← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36110

الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ابن داود الحنبلي

ابن داود الحنبلي

Полный текст (502 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قال القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى: واختلفت الرواية عن "أحمد" هل يحسن الإنكار ويكون أفضل من تركه؟ على روايتين. قال الله تعالى موبخًا بني إسرائيل لما تركوا أمر الملوك ونهيهم: ﴾ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴿وقال تعالى: ﴾ واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ﴿. وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والموطأ، وسنن النسائي، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم؟ ؟ وقد سبق هذا الحديث بأطول منه، والكلام على بعض معناه في الباب الأول. والله أعلم. ثم يستدل لذلك بما روى الإمام أحمد، والنسائي، والبيهقي - بإسناد صحيح - عن أبي عبد الله طارق بن شهاب ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ وقد وضع رجله في الغرز - أي الجهاد أفضل؟ قال: "كلمة حق عند سلطان جائر"]-[الغزز بفتح الغين وإسكان الراء ركاب كور الجمل إذا كان من جلد. فإن كان حديد أو خشب فهو ركاب]- وروى الحديث أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وللترمذي - أيضًا - قال - أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. وقال: حديث حسن غريب.

стр. 177

وروى الإمام أحمد، والبيهقي نحوه من حديث أبي أمامه الباهلي: أن رجلاً سأل النبي ﷺ وهو يرمي جمرة العقبة فقال له: أي الجهاد أحب إلى الله ؟ قال: فسكت عنه حتى رمى الجمرة. فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أحب إلى الله ؟ فسكت عنه حتى إذا رمى الجمرة الثانية عرض له. فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أحب إلى الله ؟ فسكت عنه ثم مضى رسول الله ﷺ حتى إذا اعترض في الجمرة الثالثة عرض له فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أحب إلى الله ؟ قال: "كلمة حق (تقال لإمام) جائر". ورواه ابن ماجه ولفظه قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى. فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه. فلما رمى الثانية سأله. فسكت عنه. فلما رمى جمرة العقبة، وضع رجله في الغرز ليركب. قال: (أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: "كلمة حق عند ذي سلطان جائر"). قال بعض العلماء: إنما صارت كلمة الحق عند الإمام الجائر من أمرك له بالمعروف، ونهيك عن المنكر أفضل من جهاد الكفار، لأن مجاهدة الكفار لإعلاء كلمة الحق، ونصرة دين الله فيقاومهم مع المماثلة في العدد والعدد، ومساعدة المجاهدين لك والمدد، وتأميل الغلبة عليهم ولم يتيقن تسلطهم عليهم وقهرهم، وهذا الجهاد أيسر وأهون من جهادك الأمير الجائر في أمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر. ورده عن جوره. مع وحدتك وقلة عددك وعدم مساعدتك ورؤيتك تسلطه عليك وغلبته واستشعارك فتكه بك وسطوته، فمحنتك أبلغ وأتم، وجهادك أصعب وأعظم، فكان أفضل من كل جهاد وأبلغ، لأن خوف سطوته ورجاء بره وصلته يمنعان النفس عن إظهار كلمة الحق له فيعظم جهادها. انتهى. وروى أبو بكر البزار بسنده - عن أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: رجل قام إلى - وال - جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله. وروى الإمام أحمد - في الزهد - بسنده عن ميمون بن مهران - رحمة الله عليه - قال ما

стр. 178

من صدقة أفضل من كلمة حق عند إمام جائز. ثم استدل لذلك بما روى أبو عبد الله الحاكم وغيره من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله فقتله على ذلك قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقد سند في الباب الأول من رواية الإمام أحمد، والبيهقي، وابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم فقد تودع منهم". قوله (تودع منهم) أي تودع الخير منهم. ثم يستدل لذلك بما روى أحمد، والترمذي، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعن أحدكم هيبة أن يقول في حق إذا رآه أو شهده أو سمعه قال: وقال أبو سعيد: وددت أني لم أسمعه هذا لفظ أحمد. وللترمذي قال -: إن رسول الله ﷺ قام خطيبًا فكان فيما قال: "ألا لا يمنعن أحدكم هيبة أن يقول (الحق) إذا علمه". قال: فبكى أبو سعيد، وقال: "والله قد رأينا شيئًا فهبنا". ورواه ابن أبي الدنيا ولفظه: "لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بحق إذا علمه". وفي رواية: إذا علمه أو رآه أو سمعه. قال أبو سعيد: "فما زال البلاء بنا حتى قصرنا". ورواه - أيضًا - من طريق ابن ماجه وزاد (إنا لنبلغ في السر) ولفظه: "لا يمنعن أحدكم أن يقول في الحق إذا رآه أو علمه".

стр. 179

قال: وقال أبو سعيد: (حملني هذا الحديث أني ركبت إلى معاوية فوعظته ثم أقبلت). وروى البيهقي في الشعب - أيضًا - وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب بسنديهما، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "لا ينبغي لامرئ أن يقوم مقامًا في مقال حق إلاّ تكلم به فإنه لن يقدم (أجله) ولن يحرمه رزقًا هوله" ثم يستدل بما روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحقرن أحدكم نفسه) أن يرى أمرًا لله فيه مقال أن يقوله فيقول الله ما منعك أن تقول فيه؟ فيقول: يا رب خشيت الناس. فيقول: أنا أحق أن تخشى" هذا لفظ أحمد ولابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحقرن أحدكم نفسه) قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: "يرى أمرًا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول. فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشيت الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى" ورواه أبو بكر البيهقي ولفظه: "لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله عليه فيه مقال فلا يقول به فيلقى الله وقد أضاع ذلك فيقول: ما منعك؟ فيقول: خشية (الناس) فيقول: فإني كنت أحق أن تخشى". ورواه أبو القاسم الأصبهاني - في الترغيب والترهيب. ولفظه: "لا يحقرن أحدكم يعني نفسه، يرى أمرًا لله فيه مقال أن يقول فيه فيبعثه الله يوم القيامة فيقول: ما منعك إذ رأيت كذا وكذا ألا تقول؟ فيقول: أي رب خفت. فيقول سبحانه - إياي كنت أحق أن تخاف". ورواه ابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الأنصاري وزاد - بعد قوله - "إن الله ليسأل العبد يوم القيامة".

стр. 180

قال البيهقي: هذا فيمن يتركه خشية ملامة الناس وهو قادر على القيام به. ففي هذه الأحاديث الحض على الشجاعة والإقدام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يعلم الإنسان يقينًا أن الأمر والنهي لن يقدما أجلاً أخره الله ولن يمنعا رزقًا قدره الله، فلا يلتفت لما يلقيه الشيطان من تخذيله وقوله: لا تتعرض لفلان يضرك أو يقتلك أو يحرمك رزقك، فإن الضر وإن قل والنفع وإن جل مقدران لا يؤيدان (فتيلاً) ولا ينقصان نقيرًا. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إن الله يرضى لكم ثلاثًا (ويسخط لكم ثلاثًا) يرضى لكن أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم .... " الحديث. وقد روي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا يقيم أمر الله في الناس إلاّ رجل يتكلم بلسانه كلمة يخاف الله في الناس ولا يخاف الناس في الله. ثم يستدل بما روي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سيجيء أمراء يدعون من السنة مثل هذه، وأومأ بيده إلى مفصل إصبعه، فإن تركتموهم جاؤوا مثل هذه، مثل هذه، وأومأ بيده إلى مفصلين، فإن تركتموهم جاؤوا بالطامة الكبرى. قال الإمام أحمد - في كتاب المحنة - في رواية حنبل إن عرضت علي لا أجيب وقال فيها - أيضًا -: إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق. قال إبراهيم بن أدهم - قدس الله روحه -: أعز حتى في آخر الزمان ثلاثة: أخ يؤنس به، وكسب درهم حلال، وكلمة حق عند ذي سلطان. وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي ﵀ يقول: أشد الأعمال ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف.

стр. 181

فصل - (٥): دفع التعارض بين أمر خواض الأمة السلطان الجائر بالمعروف ونهيه عن المنكر وبين تحريم تعريض النفس للتهلكة: فإن قيل: من أمر السلطان الجائر بالمعروف، ونهاه عن المنكر. أو قال عنده كلمة حق لاسيما في زماننا هذا - فقد عرض نفسه للتهلكة؟ قيل: (لا خلاف أن المسلم يجوز له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل إذا كان فيه قوة وإن علم أنه يقتل). قال أبو العباس ابن تيمية: نص الأئمة الأربعة على ذلك ودليلهم من الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله - تعالى -﴾ ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد ﴿. وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية: أن "صهيبا خرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة، إلى النبي ﷺ فلحقه المشركون وهو وحده فنشل كنانته وقال: والله لا يأتي منكم أحد إلاّ رميته، فأراد قتالهم وحده وقال: إن أحببتم أن تأخذوا (مالي) فخذوه وأنا أدلكم عليه. ثم قدم على النبي ﷺ : (ربح البيع أبا يحيي). قوله: (فنشل كنانته) - بنون ومثلثة - أب استخراج ما فيها من النبل. وروى الإمام أحمد - بإسناده - أن رجلاً حمل وحده على العدو فقال الناس: ألقى بنفسه إلى التهلكة. فقال عمر ﵁: كلا بل هذا ممن قال الله (فيهم): ﴾ ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد ﴿وقد بين سبحانه - في كتابه العزيز - أن ما يوجبه الجبن من الفرار هو من الكبائر الموجبة النار. فقال - تعالى -﴾ يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذٍ دبره إلا متحرفًا لقتالٍ أو متحيزًا إلى فئةٍ فقد باء بغضبٍ من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ﴿. وأخبر أن الذين يخافون العدو خوفًا يمنعهم من الجهاد منافقون.

