← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36110

الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ابن داود الحنبلي

ابن داود الحنبلي

Полный текст (502 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثم ذكر بعده وقبله كلامًا كثيرًا لا يمكن إيراده في هذا المكان وسيأتي الكلام على كراهة بعض الظن في الأمر بالمعروف - في الباب الخامس - إن شاء الله - تعالى. فصل - (١٧): الشرط الرابع من شروط المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد الشرط الرابع من شروط المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد. وقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه -: والمنكر ينقسم قسمين: أحدهما: ظاهر يعرفه العوام (والخواص) كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق، والربا، والغصب، وغير ذلك، فهذا القسم يجب إنكاره على العوام كما يجب على الخواص من العلماء. والقسم الثاني: ما لا يعرفه إلاّ الخواص مثل اعتقاد ما يجوز على الباري - سبحانه - وما لا يجوز عليه. فهذا يختص بالعلماء إنكاره فإن أخبر احد من العلماء بذلك واحدًا من العوام جاز له ذلك ووجب على العامي الإنكار عند القدرة ولا يجوز قبل ذلك. انتهى. ... وقال قوم: كل ما هو في محل الاجتهاد فلا إنكار فيه. وذكر القاضي أبو يعلى وجماعة: (أن الإنكار- فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع - على من اجتهد فيه أو قلد مجتهدًا فيه، كذا ذكره القاضي والأصحاب وصرحوا: أنه لا يجوز، ومثلوه بشرب يسير النبيذ غير مسكر - عند الحنفية - وكذلك التزويج بغير ولي عندهم). ولو تزوج امرأة تعتقد إباحة يسير النبيذ هل له منعها؟ على وجهين لأصحاب الإمام أحمد. وذكر (العلامة أبو مغنية) أنه لا يملك منع امرأته الكتابية من شرب يسير الخمر على نص أحمد لاعتقادها إباحته، ثم ذكر تخريجًا من أحد الوجهين في لحل الثوم أنه يملك منعها، لكراهة رائحته. وذكر- أيضًا- في مسألة مفردة أنه لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار في المجتهدات. قال الإمام أحمد في رواية أبي بكر المروذي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم. وعنه رواية أخرى: لا ينكر على المجتهد، بل على المقلد.

стр. 212

وقال ابن حمدان- في الرعاية الكبرى: ولا إنكار فيما فيه خلاف شائع من الفروع على من اجتهد فيه أو قلد مجتهدًا فيه. ذكر أبو الفرج ابن الجوزي- في المنكرات- غمس اليد بعد القيام من النوم في الماء اليسير. قال: فإن فعل ذلك مالكي لم ينكر عليه، بل يتلطف به ويقول له: (يمكنك أن لا تؤذيني بتفويت الطهارة علي أو ما في معنى ذلك) انتهى. وقال سفيان الثوري: إذا كان الرجل يعمل العمل (الذي قد) اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنه. وذكر أبو الحسن علي بن حبيب الماوردي - في الأحكام السلطانية (خلافًا بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء أم لا يغير ما كان على مذهب غيره). قال النووي: والأصح أنه لا يغير. قال الغزالي: (وليس للحنفي أن ينكر على الشافعي كله الضب والضبع، ولا للشافعي أن ينكر الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام، وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار إلى غير ذلك من مجاري الاجتهاد) نعم لو رأى الشافعي شافعيًا يشرب النبيذ، وينكح بلا ولي ويطأ زوجته فهذا محل (النظر). والأظهر أن له الحسبة والإنكار إذ لم يذهب أحد من المحصلين إلى أن المجتهد يجوز له أن يعمل بموجب اجتهاد غيره ولا أن الذي أدى اجتهاده في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء أن له أن يأخذ بمذهب غيره فينتقي من المذاهب أطيبها عنده بل على كل مقلد اتباع مقلده في كل تفصيل. فإذا مخالفته للمقلد متفق على كونه منكرًا بين المحصلين وهو عاص بالمخالفة. (وعن الإمام احمد رواية أخرى. فينكر ما فيه خلاف. قال - في رواية (أبو الحسن) عبد الملك الميموني - في الرجل يمر بالقوم وهم يلعبون بالشطرنج: ينهاهم ويعظهم. وقال أبو داود سليمان بن الأشعث: سمعت الإمام أحمد ﵀ سئل عن الرجل مر بقوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهو فأخذ الشطرنج فرمى به؟ فقال: قد أحسن. وقال: في رواية أبي طالب -: فمن يمر بالقوم يلعبون بالشطرنج. فقال: يقلبها عليهم إلاّ أن يغطوها أو

стр. 213

يستروها. وقال أبو بكر بن أحمد بن محمد المروذي: قلت لأبي عبد الله: دخلت على رجل وكان أبو عبد الله قد بعثني إليه بشيء فأتى بمكحلة رأسها مفضض فقطعها فأعجبه ذلك وتبسم وأنكر على صاحبها. قال أبو العباس بن تيمية - في كتاب بطلان التحليل -: قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها، ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أما الأول فإذا كان القول مخالفًا سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهو عامة السلف والفقهاء. وأما العمل إذا كان على خلاف منة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا (إجماع) وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس. والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الإجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه يسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد، لتعارض الأدلة المقارنة، أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف. ثم ذكر بعد ذلك كلامًا كثيرًا، وقال - أيضًا - في مكان أخر-: من أصر على ترك الجماعة ينكر عليه ويقاتل - أيضًا - في أحد القولين عند من استحبها، وأما (من) أوجبها فإنه - عنده - يقاتل ويفسق إذا قام الدليل عنده المبيح للمقاتلة والتفسيق كالبغاة بعد زوال الشبهة. وقال - أيضًا -: يعيد من ترك الطمأنينة. ومن لم يوقت المسح نص عليه، بخلاف متأول لم يتوضأ من لحم الإبل، فإن فيه روايتين، لتعارض الأدلة والآثار فيه. وذكر النواوي أن المختلف فيه لا إنكار فيه. قال: لكن إن ندبه على جهة النصيجة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق. وذكره غيره من الشافعية في المسألة وجهين، وذكر مسألة الإنكار على من كشف فخذه وأن فيه وجهين. وذكر ابن الجوزي: (أنه ينكر على من يسيء صلاته بترك الطمأنينة في الركوع والسجود مع أنها مسائل الخلاف).

стр. 214

(وقد روى أحمد بن إبراهيم الدروقي، عن الإمام أحمد ﵀ أنه صلى يومًا إلى جانب رجل لا يتم ركوعه ولا سجوده. فقال: يا هذا، أقم صلبك وأحسن صلاتك). وقال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني: (يجب أن يأمره ويخصه) وقال أبو الفرج بن الجوزي: (واشتغال المعتكف بإنكار هذه الأشياء أفضل من نافلة اقتصر عليها). وعن أحمد رواية ثالثة، لا ينكر على المجتهد بل على المقلد، فقال إسحق بن إبراهيم، عن الإمام أحمد أنه سئل عن الصلاة في جلود الثعالب، قال: إذا كان متأولًا ولا أرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان جاهلًا ينهى ويقال له: إن النبي ﷺ قد نهى عنها. قال أبو عبد الله محمد بن مفلح: في المسألة قول رابع. قال في الأحكام السلطانية: ما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد والخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه وكنكاح المتعة وربما صارت ذريعة إلى استباحة الزنا فيدخل في إنكار المحتسب بحكم ولايته. وقد ذكر أبو الخطاب وغيره ما يدل عل أنه يسوغ التقليد في نكاح المتعة. وقال في الرعاية -: ويكره تقليد من يفتي بها. فصل - (١٨): وجوب التزام كل مقلد لمذهب بأحكام مذهبه وكراهة تقليده غيره إلاّ لضرورة قال أبو عبد الله أحمد بن حمدان - في الرعاية -: ومن التزم مذهبًا أنكر عليه مخالفته بلا دليل ولا تقليد سائغ ولا عذر آخر. وقال في موضع آخر: يلزم كل مقلد أن يلتزم بمذهب معين في الاشهر ولا يقلد غير أهله. وقيل: بلا ضرورة. قال أبو العباس ابن تيمية - بعد أن ذكر المسألة الأولى من كلام "ابن حمدان: هذا يراد به شيئان: أحدهما، أن من التزم مذهبًا معينًا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله، فإنه يكون متبعًا لهواه، وعاملاً بغير اجتهاد ولا تقليد فاعلًا للمحرم بغير عذر شرعي وهذا منكر. انتهى. قال أبو عبد الله بن مفلح: وقد نص الإمام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد

стр. 215

الشيء واجبًا أو حرامًا، ثم يعتقده غير واجب ولا حرام بمجرد هواه مثل أن يكون طالبًا لشفعة الجواز فيعتقد أنها حق له، ثم إذا طلبت منه اعتقد أنها ليست ثابتة. أو إذا كان له عدو يفعل بعض الأمور المختلف فيها كشرب النبيذ المختلف فيه، ولعب الشطرنج، وحضور السماع يقول: إن هذا ينبغي أن يهجر وينكر عليه، فإذا فعل ذلك صديقه اعتقد أن ذلك من مسائل الاجتهاد التي لا تنكر فشل هذا ممن يكون في اعتقاده حل لشيء وحرمة ووجوبه وسقوطه بحسب هواه فهو مذموم مجروح خارج عن العدالة. وقد نص الإمام أحمد وغيره من العلماء: أن ذلك لا يجوز، وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها، وإما بأن يرى أحد الرجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو أتقى منه فيما يقول فيرجع عنه قول إلى قول لمثل هذا، فهذا يجوز بل يجب وقد نص عليه أحمد وغيره. وقال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀ هل على العامي أن يلتزم مذهبًا معينًا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي. والجمهور من هؤلاء وهؤلاء لا يوجبون ذلك. والذين يوجبونه يقولون: إذا التزمه لم يكره له أن يخرج عنه ما دام ملتزمًا له أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه. ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر ديني. مثل أن يلتمس مذهبًا لحصول عرض دنيوي من مال أو جاه أو نحو ذلك فهذا مما لا يحمد عليه بل يذم عليه في نفس الأمر ولو كان ما انتقل إليه خيرًا مما انتقل عنه، وهو بمنزلة من يسلم لا يسلم إلاّ لغرض دنيوي. وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله - تعالى - ورسوله في أمر أن لا يعدل عنه ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله ورسوله. انتهى. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين ﵀ فيمن خالف مذهبه: ينكر عليه وإن جاز أن يختلف اجتهاده الأول، لان الظاهر بقاؤه عليه. وإلاّ لأظهره لينتفي عنه الظنة والشبهة، كما ينكر على من أكل في رمضان أو طعام غيره وإن جاز له أن يكون هناك عذر. ثم قال: وإن علمنا من حال العامي أنه قلد من يسوغ اجتهاده لم ينكر عليه، وإلاّ أنكرناه. قال أبو الوفا علي بن عقيل: ومن لم يعلم أن الفعل الواقع من أخيه المسلم جائز في الشرع أم غير جائز فلا يحل له أن يأمر ولا ينهى. وقال أبو حامد الغزالي: (ذهب ذاهبون

