظاهر الناس بالمنكر وجب على كل من يراه أن يغيره في حدود القدر المستطاع قال أبو بكر عبد الله القرطبي- عند تفسير قوله -تعالى-: ﴿واتقوا فتنًة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خآصًة﴾. فإن قيل: فقد قال الله -تعالى-: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾. وقال: ﴿كل نفس بما كسبت رهينه﴾. وقال: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ... ﴾.

стр. 142

وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق بصاحب الذنب؟ . فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فيجب على كل من يراه أن يغيره، فإذا سكت عليه فكلهم عاص، هذا بفعله، وهذا برضاه. وقد جعل الله -تعالى- بحكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة. قاله ابن العربي). وهو مضمون الأحاديث، ومقصود قوله: (واتقوا فتنة تتعدى الظالم، فتصيب الصالح والطالح). وذكر أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي من الشافعية- في كتاب الشهادات- من الشرح الكبير- خلافًا بين العلماء في تعيين الكبائر وذكر أقوالًا لأصحاب الشافعي وغيرهم ثم قال: وفصل القاضي الروياني. فقال: الكبائر سبع. قتل النفس بغير حق، والزنا واللواط، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبًا، والقذف. وزاد- في الشامل- على السبع المذكورة: شهادة الزور وأضاف إليها صاحب العدة: أكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله ﷺ عمدًا، وسب أصحابه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمته، والأمن من مكر الله . فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكبائر، لما تقدم في ذلك من الآيات الكريمات والأحاديث الصحاح المرفوعات، والله أعلم. فصل -٣٧ - : ثبوت عذاب القبر لمن ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم قبول شفاعته روى الشيخ أبو حيان- في كتاب التوبيخ -بسنده- عن ابن مسعود ﵁-

стр. 143

عن النبي ﷺ قال: (أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه نارًا. فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قال: لأنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره). وروى -أيضًا- بسنده، عن محمد بن محمد بن يحيى بن حمزة. قال: كتب إلى المهدي أمير المؤمنين وأمرني أن أصلب في الحكم وقال في كتابة: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ قال الله (وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأي مظلومًا فقدر أن ينصره فلم يفعل). وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث خرشة بن الحر الفزاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يشهد أحدكم قتيلاً لعله أن يكون مظلومًا فيصيبه السخط). ورواه -أيضًا- الطبراني -في المعجم- إلا أنه قال: (فعسى أن يقتل مظلومًا فتنزل السخطة فتصيبه معهم). وروى ابن أبي الدنيا -في كتاب الصمت- بسنده، عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من ذكر عند أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فلم ينصره ولو بكلمة أذلة الله في الدنيا والآخرة). ورواه أبو بكر الخرائطي -في مكارم الأخلاق- وزاد: (من ذكر عنده أخوه المسلم فنصره نصره الله ﵎ بها في الدنيا والآخرة). ورواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي، وأبو بكر بن السني من حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة).

стр. 144

قال أبو عبد الله محمد بن مفلح -رحمه الله تعالى-: (فظاهر كلام أصحابنا أن نصر المظلوم واجب، وإن كان ظالمًا في شيء آخر. وإن ظلمه في ذلك الشيء لا يمنع نصره على ظالمه في شيء آخر وهو ظاهر الأدلة. انتهى). والله أعلم. روى البيهقي -في شعب الإيمان- بإسناد حسن، عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقفن عند رجل يقتل مظلومًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره متى لم يدفعوا عنه، ولا تقفن عند رجل يضرب مظلومًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره). ورواه أبو القاسم الطبراني في معجمه ولفظه: (لا يقفن أحدكم موقفًا يقتل فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من يحضر متى لم يدفعوا عنه ولا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه). ورواه الحافظ أبو نعيم: في الحلية ولفظه: (لا يقفن أحدكم على رجل يضرب ظلمًا فإن اللعنة تنزل من السماء على من حضره إذ لم يدفعوا عنه). قال أبو حامد الغزالي: (وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلم والفسق ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها من غير حاجة اعتذارًا بأنه عاجز ولا. يجوز له حضور منكر لا يقدر على تغييره لأن اللعنة تنزل على من حضر ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لتفادي مشاهدتهم للمنكرات) انتهى. وذكر أبو سمرة النخعي -قيل: اسمه عبد الله بن عابس-: إن منكرًا ونكيرًا أتيا رجلاً إلى قبره وقالا: إنا ضاربوك مائة ضربة فقال الميت: إني كنت كذا وكذا، وتشفع ببعض أعماله الصالحة حتى حطا عنه عشرًا ثم لم يزل يتشفع حتى حطا الجميع إلا ضربة فضرباه ضربة فالتهب القبر عليه نارًا فقال: لم ضربتماني؟ فقالا: مررت بمظلوم فاستغاث بك فلم تغثه.

стр. 145

وروى أبو الشيخ بن حيان في كتاب التوبيخ. ومن حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اغتيب عنده أخوه المسلم فلم ينصره وهو يستطيع نصره أدركه إثمه في الدنيا والآخرة). ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب: ولفظه: (من اغتيب عنده أخوه واستطاع نصرته فنصره، نصره الله في الدنيا والآخرة). فصل -٣٨ - : الأحاديث والآثار الواردة في ذم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأما الأحاديث الموقوفة، والآثار الواردة المعروفة بذم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمنها: ما روى أبو القاسم الأصبهاني -في الترغيب والترهيب- بسنده، عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانًا ظالمًا لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو عليه خياركم فلا يستجيب لكم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم). وروى أبو بكر ابن أبي الدنيا -في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بسنده، عن حذيفة بن اليمان موقوفًا: (إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير بها منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم اليوم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضُّن على الخير أو ليسحتنكم الله جميعًا بعذاب أو لتأمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم). ورواه ابن أبي الدنيا -أيضًا- من طريق أخرى: ولفظه: "ليس منا أحد أعظم من أحد لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو لتقاتلن فليظهرن شراركم على خياركم فليقتلنكم حتى لا يبقى أحد يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ثم تدعو الله فلا يستجيبكم لمقتكم".

стр. 146

قوله: (لتحاضن) أي ليحضن بعضكم بعضًا على الخير. وفي كتاب الزهد والرقائق لابن المبارك بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: يذهب الصالحون ويبقى أهل الريب. قالوا: يا عبد الله ومن أهل الريب؟ قال: قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر. وفيه بسنده عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. قال حدثنا أسيد بن عبد الرحمن عن العلاء بن زياد -رحمة الله عليه- قال: إنكم في زمان أقلكم من ذهب عشر دينه، وإن بعدكم زمانًا أقلكم من يبقى عشر دينه. وفي شعب الإيمان للبيهقي من حديث أبي جحيفة عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- أنه قال: الجهاد ثلاثة: جهاد بيد وجهاد بلسان وجهاد بقلب، فأول ما يغلب عليه من الجهاد جهاد اليد ثم جهاد اللسان فإذا كان القلب لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا نكس فجعل أعلاه أسفله. وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن أبي شريح الخزاعي، قال: خرج علينا حذيفة بن اليمان. وقال أتاكم الخير. قلنا وما ذاك؟ قال هلك عثمان -قلنا- هلكنا والله إذا. قال إنكم لن تهلكوا إنما تهلكون إذا لم يعرف لذي شيبة شيبته. ولا لذي سنن سنه. وصرتم تمشون على الركبات كأنكم يعاقيب حجل لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر. وفي الترغيب والترهيب -لأبي القاسم الأصبهاني- بسنده -عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً قال له إني لأعمل بأعمال البر كلها إلا في خصلتين: قال: وما هما؟ قال: لا آمر بالمعروف ولا أنهى عن المنكر. فقال له (عمر): لقد طمست سمهمين من سهام الإسلام إن شاء عذبك وإن شاء غفر لك. وفي كتاب الزهد للإمام أحمد -رحمة الله عليه- بسنده، عن بلال بن سعد بن تميم الأشعري -رحمة الله عليه- قال: (إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا عاملها، وإذا ظهرت ولم تغير ضرت العامة). ورواه ابن المبارك -في الزهد والرقائق- ولفظة: (إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا

стр. 147

صاحبها، وإذا أعلنت فلم تغير ضرت العامة). وروى البيهقي اللفظين في شعب الإيمان. وروى ابن أبي الدنيا -في كتاب الأمر بالمعروف- وأبو الشيخ الأصبهاني بسنديهما عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني ﵀ قال: أوحى الله -تعالى- إلى يوشع بن نون ﵇ إني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خياركم، وستين ألفًا من شرارهم قال: يارب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: لأنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانو يؤاكلونهم ويشاربونهم. وروى ابن أبي الدنيا -أيضًا- بسنده، عن وهب بن منبه ﵀ قال: لما أصاب داود الخطيئة: قال: يارب اغفر لي: قال: قد غفرتها لك وألزمت عراها بني اسرائيل. قال: كيف يارب وأنت الحكم العدل لا نظلم أحدًا. أعمل أنا الخطيئة وتلزم عارها غيري؟ فأوحى الله إليه: يا داود إنك لما اجترأت علي بالمعصية لم يعجلوا غليك بالنكرة. وبسنده، عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض قال: بلغني أن الله قال: إني أنا الله أقسمت بشديد الغضب، لآخذن مطيعكم بعاصيكم حتى لا أعصى علانية بين ظهرانيكم. وفي الزهد للإمام أحمد، وشعب الإيمان للبيهقي، عن مالك بن دينار ﵀ عليه- قال: أن الله -تعالى- أمر بقرية أن تعذب فضجت الملائكة. وقالت: إن فيهم عبدك فلانًا العابد فقال: أسمعوني (منه) صيحة، فإن وجهه لم يتمعّر، غضبًا لمحارمي. قال البيهقي: هذا هو المحفوظ من قول مالك بن دينار. وقد روي من وجه آخر مرفوعًا. وروى الطبراني -في الكبير- من حديث نعيم بن نمحة وذكر خطبة أبي بكر الصديق ﵁ وفي آخرها: لا خير في قول لا يراد به وجه الله -تعالى- ولا خير في مال

