← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36110

الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ابن داود الحنبلي

ابن داود الحنبلي

Полный текст (502 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

عنه- قال: كان آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: "يا معاذ حسن خلقك للناس". قال أهل اللغة: (الغرز) ركاب كور الجمل إذا كان من جلد، فإن كان من خشب أو حديد فهو ركاب. كما سبق بيانه. وروي أبو القاسم الطبراني، والأصبهاني- بسنديهما- عن أبي هريرة مرفوعًا: "أوحي الله- إلي إبراهيم ﵇ يا خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار، تدخل مدخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي، وأن أسقيه من حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري "اللفظ للطبراني". وفي مسند البزار، وغيره من حديث أنس "مرفوعًا" "ثلاث من كن فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان خلق يعيش به الناٍس، وورع يحجزه عن محارم الله، وحلم يرد به جهل الجاهل". وقال عمر بن الخطاب ﵁ من اتقي الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون. وروي الطبراني في الكبير، والخرائطي في مكارم الأخلاق، وأبو الشيخ بن حيان- في كتاب طبقات الأصبهانيين- من حديث أنس مرفوعًا: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، وإن العبد ليبلغ بسوء خلقه أسفل من درك جهنم). وقال أبو علي الفضيل بن عياض- قدس الله روحه- لأن يصحبني فاجر حسن الخلق، خير لي من أن يصحبني عابد سيء الخلق. وقال أبو القاسم الجنيد بن محمد ﵀ (أربع ترفع العبد إلى أعلى) الدرجات

стр. 317

وإن قل علمه وعمله: الحلم والتواضع، والسخاء وحسن الخلق حسنة لا يضر معها كثير السيئات، وهو كمال الإيمان. وقال يحيي بن معاذ الرازي- قدس الله روحه- حسن الخلق حسنة لا يضر معها كثير السيئات، وسوء الخلق سيئة لا ينفع معها كثير الحسنات. وقال- أيضًا- في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق. وسئل ابن عباس عن الحسب، فقال: ﴿أحسنكم أخلاقًا أفضلكم حسبًا). قال بعض المفسرين- في قوله تعالي: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنه ... ﴾. الظاهرة تسوية الخلق، والباطنة تسوية الخلق فالجود بالخلق الحسن والبشر والبساطة من أعلي مراتب الجود، وهو فرق الجود بالصبر والاحتمال والعفو، وهو الذي يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، ولا شيء أثقل في الميزان منه- كما تقدم في حديث أبي الدرداء- والناس يختلفون في علامة حسن الخلق ما هي؟ فروي البيهقي- في شعب الإيمان- بسنده، عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا. "عليك بحسن الخلق". قال: وما حسن الخلق؟ قال: "تصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك". وروي الترمذي بسنده- عن عبد الله بن المبارك- ﵀ أنه وصف حسن الخلق، فقال: هو بسط الوجه وبذل المعروف، وكف الأذي. وروي عن الحسن البصري مثله. وروي التيمي صاحب الترغيب والترهيب- بسنده- عن أحمد بن إسحاق بن منصور قال: سمعت أبي يقول: قلت لأحمد بن حنبل- ﵀: ما حسن الخلق؟ (قال) هو أن يحتمل ما يكون من الناس قريبًا. وقال هل بن عبد الله التستري: أدناه الحياء. وترك المكاره، والرحمة للظالم، والاستغفار له والشفقة عليه.

стр. 318

وقيل أن لا يخاصم أحدًا من شدة معرفته بالله - تعالي-. وقيل: أن يكون من الناس قريبًا، وفيما بينهم غريبًا. وقيل: أن لا يؤثر (فيه) جفاء الخلق بعد مطالعته للحق. وقيل: قبول ما يرد عليه من جفاء الخلق وقضاء الحق بلا ضجر ولا قلق. وقال بعض السلف: (أولى ما يمتحن (به) حسن الخلق الصبر علي الأذى، واحتمال الجفاء). وقيل: بذل الجميل، وكف القبيح. وقد جمع بعضهم علامات حسن الخلق. فقال: أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، قليل الفساد، صدوق اللسان قليل الكلام، كثير العمل، قليل الذلل، قليل الفضول برًا وصولًا رضيًا شكورًا حليمًا رفيقًا عفيفًا شفوقًا. لا لعانًا ولا سبابًا ولا نمامًا ولا شتامًا ولا مغتابًا ولا عجولًا، ولا حقودًا ولا بخيلًا ولا حسودًا، هشاشًا بشاشًا يحب الله ويبغض في الله ويرضى لله ويبغض لله. فهذا هو حسن الخلق. قال يوسف بن أسباط: (علامة حسن الخلق عشرة أشياء. قلة الخلاف وحسن الإنصاف وترك طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من السيئات، والتماس المعذرات، واحتمال الأذى، والرجوع بالملامة على النفس، والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره، وطلاقة الوجه للكبير والصغير ولطف الكلام لمن دونه وفوقه). ومدار حسن الخلق مع الخلق ومع الحق على أمرين ذكرهما شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني - قدس الله روحه- قال: كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس، وقال بعض المحققين (حسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها. الصبر والعفة والشجاعة والعدل، فالصبر يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة، والعفة تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله علي الحياء وهو رأس كل خير ويمنعه من الفحش والكذب والغيبة وغير ذلك.