стр. 182

فقال: ﴾ ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قومٌ يفرقون ﴿وعدَّ النبي ﷺ الفرار من الزحف من الكبائر. وأما دلائل السنة فمن وجوه كثيرة: منها: أن المسلمين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر وكان عدوهم بقدرهم ثلاث مرات وأكثر. وبدر أعظم الغزوات. فعلم أن القوم يشرع لهم أن يقاتلوا من يزيدون على ضعفهم ولا فرق بين الواحد والعدد (ومنها: أن المسلمين يوم أحد كانوا نحوًا من ربع العدو، فإن العدو كانوا ثلاثة آلاف أو نحوها وكان المسلمون سبعمائة أو قريبًا منها). ومنها: أن المسلمين يوم الخندق كان العدو بقدرهم مرات، فإن العدو كانوا أكثر من عشرة آلاف وهم الأحزاب الذين تحزبوا عليهم من قريش وحلفائها، وبني قريظة وغيرهم وكان المسلمون - بالمدينة - دون الألفين. و - أيضًا - فقد كان الرجل وحده على عهد النبي ﷺ : يحمل على العدو بمرأى من النبي ﷺ وينغمس فيهم ويقاتل حتى يقتل. وهذا كان مشهورًا بين المسلمين على عهد النبي ﷺ وخلفائه. فصل - (٦): سقوط وجوب أمر خواص العلماء الحكام ونهيهم عند توقع ضر لا يطاق: فربما يظن بعض من لا يعلم أن ما تقدم - في هذا الفصل - مخالف لموجب الآية الشريفة أعني قوله - تعالى -﴾ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ﴿وليس كذلك. فقد روى البخاري عن حذيفة بن اليمان أنه تلى﴾ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴿ثم قال: نزلت في وجوب النفقة. قال أبو عبد الله الزجاج: التهلكة الهلاك. ويقال: هلك يهلك هلاكًا وتهلكة وقال الليث بن سعد: الهلكة كل شيء تصير غايته إلى الهلاك. ومعنى الهلاك الضياع وهو مصير لا يدري أين هو. وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، وابن أبي حاتم - بسنديهما - عن أبي إسحاق

стр. 183

السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب ﵄ إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله ﷺ : ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلاّ نفسك .. ﴾ فإنما هذا في النفقة" وكذلك رواه الإمام أحمد. وروى أبو داود من حديث (يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران) قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ﵁ والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فدخل رجل على العدو فقال الناس: مه، مه، لا إله إلا الله، يلقي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري: إنما نزلت هذه الآية ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. (فينا معشر الأنصار. لما نصر الله نبيه. ﷺ وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها) فأنزل الله : ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أيوب الأنصاري يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية. ورواه الترمذي: ولفظه قال: "كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقى بيديه إلى التهكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يأيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه. فقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله - تعالى - قد أعز الإسلام وكثر ناصروه (فلو أقمنا في أموالنا) فأصبحنا ما ضاع منها، فأنزل الله - تعالى -على نبيه ﷺ يرد علينا: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾

стр. 184

فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وحكاه صاحب الأطراف للنسائي. ورواه الحكام في المستدرك، وابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى الموصلي - في مسنده-، وعند ابن حميد - في تفسيره، وابن أبي حاتم، ومحمد بن جرير الطبري، وابن مردويه وغيرهم. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. فقد أنكر أبو أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقيًا بيده إلى التهلكة. وبين أن تفسير الآية إنما هو الاشتغال في تثمير الأموال - عن الجهاد في سبيل الله. فترك الجهاد هو إلقاء باليد إلى التهلكة، دون المجاهدين في سبيل الله. ضد ما يتوهم هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه، فإنهم يتأولون الآية على ما فيه ترك الجهاد، والآية آمرة بالجهاد، وناهية عما يصد عنه، فسمى ترك الجهاد هلاكًا، لأنه يؤدي إلى الهلاك في الدنيا بقوة العدو وفي الآخرة بالعصيان. وروى (أبو الجوزاء) عن ابن عباس. أن التهلكة عذاب الله ولا تتركوا الجهاد فتعذبوا. دليله قوله - تعالى - ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير﴾ وروى أبو عبد الله الحاكم بسنده - عن البراء بن عازب ﵁ أن رجلًا قال له يا أبا عمارة ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ولكن هو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل قال: لا يذنب الذنب فيقول: (لا يفغره الله لي) وقال: صحيح على شرطيهما. وذهب إلى قول البراء جماعة. وقيل. هو أن يذنب الذنب ثم لا يعمل بعده خيرًا فيهلكه الله. والله أعلم.

стр. 185

فصل - (٧): تحريم فرار المسلمين من عدوهم إذا كانوا ضعفهم: روى أبو عبد الله البخاري من حديث ابن عباس ﵄ قال: (لما نزلت: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ فكتب عليهم أن لا يفّر واحد من عشرة). فقال سفيان غير مرة أن لا يفر عشرون من مائتين. ثم نزلت: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ الآية (فكتب أن لا يفر مائة ما مائتين) (زاد سفيان مرة نزلت ﴿حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ قال سفيان، قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا. انتهى تعليق البخاري. والله أعلم. ورواه البخاري - أيضًا - وأبو داود بلفظ: لما نزلت ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ قال: فلما خفف عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم). فصل - (٨): جواز أمر خواص الأمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولو تيقنوا القتل إذا تيقنوا رفع المنكر: فإذا جاز أن يقاتل المجاهد المسلم الكفار حتى يقتل ما جاز ذلك - أيضًا - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف، والعاجز فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة. قال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه - وقد حمل بعض السلف قوله : ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد﴾ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 186

قال بعض العارفين: لا يزداد المؤمن بنفسه ضعفًا إلاّ ازداد بقلبه قوة، لأن الاستقلال بقوة النفس نتيجة الغفلة، وقوة القلب بالله -سبحانه- على الحقيقة انتهى. وإنما جاز له الإقدام على القتال مع علمه انه يقاتل حتى يقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة بالحياة، وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتنكسر- بدلك - شوكتهم، فكذلك مجوز للأمر بالمعروف والناهي عن المنكر بل يستحب أن يعرض نفسه للضرب والقتل، إذا كان لأمره ونهيه تأثير في رفع المنكر، أو في كسر جاه الفاسق، أو في تقوية قلوب أهل الدين. قال أبو طالب عمر من الربيع - في كتابه -: واعلم أن أهل العلم قد أقاموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقام الجهاد، لان مع المسلمين من المعاصي وما يخاف عليهم من النار أفضل من قتال الكفار على كفرهم فأخذ أهل العلم بالآية التي أنزلها الله في الجهاد فجعلوها دليلًا لهم على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إذا كان عندهم أفضل الجهاد ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ كان ذلك في أول الإسلام، إذ جعل الله في المؤمنين من القوة ما تقوم العشرة منهم بالمائة من الكفار فلما دخل في الإسلام من لم يكن شدتهم - في الدين- مثل أولئك، وهم السابقون الأولون خفف الله عنهم ذلك فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم﴾ والضعف الذي علمه فيهم إنما هو في الذين آمنوا بعد. فعلى هذا يجري الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي يقوم الواحد بالاثنين. انتهى. قول أبي طالب: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم أجرًا من الجهاد، دليله ما سبق من حديث طارق بن شهاب ﵁ (أنَّ رجلًا سأل النبي ﷺ وقد وضع رجله بالغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر). قال أبو طالب - واعلم أن الضعف ليس بحجة لأهله في ترك ما لزمهم من القيام بالأمر والنهي، وإنما دخل عليهم الضعف من كثرة الذنوب، وقد ثبتت عليهم الحجة بما وعدهم الله من النصرة. بقوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا عن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.

стр. 187

فصل - (٩): إباحة أمر السلطان ونهيه خواص الأمة عندما لا يخافون إيذاءًا لغيرهم نتيجة لنهيهم: وإن لم تخف أمر السلطان والأمراء بالمعروف أو نهيهم عن المنكر إلاّ على نفسه، فأمرنا لهم جائز - عند جمهور العلماء-. قال أبو حامد: بل مندوب إليه، فلقد كان من عادة السلف - رضي الله (عنهم) - التعرض للأخطار والتصريح بالإنكار من غير مبالاة بهلاك المهجة، والتعرض لأنوع العذاب الأليم لعلمهم بأن ذلك شهادة لما سبق من حديث عبادة بن الصامت ﵁ ... وعلى أن نقول الحق أينما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم. ومن حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). ومن حديث جابر ﵁: (خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه فقتله) إلى غير ذلك من الأحاديث السالفة. وفي شعب الإيمان - للبيهقي - من حديث مغيرة بن مقسم، عن عبد الرحمن بن أبي نعيم أنه قام إلى الحجاج. فقال: ﴿ ... ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا .... ﴾ ﴿فلا يسرف في القتل إنه كان منصور﴾ فقال الحجاج. أمكن الله من دمك. فقال: "إن من في بطنها أكثر ممن على ظهرها" وقد قال إبراهيم بن عبد الله: سمعت أحمد بن حنبل يقول ما سمعت كلمة كانت أقوى لقلبي وأقر لعيني - في المحنة - من كلمة سعتيا من فقير أعمى. قال - لي-: يا أحمد إن تهلك في الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا. وقال إسحاق بن حنبل عم الإمام أحمد: (يا أبا عبد الله قد أعذرت فيما بينك وبين الله - تعالى - وقد أجاب أصحابك واليوم بقيت في الحبس والشر وحدك .. فقال: يا عم إذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟ فأمسكت عنه). والمقصود أنه كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين، والصدع بالحق

стр. 188

وقلة مبالاتهم بسطواتهم، إيثارًا لإقامة حق الله - سبحانه - على بقائهم، واختيارهم لإعزاز الشرع على حفظ مهجهم، واستسلامًا للشهادة إن حصلت لهم، واتكالًا على فضل الله - تعالى - أن يحميهم، لأنه - تعالى -: يحفظ أولياءه، ولا يسلمهم إلى أعدائهم، بل يؤيدهم وينصرهم بنصرهم له ويأخذ بثأرهم وبأيدهم فما لعدوهم من قوة ولا ناصر. وقد روى أبو عبدالله البخاري، وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من (عادى) لي وليًّا فقد آذنته بالحرب .. الحديث. يعني أن الله يأخذ بثأر أوليائه، ويغضب لهم، وينصرهم، ويجعل الغلبة لهم. ﴿الذين خرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها أسم الله كثيرا وبينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾. وسيأتي (فصل) في ذكر بعض من بذل نفسه، وأمر الخلفاء والملوك بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وذكر بعض من نيل بضرب في ذلك، ومن قتل فيه أو بسببه - في الباب العاشر - والله هو الكريم الغافر. فصل - (١٠): كيفية الإنكار على السلطان تكون بالتعريف والوعظ بالكلام اللين اللطيف وذكر العاقبة في الدنيا والآخرة: وإذا قلنا بالإنكار على السلطان ونحوه من الأثمة، وولاة الأمور فيكون - حينئذٍ - بالمرتبتين الأولين السابق ذكرهما - في أوائل هذا الباب وهما التعريف، والوعظ بالكلام اللطيف ويذكر له العاقبة في الدنيا والآخرة فيجب ذلك، لقوله - تعالى - خطابًا لنبيه موسى، وهارون - حين أرسلهما إلى عدوه فرعون -: ﴿فقولا له قولا لينا﴾ أي كنياه. وقيل: القول اللين هو الذي لا خشونة فيه. فإذا كان موسى أمر أن يقول لفرعون قولًا لينًا فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه وأمره بالمعروف في كلامه.