стр. 148

لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب -حلمه جهله- ولا خير فيمن لا يخاف في الله لومة لائم. وقال سفيان الثوري: (إذا أثنى على الرجل جيرانه أجمعون فذاك رجل سوء لا خير له، كان يراهم يعملون المعاصي ولا ينهاهم (ويلقاهم) بوجه طلق). وروى ابن أبي الدنيا بسنده، عن حذيفة بن أسباط قال: سمعت سفيان قال: قال حذيفة ﵁: إن الرجل ليدخل المدخل الذي يجب عليه أن يتكلم فيه لله فلا يتكلم، فلا يعود قلبه إلى ما كان أبدًا. قال يوسف: فحدثت به أبا إسحق الفزاري حين قدم من عند هارون فبكى ثم قال: أنت سمعت هذا من سفيان. وفي الزهد والرقائق لابن المبارك، وشعب الإيمان للبيهقي، عن عمر بن عبد العزيز -رحمة الله عليه- قال: كان يقال: إن الله -تعالى- لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارًا فقد استحقوا كلهم العقوبة). ورواه أبو بكر ابن أبي الدنيا -في كتاب الأمر بالمعروف. وفي كتاب الزهد للإمام أحمد بسنده عن مالك بن دينار. أنه قال: (قرأت في التواراة: من كان له جار يعمل بالمعاصي فهو شريكه). ورواه أبو القاسم في الترغيب والترهيب. وفي الزهد -أيضًا- عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء؛ يعظهم ويذكرهم بأيام الله فرأى بعض بنيه يومًا وقد غمز بعض النساء. فقال له: مهلاً. قال: فسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه في الجيش فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان، أن أخبر فلانًا الحبر: أني لا أخرج من صلبك صديقًا أبدًا. ما كان من غضبك إلا أن قلت: مهلاً يا بني! ! ). ورواه ابن أبي الدنيا بلفظ آخر. قوله: (مهلاً) أي أمهل والمهل -بفتح الميم والهاء-: التؤدة والله أعلم.

стр. 149

وروى أبو بكر بن أبي الدنيا -بسنده- عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني -رحمه الله تعالى-- قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء يني إسرائيل يقال له أرميا: أن قم بين ظهراني قومك؛ فإن لهم قلوبًا لا يفقهون بها وأعينًا لا يبصرون بها وآذانًا لا يسمعون بها، فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي، وسلهم كيف وجدوا غب معصيتي؟ وسلهم هل شقى أحد بطاعتي؟ أم هل سعد أحد بمعصيتي؟ إن البهائم تذكر أوطانها فتفزع إليها، وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت به آبائهم، والتمسوا الكرامة من غير وجهها. أما ملوكهم فكفروا نعمتي، وأما خيارهم فلم ينتفعوا بما عرفوا من حكمتي خرنوا المنكر في صدورهم، وعوذوا الكذب ألسنتهم فبعزني وجلالي (لأهيجن) عليهم جنودًا لا يعرفون وجوههم ولا يفقهون ألسنتهم، ولا يرحمون بكاءهم ولأسلطن عليهم ملكًا جبارًا قاسيًا له جنود كقطع السحاب كأن حمل فرسانه كسرا العقبان وكأن حقق راياته أجنحة النسور فيدعون العمران خرابًا، والقرى وحشًا، فويل لأهل "إيليا" وسكانها كيف أسلط عليهم السبابة وأذلهم بالقتل. ولأنهم من بعد تحف الأعراس صراخ السهام وأذلهم بالقتل؟ ولأبدلن نساءهم بعد العز الذل وبعد الشبع الجوع، ولأجعلن لحومهم زبل الأرض وعظامهم ضاحية الشمس. فقال النبي أرميا: أي رب إنك مهلك هذه الأمة ومخرب هذه المدينة وهم ولد خليلك إبراهيم وأمة صفيك موسى، وقوم نبيك داود فلأي أمة تأمن مكرك بعد هذه الأمة؟ وأي مدينة تحتوي عليك بعد هذه المدينة؟ فأوحى الله -تعالى- إليه: إنما أكرمت إبراهيم وموسى وداود بطاعتي، ولو عصوني لأنزلتهم منزلة العاصين، إن القرون قبلك كانوا يستخفون بمعصيتي، حتى كان القرن الذي أنت فيه، فأظهروا معصيتي فوق رؤوس الجبال، وتحت ظلال الشجر، وفي بطون الأودية، فلما رأيت ذلك أمرت السماء فكانت طبقًا من حديد وأمرت الأرض فكانت صفيحةً من نحاس فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت فإن أمطرت السماء شيئًا فبرحمتي وعطفي على البهائم، وإن أنبتت الأرض شيئًا سلطت عليه الجراد والجنادب والصراصر، فإن حصدوا منه شيئًا في خلال ذلك، وأودعوه بيوتهم نزعت بركته ثم يدعوني فلا أستجيب لهم. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال يؤمر بالرجل إلى النار ويؤمر بجلساته فيقولون: يا ربنا ما لنا فيقول: أما كنتم تأمرون أما كنت تنهون؟ فيقولون: لا. فيقول: اذهبوا بهم إلى النار. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه فيقول له: ما لك متعلق بي وما بيني وبينك معرفة؟ فيقول: كنت تراني على

стр. 150

الخطأ وعلى المنكر ولا تنهاني. ذكره رزين. وقال عبد الله بن مسعود ﵁ لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، على من لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، يتهارجون كما تتهارج البهائم). وروى البيهقي -في شعب الإيمان- بسنده، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة. قال: سئل حذيفة بن اليمان ﵁ عن ميت الأحياء فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه. فجعل علامة موت القلب عدم الإنكار. وموت القلب أعظم من موت البدن. كما قيل: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء فالرجل هو الذي يخاف موت قلبه إذا كان الناس يخافون موته أبدانهم، ولا يبالون بموت قلوبهم ولا يعرفون سوى الحياة الطبيعية والله أعلم. روي من حديث ابن عباس: يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه الآدميين، وقلوبهم فلوب الشياطين سفاكين للدماء لا يرعون من قبيح، صبيهم عارم، وشابههم شاطر، وشيخهم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، السنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنة وذو الأمر عار فعند ذلك يسلط الله عليهم شرارهم، فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم. (وقال علي بن الحسين زين العابدين: التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقي منهم تقاة. قيل وما تقاته؟ قال: يخاف جبارًا عنيدًا أن يسطو عليه أو أن يطغى). وروى البيهقي في شعب الإيمان بسنده، عن جعفر بن سليمان قال: قال مالك بن دينار: اصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضنا بعضًا ولا ينهى بعضنا بعضًا، ولا يذرنا الله على هذا فليت شعري. (أي عذاب الله ينزل). وبسنده، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ في قول

стр. 151

الله -تعالى-: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ قال (يدفع الله من يصلي عمن لا يصلي، وبمن يحج عمن لا يحج، ومن يزكي عمن لا يزكي) ثم قال البيهقي ﵀: وهذا يكون إلى ما يشاء الله وقد يدعهم فيهلكوا جميعًا إذا كثر الفساد، ثم يبعثهم على نياتهم. قلت: كما سلف في معنى ذلك من الأحاديث المرفوعة والموقوفة. والله أعلم. ويسند البيهقي -أيضًا- عن مالك بن دينار -رحمة الله عليه- أنه قرأ هذه الآية: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ (قال فيكم اليوم في كل قبيلة وحي من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون). وقال محمد بن الحسين الجوهري: سمعت ذا النون المصري -قدس الله روحه- يقول: يا أيها الناس هذا أوان ينصح فيه الأحياء، إذ الأموات في غمرتهم يعمهون حين غدا الدين غريبًا منبوذًا وغدا أهله غرباء مهينين قد أقبلوا على أكل الحرام وتركوا طلب الحلال ورفضوا المعروف وأقبلول على المنكر، وتركوا الجهاد، فأظلمت الأرض بعد نورها ورضيت العلماء من العلم بعلمهم فانتبهوا أيها الأموات وإخوان الأموات وجيران الأموات، وعن قليل أنتم أموات قد كثرت الذواهي وقلت النواهي. انتهى. وأنشدوا: لو أنكر المنكر لم يشنهر ... بين الورى فسق وعصيان ولو دفع الباطل بالحق لم ... يطل لدى الباطل بنيان تيقظ للأمر بالمعروف إلى كم نوم، ألحق الناهين عن المنكر فقد سبق القوم. فسبحانه له الحكم والتدبير وله الأمر والنهي وإليه المصر. فصل -٣٩ - : تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاص لوجوه أربعة قال جماعة من العلماء -رحمهم الله تعالى-: ويحكم على تارك الأمر بالمعروف

