Полный текст (502 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قال ابن القيم: فكيف لو رأى النبي ﷺ ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنة؟ فالله المستعان.
وقد أمر النبي ﷺ : (من كتب عنه شيئًا غير القرآن أن يمحوه) ثم: (أذن في كتابة سنته) ولم يأذن في غير ذلك.
وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة: غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها وما على الأمة أضرمنها. وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق؟ .
وقال: والمقصود أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر، فإذ ضررها أعظم من ضرر هذه. انتهى وقد سبق معنى هذا قريبًا في قول صاحب النظم، والله أعلم.
فصل - (٣٢): في الدرجة الخامسة أدبان
وفي هذه الدرجة أدبان- أعني الدرجة الخامسة- أحدهما: أن لا يباشر بيده التغيير ما لم يعجز عن التكليف ذلك بنفسه، فإذا أمكن أن يكلفه المشي في الخروج عن الأرض المغصوبة والمسجد إذا كان جنبًا فلا ينبغي أن يدفعه أو يجره وإذا قدر أن يكلفه إراقة الخمر وكسر الملاهي وحل دروز ثوب الحرير، فلا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه، فإذا لم يتعاط بنفسه ذلك كفى الاجتهاد فيه، وتولاه من لا حجر عليه في فعله.
стр. 247
والأدب الثاني: أن يقتصر في طريق التغيير على القدر المحتاج إليه، وهو أن لا يأخذ بلحيته في الإخراج ولا برجله إذا قدر على جره بيده، فإن زيادة الأذى فيه مستغنى عنه، وأن لا يمزق ثوب الحرير بل يحل دروزه فقط، ولا يحرق الملاهي والصليب الذي أظهره النصارى بل يبطل صلاحيتها للفساد بالكسر، وحد الكسر أن يصير في حالة يحتاج اسئناف إصلاحها إلى تعب يساوي تعب عملها في المرة الأولى من الخشب ابتداء. قاله الغزالي.
وقال صاحب الرعاية الكبرى، ويكفي إزالة التأليف، وقطع الوتر يعني من الملاهي.
(ونقل "مهنا" عن "أحمد" في رجل دخل منزل رجل فرأى قنينة فيها نبيذ، ينبغي أن يلقى فيها ملحًا أو شيئًا يفسده).
وقال القاضي أبو يعلى: وهذا صحيح، لأن بالإفساد قد زال المنكر، وكذلك قال العلماء في كسر بيض القمار والجوز بحيث. لا ينفع للقمار إعاد ة، فإن زاد على ذلك ضمن.
وقد تقدم في قول صاحب النظم:
وبيض وجوز للقمار بقدر ما ... يزيل عن المنكور مقصد مفسد
فصل- (٣٣): الدرجة السادسة من درجات النهي عن المنكر التهديد والتخويف:
وأما الدرجة السادسة: فهي بالتهديد والتخويف كقوله: دع عنك هذا، أو لأكسرن رأسك أو لأضربن رقبتك، أو لأفعلن بك كذا وكذا مما يشابه ذلك.
قال الغزالي: وهذا ينبغي أن يقدم على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه، والأدب في هذه الدرجة أن لا يهدده بوعيد لا يجوز تحقيقه كقوله: لأنهبن دارك أر لأضربن ولدك أو لأسبين زوجتك، وما يجري مجراه، بل إن قال ذلك عن عزم فهر حرام، وإن قاله عن غير عزم فهو كذب.
كما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كتب إلى عكرمة وهو عامله "بعمان" يقول: إياك وأن تتوعد في معصيبة بأكثر من عقوبته، فإنك إن فعلت أثمت وإن لم تفعل كذبت وكلا الأمرين ذميم.
стр. 248
قال أبو حامد: نعم إذا تعرض لوعيده بالضرب والاستحقاق فله العزم عليه إلى حد معلوم يقتضيه الحال، وله أن يزيد في الوعيد على ما هو في عزمه الباطن إذا علم أن ذلك مما يقمعه ويردعه وليس ذلك من الكذب المحذور، بل المبالغة في مثل ذلك معتادة، وهي في معنى مبالغة الرجل في إصلاحه بين شخصين، وتأليفه بين الضرتين، وذلك مما قد رخص فيه للحاجة، وهذا في معناه، وإلى هذا المعنى أشار بعض العلماء إلى أنه لا يقبح من الله -تعالى- أن يتوعد بما لا يفعل، لأن الخلف في الوعيد كرم وإنما يقبح أن يعد بما لا يفعل، وهذا غير مرض عندنا؛ فإن الكلام القديم لا يتطرق إليه الخلف، وعدًا كان أو وعيدًا، وإنما يتصور هذا في حق العباد وهو كذلك إذ الخلف في الوعيد ليس بحرام. انتهى والله أعلم.
فصل (٣٤): الدرجة السابعة مباشرة الضرب باليد والرجل بلا شهر سلاح:
وأما الدرجة السابعة: فهي مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر المنكر. فينبغي أن يكف فإن احتاج إلى إشهار سلاح وكان في قدرته دفع المنكر بشهر السلاح وبالحرج فإن له أن يتعاطى ذلك.
كما لو قبض فاسق مثلًا على امرأة أو كان يضرب بمزمار مثلًا وبينه وبين الآمر نهر حائل أو جدار مانع فيأخذ قوسه ويقول له: خل عنها أو لأرمينك فإن لم يخل عنها فله أن يرميه. وينبغي أن لا يقصد المقتل بل الساق والفخذ وما أشبهه. ويراعى في ذلك كله التدريج، وكذلك يسل سيفه ويقول: اترك هذا المنكر أو لأضربنك، فكل هذا دفع للمنكر. ودفعه واجب بكل ممكن ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق الله وما يتعلق بالأدميين.
فقال أبو حامد: فإن قيل: فلو قصد الإنسان قطع طرف من نفسه وكان لا يمتنع عن ذلك إلا بالقتال ربما يؤدي إلى قتله فهل تقاتله عليه؟ فان قلتم: يقاتل فهو محال، لأنه إهلاك نفس خوفًا من إهلاك طرف وفي إهلاك النفس إهلاك الطرف - أيضًا - قلنا يمنعه عنه ويقاتله، إذ ليس غرضًا في حفظ نفسه وطرفه بل الغرض حسم سبل المنكرات والمعاصي،
стр. 249
وقتله في الإنكار ليسر معصية. وقطع طرف نفسه معصية، وذلك كدفع الصائل على المسلم بما يأتي على نفسه، فإنه جائز لا على معنى أن التعدي على درهم من مال مسلم يعدل روح مسلم، فإن ذلك محال ولكن لأن قصد أخذ مال المسلم معصية ومثله في الدفع عن المعصية معصية وإنما المقصود دفع المعاصي.
فإن قيل: فلو علمنا أنه لو خلا بنفسه لقطع طرف نفسه فلينبغي أن يقتله في الحال؛ حسمًا لباب المعصية: قلنا: ذلك لا يعلم يقينًا ولا يجوز سفك دمه بتوهم معصية ولكننا إذا رأيناه في حالة مباشرة القطع دفعناه، فإن قاتلنا قاتلناه ولم نيال ما يأتي على روحه، وقالت المعتزلة: ما لا يتعلق بالآدميين فلا، إنكار فيه إلاّ بالكلام أو بالضرب لكن للإمام لا للآحاد.
قال بعض العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على العوام من الناس. وهذا قول ضعيف؛ فإن الأمر والاستطاعة عامان في حديث طارق بن شهاب السالف في الباب الأول وغيره ولا وجه للتخصيص والله أعلم.
فصل - (٣٥): الدرجة الثامنة للنهي عن المنكر الاستعانة بأعوان من أهل الخير لإزالة المنكر:
وأما الدرجة الثامنة: فهي أن لا يقدر على إزالة المنكر بنفسه، ويحتاج فيه إلى أعوان يستعين بهم من أهل الخير فإن لم يزل المنكر في عوان السلطان وغيرهم من أهل الشر يشهرون السلاح. وربما يستمد الفاسق- أيضًا- بأعوانه ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا، فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن الإمام فقال قائلون: لا ينكر أحد بسيف إلاّ مع ذي سلطان، ولا يستقل آحاد الرعيَّة بذلك لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وهيجان الفساد وخراب البلاد.
وقال آخرون: لا يحتاج إلى إذن الأمام.
قال أبو حامد: وهو الأقيس، لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وأوائل درجاته تجر إلى ثوان والثواني إلى ثوالث) وقد ينتهي إلى التضارب لا محالة والتضارب يدعو إلى التعاون فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف، ومنتهاه، تجنيد الجنود في رضى الله - تعالى - ودفع معاصيه.
стр. 250
ثم قال- ﵀ ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار، قمعًا لأهل الكفر فكذلك قمع أهل الفساد جائز، لأن الكافر لا بأس بقتله، والمسلم إن قتل فهو شهيد، وكذلك الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر المحق إذا قاتل الفاسق المناضل عن فسقه وقتل مظلومًا فهو شهيد وعلى الجملة: فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يعتبر به قانون القياس بل يقال: كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك. بيده وبسلاحه وبنفسه وبأعوانه، فالمسألة إذًا محتملة. والله أعلم.
والمقصود: أن المنكر يبدأ بالأسهل والأرفق فإن لم يزل المنكر وزاد بقدر الحاجة: فإن لمن ينقطع أغلظ فيه فإن زال وإلاّ دفعه إلى ولي الأمر- كما سبق: -
وإذا انجر الأمر إلى الاستعانة فلا يستعان بأهل الأهواء والبدع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا في شيء من أمور المسلمين.
قال أبو الحسين بن أحمد بن الفضل: (دخلت على أحمد بن حنبل ﵀ فجاء رسول الخليفة، فسأله عن الاستعانة بأهل الأهواء فقال "أحمد" لا يستعان بهم.
فقال: يستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بهم؟ قال: إن اليهود والنصارى لا يدعون إلى أديانهم وأصحاب الأهواء داعية، ذكره البيهقي في مناقب أحمد، وكذلك ابن الجوزي.
قال أبو العباس بن تيمية: فالنهي عن الاستعانة بالداعية لما فيه من الضرر على الأمة. انتهى.