стр. 189

كما قال الله: ﴿وأخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة ثم توليتم إلا قيلا منكم وأنتم معرضون﴾. قال يحيى بن معاذ -في هذه الآية-: إذا كان هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟ وكأن ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم مع الظالمين. وسيأتي الكلام على ذلك في فصل الرفق من الباب الرابع - إن شاء الله تعالى. وروى أبو نعيم - بسنده - عن الوليد بن مسلم، عن سفيان الثوري قال: لا يأمر السلطان بالمعروف إلاّ رجل عالم بما يأمر، عالم بما ينهى، رفيق فيما يأمر. رفيق فيما ينهى، عدل فيما يأمر، عدل فيما ينهى. قال جماعة من العلماء: (ويحرم الإنكار على السلطان بغير ذلك من تخشين القول كيا ظالم أو يا من لا يخاف الله، وما يجري مجراه إن كان يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيره ذكره القاضي أبو يعلى، وأبو الفرج ابن الجوزي، فإنه قال: الجائز من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- مع السلطان - التعريف والوعظ، فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله فإن كان ذلك يحرك فتنًة يتعدى شرها إلى الغير لم يجز، وإن لم يخف إلاّ على نفسه فهو جائز عند جمهور العلماء. قال: والذي أراه، المنع من ذلك، لأن المقصود إزالة المنكر، وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر، أكثر من المنكر الذي قصد إزالته انتهى. وفي مسند الإمام أحمد ﵀ وغيره من حديث عطية السعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا استشاط (السلطان) تسلط الشيطان). وروى البيهقي - في شعب الإيمان عن أبي البحتري قال: قيل لحذيفة بن اليمان -

стр. 190

رضي الله عنه - ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحسن ولكن ليس من السنة أن ترفع السلاح على إمامك. وبسنده، عن أنسر بن مالك أنه قال: أمرنا أكابرنا من أصحاب رسول الله ﷺ لا نسب أمراءنا ولا نغشهم ولا نعصيهم وأن نتقي الله ونصبر، فإن الأمر إلى قريب. ونص على ذلك الإمام أحمد ﵀ قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق بالله أبو حفص عمر إلى أبي عبد الله يعني أحمد. وقالوا له: إن الأمر قد فشا يعنون (إظهار) القول بخلق القرآن، وغير ذلك ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك. وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم ولا تخلعوا يدا من طاعته، ولا تشقوا (عصا) للمسلمين ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر. وقال -أيضًا -: ليس هذا (صوابًا) هذا خلاف الآثار. وقال أبو بكر احمد المروزي: كان أبو عبد الله أحمد- رحمه (الله يأمر بكف الدماء وينكر الخروج على الأئمة إنكارًا عظيمًا. وقال عمرو بن العاص ﵁ لابنه: يا بني أحفظ عني ما أوصيك به: إمام عدل خير من مطر وبل، وأسد حطوم خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم). قال أبو حامل الغزالي - في الكلام على المرتبة الخامسة من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -: (أما الرعية مع السلطان فالأمر فيه أشد من الأب، فليس لهم معه إلاّ التعريف والنصح، فأما المرتبة الرابعة: وهي المنع بالقهر بطريق المباشرة ففيها نظر من حيث أن الهجوم على أخذ الأموال من خزانته وردها إلى الملاك، وعلى تحليل الخيوط من ثيابه الحرير وإراقه الخمر من بيته يفضي إلى خرق حرمته وهيبته وإسقاط حشمته، وذلك محظور ورد النهي عنه كما ورد النهي عن السكوت على المنكر فقد تعارض فيه - أيضًا - محذوران والأمر فيع موكول إلى اجتهاده منشؤه النظر في تفاحش المنكر ومقدار ما يسقط من حشمته، بسبب الهجوم عليه وذلك مما لا يكن ضبطه. انتهى.

стр. 191

والمقصود أنه لا، يجوز أن يوعظ السلطان إلاّ بالمرتبتين وهما: التعريف والوعظ بالكلام اللطيف - كما تقدم-. قال أبو حامد: وأما أمره بالمرتبة الثالثة ففيها نظر، لأن الأمر معه أشد من الوالد، لما يتوقع في ذلك من الفتن والشرور والحروب لاسيما في زماننا هذا. انتهى. وسيأتي - في الباب السادس - فصل في سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف من أهل التجبر من الملوك وغيرهم - والله سبحانه - أعلم. فصل - (١١): وجوب وعظ خواص الأمة السلطان سرًا أفضل منه جهرًا: وإن وعظ السلطان سرًا فيما بينه وبينه فهو الأحسن. وقد نقل من عجائب الوقائع وغرائب البدائع. فيما روى ابن أبي الدنيا - بسنده. عن سعيد بن جبير. قال: قال رجل لابن عباس- ﵄ أمر أميري بالمعروف؟ قال: فإن خفت أن يقتلك فلا تعتب الإمام إلاّ فيما بينك وبينه معاينة. وروى محمد بن إسماعيل بن عياش. قال: حدثني أبي. قال: حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد. قال: قال جبير بن نفير: جلد عياض بن غيم صاحب دارا (حين) فتحت، فوقف هشام بن حكيم بن حزام- ﵄ وكان آمرًا بالمعروف فأغلظ له القول حتى غضب، ثم مكث ليالي فأتاه هشام فاعتذر إليه فقال هشام لعياض بن غيم: ألم تسمع رسول الله يقول: (إن أشد الناس عذابًا أشدهم للناس عذابًا في الدنيا ... ؟ ) فقال عياض قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت. ألم تسمع رسول الله- ﷺ يقول: "من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يقل له علانية ولكن يأخذ بيده وليخل به، فإن قبل فذاك وإلاّ كان قد أدى (ما عليه) وانك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله - فما خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله؟ قال أبو بكر بن مندة الحافظ: غريب تفرد به إسماعيل عن ضمضم. وله طريقان آخران.

стр. 192

ورواه الحاكم - في المستدرك (وقال): صحيح الإسناد. وعياض، فهري. وقيل: أشعري له صحبة. قال الزهري: توفي أبو عبيدة بن الجراح، واستعمل خاله، وابن عمه عياض بن غنم فأمره عمرو بن العاص. وقال: لا أغير أمرًا فعله أبو عبيدة. وحكى ابن منده: أنه ابن امرأة أبي عبيدة. قوله: (لأنت الجريء) صيغة مبالغة من الجريء وهي الإقدام على الصعب - كما سبق بيانه - في الباب الأول - والله اعلم. قال أبو الفرج بن الجوزي ﵀: الذي أراه في هذا الزمان الإنكار على الملوك سرًا بالكلام اللطيف لا بالقهر والتعنيف، لأن المقصود إزالة المنكر الذي قصد إزالته. وقال بعض العلماء: فينبغي أن يكون وعظهم بألطف ما يكون من الكلام. وروي أن واعظًا وعظ عبد الله المأمون بن هارون الرشيد فأغلظ له وعنفه في القول - فقال: يا رجل أرفق، فقد بعث الله - تعالى - من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق. فقال -تعالى-: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾. (فإذا، ينبغي على من أنكر على الأمراء أن يعظهم بكلام لطيف، ويخوفهم ويرجيهم بما يناسب الحال، وما يحصل به المقصود، ولا يطيل، ولكل مقام مقال، ولكل فن رجال). وقد كان السلف الصالح من الأخيار والعلماء وغيرهم يعبرون لأمراءهم بأحسن العبارات في الوعظ مع أنهم كانوا يقبلون كلامهم ونصحهم. قال سفيان الثوري - قدس الله روحه -: (وينبغي لمن وّعّظّ أن لا يعنف، ولمن وعظ ألا يأنف). وكانوا يقرؤن، عليهم الآيات والأخبار الواردة في الترغيب والترهيب، في العدل والإحسان والرفق وغيره من الأخلاق الجميلة، والترهيب من الظلم والجور وغيره من الأخلاق السيئة) مما يضيق هذا المحل من إيراده. وهي معروفة مشهورة.