стр. 152

والنهي عن المنكر بأنه عاص لوجوه أربعة: أحدها: أن يكون زاهدًا في ثواب ذلك إما لجهله أو لعدم إيمانه. الوجه الثاني: أن يدعو إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي. الوجه الثالث: أن يرى منكرًا وهو قادر على أن يغيره فلا يغيره. الوجه الرابع: أن يرى قومًا قد أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وهم محتاجون إلى معونته وهو قادر فلا يعينهم كما سيأتي تفصيل ذلك في طبقات الآمرين والمأمورين والمتخلفين من الباب الثالث إن شاء الله تعالى. قال العلامة ابن القيم: وذهب أهل الإلحاد إلى عدم الإنكار على الخلق فيما يبدو منهم من أحكام البشرية، لأن المشاهد يعين الجميع يعلم أن مراد الله من الخلائق ما هم عليه وإذا علم ذلك بحقيقة الشهود كان الإنكار رعونة من رعونات الأنفس المحجوبة. وقال قدوتهم في ذلك: العارف لا ينكر منكرًا، لاستبصاره بسر الله في القدر. وهذا عين الإلحاد والانسلاخ من الدين بالكلية. فيقال: إنما بعث الله رسله وأنزل كتبه بالإنكار على الخلق ما هم عليه من أحكام البشرية وغيرها، فبهذا أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وانقسمت الدار إلى دار سعادة للمنكرين، ودار شقوة للمنكر عليهم، فالطعن في ذلك طعن في الرسل والكتب. ومن تأمل أحوال الرسل مع أممهم وجد أنهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشد القيام حتى لقوا الله وأوصوا من آمن بهم بالإنكار على من خالفهم. وأخبر النبي ﷺ أن المتخلص من مقامات الإنكار الثلاثة ليس معه من الإيمان حبة خردل. وبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد المبالغة حتى قال: (إن الناس إذا تركوه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده). وأخبر أن تركه يمنع إجابة دعاء الأخيار، ويوجب تسلط الأشرار وأخبر أن تركه يوقع المخالفة بين القلوب والوجوه، وتحل لعنة الله كما لعن بني إسرائيل على تركه انتهى. قلت: وقد سبق في تفسير الآيات الكريمات والأحاديث الصحاح المرويات توبيخ من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر وتهديده وتواعده والله أعلم. ثم قال ابن القيم: (فكيف يكون الإنكار من رعونات النفوس وهو مقصود الشريعة؟

стр. 153

وقول القائل: إن المشاهد يعلم أن مراد الله من الخلائق ما هم عليه؟ فيقال له: الرب -تعالى- له مرادات: كوني وديني. فهب أن مراده الكوني منهم ما هم عليه، فمراده الديني الأمر الشرعي وهو الإنكار على أصحاب المراد الكوني، فإذا عطلت مراده الديني لم تكن واقفًا مع مراده الذي يحبه ويرضاه، ولا ينفعك وقوفك مع مراده الذي قدره وقضاه، إذ لو نفع ذلك لم يكن للشرائع معنى البتة، ولا للحدود والزواجر ولا للعقوبات الدينية ولا للأخذ على أيدي الظلمة والفجار، وكف عصيانهم وفجورهم وفي هذا إفساد الدنيا قبل الأديان. فهذا المذهب الخبيث لا يصلح عليه دنيا ولا دين ولكنه رعونة نفس قد أخلدت إلى الإلحاد وكفرت بدين رب الغباد، واتخذت تعطيل الشرائع مقامًا، ووساوس الشياطين مسامرة وإلهامًا، وجعلت أقدار الرب -تعالى- مبطلة لما بعث به رسله وأنزل كتبه، وجعلوا هذا الإلحاد غاية المعارف الإلهية، وأشرف المقامات العلية، ودعوا إلى ذلك النفوس المبطلة الجاهلة بالله وبدينه فلبوا دعوتهم مسرعين واستخف الداعي منهم قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قومًا فاسقين. وقول القائل: إن الإنكار من رعونات الأنفس المحجوبة. فلعمري إنهم في حجاب منيع عن هذا الكفر والإلحاد ولكنهم يشرفون على أهله وهم في ضلالتهم يعمهون، وفي كفرهم يترددون ولأتباع الرسل محاربون وإلى خلاف طريقتهم يدعون وبغير هديهم يهتدون وعن صراطهم المستقيم ناكبون، ولما جاءوا به معارضون). ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾.

стр. 154

الجزء الثاني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصل- (٤٠): إبطال زعم البعض أن السكوت عن المنكر مقام من مقامات الرضا بالقضاء: ومن هؤلاء من يقول: من نظر إلى الناس بعين العلم مقتهم ومن نظرهم بعين الحقيقة عذرهم كما قال بعضهم: العالم ينشقك الخل والخردل، والعارف ينشقك المسك والعنبر. قال العلامة شمس (الدين) محمد بن القيم ﵀: ومعنى هذا أنك مع العالم في تعب، ومع العارف في راحة، لأن العارف يبسط عذر الخلائق، والعالم يلوم فانظر إلى ما تضمنه هذا الكلام الذي ملمسه ناعم وسمه قاتل من الإنحلال عن الدين والراحة من أحكام العبودية وعذر اليهود والنصارى وعباد الأوثان والظلمة والفجرة، وأن أحكام الأمر والنهي الواردين على ألسنة الرسل للقلوب بمنزلة من يعطي الخل والخردل، وأن شهود الحقيقة الكونية الشاملة للخلائق والوقوف معها والإنقياد لحكمها بمنزلة تنشيق المسك والعنبرة فليهن الكفار والفجار والفساق انتشاق هذا المسك والعنبر إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها، ويا تعس الأبرار المحكومين لما جاء به الرسول من كثرة سعوطهم بالخل والخردل، فإن قول العالم هذا يجوز وذا لا يجوز وهذا حلال وهذا حرام وهذا يرضي الله وهذا يسخطه حل عند هؤلاء الملاحدة وإلاّ قالحقيقة تشهدك الأمر بخلاف ذلك، وكذلك إذا نظرت عندهم إلى العالم بعين الحقيقة عذرت الجميع فتعذر من لامه الله ورسوله أعظم العلامة. ويا لله العجب إذا كانوا معذورين في الحقيقة فكيف يعذب الله -سبحانه- المعذور ويذيقه أشد العذاب، وهلا كان الغني الرحيم أولى بعذره من هؤلاء؟ ! نعم العالم يلوم بأمر الله، والعارف يرحم بقدر الله ولا يتنافى عنده اللوم والرحمة. ومن رحمته عقوبة من أمر الله بعقوبته وذلك رحمة له وللأمة وترك عقوبته زيادة في أذاه وأذى غيره، وأنت مع العالم في تعب يعقبه كل راحة ومع عارف هؤلاء في راحة يعقبها كل تعب وألم. ثم قال ﵀ -في مكان-: كلهم محجوبون وعن الظفر بالمطلب الأعلى

стр. 155

مصدودون قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة فأصبحوا عنها بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل فترى أحدهم يتقيد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعًا له عن الطريق فإذا ذكر له الجهاد كان أشد نفورًا عنه فإذا ذكرت له الموالاة في الله والمعاداة فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدَّ ذلك فضولاً وشرًا وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدوه غبرًا عليهم فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثرهم إشارة إليه. انتهى ما قاله القيم. وقد سبق قبل فصل (الاختلاط بالناس) تغليظ بعض المتحرفين البطالين القائلين: إنّ المعاصي والفجور وغير ذلك من القبائح الظاهرة والباطنة من قضاء الله وقدره وأنه يجب الرضا به، وعدم التعرض إلى فاعله بقول أو فعل ولو بالكراهة فتلبس عليهم ذلك حتى رأوا أن السكوت عن المنكر (مقام) من مقامات الرضا. وسموه حسن خلق وسيأتي في أول الباب الثاني قول الغزالي: العجب من قول الرافضة لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم. وهؤلاء أخس (رتبة من أن) يكلموا بل جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القضاة (طالبين) لحقوقهم في دمائهم وأموالهم: إن نصركم أمر بالمعروف واستخراج حقوقكم من يد من ظلمكم نهي عن المنكر وطلبكم بحقكم من جملة المعروف. وما هذا زمن النهي عن الظلم وطلب الحقوق، لأن الإمام الحق لم يخرج بعد. فصل- (٤١): من صور جزاء التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نزع هيبة الطاعة: روى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده، عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الرحمن العمري يقول: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه لا تأمر فيه ولا تنهى، خوف ممن لا يملك لك ضرًا ولا نفعًا. وسمعته يقول: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مخالفة المخلوقين، أو رغبة في نفعهم نزعت منه هيبة الطاعة، حتى لو أمر ولده وبعض أهله لاستخفوا به.