قال ابن مفلح: وهو كما ذكرنا - في جامع الخلال - عن الإمام أحمد أن أصحاب بشر المريسي وأهل البدع والأهواء لا ينبغي أن يستعان بهم في شيء من أمور المسلمين فإن في ذلك أعظم الضرر على الدين والمسلمين.
وروي البيهقي في مناقب أحمد بن حنبل، عن محمد بن أحمد بن منصور المروذي: (أنه استأذن على أحمد بن حنبل، فأذن فجاء أربعة رسل المتوكل يسألونه، فقالوا: الجهمية يستعان بهم على أمور السلطان أولى أمر اليهود والنصارى. فقال أحمد: أما الجهمية فلا يستعان بهم على أمور السلطان قليلها ولا كثيرها، وأما اليهود والنصارى فلا بأس أن يستعان
стр. 251
بهم في بعض الأمور والتي لا يسلطون فيها على المسلمين حتى لا يكونوا تحت أيديهم، وقد استعان بهم السلف.
قال محمل بن أحمد المروذي: أيستعان باليهود والنصارى وهما مشتركان ولا يستعان بالجهمي.
قال: يا بني يغتر بهم المسلمون وأولئك لا يفتر بهم المسلمون.
فهذه أركان الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودرجاته التي ينبغي أن يستعملها الآمر الناهي مرتبة من غير تقديم ولا تأخير، كما قال معاوية بن ابي سفيان ﵁: لا أضع سيفي حيت يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيت يكفيني لساني.
فصل- (٣٦): وترتيب درجات النهي عن المنكر مقتبسة من إشارات بعض آيات التنزيل:
وترتيب هذه الدرجات التي ذكرها الإمام الغزالي وغيره وجدت لها شاهدًا من قوله - تعالى-: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب .. ﴾ لأن قوله: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ أي بالمعجزات والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات ﴿وأنزلنا معهم الكتاب﴾ وهو النقل المصدق ببيان شرائع الأحكام و ﴿الميزان﴾ هو العدل: قاله ابن عباس، وقتادة. وهو الحق الذي شهدت به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة؛ كما قال تعالى: ﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه﴾ وقال: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ وقال: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ ولهذا قال في هذه الآية: ﴿ليقوم الناس بالقسط ... ﴾ أي بالحق والعدل وهو إتباع الرسل فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا به، فان الذي جاؤوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق. كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا .. ﴾ أي صدقا في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوؤوا غرف الجنات، والمنازل العاليات، والسرر المصفوفات: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ... ﴾.
стр. 252
قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ يعني السلاح من السيوف والنبال والدروع وغيرها أي وجعلنا لك رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة توحي إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين وبيان إيضاح للتوحيد، وبينات ودلائل فلما قامت الحجة على من تخلف من المشركين شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب رقاب من خالف أمر رسوله وكذب القرآن وعانده.
قوله: ﴿وليعلم الله من يضره﴾ و (يعني يرى من ينصر دينه. ﴿ورسله بالغيب﴾ أي قام بنصرة الدين ولم ير الله ولا الآخرة).
اللهم أيقظنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بترتيب درجاته ووفقنا للقيام به بصدق على اختلاف مراتبه وحالاته، وهب طالحنا للصالح وسامحنا وأنت اللهم مسامح، واغفر ذنوبنا قبل أن تشهد علينا الجوارح، ونبهنا من رقدات الغفلات واستر لنا الفضائح. فمنك الفضل والجود والمنائح ومنا التقصير والخذلان والقبائح.
стр. 253
الجزء الثالث
الباب الثالث: طبقات الناس من الآمرين والمأمورين والمتخلفين
في بيان طبقات الناس من الآمرين والمأمورين والمتخلفين. وأن السالكين طريق الحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بين أهل الفساد من الغرباء المكروهين.
ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها بقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).
ورواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند بزيادة في أوله:
قال النووي: معنى هذا التمثيل أن الأرض ثلاثة أنوع فكذلك الناس.
فالنوع الأول من الأرض: ينتفع بالمطر فتحيا بعد أن كانت ميتًا وتنبت الكلأ فينتفع به الناس والدواب والزرع وكذلك النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحي به قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع.
النوع الثاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي إمساك
стр. 254
الماء لغيرها فينتفع به الناس والدواب. وكذلك النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أذهان ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام وليس لهم اجتهاد في العمل به فهم يحفظونه حتى يجيء أهل النفع والانتفاع فيأخذوه منهم فينتفعوا به فهؤلاء نفعوا الناس بما بلغهم.
والنوع الثالث من الأرض: هو السباخ الذي لا تنبت فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها وكذا النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه فينتفع به غيرهم.
فالمثل الأول. للمنتفع النافع. والثاني للنفاع غير المنتفع. والثالث لغيرهما. انتهى. وقال الخطابي: هذا مثل ضرب لمن قبل الهدى وعلم ثم علم غيره فنفعه الله ونفع به ولمن لم يقبل الهدى فلم ينتفع بالعلم ولم ينفع به. انتهى.
فالناس- حينئذ على ثلاثة أقسام: قسم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقسم مأمورون منهيون. وقسم متخلفون عن ذلك معرضون عما هنالك وكل قسم من هؤلاء ينقسم إلى طبقات معروفة ومراتب مشهورة مألوفة.
أما القسم الأول: فعليهم المدار والمعول فطبقاتهم مختلفة بقدر النيات وتفاوت درجاتهم بحسب الطويات فأرفع هذه الطبقات قدرًا وفخرًا وأعظمها ثوابًا وخيرًا وأجرًا، وأحقها بالقيام في ذلك وأولى خواص الخلق أهل الطبقة الأولى قد علم كل منهم محذور المداهنة على منكر رآه أو سمع به في مكان أعلنه صاحبه وأبداه. وأن القائم بالإنكار المجتهد في حصوله خليفة الله تعالى وخليفة رسوله وهم العلماء العاملون والعباد المتزهدون أرباب القلوب والعزائم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم. قاموا بذلك بمجرد أمر الله ونهيه الذي لا يدعونه. وبادروه خوفًا من قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾.
فهؤلاء لزمهم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الحالات المقصودون بقوله: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾.
وعند كل منهم الرفق فيما أرشد وعلم اقتداء في ذلك بالنبي ﷺ فأهل هذه الطبقة قد
стр. 255
سكنت عظمة الله في قلوبهم. وضمائرهم ظاهرة من سوى محبوبهم يجتمعون على الأمر بالخير والتواصي، حذرًا من يوم الأخذ بالنواصي. لا يخافون سطوة الجبارين وبأسهم. متكلين على فضل الله أن يحرسهم كما قال سبحانه في وصف أهل القوة منهم والصادقين: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾.
وردوا إليه أكرم ورود وأمنوا في وصالهم عاتق الصدود. وأتعبوا الأعضاء في خدمته والجلود، تصافوا فاصطفوا كالجنود. واستلوا سيوف الجهاد من الغمود وقمعوا بالصبر العدو والكنود. وأرغموا بهمتهم أنف الحسود. فسبحان من اختارهم من الكل واصطفاهم. وخلصهم بالإخلاص من كدر الشوائب ومنعاهم فليس المقصود بالمحبة سواهم.
ساروا وخلفت ففانك ما وجدوا ... وبقيت في أعقابهم فإن لم تلحق بعدوا
فما أشرف من أكرمه المولى العظيم. وما أعلى من مدحه في الكلام القديم وما أسعد من خصه بالتشريف والتكريم لمثل هذا فليعمل العاملون. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
الطبقة الثانية: إذ هي من الأولى دانية. وهم قوم من أهل العلم والعمل والقيام بما يرضي الله- متلبسون بما يستحب من الأخلاق المحمودة تاركون ما كره لهم من تعدي الأمور المحدودة.
فهم لغوامض الأحكام فاقهون، وإلى الأمر بالمعروف سابقون، فترى أحدهم للنهي عن المنكر يلازم، ومع الأذى لا تأخذه في الله لومة لائم. أحوالهم في ذلك عجيبة وهممهم في المبادرة إليه غريبة. لكن عندهم حدة في تغييرهم، وصلابة زائدة في أمر دينهم، ففاتهم الرفق الذي لم يكن في شيء إلا زانه ولا ينزع من أمر مندوب إلا شانه.
فهم- مع ذلك- قريبون ممن قبلهم إذ كان سعيهم مشكورًا: ﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا﴾.
الطبقة الثالثة: قوم عالمون بما يأمرون عارفون بما يقولون ويفعلون لكنهم بالآفات المفسدة للأمر والنهي جاهلون. فترى الواحد منهم بالظن السيئ خصيصًا، وعلى التجسس على آهل المنكر حريصًا، محتقرًا لمن ينكر عليه، ناظرًا بعين الازدراء والتجبر إليه.
الطبقة الرابعة: قوم صالحون أخيار مؤمنون أتقياء أبرار غير أنهم لا يعرفون قواعد
стр. 256
الأمر بالمعروف، ولا يحققون مراتب النهي عن المنكر الموصوف. فهؤلاء بجملتهم قسمان على مقتضى طبع الإنسان.
الأول عندهم: الرفق في أمرهم ونهيهم. صابرون على الأذى في سرهم وجهرهم.
والثاني: تقيمهم إلى ذلك الغيرة الإسلامية وتحملهم عليه الأنفة الدينية، على أن كلامهم يشتمل الطيش والعجلة والشدة والعنف فيما قاله أو فعله. إذا نزل بهم ما يكرهون لا يحتملون ولا يصبرون. مرتكبون. بالسب واللعن والغيبة محظورًا فيرجع كل منهم آثمًا مأزورا. كما قيل:
يا عبيد السوء ماذا دينكم ... إن هذا الدين عنكم قد قلص
غاية المنكر في تعريفكم ... وبياض خالف اللون برص
الطبقة الخامسة: قوم من العوام رزقوا حظًا من القبول بين الأنام، يأمرون وينهون خبطًا، ولا يعرفون للمأمورات والمنهيات شرطًا. فمن أرضاهم لم يناصحوه، ومن أغضبهم لا يتركوه وما علموا أن الجاهل يأمر وينهى للرئاسة فيفسد، والعالم يأمر وينهى للسياسة فيرشد.