стр. 216

وقالوا: لا إنكار إلاّ في الخمر والخنزير وما يقع حرامًا، ولكن لا شبهة عندنا أن الاجتهاد يؤثر في حق المجتهد). ثم قال - في مكان آخر -: (فالعامي - ينبغي له أن لا ينكر إلاّ في الجليان المعلومة كشرب الخمر والزنا وترك الصلاة. فأما من يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال ويفتقر فيه إلى اجتهاد. فالعامي إن خاض فيه كان ما يفسده. كثر مما يصلحه. وعن هذا يتأكد ظن من لا يثبت ولاية الأمر والنهي إلاّ بتعيين الإمام، إذ ربما يبتدر لها من ليس أهلًا لها، لقصور معرفته أو قصور ديانته فيؤدي إلى وجه من الخلل. وقال صاحب المحرر مجد الدين بن عبد السلام بن تيمية وغيره بعد إيراد حديث عائشة- ﵂: أن أناسًا يأتوننا باللحم لا ندري أسموا عليه أم لا؟ قال: سموا أنتم وكلوا. قالوا: وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد. والله أعلم. فصل - (١٩): ضروب الموجب للإنكار: والموجب للإنكار على ضروب. منه ما يوجب النهي عنه باللسان، فإن انتهى وإلاّ وجب على المسلمين منعه بالضرب والقتال حتى يترك أو يقتل نحو اغتصاب الأموال ومد الأيدي إلى الحرام أو إلى النفس. فيجب أن ينكر عليه باليد واللسان فإن انتهى وإلاّ وجبت محاربته وان أتى ذلك على نفسه، وان استمكنوا منه أو أهوّه لم يجز قتله. ومن المنكر ما يكون إنكاره بالحبس وذلك مثل منع الناس حقوقهم. من دين وما أشبهه، فإذا وعظ فلم يقبل وجب على الحاكم أن يحبسه. وأما ما يكون المرء فيه ظالمًا لنفسه، كإفساد ماله، وترك الصلوات، أو إفطاره في شهر رمضان، أو تضييع الفرائض التي يكون فاسقًا بتركها، فعلى المسلمين أن ينكروا عليه باللسان، فإن رجح وإلاّ كان على الإمام أو أمرائه أن ينكروا عليه بالضرب والحبس حتى يموت.

стр. 217

وأما ما سوى الفرائض، وكان ينه وبين ربه - تعالى - فإنما ينكر عليه بالموعظة من غير ضرب ولا حس إلاّ ما فيه حد. كما ذكر أبو طالب عمر بن الربيع وغيره. فصل - (٢٠): الركن الرابع من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وأما الركن الرابع من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو نفس الأمر والنهي. وله درجات وآداب. أما الدرجات في ولها التَّعرُّف ثم التعريف ثم النهي ثم الوعظ والنصح ثم السب والتعنيف ثم التغيير باليد ثم التهديد بالضرب ثم إيقاع الضرب وتحقيقه ثم شهر السلاح ثم الاستظهار فيها بالأعوان وجمع الجنود. فهذه الدرجات التي ذكرها الإمام الغزالي. ﵀ تعالى - وقد قامت أمام درجة أخرى، وهي إنكار المنكر بالحال. قال بعض العارفين عند تفسير قوله - تعالى-: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾. (فجعل سبحانه الربانيين نائبين عن الأنبياء الذين هم أولوا الدين، فهم الخلفاء ينهون الخلق بممارسة أحوالهم كثر مما ينهونهم بأقوالهم، لأنهم إذا أشاروا إلى الله حقق ما يؤمنون إليه ويحقق ما يعلقون هممهم به). كما جرى لجماعة من السلف منهم خالد بن الوليد- ﵁ فذكر ابن كثير- في تاريخه عن أي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن خيثمة قال: أتي خالد برجل معه زق خمر. فقال: اللهم اجعله عسلًا فصار عسلًا. وله طرق. وفي بعضها: مر عليه رجل معه زق خمر فقال له خالد: ما هذا؟ قال: خل. فقال: اللهم اجعله خلًا. فلما رجع الرجل إلى أصحابه أصابته والله دعوة خالد. ومنهم شيخ مشايخنا الإمام القطب محيي الدين عبد القادر الكيلاني - قدس الله تعالى روحه.

стр. 218

قال صاحب "بهجة الأسرار ومعدن الأنوار": أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي بكر الأمهري. قال: سمعت قاضي القضاة أبا نصر قال: سمعت أبي عبد الرزاق يقول: خرج والدي يعني الشيخ محي الدين عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه - يومًا إلى صلاة الجمعة وأنا وإخواني عبد الوهاب وعيسى فرأينا في الطريق ثلاثة أحمال خمر للسلطان وقد فاحت رائحتها واشتدت ومعها صاحب للشرط وأعوان الديوان. فقال لهم الشيخ: قفوا فلم يقفوا وأسرعوا في سوق الدواب. فقال الشيخ للدواب: قفي فوقفت مكانها كأنها جمادات، وضربوها ضربًا عنيفًا، فلم تتحرك من موضعها، وأخذهم القولنج وجعلوا يتقلبون على الأرض يمينًا وشمالًا من شدة الوجع. فضجوا بالشيخ، وأعلنوا التوبة والاستغفار، فزال عنهم ذلك في نفس الوقت، وانقلبت رائحة الخمر برائحة الخل، ففتحوا الأواني فإذا هي خل ومشت الدواب، فعلت أصوات الناس بالضجيج وذهب الشيخ إلى الجامع، وانتهى الخبر إلى السلطان فبكى رعبًا، وارتدع عن فعل كثير من المحرمات، وحضر إلى زيارة الشيخ، وكان يجلس بين يديه متصاغرًا ودخل عليه - قدس الله روحه - شيخ ومعه شاب وقال له: ادع لهذا، فإنه ولدي، ولم يكن ولده، بل كان على سريرة غير صالحة، فغضب الشيخ، وقال: بلغ أمركم معي إلى هذا الحد، ودخل داره، ووقع الحريق في أرجاء بغداد من وقته وكلما طفى مكان اشتعلت النار في مكان آخر، ورؤي البلاء نازلًا على بغداد كقطع الغمام بسبب غضب الشيخ. راوي القصة عنه - فأسرعت بالدخول إليه، فوجدته على حاله مغضبًا فجلست إلى جانبه، وجعلت أقول له: يا سيدي ارحم الخلق، قد هلك الناس حتى سكن غضبه، فرأيت البلاء قد انكشف وانطفأ الحريق كله. وكان الشيخ القطب العارف أبو عبدالله، محمد القرشي أحد الأولياء المشهورين بالبلاد المصرية - قدس الله روحه - (مبتلى) في جسده، ومات بالقدس الشريف ودفن بمقبرة ماملا. وكان يقول لأصحابه: إنكار المنكر بالباطن من حيث الحال أتم من إنكاره بالظاهر من حيث القال فقيل له: أرنا آية ذلك؟ فقال لصاحبه الشيخ أبي عبد الله القرطبي: أجلسني على دكة على الطريق فأتى به إلى المسجد الذي عند مفترق الطريق بين مصر والقاهرة فأجلسه على دكته فعبر بغل عليه جرار خمر، فأعلمه "القرطبي" به فأشار الشيخ إلى الحمل بإصبعه هو هذا فعثر البغل وانكسرت الجرار.

стр. 219

ومر عليه ثلاثة أحمال بغال عليهن خمر وهو يصنع كذلك والجرار تنكر فقال الشيخ: هكذا يكون الإنكار. وقال الشيخ أبو (محمد) عبد الله بن مسعود المعروف بالرومي: اجتزت مع شيخنا ضياء الدين إلى النجيب عبد القاهر السهروردي صاحب العوارف- قدس الله روحه - قومًا بالكرخ فسمعنا اختلاط أصوات سكارى في دار، وشممنا رائحة منكرة فدخل الشيخ (دهليز) الدار فصلى ركعتين فخن ج من كان فيها صارخين فإذا كانت الخمر في أواني عندهم قد صار ماءا وتابوا كلهم على يد الشيخ. قال: ومررت معه مرة أخرى على الجسر فرأى رجلًا: يحمل فاكهة كثيرة. فقال الشيخ: (هذه الفاكهة) تقول لي كلامًا قال الرجل ماذا تقول الفاكهة؟ قال إنها تقول لي: أنقذني من يد هذا، فإنه اشتراني ليشرب علي الخمر. فأغمي على الرجل وسقط لوجهه، ثم أتى إلى الشيخ فتاب على يديه. ومر الشيخ أبو محمد الشنبكي جد أعيان مشايخ العراقيين العارفين بجماعة بين أيديهم أواني الخمر وآلات الطرب. فقال: اللهم طيب عيشهم في الآخرة فصار الخمر ماء، وألقى الله عليهم الخشية فتصارخوا ومزقوا ثيابهم وتهاطلت دموعهم وكسروا الأواني والآلات وحسنت توبتهم. وروي عن الفتح بن منخرق قال: (تعلق رجل لامرأة وبيده سكين، وكان لا يدنو أحد منه إلاّ عقره، وكان الرجل شديد اليدين، فبينا الناس كذلك، والمرأة تصيح من بين يديه، إذ مر بشر بن الحارث الحافي- قدس الله روحه- فدنا منه، وحك كتفه بكتف الرجل فوقع الرجل إلى الأرض، ومضى "بشر" فدنوا من الرجل وهو يرشح عرقًا فمضت المر. ة لحالها فسألوه: ما حالك؟ فقال: ما أدري إلا أن شيخنا جاء إلي، وقال: إن الله - تعالى- ناظر إليك وإلى ما تعمل، فضعفت لقوله قدماي، وهبته هيبة شديدة، لا أدري من ذلك الرجل؟ فقالوا له: ذلك بشر الحافي. فقال واسوأتاه كيف ينظر إلى بعد اليوم وحم الرجل من يومه ومات يوم السابع). وقد جرى لجماعة من السلف كثير من ذلك. والله أعلم. (وحكى الشيخ أبو المظفر سبط بن الجوزي، عن القاضي جمال بن يعقوب الحاكم

стр. 220

بكرك البقاع أنه شاهد مرة الشيخ العارف القطب عبد الله اليونيني وهو يتوضأ من نهر ثوري عند الجسر الأبيض بصالحية دمشق، إذ مر نصراني ومعه حمل بعير خمرا، فعثرت الدابة عند الجسر وسقط الحمل، فرأى الشيخ وقد فرغ من وضوئه، ولا يعرفه فاستعان به على رفع الحمل على البغل، فاستدعاني الشيخ وقال (يا فقيه) فتساعدنا على تحميل ذلك الحمل على الدابة، وذهب النصراني، وتبعت الحمل وأنا ذاهب إلى المدينة، فانتهى بي إلى العقيبة فأورده إلى الخمار بها، فإذا هو خل: فقال له الخمار ويحك ذا خل. فقال النصراني: إني أنا والله أعرف من أين أتيت، ثم ربط الدابة في الخان ورجع إلى الصالحية فسأل عن الشيخ فعرفه وجاء إليه وأسلم على يديه ولازمه. انتهى). فصل - (٢١): درجات النهي عن المنكر الدرجة الأولى: التعرف قال أبو حامد ﵀: أما الدرجة الأولى فهي التعرف ونعني به، طلب المعرفة بجريان المنكر وهو التجسس وذلك منهي عنه قلت كما سيأتي بيانه - في الباب الخامس - إن شاء الله - تعالى -. ثم قال ﵀: فلا ينبغي له أن يسترق السمع على دار غيره، ليسمع صوت الأوتار، ولا أن يستنشق، ليدرك رائحة الخمر، ولا أن يمس ما في ثوبه ليعرف شكل المزمار ولا أن يستخبر من جيرانه، ليخبروه بما يجري في داره نعم (لو) أخبره عدلان ابتداء بأن فلانًا يشرب الخمر في داره، أو بأن في داره خمرًا أعده للشرب، فله إذ ذاك أن يدخل داره ولا يلزمه الاستئذان - هذا قول أبي حامد - ولم يذكر إذن الإمام في ذلك. لكن قال أبو طالب عمر بن الربيع - في كتابه الأمر بالمعروف -: فإن قيل: (لم) أجزتم للإمام الهجوم عل قوم اجتمعوا على المسكر، وعلى الملاهي أو على من يبيع المسكر في داره أو نحو هذا؟ قيل: إن للإمام أن يعاقب مثل هؤلاء على بما هو أعظم من الهجوم عليهم في منازلهم وسيأتي - في الدرجة الرابعة في تحريق عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄ بيتين وجد فيهما خمرًا. ولا ريب أن إحراق المنازل أعظم من الهجوم عليها: فإن قيل: أو ليس بيت المؤمن حرزًا له؟ قيل: هو حرز له ما كان على إيمانه وستره، فإن أصاب أحدًا أو دمًا واعتصم ببيته كان للإمام أن يأمر بالهجوم عليه، وأن يستخرجه من بيته، ليقام عليه ما يستحقه من الحد، كذلك لو سرق أو قطع الطريق، ثم صار إلى بيته كان للإمام أن يهجم عليه في بيته ويتخرج منه أموال المسلمين، ويفعل به