стр. 156

قال أبو الحسن المارودي -في الأحكام السلطانية-: وأعلم أن هذا الباب- أعني الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر، قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يتبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًا، وهو باب عظيم به قوام الدين وملاكه، وإذا أكثر الخبث عمر البلاء والعقاب الصالح والطالح. ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. وقال أبو زكريا النواوي -رحمه (الله) - ولا ينبغي أن تبارك أحدًا في حال معصيته لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة (لديه)، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًا، ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، فصديق الإنسان ومحبه هو الذي يسعى في عماره آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوه من يسعى في نقصان آخرته وإن حصل بذلك نفع في دنياه. وإنما كان "إبليس" عدو لهذا المعنى وكانت الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إلى كل خير. انتهى. قد روى الترمذي: وأبو الشيخ بن حيان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أحدكم مرآة أخيه فإن رأى منه أذى فليمطه عنه). ورواه أبو داود بلفظ: (المؤمن مرآة المؤمن). قال العراقي: إسناده جيد. فالمعنى، أنه يرى منه ما لا يرى من نفسه فيستفيد المرء من أخيه معرفة عيوب نفسه، فلو انفرد لم ستفد كما يستفيد بالمرآة (في) الوقوف على عيوب صورته الظاهرة. والله أعلم. وروي البيهقي بسنده عن أبي البحتري سعيد بن فيروز قال: قال سلمان -رضي الله

стр. 157

عنه-: (المؤمن للمؤمن كاليدين تنقي إحداهما الأخرى) وروى أبو منصور الديلمي -في مسند الفردوس من حديث أنس مرفوعًا: (مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى). ورواه -الحافظ ابن مردويه- في الأمثال- من حديث علي ﵁ قال المحققون: إنما شيههما باليدين لا باليد والرجل، لأنهما يتعاونان على غرض واحد، فكذا الإخوان إنما ثمر أخوتهما إذا توافقا في مقصد واحد، فهما من وجه كالشخص الواحد. والله أعلم. فصل- (٤٢): توعد الله المذلين للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بإحباط عملهم في الدنيا والآخرة: ثم يتأكد الذم والوعيد لمن أهان الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وصدهم عن ذلك. لقوله -تعالى- ﴿إن الذين يكفرون بئايت الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس قبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين﴾ فذكر -سبحانه- الذين يأمرون بالقسط من الناس بعد الأنبياء في الترتيب لأنهم أتباع الرسل وخلفاؤهم فإن الله -تعالى- ما بعث نبيًا إلا ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وما ينزل عيسى من السماء إلا ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وذلك وظيفة الأنبياء وشعار الأتقياء. وقد روى الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي -في كتاب الحجة- من طريق بقية بن الوليد، عن عبد الله بن نعيم، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان مولى النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه ورسوله قال العلماء وإنما كان ذلك لأن الأنبياء -صلوات الله عليهم- بعثوا بإنكار المنكرات وتغييرها، وتلك وظيفتهم التي جاءوا بها فمن تبعهم وأنكر كان نائبًا عنهم في هذا الأمر العظيم، ومنزلته على منزلتهم من أجل ذلك هذا الخطب الجسيم). كما قال الحسن -رحمة الله عليه- تدل هذه الآية على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تلي منزلته منزلة الأنبياء في العظم فلذا جاء توبيخ من عاندهم في هذه

стр. 158

الآية الكريمة. فلما تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة فقال: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ أي موجع مهين. وقال بعض العارفين: معنى الآية: أن الذين ربطناهم بالخذلان ووسعناهم بوصف الحرمان -أخبرهم بأن إعراضنا عنهم ﴿مؤبد﴾، وأن حكمنا سبق بنقلهم من دار الجنان إلى دار الهوان، من الخذلان والحرمان، إلى دار العقوبة والنيران. ثم قال: ﴿أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ومالهم من ناصرين﴾ يعني ليس (لهم) -اليوم- توفيق بأعمالهم، ولا غدا تحقيق لآمالهم، وإنما ذلك لأنهم فقدوا في الدارين نصرتنا، ولم يشهدوا عزتنا وقدرتنا. وقال في آخر هذه الآيات: ﴿فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه﴾ أي كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والله مقابلهم على ذلك كله، ومحاسبهم عليه ومجازيهم به -سبحانه- وروى علي بن سعد في -كتاب الطاعة والمعصية- من حديث الحسن البصري مرسلاً: (بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وبئس القوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وبئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالنميمة). وقد سبق طرف منه من رواية جابر مرفوعًا. وروى الحافظ أبو يوسف يعقوب بن أبي شيبة -في مسنده- من حديث أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله ؟ قال: رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش قال: قلت: يا رسول الله فأي الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟ قال: (رجل قتل نبيًا أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر) ثم قرأ رسول -الله-: ﴿ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم﴾ ثم قال: (يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًا من أول

стр. 159

النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم وهم الذين ذكر الله قصتهم-) ورواه الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده، عن أبي عبيدة -أيضًا- قال: قلت: يا رسول الله- أي الناس (أِد) عذابًا يوم القيامة؟ قال: (رجل قتل نبيًا أو أمر بالمنكر ونهى عن المعروف) فذكر نحوه. وكذلك رواه محمد بن جرير الطبري، وغيره. وفي الآية الكريمة: دليل صريح على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبًا في الأمم المتقدمة، إذ هو فائدة الرسالة. والله أعلم. وروى الشيخ عبد الله بن محمد بن حيان من حديث جابر بن (عبد) الله ﵄ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال في خطبته: (يا أيها الناس إنه لا ينبغي لأولياء الله من أهل دار الخلوة الذين لها سعيهم وفيها رغبتهم أن يكونوا أولياء الشيطان للذين من أهل دار الغرور الذين لها سعيهم وفيها رغبتهم). هم أشد لها اتباعًا وتعظيمًا لأمورهم أولياء الله في زيهم وفي دينهم فبئس القوم لا يدينون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبئس القوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وبئس القوم قوم يخيفون من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر. وبئس القوم قوم لا يقومون لله بالقسط وبئس القوم قوم يعمل فيهم المعاصي ثم لا يغيرون. فويل للذين يجاهرون بالمعاصي ويستحلون المحارم والشبهات والشهوات. فقيل: يا رسول الله- أي الناس أكبس؟ قال الذين سوء الحساب والمقايسة بالأعمال إذا بعث الناس يوم القيامة بعثوا في ظلمة إلا من جعل الله (له) نورًا فنوره يسعى بين يديه فيأخذ به. ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين﴾. وروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال: ﷺ : أتدرون (ممن) الخوف على أمتي من بعدي رجل فاجر ولي أمرهم فعمل بغير ما أنزل الله وأعانه على ذلك أهل الجفاء والفجور (ففرق ملأهم) وأخافهم أن يقوموا بالحق.

стр. 160

فصل- (٤٣): من أخص أوصاف المنافقين الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وأن من أمارات الساعة فساد المسلمين بإمرتهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف: قد سبق في أوائل هذا الباب -الكلام على قوله -تعال-: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ... ﴾ وأن الله -تعالى- وصفهم بضد أوصاف المؤمنين. فكما أن من صفات المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكذلك المنافقون يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف. قال بعض المفسرين -عند قوله -تعالى- ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾ يعني يقعلون المنكر ويأمرون به. وروى أبو يعلى الموصلي- بإسناد جيد عن رجل من خثعم (قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في نفر من أصحابه- فقلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال: نعم. قلت يا رسول الله- أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الإيمان بالله. قلت: ثم مه؟ قال: صلة الرحم. قال، قلت: يا رسول الله- أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: الإشراك بالله: قال: قلت: يا رسول الله- ثم مه؟ قال: ثم قطيعة الرحم. قال: قلت يا رسول الله ثم مه؟ قال: ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف". وقد تقدم حديث أبي أمامة ﵁ من رواية (ابن أبي الدنيا أن النبي ﷺ قال: (كيف أنتم إذا طغى نساؤكم، وفسق شبابكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك كائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه). قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا: أكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه- قالوا: وما أشد منه- يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؟ قالوا. وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون. قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال كيف أنتم إذا أمرنم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا وكائن ذلك يا

стр. 161

رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون يقول الله -تعالى: (بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها (حيران). قوله لأتيحن بحاء مهملة أي لأهيئن. تاح الشيء يتوح يتهيأ. والحديث تقدم من طرق: والله أعلم. فسبحان من وفق. للأمر بالمعروف أقوامًا، وثبت على صراط النهي عن المنكر أقدامًا وأتعبوا في استدراك (الفارط). عظامًا، فكف عنهم ذنوبًا كانت حسامًا، ونشر لهم بالثناء عليهم أعلامًا، فهم على رياض المدائح بترك القبائح يتقلبون، وفي ميادين النهي عن المنكر بالإخلاص يسرحون. جاد سبحانه على القائمين في ذلك بإسعاده وسلك بهم على منهاج الهدى بفضله وإرشاده، ورمى المعارضين لهم بطرده وإبعاده، فهو الباطن والظاهر القاهر فوق عباده. وفيما ذكرته في هذا الباب كفاية، والله ولي التوفيق والهداية.