الطبقة السادسة: وهم- في الجهل بالآمر والنهي كالخامسة لكنهم أهل الأسواق وعامة الناس على الإطلاق يهيجهم على إنكار المنكر عقد الإيمان فينكرونه مع غفلتهم عما يقولونه ويفعلونه.
كل منهم قد راح في المعاصي وغدا وممار عند العلماء بجهله مقيدًا:
كيف يجتمع قلب قد صار في الهوى مبددا ... كيف يلين وقد أمسى بالقساوة جلمدا
الطبقة السابعة: دون التي قبلها لخستها ودناءة أهلها وهم قوم نصبوا أنفسهم لذلك رياء وسمعة واكتسابًا للمحامد بين الناس والرفعة واستجلابًا لقلوبهم استجلابًا لمحبوبهم. قد تزيوا بزي الصالحين، ولبسوا لباس المتقشفين، فمنهم من يقوم بذلك عند نظر الخلق إليه. ويتركه إذا لم ير أحدًا لديه. فهم في الجمع يأمرون وينهون إظهارًا للغضب لله من اقتراف السيئات معلنين الأسف على ارتكاب الخطيئات. وصاروا عارًا على المتعبدين ومقتًا للطوائف المتزهدين، لأن قيامهم محض لأجل الناس، فيا شقاءهم بما حصل لهم من الافلاس.
وأهل هذه الطبقة فريقان:
أحدهما: عالمون بما يأمرون.
стр. 257
والثاني: جاهلون بما يقولون ويفعلون.
قتل الجهل أهله ونجا كل من عقل ... فاغتنم دولة الشباب واستأنف العمل
فكفى الله المؤمنين شرهم إما بصلاحهم أو بالراحة منهم.
الطبقة الثامنة: القبيحة حيث لم يكن لأهلها نية صحيحة يقومون بذلك على الضعفاء ويقصرون عن الآقوياء الشرفاء. مع قدرتهم في ذلك عليهم وإلقاء محض النصيحة إليهم. وهم ممن يحابي الأصحاب ويراعي ذوي الهيئات والأنساب. وما ذلك إلا لغرض مذموم، وأمر شيطاني مكتوم.
فصل- (١) طبقات المنهيين:
وأما القسم الثاني وهم المنهيون المأمورون الذين- بالمعاصي - يؤمنون فكما أن الآمرين على طبقات، بتفاوت المقامات، فكذلك المأمورون باختلاف الحالات.
الطبقة الأولى: وهم بعض الخلفاء والسلاطين والأمراء والمتجبرين وأرباب الحكم والرئاسة والمنتمين إليهم من أهل الفخر والنفاسة.
وكل منهم يقصد أذى من يأمره بحبسه، ويتسلط عليه بتجبره على الله وسوء أدبه. فهذا ممن لا يترك العصيان ولا يرجع بجبروته عن الطغيان حيث ذمه الله في كتابه وعمم قوله: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم﴾. ذهبت لذاتهم بما ظلموا وبقي العار، لا راحة لهم ولا سكون ولا قرار، شيدوا بنيان الأمل، وإذا به قد انهار ﴿سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار﴾.
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سو، في معيشتها ... خير في لذة من بعدما النار
يا عظيم المعاصي، يا مخبطًا جدًا، يا ظالمأ ما عتى وتعدى.
وكم جاوز حدًا، وكم أتى دنيا عمداا! .
يا أسير الهوى وقد أصبح له عبدًا، يا ناظمًا خرزات الأمل في سلك المنى عقدًا، يا معرضًا عما قد حل قد حل عقدًا.
стр. 258
وأنشدوا:
لا ينفع الوعظ قلبًا قاسيًا أبدا ... وهل تلين لقلب الواعظ الحجر
قال بعضهم: من التعذيب تهذيب الذئيب.
قال علماء التفسير- عند قوله - تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم وبئس المهاد﴾.هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوًا كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (كفى بالمرء إثمًا أن يقول له أخوه اتق الله فيقول: عليك بنفسك مثلك يأمرني ويوصيني. و (أخذته) أي حملته. و (العزة) القوة والغلبة. وقيل الحمية. وقيل المنعة وشدة النفس، أي اعتز في نفسه فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته).
قال قتادة: المعنى إذا قيل له: مهلًا ازداد إقدامًا على المعصية.
قال القرطبي: والمعنى حملته العزة على الإثم. وقيل أخذته العزة بما يؤثمه. أي ارتكب الكبر للعزة وحمية الجاهلية. ونظيره قوله تعالى: ﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾.
وقيل الباء في قوله (بالإثم) بمعنى اللام أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه وهو النفاق.
قال بعض العارفين: هؤلاء قوم استولى عليهم التكبر وزال عنهم خضوع الإنصاف فشمخت أنوفهم عن قبول الحق فإذا أمرته بمعروف قال: ألمثلي يقال هذا؟ ! وأنا كذا وكذا وأنت أولى بأن تؤمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فإن من حالك وقصتك كذا وكذا، ولو ساعده التوفيق وأدركته الرحمة لتقلد المنة لمن هداه إلى رؤية خطئه ونبهه عن سوء وصفه.
قوله تعالى: ﴿فحسبه جهنم﴾ أي كافيه عقابًا وجزاءَا. (المهاد) الموضع المهيأ للنوم وسميت جهنم مهادًا. لأنها مستقر الكفار وكان عمر بن الخطاب إذا قرأ هذه الآية قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
ذكر أبو عبد الله القرطبي أن يهوديًا كانت له حاجة عند هارون الرشيد فاختلف إلى بابه سنة فلم يقض حاجته فوقف يومًا على الباب فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين، فنزل هارون عن دابته وخر ساجدًا فلما رفع رأسه أمر
стр. 259
بحاجته فقضيت. فلما رجع قيل له: يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودي؟ قال: لا ولكن ذكرت قول الله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾.
فالذي يجب على المأمور بالمعروف المنهي عن المنكر أن يتلقى الأمر والنهي بالقبول من غير أن يتأثر بعزة نفس وتكبر يمنعه من قبول الحق. وألا يلقى النصح بالشر فيعمه الذم والتوعد، قال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه﴾.
وقال الله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون﴾، أي لا أجد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وعلاماته فتهاون بها وأعرض عنها وعن قائلها ونسي ما قامت يداه من الكفر والمعاصي فلم يتب منها ولا رجع عن غيه.
غه
وقد كان السلف يحبون من أمرهم ونهاهم وأهدى إليهم عيوبهم.
كما قال عمر بن الخطاب ﵁: رحم الله امرءًا أهدى إلينا مساوئنا، وكان يقول: رحم الله امرءًا أهدى إلي عيوبي.
وكان يسأل سلمان الفارسي عن عيوبه لما قدم عليه وقال: ما الذي بلغك عني مما كرهته؟ فاستعغاه فألح عليه. قال: سمعت أنك جمعت بين أدمين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل. قال وهل بلغك غير هذا؟ قال: لا. قال: أما هذان فقد كفيتهما.
قال عمر- أيضًا - في خطبة خطبها: لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين؟ قال ذلك ثلاثًا فقام علي فقال: يا أمير المؤمنين كنا نستتيبك فإن تبت قبلناك. قال فإن لم افعل؟ قال: إذن نضرب الذي فيه عيناك. فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من إذا اعوججنا أقام أودنا.
وكان عمر- أيضًا - يسأل حذيفة ويقول: أنت صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين فهل ترى علي من آثار النفاق شيئًا؟
قال رجل لعمر بن عبد العزيز: رأيتك تسحب ذيلك، قال: فهلا قلت لي؟ قال: هبتك قال: أما علمت أن لقائل الحق من الله سلطانًا؟ .
стр. 260
وقال الحسن البصري: كان بين "عمر" وبين رجل كلام في شيء. فقال له الرجل: اتق الله يا أمير المؤمنين. فقال له رجل من القوم: تقول لأمير المؤمنين: اتق الله! قال: دّعه فليقلها لي، نعم ما قال. ثم قال "عمر": لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم.
قال الحسن- أيضًا - المسلم أخو المسلم يبصره عيوبه ويغفر له ذنوبه، إن من كان قبلكم من السلف الصالح يلقى الرجلُ الرجلَ فيقول يا أخي ما كل ذنوبي أبصر، ولا كل عيوبي أعرف فإذا رأيت خيرًا فمرني وإذا رأيت شرًا فانهني. وقال الإمام أحمد: لا نزال بخير ما كان في الناس من ينكر علينا.
وقال بعض السلف: رحم الله من بصرني عيوبي، فإن النفس تعمى عن عيبها.
وقال يحيى بن معاذ- قدس الله روحه: اجعل (حبيبك) من عرفك العيوب. وصديقك من حذرك الذنوب. وقال بعضهم: من أحبك نهاك، ومن أبغضك ما نهاك.
وكان داود الطائي قد اعتزل الناس فقيل له: ألا تخالط الناس؟ فقال: ماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي.
قال بعضهم: كلمة لك من أخيك خير لك من مال يخذيك، فإن الحكمة تحييك والمال يطفيك.
وروى البيهقي- بسنده - عن الاوزاعي - قال: سمعت بلال بن سعد - رحمة الله عليه- يقول: أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في يدك دينارًا.
وقال "القمان" لابنه: لأن يضربك الحكيم فيؤذيك، خير من أن يدهنك بدهن طيب.
والمقصود أنه كان أمنية ذوي الدين أن ينبهوا غيرهم، وأن يبذل لهم النصح.
وقد آل الأمر إلى أن بقي أبغض الناس إلينا من ناصحنا وعرفنا عيوبنا، وكاد يكون هذا مفصحًا عن ضعف الإيمان وعدم العرفان، فإن الأخلاق السيئة حيات وعقارب لداغة. ولو نبهنا منبه على أن تحت ثوب أحدنا عقربًا لتقلدنا منته، وفرحنا بذلك واشتغلنا بإبعاد العقرب وقتلها مع أن نكايتها على البدن لا تستمر إلا يومًا أو دونه. ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب ونخشى أن تدوم غوائلها بعد الموت أبد الآباد. ثم إننا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا يشتغل بإزالتها بل يشتغل بمعاملة الناصح بمثله. وتقول: وأنت - أيضًا - تصنع كيت وكيت، وتشعل العداوة معه عن الانتفاع بنصحه.
