Полный текст (502 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قومه. فقال أبو مسلم: صدقت التوراة، وكذب أبو مسلم.
وأنشدوا:
نصحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا ... فأسكنني نصحي بدار هوان
فإذ عشت لم أنصح وإن مت فالعنوا ... ذوي النصح من بعدي بكل لسان
وذكر أبو الفرج بن الجوزي، عن أبي عثمان عبد الرحمن النهدي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ يأتي على الناس زمان يكون صالح القوم من لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، إن غضبوا غضبوا لأنفسهم، وإن رضوا رضوا لأنفسهم لا يغضبون لله ولا يرضون لله .
وروى أبو محمد الخلال- في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قال: أخبرني عمر بن صالح. قال: قال لي أبو عبد الله يعني الإمام أحمد: يا أبا حفص، يأتي على الناس زمان المؤمن بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع. فقلت: وكيف يشار إليه بالأصابع؟ قال: يصيروا أمر الله فضولًا. وقال: المؤمن إذا رأى أمرًا بمعروف أو نهيا عن منكر لم يصبر حتى يأمر وينهى. يعني قالوا: هذا فضول. قال: والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه، فقالوا: نعم الرجل ليى بينه وبين الفضول عمل. ونحن قد شاهدنا في زماننا وتحققناه من أقراننا. كما قال أبو الفرج بن الجوزي ﵀: واعلم انه قد اضمحل في هذا الزمان الأمر بالمعروف حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وهذا زمن قوله ﵇: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ).
ومن نظم أبي زكريا يحى الصرصري - رحمه الله تعالى -:
نح وابك في المعروف تعقد رسمه .... والمنكر استعلى وأثر رسمه
لم يبق إلا بدعة فتانة ... بهوى مضل مستطير سمه
هذا لعمرك إنه الزمن الذي ... تبدو جهالته ويرفع علمه
لم يبق إلا حاكم هو مرتشي ... أو عامل تخشى الرعية ظلمه
والصالحون على الذهاب تتابعوا ... فكأنهم عقد تناثر نظمه
стр. 282
وقال غيره:
النصح من رخصه في الناس مجان .... والغش غال له في الناس أثمان
والعدل نور وأهل الجور قد كثروا ... وللظلوم على المظلوم أعوان
تفاسد الناس والبغضاء ظاهرة ... فالناس في غير ذات الله أخوان
والعلم فاش وقل العاملون به ... والعاملون لغير الله أقران
وذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي - في تذكرته بأحوال الآخرة - عن ابن عباس ﵄ قال: لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيا البدع. ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلا من هون الله عليه سخط الناس ومخالفتهم فيما أرادوا ونهيهم عما اعتادوا، ومن يسر لذلك أحسن الله تعويضه، فإن رسول الله ﷺ (قال): (إنك لن تدع لله شيئًا إلا عوضك خيرًا منه).
وبالجملة فلا يميل أكثر الناس إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم، فإن الحق مر والوقوف عليه صعب، وإدراكه شديد، وطريقه مستوعر.
وروى الإمام أحمد بسنده عن الحسن البصري -رحمة الله عليه - أنه قال: هذا الحق قد جهد الناس، وحال بينهم وبين شهواتهم، والله ما صبر عليه إلا من عرف فضله ورجا عاقبته.
فصل (٧): معاداة العصاة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر:
قال الله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾
وقال -تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾
وقد قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ : إنه لم يأت أحد بما جئت به إلا عودي.
وروى الترمذي وأبو يعلى عن علي: رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار
стр. 283
الهجرة وصحبني في الغار وأعتق بلالاّ من ماله. ورحم الله عمر يقول الحق ولو كان مرًا. ما ترك له الحق من صديق ورحم الله عثمان تستحيي منه الملائكة. ورحم الله علياّ اللهم أدر الحق معه حيث دار. وروي عن أبي ذر موقوفًا- ﵁ أنه قال: "ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقًا".
ولما استخلف أبو بكر عمر- ﵁ قال لمعيقيب الدوسي: ما يقول الناس في استخلاف عمر؟ قال: كرهه قوم ورضيه قوم آخرون. قال فالذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟ قال: الذين كرهوه أكثرهم.
قال: إن الحق يبدو كريهًا، وله تكون العاقبة.
كما روى أبو بكر بن أبي الدنيا- بإسناده- عن ابن سلامة البكري، عن رجل من مراد قال: دخلنا على أويس القرني. فقال يا أخا مراد إن قيام المؤمن بحق الله لم يبق له صديقًا، والله إنا لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر فيتخذونا أعداء، ويجدون على ذلك من الفساق أعوانا، حتى لقد رموني بالعظائم، ووالله لا يمنعن ذلك أن أقوم لله بحق.
وبسنده، عن مسعد بن كدام- رحمة الله- قال: ما نصحت أحدًا إلا طلب عيوني، فالشيطان وأعوانه يودون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أو نهاهم، عابوه بما فيه وبما ليس فيه. كما قيل: إن سمعوا الخير أخفوه، وإن سمعوا شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا (كذبوا).
ولبعضهم:
إن يسمعوا فيه طاروا به فرحًا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
جهلًا علينا وجبنًا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا أذنوا
لكنهم معذورون حيث قيل:
يعيب أمري أقوام وأعذرهم ... لأني أمرو وردى وهم جعل
والنهي إن كان سهلًا فهو ذو ثقل ... على عدوى، فهو السهل والجبل
стр. 284
الناهي عن المنكر يحمي عن طعام المعاصي. ولكن الطبيب مبغوض. قال الله تعالى: ﴿ولكن لّا تٌحبٌون النّصحين﴾.
فمن قصد الناس بالإنكار عليهم، ونظر بعين النصيحة إليهم سارعوا إلى إهلاكه ومبادرته، وسبقوه قبل إن تسبق إليهم سيوف نقمته.
وروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن العلاء بن جرير، عن أبيه، عن الأحنف بن قيس. قال: من أسرع إلى الناس بما يكرهون. قالوا فيه مالا يعلمون".
كما قيل:
أرنوا إلى الأقوام أبغي ذكرهم ... أبدًا ويجهل بعضهم مقداري
وروى ابن أبي الدنيا- بإسناده- عن أبي مخلد، عن عطاء بن مسلم. قال: قال لي سفيان الثوري- قدس الله روحه-: يا عطاء احذر الناس وأنا فاحذرني فلو خالفت رجًا في رمانة فقال: حامضة وقلت حلوة. أو قال: حلوه. وقلت: حامضة لخشيت أن يشيط بدمي.
وقال مرة: يشي بي إلى السلطان.
قوله: (يشيط بدمي) يقال: أشاط فلان، أي ذهب دمه هدرًا. ويقال: أشاطه وأشاط دمه أي عرضه للقتل. والله أعلم.
وقال سفيان- أيضًا- صاف من شئت ثم اغضبه بالمراء، فليرمينك بداهية تمنعك من العيش.
ولقد كان سبب قتل عمر بن الخطاب- ﵁ أنه أمر ملجمًا بمعروف فقتله كما سيأتي- في الباب العاشر- إن شاء الله تعالى.
فقد جرت عادة الله التي لا تبدل، وسنته التي لا تحول في خلقه لا سيما في زماننا هذا أن من عظمت منزلته وتزايدت رتبته، وتردد الناس في حوائجهم إليه، وعولوا في كل قلب مسود منكوس.
كما قيل:
لو لم يكن لي في القلوب مهابة ... ما أكثر الأعداء فيّ وأقدحوا
كالليث لما هيب حط له الزناد ... وعوت لخشيته الكلاب النبح
стр. 285
يغرون بي حور العيون لأنني ... علمت في طلب العلاء وأصبحوا
نظروا بعين عداوة لو أنها ... عين الرضا لا ستحسنوا ما استقبحوا
ولبعضهم:
وإذا الفتى نال الفضائل كلها ... لم يخل من سفه اللئيم الشاتم
والغصن تهجره الورى حتى إذا ... أبدى الثمار فكم له من راجم
قد أجرى- سبحانه عادته في خلقه- أيضًا- أن الأشرار يكرهون الأخيار، وينفرون لرؤيتهم، لما بينهم من المباينة الظاهرة والباطنة.