стр. 221

ما يستحقه ومن كان يبيع الخمر في بيته أنكرنا عليه بالعظة، ولم نهجم عليه إلا بأمر السلطان وأمرائه ويجب علينا أن ننهي ذلك إليهم وعليهم أن يهجموا عليه ويكسروا ما أصابوا عنده ويعاقبوه بما يروا من العقوبة وإن أمرنا بالهجوم عليهم (وجب علينا) أن نهجم عليهم، وأن نكسر ما أصبنا وليس لنا أن نعاقبهم، لأن العقوبة إنما هي للإمام ولأمرائه، فإن باع ذلك في الأسواق والطريق ظاهرًا وجب على المسلمين أن يمنعوه، لأن إظهار ذلك استخفاف بالمسلمين. وللإمام وأمرائه أن يعاقبوه وليس ذلك للعوام. قال الغزالي ﵀: فإن أخبره عدلان أو عدل واحد - وبالجملة كل من تقبل روايته دون شهادته ففي جواز الهجوم على داره بقول هؤلاء نظر واحتمال. والأولى أن يمتنع لأن له حقًا في أن لا يدخل إلى داره بغير إذنه ولا يسقط حق المسلم عما ثبت حقه عليه إلاّ بشهادة عدلين انتهى. وقد قيل: إنه كان نقش خاتم لقمان ﵇ الستر لما عاينت أحسن من إذاعة ما ظننت. فينبغي - حينئذ- أن لا يقبل في الإخبار بالمنكر إلاّ قول عدلين. كما تقدم - في الركن الثالث - قال الله - تعالى ﴿يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ وروى الإمام أحمد - في سبب نزول هذه الآية - بسنده - عن الحارث بن ضرار الخزاعي ﵁ قال: قدمت على رسول الله- ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها. وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي في دعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل إلى رسول الله ﷺ -رسولًأ لأمان كذا وكذا ليآتيك ما جمعت من الزكاة (فلما جمع الحارث الزكاة) ممن استجاب له وبلغ الأمان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه فقد سلم. قال رسول الله ﷺ : - (نعم ارجع إليهم فادعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة. فرجع إلى قومه فدعاهم فأسلموا فلما كان بعد ذلك احتبس الرسول فلم يأته قال الحارث فخشيت أن يكون حدث حدث فيه سخطة من الله ورسوله فدعا بكبراء قومه. فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وقت ليَّ وقتًا يرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخلف: ولا أرى حبس رسوله إلاّ من سخطة كانت فانطلقوا فنأتي رسول الله ﷺ وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما

стр. 222

أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي. فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث وأقبل الحارث بأصحابه، إذا استقبل البعث وفصل من المدينة لقيهم الحارث. فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إذ رسول الله ﷺ كان بعث إليك الوليد بن عقبة. فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا، والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته، ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلاّ حين احتبس عليَّ رسول رسول الله ﷺ خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله فنزلت: ﴿يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ... ﴾ إلى قوله: ﴿ ... والله عليم حكيم﴾. قال بعض المفسرين: وفي هذه الآية دليل على قبول خبر الواحد، إذا كان عدلًا، لأنه -سبحانه - إنما أمر في الآية بالتثبت عند نقل خبر الفاسق. وفيها دليل- أيضًا - على فساد قول من قال: إن المسلمين كلهم عدول حتى يثبت الجرح؛ لأن الله - تعالى- أمر بالتثبت قبل إنفاذ الحكم، فإن حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة وإن قضى بما يغلب على الظن لم يكن ذلك عملًا بجهالة، كالقضاء بالشاهدين العدلين، وقبول قول العالم المجتهد. وإنما العمل بجهالة قبول قول من لا يحصل غلبة الظن بقوله). فصل - (٢٢): الدرجة الثانية: في الأمر النهي عن المنكر التعريف: وأما الدرجة الثانية: فهي التعريف، فإن المنكر قد يقدم عليه المقدم بجهله، وإذا عرف أنه منكر تركه، كالسوادي يصلي ولا يحسن الركوع والسجود فيعلم - أن ذلك لجهله - بأن هذه ليست بصلاة ولو رضي بأن لا يكون مصليًا لترك أصل الصلاة، فيجب تعريفه باللطف من غير عنف؛ وذلك لأن في ضمن التعريف نسبة إلى الجهل، والحمق والتجهيل إيذاء وقل أن يرضي الإنسان (بأن ينسب إلى الجهل) بالأمور لا ميما بالشرع، ولذلك ترى الذي يغلب عليه الغضب كيف يغضب إذا نبه على الخط والجهل؟ وكيف يجتهد في مجاهدة الحق بعد معرفته، خيفة من أن ينكشف عورة جهله؟ والطباع أحرص على ستر عورة الجهل منها على ستر العورة الحقيقية؛ لان الجهل قبح في صورة النفس وسواد في وجهها وصاحبها

стр. 223

ملوم عليه- لأن قبح النفس أشد من قبح البدن وهو غير ملوم على قبح البدن، لأن خلقه لم يدخل تحت إختياره حصوله ولا في اختياره إزالته وتحسينه، والجهل قبح يمكن إزالته وتبديله بحسن العلم فلذلك يعظم تألم الإنسان بظهور جهله، ويعظم ابتهاجه في نفسه - بعلمه ثم لذته عند ظهور جمال علمه لغيره. وإذا كان التعريف كاشفًا للعورة مؤذيًا للقلب فلا بد أن يعالج دفع أذاه بلطف الرفق. فنقول له: إن الإنسان لا يولد عالمًا. ولقد كنا - أيضًا - جاهلين بأمور الصلاة فعلمنا العلماء. ولعل قريتك خالية من العلماء أو عالمها مقصر في شرح أمور الصلاة وإيضاحها، إنما شرط الصلاة الطمأنينة في الركوع والسجود، وهكذا يتلطف به؛ ليحصل التعريف من غير إيذاء، فإن إيذاء المسلم حرام محظور كما أن تقريره على المنكر محظور، وليسر من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول ومن اجتنب محظور السكوت على المنكر واستبدل عنه محظور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه فقد غسل الدم بالبول وأما إذا وقفت على خطأ في غير أمر الدين فلا ينبغي أن يرده عليه، فإنه يستفيد منك علمًا ويصير لك عدوًا إلاّ إذا علمت أنه قابل مغتنم العلم. وذلك عزيز جدًا). قال بعضهم: يجب على المعلم أن لا يعنف، وعلى المتعلم أن لا يأنف. وسيأتي فصل في استحباب الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الباب الرابع - إن شاء الله - تعالى - والله أعلم. ثم ليكن وعظه في هذه الدرجة تعريضًا وإرشادًا من غير تنصيص على شخص. وقد روى أبو داود - في سننه - من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كره من إنسان شيئًا قال: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا). قال الحافظ عبد العظيم المنذري: رجاله رجال الصحيح قوله: (ما بال) أي ما حال. ففي الحديث عدم مواجهة صاحب المعصية بمعصيته، لأن المقصود يحصل له ولغيره بدون فضيحة وشناعة عليه. وفيه المبالغة بإزالة المنكر والتغليظ في تقبيحه، والله أعلم. وروى أبو بكر الخلال - بإسناده - أنه قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل شيئًا ويبلغه عنه، يقول له؟ قال: هذا تبكيت ولكن يعرض ويسأل.

стр. 224

وسأل الإمام أحمد رجل. قال: أكون في المجلس تذكر فيه السنة ولا يعرفها غيري: افأتكلم بها؟ فقال: أخبر بالسنة ولا تخاصم عليها. فأعاد عليه القول: فقال: ما أراك إلاّ رجلًا مخاصمًا. وهذا المعنى روي عن مالك فإنه أمر بالإخبار بالنسبة وقال: فإن لم يقبل منك فاسكت. قال أبو حامد: (ومن اجتنب محظور السكوت عن المنكر، واستبدل عنه محظور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه فقد غسل الدم بالبول. قال سالم بن عبد الله بن عمر- ﵃: نظر عمر إلى رجل أذنب ذنبًا فتناوله بالدرة. فقال الرجل: والله يا عمر: لئن كنت أحسنت فلقد ظلمتني، ولئن كنت أسأت فما علمتني؟ قال: صدقت فاستغفر الله، دونك فاقتد من عمر. فقال: فلأهبها لله وغفر الله لي ولك، رواه أبن أبي الدنيا، وأما إذا وقعت على خطأ في غير أمر الدين فلا ينبغي ان ترده عليه فإنه يستفيد منك علمًا ويصير لك عدوًا إلاّ إذا علمت أنه يغتنم العلم. وذلك عزيز جدًا والله أعلم. فصل - (٢٣): الدرجة الثالثة للنهي عن المنكر النهي بالوعظ وأما الدرجة الثالثة: فهي النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله وذلك فيمن يقدم على الأمر، وهو عالم بكونه منكرًا، أو فيمن أصرَّ عليه بعد أن عرف كونه منكرًا، كالذي يواظب على الشرب، أو على الظلم أو على اغتياب المسلمين، أو ما يجري مجراه فينبغي أن يوعظ، ويخوف بالله - تعالى - وتورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك، وتحكى له سيرة السلف وعبادة المتقين، وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب؛ بل ينظر إليه نظر المترحم عليه، ويرى إقدامه على المعصية مصيبة على نفسه، إذ المسلمون كنفس واحدة كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد - إن شاء الله. ومن الناس من يستفزه الزهو والعجب، فإن وعظ عنَّف وان وعظ أنف. قال بعض