стр. 162

الباب الثاني: أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (في بيان أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشروطه، ودرجاته ومراتبه). قال أبو حامد الغزالي -رحمه الله تعالى--: أعلم أن أركان الحسبة التي هي عبارة شاملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أربعة: المحتسب، والمحتسب عليه، والمحتسب فيه، ونفس الاحتساب). قلت: يعني بهذه الأربعة: الآمر، والمأمور، المأمور به، ونفس الآمر. قال: فهذه أربعة أركان، ولكل ركن منها شروط. الركن الأول: هو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. فصل- (١): شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (خمسة): لوجوب الأمر بالمعروف والنهي غن المنكر شروط خمسة: الشرط الأول: أن يكون مكلفًا، لأن غير المكلف لا يلزمه وجوب أمر ولا نهي. قال أبو عبد الله بن مفلح ﵀ وللميز إنكار ويثاب عليه لكن لا يجب قال الغزالي: أما إمكانه من الفعل وجوازه فلا يستدعي إلا الفعل، حتى إن الصبي المراهق للبلوغ المميز وإن لم (يكن) مكلفًا فله إنكار المنكر، وله أن يهريق الخمر، ويكسر الملاهي وإذا فعل ذلك نال ثوابًا، ولم يكن لأحد منعه من حديث أنه ليس بمكلف، فإن (هذه) قربة إلى الله وهو من أهلها كالصلاة، والإمامة، وسائر القربات وليس حكمه حكم الولايات، حتى يشترط فيه التكليف، ولذلك أثبتناه للعبد وآحاد الرعية.

стр. 163

نعم: في المنع بالفعل، وإبطال المنكر نوع ولاية وسلطنة، ولكنها تستفاد بمجرد الإيمان كقتل المشرك، وإبطال أسبابه، وسلب أسلحته، فإن للصبي أن يفعل ذلك حيث لا يستضربه، والمنع عن الفسق كالمنع عن الكفر. والله أعلم. الشرط الثاني: أن يكون مسلمًا، فلا يخفي وجه اشتراطه، لأن هذا نصرة الدين، فكيف يكون من أهلها من هو جاحد لأصل الدين؟ . قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ﵀: (الكافر ممنوع من إنكار المنكر لما فيه من السلطنة والعز). الشرط الثالث: العدالة فقد اعتبرها قوم وقالوا: ليس على الفاسق) أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وربما استدلو على ذلك بما ورد في الكتاب والسنة. من الإنكار على من يأمر بما لا يفعل كما سيأتي في - الباب الخامس .. قال أبو حامد الغزالي: وكل ما ذكروه خيالات، وإنما الحق أن للفاسق وعليه أن يأمر وينهى. وسيأتي برهان ذلك وتحريره في الباب السابع - إن شاء الله - تعالى-. الشرط الرابع: أن يكون مأذونًا من جهة الإمام أو نوابه فقد (شرط) قوم هذا الشرط، ولم يثبتوا لآحاد الرعية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال أبو حامد وغيره: هذا الاشتراط فاسد، فإن الآيات والأخبار التي وردت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدل على أن كل من رأى منكرًا فسكت عليه فقد عصى أينما رآه، وكيفما رآه على العموم. ومن أمثلة ما ورد في ذلك ما سبق - في الباب الأول - من حديث طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". قال العلماء، (من رأى) هو على العموم، فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له كما ذكره غير واحد. قال أبو حامد الغزالي: فإن قيل: في الأمر بالمعروف

стр. 164

إثبات سلطنه وولاية واحتكام على المحكوم عليه، ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم مع كونه حقًا، فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من الوالي وصاحب الأمر؟ فنقول: أما الكافر فممنوع لما فيه من السلطنة، وعز الأحكام، والكافر ذليل (فلا يستحق أن ينال عز الحكم والتحكم على المسلم. وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة. وما فيه من عز السلطنة والاحتكام لا يحوج إلى تفويض كعز التعليم والتعريف، إذ لا خلاف في أن تعريف التحريم والإيجاب لمن هو جاهل ومقدم على المنكر بجهله لا يحتاج إلى إذن إمام وفيه عز الإرشاد وعلى المعرف ذل التجهيل وذلك يكفي (فيه) مجرد الدين وكذلك النهي. والعجيب أن الرافضة زادوا على هذا وقالوا: "لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم وهؤلاء أحسن رتبة (من) أن يكلموا بل جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القضاء بحقوقهم في دمائهم وأموالهم: إن نصرتكم آمر بالمعروف وأستخرج حقوقكم من يد من ظلمكم نهي عن المنكر، وطلبكم لحقكم من جملة المعروف وما هذا زمان النهي عن الظلم، وطلب الحقوق، لأن الإمام الحق لم يخرج بعد. قال أبو حامد: وشرح القول في المسألة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له حمس مراتب: المرتبة الأولى: التعريف والثانية: الوعظ بالكلام اللطيف، والثالثة: السبب العنيف ولست أعني به الفحش بل أن يقول: يا جاهل، يا أحمق ألا تخاف الله؟ ألا تستحي من الله؟ وما يجرى هذا المجرى. الرابعة: المنع بالقهر بطريق المباشرة ككسر الملاهي، وإراقة الخمور، واختطاف الثوب الحرير من لابسه، واستلاب الشيء المغصوب منه. ورده إلى صاحبه، المرتبة الخامسة: التخويف، والتهديد والضرب، أو مباشرة الضرب له حتى يمتنع عما هو عليه كالمواظبة على الغيبة، والقذف، فإن سلب لسانه غير ممكن، لكن يحمل على اختيار السكوت بالضرب. وهذا قد يحوج إلى استعانة، وجمع جنود، وأعوان من الجانبين ويجر ذلك إلى القتال. وسائر المراتب لا يخفى وجه استغنائها عن إذن الإمام إلاّ هذه المرتبة، قال فإن فيها نظرا انتهى. وروى أبو بكر البيهقي - في شعب الإيمان - بسنده عن محمد بن زياد الأعرابي قال:

стр. 165

قال بعض السلف: خوفوا المؤمنين بالله وخوفوا المنافقين بالسلطان، وخوفوا المرائين بالناس. قال أبو عبد الله بن مفلح - في كتابه الآداب - "ويجب أن يبدأ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأسهل، فإن لم يزل المنكر زاد بقدر الحاجة، فإن لم ينفع أغلظ فيه، فإن زال (و) إلاّ رفعه إلى ولي الأمر إن أمن الضرر فيه، وكان إنكاره واجبًا كما أشار إليه أبو عبد الله محمد بن عبد القوي - في منظومته - بقوله: وبالأسهل أبدأ ثم زد قدر حاجة ... فإن لم يزل بالناقد الأمر فاصدد إذا لم تخف في ذلك الفعل خيفة ... إذا كان ذا الإنكار حتم التأكد وذكر في - نهاية المبتدئين: أن من قدر - على - إنهاء المنكر إلى ولي الأمر أنهاه، وإن خاف فوته قبل إنهائه أنكره هو وقيل: لا يجوز رفعه إلى ولي الأمر لظنه أنه لا يقوم به، أو يقوم به على غير وجه المأمور به. ونص أحمد في رواية الجماعة. على أنه لا يرفعه إلى السلطان إن تعدى فيه. ذكره ابن عقيل، وغيره. وقال أحمد - أيضًا: إن علمت أنه يقيم الحد فارفعه، وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلاّ بالعقوبات الشرعية، فإن الله - تعالى - ينزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وقال أبو بكر الخلال: (أخبرني ابن أشرس. قال: مر بنا سكران فشتم ربه - فبعثنا إلى أبي عبد الله رسولاً وكان مختفيًا. فقلنا: (إيش) أي شيء السبيل في هذا؟ سمعناه يشتم ربه، أترى أن نرفعه إلى السلطان؟ فبعث إلينا إن أخذه السلطان أخاف أن لا يقيم عليه الذي ينبغي ولكن أخيفوه حتى يكون منكم شبيها بالهارب، فأخفناه فهرب). قوله: (أحقنوه) أي أحبوه. وقال الإمام أحمد - أيضًا - ليعقوب (بن بختان لما سأله عن القوم يؤذونه بالغناء) انههم واجمع عليهم. قلت: السلطان؟ قال: لا.

стр. 166

ونقل عنه الحارث. قال: يعظهم (وينهاهم) قلت: قد فعل فلم ينتهوا. قال يستعين عليهم بالجيران، فأما السلطان فلا، إذا رفعهم إلى السلطان خرج الأمر من يده). قال في نهاية المبتدئين: ويخبر في رفع منكر غير متعين عليه. قال أبو طالب عمر ابن الربيع - في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنما يجب علينا أن يرفع أهل المنكرات إلى السلطان، إذا رجونا أن يغير ذلك من غير تعد. فأما إذا خفنا أن يأتي من الظالم - ما لا يستحقه - أهل المنكرات من الضرب بغير حق أو أخذ أموالهم بغير وجه فليس لنا أن نستعين به على تغيير ذلك، وعلينا أن نصبر ونقتصر على الإنكار بالوعظ إلى أن نجد سلطانًا يغير ذلك بغير تعد - انتهى. قال أبو عبد الله محمد بن مفلح: (والذي تحصل من كلام أحمد، أنه هل يجب رفعه إلى السلطان إذا علم أنه يقيمه على الوجه المأمور به أم لا؟ . فيه روايتان: (فإن) لم يجب فهل يلزمه أن يستعين في ذلك بالجمع عليه بالجيران أو غيرهم أم لا؟ فيه روايتان. ونقل أبو طالب أحمد بن حميد عنه الكراهة. قال المروذي لأبي عبد الله: ما تقول إذا ضرب رجل رجلاً بحضرتي، أو شتمه فأراد أن أشهد له عند السلطان؟ قال: إن خاف أن يعتدي عليه لم يشهد، وإن لم يخف يشهد، ويسقط وجوب رفع المنكر إلى السلطان خوف أن لا يقيمه على الوجه المأمور كما تقدم وظاهر كلام جماعة جوازه. وأطلق بعضهم رفعه إلى ولي الأمر بلا تفصيل، لكن قد قال الأصحاب: من كان عنده شهادة بحد يستحب أن لا يقيمها. ولعل كلام أحمد في الأمر برفعه على الاستحباب. وعلى كل تقدير فهو مخالف لكلام الأصحاب إلاّ أن يتأول على جواز الرفع وهو تأويل بعيد من هذا الكلام، ولعله أمر بعد حظر فيكون للإباحة فيكون رفعه لأجل الحد مباحًا، ورفعه لأجل إنكار المنكر واجبًا أو مستحبًا. ذكر ذلك "ابن مفلح" والله أعلم. قال أبو الفرج بن الجوزي: (الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه إشهار