كما قال ابن الملحي في كان وكان:
روائح الورد تحيي الأنفس ... كذلك الأشرار تكره روائح الأخيار
لكن أنشد بعضهم:
إذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
ولغيره:
زادني حبّا لنفسي أنني ... بغض إلى كل امرى غير طائل
وأني شقي باللئام ولن ترى ... شقيًا أبهم إلا الكريم الشمائل
وقيل لحكيم: من الذي يسلم من الناس؟ قال: من لا يظهر منه خير ولا شر. قيل له: كيف؟ قال: إن ظهر منه (خير) عاداه شرارهم وإن ظهر منه شر عاداه خيارهم.
وأنشدوا:
وما أنا إلا المسك ضاع فعندكم ... يضيع وعند الأكرمين يضوع
كما قيل:
مثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورًا ويعمي أعين الخفاش
وروى أبو نعيم- في الحليه- والبيهقي- بسنديهما- عن مطرق بن عبد الله قال: قال لي مالك بن أنس- ﵀: ما يقول الناس في؟ قلت: أما الصديق فيثني وأما العدو فيقع. قال: ما زال الناس كذلك لهم صديق وعدو ولكن نعوذ ولكن بالله من تتابع الألسنة كلها.
стр. 286
وقال سفيان الثوري: إذا رأيت القارئ محببًا إلى جيرانه فاعلم أنه مداهن.
وفي رواية: إذا كان الرجل محببًا في جيرانه محمودًا عند إخوانه، فاعلم أنه مداهن.
فإن أضيف إلى ذلك أمر ونهي وإنكار زاد البغض والقذف والإضرار.
فصل (٨): حسد الفساق للعلماء وتمنيهم إضلالهم:
وفي الغالب ما يحمل أهل الفساد إخوان الشيطان على معاداة الصلحاء لا سيما الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وسلب أعراضهم بالافتراء والبهتان إلا الحسد المذموم الذي حقيقته التأذي بما يتجدد من نعم الله عليه من خيري الدنيا والآخرة للأخ المسلم سواء أراد انتقالها إليه أم لا، لأن أعظم النعم الإقبال على الله باجتناب نهيه وامتثال أمره وملازمة طاعته ومداومة ذكره لكن لكل نعمة حاسد، وعلى كل فضل معاند. لما ظهرت فضائل"أدم"﵇ بسجود الملائكة وبتعليمه أسماء كل شيء وإخباره الملائكة بها، وهم يستمعون له كاستماع المتعلم من معلمه حتى أقروا بالعجز عن علمه وأقروا له بالفضل وأسكن هو وزوجته الجنة ظهر الحسد من"إبليس" وسعى في الأذى وما زالت الفضائل يحسد عليها. وأنشدوا:
لا مات حاسدوك بل خلدوا ... حتى يروا منك الذي يكمدوا
لا برحت الدهر في نعمه ... فإنما الجاهل من يحسد
فما زال اللعين يحتال على"آدم" حتى تسبب في إخراجه من الجنة وما درى أن"آدم" ﵇ إذا أخرج منها كملت فضائله ثم يعود إلى الجنة على أكمل من حالته الأولى.
كما قيل:
وإذا أراد الله شر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرق العود
قال تعالى- في سورة البقرة: ﴿ودّ كثيرٌ من أهل الكتب لو يردونكم من بعد إيمنكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم﴾.
стр. 287
وقال تعالى في النساء ﴿أم يحسدون النّاس على ما ءاتهم الله من فضله ... ﴾ يعني أن اليهود حسدوا نبينا محمدًا ﷺ على ما آتاه الله من النبوة، وما أجرى على يديه من الخيرات.
وقال تعالى في النساء أيضًا: ﴿ودٌوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء .. ﴾.
أي يودون لكم الكفر كما فعلوا فتكونون أنتم وهم سواء في الكفر.
وقال تعالى: ﴿ودٌوأ لو تدهن فيدهنون﴾
حكى المفسرون فيه أقوالًا:
أحدهم: لو ترخص فيرخصون- قال ابن عباس.
والثاني: لو تصانعهم في دينك فيصانعون في دينهم- قاله الحسن.
والثالث: لو تكفر فيكفرون- قاله عطية، والضحاك، ومقاتل.
والرابع: لو تلين لهم فيلينون لك- قاله ابن السائب.
والخامس: لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون. قاله زيد بن مسلم.
والسادس: لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم.
وكانوا قد أرادوه لو يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا (إلهه) مدة- قاله ابن قتيبة.
وكذالك قال أبو عبيدة من المداهنة. وقيل غير ذلك. والله أعلم.
وأمر نبيه ﷺ أن يتعوذ من الحسد، تنبيهآ على عظه وكثرة ضرره.
وفي حديث الإفك المشهور من رواية البخاري، ومسلم، وأحمد، والترمذي، والنسائي وابن ماجه، من حديث محمد بن شهاب الزهري، عن عروة وغيره أن عائشة ﵂ قالت: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت يا بنية هوني على نفسك الشأن فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا حسدنها، وأكثرن عليها وفي رواية أي بنية خفضي عليك الشأن فإنه والله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا
стр. 288
حسدنها وقيل فيها، فانظر كيف أكدت ذلك باليمين.
وروى الطبراني- في الأوسط- من حديث ابن عباس مرفوعًا: "إن لأهل النعم حسادًا فاحذروهم".
وأنشدوا:
يسوؤهم ما يسر الناس من سدد ... ويفرحون لما يبدون من الخلل
ويرقبون إذا أعيت مكائدهم ... تقلب الدهر للإيذاء والدول
كما يكتمون سجاياهم ويفضحهم ... ويظهرون لنا ودًا على دخل
وروى البيهقى- في الشعب- بسنده، عن الحارث بن أبي أسامة، وأبي يزيد محمد دوح البزار أن عبيد الله بن محمد حفص العيشي أنشدهم في ابنه:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أضداد له وخصوم
وكضرائر الحسنا قلن لوجهها ... حسدًا وبغيًا إنه لذميم
وروى الإمام أحمد، والبيهقي- بسنديهما- عن معمر، عن قتادة. قال: "ما كثرت النعم على قوم قط إلا كثر أعداؤها".
وروى ابن أبي الدنيا، والطبري، والقضاعي- في مسند الشهاب- من حديث"معاذ" مرفوعًا: "استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود".
ورواه أبو الشيخ ابن حبان- في كتاب الأمثال. ولفظه: "استعينوا على طلب حوائجكم بكتمانها، فإن لكل نعمة حسدة" ولو أن كل امرئ كان أقوام من قدح لكان له من الناس غامر.
وقال بعض الحكماء: الحسد أصل الشر ولا يوجد إلا لمن عظمت نعم الله عليه.
стр. 289
وسيأتي في الباب الخامس ما ثبت في الصحيحين، ومسنده أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ... ).
وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي- أيضًا- من حديث الزبير بن العوام. أن رسول الله ﷺ قال: (دب إليكم داء الأمم قلبكم الحسد والبغضاء (والبغضاء) هي الحلقة حالقة الدين لا حالقة الشعر ... ).
وعند الترمذي: "وهي الحالقة أما إني لا أقول تحلق الشعر ولكن أقول تحلق الدين).
وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال"العشب".
وروى ابن ماجه نحوه من حديث أنس.
وكذلك ابن أبي شبية.
وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يجتمع في جوف عبد مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمع في مؤمن إيمان وحسد ... ".
إني لأرحم حسادي فحسدهم ... ما ضمت صدورهم من الأغاري
نظورا صنيع الله في فبعيونهم ... في جنة ناري
стр. 290
وروى المعافى ابن عمران من حديث ابن مسعود- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إياكم والحسد فإن ابني آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسدًا).
قيل أوحى الله- تعالى- إلى سليمان بن داود- ﵉ أوصيك بسعة أشياء لا تغتبن صالحي عبادي، ولا تحسدن أحدًا من عبادي. فقال سليمان: حسبي.
وقال بعض السلف: إذا أراد الله أن يسلط على عبد عدوًا لا يرحمه سلط عليه حاسدًا.