стр. 225

المحققين: فذلك في الدرك السابع من النار والفرق بين الموعظة والملامة: أن الموعظة أن تقبح الفعل المذموم وتذمه عند عامله، وقلبك يرحم ويعطف عليه قاصدًا بذلك الذم لنفسه الأمارة بالسوء التي دعته إلى فعل المذموم تريد أن تعصى به حتى تنكسر وتذل، فذلك منك نصرة للحق وعطف على أخيك وتكون معينًا له على نفسه بذلك، وينبغي أن يكون ذاك سرًا فيما بينه وبينه في أول مرة، فإن الله من كرمه وستره على عبده الخاطئ يستر ذنبه إذا حاسبه - كما في الصحيحين، ومسند أحمد من حديث ابن عمر. ﵁ قال: (إن الله ليدني المؤمن فيضع عليه كتفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا .. ) الحديث. وروى البيهقي - بسنده - عن أم الدرداء ﵂ قالت من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد شأنه" وكذلك روي عن الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه. ومن وعظه علانية فقد فضحه وشأنه). وذكر أبو عمر ابن عبد البر في كتابه - بهجة المجالس - عن مسعر بن كدام، أنه قال: رحم الله من أهدى إلي عيوبي في سر بيني وبينه، فإن النصيحة في الملا تقريع". وروى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا - بسنده - عن ابن وديع قال: قال سليمان الخواص: (من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه. وفي شعب الإيمان للبيهقي- بسنده - عن عبد الرحمن بن مطرف قال: كان الحسن ابن صالح ابن حي إذا أراد أن يعظ أخًا له كتبه في اللوح وناوله. قيل لأبي الفضيل بن عياض: إنّ سفيان بن عيينة قبل جوائز السلطان؟ فقال: "فضيل" ما أخذ منهم إلاّ دون حقه، ثم خلا به وعذله ووبخه. فقال سفيان: (يا أبا علي إن لم نكن من الصالحين فإنا لنحب الصالحين). وقال بعض السلف: (ينبغي أن يكون الوعظ والنصح في سر لا يطلع عليه أحد فما كان

стр. 226

على الملإ فهو توبيخ وفضيحة وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة). وروى الحافظ أبو نعيم - في الحلية - بسنده عن مرة بن شرحبيل. قال: سئل سلمان ابن ربيعة عن فريضة خالفها عمرو بن شرحبيل فغضب سلمان، ورفع صوته. فقال عمرو: والله لكذلك أنزلها الله فأتيا أبا موسى الأشعري. فقال: القول ما قال أبو ميسرة. وقال لسلمان: ما كان ينبغي لك أن تغضب أن أرشدك رجل. وقال لعمرو: قد كان ينبغي أن تساوره ولا ترد عليه والناس مجموعون يسمعون. قال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه -: والأولى له أن يأمره وينهاه في خلوة، ليكون ذلك أبلغ وأمكن في الموعظة والزجر والنصيحة له، وأقرب إلى القبول والإقلاع فإن فعل ذلك ولم ينفعه أظهر - حينئٍذ - ذلك، واستعان عليه بأهل الخير، وإن لم ينفع فبأصحاب السلطان. انتهى. (والفرق بين النصيحة والتوبيخ، الإسرار والإعلان) فإن لم يندفع المنكر بإسرار الموعظة ولم ينته صاحبه أظهر - حينئٍذ - ذلك وأذاعه وأعلنه. كما سيأتي بيانه قريبًا - إن شاء الله - تعالى- فصل- (٢٤): ما ينبغي على الآمر الناهي استخدامه في الوعظ من ذكر آيات وأحاديث وقصص: قال بعض المحققين: والذي ينبغي للآمر الناهي بالوعظ وحمل الناس على ترك الذنوب والمعاصي أن يستعمل في ذلك أربعة أنواع: الأول: أن يذكر ما في القرآن من الآيات المخوفة للعاصين والمذنبين وكذلك ما ورد من الأحاديث والآثار وأقوال السلف من العلماء والصلحاء وغيرهم، وذلك باب واسع يضيق هذا المحل بذكره. الثاني: أن يذكر حكايات الأنبياء والسلف وما جرى عليهم من المصائب بسبب ذنوبهم فذلك شديد الوقع ظاهر النفع في قلوب الخلق. مثل: أحوال آدم في عصيانه، وما لقيه من الإخراج من الجنة، ومثل: ما عوقب به سليمان بن داود ﵉ على خطيئته وسلب ملكه أربعين يومًا. وكذلك يوسف لما قال: ﴿ ... اذكرني عند ربك ... ﴾ قال

стр. 227

الله - تعالى -: ﴿ .. فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين﴾ إلى غير ذلك وإن ذلك لم يرد به القرآن والأخبار ورود الإسمار بل الغرض منه الاعتبار والاستبصار ليعلم أن الأنبياء لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار فكيف يتجاوز عن غيرهم بأن عوجلوا بالعقوبة، ولم يؤخروا إلى الآخرة .. فهذا - أيضًا - مما ينبغي عليه أن يكثر منه على أسماع المصرين، فإنه نافع في تحريك دواعي الانكفاف، والإقلاع عن المعاصي بالتوبة. النوع الثالث: أن يقرر - عندهم - أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنب، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته فكم من عبد يتساهل في أمر الآخرة ويخاف من عقوبة الله في الدنيا أكثر لفرط جهله. فينبغي أن يخوف به، فإنّ الذنوب كلها يتعجل شؤمها في الدنيا. كما جرى لداود وغيره ممن تقدم ذكره حتى يضيق على العبد رزقه بسبب ذنبه. كما روى ابن ماجه، والحاكم وصححه من حديث ثوبان مرفوعًا ( .. إن الرجل ليحرم الرزق بسبب الذنب يصيبه ... ). وقال ابن مسعود: إني لأحسب أن العبد ينسى العمل بذنب يصيبه. وقال بعض السلف: ليست اللعنة سوادًا في الوجه ونقصًا في المال إنما اللعنة ألا تخرج من ذنب إلاّ وقعت في مثله أو شرًا منه. لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد، فإذا لم يوفق للخير، ويتيسر له الشر فقد أبعد، والحرمان عند رزق التوفيق أعظم حرمان وكل ذنب يدعو إلى ذنب أخر يتضاعف فيحرم العبد به من رزقه النافع في مجالسة العلماء والصالحين فيمقتونه. وحكي عن بعض العارضين: أن رجلًا كان يمشي جامعًا ثيابه محترزًا حتى زلقت رجله وسقط في وحل فقام وهو يمشي في وسط الوحل ويبكي ويقول: هذا مثل العبد لا يزال يتوقى الذنوب ويخافها، حتى يقع في ذنب وذنب فعند ذلك يخوض الذنوب خوضًا. وهذه إشارة إلى أن صاحب الذنب يتعجل عقوبته بالإنجرار إلى ذنب آخر. ولذلك قال الفضيل بن عياض: ما أنكرت من تغير الزمان وصفاء الإخوان فذنوبك أورثتك ذلك. وقال بعضهم: إني لأعرف عقوبة الذنب في سوء خلق حماري.

стр. 228

وقال بعضهم: أعرف العقوبة حتى في فأر بيتي. وقال بعض الصوفية: نظرت إلى غلام نصراني حسن الوجه فوقفت أنظر إليه فمر بي ابن الجلاء الدمشقي، فأخذ بيدي فاستحسنت ذلك منه وقلت: يا أبا عبد الله سبحان الله تعجبت لهذه الصورة وهذه الصنعة المحكمة، كيف خلقت للنار! ! فغمز يدي. وقال: لتجدن عقوبتها بعد حين. قال: فعوقبت بعد ثلاثين سنة. قال: أبو سليمان الداراني: الإحتلام عقوبة. وقال - أيضًا -: لا يفوت أحد صلاة جماعة إلاّ بذنب يذنبه. والأخبار كثيرة في آثار الذنوب في الدنيا من الفقر والمرض وغيره بل من شؤم الذنب - في الجملة - أن يكتسب ما بعده فإن ابتلى بشيء كان عقوبة له، ويحرم جميل الرزق، حتى يتضاعف شقاؤه، وإن أصابه نعمة كان استدراجًا ويحرم جميل الشكر حتى يعاقب على كفرانه. النوع الرابع: من صفة الوعظ أن يذكر ما وقع من العقوبات على آحاد الذنوب في محله كالخمر والزنا والسرقة والقتل والغيبة والكبر والحسد وغير ذلك مما لا يمكن حصره. وذكره مع غيره أهله، وضع للدواء في غير محله بل ينبغي أن يكون الآمر الناهي بالوعظ كالطبيب الحاذق يتدل أولًا بالنبض والسحنة ووجوه الحركات على العلل الباطنة ويشتغل بعلاجه ويستدل بقرائن الأحوال على خفايا الصفات، ويضع كل شيء في محله اقتداء برسول الله ﷺ حيث قال له رجل: أوصني ولا تكثر علي. فقال: لاتغضب. وقال آخر: أوصني فقال: (عليك باليأس مما في أيدي الناس فإنّ ذلك هو الغنى، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وصل صلاة مودع وإياك وما يعتذر منه). وروى الحديث الأول البخاري، ومالك، وأحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة - كما سيأتي في الباب الرابع إن شاء الله- تعالى-. وروى الحديث الثاني - ابن ماجه، والحاكم من حديث أبي أيوب الأنصاري. فكأنه ﷺ توسم في السائل الأول مخايل الغضب فنهاه عنه، وفي السائل الآخر مخايل الطمع

стр. 229

وطول الأمل فأعطى كل إنسان ما يلائمه. فهكذا ينبغي أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في درجة الوعظ والنصح، لأن المواعظ مثل الأغذية التي تشترك العامة في التغذي بها ولأجل فقد الوعاظ العارفين انحصر باب الاتعاظ وغلبت المعاصي والفساد، وبلي الخلق بوعاظ يزخرفون أشجانًا، وينشدون أشعارًا. ويتكلفون ذكر ما ليىس في وسع علمهم ويعرضون بذكر العقائد المختلف فيها، ويقذفون العلماء والأخيار من السلف والخلف والأحياء والأموات بحسب ميل أهويتهم ووقوع أغراضهم مما ليسر للناس به كثير نفع، بل يكون ذلك - في الغالب. سببًا لإظهار الخصومات وتحريك العداوات و (إساءة) العقائد والظنونات فيسقط - حينئٍذ - عن القلوب وقارهم حيث لم يكن كلامهم صادرًا عن القلب فلأجل ذلك لم يدخل إلى القلب، بل الواعظ ينحرف والمستمع يتكلف نعوذ بالله من مضلات الفتن وما ظهر منها وما بطن. فصل - (٢٥): الدرجة الرابعة من درجات النهي عن المنكر: وأما الدرجة الرابعة: من درجات النهي عن المنكر فهي السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن وذلك يعدل إليه عند العجز عن المنع باللطف وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح وذلك مثل قول إبراهيم - صلوات الله عليه - ﴿أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ ومعنى القول الخشن أن يقول: (يا فاسق يا أحمق يا جاهل ألا تخاف الله؟ ! ألا تستحي من الله؟ أو ما في معنى ذلك وما يجري مجراه، فإنّ كل فاسق أحمق جاهل) والأحمق (من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) كما في حديث شداد بن أوس من رواية الترمذي وابن ماجه مرفوعًا. ثم يجب أن يكون قصد الآمر الناهي تغليظ القول، وتخشينه رجوع المأمور عن ذلك المنكر لا الانتصار لنفسه لكونه رد كلامه أولًا، أو لاستهزائه به فإنّ الآمر الناهي ربما يكون