стр. 167

سلاح أو سيف يجوز لآحاد الناس، بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة، فإن احتاج إلى أعوان يشهرون السلاح، لكونه لا يقدر على التغير بنفسه ثم قال، فالصحيح أن ذلك يحتاج إلى إذن الإمام لأنه يؤدي إلى الفتن، وهيجان الفساد). وقيل: لا يشترط في ذلك إذن الإمام. وقد قال أبو طالب عمر بن الربيع: الحشاب - فيمن يشرب الخمر، ويجمع الجموع على ذلك - يجب إذا شاهدناهم أن ننهاهم، فإن أجابوا وإلاّ صرنا إلى السلطان، حتى يمنعهم ويعاقبهم بما يستوجبون، إذا أمنا تعديه عليهم، فإن لم يمكن الوصول إلى السلطان كان على المسلمين أن ينكروا على هؤلاء الذين يجمعون الجموع على المنكر، وأن يفرقوا جماعتهم، فإن كانوا في منازلهم لا يصل المسلمون إليهم، وجب على السلطان أن يبعث من يهجم عليهم في منازلهم، حتى يمنعهم ويعاقبهم بما يستوجبون من العقوبة، وليس للمسلمين أن يهجموا عليهم إلاّ بأن يأمرهم السلطان، وبأن أمرهم بذلك كان لهم أن يهجموا عليهم، ويفرقوا جماعتهم. وليس لهم أن يعاقبوهم. لأن العقوبة إنما حق للسلطان أو نوابه، وليس ذلك إلى الرعية، فإن كان هؤلاء المجتمعون على المنكر متعدين على المسلمين، مثل أن يكون معهم امرأة مكرهة أو رجل قد أضجعوه، ليقتلوه وجب على المسلمين الهجوم عليهم، أمرهم السلطان أو لم يأمرهم. وإذا لم يكن منهم أذى ولا ظلم ولا إظهار ذلك بالملاهي والجموع، وإنما معاصيهم بينهم وبين ربهم لم يكن للمسلمين أن يهجموا عليهم، ولا يصيروا إلى السلطان في أمرهم، ولكن يجب عليهم أن يعظوهم ويخوفوهم عقاب الله ثم قال - في موضع آخر: فإن قال قائل: أفيجب الإنكار على من يظهر السفه والخنا في الطريق؟ نعم إن كان ممن إذا نهي انتهى وعظوه بتخويف عقاب الله - تعالى-. وإن كان ممن لا ينتهي بالموعظة، كان لهم أن يزجوا به إلى السلطان، حتى يعاقبه على ذلك بما يرى أنه مانع له. انتهى. قال أبو حامد الغزالي ﵀: أما التعريف والوعظ فكيف يحتاج إلى إذن الإمام؟ وأما التجهيل والتحميق والنسبة إلى الفسق وقلة الخوف من الله - تعالى-، وما يجري مجرى ذلك، فهو كلام صدق والصدق محقق (بل) من أفضل الدرجات كلمة حق عند سلطان جائر - كما سيأتي في الحديث.

стр. 168

فإذا جاز الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى إذنه! ؟ وذلك ككسر الملاهي، والمنع من شرب الخمر، فإنه تعاطى ما يعرف كونه حقًا من غير اجتهاد فلا يفتقر إلى الإمام. وأما جمع الأعوان، وشهر الأسلحة فذلك قد يجر إلى فتنة عامة، ففيه نظر، واستمرار عادات السلف الصالح على الإنكار على الولاة قاطع - بإجماعهم - على الاستغناء عن التفويض، بل كل أمر بمعروف أو نهي عن منكر إن كان الوالي راضيًا به (فذاك، وإن كان ساخطًا فسخطه له منكر، ويجب الإنكار (عليه) فكيف يحتاج إلى إذنه) في الإنكار عليه. ويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة. كما سبق - في الباب الأول من حديث طارق بن شهاب: أن مروان بن الحكم ﵁ وكان أمير المدينة - خطب قبل الصلاة في العيد. فقال له رجل: إنما الخطبة بعد الصلاة. فقال مروان: قد ترك ذلك، فقال أبو سعيد الخدري أما هذا فقد قضى ما عليه. الحديث. قال العلماء: فقد كانوا فهموا من هذه العمومات دخول السلاطين تحتها فكيف يحتاج إلى إذنه - كما ذكر الغزالي وغيره. ولكن من ولاه السلطان الحسبة تعين عليه فعل ذلك ما ليس لغيره كما ذكر ابن حمدان في الرعاية، وغيره. وسيأتي - فيما بعد - تمام الكلام على ذلك فيما يتعلق بالإنكار على السلطان والله المستعان، وعليه التكلان. الشرط الخامس: أن يكون (الآمر قادرًا، ولا يخفى أن العاجز ليس عليه الإنكار إلاّ بقلبه - كما سبق بيانه-. إذ كل من أحب الله يكره معاصيه، وينكرها. كما قال ابن مسعود: جاهدوا الكفار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلاّ أن تكفهروا في وجوههم فافعلوا.

стр. 169

قال العلماء: (وإنما شرطنا القدرة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لقوله ﷺ : (ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلاّ أصابهم الله بعقاب). وقد تقدم هذا الحديث من رواية أبي داود، وابن ماجه في الباب الأول - فقد شرط ﷺ القدرة في ذلك. قال شيخ مشايخنا السيد، عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه: وهو إذا كانت الغلبة لأهل الصلاح، وعدل السلطان ومعاونته لأهل الخير، وأنا إذا كان الإنكار تغريرًا بالنفس (مع) لحوق ضرر به وبماله. فلا يجب عليه ذلك، لقوله تعالى: ﴾ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ﴿وقوله: ﴾ يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إنَّ الله كان بكم رحيمًا ﴿. وقوله ﷺ : (لا ينبغي) للمسلم أن يذل نفسه ... ) الحديث انتهى. قال بعض العلماء: (ولا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي، بل يلحق به ما يخاف (عليه) من مكروه يناله، وذلك في معنى العجز. كما سيأتي بيانه في الباب السادس. وكذلك إذا لم يخف مكروهًا ولكن علم أن إنكاره لا يفيد ولا ينفع على خلاف. تقدم ذكره في الباب الأول، وعلى عفو الله المعول.

стр. 170

فصل - (٢): أخص أوصاف المؤمنين الدالّة على صحة عقيدتهم: قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال الإمام أبو بكر البيهقي - في الشعب-: (أخص أوصاف المؤمنين وأقواها دلالة على صحة عقيدتهم، وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إن ذلك ليس يليق بكل أحد، ولا يجب على كل أحد. وإنما هو من الفروض التي ينبغي أن يقوم بها سلطان المسلمين إذا كانت إقامة الحدود والتعزيز موكولاً إلى رأيه، فينصب في كل بلد وفي كل قرية رجلاً صالحًا قويًا عالمًا أمينًا ويأمره بمراعاة الأحوال) التي ترى فلا يرى ولا يسمع منكرًا إلاّ غيره ولا يبقى معروفًا محتاجًا إلى الأمر به إلا أمر به. وكلما وجب على فاسق حد أقامه ولم يعطله، فإنه لا شيء أروع للمفسدين من إقامة حدود الله عليهم، ولا يتعدى المشرع، فالذي شرعه أعلم بطريق سياستهم. ثم قال: كل من كان من علماء المسلمين الذين يجمعون بين فضل العلم، وصلاح العمل فعليه أن يدعو إلى المعروف، ويزجر عن المنكر، بمقدار طاقته، فإن كان يطيق إبطال المنكر ودفعه وردع المتعاطي له فعله، وإن كان لا يطيق بنفسه ويطيقه بمن يستعين، عليه فعله، إلاّ ما كان طريقه طريق الحد والعقوبة، فإن ذلك إلى ولاة الأمور دون غيرهم. وإن كان لا يطيق إلاّ القول قال: وإن لم يطق إلاّ الإنكار بالقلب أنكر. والأمر بالمعروف مثل النهي عن المنكر إن اتسع العالم المصلح أن يدعو إليه ويأمر به فعل، وإن لم يقدر إلاّ على القول قال. وإن لم يقدر إلاّ على الإرادة بقلبه أراده (وتمنى) على الله - تعالى - فعله فيسعفه انتهى. وقال بعض السلف: كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء: إمام عادل لا يظلم، وعالم على سبيل الهدى، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويحرصون على طلب القرآن، ونساء مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى. وروي الإمام أحمد، والطبراني - في الكبير - بإسناد حسن، عن عبد الله بن بشر ﵄ قال: سمعت حديثًا منذ زمان: (إذا كنت في قوم (عشرين) رجلاً أو أقل أو أكثر فتصحفت وجوههم فلم تر فيهم (رجلاً) يهاب في الله فاعلم أن الأمر قد رق).