وقال بعضهم: الحاسد غضبان على من لا ذنب له يحتال بما لا يملك كما قيل:
أفكر ما ذنبي إليك فما أرى ... علي سبيلا غير أنك حاسد
ولبعضهم:
عين الحسود عليك حارسة ... يبدئ المساوئ والإحسان يخفيه
وقال الفضيل بن عياض: المؤمن يغبط والمنافق يحسد وروى البيهقي عن أبي حاتم محمد بن حبان قال: أنشدني محمد بن نصر المديني لداود بن علي بن خلف:
إني نشأت وحسادي ذو وعود ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عدوا
إن يحسدوني على ما كان من حسن ... فمثل خلقي فيهم جر لي حسد
وبسنده أيضًا عن أبي بكر بن كامل القاضي قال: أنشدني بن الأزرق النحوي:
بكر الحسود إلىّ بلحى ربه ... جهلًا نقلت له مقالة حازم
الله أعلم حيث يجعل فضله ... مني ومنك ومن جميع العالم
وفي بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى: الحاسد عدو نعمتي ساخط لقسمتي.
ولبعضهم:
الا قل لمن يأت لي حاسدًا ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله من حكمة ... لأنك لم ترض لي ما وهب
وكلها أدارية على قدر حاله ... سوى حاسد فهي التي لا أنالها
وكيف يداري المرء حاسد نعمتة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
стр. 291
قال البيهقي- أيضًا- أنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد حبيب المفسر قال:
أنشدنا منصور الفقه:
إن تحسدوني فإني لا ألومكم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولكم ما بي وما بكم ... ومات أكثركم غيظًا بما يجدوا
ولبعضهم:
يحسدوني قومي على صنعتي ... لأنني في صنعتي فارس
سهرت في ليلي واستغفوا ... هل يستوي الساهر والناعس
ولغيره:
سبقت العالمين إلى المعالي ... بصائب فكرة وعلو همه
جهد الحاسدون ليطفئوه ... ويأبى الله إلا أن ينمّه
ولغيره:
(قل للحسود إذا تنفيس ( ... ) ... يا ظالمًا ( ... ) مظلوم
ثم إن الحسد يعمل أذاه في الحاسد أكثر من المحسود.
كما قال أبو عبد الله الحاكم- في تاريخه-: أخبرنا أبو بكر الجعابي قال: لا تشتغل بالحساد، واصبر عليهم، فقد حدثونا عن ابن أخي الأصمعي، عن عمر- ﵁-قال: الحسد داء منغص يعمل في الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود.
وقال بعض الحكماء: يقتل الحاسد عما قبل المحسود.
وقال بعض الحكماء: يقتل الحاسد عما قبل المحسود.
وقالوا:
لله در الحسد ما أعدله ... بدا بصاحبه فقتله
ولبعضهم:
لقد لقيت بك الحسام حتفا ... وما سل الحسام من القراب
ولا هزت يراعك الأنتقام ... ولا صعرت خدك الاحتاب
ولكن نشر مكرمة وذكر ... وفضل ما يحصل باكتساب
стр. 292
قال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك.
قال بعض العلماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه:
أولها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.
وثانيها: أنه سخط لقسة ربه كأنه يقول: لم قسمت هذه القسمة؟
وثالثها: أنه ضاد فعل الله.
ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم وزوال النعمة عنهم.
وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس.
وأنشدوا:
وأظلم أهل الأرض من بات حاسدًا ... لمن بات في نعمائه يتقلب
ولبعضهم:
إن يحسدوك على علاك فإنما ... ناقص الدرجات يحسد من علا
والحسد يثمر للحاسد خمسة أشياء مذمومة:
أولها: إفساد الطاعة، لأنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، فواأسفاه على من أوقد نارًا في قلبه وجعل حطبها صالح كسبه لكن من آسره الشيطان وأسكرته الغفلة وانكب على القاذروات جاد بدينه على أعدائه، وقدم على الله فقيرًا حقيرًا مفلسًا ممقوتًا، وذلك مراد الشيطان من أتباعه وأوليائه.
الثاني: فعل المعاصي والشرور لأن الحاسد له ثلاث علامات: يتملق إذا شهد ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبه.
الثالث: التعب والهم من غير قائدة. نفس دائم وعقل هائم وغم لازم.
الرابع: عمى القلب. كما قال بعض السلف: لا تكن حاسدًا تكن سريع الفهم.
الرابع: عمى القلب. كما قال بعض السلف: لا تكن حاسدًا تكن سريع الفهم.
الخامس: الحرمان والخذلان، لأنه لا يكاد يظفر بمراده ولا ينصر على عدوه فكيف يظفر بمراده. ومراده زوال نعم الله- تعالى- عن المؤمنين من عباده وكيف ينتصر على أعدائه وهم المؤمنون أهل النصر والعز. قال تعالى: ﴿ ... وكان حقّا علينا نصر المؤمنين﴾
стр. 293
وقال الله تعالى: ﴿ ... ولله العزة ولرسوله والمؤمنين ... ﴾.
وأما المحسود فلا ضرر عليه في أمر دينه ودنياه، لأن النعمة لا تزول عنه بحسده بل ما قدره الله فلا حيلة في رفعه بل كل شيء عنده بمقدار. ولكل أجل كتاب. أما ما نفعه في الدين فواضح، لأنه مظلوم لا سيما إذا خرج الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك سره وذكر مساوئه. وقد يكون الحسد سبب إظهار نعمة المحسود- كما تقدم- في حسد"إبليس" لآدم- ﵇ وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق إساءة الأعداء وغمهم وكونهم معذبين مغمومين ولا عذاب لهم مما الحاسد فيه، من ألم الحسد فقد فعل بنفسه ما لم يقدروا عليه أن يتسيبوا له فيه.
فإذا تأمل الحاسد هذا، علم أنه عدو نفسه وصديق عدوه، حيث تعاطي ما تضرر به في الدنيا والآخرة، وانتفع به عدوه في الدنيا والآخرة، وصار مذمومًا عند الخالق والخلق، شقيًا في الحال والمآل، ثم لم يكتف بذلك حتى توصل إلى إدخال أعظم السرور على "إبليس" وهو أعدى عدوه، لأنه لما رآه محرومًا من نعمة العلم والورع والجاه والمال الذي اختص به محسوده عنه، خاف أن يحب له ذلك فيشاركه في الثواب المحبة، لأن من أحب الخير للمسلمين كان شريكًا في الخير، ومن فاته اللحاق بدرجة الأكابر في الدين لم يفته ثوب الحب لهم. يخاف"إبليس" أن يحب ما أنعم الله به على عبده من دينه ودنياه، يفته ثوب الحب لهم. فبعضه إليه حتى لا يلحقه بحبه كما لم يلحقه بعلمه. فظهر بذلك أن الحاسد يتضرر بحسده قبل محسوده. وقد تقدم قريبًا من رواية الحاكم، عن عمر بن الخطاب موقوفًا: الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود.
وقال أبن عقيل- في الفنون: افتقدت الأخلاق فإذا أشدها وبالًا على صاحبها الحسد.
فصل
(فصل): وجوب إيثار الآمر الناهي رضي رب العباد على رضى العباد:
والذي يتعين على الآمر الناهي- حينئذ- أن يعرض عن ملاحظة الناس له في المدح والذم، وعن رضاهم عنه، ويؤثر رضي الله- سبحانه- على رضاهم مع أن العبد إذا آثر رضي سيده الله كفاه مؤنة غضب الخلق، بل يرضيهم عنه. وإذا آثر رضاهم لم يكفوه لم يكفوه"مؤنة غضب الله عليهم. بل إذا غضب الله على عبد أغضب عليه عباده.
وفي جامع الترمذي وغيره من حديث عبد الوهاب بن الورد، عن رجل من أهل
стр. 294
المدينة قال: كتب معاوية إلى عائشة- ﵂ أن اكتبي كتابًا توصيني فيه ولا تكثري علي. فكتبت إليه سلام عليك. أما بعد. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول) من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس) والسلام عليك.
وفي رواية عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية، فذكر الحديث بمعناه ولم يرفعه.
قال بعض السلف: لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة، إنك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها مع أنك لا تقدر على مصانعة أكثرهم.
كما قال الشافعي- ﵀: رضا الناس غاية لا تدرك فعليك ما فيه صلاح نفسك فالزمه.
قال العلامة ابن القيم: ومعلوم أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا بأرئها ومولاها على غيره.
وقد أحسن أبو فراس في قوله الأبيات المشهورة:
فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
وروى البيهقي- بسنده- عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي- ﵀ يا أبا موسى لو جهدت كل الجهد على أن ترضي الناس كلهم فلا سبيل إليه، فإذا كان كذلك فأخلص عملك ونيتك لله- انتهى.
فكلما رضي به فريق من الناس يسخط به فريق، ورضي بعضهم في سخط بعض.