стр. 230

مخلصًا في ابتداء الإنكار فإذا سرد كلامه ثارت نفه وأغلظ في الكلام فخرج بذلك عن دائرة الإخلاص ووقع في الحمق والغضب المنهي عنه وصار ممن يجب الإنكار عليه، وممن يغسل الدم بالبول. هنا تنبيه: وهو أن الأمور بالمعروف إذا رجع في أثناء الكلام الغليظ عن ذلك المنكر كأن سكن غضب الآمر وأمسك عن الكلام متى زال المنكر علمنا أنه مخلص، وأنه لم يكن قصده إلاّ زوال المنكر وقد زال فلم يبق للكلام الغليظ فائدة. وإن لم يسكن غضبه واسترسل في الكلام علمنا أن الحامل له غضب النفس وباعث الانتصار. وهنا تنبيه ثان: وهو أن المنهي عن المنكر إذا استهزأ بالآمر وسبه فهم بإغلاظ الكلام، وتخشين القول له، فقام إنسان مقامه في ذلك وأغلظ القول للمأمور فرجع إلى كلامه وترك المنكر. فإن كان ذلك يسر الآمر ويفرح ويرى لله - تعالى - المنة عليه، وصان لسانه عن الكلام المسيء وإيحاش قلب أخيه المسلم، وزال المنكر فإنه يحصل له ثواب نيته، وأجر ما أصيب به من الاستهزاء والسب. فهو مخلص، وإن كان الأمر لا يرد عن الشروع في الكلام الغليظ والسب ويثقل إليه كون المنكر زال بكلام غيره فهو غير مخلص. والله أعلم. وأما اللعن والطعن في النسب فلا يجوز؛ لأحاديث تأتي في الباب الخامس - إن شاء الله تعالى -. قال أبو حامد: ولهذه الدرجة أدبان: أحدهما: أن لا يقدم على الفحش من القول إلاّ عند الضرورة والعجز عن اللطف. والثاني: أن لا ينطق إلاّ بالصدق ولا يسترسل فيه فيطلق لسانه الطويل بما لا يحتاج إليه بل يقتصر على قدر الحاجة فإن علم أن خطابه بهذه الكلمات الزاجرات ليست تزجره، فلا ينبغي أن يطلقه بل يقتصر على إظهار الغضب. ولو علم أنه إذا تكلم لضرب، ولو اكفهر وأظهر الكراهة لم يضرب لزمه ولم يكفه الإنكار بالقلب بل يلزمه أن يقطب وجهه ويظهر الإنكار له. وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا لم تستطع أن تغيّر على الفاجر فاكفهر في وجهه. وسيأتي في الكلام على الهجران ما يتعلق به - في الباب الرابع - إذ شاء الله-. وقال عبد الله بن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يرى منكرًا ولا يستطيع فيع غير أن يعلم الله من قلبه انه له كاره.

стр. 231

رواه ابن أبي الدنيا مطولًا. وفي رواية: إنها ستكون هنات وهنات (بفتح الهاء) فبحسب امرئ إذا رأى منكرًا لا يستطيع له غيرًا فذكره. الهنات - هنا - الأمور المنكرة. ففعل الكراهة واجب عند العجز عن التغيير باليد واللسان - كما سلف وتقدم - والله-سبحانه - أعلم. فصل - (٢٦): الدرجة الخامسة من درجات النهي عن المنكر التغيير باليد: وأما الدرجة الخامسة: فهي التغيير باليد وذلك ككسر الملاهي وإراقة الخمر وخلع الحرير عن رأس لابسه، وعن بدنه ومنعه من الجلوس عليه، ورفعه عن الجلوس على مال الغير وإخراجه من الدار المغصوبة بالجر برجله، وإخراجه من المسجد إذا كان جالسًا وهو جنب بغير وضوء وما يجري مجراه ويتصور ذلك في بعض المعاصي دون بعض معاصي اللسان والقلب فلا يقدر على مباشرة تغييرها. كما قال الغزالي وغيره. وقال أبو طالب عمر بن الربيع - في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-: فأما ما يقوم به جماعة المسلمين مثل إغاثة المظلوم إذا استغاث بالمسلمين ممن يأخذ ماله أو يناله الضرب أو القتل أو يتعدى على حرمه أو على ولده .. فإن على جماعة المسلمين منعه، ولا يجوز لهم ترك المظلوم في يده يفعل به ما يريد، وعليهم كسر آلة اللهو وإراقة الخمر وخلع الحرير عن لابسه مع الاستطاعة. وأما ما يجب على فاعله الإنكار بالحبس أو الأدب من تضييع الفرائض ومنع الحقوق فإنّ الحبس والتأديب لا يقوم به إلاّ الإمام أو نوابه، وإنما يلزم إنكار ذلك باللسان. فإن قيل: فهل يجوز أن يقصد المنكرون إلى قتل المعتدي؟ قيل: إن كان يمكنهم أن يمنعوه دون قتله لم يجز لهم أن يقصدوا ذلك. وإن كان لا يمكنهم أن يمنعوه من الظلم إلاّ بما يؤدي إلى تلف نفسمه وجب عليهم قتاله، وإن صار إلى ما فيه تلفه. انتهى. جاهد أعداء انه وأعدوا لهم الكتائب، ولا تبغ على أحد من خلق الله تكن الغالب.

стр. 232

فصل - (٢٧): وللمنكر كسر آلة اللهو وكسر وعاء الخمر: قال جماعة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. وللمنكر كسر آلة اللهو وصور الخيال ودق الصنوج، وشق وعاء الخمر، وكسر دنه إن تعذر الإنكار بدون ذلك، وقيل مطلقًا كما سيأتي. ونقل أبو بكر أحمد بن محمد الأثرم، وإبراهيم بن الحارث عن الإمام أحمد في زق الخمر- يحله فإن لم يقدر على حله شقه. قال أبو عبد الله محمد بن مفلح: فظاهره أنه لا يجوز كسره مع القدرة على إراقته. وهو اختيار القاضي أبي يعلى. كما قال أبو حامد: ويتوقى في إراقة الخمر كسر الأواني إذ وجد إليه سبيلًا فإن لم يقدر إلاّ بأن يرمي ظروفها بحجر فله ذلك. قال العلامة ابن القيم- في الطرق الحكمية: - (ولا ضمان في كسر أواني الخمر وشق زقاقه) ثم قال: قال المروزي: قلت لأبي عبد الله: (لو رأيت منكرًا في قنينة أو قرابة تكسر أو تصب؟ قال: تكسر). وقال أبو طالب: قلت: نمر على المسكر القليل أو الكثير: أكسره؟ قال: نعم تكسره. فظاهر ذلك جواز الكسر وأصح الروايتين عنه إباحة إتلاف وعاء الخمر وعدم ضمانه مطلقًا، لأنها كانت حائلة بينه وبين الخمر. حتى قال أبو حامد: ولو ستر الخمر ببدنه لكنَّا نقصد بدنه بالجرح بالضرب؛ لنتوصل إلى إراقة الخمر فإذا لا تزيد حرمة ملكه في الظروف على حرمة نفسه. انتهى.

стр. 233

فعلى هذه الرواية لا ضمان. وفي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي طلحة زيد بن مهل الأنصاري ﵁ أنه قال: يا نبي الله، إني اشتريت خمرًا لأيتام في حجري. قال: (أهرق الخمر واكسر الدنان). هذه رواية الترمذى. وقال: وقد روى عن أنس أن أبا طلعة كان عنده خمر لأيتام. وهو أصح ورواية أبي داود عن أنس أن أبا طلحة سأل النبي- ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا. فقال: أهرقها. قال: أفلا أجلها خلاً؟ قال: لا. وخرج الترمذي هذه الرواية-أيضًا - وقال فيه حديث حسن صحيح ورواه رزين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال لرسول الله- ﷺ إني اشتريت خمرًا لأيتام في حجري. قال: أهرقها وأكسر الدنان". وروى الدارقطني- في السنن بإسناد صحيح، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: كان عبد الله بن مسعود- ﵁ يحلف بالله: إنّ التي أمر بها رسول الله- ﷺ حين حرمت الخمر أن تكسر دنانها، وأن يكفا ثمن التمر والزبيب. وفي مسند أحمد من حديث ابن عمر-﵁ قال: خرج رسول الله- ﷺ -إلى المربد، فخرجت معه، فكنت عن يمينه وأقبل أبو بكر فتأخرت له، فكان عن يمينه وكنت عن يساره فأتى رسول الله- ﷺ فإذا بزقاق على المربد فيها خمر قال ابن عمر: فدعاني رسول الله- ﷺ -بالمدية قال: وما عرفت المدية إلاّ يومئٍذ، فأمر بالزقاق فشقت. ثم قال: (لعنت الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمول إليه وعاصرها. . . .). وفي رواية، قال ابن عمر: أمرني رسول الله- ﷺ أن آتيه بمدية وهي الشفرة، فأتيته بها، فأرسل بها فارتفقت ثم أعطانيها. وقال: أغد علي بها ففعلت، وخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق خمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك

стр. 234

الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي، وأن يعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلاّ شققته ففعلت فلم أترك في أسواقها زقًا إلاّ شققته. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك. قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبا طلحة، وأبي بن كعب، شرابًا من فضيخ وتمر. فأتاهم آت. فقال: إنّ الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرة فاكسرها. فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت. وقيل يجب الضمان فيما ينقى بالغسل فقط. وهو اختيار أبي عبد الله محمد بن عبد القوي في نظمه-كما سيأتي قريبًا. وقال أبو حامد الغزالي: (ولو كان الخمر في قوارير ضيقة الرؤوس ولو اشتغل بإراقتها طال الزمان وأدركه الفساق ومنعوه فله كسوها فإنّ ذلك عذر، وإن كان لا يحذر ظفر الفساق به ومنعهم إياه ولكن كان يضيع في زمانه وتتعطل عليه أشغاله فله أن يكسرها). انتهى. قال: قيل فهلا جاز كسر أواني الخمر إذا لم تتعذر إراقتها زجرًا. والجر بالرجل في الإخراج من الدار المغصوبة زجرًا.؟ قال أبو حامد: إنما يكون الزجر عن المستقبل والعقوبة على الماضي والدفع عن الحاضر، وليس لآحاد الرعية إلاّ الدفع وهو إعدام المنكر فما زاد على قدر إعدام المنكر فهو إما عقوبة على جريمة سابقة أو زجر عن لاحق، وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية فللوالي أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه. ثم قال- في مكان آخر-: (لو أريقت الخمر أولًا لم يجز كسر الأواني بعدها وإنما جاز كسرها تبعًا للخمر، فإذا خلت عنها فهي إتلاف مال إلًا أن تكون ضارية للخمر لا تصلح إلًا لها). فكأن الفعل المنقول عن العصر الأول كان مقرونًا بمعينين أحدهما: شدة الحاجة إلى الزجر. الآخر: تبعية الظروف للخمر التي هي مشغولة بها وهما معنيان مؤثران لا سبيل

стр. 235

إلى حذفهما. ومعنى ثالث: وهو صدور هذا عن رأي صاحب الأمر؛ لعلمه بشدة الحاجة إلى الزجر وهو- أيضًا- مؤثر فلا سبيل إلى إلغائه فهذه تصرفات دقيقة فقهية يحتاج الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر لا محالة إلى معرفتها. قال ابن مفلح: وذكر صاحب النظم: إنما يضمن إذن ما يطهر بغسله فقط. كذا قيل: يقبل قول المنكر في التعذر؛ لتيقن المنكر والشك في موجب التضمين والأولى أن يقال: إن كان ثمة قرينة وطاهر حال عمل بها، وإلا احتمل ما قال واحتمل الضمان؛ للشك في وجوب السبب المسقط للضمان، والأصل عدمه. قال أبو بكر المروذي: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصفير يكون مع الصبي؟ قال: يكسر- أيضًا-. قلت: أمر في السوق فأرى الطبول تباع أفأ كسرها؟ قال: ما أراك تقدر، إن قويت يا أبا بكر. يعني إن قويت فاكسرها. قلت: أدعى لأغسل الميت فأسمع صوت الطبل؟ قال: (إن قدرت على كسره وإلاّ فاخرج. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل كسر عودًا كان مع أمة لإنسان، فهل يغرمه أو يصلحه؟ قال: (لا أرى عليه بأسًا أن يكسره، ولا يغرمه ولا يصلحه). وقال أبو إسحاق إبراهيم بن هانئ: قلت لأحمد: فالدف الذي يلعب به الصبيان؟ قال: يروى عن أصحاب عبد الله بن مسعود-﵁: أنهم كانوا يتبعون الأزقة يخرجون الدفوف. انتهى. قال أحمد بن حمدان- في الرعاية: (وله كسر آلة التنجيم والسحر والتعزيم والطلمسات وتمزيق كتب ذلك ونحوه يعني أن له إتلاف ذلك مطلقًا. ومراد غيره في أو مثله أنه يجب إتلافه لأنه منكر).