стр. 193

كما روي عن أبي الفرج بن الجوزي ﵀ (أنه وعظ مرة. بحضرة الخليفة أبي جعفر المستنصر بالله. فمما قال في مجلسه: إن هارون الرشيد (قال) لشيبان: عظني فقال: يا أمير المؤمنين، لأن تصحب من يخوفك حتى تدرك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى تدرك الخوف. ثم قال: يا أمير المؤمنين من يقول لك، أنت مسئول عن الرعية فاتق الله، أنصح لك ممن يقول لك: أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم. فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله). ثم قال ابن الجوزي: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك. وروى أبو بكر البيهقي - في شعب الإيمان بسنده، عن عبد الله بن الضرير. قال: دخل ابن السماك على هارون يعني الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله- لم يجعل أحدًا فوقك فلا ينبغي أن يكون أحدًا أطوع لله منك. وبسنده، عن عبد الله بن صالح. قال: سمعت شبيب بن سعيد. يقول: دخلت على هارون الرشيد. فقال: عظني: فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله لم يرضى أن يجعل أحدًا فوقك فلا ينبغي لأحد أن يكون أطوع لله منك - فقال: لقد بالغت في المواعظ وإن قصرت في الكلام. وذكر أبو الغرج بن الجوزي: أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف دخل عليه سالم بن عبد الله بن كعب القرظي. رحمة الله عليهم - وهو مكتئب حزين فأقبل على أحدهما فقال: عظني فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله لم يجعل (أحدًا) من خلقه فوقك فلا ترضى لنفسك أن يكون أحد من خلقه أطوع له منك. اجعل الناس اصنافًا ثلاثة: الكبير بمنزلة الأب والوسط بمنزلة الأ خ والصغير بمنزلة الولد فبر والدك، ومل أخاك، واعطف على ولدك. واعلم أنك أول خليفة يموت. ثم أقبل على الآخر، فقال: عظني فقال: يا أمير المؤمنين، الدنيا عطن مهجور، وأكل

стр. 194

منزوع وغرض بلاء ومستقر آفات، محيط بها الذل، لكل فرحة منها ترحة، ولكل سرور منها غرور وقد رغب عنها السعداء، وانتزعت من أيدي الأشقياء، فكن يا أمير المؤمنين كالمداوي لجرحه، بصبره على شدة الدواء، لما يرجو من الشقاء فبكى عمر وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومن وعظ بعضهم: رب هالك بالثناء لديه، ومغرور بالتستر عليه، ومسترجع بالإحسان إليه. وذكر الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، عن شبيب التميمي. قال: قال أبو جعفر عبد الله المنصور الخليفة وكنت في سمارة: يا شبيب عظني وأوجز قلت: يا أمير المؤمنين إنّ الله لم يرضى من نفسه أن يجعل فوقك أحدًا من خلقه، فلا ترضى له من نفسك أن يكون له عبد أشكر منك له. فتصدق أمير المؤمنين صدقات، وأطلق محبوسين، وفعل أشياء حسنة بعد ذلك. ورواه البيهقي-في شعب الإيمان- وغيره. ووعظ أبو حاتم بعض الأمراء - فقال: كل ما تكره الموت من أجله فاتركه، لا يضرك متى مت. ولما أراد أبو جعفر المنصور خراب المدينة، لإطباق أهلها على حربه مع محمد بن عبد الله بن حسن وعظه جعفر بن محمد فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قد مضى ثلاثة أسلاف: سليمان أعطي فشكر، وأيوب ابتلي فصبر، ويوسف قدر فغفر فاقتد بأيهم شئت، وأنت من الذين يعفون ويصفحون، فطفئ غيظه وسكت). ودخل رجل على معاوية وعنده أرباب الفضل والعلم. فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين أتيناك لا رغبة ولا رهبة، فاستهجن الحاضرون كلامه. فلم يلبث أن قال: أما الرغبة فتأتينا إلى بيوتنا، وأما الرهبة فأمناها بعد ذلك، ثم خرج فلم يبق أحد من الحاضرين إلاّ استحسن كلامه. وفي- الباب السابع والأربعين- من كتاب سراج الملوك: أن عبد الملك بن مروان أرق ليلة فاستدعى سميرًا يحدثه فكان مما حدثه أن قال: يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة ابنتها لابنها، فقالت بومة

стр. 195

البصرة: لا أفعل إلا أن تجعلي لي صداقها مائة ضيعة خراب. فقالت بومة الموصل. لا اقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا- سلمه الله - تعالى- علينا سنة واحدة فعلت ذلك. فاستيقظ لها عبد الملك وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم من بعض. وذكر الإمام أبو عمرو بن عبد البر- في بهجة المجالس عن أبي بكر الصديق- ﵁ قال: (لا يصلح هذا الأمر إلاّ بشدة في غير عنف، ولين في غير ضعف). والسلطان إذا دخل على العبد زائرًا فجوابه السلام لا بد منه والقيام والاحترام، مقابلة له على مجيئه إليه وإكرامه، فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للحمد كما أنه بالظلم مستحق للذم. فإنّ قدر أن لا يقوم له، إعزازًا للدين واحتقارًا للظلم، وغضبًا لله من سوء فعله فهو أولى. ولا ينظر إلى وجهه إلا بنية الإنكار. كما قال سفيان الثوري: (النظر إلى وجه الظالم خطيئة). فلا تنظروا إلى الأئمة المضلين إلاّ بالإنكار عليهم، لئلا يحبط أعمالكم. هذا إذا دخل عليه وحده، فأما إن دخل مع حشمه وأرباب دولته فلا بأس بالقيام، ولا يعلمه بالظلم إذا خلا به ولا الخمر ولا يغير ذلك إلاّ إذا خلا به، وعرف أنه ينتفع بأمره فيخوفه من ركوب المعاصي مطلقًا ويرشده إلى العدل في الرعية والإحسان إليهم. كل ذلك بلطف فيما بينه وبينه-كما تقدم- والله أعلم. فصل - (١٢): وجوب نصح الولد للوالد بالتعريف والوعظ بالكلام اللين اللطيف: إنكار الولد على الوالد بالمرتبة الأولى وهر التعريف ثم بالثانية وهي الوعظ والنصح بالكلام اللطيف كالإنكار على السلطان ونحوه. وقد روى ابن أبي الدنيا - بسنده - عن أبي روح سلام بن سكين الأزدي قال: سألت الحسن البصري - رحمة الله عليه - فقلت يا أبا سعيد، الرجل يأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟ قال: يأمرهما إن قبلا فإن كرها سكت عنهما. وهل له الإنكار عليه بالمرتبة الثالثة وهي السب العنيف كقوله؟ ألا تخاف الله ألا تستحي من الله؟ أو بالمرتبة الرابعة وهي المنع بالقهر بطريق المباشرة .. ؟ بحيث يؤدي إلى

стр. 196

أذاه وسخطه، وهو بأن يكسر مثلًا (عوده) ويريق خمره، ويحل الخيوط من ثيابه المنسوجة بالحرير، ويرد إلى الملاك ما يجده في بيته من المال الحرام، الذي غصبه أو سرقه أو أخذه عن إدرار رزق من ضريبة المسلمين، إذا كان صاحبه متعينًا، ويحك الصور المنقوشة على حيطانه والمنقورة، في خشب بيته، ويكسر أواني الذهب والفضة، فإن فعله في هذه الأمور ليس يتعلق بذات الأب بخلاف الضرب والسب، ولكن الوالد يتأذى به ويسخط بسببه إلاّ إن فعل الولد حق، وسخط الأب منشؤه حبه للباطل وللحرام. قال أبو حامد- ﵀: والأظهر في القياس أنه يثبت للولد ذلك بل يلزمه أن يفعل ذلك، ولا يبعد أن ينظر فيه إلى قبح المنكر، ولى مقدار الأذى والسخط فإن كان المنكر فاحشًا وسخطه عليه قريبًا كإراقة الخمر ونحوه، ولا يشتد غضبه فذلك ظاهر، ون كان المنكر قريبًا، والسخط شديدًا كما لو كانت له آنية من بلور أو زجاج على صورة حيوان، وفي كسرها خسران مال كثير فهذا مما يشتد فيه الغضب، وليس تجري هذه المعصية مجرى الخمر وغيره، فهذا كله مجال النظر. ثم قال: فإن قيل: من أين قلتم ليس له الحسبة - يعني الإنكار على أبيه - بالتعنيف والضرب والإرهاق إلى ترك الباطل، والأمر بالمعروف في الكتاب والسنة ورد عامًا من غير تخصيص، وأما النهي عن التأفيف والأذى فقد ورد وهو خاص فيما لا يتعلق بارتكاب المنكرات؟ فنقول: قد ورد في حق الأب على الخصوص ما يوجب الإستثناء من العموم، إذ لا خلاف أن الجلاد ليس له أن يقتل أباه (في الزنا)، ولا أن يباشر إقامة الحد عليه بل لا يباشر قتل أبيه الكافر، بل لو قطع يده لم يلزمه قصاص، ولم يكن له أن يؤذيه في مقابلته وقد ورد في ذلك أخبار. ومن أمثلتها ما روى الترمذي، وابن ماجه وغيرهما من حديث عمر موقوفًا: "لا يقاد الوالد بالولد" فإذا لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية سابقة، فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة هي منع عن جناية مستقبله متوقعة، بالأولى. انتهى. وأما الإنكار على الزوج والسيد؟ فقال أبو حامد: ينبغي أن يجري (أي هذا الترتيب) في العبد والزوجة مع السيد والزوج، فهما قريبان من الوالد في لزوم الحق ون كان ملك اليمين آكد من ملك النكاح. ولكن روى الترمذي - في جامعه - من حديث أبي هريرة -

стр. 197

مرفوعًا - "لو كنت آمرًا أحدًا يسجد لأحد، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها". وروى نحوه الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا. وروى نحوه أبو داود من حديث قيس بن سعد بن عبادة مرفوعًا. وروى أحمد - أيضًا- وابن ماجه بنحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى مرفوعًا. وهذا يدل على تأكيد الحق - أيضًا- وأما إنكار التلميذ على الأستاذ فالأمر فيما بينهما أخف من الزوج والسيد، لأن المحترم هو الأستاذ المفيد للعلم من حيث الدين، ولا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه، فله أن يعامله بموجب علمه الذي تعلمه منه، قاله الغوالي. وقال أبو زكريا النواوي - في أذكاره باب ما يقوله التابع للمتبوع إذا فعل شيئًا مخالفًا للصواب أو نحوه -: اعلم أنه يستحب للتابع إذا رأى من شيخه وغيره ممن يقتدي به شيئًا في ظاهره مخالفًا للمعروف أن يسأله عنه بنية الإسترشاد، فإن كان قد فعله ناسيًا تداركه، وإن كان فعله عامدًا وهو صحيح في نفس الأمر، بينه له. ففي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: (دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان (بالشعب) نزل فبال. ثم توضأ (ولم يسبغ الوضوء) فقلت: الصلاة يا رسول الله. فقال (الصلاة أمامك). قال النووي: إنما قال ذلك لأسامة، لأنه ظن أن النبي ﷺ نسى صلاة المغرب وكان قد دخل وقتها وقرب خروجه. وفي صحيح مسلم، عن (سليمان بن) بريدة، أن النبي ﷺ صلى الصلوات الخمس