وأما ذمهم فلا يزيد العبد شيئًا ما لم يكتبه الله عليه ولا يعجل أجله محبوبًا عنده ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة. ولا يبغضه إلى الله إن كان محبوبًا عنده، بل في مرقية ذمهم موصلة الهموم ومرادفة العموم.
стр. 295
كما قيل: من راقب الناس مات غمًا، وفاز بالراحة الجسور.
فالعباد كلهم عاجزون كعجزء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورا. والله سبحانه هو المتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ولا يصيب العبد من ذلك ألا ما سبق تقديره وقضاؤه له. والخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو ضر غير مقدر في الكتاب السابق وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق وعن رجاء نفعهم وخوف ضرهم.
ومن المعلوم أن المؤثر لرضا الله متصد لمعاداة الخلق وأذاهم، وسعيهم في إتلافه، ولا بد هذه سنة الله في خلقه وألا فما ذنب الرسل من الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس والقائمين بدين الله، الذايين عن كتابه وسنة رسوله عندهم فمن آثر رضا الله فلا بد أن يعاديه رذّالة العالم وسقطهم وجهالهم وأهل البدع والفجور منهم، وأهل الرياسات الباطلة وكل من يخالف هديه هديه. وما يقوم على معاداة هؤلاء إلا طلب الرجوع إلى الله على سماع خطاب: ﴿يأيتها النفس المطمّنة أرجعي إلى ربك راضية مرضيّة﴾. ومن إسلامه صلب كامل لا تزعزعه الرجال ولا تقلقه الجبال
كما قال أبو الوفا ابن عقيل- في الفنون من صدر اعتقاده عن برهان لم يبق عنده تلون يراعي به أحوال الرجال: ﴿أفائن مّات أو قتّل انقلبتم علّى أعقبكم﴾.
وكان الصديق- ﵁ من ثبت على اختلاف الأحوال، فلم يتقلب به في كل مقام زلت به الأقدام. إلى أن قال: وقد يكون الإنسان مسلمًا إلى أن يضيق به عيش وأنما ديننا مبني على تعب مع صلاح الآخرة. فمن طلب به العاجل أخطأ. انتهى.
فينبغي للعبد- حينئذ- أن لا يتغير بكثرة التاركين لما أمرنا به أو الفاعلين لما نهينا عنه.
وقد قال السيد الجليل الفضيل بن عياض- قدس الله روحه- لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها. ولا تغيتر بكثرة السالكين والذين يتعين على العارف مخالفتهم في ذلك قولآ وفعلًا ولا يثبطه عنه وحدته وقلة الرفيق.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا تعز فيه وليك، وتذل فيه عدوك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهي عن المنكر، وسر بنا في سرب النجاة، ووفقنا لامتثال الأمر والإنابة وأفتح لأدعيتنا أبواب الإجابة وإلهمنا ما ألهمت الصالحين، وأيقظنا من رقدة الغافلين، إنك ولي من تولاك، ومجيب من دعاك.
стр. 296
الباب الرابع: بيان ما يستحب من الأفعال والأقوال والأحوال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فأول ما يستجيب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بل لكل عامل، أن يحدث في كل أمر ونهي وحركة وسكون، نية صالحة مخلصًا جهاده من شوائب الأكدار.
قال الخطابي: معنى النية فصدك الشيء بقلبك. وقيل: عزيمة القلب.
قال الله تعالى: ﴿ ... إن يريدّا إصلحًا يوفّق الله بينهماّ ... ﴾ فجعل سبحانه النية سبب التوفيق وهي عمل القلب وعبوديته، كما أن العمل عبودية الجوارح.
وفي الصحيحين، والسنن الأربعة، وغيرها من حديث عمر بن الخطاب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).
وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فإنما نظره سبحانه إلى القلوب، لأنها مظنة النية.
стр. 297
وقد سبق- في الباب الأول- من رواية الصحيحين عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أنزل بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم يبعثون على نياتهم).
وروى ابن ماجه من حديث جابر مرفوعًا: "يحشر الناس على نياتهم".
وروى مسلم، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أم سلمة مرفوعًا: "يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث إليه بعث فإذا كان بيداء من الأرض خسف بهم"فقلت: يا رسول الله، فكيف من كان كارهاّ قال: (يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته).
وروى الإمام أحمد- أيضًا- من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم به"
وروى-أيضًا- النسائي من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: "من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالًا فله ما نوى".
وروى ابن أبي الدنيا- في كتاب الإخلاص والنيه- من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "إنما يبعث المقتتلون على النيات".
وروى الطبري- في الكبير- من حديث سهل بن سعد الساعدي مرفوعًا: "نية المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، فإذا عمل المؤمن عملًا ثار في قلبه نور".
ورواه- أيضًا- من حديث النواس بن سمعان مختصرًا.
قال بعض العلماء: قيل لأن النية تدوم إلى آخر العمل، والعمل لا يدوم.
وقيل لأن النية سر لا طلع عليه إلا الله- والعمل ظاهر ولعل السر أفضل، لأنه فعل
стр. 298
القلب، وعمل الأشراف أشرف. وقيل إن النية مجردة خير من العمل مجردًا لأن نية المرء خير من عمله.
(وقال عمر بن الخطاب- ﵁: (أفضل الأعمال أداء ما افترضه الله- تعالى- والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عمل لله.
وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليها- اعلم أن عون الله- تعالى- والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عمل لله.
-تعالى- للعبد على قدر النية. فمن تمت نيته ما لم يعطيه على عمله، لأن النية لا رياء فيها.
وقال الحسن البصري- رحمة الله عليه-: إنما حل أهل الجنة، وأهل النار في النار النيات.
وقال يونس بن عبيد: إني لأحسب الناس لا يدخلوا الجنة بفضل صوم ولا صلاة، ولكن يدخلوا الجنة بالنية (الحسنة) والسنة والقصد الصالح.
وينبغي للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، أن ينوي إبادة المعاصي وما يكره الله- تعالى- وتنظيف البقاع من المنكرات، وإعلاء كلمة الحق وإظهارها، والسعي في توبة أهل الجرائم والآثار، وتخليص أديانهم وأعرضهم من القاذورات التي لا تليق.
ثم ينبغي للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، والمعلم، إخلاص النية في تعليم أحكام ربه- تعالى- وأصابة الحق والصواب في أقواله وأفعاله، وألا يختار بنيته أن يكون هو الذي ﷺ قال (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
وكان السلف- ﵃ يأتون بالمسائل العظيمة والفوائد الجسمية ولا يريدون
стр. 299
أن تنسب إليهم، خوفًا من الرباء والسمعة وكانوا من ذلك براء، لشدة إخلاصهم ومراقبتهم لربهم في أعمالهم.
وقال الإمام الشافعي: وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم ولا ينسب إلى منه شيء.
وقال- أيضًا-: ما ناظرت أحدًا قط فأحببت أن يخطئ.
وقال- أيضًا-: ما كلمت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان وتكون عليه رعاية من الله- تعالى.
والحق اليوم مع عدم الإخلاص والصفاء، وقلة اليقين وكثرة الجزع من الخلق والطمع فيما في أيديهم من المال، وما يتوقع عندهم من الجاه والرياسة، نحب أن نسمع ما نلقيه من الأمر والنهي والتعليم، ونخبر به ويصدر عنا بل ينسب إلينا من ذلك ما يفعله غيرنا، ويجريه الله على يديه من الخير، وأن يشاع عنا كل ذلك ويذاع في الأفطار. . فإذا قيل من أحدنا: أن فلان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، أو عالم أو صاحب فهم، توهمت نفسه أن ذلك حق وأنه الآمر بالمعروف كما قالوا.
فمثل هذا مثل نائم يرى في منامه ما يسره ويعجبه، فيفرح ويسر ويخيل إليه أن ذلك حق ثم ينتبه من نومه فلا يجد شيئًا مما رآه. فكذلك هذا لما رأى وسمع ما قيل عنه حسب نفسه كما قالوا. فلو تيقظ من هذه السنة والغفلة التي وقع فيها، ونظر إلى ما ميز الله به العلماء المتقدمين، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من المهم العالية، والأفهام السامية والتقوى المتينة وإتباعهم- في أمورهم- سيد المرسلين، لتلاشى عنده ما هو فيه وما نسب إليه، ووجده قطرة من بحر، لكثرة ما يجد عند من تقدمه من الفضائل والصفات الجميلة، وما يجد في نفسه من التقصير والتلبيس بالصفات الذميمة. والله أعلم.