стр. 236

قال العلامة ابن القيم: (وآلات اللهو - كالطنبور - يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء). وهو مذهب مالك وأشهر الروايتين عن أحمد. قال أبو داود: وسمعت أحمد سئل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا فأخذ الشطرنج فرمى به؟ قال: قد أحسن. قيل: فليس عليه شيء؟ قال: لا، وكذلك إن كسر عودًا أو طنبورًا؟ قال: نعم. وقال عبد الله: سمعت أبي. قيل له في رجل يرى مثل الطنبور أو العود أو الطبل ما أشبه هذا. ما يصنع به؟ قال: إذا كان مكشوفًا فأكسره. وقال يوسف بن موسى، وأحمد بن الحسن: إنّ أبا عبد الله سئل عن الرجل يرى الطنبور أو المنكر أيكسره؟ قال: لا بأس. وقال أبو الصقر: سألت أبا عبد الله عن رجل رأى عودًا أو طنبورًا فكسره، ما عليه؟ قال: قد أحسن، وليس عليه في كسره شيء. وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكسر الطنبور أو الطبل: عليه في ذلك شيء؟ قال: يكسر هذا كله. وليس يلزمك شيء. وقال القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى: لا تختلف الرواية عن أحمد ﵀ أنه إذا كسر عودًا أو مزمارًا أو طبلًا لم يضمن قيمته لصاحبه، والدليل على كسر ذلك كله ومحقه: أن الله - سبحانه- أخبر عن كلمة موسى- ﵇ أنه حرق العجل الذي عبد من دون الله ونسفه في اليم. وكان من ذهب وفضة وذلك محق له بالكلية. وقال عن خليله إبراهيم- ﵇: ﴿فجعلهم جذاذا﴾ وهو الفتات. وذلك نص في الاستئصال. وفي مسند أحمد، ومعجم الطبراني وغيرهما من حديت أبي أمامة الباهلي- ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله بعثني رحمة للعالمين، وهدى للعالمين. وأمرني ربي بمحق المعازف والمزامير والأوثان، والصليب، وأمر الجاهلية).لفظ الطبراني. وروى الإمام أبو بكر ابن أبي الدنيا - بإسناده- عن عبد الرحمن بن زبيد بن الحارث.

стр. 237

قال: رأى جدي زبيد بيد جارية من الحي دفأ، فأخذه فضرب به الأرض حتى كسره. وقال: رأيت جدي زبيدًا رأى غلامًا معه زمارة قصب في خذها فشقها. وفي الصحيحين من حديث آبي هريرة مرفوعًا: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية. فهؤلاء رسل الله - صلوات الله وسلامه عليهم- إبراهيم وموسى وعيسى ونبينا صلوات الله وسلامه عليهم - كلهم على محق المحرم وإتلافه بالكلية، وكذلك الصحابة ﵃ أجمعين. قال صاحب المقنع: ومن أتلف مزمارًا أو طنبورًا أو صليبًا أو كسر إناء ذهب أو فضة أو إناء خمر لم يضمنه. وعنه: يضمن آنية الخمر إن كان ينتفع بها في غيره. قال أبو البركات زين الدين ابن المنجا التنوخي: أما كون من أتلف مزمارًا أو طنبورًا أو صليبًا لا يضمنه، فلأن بيع ذلك لا يحل فلم يضمنه كالميتة. ودليل تحريم بيع ذلك كله قول النبي ﷺ : (بعثت بمحق القينات والمعازف) وأما كون من كسر إناء فضة وذهب لا يضمنه فلان اتخاذه محرم فلم يصادف الإتلاف شيئًا مباح البقاء، فلم يضمن كإتلاف الخنزير، ولأنه أتلف ما ليس بمباح فلم يضمنه كالميتة. انتهى. قال المروزي: (قلت لأبي عبد الله: دفع إلي إبريق فضة لأبيعه. ترى أن أكسره، أو أبيعه كما هو) قال: اكسره. وقال: قيل لأبي عبد الله: إنّ رجلًا دعا قومه، فجيء بطشت فيه فضة وإبريق فكسره فأعجب أبا عبد الله كسره. وقال- أيضًا- بعث بي أبو عبد الله إلى رجل بشيء فدخلت عليه فأتي بمكحلة رأسها مفضض فقطعتها. فأعجبه ذلك، وتبسم.

стр. 238

قال ابن القيم: ووجه ذلك، أن الصياغة محرمة: فلا قيمة لها ولا حرمة. و-أيضًا- فتعطيل هذه الهيئة مطلوب. فهو بذلك محسن. (وما على المحسنين من سبيل) انتهى. وقال صاحب المنجا: وأما كونه لا يضمن إناء الخمر على المذهب فلحديث أنس السابق في هذا الفصل من رواية الصحيحين. وقال صاحب الكافي: وإن كسر صليبًا أو مزمارًا لم يضمنه، لأنه لا يحل بيعه في شبه الميتة، وإن كسر أواني الذهب والفضة لم يضمنها، لأن اتخاذها يحرم. فإن كسر آنية الخمر، ففيه روايتان: أحدهما: يضمنه؛ لأنها مال غير محرم، ولأنها تضمن إذا حلت فتضمن إذا كان فيها خمر كالدار والثانية: لا تضمن، لما روى ابن عمر أن النبي- ﷺ أمره بتشقيق زقاق الخمر. رواه أحمد. واختلفت الرواية عن أحمد في كسر دق الصنوج. هل عليه الضمان على روايتين، ذكره في الرعاية الكبرى. انتهى. ونقل أبو عبد الله مهنا بن يحى الشامي عن أحمد ﵀ في رجل دخل منزل رجل فرأى قنينة فيها نبيذ؟ قال: (ينبغي أن يلقي فيها ملحًا أو شيئاً يفسد). قال أبو طالب عمر بن الربيع - في كتابه الأمر بالمعروف-: فإن قيل لنا: يجوز أن نكسر الملاهي؟ قيل: أما الطنبور والعود والطبل والمزمار وما أشبه ذلك. قلنا لنا أن تكسره كله إلاّ الدف وحده وهو المدور الذي ليس به جلاجل، فإن رسول الله- ﷺ قد أذن بالضرب به في العرس فليس ينبغي أن يكر إلا بإذن الإمام وأما آلات الخمر نحو القناني والأقداح والجرار والخواني وما أشبه ذلك مما يصلح أن ينتفع به في غير الفساد، فقد اختلف الناس فيه. فمنهم من قال: لا يكسر. ومن كسر شيئًا عليه قيمته إلاّ الإمام أو أمراؤه، فإن لهم أن يأمروا بكسره، إذا كان في ذلك عقوبة لأهلها، ليكون ذلك زجرًا لهم ولغيرهم، لأن عمر بن الخطاب- ﵃ أمر بحرق بيت خمار وجد فيه خمرًا فلم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك، وكذلك أحرق علي- كرّم الله وجهه- بيت رجل كان يصنع الخمر- كما سيأتي قريبًا- إن شاء الله- تعالى-.

стр. 239

فعلمنا بذلك أن للإمام، أو لنوابه أن يعاقبوا الفساق بكسر آنيتهم، وإن كانوا ينتفعون بها في غير فسقهم. وسيأتي- في الباب الثامن- الكلام على مشروعية التعذير بالعقوبات المالية. ومن العلماء من قال: لجماعة المسلمين أن يكسروا الآنية إذا كان فيها الخمر. فإن قيل: فللمسلمين أن يهرقوا المنكر دون السلطان؟ قيل: نعم إذا رأوا شيئًا من المنكر كان لهم أن يهرقوه، أمرهم السلطان أو لم يأمرهم. قال: ليس بين أهل العلم في ذلك اختلاف من أن لهم كسر هذه الملاهي. فإن قالوا: لم زعمتم أن لكم كسر الملاهي استعمالها، وقد روى مالك - في الموطأ- عن نافع: أن ابن عمر ﵁ كان إذا رأى أحدًا من أهل بيته يلعب بالنرد ضربه وكسرها. ولا ضمان على مستأجر البيت في حك تصاويره، ولا على الداخل في الحمام، إذا فعل ذلك. قال المروذي: (قلت لأحمد: الرجل يكتري البيت، فيرى فيه تصاوير ترى أن يحلها؟ قال: نعم). قال ابن القيم: وحجته ما روى مسلم من حديث أبي الهياج حيان بن حصين الأسدي. قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله- ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالًا إلاّ طمسته. ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سويته. وهذا يدل على طمس الصور في أي شيء كانت. وروى البخاري- في صحيحه- من حديث ابن عباس ﵁ (أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت). وروى - أيضًا - من حديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان لا يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلاّ قصه).

стр. 240

قال أبو عبد الله بن عبد القوي- في النظم: وحل لمن يستأجر البيت حكه التصاوير كالحمام للداخل أشهد. فإن قيل: أرأيتم إن وجدتم بعض الملاهي في بعض الطرق مع قوم يحملونها أو يبيعونها أيجوز أن تكسروها؟ قيل: نعم، لأنها لا تصلح إلاّ للهو الذي حرمه الله، كما أن نهريق الخمر التي حرمها الله إذا وجدناها عند من يشربها أو يبيعها. فإن قيل: أما يجوز أن ينتفع بالملاهي غير اللهو إلاّ بإحراقها بمنزلة الحطب فإذا كسرناها دفعناها إلى صاحبها ينتفع بإحراقها إن شاء. فإن قيل: أرأيتم إن كانت الملاهي لأطفال المسلمين أتكسرونها؟ إذا كانت مثل الآلات التي يلهو بها الرجال كسرناها، كما لو وجد عند أطفال المسلمين خمرًا وجب علينا إراقتها. وقد ضمن الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد القوي غالب ما تقدم ذكره في هذه الدرجة لأبيات من منظومته- في الآداب الشرعية فقال- ﵀: ولا غرم في دف الصنوج كسرته ... ولا صور - أيضًا - ولا آلة الردى وآلة تنجيم وسحر ونحوه ... وكتب حوت هذا وأشباهه أقدد وبيض وجوز للقمار بقدر ما ... تزيل عن المذكور مقصد مفسد ولا شق زق الخمر أو كسر دونه ... إذا عجز الإنكار دون التقدد وإن يتأتى دونه دفع منكر ... ضمنت الذي ينقى بتغسيله قد قال العلماء: (ويحرم التكسب بعمل آلات اللهو والتجارة بها ولو بلا عوض ويؤدب المعطى). قال أبو العباس بن تيمية: (آلات اللهو لا يجوز عملها، ولا الاستئجار عليها عند الأئمة الأربعة) انتهى. فصل - (٢٨): وجوب إنكار المنكر المستتر ويجب إنكار المنكر المعطى إذا تحقق. في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد- ذكرها