стр. 171

وقال أبو الفرج بن الجوزي ﵀ اعلم أن بالمعروف والنهي عن المنكر أصل الدين، لأنه شغل الأنبياء وقد خلفهم خلفاؤهم، ولولاه شاع الجهل، وبطل العلم، والله أعلم. فصل - (٣): الركن الثاني للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر] . وأما الركن الثاني من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر. قال أبو حامد الغزالي ﵀: (وشروطه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع في حقه، منكرًا، ولعله يكفي في ذلك أن يكون إنسانًا، ولا يشترط كونه مكلفًا، إذ بينا أن الصبي لو شرب الخمر لمنع من ذلك وأنكر عليه، وإن كان قبل البلوغ. ولا يشترط كونه مميزًا، إذ المجنون لو كان يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة وجب منعه منه. ثم قال: نعم من الأفعال ما لا يكون منكرًا في حق المجنون، كترك الصلاة والصوم وغيره ولكنا لسنا نلتفت إلى اختلاف التفاصيل فإن ذلك مما يختلف فيه المسافر والمقيم والمريض والصحيح. وغرضنا الإشارة إلى الصفة التي يتهيأ له بها وجه الأصل الإنكار لا بما يتهيأ للتفاصيل) انتهى. قال أبو عبد الله محمد بن مفلح ﵀: (وأما غير المكلف فلا ينكر عليه إلاّ تأديبًا وزجرًا. فمن رأى صبيًا أو مجنونًا يشرب الخمر فعليه أن يهريق خمره ويمنعه. وكذلك عليه أن يمنعه من الزنا وإتيان البهائم). قال أبو بكر المروذي: قلت لأحمد ﵀ (فالطنبور الصغير يكون للصبي؟ قال: يكره. إذا كان مكشوفًا فاكسره). وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد القوي في منظومته: وأنكر على الصبيان كل محرم ... لتأديبهم والعلم في الشرع بالردى

стр. 172

يعني ينكر على الصبيان ما هو محرم وكل محرم رديء في الشرع. قال أبو العباس بن تيمية ﵀: في الكلام على حديث ابن عمر الذي رواه: أنه كان مع رسول الله ﷺ وسمع زمارة راع فسد أذنيه (قال: لم يعلم أن الرقيق كان بالغًا فلعله كان صغيرًا دون البلوغ، والصبيان رخص لهم في الملعب ما لم يرخص فيه للبالغ). قال ابن مفلح: وذكر الأصحاب وغيرهم: أن سماع المحرم بدون استماعه وهو قصد السماع، لا يحرم، وذكره الشيخ تقي الدين - أيضًا - وزاد: باتفاق المسلمين. قال: وإنما سد النبي ﷺ أذنيه مبالغة في التحفظ فسن بذلك أن الامتناع من أن يسمع ذلك خير من السماع. وفي المغني جواب آخر: إنه أبيح للحاجة في معرفة انقطاع الصوت، فكذا قال في الفنون: أبيح لضرورة الاستعلام. كما لو أرسل الحاكم إلى أهل الزمر لا من يستمع له ويستعلم خبرهم أبيح له أن يستمع لضرورة الاستعلام. وكالنظر إلى الأجنبية للحاجة. انتهى. قال الغزالي: (فإن قلت: فكل من رأى بهائم قد استرسلت في زرع إنسان فهل يجب عليه إخراجها وكل من رأى مالاً لمسلم أشرف على الضياع، هل يجب عليه حفظه؟ فإن قلتم: إن ذلك واجب، فهذا تكليف شطط، يؤدي إلى أن يصير الإنسان مسخر طول عمره، وإن قلتم لا يجب فلم يجب الإنكار على من يغصب مال غيره وليس له سبب سوى مراعاة حق الغير. فتقول: هذا بحث دقيق غامض والقول الوجيز فيه أن نقول: مهما قدر على حفظه من الضياع، من غير أن يصيبه تعب في بدنه، أو خسران في ماله، أو نقصان في جاهه، وجب عليه ذلك، فذلك القدر واجب في حقوق المسلم، بل هو أول درجات الحقوق والأدلة الموجبة لحقوق المسلم كثيرة وهذا أقل درجاتها، وهو أولى بالإيجاب من رد السلام، فإن الأذى في هذا أكثر من الأذى في ترك رد السلام، بل لا خلاف في أن مال الإنسان إذا كان يضيع بظلم ظالم، وكان عنده شهادة لو تكلم بها لرجع الحق إليه، لوجب عليه ذلك وعصى بكتمان الشهادة، ففي معنى ترك الشهادة ترك كل دفع لا ضرر فيه على

стр. 173

الدافع، فأما إن كان عليه تعب أو ضرر في مال أو جاه لم يلزمه ذلك، لأن حقه مرعى في منفعة بدنه، وماله وجاهه، كحق غيره، ولا يلزمه أن يفدي غيره بنفسه. نعم الإيثار مستحب وتجسم الصعاب لأجل المسلمين قربة فأما إيجاب ذلك فلا، وعلى هذا إن كان يتعب بإخراج البهائم عن الزرع لم يلزمه السعي في ذلك، ولكن إذا كان لا يتعب بتنبيه صاحب الزرع من نومه إذا استرسلت فيه البهائم أو بإعلامه فيلزمه ذلك، فإهمال تعريفه كإهمال تعريف القاضي بالشهادة، وذلك لا رخصة فيه، ولا يمكن أن يراعى فيه الأقل والأكثر، حتى يقال: إن كان لا يضيع من منفعته في مدة اشتغاله بإخراج البهائم حتى يقال: إلا قدر درهم مثلاً وصاحب الزرع يفوته مال كثير، فيترجح جانبه، لأن الدرهم الذي له هو يستحق حفظه، كما يستحق صاحب الألف فلا سبيل إلى المصير إلى ذلك، فأما إذا كان فوات المال بطريق هو معصية كالغضب، أو قتل عبد مملوك للغير، فهذا يجب المنع منه، وإن كان فيه تعب ما لأن المقصود حق الشرع، والغرض دفع المعصية وعلى الإنسان أن يتعب نفسه في دفع المعاصي كما عليه أن يتعب نفسه في ترك المعاصي، والمعاصي كلها في تركها تعب، وإنما الطاعة كلها في تركها تعب، وإنما الطاعة كلها ترجع إلى مخالفة النفس، وهي غاية التعب) ثم ذكر بعد ذلك كلامًا كثيرًا ليس هذا محل إيراده انتهى. قال أبو عبد الله ابن فلح - في الآداب -: (هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟ . ينبني على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها، أو يجب غض البصر؟ في المسألة قولان: قال القاضي عياض - في حديث جرير ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري "رواه مسلم". قال العلماء ﵏: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلاّ لغرض صحيح شرعي. ذكره الشيخ محي الدين النووي، ولم يزد عليه.

стр. 174

وقال ابن قدامة - في المغني - عقب إنكار عمر ﵁ على الأمة التستر وقوله: "إنما القناع للحرائر". قالوا: ولو كان نظر ذلك محرمًا لم يمنع من تستره بل أمر به، وكذا احتج هو وغيره من الأصحاب بقول النبي ﷺ : (إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحجب منه). وقال الشيخ تقي الدين (وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، ولمن اختار هذا أن يقول: حديث "جرير" لا حجة فيه، لأن فيه وقوعه. ولا يلزم منه جوازه). فعلى هذا. هل يسوغ الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف؟ فأما على قوله، وقول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة. فينبغي أن يسوغ الإنكار. انتهى كلامه. قال - في مكان آخر - من الآداب: (فإن رؤي رجل مع امرأة فهل يسوغ الإنكار. ينظر فإن كان ثم قرينة تتعلق بالواقف أو قرينة زمان أو مكان أو غير ذلك ساغ الإنكار، وإلاّ فلا). وعلى هذا كلام أحمد ﵀ والقاضي أبي يعلى. قال محمد بن يحيي الكحال للإمام أحمد: الرجل السوء يرى مع المرأة؟ قال: صح به. وقال لأبي عبد الله - أيضًا -: الغلام يركب خلف المرأة؟ . قال: ينهى ويقال له، إلاّ أن يقال إنها له محرم - ترجم عليهما الخلال (باب الرجل يرى المرأة مع الرجل السوء أو يراها معه راكبة). وذكر - في هذا الباب - أن أباد داود قال: سمعت أبا عبد الله وقيل له: امرأة أرادت أن تسقط عن الدابة، يمسكها الرجل؟ قال: نعم). قال القاضي: (ومن يعرف بالفسق منع من الخلوة بامرأة أجنبية، لما يحصل فيه من