فصل (١): الآمر بالمعروف والنهين عن المنكر القائم في حدوده بمنزلة الطبيب الذي يسقى الدواء الكريه الذي يرجو به الشفاء للمريض من دائه ، ويقطع الأعضاء المتأكله وبالحجامة وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك وما يدخله عليه من المشقة ينوي له به الراحة في الآخرة الأرض كانت نية صالحة وقصدًا حسنًا وحصل له- حينئذ- النصر والظفر.
стр. 300
قال أبو العباس تقي الدين أحمد ابن تيمية- رحمة الله-: وهكذا ينبغي أن يكون فيه وفي الأمر في إقامتها، فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات بجلب المنافع إليهم، ودفع المضار عنهم وأبتغى بذلك وجه الله- تعالى- كانت نية صالحة، وسبب التيسير أسباب الخير عليه وتعظيم حرمته وزيادة هيبته. ويرضى المأمور بالمعروف المنهي عن المنكر والمحدود- غالبًا- إذا قام عليه الحد. فهذه النية كما روي عن عمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليه- أنه كان نائبًا للوليد ابن عبد الملك على مدينة النبي ﷺ قبل أن يلي الخلافة وقد ساسهم سياسة صالحة فقدم"الحجاج" من العراق وقد سامهم سواء العذاب فسأل أهل المدينة عن "عمر" كيف هيبة فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه، هيبة له. قال: كيف محبتكم له؟ قالوا: هو أحب إلينا من أهلينا.
قال: فكيف أدبه فيكم؟ قالوا: ما بين الثلاثة أسواط إلى العشرة. قال الحجاج: هذه هيبته وهذه محبته وهذا أدابه فهذا أمر من السماء.
وروى أبو عبد الله الحاكم- في تاريخه- بسنده، عن وكيع. قال: سمعت سفيان الثوري يقول: لا يتقي الله أحد إلا اتقاه الناس شاءوا أم أبوا.
وقال عمر بن عبد البر- في كتابه بهجة المجالس- كان يقال: من خاف الله خاف منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه كل شيء. انتهى.
وقد روى أبو الشيخ بن حيان الأصبهاني- في كتاب الثواب- بسنده، عن وائلة بن الأسقع مرفوعًا: "من خاف الله- خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء"
ورواه الحكيم الترمذي ولفظه: "من اتقى الله- أهاب الله منه كل شيء ومن لم يتق الله أهابه الله من كل شئ".
قال الترمذي الحكيم: قال ابن عباس أو غيره: والله لدرة"عمر" كانت أهيب في صدور الناس من سيوف غيره.
وروى الحكيم الترمذي- أيضًا- بسنده عن ابن عمر- ﵄ أنه خرج في
стр. 301
سفر له فإذا جماعة على طريق فقال: ما هذه الجماعة؟ فقالوا: أسد قطع الطريق. قال: فنزل فمشي إليه حتى بعده ونحاه علي الطريق، ثم قال: ما كذب علك رسول الله ﷺ قال: إنما يسلط علي ابن آدم من لم يخف الله قال: أن ابن آدم لم يخف غير الله لم يسلط الله عليه غيره.
وروي عن محمد بن صالح. قال: (كنت عند حماد بن سلمة وليس في البيت إلا حصير هو جالس عليها، ومصحف يقرأ فيه، ومطهره يتوضأ منها فبينما أنا عنده إذ دق الباب، فإذا هو محمد بن سليمان، فإذا له فدخل وجلس بين يديه. ثم قال: ما لي إذا رأيتك امتلأت منك رعبًا؟ قال: لأنه- ﵊ قال: (إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإن أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء).
ثم عرض عليه أربعين درهمًا. قال: تأخذها وتستعين بها قال: ارددها إلي من ظلمته بها. قال: والله ما أعطيتك إلا مما ورثته. قال: لا حاجة لي فيها. قال: فتأخذها فتقسمها. قال: لعلي إن عدلت في قسمتها. أن يقول بعض من لم يرزق منها أنه لم يعدل في قسمها فيأثم فازوها عني).
وأما إذا كان غرض الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر العلو في الناس بإقامة رياسته، ليعظموه أو يبذلوا له ما يريد من الأموال، انعكس عليه مقصوده وتعسرت الأسباب دونه، قلت بركته، وتناقصت هيبته في الدنيا ولم يكن له في الآخرة من نصيب.
قال الله - تعالي -: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا .. ﴾.
أي لا يريدون رفعة وتكبرًا علي المؤمنين ولا يجزعون من ذل الدنيا ولا يتنافسون في عزها.
فصل (٢): يستجيب للآمر الناهي العلم والورع وحسن الخلق:
ومما يستجيب للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عالمًا ورعًا حسن الخلق.
стр. 302
أما العلم فليكن عالمًا بمواقع الأمر والنهي وحدوده، ومجاريه، ويقتصر علي حد الشرع فيه، ليدفع به جهل الجاهلين وإلا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.
وقد روي أبو محمد الخلال - بإسناده عن أسامه بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ينبغي لأحد أن يأمر بالمعروف حتى يكون فيه ثلاث خصال: عالمًا بما يأمر عالمًا بما ينهي رفيقًا فيما يأمر ورفيقًا فيما ينهي).
فقد حلف أبو الفرج - بن الجوزي - في بعض مصنفاته - بالله العظيم - أما أحدًا أخطأه العلم إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح في دينه ودنياه، ولم يدعه الجهل يرشد إلي خير.
وجاء فضل العلم في غير ما وضع من القرآن الكريم، ومن حديث النبي ﷺ .
وقد عد شيخ مشايخنا - عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه - أول شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يكون الآمر عالمًا بما يأمر وبما ينهي.
وكذلك قال غيره.
قال ابن مفلح: فهذا يقتضي أنه لا إنكار إلا مع العلم.
وقال بعضهم: وإنما يدرك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعلم، لأن العلم يرشد إلي مواضع بذل المعروف، والفرق بينه وبين المنكر، وترتيبه في وضعه مواضعه، فلا يضع الغضب موضع الحلم وعكسه، ولا العجلة موضع الإناة والتؤدة وعكسه، بل يعرف مواقع الخير والشر ومراتبها وموضع كل خلق بابن آدم يضعه، وأين يحسن استعماله، فالعلم أكبر العون علي نيل كل مطلوب من خير الدنيا والآخرة. والآمر الناهي بغير علم مسددة عليه سبيل الهدي والفلاح، مغلقة عنه أبوابها، لأن العلم هو الركن الأعظم والسنن الأقوم. وأما الورع فهو التوقف في كل شيء وترك الإقدام إلا بإذن الشرع، فذلك العز
стр. 303
الأكبر والغنى الخالص والملك العظيم والفخر الجليل واليقين الصافي والتوكل الشافي الصحيح.
فالورع أساس العبادة ونتيجة الزهد الذي عليه مبني الإرادة. وقد تظاهرت الأدلة من الكتاٍب والسنة علي استجابه مطلقًا.
قال الله تعالي: ﴿ ... وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾.
وقال تعالي: ﴿إنَّ ربَّك لبا لمرصاد﴾.
وفي الصحيحين، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث النعمان بن البشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقي المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).
وروي هذا الحديث بألفاظ متعددة متقاربة. لكن اقتصرت هنا علي لفظ الصحيحين.
قال العلماء: (وهذا أحد أحاديث الإسلام التي عليها مداره مجمعين علي جلالته وعظم موقعه).
قال جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه وعلي حديث (إنما الأعمال بالنيات).
стр. 304
وحديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).
وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبه فيه علي صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها.
وإنه ينبغي أن يكون حلالآ وأنه ينبغي ترك الشبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه.
و(استبرأ) أي حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي فصان عرضه عن كلام الناس فيه والله أعلم.
وفي الصحيحين- أيضًا- من حديث أنس بن مالك- ﵄ أن النبي ﷺ وجد ثمرة في الطريق. فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها).
وروي الترمذي والنسائي وابن حبان- في صحيحه عن الحسن بن علي- ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ قال: (دع ما يريبك إلي ما لا يريبك).
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورواه الطبراني بنحوه من حديث وائلة بن الأسقع. وزاده. قيل: فمن الورع؟ قال: "الذي يقف عند الشبهه".