стр. 261
كما قال بعض السلف: الأحمق يغضب من الحق، والعاقل يغضب من الباطل.
قال أبو حامل الغزالي ﵀: فمن ذمك وأظهر لك النصح لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون قد صدق فيما قال، قصد النصح والشفقة - وإما أن يكون صادقًا ولكن قصده الإيذاء والتعنّت، أو يكون كاذبًا.
(فإن كان صادقًا وقصده النصح) فلا ينبغي أن تذمه، وتغضب عليه وتحقد بسببه، بل ينبغي أن تتقلد (منته) فإن من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إلى معرفة الصفة المهلكة حتى تنقيها فينبغي أن تفرح به، وتشتغل بإزالة الصفة المذمومة عن نفسك إن قدرت عليها. في ما اغتمامك بسببه، وكراهتك له، وذمك إياه غاية الجهل.
وإن كان قصده التعنت فأنت قد انتفعت بقوله، إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلًا به أو ذكرك عيبك إن كنت غافلًا عنه، أو قبحه في عينك، لينبعث حرصك إلى إزالته إن كنت قد استحسنته. وكل ذلك أسباب سعادته وقد استفدته منه. فمهما قصدت الدخول على ملك وثوبك ملوث بالعذرة وأنت لا تدري، ولو دخلت عليه كذلك لخفت أن يجز رقبتك، لتلويثك مجلسه بالعذرة. وقال لك قائل: أيها الملوث بالعذرة طهر نفسك، فينبغي أن تفرح به، لأن تنبيهك بقوله غنيمة.
وجميع مساوئ الأخلاق مهلكة في الآخرة، والإنسان إنما يعرفها من قول أعدائه فينبغي أن يغتنمه.
وأما قصد العدو التعنت فجناية منه على دين نفسه وهو نعمة منك عليك - فلم تغضب عليه بفعل انتفعت أنت به، وتضرر هو به؟
الحالة الثالثة: أن يفتري عليك بما أنت بريء منه عند الله فينبغي أن لا تكره ذلك العيب ولا تشتغل بذمه، بل تتفكر في ثلاثة أمور:
أحدها: أنك خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله، وما ستر الله من عيوبك أكثر، فاشكر الله، إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك بذكر ما أنت بريء منه عند الله.
الأمر الثاني: أن ذلك كفارات لبقية مساوئك وذنوبك وكأنه رماك بعيب أنت بريء منه وطهرك من ذنوب أنت ملوث بها. وكل من اغتابك فقد أهدى إليك حسناته، وكل من مدحك فقد قطع ظهرك - فما بالك تفرح بقطع الظهر، ولا تفرح بهدايا الحسنات التي تقربك إلى الله.
الأمر الثالث: أن السكين جنى على دينه حتى سقط من عين الله وأهلك نفسه
стр. 262
بافترائه وتعرض لعقابه الأليم، فلا ينبغي أن تغضب مع غضب الله عليه فتشمت الشيطان به وتقول: اللهم أهلكه، بل ينبغي أن تقول: اللهم أصلحه اللهم تب عليه- كما قال ﷺ حين شجعه قومه وضربوه: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
ودعاء إبراهيم بن أدهم لمن شج رأسه بالمغفرة: (فقيل له في ذلك) فقال اعلم أني مأجور على ذلك فلا أرضى أن يكون هو معاقبًا بسببي. انتهى.
فسبحان من أغوى وأرشد، وأشقى وأسعد، ونسأله - تعالى - أن يعرفنا طريق رشدنا، ويبصرنا بعيوب أنفسنا، ويوقظنا بشكر من يطلعنا عليها بفضله وإحسانه وجوده وامتنانه فهو الحاكم في جميع الأفعال، اللطيف الكبير المتعال.
ولنرجع - الآن - إلى طبقات المأمورين بالمعروف المنهيين عن المنكر.
الطبقة الثانية: من ليس له وجاهة بين العوام لكنهم أوغاد أغمار لئام مرفوعون على الناس ببعض وصلة بالدولة ولكل منهم بحسب إيصاله صولة ذكرهم بالقبائح قد ملأ الأقطار ويكفيهم اتسامهم بالأشرار فإن أمروا أو نهوا لا يسمعون وإن أرهبوا لا يرهبون.
كما قيل:
إذا غلب الشقاء على السفيه ... تنطع في مخالفة الفقيه
فقد أنفذ الله تعالى حكمه فيهم وأبرم، وقصه في كتابه العزيز الذي أنزله وأحكم، فقال عز من قائل - فيمن سبق قضاؤه فيهم بدمارهم، وجرى القلم في القديم ببوارهم: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم﴾ ثم قال: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون﴾ ﴿لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون﴾.
قال للمقيمين على معاصيهم وجهلهم، الناسين من سبقهم من أهلهم، المصرين على قبح فعلهم.
стр. 263
نظم:
إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة ... كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر
فهم قوم إذا ذكروا لا يذكرون وإذا وعظوا لا يتعظون.
ولبعضهم في كان وكان:
وإن تكن يا بني معنا على فؤادك قد ختم ... فليسف لى فيك حيلة فضل الدواء قد فات
كم لعب الردى بمثلهم، وتولع في اجتثاث أصلهم، افترى ما يكفي في توبيخهم وعزلهم: ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾.
ولبعضهم:
إن كان غيرك قد أجاب الداعي ... كأنني بك قد تعالى الناعي
قد طال باعك والمنية بعدها ... فليس إذا طالت قصيرة باعي
وملأت سمعك بالمواعظ ظاهرًا ... حتى اشتهرت به وليسر بواعي
تسعى بنفسك في المتالف جاهدًا ... لا تفعلن وأرفق بها يا ساعٍ
كم قد غررت بظاهر متجمل ... مثل الشراب جرى ببطن القاع
وقال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به والمعنى أن هذا الكافر إن زجرته لا ينزجر وإن تركته لم يهتد. فالحالتان كحالتي الكلب إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثًا، وإن ترك كان لاهثًا. قال القتيبي: كل شيء يلهث وغن يلهث ففي إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وفي حالة الري وفي حالة العطش فضربه الله مثلًا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث. وذكر الواحدي، وغيره (عند) تفسير قوله- تعالى-في قصة بلعام بن باعور: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾. عن ابن عباس معناه: إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتد لخير كالكلب إن كان راضيًا لهث وإن طرد لهث.
وقال الحسن: هو المنافق لا ينيب إلى الحق دعي أم لم (يدع)، وعظ أو لم يوعظ،
стр. 264
وذلك أن بلعام زجر ونهي عن الدعاء على موسى فلم ينزجر ولم ينتفع بالزجر فحصل له ما حصل.
وقال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها﴾ أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات الله فتهاون بها واعرض عن قبولها ﴿ونسي ما قدمت يداه﴾ أي ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها. والنسيان - هنا - الترك.
فانظر لنفسك قبل أن يعمى الناظر وتفكر في أمرك بالقلب الحاضر، فشتان بين الفساق وأهل الصلاح. أين أهل الخسران من أرباب الأرباح؟ فالمعصية ليل مظلم، والطاعة مصباح.
الطبقة الثالثة: قوم طمس الله على قلوبهم فلم يهدهم إلى نظر عيوبهم، يؤمر أحدهم فلا يسمع وينهى عن المنكر فلا يرجع ولا ينزع.
كما قيل: لا تعذليه فإن العذل يولعه ... قد قلت حقًا ولكن ليس يسمعه
بل يتول لآمره مقالة مفترى:
يا هذا أنت ما تدخل ني تبري، عليك في الأمر بنفسك وأصلح ما فسد من أهلك وكل شاة معلقة بعرقوبها.
فذلك من أقبح خطيات النفس وذنوبها، ومن قسي قلبه صمت مسامعه عن المواعظ حتى ينفذ القدر. ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾.
فهذا ممن ينادي عليه لسان الكون في كل أوان ولحظة وساعة وزمان: يا حاملًا من الذنوب أثقالا، يا مطمئنًا ستنقل لابد انتقالا، يا مرسلًا عنان لهوه في ميدان زهوه إرسالا، كأنك بعينيك حين عرض الكتاب عليك قد سالا.
وأنشدوا:
فشغلت بالشهوات منك خواطرا ... وفررت من نمح الصيح وعتبه
أغضبت ربك في خلافك أمره ... فبقيت من رهط اللعين وحزبه
فارجع إليه بتوبة وندامة ... إن السلامة كلها في قربه
стр. 265
وعظ:
أين المعترف بما جناه؟ أين المعتذر إلى مولاه؟ أين التائب من خطاياه؟ أين الآيب من سفر هواه؟ نيران الاعتراف تأكل حطب الاقتراف، مناجيق الزفرات تهدم حصون السيئات، مياه الحسرات تغسل أنجاس الخطيات. فإن طلبت النجاة دم على قرع الباب، وزاحم أهل التقى والآداب، ولا تبرح وإن لم يفتح، فرب نجاح بعد الإياس، ورب غنى بعد الإفلاس فإذا تبت من ذنوبك فاندم على عيوبك، وامح بدموعك قبيح مكتوبك.
الطبقة الرابعة: قوم أصروا على معاصيهم - استكبارًا - يقاتلون من يأمرهم بالقول السيء جهارًا كما شوهد ونسمع مرارًا مثل قول بعضهم: ممار فرعون مذكرًا! ! . أو بقي هامان في زماننا آمرًا. ثم يحمله شيطانه إلى التعدي إلى البهتان، فيقول لآمره: نسيت نفسك "لا إله إلا الله" يا فلان.
فيذكرون هذه الكلمة العظيمة في ذا المقام، وما يشعرون بما عليهم من الآثام كأ نهم - من جهلهم - لا يعلمون. صم بكم عمي فهم لا يعقلون.