стр. 241

صاحب الترغيب، وأبو الحسين محمد بن أبي يعلى وقالا: هي أصح لأننا تحققنا المنكر. (ونص أحمد: أيضًا- في رواية إسحاق، ومحمد بن أبي حرب- في الطنبور، ووعاء الخمر وأشباه ذلك يكون مغطى -يكسره ويتلفه. قال: وفي رواية ابن منصور - في الرجل يرى الطنبور والطبل مغطى، والقنينة إذا كان تبينه أنه طنبور أو طبل أو فيها مسكر كسره. وقال محمد بن أبي حرب: سألت أبا عبد الله- عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه؟ قال: يأمره. فإن لم يقبل يجمع عليه الجيران ويهول عليه. ونقل جعفر عن أحمد في من يسمع صوت الغنى في طريق. قال هذا قد ظهر أن ينهاه. ونقل عنه أي عن أحمد أن ينكر الطبل إذا سمع صوته. ونقل جعفر، عن أحمد بن حمدان- في الرعاية: وقيل: من علم منكرًا قريبًا معه في دار ونحوها دخلها وأنكره. قال أبو العباس بن تيمية: ومن كان قادرًا على إراقة الخمر، وجب عليه إراقتها (ولا ضمان عليه، وأهل الذمة إذا أظهروا الخمر فإنهم يعاقبون عليه - أيضًا - بإراقتها). وشق ظروفها، وكسر أوانيها، وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم. قال ابن مفلح: وهذا ظاهر في إنكار المنكر المستور. ولم نجد فيه خلافًا. قال ابن عبد القوي وغيره: (المستتر من فعل المنكر بموضع لا يعلم فيه غالبًا- إما لبعد ونحوه، وما من يفعله بموضع يعلم به جيرانه ولو في داره فإنّ هذا معلن مجاهر غير مستتر). قال أبو حامد الغزالي: فإن قلت: ما حد الظهور والاستتار؟ فاعلم أن من أغلق بابه

стр. 242

وتستر بحيطانه فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه، لتعرف المصيبة إلاّ أن يظهر في الدار ظهورًا يعرفه من هو خارج الدار كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث يجاوز ذلك حيطان الدار فإن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي، وكذلك إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات المألوفة بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع، فهذا إظهار موجب الإنكار فإذًا إنما يدرك مع تخلل الحيطان صوت أو رائحة فإذا فاحت روائح الخمر، فإن احتمل أن يكون ذلك من الخمر المحترمة فلا يجوز قصدها بالإراقة وإن علم بقرينة الحال أنها فاحت، لتعاطيهم الشراب فهذا محتمل، والظاهر جواز الإنكار. وقد تستر أواني الخمر وظروفه في الكم وتحت الذيل وكذلك الملاهي. فإذا رؤي فاسق وتحت ذيله شيء آخر لم يجز أن يكشف عنه ما لم يظهر بعلامة خاصة، فإن فسقه لا يدل على أن الذي معه خمر إذ الفاسق محتاج - أيضًا- إلى الخل وغيره فلا يجوز أن يتدل بإخفائه وأنه لو كان خلا لما أخفاه. فإن كانت الرائحة فائحة فهذا محل النظر والظاهر أن له الإنكار؛ لأن هذه علامة تفيد الظن، والظن كالعلم في أمثال هذه الأمور وكذلك العود ربما يعرف بشكله، إذا كان الثوب الساتر له رقيقًا، فدلالة الشكل كدلالة الرائحة والصوت، وما ظهرت دلالته، فهو غير مستور بل هو مكشوف، وقد أمرنا بأن نستر ما ستر الله وأن ننكر على من أبدى لنا صفحته انتهى. قال ابن مفلح وجماعة: (إذا فاحت روائح الخمر، فالأظهر جواز الإنكار) قال الغزالي ﵀ والإبداء له درجات: فتارة يبدو بحاسة السمع، وتارة بحاسة الشم، وتارة بحاسة البصر، وتارة بحاسة اللمس. ولا يمكن أن يختص بحاسة البصر بل المراد العلم. وهذه الحواس - أيضًا - تفيد العلم، فإذا إنما يجوز أن يكسر ما تحت الثياب إذا علم أنه خمر، وليس له أن يقول: أرني لأعلم ما فيه، فإنّ هذا هو التجسس الذي نهى الله عنه، ومعناه طلب الأمارات المعرفة: فإن حصلت وأورثته المعرفة جاز العمل بمقتضاها، فأما طلب الأمارة المعرفة فلا رخصة فيه أصلًا. وقال عمر بن الربيع (الخشاب) في كتاب الأمر بالمعروف- في باب الإنكار على أصحاب الملاهي: إذا كان يسمع الناس حتى يصل إليهم في طرقهم ومساجدهم منعوهم بالوعظ، فإن انتهوا وإلاّ كان عليهم أن يعلموا السلطان، فإن فعلهم ذلك في منازلهم إذا كان

стр. 243

يسمعه الناس هو استحقاق بالمسلمين كما لو أظهروا ذلك، لأن أذاه يصل إلى المسلمين وهم في منازلهم، كما يصل إليهم في طرقهم، فيجب على السلطان منعهم بالهجوم عليهم، وأن يعاقبهم بما يرى من العقوبة، فإذا لم يصل المسلمون إلى السلطان أو أحد من نوابه، وجب عليهم الهجوم على أولئك، وليس لهم أن يعاقبوهم، إنما العقوبة للسلطان فإن كان ذلك في منازلهم لا يظهر للناس إلاّ بالخير فليس لهم الهجوم ولكن بالعظة. انتهى. فصل- (٢٩): إختلاف الرواية عن أحمد في وجوب تحريق بيوت تجار الخمر: قال القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى: اختلفت الرواية عن أحمد- ﵀ فيمن تجارته الخمر هل يحرق بيته أم لا؟ على روايتين الأولى يحرق، لما روى أبو عبيد الله ابن بطة- بسنده- عن صفية بنت أبي عبيد، قالت: وجد عمر بن الخطاب- ﵁ في بيت رجل من ثقيف شرابًا، فأمر به عمر فحرق وكان يدعى "رويشدا" فقال عمر: إنك فويسق لست برويشد، وبسنده - أيضًا - عن الحارث بن عبد الله الأعور قال: شهد قوم على رجل عند علي بن أبي طالب - كرم الله وجه- أنه يصنع الخمر في بيته فيشربها، في مر بها "علي" فكسرت وحرق بيته، ونهب ماله، وجلده، ونفاه. قال أبو عبد الله أحمد بن منصور للإمام أحمد ﵀ عن رجل مسلم وجد في بيته خمر؟ قال: يراق الخمر ويؤدب، وإن كانت تجارته تحرق. كما فعل عمر برويشد. وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد. وقد روى يحيى بن يحيى الليثي، عن مالك - أنه قال: لا أرى أن يحرق بيت الخمَّار. وقال: وقد أخبرني بعض أصحابنا أن مالكًا كان يستحب أن يحرق بيت المسلم الخمار، الذي يبيع الخمر. قيل له: فالنصراني يبيع الخمر من المسلمين؟ قال: إذا تقدم اليه فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بيته بالنار. والرواية الأخرى عن أحمد: لا يحرق بيت من تجارته الخمر ولا يتلف، لأنها كبيرة فلا يحرق بيت فاعلها كسائر الكبائر.

стр. 244

قال أبو حامد: فإن قيل: فهلا جاز للسلطان تخريب ديار الفساق زجرًا. قلنا لو ورد الشرع بذلك لم يكن خارجًا عن سنن المصالح ولكنا لا نبتدع المصالح، بل نتبع فيها الشرع وكسر الظروف- وقد كان في بداية الشرع- عند شدة الحاجة إلى الزجر، وتركه بعد ذلك لعدم شدة الحاجة لا يكون نسخًا يزول بزوال العلة ويعود بعودها، وإنما جوزنا ذلك للإمام بحكم الإتباع ومنعنا آحاد الرعية لخفاء وجه الاجتهاد فيه. انتهى. قال حنبل: سمعت أحمد ﵀ سئل عمن يعمل المسكر ويبيعه. ترى أن يحول من الجوار؟ قال، أرى أن يوعظ في ذلك ويقال له. فإن انتهى وإلاّ نهى أمره إلى السلطان حتى يمتنع من ذلك. قال ابن القاسم: سئل مالك ﵀ عن فاسق يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به؟ قال: يخرج من منزله، وتكرى عليه الدار والبيوت قال: فقلت: ألا تباع؟ قال: لا لعله يتوب، فيرجع إلى منزله. قال ابن القاسم: يتقدم إليه مرة، أو مرتين أو ثلاثًا. فإن لم ينته أخرج وأكرى عليه. قال ابن رشيد: قد قال "مالك" في الواضحة: إنها تباع عليه خلاف قوله في هذه الرواية. قال: وقوله فيها أصح، لما ذكره من أنه قد يتوب ويرجع إلى منزله. ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء، أخرج منها، وأكريت عليه، ولم يفسخ كراؤه فيها. قاله في كراء الدار من المدونة. والله أعلم. فصل - (٣٠): كراهة النظر إلى التصاوير وإباحة حكها من على الجدران: وقال أبو بكر المروذي: قلت لأبي عبد الله ﵀ فالرجل يدعى إلى وليمة فيرى ستراً فيه تصاوير؟ قال: لا ينظر إليها. فقلت: نظرت كيف أصنع أحرقه؟ قال: تحرق شيء الناس؟ ولكن إن أمكنك خلعه خلعته. قلت: فالرجل يكتري البيت فيه تصاوير ترى أن يحكها؟ قال: نعم: وقلت إن دخلت حمامًا فرأيت فيه صورة ترى أن أحك الرأس؟ قال: نعم.

стр. 245

وقال أبو الوفا ابن عقيل: سئل أحمد ﵀ هل يجوز تحريق الثياب التي عليها الصور؟ قال: لا يجوز، لأنها يمكن أن تكون مفارش بخلاف غيرها. قال أبو عبد الله بن محمد بن مفلح: فلا يجوز على قول "أحمد" تحريق الثياب التي عليها الصور ولا المرقومة للبسط والدومى ولا كسر حلى الرجال المحرم عليهم إن صلح للنساء ولم يستعمله الرجال. فصل (٣١): لا ضمان في تحريق الكتب كالتي فيها الأحاديث المفتراة على رسول الله: قال ابن القيم: ولا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها. قال أبو بكر المروذي: قلت لأحمد: استعرت من صاحب الحديث كتابًا يعني فيه أحاديث رديئة ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم وذكر أبو عبد الله ابن مفلح، عن ابن عقيل أنه قال- في الفنون -: لا يصح ابتياع الخمر ليريقها، ويصح ابتياع كتب الزندقة لتحريقها، لأن في الكتب مالية الورق. ثم قال ابن مفلح: ومتوجه قول أنه لا يجوز، لأنه استنقاذ كشراء الأسير. وكأن ابن عقيل إنما حكى ذلك عن غيره، فإن لفظه قيل لحنبل: أيجوز شراء الخمر للإراقة؟ قال: لا. قلت: فكتب الزندقة للتمزيق؟ قال: نعم. قيل فما الفرق؟ قال: في الكتب مالية الورق. قال حنبلي جيد الفهم: هذا باطله بآلة اللهو؛ فإن فيها أخشابًا ووترًا ولا يصح بيعها بما فيها من التأليف الذي أسقط حكم مالية الآلة حتى لو أحرقت لم يضمن فهلا أسقطت حكم مالية التأليف الورق كما سقطت مالية الخشب. وقال - في الرعاية-: ويصح أن يشتري كتب الزندقة ونحوها ليتلفها فقط. انتهى. (وقد رأى النبي ﷺ بيد عمر بن الخطاب كتابًا اكتتبه من التوراة وأعجبه موافقته للقرآن فتمعر وجه النبي ﷺ حتى ذهب به عمر إلى التنور في فألقاه فيه.