стр. 198

يوم الفتح بوضوء واحد (ومسح على خفيه) فقال له عمر: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه. قال: (عمدًا صنعته يا عمرا) ونظائر هذا كثير في السنة. وقد بوب النواوي - أيضًا - على مثل ذلك فقال: باب وعظ الإنسان من هو أجل منه. وأورد حديث ابن عباس الآتي في فضل الرفق من رواية البخاري عند قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالمعروف﴾ ثم قال: (وأما الأحاديث بنحو ما ذكرنا فأكثر من أن تحصر، وأما ما يفعله كثير من الناس من إهمال ذلك في حق كبار المراتب، وتوهمهم أن ذلك حياء فخطأ صريح وجهل قبيح، فإن ذلك لير بحياء، وإنما هو خور ومهانة وضعف وعجز، فإن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلاّ بخير، وهذا يأتي بشر، فليس بحياء، وإنما الحياء عند العلماء الربانيين والأئمة المحققين خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق). انتهى والله أعلم. وأما ترك الإنكار على ذي الشيبة إكرامًا له وتوقيرًا (فلا) شاهد معصية من شيخ فيستحي منه لشيبته أن ينكر عليه، لقوله. ﷺ : (إن من إجلال (الله) إكرام ذي الشيبة المسليم ... ). فهذا الحياء حسن. وأحسن منه أن يستحي من الله فلا يضيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالقوي يؤثر الحياء من الله على الحياء من الناس. فصل - (١٣): وجوب نهي أهل الذمة من المنكر كزواج كتابي مسلمة أو عرضهم الخمر ولحم الخنزير للبيع بين المسلمين: ويتعلق بهذا من المأمورين بالمعروف والمنهيين عن المنكر أهل الذمة، قال ابن مفلح: (وإن فعلوا أمرًا محرمًا عندنا مما فيه ضرر وغضاضة على المسلمين، يمنعون منه

стр. 199

ويدخل فيه نكاح كتابي مسلمة، ويدخل فيه ما ذكره القاضي أبو يعلى - في جزء له: أنهم إن تبايعوا بالربا في سوقنا منعوا، لأنه عائد بفساد نقدنا. وظاهر هذا أنا لا نمنعهم في غير سوقنا والمراد إن اعتقدوا حله وظاهر هذا بل صريحه أن الأشهر منعهم مطلقًا، لأنهم كالمسلمين، في تحريم الربا عليهم كما ذكروه في باب الربا. ويدخل فيه ما ذكره القاضي في هذا الجزء أنه لا يجوز أن يتعلموا الرمي وكذا يمنعون مما يتأذى المسلمون به كإظهار الخمر والخنزير وأعيادهم وصليبهم وضرب الناقوس وغير ذلك إن أظهروا بيع مأكول في نهار رمضان، كالشواء ونحوه يمنعون منه). قال أبو القاسم الخرقي- في كتاب الغصب-: (ومن أتلف لذمي خمرًا أو خنزيرًا فلا غرم عليه وينهى عن التعرض لهم فيما لا يظهرونه). وقال صاحب الرعاية الكبرى: ولا يعرض أحد لخمر ذمي سترها وأخفاها في بيعها وشرائها وشربها. قال الشيخ موفق الدين بن قدامة: وجملة ذلك أنه لا يجب ضمان الخمر والخنزير سواء كان متلفه مسلمًا أو ذميًا لمسلم أو ذمي (نص عليه أحمد في رواية أبي الحارث في الرجل يهريق مسكرًا لمسلم أو لذمي خمرًا أو خنزيرًا فلا ضمان عليه وكذلك الخنزير) وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: يجب ضمانها إذا أتلفهما على ذمي. قال أبو حنيفة: إن كان مسلمًا بالقيمة، وان كان ذميًا بالمثل، لأن عقد الذمة إذا عصم عينًا قومها كنفس الآدمي وقد عصم خمر الذمي، بدليل أن المسلم يمنع من إتلافها فيجب أن يقومها، ولأنها مال لهم يتمولونها، بدليل ما روي عن عمر أن عامله كتب إليه، أن أهل الذمة يمرون بالعاشر ومعهم الخمور فكتب إليه عمر، ولوهم بيعها وخذوا منها عشر ثمنها، وإذا كانت مالًا لهم وجب ضمانها كسائر أموالهم. ولنا أن جابرًا روى أن النبي ﷺ قال: "ألا إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) متفق على صحته وما حرم بيعه لا لحرمته لم تجب قيمته كالميتة، ولأن ما لم يكن مضمونًا في حق المسلم لم يكن مضمونًا في حق الذمي كالمرتد، ولأنها غير متقومة فلا تضمن كالميتة. ودليل أنها غير متقومة في حق المسلم فكذلك في حق الذمي

стр. 200

فإن تحريمها ثبت في حقهما وخطاب النواهي يتوجه إليها، فما ثبت في حق أحدهما ثبت في حق الآخر ولا نسلم أنها معصومة بل متى ظهرت حلت إراقتها ثم لو عصمها ما لزم تقويمها فإن نساء أهل الحرب وصبيانهم معصومون (من) غير متقومين. وقولهم: (إنها مال عندهم ينتقض بالعبد المرتد فإنه مال عندهم. وأما حديث "عمر" فمحمول على أنه أراد ترك التعرض لهم وإنما أمر بأخذ عشر أثمانها، لأنهم لم ذا تبايعوا وتقابضوا حكمنا لهم بالملك ولم ننقضه. وتسميته أثمانًا مجاز كما سمى الله - تعالى - ثمن "يوسف" ثمنًا. فقال: ﴿وشروه بثمن بخس .... ﴾ انتهى. قال أبو العباس بن تيمية: وأهل الذمة إذا أظهروا الخمر فإنهم يعاقبون بإراقتها وشق ظروفها وكسر دنانها، وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم. قال ابن مفلح: (وهذا ظاهر في إنكار المنكر المستور ولم نجد فيه خلافًا) انتهى. وسيأتي الكلام على ذلك مكانه - في الباب الخامس - والله أعلم. ثم قال ابن قدامة: (وأما قول الخرقي: وينهى عن التعرض لهم فيما لا يظهرونه فلأن كل ما اعتقدوا حله في دينهم مما لا أذى للمسلمين فيه من الكفر وشرب الخمر واتخاذه ونكاح ذوات المحارم لا يجوز لنا التعرض لهم فيه إذا لم يظهروه، لأننا التزمنا لم قرارهم عليه في دارنا فلا نعرض لهم فيما التزمنا تركه، وما أظهروه من ذلك تعين إنكاره عليهم فإن كان خمرًا جاز إراقته، وإن أظهروا صليبًا أو طنبورًا جاز كسره. وإن أظهروا كفرهم أدبوا على ذلك ويمنعون من إظهار ما يحرم على المسلمين). قال ابن عبد القوي - في نظمه: وإن جهر الذمي بالمنكرات في الشريعة يزجر دون محق ثم قال ابن قدامة ﵀: (فصل وإن غصب من ذمي خمرًا لزمه ردها، لأنه لا يقر على شربها وإن غصبها من مسلم لم يلزمه ردها ووجب إراقتها، لأن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا فأمره بإراقتها). وإن أتلفها أو تلفت عنده لم يلزمه ضمانها لأن ابن عباس روى عن النبي ﷺ قال

стр. 201

(إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه). ولأن ما حرم الانتفاع به لم يجب ضمانه كالميتة والدم. فإن أمسكها في يده حتى صارت خلا (لزم ردها على صاحبها لأنها صارت خلا على حكم ملكه فلزم ردها إليه فإن تلفت ضمنها له، لأنها مال للمغصوب منه تلف في يد الغاصب. وإن أراقها فجمعها إنسان فتخللت عنده لم يلزمه رد الخل، لأنه أخذها بعد إتلافها وزوال اليد عنها) انتهى. وفي كتاب الغصب من شرح الخرقي لعلي بن محمد بن أبي بكر الأصبهاني مسائل: منها إذا أتلف المسلم لذمي ما لا حرمة له كالخمر والخنزير ونحوهما لا يضمنه، لقوله ﷺ : (إنّ الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه) وأنه يحرم الانتفاع بها فهي كالميتة. ومنها: أنه يمنع المسلم من الإنكار على الذمي فيما أخفوه من دينهم، لأن عقد الأمان وأخذ الجزية إنما كان لإقرارهم على ما يعتقدونه بخلاف ما إذا أظهروه لأنهم التزموا إخفاءه ومقصود "الخرقي" ما لم يكن فيه أذى للمسلمين كشرب الخمر ونكاح ذوات المحارم لأننا التزمنا إقرارهم عليه إلاّ إذا كان فيه أذى للمسلمين فإنه لا يمنع المسلم من الإنكار عليهم كما تقدم. قال أبو العباس أحمد بن تيمية ﵀ فيما إذا أظهر واحد منهم الأكل في شهر رمضان بين المسلمين ينهون عنه، فإن هذا من المنكرات في دين الإسلام كما ينهون عن إظهار شرب الخمر ولحل لحم الخنزير. انتهى. وقد روي أن عمر بن عبد العزيز ﵀ كان ينهى النصارى أن يدخلوا الخمر فسطاط المسلمين وجماعتهم وأمرهم أن يجعلوا خمرهم خارجًا من الفسطاط ونهاهم أن ينقلوها من قرية إلى قرية. قال العلما، : (وإن ترك أهل الذمة التمييز على المسلمين في أحد أربعة أشياء، لباسهم وشعورهم وركوبهم وغير ذلك ألزموا به وإذا تبايعوا الربا في أسواقنا. فالأشهر من مذهب الإمام أحمد منعهم مطلقًا، لأنهم كالمسلمين في تحريم الربا عليهم.