يا من هو في لجة بحر الهوى يسبح ... جملك بما آنت في أقبح
ستبكي على خسرانك إذا رأيت من يربح .... أيستوي ليل وفجر قد أصبح
يا من يدعى إلى نجاته فلا يجيب، يا من قد رضي أن يخسر ويخيب إن أمرك طريف وحالك عجيب. وأنشدوا:
فقلبك قلب لا يلين لواعظ ... ذنوبك والزلات في الكتب تكتب
فلو كنت تدري نحت مع كل نائح ... وكنت على التفريط في الليل- تندب
ولكن حلم الله غرك يا فتى ... فأصبحت في الدنيا تخوض وتلعب
فمن كتب عليه العطب كيف يسلم؟ ومن عمي قلبه كيف يفهم؟ ومن أمرضه طبيبه كيف لا يسقم؟ ومن أعوج- في أصل وضعه - فبعيد أن يتقوم ومن خلق للشقاء فللشقاء يكون.
لقد نودي على المطرودين لكن لا يسمعون! ! خاب المتجهرمون بالمعاصي، وفاز ﴿وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾.
يا معرضًا عن لوم من لام، وعتب من (لحا) لقد أتعبت النصحاء الفصحاء
стр. 266
أما وعظت بما يكفي؟ أما رأيت من العبر- ما يشفي؟ يا من بين يديه يوم لا شك فيه ولا مرى، يقع - فيه - الفراق وتنفصم العرى، تدبر أمرك قبل أن تحضر وترى، وانظر لنفسك نظر من قدمهم ما جرى، قبل أن يغضب الحاكم والحاكم رب الورى: ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا﴾
الطبقة الخامسة: من يقبل الأوامر والنواهي علانية وجهرًا، وإذا ارتكب الذنوب خفية وسرًا، فيكون قبوله للأمر والنهي تقية، وإذا غاب عمن يأمره عاد إلى البرية، حيث لا يكون أحد مما يخافه لديه، فيجعل الله- تعالى- أهون الناظرين إليه كما قيل:
إذا ظلمة الليل انجلت بصفائها ... تعود لعينيه ظلامًا كما هيا
فهذا الصنف ثري ممن قال الله فيهم: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾.
يا منعكفًا على ذلله وذنبه، لا يؤثر عنده أليم عتبه، يا من يبارز مولاه بما يكره، ويخالفه في أمره آمنًا مكره، يا من قبائحه ترفع عشيًا وبكرة، يا قليل الزاد ما أطول السفرة، والنقلة قد دنت والمصير إلى الحفرة.
متى تعمل في قلبك المواعظ، متى تراقب العواقب وتلاحظ؟ ! أما تحذر من أوعد وتهدد، أما تخاف من أنذر وتشدد، متى تضرم نار الحرب في قلبك وتتوقد، إلى متى بين القصور والغواني تتردد.
يا سكران الهوى، والى الآن ناصحًا، يا مفني زمانه الشريف لهوًا ومرحًا، يا من كلما بنى نقض، وحيثما رفع انخفض- يا عجيب الداء والمرض، كم مضرور بعد النفع. كم مدفوع عن إعراضه أقبح الدفع - أسفًا لمن إذا ربح العاملون خسر، وإذا أطلق المتقون أسر.
الطبقة السادسة: من يسمع ويطيع وتؤثر فيه المواعظ، والتقريع، فيحدث توبة خالصة في الوقت، رغبة في الثواب ورهبة في المقت ولا يتأخر- عن ذلك - ساعة ولا دقيقة، ويعقد مع الله عهودًا أكيدة ووثيقة بعدم العودة إلى ما كان عليه، وندم على ما أسلف من الذنوب بين يديه.
ويحل عقد الأسرار، ويكثر من ذكر الله والاستغفار.
стр. 267
فصل (٢): أقسام التائبين الذين تأثروا بالموعظة:
فأهل هذه الطبقة إلى أربعة أنوع ينقسمون، وفي ملازمة الإنابة يفترقون.
أ- فتائب يستقيم على التوبة إلى آخر عمره، متدارك لفارط أمره؛ وهذه استقامة على التوبة النصوح الموصلة إلى المقام المربوح. وصاحبها سابق بالخيرات، مبشر بتبديل السيئات. فائز بما أولاه مولاه (ونوله) يقول النبي ﷺ : (التائب من الذنب، كمن لا ذنب له).
وتائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات، وترك كبائر الفواحش والزلات وليس ينفك عن ذنوب تعتريه، وخطيئات ترديه. عن غير إرادة وقصد، ولا معاندة وعمد. وإذا أتى شيئًا من ذلك ندم على ما هنالك، فهو ممن لهم حسن الوعد على لسان سيد الأمم. بقوله تعالى: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش﴾ إلا اللمم.
جـ- وتائب يستمر على الاستقامة مدة، ثم يقارف بعض الذنوب فيتعدى حده ويقدم عليها عن قصد وشهوة وجرأة وقوة مع مواظبة على الطاعات وملازمة كثير من العبادات، وهذا من الذين أشار إليهم- سبحانه- بقوله الكريم: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾
د- وتائب يستمر (على) التوبة أيامًا معدودة، ويباشر الطاعات أوقاتًا محدودة. ثم يعود إلى مقارفة الذنوب، وملازمة الأوزار والحوب ويصير عليها مصرًا، وفي الإهماك مستمرًا، فهو ناقض لما ركن إليه. وخاسر بإعراض الله بعد إقباله عليه.
فنسأل الله أن يعاملنا بما هو أهل له، ويوفقنا للتوبة النصوح (كما يقتضيه فضله).
فصل (٣): المتقاعسون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وأما القسم الثالث: فهم المتخلفون عن الأمر والنهي بعد وجوبه، وتعيينه عليهم على
стр. 268
اختلاف ضروبه (يعرف المجرمون بسيماهم) والآمرون بالمعروف قليل ما هم. وهم على طبقات بحسب الغرض، في ترك القيام بهذا المفترض.
فإن الطبقة الأولى: هم- بالمقت والمذلة - أولى. قوم خالفوا الرحمن، وحالفوا الذل والخذلان، فوهبوا من المخلوقين، فتركوا القيام بذلك إيثارًا للدنيا على الدين فإن سنح لأحدهم أن يأمر وينهى، عارضه الخناس بما يلائمه ويهوى وزين له ترك ما عزم عليه من إنكار المنكر، من وجوه كثيرة لا تكاد أن تحصر.
من أعظمها أن يقول له: متى أمرت هذا أو نهيت أوصلك شره، وقطع عنك خيره وبره فيقبل إذ ذاك من إبليس، مائلًا إلى الخدع والتلبيس. ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجهله، مع إصرار على معاصيه فيا سوء فعله.
الطبقة الثانية: من يخاف على ماله، وذهاب جاهه، وزوال حاله فتراه شحيحًا بنذر يسير، سخيًا بذهاب دينه الخطير، لا ينكر منكرًا إذا رآه خوفًا على ذهاب دنياه، ولا يتكلم كلمة لله، رهبة من سقوط الجاه.
ولعمري إن ما يحذره سيأتيه، والذي يخاف منه يقع فيه.
الطبقة الثالثة: من يروح في بر الجيران، ويغلظ في إحسان الأقران، فيسكت عما يراه من المنكرات، لما لهم عليه من الأيادي والواصلات. فهذا مهما استهوته الشياطين، فأكل قليل الدنيا بكثير الدين، يا من اشترى سلع الشك بنقد اليقين، يا مستور الحال غدًا تبين، إذا حشرجت النفس وجاء الأنين، وبرزت إشارات الشقاء من الكمين، كيف يختار الضلال من يعرف الطريق الأرشد، كيف يؤثر النزول من يقال له اصعد؟ !
بعت أفضل الأشياء بقدر طفيف، وآثرت الفاني على الباقي وهذا الرأي سخيف.
الطبقة الرابعة: من يرى محبة الناس له على السكوت أكثر، فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مصانعة لهم أن لا يمقتوه، وتقية من أن يبغضوه. وجزعًا من الإعراض عن طريقه. وهلعًا لنفور أكثرهم عن تصديقه، فما أسرع ما تتقلب محبتهم له إذا كان كالمنافق لالتماس رضا الخلق بسخط الخالق! ! !
الطبقة الخامسة: كالتي قبلها في القرب، من حيث التماس الإكرام والمحمدة والحب فهم- في مدح الخلق على ترك الأمر والنهي- يرغبون، وللثناء عليهم- بذلك- يفرحون، يسر الواحد منهم بقول الناس: فلان عاقل خير من الأكياس، لا يعترض على احد ولا ينظر إليه، ولا يتبع عثرة عاص ولا ينكر عليه. ما بينه وبين أحد معاملة، ولا يرغب في اعتراض
стр. 269
ولا مقاولة، فكلما سمع أشباه ذلك نفخ فيه الشيطان، واستهواه فأضله الله وما هداه.
الطبقة السادسة: من يترك ذلك تكبرًا وعجبًا، ويقصر عن القيام به فيزداد- عن ربه- بعدًا، وحجبًأ يرى أن القيام - بذلك- يضيع من قدره، ويهضم من رتبته بين الناس وفخره. يخاف إذا قام به أن لا يقبل مقاله، فيحتقر- بذلك-عند الخلق حاله. أما علم هذا المسكين وعيد رب العالمين بقوله: ﴿ .... أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾؟
الطبقة الثامنة: قوم من أهل الزهادة، والاجتهاد في حسن العبادة. لا يغفلون عن استصحاب الفكر ولا يفترون عن ملازمة الذكر زموا أنفسهم بالتنفلات وخطموا أبصارهم وبصائرهم عن الالتفات، لكن إذا عرض لأحدهم منكر، لم يشتغل بإزالته خوفًا أن يقطعه ذلك عن عبادته.
فلعمري كيف يرجو هذا المسكين أن يسلم، وقد دخل عليه العدو من حيث لا يدري ولا يعلم! ! فارتكب محظورًا رضي أم لم يرض لاشتغاله بالتنفل عن القيام بالغرض.
فهذه الطبقات كلها مذمومة، وبعضها شر من بعض.
وقد. سبق في أواخر الباب الأول إشارة إلى من لم ير النهي عن المنكر من الدين، والمهم الذي ابتعث الله (له) المرسلين.
والله سبحانه - الموفق للسداد الهادي إلى سبيل الرشاد.
اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالعشي والأبكار، وأسكنا معهم دار القرار، فأنت الواحد الكريم الغفار، ولا تجعلنا من المخالفين الفجار وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
فصل (٤): غربة الآمرين الناهين ين أهل الفساد:
وأما كون السالكين طريق الحق الآمرين به بين أهل الفساد من الغرباء المكروهين. فقد روى مسلم في صحيحه، وابن ماجه من حديث أبي حازم واسمه سليمان الأشجعي، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء).
стр. 270
قوله: (بدا) بلا همز بمعنى ظهر. وإذا كان بمعنى البداءة كان مهموزًا.
وروى مسلم - أيضًا - من حديث عبد الله بن عمر. ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ) الحديث.
ورواه الإمام أحمد وابن ماجه أيضًا من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره وهي قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل"
ورواه ابن ماجه - أيضًا - من حديث أنس مرفوعًا. قال: (إن الإسلام بدأ، وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء).
ورواه الترمذي- في جامعه - من حديث كثير بن عبد الله، عن عوف المزني، عن أبيه، عن جده ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا فطوبى للغرباء، وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي).
ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ وفي حديثه. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: (الذين يصلحون ما أفسد الناس).
ورواه الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: عن النبي ﷺ (فطوبى - يومئذ - للغرباء إذا فسد "الناس".
стр. 271
وروى الإمام أحمد - أيضًا - من حديث المطلب بن حنطب مرسلًا: طوبى للغرباء قال يا رسول الله من الغرباء؟ قال: (يزيدون إذا نقص الناس) وحنطب بفتح الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح الطاء المهملة والله أعلم.
وروى الطبراني - في الكبير- من حديث أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس. قالوا: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتمارى في شيء من أمور الدين. فذكر الحديث إلى أن قال: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا) قالوا: يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: (الذين يصلحون إذا فسد الناس، ولم يتماروا في دين الله، ولا يكفروا أحدًا من دين التوحيد بذنب).
وروى الإمام أحمد-أيضًا- والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (طوبى للغرباء) قلنا: وما الغرباء؟ قال: (قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصهم أكثر ممن يطيعهم).
وفي رواية: (من يبغضهم أكثر ممن يحبهم).
قوله ﷺ : (بدأ الإسلام غريبًا) (بدأ) معناه في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشروا وظهر، ثم يلحقه النقص والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد من الناس وقلة-أيضًا -كما بدأ.
و(طوبى) يعني من الطيب، ومعناه: نوح وقرة عين. وقيل: نعم ما لهم. وقيل: غبطة لهم. وقيل: خير لهم وكرامة. وقيل: الجنة.
وأما (الغرباء) فقد جاء تفسيرهم في هذه الأحاديث: (وهم النزع من القبائل) يعني الذين قلوا فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والإثنان، وقد لا يوجد في القبائل والبلدان منهم أحد -كما كان في أول الإسلام. وفي الحديث المتقدم (الذين يصلحون إذا فسد الناس) يعني هم قوم صالحون عاملون بالسنة في زمن الفساد وفي حديث أخر: (الذين يصلحون ما أفسده الناس) يعني من السنة. وفي رواية: (المتمسكون بما أنتم عليه اليوم).
وفي الحديث الأخر: (الذين يزيدون إذا نقص الناس) يعني يزيدون خيرًا وإيمانًا وتقى إذا نقص الناس.
стр. 272
فهؤلاء الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس -جدًا- سموا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الاسلام - في الناس - غرباء، وأهل الايمان- في المسلمين - غرباء والعلماء في المؤمنين غرباء، وأهل السنة - الذين تميزوا بها بين أهل الأهواء والبدع - غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى المخالفين لهم غرباء، ولكن هم أهل الله حقًا، والداعون إليه صدقًا. وأنشدوا:
يا من شكى شجوه من طول غربته ... اصبر لعلك تلقى من نحب غدا
وفي جامع الترمذي من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر).
ولبعضهم:
هذا زمان كنا نحاذره ... في قول كعب وفي قول ابن مسعود
إن دام هذا ولم يحدث له غبر ... لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
وهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما من يصلح بنفسه عند فساد الناس. والثاني: من يصلح ما أفسد الناس من السنة وهو على القسمين.
قال عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ﵀: أما أنه ما يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة، حتى لا يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد أو رجلان. وهذا كما قال عبد الله بن المبارك- قدس الله روحه- منشدًا:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزكي بعضهم ... بعضًا ليدفع مغور عن مغور
قال عبد الواحد بن زيد البغدادي: مررت براهب في صومعة له. فقلت: يا راهب كيف تكون الغربة؟ قال: يا فتى ليس الغريب من مشى من بلد إلى بلد، ولكن الغريب صالح بين فساق.
وقال الفضيل بن عياض: من كان بطاعته من الله قريبًا، كان في الأرض من الخلق غريبًا. وقال يونس بن عبيد ﵀: ليس شيء أعزب من السنة، وأغرب منها من يعرفها، ويحك أتسكن إلى العافية، وتساكن العيشة الصافية، ولا بد من فراق العيش الرطيب
стр. 273
فاحضر قلبك، إنما أنت - في الدنيا - غريب.
كان الحسن البصري يقول: يا أهل السنة توقفوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس.
والمراد بالسنة: طريقة النبي ﷺ وطريقة أصحابه وهي عبارة عما يسلم من الشبهات في الاعتقادات، ومسائل الإيمان، ومسائل القدر وغير ذلك. وكذلك القائمون بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهؤلاء هم أقل الناس في أخر الزمان، ولذلك وصفوا بالغربة، لقلتهم كما سبق في بعض الروايات: قوم ممالحون قليل في قوم سوء كثير من يعصهم أكثر ممن يطيعهم.
قال أبو الفرج ابن الجوزي عبد الرحمن ﵀: ففي هذا إشارة إلى قلتهم، وقلة المستجيبين لهم. والقابلين منهم وكثرة المخالفين والعامين لأمرهم. انتهى.
فالغربة - عند أهل الطريق - غربتان: ظاهرة، وباطنة، فالظاهرة نوعان:
الأول: غربة الحال، وليس لنا- بذكرها في هذا الموطن - كثير فائدة.
والثاني: هي التي نحن بصددها- غربة الحال، والحال ها هو الوصف القائم به المؤمن من الدين، والمسك بالسنة وهي غربة أهل الملاح بين الفساق. وغربة الصادقين بين أهل الرياء والنفاق. وغربة العلماء بين أهل الجهل وسوء الأخلاق. وغربة علماء الآخرة بين علماء الدنيا الذين سلبوا الخشية والإشفاق. وغربة الزاهدين بين الراغبين في كل ما يفد وليس بباق.
وأما الغربة الباطنة: فغربة الهمة وهي غربة العارف بين الخلق كلهم حتى العلماء والعباد والزهاد، فإن أولئك واقفون مع علمهم وعبادتهم وزهدهم، وهؤلاء واقفون مع معبودهم لا يعرجون بقلوبهم عنه.
قال يحيى بن معاذ: الزاهد غريب الدنيا، والعارف غريب الأخرة، يعني أن الزاهد غريب بين أهل الدنيا، والعارف غريب بين أهل الأخرة، لا يعرفه العباد ولا الزهاد وإنما يعرفها من هو مثله، وهمته كهمته.
فالغربة - حينئذ- ثلاثة أنواع: الأولى: غربة الأبدان، والثانية: غربة الأفعال، والثالثة: (غربة الهمم) .. والله أعلم.
وهذا الفضل العظيم الموعود به لأهل الغربة، وإنما هو لرغبتهم بين الناس، والتمسك بالسنة بين ظلم أهوائهم فإذا أراد المؤمن الذي رزقه الله بصيرة في دينه، وفقهًا في سنة رسول
стр. 274
الله ﷺ وفهمًا في كتابه وأراه ما الناس فيه من الأهواء والباع والضلالات، وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه. فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نغمه على قدح الجهال وأهل البدع وطعنهم فيه، وازدرائهم به، وتغير الناس وتحذيرهم منه، كما كان الكفار يفعلون مع متبوعهم وإمامهم، فإن دعاهم إلى ذلك قدح ما هم عليه من المنكر، فهناك تقوم قيامتهم، وينصبون لهم الحبائل ويجلبون عليهم بخيلهم ورجلهم، فهو غريب في دينه، لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة، لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده، لفاد عقائدهم، غريب في طريقه، لفساد طريقهم، غريب في معاشرته لهم، لأنه لا يعاشرهم على ما تهوى انفسهم.
وبالجملة، فهو غريب في أمور دنياه وآخرته لا يجد مساعدًا معينًا، فهو عالم بين قوم جهال، صاحب سنة بين أهل البدع، دع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم المنكر والمنكر المعروف.
فصل (٥): ابتلاء الله الفقهاء ببعض العصاة لهم:
روى أبو القاسم الطبراني وغيره من حديث أبي أمامة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لكل شيء (إقبال وإدبار) وإن من إقبال الدين ما كنتم عليه العمى والجهالة وما بعثني الله به. وإن من إقبال الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما قمعا وقهرا واضطهدا. ألا وإن من إدبار الدين أن يجفو القبيلة بأسرها حتى لا يرى فيها إلا الفقيه أو الفقيهان وهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعوانًا ولا أنصارًا). فوصف ﷺ في هذا الحديث المؤمن العالم بالسنة الفقيه في الدين بأنه يكون في آخر الزمان عند فساده مقهورًا ذليلًا لا يجد آعوانًا ولا أنصارًا.
وروى الطبراني- أيضًا- من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ في حديث طويل في ذكر أشراط الساعة قال: (وإن من أشراطها أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النقد).
стр. 275
قال العلماء: النقد الغنم الصغار.
وروى الإمام أحمد - بسنده - عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال لرجل من أصحابه: "يوشك إن طالت بك حياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ فأعاذه في حل حلاله وحرم حرامه ونزل عند منازله لا يحوز فيكم إلا كما يحوز رأس الحمار الميت".
وروى الإمام احمد -أيضًا- في كتاب الزهد- بسنده، عن عثمان بن يحيى الحضرمي. قال شكا الحواريون إلى عيسى- ﵇. قال: من ولع الناس بهم وبغضهم إياهم. فقال المسيح: كذلك المؤمنون مبغوضون في الناس. وإنما مثلهم مثل حبة القمح ما أحلى مذاقها وأكثر أعدائها.