стр. 175

الريبة وقد قال النبي ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما). ثم ذكر رواية محمد بن يحيي الثانية. وانتهى كلامه). وقال القاضي - في الأحكام السلطانية - فيما يتعلق بالمحتسب: وإذا رأى وقوف رجل مع امرأة في طريق سالك ولم تظهر منهما أمارات الريب لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار. وإن كان الوقوف في طريق خال فخلو المكان ريبة فينكرها ولا يعجل في التأديب عليهما حذرًا من أن تكون ذات محرم. وليقل: إن كانت محرم فصنها عن مواقف الريب، وإن كانت أجنبية فاحذر من خلوة تؤديك إلى معصية الله - تعالى -، وليكن زجره بحسب الأمارات. (وإن كانت شواهد حاله وفحوى كلامه ينطقان بفجوره وريبته) وإذا رأى المحتسب من هذه الأمارات ما ينكرها تأني وتفحص وراعى شواهد الحال ولم يعجل بالإنكار قبل الاستخبار. انتهى والله - سبحانه - أعلم. فصل - (٤): الإنكار على السلطان إذا عطل الحدود في حدود القدر المستطاع: ومما يتعلق بهذا الركن الإنكار على السلطان ونحوه إذا غصب. أو عطل الحدود، أو استأثر بالفيء والأعشار وغير ذلك من حقوق المسلمين، أو فعل شيئًا لا تسوغه الشريعة المطهرة فهذه وظيفة الأقوياء الذين فقهوا عن ربهم أنه لا مالك معه، ولا يحدث في ملكه ما لم يقدره. والعلماء مجمعون على أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر إذا كان عادلاً، ومختلفون فيه إذا كان جائرًا: فقالت فرقة: نأمره وإن كان جائرًا، فإنا نقول بالحق ونقوم بالأمر والنهي، وناصيته بيد الله .

стр. 176

قال القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى: واختلفت الرواية عن "أحمد" هل يحسن الإنكار ويكون أفضل من تركه؟ على روايتين. قال الله تعالى موبخًا بني إسرائيل لما تركوا أمر الملوك ونهيهم: ﴾ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴿وقال تعالى: ﴾ واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ﴿. وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والموطأ، وسنن النسائي، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم؟ ؟ وقد سبق هذا الحديث بأطول منه، والكلام على بعض معناه في الباب الأول. والله أعلم. ثم يستدل لذلك بما روى الإمام أحمد، والنسائي، والبيهقي - بإسناد صحيح - عن أبي عبد الله طارق بن شهاب ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ وقد وضع رجله في الغرز - أي الجهاد أفضل؟ قال: "كلمة حق عند سلطان جائر"]-[الغزز بفتح الغين وإسكان الراء ركاب كور الجمل إذا كان من جلد. فإن كان حديد أو خشب فهو ركاب]- وروى الحديث أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وللترمذي - أيضًا - قال - أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. وقال: حديث حسن غريب.

стр. 177

وروى الإمام أحمد، والبيهقي نحوه من حديث أبي أمامه الباهلي: أن رجلاً سأل النبي ﷺ وهو يرمي جمرة العقبة فقال له: أي الجهاد أحب إلى الله ؟ قال: فسكت عنه حتى رمى الجمرة. فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أحب إلى الله ؟ فسكت عنه حتى إذا رمى الجمرة الثانية عرض له. فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أحب إلى الله ؟ فسكت عنه ثم مضى رسول الله ﷺ حتى إذا اعترض في الجمرة الثالثة عرض له فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أحب إلى الله ؟ قال: "كلمة حق (تقال لإمام) جائر". ورواه ابن ماجه ولفظه قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى. فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه. فلما رمى الثانية سأله. فسكت عنه. فلما رمى جمرة العقبة، وضع رجله في الغرز ليركب. قال: (أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: "كلمة حق عند ذي سلطان جائر"). قال بعض العلماء: إنما صارت كلمة الحق عند الإمام الجائر من أمرك له بالمعروف، ونهيك عن المنكر أفضل من جهاد الكفار، لأن مجاهدة الكفار لإعلاء كلمة الحق، ونصرة دين الله فيقاومهم مع المماثلة في العدد والعدد، ومساعدة المجاهدين لك والمدد، وتأميل الغلبة عليهم ولم يتيقن تسلطهم عليهم وقهرهم، وهذا الجهاد أيسر وأهون من جهادك الأمير الجائر في أمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر. ورده عن جوره. مع وحدتك وقلة عددك وعدم مساعدتك ورؤيتك تسلطه عليك وغلبته واستشعارك فتكه بك وسطوته، فمحنتك أبلغ وأتم، وجهادك أصعب وأعظم، فكان أفضل من كل جهاد وأبلغ، لأن خوف سطوته ورجاء بره وصلته يمنعان النفس عن إظهار كلمة الحق له فيعظم جهادها. انتهى. وروى أبو بكر البزار بسنده - عن أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: رجل قام إلى - وال - جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله. وروى الإمام أحمد - في الزهد - بسنده عن ميمون بن مهران - رحمة الله عليه - قال ما

стр. 178

من صدقة أفضل من كلمة حق عند إمام جائز. ثم استدل لذلك بما روى أبو عبد الله الحاكم وغيره من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله فقتله على ذلك قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقد سند في الباب الأول من رواية الإمام أحمد، والبيهقي، وابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم فقد تودع منهم". قوله (تودع منهم) أي تودع الخير منهم. ثم يستدل لذلك بما روى أحمد، والترمذي، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعن أحدكم هيبة أن يقول في حق إذا رآه أو شهده أو سمعه قال: وقال أبو سعيد: وددت أني لم أسمعه هذا لفظ أحمد. وللترمذي قال -: إن رسول الله ﷺ قام خطيبًا فكان فيما قال: "ألا لا يمنعن أحدكم هيبة أن يقول (الحق) إذا علمه". قال: فبكى أبو سعيد، وقال: "والله قد رأينا شيئًا فهبنا". ورواه ابن أبي الدنيا ولفظه: "لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بحق إذا علمه". وفي رواية: إذا علمه أو رآه أو سمعه. قال أبو سعيد: "فما زال البلاء بنا حتى قصرنا". ورواه - أيضًا - من طريق ابن ماجه وزاد (إنا لنبلغ في السر) ولفظه: "لا يمنعن أحدكم أن يقول في الحق إذا رآه أو علمه".

стр. 179

قال: وقال أبو سعيد: (حملني هذا الحديث أني ركبت إلى معاوية فوعظته ثم أقبلت). وروى البيهقي في الشعب - أيضًا - وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب بسنديهما، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "لا ينبغي لامرئ أن يقوم مقامًا في مقال حق إلاّ تكلم به فإنه لن يقدم (أجله) ولن يحرمه رزقًا هوله" ثم يستدل بما روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحقرن أحدكم نفسه) أن يرى أمرًا لله فيه مقال أن يقوله فيقول الله ما منعك أن تقول فيه؟ فيقول: يا رب خشيت الناس. فيقول: أنا أحق أن تخشى" هذا لفظ أحمد ولابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحقرن أحدكم نفسه) قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: "يرى أمرًا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول. فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشيت الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى" ورواه أبو بكر البيهقي ولفظه: "لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله عليه فيه مقال فلا يقول به فيلقى الله وقد أضاع ذلك فيقول: ما منعك؟ فيقول: خشية (الناس) فيقول: فإني كنت أحق أن تخشى". ورواه أبو القاسم الأصبهاني - في الترغيب والترهيب. ولفظه: "لا يحقرن أحدكم يعني نفسه، يرى أمرًا لله فيه مقال أن يقول فيه فيبعثه الله يوم القيامة فيقول: ما منعك إذ رأيت كذا وكذا ألا تقول؟ فيقول: أي رب خفت. فيقول سبحانه - إياي كنت أحق أن تخاف". ورواه ابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الأنصاري وزاد - بعد قوله - "إن الله ليسأل العبد يوم القيامة".

стр. 180

قال البيهقي: هذا فيمن يتركه خشية ملامة الناس وهو قادر على القيام به. ففي هذه الأحاديث الحض على الشجاعة والإقدام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يعلم الإنسان يقينًا أن الأمر والنهي لن يقدما أجلاً أخره الله ولن يمنعا رزقًا قدره الله، فلا يلتفت لما يلقيه الشيطان من تخذيله وقوله: لا تتعرض لفلان يضرك أو يقتلك أو يحرمك رزقك، فإن الضر وإن قل والنفع وإن جل مقدران لا يؤيدان (فتيلاً) ولا ينقصان نقيرًا. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إن الله يرضى لكم ثلاثًا (ويسخط لكم ثلاثًا) يرضى لكن أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم .... " الحديث. وقد روي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا يقيم أمر الله في الناس إلاّ رجل يتكلم بلسانه كلمة يخاف الله في الناس ولا يخاف الناس في الله. ثم يستدل بما روي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سيجيء أمراء يدعون من السنة مثل هذه، وأومأ بيده إلى مفصل إصبعه، فإن تركتموهم جاؤوا مثل هذه، مثل هذه، وأومأ بيده إلى مفصلين، فإن تركتموهم جاؤوا بالطامة الكبرى. قال الإمام أحمد - في كتاب المحنة - في رواية حنبل إن عرضت علي لا أجيب وقال فيها - أيضًا -: إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق. قال إبراهيم بن أدهم - قدس الله روحه -: أعز حتى في آخر الزمان ثلاثة: أخ يؤنس به، وكسب درهم حلال، وكلمة حق عند ذي سلطان. وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي ﵀ يقول: أشد الأعمال ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف.
следующие страницы →