стр. 246

قال ابن القيم: فكيف لو رأى النبي ﷺ ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنة؟ فالله المستعان. وقد أمر النبي ﷺ : (من كتب عنه شيئًا غير القرآن أن يمحوه) ثم: (أذن في كتابة سنته) ولم يأذن في غير ذلك. وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة: غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها وما على الأمة أضرمنها. وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق؟ . وقال: والمقصود أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر، فإذ ضررها أعظم من ضرر هذه. انتهى وقد سبق معنى هذا قريبًا في قول صاحب النظم، والله أعلم. فصل - (٣٢): في الدرجة الخامسة أدبان وفي هذه الدرجة أدبان- أعني الدرجة الخامسة- أحدهما: أن لا يباشر بيده التغيير ما لم يعجز عن التكليف ذلك بنفسه، فإذا أمكن أن يكلفه المشي في الخروج عن الأرض المغصوبة والمسجد إذا كان جنبًا فلا ينبغي أن يدفعه أو يجره وإذا قدر أن يكلفه إراقة الخمر وكسر الملاهي وحل دروز ثوب الحرير، فلا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه، فإذا لم يتعاط بنفسه ذلك كفى الاجتهاد فيه، وتولاه من لا حجر عليه في فعله.

стр. 247

والأدب الثاني: أن يقتصر في طريق التغيير على القدر المحتاج إليه، وهو أن لا يأخذ بلحيته في الإخراج ولا برجله إذا قدر على جره بيده، فإن زيادة الأذى فيه مستغنى عنه، وأن لا يمزق ثوب الحرير بل يحل دروزه فقط، ولا يحرق الملاهي والصليب الذي أظهره النصارى بل يبطل صلاحيتها للفساد بالكسر، وحد الكسر أن يصير في حالة يحتاج اسئناف إصلاحها إلى تعب يساوي تعب عملها في المرة الأولى من الخشب ابتداء. قاله الغزالي. وقال صاحب الرعاية الكبرى، ويكفي إزالة التأليف، وقطع الوتر يعني من الملاهي. (ونقل "مهنا" عن "أحمد" في رجل دخل منزل رجل فرأى قنينة فيها نبيذ، ينبغي أن يلقى فيها ملحًا أو شيئًا يفسده). وقال القاضي أبو يعلى: وهذا صحيح، لأن بالإفساد قد زال المنكر، وكذلك قال العلماء في كسر بيض القمار والجوز بحيث. لا ينفع للقمار إعاد ة، فإن زاد على ذلك ضمن. وقد تقدم في قول صاحب النظم: وبيض وجوز للقمار بقدر ما ... يزيل عن المنكور مقصد مفسد فصل- (٣٣): الدرجة السادسة من درجات النهي عن المنكر التهديد والتخويف: وأما الدرجة السادسة: فهي بالتهديد والتخويف كقوله: دع عنك هذا، أو لأكسرن رأسك أو لأضربن رقبتك، أو لأفعلن بك كذا وكذا مما يشابه ذلك. قال الغزالي: وهذا ينبغي أن يقدم على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه، والأدب في هذه الدرجة أن لا يهدده بوعيد لا يجوز تحقيقه كقوله: لأنهبن دارك أر لأضربن ولدك أو لأسبين زوجتك، وما يجري مجراه، بل إن قال ذلك عن عزم فهر حرام، وإن قاله عن غير عزم فهو كذب. كما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كتب إلى عكرمة وهو عامله "بعمان" يقول: إياك وأن تتوعد في معصيبة بأكثر من عقوبته، فإنك إن فعلت أثمت وإن لم تفعل كذبت وكلا الأمرين ذميم.

стр. 248

قال أبو حامد: نعم إذا تعرض لوعيده بالضرب والاستحقاق فله العزم عليه إلى حد معلوم يقتضيه الحال، وله أن يزيد في الوعيد على ما هو في عزمه الباطن إذا علم أن ذلك مما يقمعه ويردعه وليس ذلك من الكذب المحذور، بل المبالغة في مثل ذلك معتادة، وهي في معنى مبالغة الرجل في إصلاحه بين شخصين، وتأليفه بين الضرتين، وذلك مما قد رخص فيه للحاجة، وهذا في معناه، وإلى هذا المعنى أشار بعض العلماء إلى أنه لا يقبح من الله -تعالى- أن يتوعد بما لا يفعل، لأن الخلف في الوعيد كرم وإنما يقبح أن يعد بما لا يفعل، وهذا غير مرض عندنا؛ فإن الكلام القديم لا يتطرق إليه الخلف، وعدًا كان أو وعيدًا، وإنما يتصور هذا في حق العباد وهو كذلك إذ الخلف في الوعيد ليس بحرام. انتهى والله أعلم. فصل (٣٤): الدرجة السابعة مباشرة الضرب باليد والرجل بلا شهر سلاح: وأما الدرجة السابعة: فهي مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر المنكر. فينبغي أن يكف فإن احتاج إلى إشهار سلاح وكان في قدرته دفع المنكر بشهر السلاح وبالحرج فإن له أن يتعاطى ذلك. كما لو قبض فاسق مثلًا على امرأة أو كان يضرب بمزمار مثلًا وبينه وبين الآمر نهر حائل أو جدار مانع فيأخذ قوسه ويقول له: خل عنها أو لأرمينك فإن لم يخل عنها فله أن يرميه. وينبغي أن لا يقصد المقتل بل الساق والفخذ وما أشبهه. ويراعى في ذلك كله التدريج، وكذلك يسل سيفه ويقول: اترك هذا المنكر أو لأضربنك، فكل هذا دفع للمنكر. ودفعه واجب بكل ممكن ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق الله وما يتعلق بالأدميين. فقال أبو حامد: فإن قيل: فلو قصد الإنسان قطع طرف من نفسه وكان لا يمتنع عن ذلك إلا بالقتال ربما يؤدي إلى قتله فهل تقاتله عليه؟ فان قلتم: يقاتل فهو محال، لأنه إهلاك نفس خوفًا من إهلاك طرف وفي إهلاك النفس إهلاك الطرف - أيضًا - قلنا يمنعه عنه ويقاتله، إذ ليس غرضًا في حفظ نفسه وطرفه بل الغرض حسم سبل المنكرات والمعاصي،

стр. 249

وقتله في الإنكار ليسر معصية. وقطع طرف نفسه معصية، وذلك كدفع الصائل على المسلم بما يأتي على نفسه، فإنه جائز لا على معنى أن التعدي على درهم من مال مسلم يعدل روح مسلم، فإن ذلك محال ولكن لأن قصد أخذ مال المسلم معصية ومثله في الدفع عن المعصية معصية وإنما المقصود دفع المعاصي. فإن قيل: فلو علمنا أنه لو خلا بنفسه لقطع طرف نفسه فلينبغي أن يقتله في الحال؛ حسمًا لباب المعصية: قلنا: ذلك لا يعلم يقينًا ولا يجوز سفك دمه بتوهم معصية ولكننا إذا رأيناه في حالة مباشرة القطع دفعناه، فإن قاتلنا قاتلناه ولم نيال ما يأتي على روحه، وقالت المعتزلة: ما لا يتعلق بالآدميين فلا، إنكار فيه إلاّ بالكلام أو بالضرب لكن للإمام لا للآحاد. قال بعض العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على العوام من الناس. وهذا قول ضعيف؛ فإن الأمر والاستطاعة عامان في حديث طارق بن شهاب السالف في الباب الأول وغيره ولا وجه للتخصيص والله أعلم. فصل - (٣٥): الدرجة الثامنة للنهي عن المنكر الاستعانة بأعوان من أهل الخير لإزالة المنكر: وأما الدرجة الثامنة: فهي أن لا يقدر على إزالة المنكر بنفسه، ويحتاج فيه إلى أعوان يستعين بهم من أهل الخير فإن لم يزل المنكر في عوان السلطان وغيرهم من أهل الشر يشهرون السلاح. وربما يستمد الفاسق- أيضًا- بأعوانه ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا، فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن الإمام فقال قائلون: لا ينكر أحد بسيف إلاّ مع ذي سلطان، ولا يستقل آحاد الرعيَّة بذلك لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وهيجان الفساد وخراب البلاد. وقال آخرون: لا يحتاج إلى إذن الأمام. قال أبو حامد: وهو الأقيس، لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وأوائل درجاته تجر إلى ثوان والثواني إلى ثوالث) وقد ينتهي إلى التضارب لا محالة والتضارب يدعو إلى التعاون فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف، ومنتهاه، تجنيد الجنود في رضى الله - تعالى - ودفع معاصيه.

стр. 250

ثم قال- ﵀ ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار، قمعًا لأهل الكفر فكذلك قمع أهل الفساد جائز، لأن الكافر لا بأس بقتله، والمسلم إن قتل فهو شهيد، وكذلك الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر المحق إذا قاتل الفاسق المناضل عن فسقه وقتل مظلومًا فهو شهيد وعلى الجملة: فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يعتبر به قانون القياس بل يقال: كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك. بيده وبسلاحه وبنفسه وبأعوانه، فالمسألة إذًا محتملة. والله أعلم. والمقصود: أن المنكر يبدأ بالأسهل والأرفق فإن لم يزل المنكر وزاد بقدر الحاجة: فإن لمن ينقطع أغلظ فيه فإن زال وإلاّ دفعه إلى ولي الأمر- كما سبق: - وإذا انجر الأمر إلى الاستعانة فلا يستعان بأهل الأهواء والبدع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا في شيء من أمور المسلمين. قال أبو الحسين بن أحمد بن الفضل: (دخلت على أحمد بن حنبل ﵀ فجاء رسول الخليفة، فسأله عن الاستعانة بأهل الأهواء فقال "أحمد" لا يستعان بهم. فقال: يستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بهم؟ قال: إن اليهود والنصارى لا يدعون إلى أديانهم وأصحاب الأهواء داعية، ذكره البيهقي في مناقب أحمد، وكذلك ابن الجوزي. قال أبو العباس بن تيمية: فالنهي عن الاستعانة بالداعية لما فيه من الضرر على الأمة. انتهى. قال ابن مفلح: وهو كما ذكرنا - في جامع الخلال - عن الإمام أحمد أن أصحاب بشر المريسي وأهل البدع والأهواء لا ينبغي أن يستعان بهم في شيء من أمور المسلمين فإن في ذلك أعظم الضرر على الدين والمسلمين. وروي البيهقي في مناقب أحمد بن حنبل، عن محمد بن أحمد بن منصور المروذي: (أنه استأذن على أحمد بن حنبل، فأذن فجاء أربعة رسل المتوكل يسألونه، فقالوا: الجهمية يستعان بهم على أمور السلطان أولى أمر اليهود والنصارى. فقال أحمد: أما الجهمية فلا يستعان بهم على أمور السلطان قليلها ولا كثيرها، وأما اليهود والنصارى فلا بأس أن يستعان
следующие страницы →