стр. 319

والشجاعة تحمله على عزة النفس وقوتها، وإيثار معالي الأخلاق والشيم على الندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها، وتحمله على كظم الغيظ والحلم وتحمله علي إيثار معالي الأخلاق والشيم. وعلي شجاعة النفس وقوتها. فإنه بقوة نفسه وشجاعتها، يمسك عنانها ويمنعها عن البطش. كما صح عنه - ﷺ أنه قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، وسيأتي الحديث- قريبًا بأتم من هذا. والعدل: يحمله علي اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط. وملاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النفس في الضعف، وإفراطها في القوة. فيتولد من إفراطها في الضعف، المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص والشح وسفساف الأخلاق. ويتولد من إفراطها في القوة الظلم والغضب والحسد والفحش والطيش. ويتولد من (تزوج) أحد الخلقين بالآخر أولاد كثيرون، فإن النفس قد تجمع قوة وضعفًا، فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر، وأذلهم إذا قهر. ظالم عسوف جبار فإذا قهر صار أذل من امرأة جبانة على القوى. جبار على الضعف. فالأخلاق الذميمة يولد بعضها بعضًا، وكذلك الأخلاق الحميدة. وكل خلق محمود يكتنف أي يحاط بخلقين ذميمين وهو وسط بينهما .. [فالمراد كل فضيلة وسط بين رذيلتين]. وسيأتي الكلام علي شيء من ذلك- في الباب السادس -إن شاء الله تعالي. والمقصود، أن حسن الخلق أصل كبير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو أساسه، لأن سبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن هو دونها. فالحادث عند السطوة والانتقام إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع ما لم يكن في الطبع قبول له بحسن الخلق. وعلى التحقيق، فلا يتم الأمر والنهي إلا مع حسن الخلق (والقدرة علي ضبط الشهوة والغضب ويحتاج ذلك إلى قوة دينية، وقد جاء ذم سوء الخلق) في غير ما حديث مأثور، وأثر صحيح مشهود. ومن أمثلتها، ما روى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري.

стр. 320

مرفوعًا: (خصلتان لا يجمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق). وقال: حديث غريب. وروى ابن أبي الدنيا -بسنده- عن ميمون بن مهران مرسلًا. "ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق، وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في ذنب". وفي مسند أحمد من حديث رافع بن مكيث الجهني وكان من شهداء الحديبية أن رسول الله ﷺ قال: (حسن الخلق نماء، وسوء الخلق شؤم .. ). وفي مسند الإمام أحمد -أيضًا- من جديث عائشة مرفوعًا. "الشوم سوء الخلق". وقال الحسن والإمام أحمد -أيضًا- من حديث من ساء خلقه عذب نفسه. فصل (٤) [مكرر]: في ذم الغضب وقد جاء ذم الغضب والمنع منه في غير ما حديث. فمن ذلك: ما روى الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في الشعب من رواية بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده مرفوعًا " (إن) الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل". وفي جامع الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا "الغضب جمرة في القلب". وروى البخاري، ومالك، وأحمد، والترمذي، وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : (أوصني ولا تكثر علي)، أو قال: مرني بأمر وأقلله لي، كي لا أنساه. قال: "لا تغضب". وفي رواية البخاري، والترمذي: مرني بأمر وأقلله علي، كي أعقله، قال: "لا تغضب" فردد مرارًا. قال: "لا تغضب".