قال العلماء: معناه أترك ما تشتك فيه وخذ ما لا تشتك فيه.
وروي الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث عطية بن عروة السعدي مرفوعًا. "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به (حذرًا لما به بأس) ".
قال الترمذي: حديث حسن.
стр. 305
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وفي المعاجم الثلاثة للطبراني من حديث ابن عمر مرفوعًا "أفضل العبادة والفقه وأفضل الدين الورع".
وروي- أيضًا- في الكبير من حديث ابن عباس مرفوعًا: "فضل العلم أفضل من فضل العبادة، وملاك الدين والورع".
وروي أبو القاسم إسماعيل في الترغيب والترهيب بسنده عن علقمة بن مرثد بن سلمان الفارسي مرفوعًا: "جلساء الله- تعالي- غدًا أهل الورع والزهد.
وبسنده، عن عبد الله بن عمر مرفوعًا. قال الله- تعالي- لموسي ﵇ لم يتقرب إليَّ المتقربون بمثل الورع. وبسنده عن عتبه بن ضمرة بن حبيب- رحمة الله عليه- قال: لا يعجبنكم صلاة كل امرئ ولا صيامه ولكن انظروا إلي ورعه فإن كان ورعًا، مع ما رزقه الله من العبادة فهو عند الله حقًا.
وروي الإمام أحمد- في كتاب الزهد- بسنده، عن الحسن البصري- رحمة الله عليه- إنه كان يقول: إن من أفضل العمل بعد الفرائض الورع والتفكر.
وبسنده، عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: فضل العلم خير من فضل العمل وخير دينكم الورع.
ورواه الطبراني- في الأوسط- من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا وكذلك البزار.
قال المنذري: إسناده حسن.
стр. 306
وروى أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني- في الترغيب والترهيب- بسنده، عن الحسن البصري في قوله- تعالي-:
﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾.
قال: الورع.
(ودخل الحسن- أيضًا- مكة، فرأي غلامًا من أولاد علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- قال: وقد اسند ظهره إلي الكعبة يعظ الناس، فوقف عليه الحسن. فقال: ما ملاك الدين؟ فقال: الورع. فقال: ما آفة الدين؟ قال الطمع. فتعجب الحسن منه.
قال شيخ مشايخنا محيي الدين عبد القادر الكيلاني- قدس الله روحه- والورع ثلاث درجات: ورع العوام (من الحرام) والشبهة، والخواص وهو كل ما للنفس والهوى فيه حظ، وورع خواص الخواص وهو عن كل ما لهم فيه إرادة ورؤية.
فصل (٣): تأكد ورع الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بالإغراض عما في أيدي الناس
ويتأكد لزوم الورع للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، سيما بالإغراض عما في أيدي الناس بقطع المطامع، لأنها مذهبة للهيبة حيث كان غضبة لغرض دنيوي وكذلك سروره، فإن الطمع تعلق النفس بإدراك مطلوب تعلقًا قويًا.
وهو أشد من الرجاء، لأنه لا يحدث إلا عن قوة ورغبة وشدة إرادة فإذا اشتد صار طمعًا وإذا ضعف كان رغبة ورجاء.
وروي ابن ماجه، والحاكم، وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري- ﵁ أن رجلًا أتي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أوصني وأوجز. فقال: (عليك باليأس عما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر) الحديث.
ورواه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب الأمثال، ورواه ابن أبي الدنيا- في كتاب القناعة- من حديث إسماعيل الأنصاري عن أبيه، عن جده.
وقد تقدم- في الباب الثاني- والله أعلم.
стр. 307
قال وهيب بن الورد: من أراد شهوات الدنيا فليتهيأ للذل.
وانشدوا:
بلوت بني الدنيا فلم أر فيهم ... سوي غادر والغدر حشو إهابه
فجررت من كنز القناعة صارمًا ... قطعت إياسي عنهم بذبابة
فلا يراني واقفًا في طريقه ... ولا ذا يراني قاعدًا عنه بابه
وقد روي العطار- قدس الله روحه- قال: (مررنا بالبصرة في بعض الشوارع وإذا مشايخ قعود وصبيان يلعبون. فقلت: أما تستحيون من هؤلاء المشايخ؟ فقال صبي من بينهم: هؤلاء المشايخ قل ورعهم، فقلت هيبتهم).
قال بعض السلف: (ومن آداب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، تقليل العلائق حتى لا يكثر خوفه، وقطع المطامع من الخلائق حتى تزول عنه المداهنة).
وفي المعجم الأوسط لأبي القاسم الطبراني، وصحيح الحاكم من حديث سهل بن سعد- ﵁ في حديث طويل- أن جبريل قال للنبي ﷺ : "عز المؤمن استغناؤه عن الناس". ورواه أبو الشيخ في كتاب الثواب، وأبو نعيم- في الحلية.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وجعله القضاعي- في مسند الشهاب- من قول النبي ﷺ .
وأنشد أبو حازم المدني:
الدهر أدبني والصبر رباني ... والقوت أقنعني واليأس أغناني
وأحكمتني من الأيام تجربة ... حتى نهيت الذي كان ينهاني
وغيره:
حنكتني نوائب الدهر حتى ... عرفتني طرائق الإرشاد
وفي جامع الترمذي، وغيره من حديث جابر بن عبد الله- ﵁ قال: ذكر
стр. 308
رجل عند النبي ﷺ بعباده واجتهاد، وذكر آخر برعة. فقال النبي ﷺ : (ألا يعدل بالرعة شيء).
الرعة- بكسر الراء- من الورع. وهو الكف عن الحرام، ثم (يصير) التحرج منه حالًا.
ورع الرجل- يرع- بالكسر فيهما- ورعًا، فهو ورع، ونورع من كذا استعير للكف عن المباح، إذا كان يؤدي إلي الوقوع في الشبهات. والله أعلم.
وقد روي البيهقي- في شعب الإيمان - بسنده عن أحمد بن أبي الحواري. قال: سمعت عرام بن سميع. قال: كان سليمان الخواص يمر باللحام يأخذ منه لقط له فمر به فإذا تكلم (أمسك) قال: تقول له نفسه: يا أبا سليمان من أجل قط تمسك عن الكلام! ! فجاءه إلي منزله فأخرج القطة فطردها، ثم صار إلي اللحام من الغد فوعظه. هذه رواية البيهقي.
وذكر القصة أبو حامد الغزالي. وزاد- بعد ذلك- فقال له القصاب: لا أعطيك بعدها شيئًا لسنورك. فقال: ما أنكرت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك.
وروي أبو نعيم عن الثوري (إن الرجل ليستعير من السلاطين الدابة أو السرج فيتغير قلبه لهم.
وروي أبو بكر الخلال- بسنده- عن ميمون بن مهران أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز قال له: يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فو الله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك. قال: يا بني إني إنما أروض الناس رياضة الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه.
قال بعضهم: (من لم يقطع الطمع من الخلق، لا يقدر على الإنكار بيده، ولا بلسانه لعجزه).
стр. 309
وقال بعض الزهاد "للمنصور": (اذكر ليلة تمحض عن يوم القيامة لا ليلة بعدها. فأفحم المنصور) فأمر له بمال. فقال لو (تطلعت) إلي مالك ما وعظتك. وقال أكثم بن صيفي -رحمه الله_: ما يسرني أني مكفي من أمر الدنيا. قيل له: قال: أخاف عادة العجز.
وصدق- ﵀ لأن العاجز ذليل لا يمكن من إزالة المنكرات ولا من غيرها.
وقال بعض السلف: ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر نزيهًا عفيفًا معرضًا عما في أيدي الناس، لتقبل موعظته وتؤثر نصيحته، ويصير حرًا.
قال أبو العتاهية:
أطعت مطامعي فاستبعدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرًا
قال الإمام أحمد ﵀: (سمعت محمد بن السماك يقول: الطمع غل في عنقك، وقيد في رجلك، فأخرج الغل من عنقك، يخرج القيد من رجلك).
(الغل- بضم الغين- طوق من حديد أو شبهه يجعل في العنق ويكسرها هو الحقد في القلب) والله أعلم.
وقال سفيان الثوري: ما وضع رجل يده في قصعة رجل إلا ذل له.