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا- بسنده عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: المؤمن ملجم بلجام فلا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يجد طعم الذل.
وبسنده عن كعب الأحبار أنه قال: لتحببن إليكم الدنيا حتى تتعبدون لها ولا أهلها، وليأتينكم زمان تكره فيه الموعظة حتى يختفي المؤمن بإيمانه كما يختفي الفاجر بفجوره، وحتى يعير المؤمن بإيمانه كما يعير الفاجر بفجوره.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: سيأتي على الناس زمان المؤمن فيه أذل من الأمة، وروى أحمد في الزهد بسنده، عن لقمان بن عامر. قال: سمعت أبا أمامة- ﵁ يقول: المؤمن في الدنيا بين كافر يقاتله، ومنافق يبغضه ومؤمن يحسده، وشيطان وكل به.
وروى نحوه أبو بكر بن لال- في مكارم الأخلاق- من حديث أنس مرفوعًا: المؤمن بين خمس شدائد: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان يضله، ونفس تنازعه.
стр. 276
وروى أبو نعيم - في الحلية - بسند، عن خيثمة بن عبد الرحمن وكان قوم يؤذونه تحال: إن هؤلاء يؤذونني فلا والله ما طلبني. أحد منهم بحاجة إلا قضيتها، ولا أدخلت على أحد منهم أذى، ولأنا أبغض فيهم من الكلب الأسودـ، ولم يرون ذلك إلا أنه والله لا يحب منافق مؤمنًا أبدًا.
وأنشدني فارس العربية ومالك أذمة العلوم الأدبية برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم الباعوني لنفسه:
اشكو إلى الباري أنا ساقد غدت ... ملأي بأنواع المخازي بيوتهم
تغلي على قلوبهم حقدًا كما ... تغلي على الجمر الكثيف قدورهم
هم يعلنون لذي اللقاء مودتي ... والله يعلم ما تكن صدورهم
ولبعضهم:
إني بليت بقوم لا خلاق لهم ... إن رمت إيضاح علم عندهم جهلوا
إن كنت منبسطًا سميت مسخرة ... أو كنت منقبضًا قالوا: به ثقل
وإن تقربت قالوا: جاء يسألنا ... وإن تزينت قالوا قد زها الرجل
من لم بخلق وخلق يرتضون به ... لا بارك الله فيهم إنهم سفلوا
هم الكشوت فلا أصل ولا ورق ... ولا نسيم ولا ظل ولا أثلُ
والكشوت: نبت معروف بهذه الصفة
وكان أبو الدرداء- ﵁ يقول: لا يحرز المؤمن من شرار الناس إلا قبره.
وأنشدوا:
وما احد من السن الناس سالم ... ولو انه ذاك النبي المطهر
فإن كان مقدامًا يقولون أهوج ... وإن كان مبذالًا يقولون: مبذر
وإن كان سكيتًا يقولون: أبكم ... وإن كان منطقيًا يقولون: مهذر
وإن كان صوامًا وباليل قائمًا ... يقولون ساع يرائي ويمكر
فلا تحتفل في الناس بالذم والثنا ... ولا تخشى غير الله والله اكبر
стр. 277
وقال عبد الله بن المبارك: ليست للمؤمن في الدنيا دولة، لأنها سجنه وبلاؤه، وإنما هو الصبر، وكظم الغيظ، وإنما دولته في الآخرة. وقيل، أوحى الله - تعالى إلى عزير: إن لم تطب نفسًا بأن أجعلك علكًا في أفواه الماضغين، لم أكتبك عندي من المتواضعين.
وقال الحسن البصري - رحمة الله عليه- إلى جانب كل مؤمن منافق يؤذيه.
كما قيل:
ولن تبصري شخصًا يسمى محمدًا ... من الناس إلا مبتلى بأبي جهل
ومما قرع الأسماع، واشتهر وذاع، ما روى القاضي أبو عبد الله محمد ين سلامة القضاعي- في مسند الشهاب- بسنده- عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه- عن النبي ﷺ أنه قال: (لو كان المؤمن في حجر، لقيقبض الله له فيه من يؤذيه).
وروى- أيضًا - نحوه من حديث أنس مرفوعًا بلفظ: "لو أن المؤمن في حجر فأرة لقيض الله له فيه من يؤذيه".
وقال علي- ﵁: ما كان ولا يكون إلى يوم القيامة مؤمن إلا وله جار يؤذيه.
والحكمة في ذلك ما ذكر بعض المحققين: أن المؤمن ولي الله ومحبوبه، لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾.
ولقوله: ﴿ ... والله ولي المؤمنين﴾.
ولقلوله: ﴿ ... يحبهم ويحبونه﴾.
فإذا أحب الله - سبحانه - عبده المؤمن، وأراد أن يختصه بالولاية عرفه للبلاء والابتلاء - كما سيأتي في فضل الصبر - من الباب الرابع إن شاء الله تعالى. قوله ﷺ بعد ان سأله سعد بن أبي وقاص: أي الناس أشد بلاء قال: (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ... ) الحديث.
стр. 278
وقوله ﷺ بعد أن قال له أبو سعيد الخدري: ما أشد حماك يا رسول الله؟ قال: (إنا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر). ثم قال: يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال: (الأنبياء). قال ثم من؟ قال: (العلماء). قال: ثم من؟ قال: (الصالحون).وقوله ﷺ : (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون).
فكما لا يخلو الأنبياء من الابتلاء بالجاحدين، فكذلك لا يخلو الأولياء والعلماء والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر عن الابتلاء بالجاهلين، لأن منزلة الآمرين بالمعروف تلي منزلة الأنبياء. كما سبق في - الباب الأول - عند قوله: ﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم﴾.
فذكر الله - سبحانه - الذين يأمرون بالقسط بعد الأنبياء في الترتيب فقل ما انفك الأولياء وأهل الدين، من الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، عن ضروب الإيذاء، وأنوع البلاء بالإخراج من البلاد، والسعاية بهم إلى السلاطين والحكام، والشهادة عليهم بالكفر والخروج عن الدين، أو نسبتهم إلى ما يفسق من البدع والمعاصي وغير ذلك وفي كل ذلك خير لهم في الدنيا والأخرة.
وقد روى ابن أبي الدنيا - بسنده - عن أنس مرفوعًا: "إن الله - تعالى - إذا أراد بعبد خيرًا، أو أراد أن يصافيه، صب عليه البلاء صبًا" الحديث.
ورواه الأصفهاني - في الترغيب والترهيب - بأتم من هذا إلى غير ذلك من الأحاديث.
ومن جملة ما يرسله الله إلى عبده من البلاء، أن يقيض له ويسلط عليه من بعض خلقه من يقصده بالأذى، وكان لنبينا محمد ﷺ أوفى نصيب من ذلك كما روي من حديث جابر مرفوعًا: (ما أوذي أحد في الله ما أوذيت) ثم ألحق بحاله خواص
стр. 279
المؤمنين، فإن أحدهم لو اختفى في جحر ضب أو فأرة مثلًا لقيض الله له من يؤذيه كما تقدم قريبًا؛ فيفعل الله سبحانه بعبده المؤمن رفعًا لدرجاته التي لا يبلغها إلا بفوادح البلاء.
وأما في الدنيا فيذع عليه بلاؤها ومحنها حماية له من الافتتان بها، وتزهيدًا له فيها بالبلاء؛ كيلا يطمئن إليها، ويألف محبتها فيقطعه ذلك عن منازل الآخرة فيبتليه سبحانه تعويضًا له، وترسيخًا لمقام الولاء، ليضعف صورة نفسه ويذيب صفات بشريته، ويقطع بالفقر والذل عنه مواد الهدى وزينة الدنيا، فيترك فاقته وفقره بمولاه في كل بأساء وضراء، فيألف الإقبال عليه، ويستوطن المثول بهمته بين يديه بالصبر، ئم الرضا إلى أن يرفعه بذلك إلى درجات الأحباب والأولياء.
وهذا معنى قوله: (إذا أحب الله عبدًا صب عليه (البلاء) صبًا).
أي إذا أراد رفعه إلى مقام محبوبيته، سلك به طريق محنه وبلائه لأن البلاء سبك الصفات فإنه يسبك نفس عبده بنار الامتحان والابتلاء، ليصفيه من كدورات أخلاق بشريته ليصلح لولايته.
وأنشدوا:
إن كنت تزعم حبنا وهوانا .... فلتلقين مذلة وهوانا
واسمح بنفسك إن أردت وصالنا ... واغضب عليها إن أردت رضانا
ولبعضهم:
تطرق أهل الفضل بين الورى ... مصائب الدنيا وأفاتها
كالطير لا تحب من جنها .... إلا التي تطرب أصواتها
ولغيره الصغر يرتفع في الرياض وإنما ... حبس الهزاز لأنه ترنم
وروى ابن أبي الدنيا - بسنده - عن يحيى بن سعد القطان، قال: بلغني أن أبي الدرداء- ﵁ كان يقول: ما من يوم أصبح فيه لا يرميني الناس بداهية إلا عددتها لله علي نعمة.
وأنشد حسان بن ثابت- ﵁:
وإن امرؤ يمسي ويصبح سالمًا ... من الناس إلا ما مفلح ومجيد
стр. 280
وإن امرؤ ويصبح سالمًا ... من الناس إلا ما جنى لسعيد
ولبعضهم:
إنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسانًا وإجمال
قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إن قومًا يحضرون مجلسك ويحفظون عليك سقطات كلامك، ليعيبونك بذلك؟ فقال: يا ابن أخي، لا يكن في ذلك عليك شيء، فإني طمعت نفسي في دخول الجنة ومجاورة الرحمن - سبحانه- ومرافقة الأنبياء- ﵈ ولم أطمعها في السلامة من الناس، لأني قد علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم يسلم منهم. رواه أبو نعيم.
وروى أن موسى- ﵇ قال: يا رب احبس عني ألسنة الناس. فقال هذا شيء لم أصطفه لنفسي فكيف أفعله بك؟
وقال ابن عبد البر: قال منصور (شعرًا):
لي حلة فيمن ينم بي ... وليس في الكذاب حيلة
(من) يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليلة
وقال عيسى- ﵇: (لا يحزنك) قول الناس فيك، فإن كان كذبًا كان حسنة لم تعلمها، وإذ كان صدقًا كانت سيئة عجلت عقوبتها.