стр. 321

الرجل المبهم السائل هو جارية بن قدامة. وقيل: أبو الدرداء، أو عبد الله بن عمر أو سفيان بن عبد الله الثقفي. وهذا الرجل طلب من النبي ﷺ أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال الخير، ليحفظها عنه فوصاه أن لا يغضب ثم ردد هذه المسألة عليه مرارًا والنبي ﷺ يردد عليه هذا الجواب. وهذا الحديث يدل على أن الغضب جماع الشر، وأن التحرز منه جماع الخير. وقد روى الإمام أحمد من حديث الزهري، عن حميد عبدالرحمن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قلت يا رسول الله أوصني قال: (لا تغضب). قال الرجل: تفكرت حين قال النبي ما قال: فإذا الغضب يجمع الشر كله. ورواه مالك- في الموطأ عن الزهري، عن حميد مرسلًا. (وروى أبو القاسم الطبراني -في مكارم الأخلاق- وأبو عمر بن عبدالبر -في التمهيد- بإسناد حسن، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سأل جل رسول الله ﷺ ما يبعدني من غضب الله؟ قال: "لا تغضب". ورواه أحمد بن حيان -في صحيحه-: وعندهما أن عبدالله بن عمرو هو السائل. فنهيه ﷺ عن الغضب لا سيما وقد ردده مرارًا دليل على دخوله تحت الوسع، وإلا لم ينه عن المحال. وعلى عظم مفسدته وما ينشأ منه. والله أعلم. وقال جعفر بن محمد: (الغضب مفتاح كل شر. وقيل لعبد الله بن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة). قال: ترك الغضب. فقوله ﷺ للذي استوصاه: (لا تغضب) يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والشجاعة والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى والصفح والعفو وكظم الغيظ والطلاقة

стр. 322

والبشر ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة، فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق وصارت لها عادة، أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه. والثاني: أن يكون المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك وجاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان كالآمر الناهي له، ولهذا المعنى قال الله : ﴿ولما سكت عن موسى الغضب ... ﴾. فإذا لم يمسك الإنسان ما يأمره به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك اندفع عنه شر الغضب وربما يمكن غضبه ويذهب عاجلًا فكأنه -حينئذ- لم يغضب. قال ابن رجب: وإلى هذا وقعت الإشارة إليه في القرآن (في) قوله -تعالى: ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾. وقوله: ﴿ ... والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾. والغيظ: الغضب. وقيل: أشد. وقيل: أوله. غاظه يغيظه فاغتاظ وغيظه يغيظه وأغاظه وغايظه. وكظم الغيظ رده في الجوف. يقال: كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه. والغيظ أصل الغضب وهو نتيجته وكثيرًا ما يتلازمان لكن الفرق بينهما أن الغيظ لا يظهر على الجوارح بخلاف الغضب فإنه يظهر من باطن الإنسان إلى ظاهره والله أعلم. فصل (٥): فضيلة كظم الغيظ: وقد جاء في كظم الغيظ والثبات عند الغضب أحاديث من أمثلتها. ما ثبت في الصحيحين ومسند أحمد، والموطأ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".

стр. 323

ورواه ابن حبان -في صحيحه- ولفظه: "ليس الشديد من غلب الناس، إنما الشديد من غلب نفسه". الصرعة -بضم- الصاد، وفتح الراء- أصله عند العرب- من يصرع الناس كثيرًا. وفي صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود عن ابن مسعود مرفوعًا (ما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا الذي لا تصرعه الرجال. قال: لا ولكن الذي يملك نفسه عن الغضب). وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن حصية أو أبي حصية عن رجل شهد سول الله ﷺ يخطب. وفي آخره. ثم قال النبي ﷺ : (ما الصرعة؟ قالوا: الصريع). فقال رسول الله ﷺ : (الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه، ويحمر وجهه، ويقشع شعره فيصرعه غضبه). وروى ابن أبي الدنيا من حديث علي مرفوعًا: "أشدكم من ملك نفسه عند الغضب، وأحلمكم من عفا عند المقدرة". وروى أبو الاسم الأصبهاني -في الترغيب والترهيب- عن حديث ابن عمر مرفوعًا "من كف لسانه ستر الله عورته، ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه، ومن اعتذ إلى ربه قبل الله عذره". ورواه أبو يعلى الموصلي بلفظ: "من كف غضبه كف الله عنه عذابه" فذكر مثله. وروى أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث سهل بن

стр. 324

معاذ بن أنس الجهني، وعن أبيه مرفوعًا: "من كظم غيظًا وهو قادر على (أن) ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيه من أي حور العين شاء" الحديث قال الترمذي: حديث حسن. وعند "أحمد": "من كظم غيظًا وهو يقدر أن ينتصر ... " فذكره. وروى أحمد -أيضًا- وابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ كظمها عبد، ما كظمها عبد إلا ملأ الله قلبه إيمانًا". وفي مسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث ابن عمر مرفوعًا. "ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله -تعالى-". ففي هذه الأحاديث دلالة على فضل كظم الغيظ، وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصا والمخاصمة، فإن شدة الغضب مؤدية إلى كل سوء. وغضب عمر بن العزيز -رحمة الله عليه- فقال له ابنه عبد الملك: أنت يا أمير المؤمنين مع ما أعطاك الله وفضلك به تغضب هذا الغضب؟ فقال له: أو ما تغضب يا عبد الملك؟ فقال عبد الملك: وما تغني عني سعة جوفي إذا لم أردد فيه الغضب حتى لا يظهر. وقال بعض السلف: (إياك والغضب، فإنه يصيرك إلى ذل الاعتذار). وقال بعضهم: عجبًا لمن قيل فيه السوء وهو فيه. كيف يغضب؟ وعجبًا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح؟ أيها الآمر زل المنكر بمعروف وتبتل واستشعر الخضوع واستجلب الدموع واحتل، واحذر سهم الغضب أن يصيب المقتل. والمقصود أن يحسن الخلق بكظم الإنسان غيظه وبه يصير الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر صابرًا على ما أصابه في دين الله -تعالى- وإلا فإذا أصيب عرضه أو نفسه بشتم أو