وأنشدوا:
لا تخضعن لمخلوق علي طمع ... فإن ذلك وهن منك في الدين
واسترزق الله في خزائنه ... فإنما الرزق بين الكاف والنون
وقال الجنيد: لا يكون العبد لله عبدًا حتى يكون مما سواه حرًا.
وقال أبو العباس: فإنه من أحب غير الله ورجاه أو خافه صار فيه عبودية له، فلا يكون عبدًا مخلصًا لله. انتهي.
قال بعض السلف: الحر عبد ما طمع والعبد حر ما قنع.
стр. 310
قال يحيى بن يوسف الصرصري- ﵀:
إذا انقطعت أطماع عبد عن الورى ... تعلق بالرب الكريم رجاؤه
فأصبح حرًا عزة وقناعة ... على وجهه أنواره وضياؤه
وإن علقت بالخلق أطماع نفسه ... تباعد ما يرجو وطال هناؤه
ثم الورع- أيضًا- علي الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، وقطع المطامع من شيئين.
قال أبو الفرج بن الجوزي- ﵀: من لم يقطع الطمع من الناس من شيئين لم يقدر علي الإنكار عليهم.
الأول: من لطف ينالونه به.
والثاني: من رضاهم عنه وثنائهم عليه. انتهي.
وقال أبو حامد الغزالي:
(من أبواب الشيطان الداخل منها إلي القلب الطمع فيما عند الناس فإنه إذا غلب علي القلب فإنه لم يزل الشيطان يحن التصنع والتزين لمن يطمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى يصير المطموع فيه كأنه معبود، فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه ويدخل كل مدخل للوصول إلي ذلك. وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة معه بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وأنشدوا:
إذا شئت أن تحيا عزيزًا فلا تكن ... علي حالة إلا رضيت بدونها
فمن طمع أن تكون قلوب الناس عليه طيبة، وألسنتهم بالثناء مطلقة، وصلاتهم له مشرقة، لم يتمكن من الأمر بالمعروف ولا من النهي عن المنكر لذلته وهوانه.
وأنشدوا:
يذل النفس من طمع لديه ... وفي الطمع المذلة للرقاب
قال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني- قدس الله روحه- يا غلام أنت أخو العزة، ما التحفت برداء القناعة، ومحبوب (الرب) ما التزمت بمفروض الطاعة.
стр. 311
وذكر الحافظ عبد الغني- عن عبد الله بن محمد الباهلي، قال: جاء رجل إلي سفيان الثوري فقال: إني أريد الحج فقال: لا تصحب من يتكرم عليك، ساويته أضر بك، وإن تفضل عللك استذلك.
ولبعصهم:
أطعت مطامعًا فأفدت ذلًا ... وخير من تذلك القنوع
فمن طمع ف الخلق لم يخل من الذل والخيبة. وإن وصل إلي المراد لم يخل عن المنة والمهانة.
فكيف تتعلق يا عبد الله برجاء كاذب، ووهم فاسد؟ قد يصيب وقد تخطئ، فإذا أصاب فلا تقي لذاته بألم منته ومذلته.
ولبعضهم:
أزلت مطامعي وأرحت نفسي ... فإن النفس ما طمعت تهون
فمن لم يكن متورعًا عما في أيدي الناس ومتورعًا في أمره ونهيه عن الميل إلي الهوى فإن كلامه لا يصير مقبولًا. والناس يهزؤن به إذا أنكر عليهم وربما أورث ذلك جرأة عليه من المأمور. كما سيأتي في وضعه- من الباب الخامس- والله أعلم.
فصل (٤): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بحسن الخلق:
وأما وجوب اتصاف الآمر بحسن الخلق، فليتمكن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر من الرفق، وسعة الصدر واللطف والحلم، وذلك أصل الأمر بالمعروف والنهي وأساسه وهو نتيجة حسن الخلق. فمن (شأن) المعلم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر التحلي بمكارم الأخلاق وسعة الصدر ليتحمل جفاء العامة وغلظهم له فوجب أن يكون المعلم هو الآمر الناهي محل الفضائل وسعة الصدر. وقد علمنا ثناء في الكتاب والسنة علي حسن الخلق، فمن ذلك ومن ثناء الكتاب والسنة علي حسن الخلق:
قال الله تعالي: ﴿فبما رحمة من الله من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾.
стр. 312
وقال- سبحانه لأكرم الخلق عليه، ومظهرًا لأنعمه لديه، ومفصحًا في كتابه الكريم: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
فتخصيصه- تعالي- الخلق بالذكر فيه تخصيص عظيم وإرشاد بليغ علي تحصيل ذلك والإتصاف به في كل الأحوال الممدوحة شرعًا.
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ : (أحسن الناس خلقًا).
وفيهما، وفي مسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا. وكان يقول: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح-.
ورواه ابن أبي الدنيا- بالشطر الأول- كما سيأتي.
ولأحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ ) فسكت فأعادتها مرتين أو ثلاثًا. فقال القوم: نعم يا رسول الله. قال: أحسنكم أخلاقًا.
وفي مسند أحمد-أيضًا- من حديث ابن مسعود- ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: (اللهم كما أحسنت خلقي فحسن خلقي).
وفي صحيح مسلم، وجامع الترمذي من حديث النواس بن سمعانا لكلابي- ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم. فقال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس منك".
стр. 313
ولفظ الترمذي: أن رجلًا سأل النبي ﷺ فذكره.
وفي سنن أبي داود، وجامع الترمذي، سنن النسائي، وصحيح الحاكم من حديث هريرة- ﵁ قال: قيل يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل إيمانًا؟ قال: (أحسنهم خلقًا).
وفي مسند أحمد، وجامع الترمذي، وصحيح الحاكم من حديث عائشة مرفوعًا: (إن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله).
وفي مسند أحمد، وسنن أبي داود وصحيحي ابن حبان والحاكم من حديث عائشة مرفوعًا. "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم".
وفي مسند أحمد، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وصحيح ابن حبان من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن".
стр. 314
زاد الترمذي: "وإن صاحب حسن الخلق، ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة".
وزاد في رواية أخري: "وإن الله يبغض الفاحش البذيء".
وقال فيه: حديث حسن صحيح.
وزاد "أحمد" في رواية أخري: "من أعطي حظه من الرفق، أعطي حظه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخلق الحسن".
قال أهل اللغة: البذيء الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام. وفي جامع الترمذي- أيضًا- من حديث أبي ذر مرفوعًا: اتق الله (حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن).
وروي الترمذي عن (معاذ) نحوه.
وفي شعب الإيمان للبيهقي بسنده عن الأصمعي قال: سمعت ابن المبارك يقول منشدًا:
خالق الناس بخلق حسن ... ولا تكن كلبًا علي الناس يهر
وروي الإمام أحمد، والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: سئل النبي ﷺ عن أكثر ما يلج به الناس الجنة. فقال رسول الله ﷺ : (حسن الخلق) هذا لفظ أحمد.
وللترمذي، وابن ماجه: قال سئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الجنة. قال: (تقوي الله وحسن الخلق) الحديث.
стр. 315
وروى أبو الشيخ بن حيان- في كتاب الثواب- بسنده عن عائشة مرفوعًا. "ما جبل ولي لله- إلا علي السخاء وحسن الخلق".
وروي البزار، وأبو يعلى الموصلي، والحاكم، والخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب، وابن عدي في الكامل. من حديث أبي هريرة- ﵁ مرفوعًا: "إنكم لا تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق".
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وفي المعجم الأوسط للطبراني من حديث أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما حسن الله خلق امريء، وخلقه فتطمعه النار).
ورواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي- في الشعب، والخرائطي- أيضًا- في مكارم الأخلاق وغيرهم.
قال العلماء: الخلق الصورة الظاهرة، والخلق الصورة الباطنة.
وفي سنن ابن ماجه، وغيرها من حديث أبي ذر مرفوعًا: "لا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق".
وفي المعجم الأوسط للطبراني من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: "إن الله استخلص هذا الدين لنفسه فلا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بها". ورواه الأصبهاني مرفوعًا: (جاء حبريل فقال: يا محمد إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ... فذكره).
وروي الإمام مالك بن أنس- في الموطأ- من حديث معاذ بن جبل- رضي الله
стр. 316
عنه- قال: كان آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: "يا معاذ حسن خلقك للناس".
قال أهل اللغة: (الغرز) ركاب كور الجمل إذا كان من جلد، فإن كان من خشب أو حديد فهو ركاب. كما سبق بيانه.