стр. 202

وإذا فعلوا محرمًا عندهم غير محرم عندنا لم نتعرض لهم ولم نعتزلهم وندعهم على فعلهم، سواء أسروه أو أظهروه وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد وغيرهم، لأن الله - تعالى - منعنا من قتالهم والتعرض لهم بما التزموا به من الجزية. والصغار هو جريان أحكام المسلمين ومن المقصود إقامة أمر الإسلام وهو حاصل لا بأمر دينهم المبدل المغير ولأن الإنكار عليهم والتعرض لهم فيه يفتقر إلى دليل. والأصل عدمه، لأن من كان منهم فاسقًا في دينه قد يترتب عليه شيء من أحكام الدنيا فلا تصح شهادته مطلقًا ولا وصيته إلى غيره ولا وصية غيره إليه - ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية. قال أصحاب أحمد - رحممم الله -: ولا يمنعون أهل الذمة من نكاح محرم بشرطين: أحدهما: أن يرتفعوا إلينا. والثاني: أن يعتقدوا حله في دينهم، لأن ما لا يعتقدون حله ليس من دينهم فلا يقرون عليه كالزنا والسرقة وغير ذلك. قال أبو عبد الله بن مفلح: وهذا الحكم من أصحابنا في هذه المسألة بهذا التعليل دليل على أن كل أمر محرم عندنا إذا فعلوه غير معتقدين حله يمنعون منه. ويوافق هذا المعنى قولهم: لا يلزم الإمام إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه خاصة سواء كان الحد واجبًا عليهم في دينهم (أم لا استدلالًا بفعله ﵊ في رجمه اليهوديين الزانيين ولأنه محرم في دينهم) وقد التزموا حكم الإسلام، وذلك أن تحريمه عندنا مع اعتقادهم تحريمه يصير منكرًا فتتناوله أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأنهم التزموا الصغار وهو جريان أحكام الإسلام عليهم إلاّ فيما اعتقدوا إباحته، وما ذكر من إنكار ما هو محرم عليهم عندنا مع اعتقادهم تحريمه أعم من أن يكون التحريم عامًا لنا ولهم أو عليهم خاصة في ملتهم وقررت شريعتنا تحريمه عليهم، وذلك لاتفاق الملتين على تحريمه كما لو كان التحريم عامًا (لنا ولهم لعدم أثر اختصاصهم بالتحريم، إذ لا يشترط في إنكار المحرم أن يكون التحريم عامًا) للفاعل ولغيره، وعلى هذا نمنعهم من تبايعهم الشحوم المحرمة عليهم في دينهم لأكلها أو لغيره، لأن تحريمها باق عليهم عند الإمام أحمد ﵀ قال ابن مفلح: جزم به في كتاب الروايتين - وفيه نظر وهذا نص على أنه لا يجوز لنا أن نطعمهم شيئًا من هذه الشحوم وعلى هذا تحرم إعانتهم على ذلك والشهادة فيه. واختار أبو الوفا ابن عقيل: نسخ تحريم هذه الشحوم - قال ابن مفلح: جزم به في كتاب

стр. 203

الروايتين له، وفيه نظر وفي المفيد - من كتب الحنفية - في باب الغصب: (ويمنع الذمي من كل ما يمنع المسلم منه إلاّ شرب الخمر وأكل الخنزيرء (لأن) ذلك مستثنى في عقودهم) ولو غنوا وضربوا بالعيد إن منعوا كما يمنع المسلمون لكن ذلك لم يستثنى في عقودهم. قال أبو طالب عمر بن الربيع - في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -: فإن قيل أرأيتم إن وجدتم الملاهي عند أهل الذمة؟ قيل: إن أظهروها كان لنا كسرها، وكما لنا إذا أظهروا خمرًا أن نهرقها، وإن كانوا مسرين بحيث لا يلحق المسلمين منه (أذى) لم يكن لنا كسره كما ليس لنا أن نمنعهم من شرب الخمر في منازلهم، إذا لم يكن على المسلمين من ذلك أذى. فإن قيل: أفيجوز للمسلمين أن يبتاعوا الملاهي من أهل الذمة؟ قيل ليس لهم أن يبتاعوا الملاهي من المسلمين ولا من أهل الذمة، لأن ذلك يحرم على هؤلاء وعلى هؤلاء، ولكن وقعت المعاهدة بيننا بينهم على أن لا نمنعهم من شيء يستحلونه في دينهم ما لم يكن منهم في ذلك على المسلمين أذى. انتهى. وسيأتي في - الباب الثامن- إن شاء الله - خلاف الأئمة ﵃. في إقامة حد الزنا على الذمي. والله أعلم. وأما الركن الثالث: من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو المنكر المأمور بإزالته الموجب للإنكار. قال أبو حامد الغزالي ﵀: (وهو كل منكر، موجود في الحال ظاهر للمنكر من غير تجسس معلوم كونه منكرًا بغير اجتهاد. فهذه أربعة شروط: فصل - (١٤): الشروط الواجب توفرها في المنكّر حتى يجب النهي عنه: الشرط الأول: أن يكون منكرًا يعني محذورًا في الشرع. وعدل هنا من لفظة المعصية (إلى لفظ المنكر)، لأن المنكر أعم من المعصية، (وكذلك قال أبو الفرج بن الجوزي): (إن من رأى صبيًا أو مجنونًا يشرب الخمر فعليه أن يهريق خمره ويمنعه. وكذلك إن رأى مجنونًا يزني بمجنونة أو بهيمة فعليه أن يمنعه منه) وليس ذلك لتفاحش صورة الفعل وظهوره بين

стр. 204

الناس بل لو صادف هذا المنكر في خلوة لوجب المنع منه وهذا لا يسمى معصية في حق المجنون. فلفظ المنكر أدل عليه وأعم من لفظ المعصية، وقد اندرج في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الصغائر والكبائر فلا يختص الإنكار بالكبائر بل كشف العورة في الحمام والخلوة بالأجنبية وإتباع النظر إلى النسوة الأجنبيات، كل ذلك من الصغائر ويجب النهي عنها. ذكره الغزالي. والله أعلم. الشرط الثاني: أن يكون المنكر موجودًا في الحال. وهذا احتراز من الإنكار على من فرغ من شرب الخمر فإنّ ذلك ليس إلى الآحاد بعد انقراض المنكر، واحتراز عما سيوجد في ثاني الحال كمن يعلم بقرينة حاله أنه عازم على الشرب في ليلته فلا إنكار عليه إلاّ بالوعظ. وان أنكر عزمه عليه لم يجز وعظه - أيضًا- فيه فإن في ذلك إساءة ظن بالمسلم وربما صدق في قوله، وربما لا يقدر على ما عزم عليه لعائق. قال أبو عبد الله أحمد بن حمدان في الرعاية: (ولا إنكار فيما مات إلا العقائد والآراء). قال أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء: يشترط أن يعلم المنكر الاستمرار الفاعل على فعل المنكر فإن علم من حاله ترك الاستمرار على الفعل لم يجز إنكار ما وقع على الفعل. قال أبو عبد الله محمد بن مفلح: فإن كان مراده أنه ندم وأقلع وتاب فصحيح لكن هل يجوز في هذه الحالة إنكاره أو يرفعه إلى ولي الأمر، ليقيم الحد؟ ينبني على سقوطه بالتوبة. فإن اعتقد الشاهد سقوطه لم يرفعه وإلّا رفعه. وان كان مصرًّا على المحرم لم يتب فهذا يجب إنكار الماضي وإصراره، واحتج على ذلك بما ثبت في الصحيحين من محاجة آدم وموسى - صلوات الله عليهما - ومعاتبتهما على ما وقع منهما. والحديث مشهور. ثم أورد على هذا الحديث كلام العلماء فيه بما إيراده مخرج عما نحن بصدده. ثم قال: (وكلام أبي العباس بن تيمية وكلام غيره دل على أن الذنب الماضي يلام صاحبه وينكر عليه إذا لم يتب) انتهى. وذكر القاضي أبو يعلى - في المعتمد: (أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا ظن وقوعه).

стр. 205

وحكي عن بعضهم: أنه يجب. واختار أبو بكر بن المنذر وغيره من الأئمة: أن الميت إذا نيح عليه يعذب إذا لم يوص بتركه وكان من عادة أهله النوح. قال الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن تيمية - في شرح الهداية: وهو أصح الأقوال لأنه متى غلب على ظنه فعلهم له ولم يوص بتركه مع القدرة فقد رضي به فصار كتارك النهي عن المنكر مع القدرة. قال أبو عبد الله بن مفلح: (فقد جعل ظن وقوع المنكر بمنزلة المنكر الموجود في وجوب الإنكار والمشهور في هذه الحالة: أنه لا يعذب). ثم قال: (وهل يرفع المنكر الماضي إلى ولي الأمر أم لا)؟ ينبني على روايتين عن الإمام أحمد في: (رفع المنكر إلى السلطان إذا علم أنه يقيمه على الوجه المأمور، ولهذا تقبل الشهادة بسبب قديم يوجب الحد في المشهور من مذهب الإمام أحمد، لأنه إنكار وإقامة شهادة) انتهى. قال أبو حامد الغزالي - بعد كلام له - فإذا المعصية لها ثلاثة أحوال: أحدها: أن تكون ماضية متصرمة والعقوبة على تصرم منها حد أو تعزير وهو إلى الولاة لا إلى الآحاد. الحالة الثانية: أن تكون المعصية موجودة وصاحبها مباشر له اكلبسه الحرير، وإمساكه العود والخمر، فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن ما لم يؤد إلى معصية أفحش منها أو مثلها، وذلك يثبت للآحاد والرعية. الحالة الثالثة: أن يكون المنكر متوقعًا كالذي يستعد بكنس المجلس وترتيبه وجمع الرياحين لشرب الخمر ولم يحضر الخمر فهذا مشكوك فيه وربما يعوق عنه عائق فلا يثبت للآحاد سلطنة على العازم على الشرب إلاّ بطريق الوعظ والنصح - كما تقدم قريبًا - فأما بالتعنيف والضرب فلا يجوز لا للآحاد ولا للسلطان، إلاّ إذا كانت تلك المعصية معلومة منه بالعادة المستمرة وقد أقدم على السبب الذي جلبه إليها ولم يبق لحصول المعصية إلاّ ما ليس له فيه إلاّ الانتظار، وذلك كوقوف الأحداث على حمامات النساء للنظر إليهن عند الدخول والخروج أو في أماكن مرورهن فإنهم وإن لم يضيق الطريق لسعته فيجوز الإنكار عليهم بإقامتهم في الموضع ومنعهم من الوقوف بالتعنيف والضرب وكان تحقيق هذا إذا بحث عنه يرجع إلى أن هذا الوقوف في نفسه معصية وإن كان مقصد المعاصي (وراءه) كما أن الخلوة - في نفسها - معصية، لأنها مظنة وقوع المعصية وتحصيل مظنة المعصية معصية. ونعني