فصل (٦): ذل المؤمن لغربته بين الفساق:
وإنما عظم ذل المؤمن في آخر الزمان لكثرة الفسق وغربته بين أهله فكلهم يكرهه ويؤذيه، لمخالفة طريقه لطريقهم ومباينته لهم فيما هم عليه لا سيما إن أمرهم بمعروف أو نهاهم عن منكر. كما قال حذيفة بن اليمان ﵁: (يآتي على الناس زمان تكون فيه جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم. وقال كعب الأحبار، لأبي مسلم الخولاني: كيف منزلتك من قومك؟ قال حسنة. قال: إن التوراة لتقول غير ذلك. قال: ما تقول؟ قال: إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته (عند)
стр. 281
قومه. فقال أبو مسلم: صدقت التوراة، وكذب أبو مسلم.
وأنشدوا:
نصحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا ... فأسكنني نصحي بدار هوان
فإذ عشت لم أنصح وإن مت فالعنوا ... ذوي النصح من بعدي بكل لسان
وذكر أبو الفرج بن الجوزي، عن أبي عثمان عبد الرحمن النهدي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ يأتي على الناس زمان يكون صالح القوم من لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، إن غضبوا غضبوا لأنفسهم، وإن رضوا رضوا لأنفسهم لا يغضبون لله ولا يرضون لله .
وروى أبو محمد الخلال- في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قال: أخبرني عمر بن صالح. قال: قال لي أبو عبد الله يعني الإمام أحمد: يا أبا حفص، يأتي على الناس زمان المؤمن بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع. فقلت: وكيف يشار إليه بالأصابع؟ قال: يصيروا أمر الله فضولًا. وقال: المؤمن إذا رأى أمرًا بمعروف أو نهيا عن منكر لم يصبر حتى يأمر وينهى. يعني قالوا: هذا فضول. قال: والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه، فقالوا: نعم الرجل ليى بينه وبين الفضول عمل. ونحن قد شاهدنا في زماننا وتحققناه من أقراننا. كما قال أبو الفرج بن الجوزي ﵀: واعلم انه قد اضمحل في هذا الزمان الأمر بالمعروف حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وهذا زمن قوله ﵇: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ).
ومن نظم أبي زكريا يحى الصرصري - رحمه الله تعالى -:
نح وابك في المعروف تعقد رسمه .... والمنكر استعلى وأثر رسمه
لم يبق إلا بدعة فتانة ... بهوى مضل مستطير سمه
هذا لعمرك إنه الزمن الذي ... تبدو جهالته ويرفع علمه
لم يبق إلا حاكم هو مرتشي ... أو عامل تخشى الرعية ظلمه
والصالحون على الذهاب تتابعوا ... فكأنهم عقد تناثر نظمه
стр. 282
وقال غيره:
النصح من رخصه في الناس مجان .... والغش غال له في الناس أثمان
والعدل نور وأهل الجور قد كثروا ... وللظلوم على المظلوم أعوان
تفاسد الناس والبغضاء ظاهرة ... فالناس في غير ذات الله أخوان
والعلم فاش وقل العاملون به ... والعاملون لغير الله أقران
وذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي - في تذكرته بأحوال الآخرة - عن ابن عباس ﵄ قال: لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيا البدع. ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلا من هون الله عليه سخط الناس ومخالفتهم فيما أرادوا ونهيهم عما اعتادوا، ومن يسر لذلك أحسن الله تعويضه، فإن رسول الله ﷺ (قال): (إنك لن تدع لله شيئًا إلا عوضك خيرًا منه).
وبالجملة فلا يميل أكثر الناس إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم، فإن الحق مر والوقوف عليه صعب، وإدراكه شديد، وطريقه مستوعر.
وروى الإمام أحمد بسنده عن الحسن البصري -رحمة الله عليه - أنه قال: هذا الحق قد جهد الناس، وحال بينهم وبين شهواتهم، والله ما صبر عليه إلا من عرف فضله ورجا عاقبته.
فصل (٧): معاداة العصاة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر:
قال الله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾
وقال -تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾
وقد قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ : إنه لم يأت أحد بما جئت به إلا عودي.
وروى الترمذي وأبو يعلى عن علي: رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار
стр. 283
الهجرة وصحبني في الغار وأعتق بلالاّ من ماله. ورحم الله عمر يقول الحق ولو كان مرًا. ما ترك له الحق من صديق ورحم الله عثمان تستحيي منه الملائكة. ورحم الله علياّ اللهم أدر الحق معه حيث دار. وروي عن أبي ذر موقوفًا- ﵁ أنه قال: "ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقًا".
ولما استخلف أبو بكر عمر- ﵁ قال لمعيقيب الدوسي: ما يقول الناس في استخلاف عمر؟ قال: كرهه قوم ورضيه قوم آخرون. قال فالذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟ قال: الذين كرهوه أكثرهم.
قال: إن الحق يبدو كريهًا، وله تكون العاقبة.
كما روى أبو بكر بن أبي الدنيا- بإسناده- عن ابن سلامة البكري، عن رجل من مراد قال: دخلنا على أويس القرني. فقال يا أخا مراد إن قيام المؤمن بحق الله لم يبق له صديقًا، والله إنا لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر فيتخذونا أعداء، ويجدون على ذلك من الفساق أعوانا، حتى لقد رموني بالعظائم، ووالله لا يمنعن ذلك أن أقوم لله بحق.
وبسنده، عن مسعد بن كدام- رحمة الله- قال: ما نصحت أحدًا إلا طلب عيوني، فالشيطان وأعوانه يودون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أو نهاهم، عابوه بما فيه وبما ليس فيه. كما قيل: إن سمعوا الخير أخفوه، وإن سمعوا شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا (كذبوا).
ولبعضهم:
إن يسمعوا فيه طاروا به فرحًا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
جهلًا علينا وجبنًا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا أذنوا
لكنهم معذورون حيث قيل:
يعيب أمري أقوام وأعذرهم ... لأني أمرو وردى وهم جعل
والنهي إن كان سهلًا فهو ذو ثقل ... على عدوى، فهو السهل والجبل
стр. 284
الناهي عن المنكر يحمي عن طعام المعاصي. ولكن الطبيب مبغوض. قال الله تعالى: ﴿ولكن لّا تٌحبٌون النّصحين﴾.
فمن قصد الناس بالإنكار عليهم، ونظر بعين النصيحة إليهم سارعوا إلى إهلاكه ومبادرته، وسبقوه قبل إن تسبق إليهم سيوف نقمته.
وروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن العلاء بن جرير، عن أبيه، عن الأحنف بن قيس. قال: من أسرع إلى الناس بما يكرهون. قالوا فيه مالا يعلمون".
كما قيل:
أرنوا إلى الأقوام أبغي ذكرهم ... أبدًا ويجهل بعضهم مقداري
وروى ابن أبي الدنيا- بإسناده- عن أبي مخلد، عن عطاء بن مسلم. قال: قال لي سفيان الثوري- قدس الله روحه-: يا عطاء احذر الناس وأنا فاحذرني فلو خالفت رجًا في رمانة فقال: حامضة وقلت حلوة. أو قال: حلوه. وقلت: حامضة لخشيت أن يشيط بدمي.
وقال مرة: يشي بي إلى السلطان.
قوله: (يشيط بدمي) يقال: أشاط فلان، أي ذهب دمه هدرًا. ويقال: أشاطه وأشاط دمه أي عرضه للقتل. والله أعلم.
وقال سفيان- أيضًا- صاف من شئت ثم اغضبه بالمراء، فليرمينك بداهية تمنعك من العيش.
ولقد كان سبب قتل عمر بن الخطاب- ﵁ أنه أمر ملجمًا بمعروف فقتله كما سيأتي- في الباب العاشر- إن شاء الله تعالى.
فقد جرت عادة الله التي لا تبدل، وسنته التي لا تحول في خلقه لا سيما في زماننا هذا أن من عظمت منزلته وتزايدت رتبته، وتردد الناس في حوائجهم إليه، وعولوا في كل قلب مسود منكوس.
كما قيل:
لو لم يكن لي في القلوب مهابة ... ما أكثر الأعداء فيّ وأقدحوا
كالليث لما هيب حط له الزناد ... وعوت لخشيته الكلاب النبح
стр. 285
يغرون بي حور العيون لأنني ... علمت في طلب العلاء وأصبحوا
نظروا بعين عداوة لو أنها ... عين الرضا لا ستحسنوا ما استقبحوا
ولبعضهم:
وإذا الفتى نال الفضائل كلها ... لم يخل من سفه اللئيم الشاتم
والغصن تهجره الورى حتى إذا ... أبدى الثمار فكم له من راجم
قد أجرى- سبحانه عادته في خلقه- أيضًا- أن الأشرار يكرهون الأخيار، وينفرون لرؤيتهم، لما بينهم من المباينة الظاهرة والباطنة.
كما قال ابن الملحي في كان وكان:
روائح الورد تحيي الأنفس ... كذلك الأشرار تكره روائح الأخيار
لكن أنشد بعضهم:
إذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
ولغيره:
زادني حبّا لنفسي أنني ... بغض إلى كل امرى غير طائل
وأني شقي باللئام ولن ترى ... شقيًا أبهم إلا الكريم الشمائل
وقيل لحكيم: من الذي يسلم من الناس؟ قال: من لا يظهر منه خير ولا شر. قيل له: كيف؟ قال: إن ظهر منه (خير) عاداه شرارهم وإن ظهر منه شر عاداه خيارهم.
وأنشدوا:
وما أنا إلا المسك ضاع فعندكم ... يضيع وعند الأكرمين يضوع
كما قيل:
مثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورًا ويعمي أعين الخفاش
وروى أبو نعيم- في الحليه- والبيهقي- بسنديهما- عن مطرق بن عبد الله قال: قال لي مالك بن أنس- ﵀: ما يقول الناس في؟ قلت: أما الصديق فيثني وأما العدو فيقع. قال: ما زال الناس كذلك لهم صديق وعدو ولكن نعوذ ولكن بالله من تتابع الألسنة كلها.
следующие страницы →