وروي أبو القاسم الطبراني، والأصبهاني- بسنديهما- عن أبي هريرة مرفوعًا: "أوحي الله- إلي إبراهيم ﵇ يا خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار، تدخل مدخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي، وأن أسقيه من حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري "اللفظ للطبراني".
وفي مسند البزار، وغيره من حديث أنس "مرفوعًا" "ثلاث من كن فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان خلق يعيش به الناٍس، وورع يحجزه عن محارم الله، وحلم يرد به جهل الجاهل".
وقال عمر بن الخطاب ﵁ من اتقي الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون.
وروي الطبراني في الكبير، والخرائطي في مكارم الأخلاق، وأبو الشيخ بن حيان- في كتاب طبقات الأصبهانيين- من حديث أنس مرفوعًا: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، وإن العبد ليبلغ بسوء خلقه أسفل من درك جهنم).
وقال أبو علي الفضيل بن عياض- قدس الله روحه- لأن يصحبني فاجر حسن الخلق، خير لي من أن يصحبني عابد سيء الخلق.
وقال أبو القاسم الجنيد بن محمد ﵀ (أربع ترفع العبد إلى أعلى) الدرجات
стр. 317
وإن قل علمه وعمله: الحلم والتواضع، والسخاء وحسن الخلق حسنة لا يضر معها كثير السيئات، وهو كمال الإيمان.
وقال يحيي بن معاذ الرازي- قدس الله روحه- حسن الخلق حسنة لا يضر معها كثير السيئات، وسوء الخلق سيئة لا ينفع معها كثير الحسنات.
وقال- أيضًا- في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.
وسئل ابن عباس عن الحسب، فقال: ﴿أحسنكم أخلاقًا أفضلكم حسبًا).
قال بعض المفسرين- في قوله تعالي: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنه ... ﴾.
الظاهرة تسوية الخلق، والباطنة تسوية الخلق فالجود بالخلق الحسن والبشر والبساطة من أعلي مراتب الجود، وهو فرق الجود بالصبر والاحتمال والعفو، وهو الذي يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، ولا شيء أثقل في الميزان منه- كما تقدم في حديث أبي الدرداء- والناس يختلفون في علامة حسن الخلق ما هي؟
فروي البيهقي- في شعب الإيمان- بسنده، عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا. "عليك بحسن الخلق". قال: وما حسن الخلق؟ قال: "تصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك".
وروي الترمذي بسنده- عن عبد الله بن المبارك- ﵀ أنه وصف حسن الخلق، فقال: هو بسط الوجه وبذل المعروف، وكف الأذي.
وروي عن الحسن البصري مثله.
وروي التيمي صاحب الترغيب والترهيب- بسنده- عن أحمد بن إسحاق بن منصور قال: سمعت أبي يقول: قلت لأحمد بن حنبل- ﵀: ما حسن الخلق؟ (قال) هو أن يحتمل ما يكون من الناس قريبًا.
وقال هل بن عبد الله التستري: أدناه الحياء. وترك المكاره، والرحمة للظالم، والاستغفار له والشفقة عليه.
стр. 318
وقيل أن لا يخاصم أحدًا من شدة معرفته بالله - تعالي-.
وقيل: أن يكون من الناس قريبًا، وفيما بينهم غريبًا.
وقيل: أن لا يؤثر (فيه) جفاء الخلق بعد مطالعته للحق.
وقيل: قبول ما يرد عليه من جفاء الخلق وقضاء الحق بلا ضجر ولا قلق.
وقال بعض السلف: (أولى ما يمتحن (به) حسن الخلق الصبر علي الأذى، واحتمال الجفاء).
وقيل: بذل الجميل، وكف القبيح.
وقد جمع بعضهم علامات حسن الخلق. فقال: أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، قليل الفساد، صدوق اللسان قليل الكلام، كثير العمل، قليل الذلل، قليل الفضول برًا وصولًا رضيًا شكورًا حليمًا رفيقًا عفيفًا شفوقًا. لا لعانًا ولا سبابًا ولا نمامًا ولا شتامًا ولا مغتابًا ولا عجولًا، ولا حقودًا ولا بخيلًا ولا حسودًا، هشاشًا بشاشًا يحب الله ويبغض في الله ويرضى لله ويبغض لله.
فهذا هو حسن الخلق.
قال يوسف بن أسباط: (علامة حسن الخلق عشرة أشياء. قلة الخلاف وحسن الإنصاف وترك طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من السيئات، والتماس المعذرات، واحتمال الأذى، والرجوع بالملامة على النفس، والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره، وطلاقة الوجه للكبير والصغير ولطف الكلام لمن دونه وفوقه).
ومدار حسن الخلق مع الخلق ومع الحق على أمرين ذكرهما شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه- قال: كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس، وقال بعض المحققين (حسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها. الصبر والعفة والشجاعة والعدل، فالصبر يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة، والعفة تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله علي الحياء وهو رأس كل خير ويمنعه من الفحش والكذب والغيبة وغير ذلك.
стр. 319
والشجاعة تحمله على عزة النفس وقوتها، وإيثار معالي الأخلاق والشيم على الندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها، وتحمله على كظم الغيظ والحلم وتحمله علي إيثار معالي الأخلاق والشيم. وعلي شجاعة النفس وقوتها.
فإنه بقوة نفسه وشجاعتها، يمسك عنانها ويمنعها عن البطش.
كما صح عنه - ﷺ أنه قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، وسيأتي الحديث- قريبًا بأتم من هذا.
والعدل: يحمله علي اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط. وملاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النفس في الضعف، وإفراطها في القوة. فيتولد من إفراطها في الضعف، المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص والشح وسفساف الأخلاق.
ويتولد من إفراطها في القوة الظلم والغضب والحسد والفحش والطيش.
ويتولد من (تزوج) أحد الخلقين بالآخر أولاد كثيرون، فإن النفس قد تجمع قوة وضعفًا، فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر، وأذلهم إذا قهر. ظالم عسوف جبار فإذا قهر صار أذل من امرأة جبانة على القوى. جبار على الضعف. فالأخلاق الذميمة يولد بعضها بعضًا، وكذلك الأخلاق الحميدة. وكل خلق محمود يكتنف أي يحاط بخلقين ذميمين وهو وسط بينهما .. [فالمراد كل فضيلة وسط بين رذيلتين].
وسيأتي الكلام علي شيء من ذلك- في الباب السادس -إن شاء الله تعالي. والمقصود، أن حسن الخلق أصل كبير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو أساسه، لأن سبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن هو دونها.
فالحادث عند السطوة والانتقام إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع ما لم يكن في الطبع قبول له بحسن الخلق.
وعلى التحقيق، فلا يتم الأمر والنهي إلا مع حسن الخلق (والقدرة علي ضبط الشهوة والغضب ويحتاج ذلك إلى قوة دينية، وقد جاء ذم سوء الخلق) في غير ما حديث مأثور، وأثر صحيح مشهود. ومن أمثلتها، ما روى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري.
стр. 320
مرفوعًا: (خصلتان لا يجمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق).
وقال: حديث غريب.
وروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن ميمون بن مهران مرسلًا. "ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق، وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في ذنب".
وفي مسند أحمد من حديث رافع بن مكيث الجهني وكان من شهداء الحديبية أن رسول الله ﷺ قال: (حسن الخلق نماء، وسوء الخلق شؤم .. ).
وفي مسند الإمام أحمد -أيضًا- من جديث عائشة مرفوعًا. "الشوم سوء الخلق".
وقال الحسن والإمام أحمد -أيضًا- من حديث من ساء خلقه عذب نفسه.
فصل (٤) [مكرر]: في ذم الغضب
وقد جاء ذم الغضب والمنع منه في غير ما حديث.
فمن ذلك: ما روى الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في الشعب من رواية بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده مرفوعًا " (إن) الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل".
وفي جامع الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا "الغضب جمرة في القلب".
وروى البخاري، ومالك، وأحمد، والترمذي، وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : (أوصني ولا تكثر علي)، أو قال: مرني بأمر وأقلله لي، كي لا أنساه. قال: "لا تغضب".
وفي رواية البخاري، والترمذي: مرني بأمر وأقلله علي، كي أعقله، قال: "لا تغضب" فردد مرارًا. قال: "لا تغضب".
следующие страницы →