стр. 206

بالمظنة: ما يتعرض الإنسان به لوقوع المعمية - غالبًا - بحيث لا يقدر على الانفكاك عنها، فإذا هي - على التحقيق- حسبة على معصية موجودة لا على معصية منتظرة انتهى والله أعلم. فصل - (١٥): الشرط الثالث من شروط المنكر: الشرط الثالث: أن يكون المنكر ظاهر للمنكر من غير تجسس. فقد أمرنا أن نجري أحكام الناس على الظواهر من غير استكشاف عن الأمور الباطنة. قال الله - تعالى -: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾. وفي الصحيحين، وسنن الدارقطني من حديث عبد الله بن عمر ﵄ -أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموا لهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى). وفي الصحيحين- أيضًا - وسنن النسائي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله إلاّ الله فمن قال: لا اله إلاّ الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله). وفي سنن النسائي من حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ فجاءه رجل ذات يوم فساره) فقال: اقتلوه. ثم قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله. قالوا: نعم لكنه يقولها تعوذًا. فقال رسول الله: (لا تقتلوه، فإني إنما أمرت أن أقاتل الناس

стр. 207

حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله). وروى مالك - في الموطأ - من حديث (عبيد) الله بن عدي بن الخيار مرسلًا بينما رسول الله ﷺ جالس بين ظهري الناس إذ جاءه رجل فساره فلم يدر ما ساره حتى جهر رسول الله ﷺ حين جهر: أليس يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله؟ .. قال: بلى، ولا شهادة له قال: أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له. قال رسول الله ﷺ : (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم). وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "إنّ ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ وانّ الوحي قد انقطع. وإنما نؤاخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم. فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس لنا في سريرته شيء. الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا شرًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إنّ سريرته حسنة. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري أن خالد بن الوليد ﵁ استأذن النبي ﷺ في قتل رجل فقال: (لعله أن يكون يصلي) فقال خالد: وكم من مصلَّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال ﷺ : (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم). وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلاّ الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (أقال: لا اله إلاّ الله وقتلته)؟ قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا)؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن. سلمت قبل ذلك اليوم.

стр. 208

قال أبو الفرج بن الجوزي: (من تستر بمعصيته في داره، وأغلق بابه، لم يجز أن يتجسس عليه، إلاّ إن ظهر ما نعرفه كأصوات المزامير والعيدان، فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي. وإن ظهرت روائح الخمر، فالأظهر جواز الإنكار. وقال محمد بن أبي حرب: سألت أبا عبد الله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه؟ قال: يأمره: فإن لم يقبل يجمع عليه الجيران ويهول عليه. ونقل جعفر عن الإمام أحمد فيمن يسع صوت الغناء في طريق. قال: هذا قد ظهر عليه فله أن ينهاهم، ورأى أن ينكر الطبل، يعني إذا سمح صوته. قيل له: مررنا بقوم أشرفوا من علية لهم يغنون فجئنا صاحب الخبر فأخبرناه فقال: لم تتكلموا في الموضع الذي سمعتم؟ فقيل: لا قال: كان يعجبني أن تتكلموا. قال ابن مفلح: (وهذا يعني ما ذكره الأصحاب - في باب الوليمة - أنه يلزم القادر الحضور والإنكار وإلاّ لم يحضر وانصرف). انتهى. والمقصود أن يكون المنكر برؤية عين المنكر أو شهادة عدلين وقد روي أن عمر ﵁ كان يعس بالمدينة ذات ليلة فرأى رجلًا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد، فلما أصبح قال للناس: (أرأيتم لو أن إمامًا رأى رجلًا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد، فلما أصبح قال للناس: (أرايتم لو أن إمامًا رأى رجلًا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد، ما كنتم فاعلين)؟ فقالوا: إنما أنت إمام. فقال علي: ليس ذلك لك، إذًا يقام عليك الحد، إن الله لم يأمن على هذا الأمر أهل من أربعة شهداء ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم فقال القوم مثل مقالتهم الأولى وقال مثل مقالته. قال هذا الغزالي وهذا يشير إلى أن عمر كان مترددًا في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله؟ فلذلك راجعهم في معرض الفتوى لا في معرض الإخبار خفية من أن (لا) يكون له ذلك. فمال رأي علي إلى أنه ليس له ذلك. وهذا من أعظم الأدلة على ستر عورات المسلمين كما سيأتي في مكانه من الباب الرابع-. (وقد شاور عمر الصحابة ﵃ وهو على المنبر وسألهم عن الإمام إذا

стр. 209

شهد بنفسه منكرًا فهل له إقامة الحد فأشار (علي) إلى أن ذلك منوط بعدلين فلا يكفي فيه واحد). وسيأتي في بيان حد الظهور والاستتار في مكانه - من الباب الخامس - (فكل من ستر معصيًة في داره وأغلق بابه فإنه لا يجوز التجسس عليه) كما سيأتي الكلام على ذلك والخلاف فيه في الباب المذكور إن شاء الله تعالى. فصل - (١٦): أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبني على الظنون لكن أمل الأمر والنهي مبني على الظنون، لأن الظن تجويز لأمرين أحدهما أظهر من الآخر. فقد قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: فإن قيل: هل يبنى إنكار المنكر على الظنون كما ذكرتموه في غيره؟ قلنا: نعم الإنكار مبني على الظنون كغيره فإنا لو رأينا إنسانًا يسلب ثياب إنسان لوجب علينا الإنكار عليه بناء على الظن المستفاد من ظاهر يد المسلوب. وكذلك لو رأيناه يجر امرأة إلى منزله يزعم أنها زوجته أو أمته وهي تنكر ذلك لوجب علينا الإنكار عليه لأن الأصل عدم ما ادعاه. وكذلك لو رأيناه يقتل إنسانًا يزعم أنه كافر حربي ودخل في دار الإسلام بغير أمان وهو يكذبه في ذلك لوجب علينا الإنكار عليه، لأن الله - تعالى- خلق عباده حنفاء والدار دالة على إسلام أهلها، لغلبة المسلمين عليها فإن أصابت ظنوننا في ذلك فقد قمنا بالمصالح التي أوجب الله علينا القيام بها وأجرنا عليها إذا قصدنا بذلك وجه الله تعالى -. وإن اختلفت ظنوننا أثبنا على قصودنا وكنا معذرين في ذلك كما عذر موسى ﷺ في إنكاره على "الخضر" بخرق السفينة وقتل الغلام وبالغ في إنكاره بقوله: ﴿لقد جئت شيئا نكرا﴾ بعد: ﴿لقد جئت شيئا إمرا﴾ ولو اطلع موس على ما في خرق السفينة من المصلحة، وعلى ما في قتل الغلام من المصلحة، وعلى ما في ترك السفينة من مفسدة غصبها وعلى ما في إبقاء الغلام من كفر أبويه وطغيانهما لما أنكر عليه ولساعده في ذلك،

стр. 210

وصوب رأيه، لما في ذلك من القربة إلى الله - تعالى - ولو وقع مثل ذلك في زماننا لكان حكمه كذلك. ثم قال: وإنما عمل بالظنون في موارد الشرع ومصادره، لأن كذب الظنون نادر وصدقها غالب ولو ترك العمل بها خوفًا من وقوع نادر كذبها لتعطلت مصالح كثيرة غالبة خوفًا من وقوع المفاسد قليلة نادرة. وإنما ذم الله - تعالى- العمل بالظن في موضع يشترط فيه العلم أو الاعتقاد الجازم لمعرفة الإله ومعرفة صفاته. والفرق بينهما ظاهر. والحاصل أن معظم مصالح الواجب والمندوب والمباح مبني على الظنون المضبوطة بالضوابط الشرعية. وأن معظم مفاسد المحرم والمكروه مبني على الظنون المضبوطة بالضوابط الشرعية فإن قيل: ما تقولون في قوله - تعالى: - ﴿إن بعض الظن إثم﴾. وقوله ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ". قلنا: إنّ الآية لم ينه فيها عن كل ظن، وإنما نهى فيها عن بعضه وهو أن يبنى على الطن ما لا يجوز بناؤه عليه مثل أن يظن بإنسان أنه زنى أو سرق أو قطع الطريق أو قتل نفسًا أو أخذ مالًا أو ثلب عرضًا فأراد أن يظن بذلك من غير حجة شرعية يستند إليها ظنه، وأراد أن يشهد عليه بذلك بناء على ظنه المذكور فهذا هو الإثم. وتقدير الآية: ﴿اجتنبوا كثيرًا من (اتباع) الظن، إن اتباع بعض الظن إثم﴾. ويجب تقدير هذا، لأن النهي عن الظن مع قيام أسبابه المثيرة له لا يصح، لأنه تكليف لاجتناب ما لا يطاق اجتنابه، إذ لا يمكن الظان دفعه عن نفسه مع قيام أسباب، ولن يكلف الله نفسًا إلاّ وسعها. وأما الحديث: فإنّ التقدير فيه: إياكم واتباع بعض الظن وإنما قدر ذلك لإجماع المسلمين على وجوب اتباع الظن فيما ذكرناه، وكان قد ذكر لذلك صورًا وأمثالًا كثيرة وكذلك جواز اتباعه فيما أردناه. واتباع هذه الظنون المذكورة سبب لفلاح الدنيا والآخرة وإن ظنًا هذه عاقبته خير من علم لا يجلب خيرًا ولا يدفع ضرًا فأكرم به من ظن موجب (لرضا) الرحمن، وسكنى الجنان: وربما كان (كثير) من العلوم مؤديًا إلى سخط الديان وخلود النيران انتهى.

стр. 211

ثم ذكر بعده وقبله كلامًا كثيرًا لا يمكن إيراده في هذا المكان وسيأتي الكلام على كراهة بعض الظن في الأمر بالمعروف - في الباب الخامس - إن شاء الله - تعالى. فصل - (١٧): الشرط الرابع من شروط المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد الشرط الرابع من شروط المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد. وقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه -: والمنكر ينقسم قسمين: أحدهما: ظاهر يعرفه العوام (والخواص) كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق، والربا، والغصب، وغير ذلك، فهذا القسم يجب إنكاره على العوام كما يجب على الخواص من العلماء. والقسم الثاني: ما لا يعرفه إلاّ الخواص مثل اعتقاد ما يجوز على الباري - سبحانه - وما لا يجوز عليه. فهذا يختص بالعلماء إنكاره فإن أخبر احد من العلماء بذلك واحدًا من العوام جاز له ذلك ووجب على العامي الإنكار عند القدرة ولا يجوز قبل ذلك. انتهى. ... وقال قوم: كل ما هو في محل الاجتهاد فلا إنكار فيه. وذكر القاضي أبو يعلى وجماعة: (أن الإنكار- فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع - على من اجتهد فيه أو قلد مجتهدًا فيه، كذا ذكره القاضي والأصحاب وصرحوا: أنه لا يجوز، ومثلوه بشرب يسير النبيذ غير مسكر - عند الحنفية - وكذلك التزويج بغير ولي عندهم). ولو تزوج امرأة تعتقد إباحة يسير النبيذ هل له منعها؟ على وجهين لأصحاب الإمام أحمد. وذكر (العلامة أبو مغنية) أنه لا يملك منع امرأته الكتابية من شرب يسير الخمر على نص أحمد لاعتقادها إباحته، ثم ذكر تخريجًا من أحد الوجهين في لحل الثوم أنه يملك منعها، لكراهة رائحته. وذكر- أيضًا- في مسألة مفردة أنه لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار في المجتهدات. قال الإمام أحمد في رواية أبي بكر المروذي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم. وعنه رواية أخرى: لا ينكر على المجتهد، بل على المقلد.

стр. 212

وقال ابن حمدان- في الرعاية الكبرى: ولا إنكار فيما فيه خلاف شائع من الفروع على من اجتهد فيه أو قلد مجتهدًا فيه. ذكر أبو الفرج ابن الجوزي- في المنكرات- غمس اليد بعد القيام من النوم في الماء اليسير. قال: فإن فعل ذلك مالكي لم ينكر عليه، بل يتلطف به ويقول له: (يمكنك أن لا تؤذيني بتفويت الطهارة علي أو ما في معنى ذلك) انتهى. وقال سفيان الثوري: إذا كان الرجل يعمل العمل (الذي قد) اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنه. وذكر أبو الحسن علي بن حبيب الماوردي - في الأحكام السلطانية (خلافًا بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء أم لا يغير ما كان على مذهب غيره). قال النووي: والأصح أنه لا يغير. قال الغزالي: (وليس للحنفي أن ينكر على الشافعي كله الضب والضبع، ولا للشافعي أن ينكر الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام، وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار إلى غير ذلك من مجاري الاجتهاد) نعم لو رأى الشافعي شافعيًا يشرب النبيذ، وينكح بلا ولي ويطأ زوجته فهذا محل (النظر). والأظهر أن له الحسبة والإنكار إذ لم يذهب أحد من المحصلين إلى أن المجتهد يجوز له أن يعمل بموجب اجتهاد غيره ولا أن الذي أدى اجتهاده في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء أن له أن يأخذ بمذهب غيره فينتقي من المذاهب أطيبها عنده بل على كل مقلد اتباع مقلده في كل تفصيل. فإذا مخالفته للمقلد متفق على كونه منكرًا بين المحصلين وهو عاص بالمخالفة. (وعن الإمام احمد رواية أخرى. فينكر ما فيه خلاف. قال - في رواية (أبو الحسن) عبد الملك الميموني - في الرجل يمر بالقوم وهم يلعبون بالشطرنج: ينهاهم ويعظهم. وقال أبو داود سليمان بن الأشعث: سمعت الإمام أحمد ﵀ سئل عن الرجل مر بقوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهو فأخذ الشطرنج فرمى به؟ فقال: قد أحسن. وقال: في رواية أبي طالب -: فمن يمر بالقوم يلعبون بالشطرنج. فقال: يقلبها عليهم إلاّ أن يغطوها أو

стр. 213

يستروها. وقال أبو بكر بن أحمد بن محمد المروذي: قلت لأبي عبد الله: دخلت على رجل وكان أبو عبد الله قد بعثني إليه بشيء فأتى بمكحلة رأسها مفضض فقطعها فأعجبه ذلك وتبسم وأنكر على صاحبها. قال أبو العباس بن تيمية - في كتاب بطلان التحليل -: قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها، ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أما الأول فإذا كان القول مخالفًا سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهو عامة السلف والفقهاء. وأما العمل إذا كان على خلاف منة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا (إجماع) وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس. والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الإجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه يسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد، لتعارض الأدلة المقارنة، أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف. ثم ذكر بعد ذلك كلامًا كثيرًا، وقال - أيضًا - في مكان أخر-: من أصر على ترك الجماعة ينكر عليه ويقاتل - أيضًا - في أحد القولين عند من استحبها، وأما (من) أوجبها فإنه - عنده - يقاتل ويفسق إذا قام الدليل عنده المبيح للمقاتلة والتفسيق كالبغاة بعد زوال الشبهة. وقال - أيضًا -: يعيد من ترك الطمأنينة. ومن لم يوقت المسح نص عليه، بخلاف متأول لم يتوضأ من لحم الإبل، فإن فيه روايتين، لتعارض الأدلة والآثار فيه. وذكر النواوي أن المختلف فيه لا إنكار فيه. قال: لكن إن ندبه على جهة النصيجة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق. وذكره غيره من الشافعية في المسألة وجهين، وذكر مسألة الإنكار على من كشف فخذه وأن فيه وجهين. وذكر ابن الجوزي: (أنه ينكر على من يسيء صلاته بترك الطمأنينة في الركوع والسجود مع أنها مسائل الخلاف).

стр. 214

(وقد روى أحمد بن إبراهيم الدروقي، عن الإمام أحمد ﵀ أنه صلى يومًا إلى جانب رجل لا يتم ركوعه ولا سجوده. فقال: يا هذا، أقم صلبك وأحسن صلاتك). وقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني: (يجب أن يأمره ويخصه) وقال أبو الفرج بن الجوزي: (واشتغال المعتكف بإنكار هذه الأشياء أفضل من نافلة اقتصر عليها). وعن أحمد رواية ثالثة، لا ينكر على المجتهد بل على المقلد، فقال إسحق بن إبراهيم، عن الإمام أحمد أنه سئل عن الصلاة في جلود الثعالب، قال: إذا كان متأولًا ولا أرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان جاهلًا ينهى ويقال له: إن النبي ﷺ قد نهى عنها. قال أبو عبد الله محمد بن مفلح: في المسألة قول رابع. قال في الأحكام السلطانية: ما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد والخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه وكنكاح المتعة وربما صارت ذريعة إلى استباحة الزنا فيدخل في إنكار المحتسب بحكم ولايته. وقد ذكر أبو الخطاب وغيره ما يدل عل أنه يسوغ التقليد في نكاح المتعة. وقال في الرعاية -: ويكره تقليد من يفتي بها. فصل - (١٨): وجوب التزام كل مقلد لمذهب بأحكام مذهبه وكراهة تقليده غيره إلاّ لضرورة قال أبو عبد الله أحمد بن حمدان - في الرعاية -: ومن التزم مذهبًا أنكر عليه مخالفته بلا دليل ولا تقليد سائغ ولا عذر آخر. وقال في موضع آخر: يلزم كل مقلد أن يلتزم بمذهب معين في الاشهر ولا يقلد غير أهله. وقيل: بلا ضرورة. قال أبو العباس ابن تيمية - بعد أن ذكر المسألة الأولى من كلام "ابن حمدان: هذا يراد به شيئان: أحدهما، أن من التزم مذهبًا معينًا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله، فإنه يكون متبعًا لهواه، وعاملاً بغير اجتهاد ولا تقليد فاعلًا للمحرم بغير عذر شرعي وهذا منكر. انتهى. قال أبو عبد الله بن مفلح: وقد نص الإمام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد

стр. 215

الشيء واجبًا أو حرامًا، ثم يعتقده غير واجب ولا حرام بمجرد هواه مثل أن يكون طالبًا لشفعة الجواز فيعتقد أنها حق له، ثم إذا طلبت منه اعتقد أنها ليست ثابتة. أو إذا كان له عدو يفعل بعض الأمور المختلف فيها كشرب النبيذ المختلف فيه، ولعب الشطرنج، وحضور السماع يقول: إن هذا ينبغي أن يهجر وينكر عليه، فإذا فعل ذلك صديقه اعتقد أن ذلك من مسائل الاجتهاد التي لا تنكر فشل هذا ممن يكون في اعتقاده حل لشيء وحرمة ووجوبه وسقوطه بحسب هواه فهو مذموم مجروح خارج عن العدالة. وقد نص الإمام أحمد وغيره من العلماء: أن ذلك لا يجوز، وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها، وإما بأن يرى أحد الرجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو أتقى منه فيما يقول فيرجع عنه قول إلى قول لمثل هذا، فهذا يجوز بل يجب وقد نص عليه أحمد وغيره. وقال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀ هل على العامي أن يلتزم مذهبًا معينًا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي. والجمهور من هؤلاء وهؤلاء لا يوجبون ذلك. والذين يوجبونه يقولون: إذا التزمه لم يكره له أن يخرج عنه ما دام ملتزمًا له أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه. ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر ديني. مثل أن يلتمس مذهبًا لحصول عرض دنيوي من مال أو جاه أو نحو ذلك فهذا مما لا يحمد عليه بل يذم عليه في نفس الأمر ولو كان ما انتقل إليه خيرًا مما انتقل عنه، وهو بمنزلة من يسلم لا يسلم إلاّ لغرض دنيوي. وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله - تعالى - ورسوله في أمر أن لا يعدل عنه ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله ورسوله. انتهى. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين ﵀ فيمن خالف مذهبه: ينكر عليه وإن جاز أن يختلف اجتهاده الأول، لان الظاهر بقاؤه عليه. وإلاّ لأظهره لينتفي عنه الظنة والشبهة، كما ينكر على من أكل في رمضان أو طعام غيره وإن جاز له أن يكون هناك عذر. ثم قال: وإن علمنا من حال العامي أنه قلد من يسوغ اجتهاده لم ينكر عليه، وإلاّ أنكرناه. قال أبو الوفا علي بن عقيل: ومن لم يعلم أن الفعل الواقع من أخيه المسلم جائز في الشرع أم غير جائز فلا يحل له أن يأمر ولا ينهى. وقال أبو حامد الغزالي: (ذهب ذاهبون
следующие страницы →