стр. 325

ضرب لنسي الأمر بالمعروف وغفل عن دين الله تعالى واشتغل بنفسه بل ربما يطلب الجاه والاسم وغير ذلك. ليكن الآمر الناهي -حينئذ- حذرًا من نفسه، مفتقدًا لمجاري الغضب المفسد للدين وإلا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. وروى الإمام أحمد -في الزهد- بسنده، عن يحيى بن أبي كثير -رحمة الله عليه- قال: قال سليمان بن داود ﵉ لابنه: يا بني إياك والغضب، فإن كثرة الغضب يستخف فؤاد الحليم. يا بني إياك والمراء، فإن نفعه قليل. وهو يهيج العداوة بين الإخوان. وقال بعض السلف: الغضب يحدث ثلاثة أشياء مذمومة: تفرق الفهم، وتغير النطق، وقطع مادة الحجة. وقال إبراهيم بن أدهم. أنا منذ عشرين سنة لي أخ، إذا غضب علي لم يقل في إلا الحق- لا أجده. فصل (٦): أساليب إذهاب الغضب: وينبغي للمغضب أن يذهب غضبه بأشياء: منها، الاستعاذة؛ لقوله -تعالى-: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ... ﴾. وفي الصحيحين، وسنن أبي داود من حديث- سليمان بن صرد ﵁ قال: استب رجلان عند رسول الله ﷺ ونحن عنده فبينما أحدهما يسب صاحبه مغضبًا وقد احمر وجهه وانتفخت أوداجه. قال رسول الله ﷺ : (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد. لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فقال: وهل بي من جنون.

стр. 326

وعند أبي داود: فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه. وفي آخره: وهل ترى بي من جنون. ومنها. ذكر الله -تعالى- وذكر وعده ووعيده. ففي بعض الآثار يقول الله تعالى: (يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت ولا أهلكك فيمن أهلك) رواه ابن أبي حاتم. ومنها ذكر نار جهنم، فقد قال الحسن البصري: أيها الناس أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم. وقال أبو الدرداء: أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب. ومنها: السكوت؛ لما روى الإمام أحمد، والبزار من حديث ابن عباس مرفوعًا: "علموا ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت، وإذا غضب أحدكم فليسكت وإذا غضب أحدكم فليسكت". وهذا -أيضًا- دواء عظيم للغضب، لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول والفعل ما يندم عليه بعد زوال غضبه. ومنها: جلوسه إذا كان قائمًا واضطجاعه إذا كان قاعدًا، لما روى الإمام أحمد، وأبو داود من حديث أبي ذر مرفوعًا: "إذا غضب أحدكم وهو ائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع". قال بعض العلماء؛ لأن القائم مهيئ للانتقام، والجالس دونه في ذلك، والمضطجع بعيد عنه. فأمر رسول الله ﷺ بالتباعد عن حالة الانتقام. ولهذا المعنى قال النبي ﷺ في الفتن: (إن المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي فيها خير من الساعي ... ) والله أعلم.

стр. 327

ومنها: أن يتوضأ، لما روى الإمام أحمد، وأبو داود من حديث أبي وائل عبدالله بن بحير الصنعائي قال: كنا جلوسًا عند عروة بن محمد السعدي إذا دخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه، فلما أن غضب قام ثم عاد إلينا وقد توضأ فقال: حدثني أبي عن جدي "عطية" وكان له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما يطفئ النار الماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ). وروى أبو نعيم -في الحلية- بسنده عن أبي مسلم الخولاني. أنه كلم معاوية ﵁ بشيء وهو على المنبر، فغضب، ثم نزل واغتسل، ثم عاد إلى المنبر وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الغضب من الشيطان، والشيطان من النار والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل) وأمره ﷺ بالسكوت والجلوس والاضطجاع والوضوء وغير ذلك يدل على أنه مكلف في حال غضبه بذلك، والله أعلم. فصل (٧): استحباب الغضب عند انتهاك حرمات الله: فجميع ما تقدم من ذم الغضب لمجرد هوى النفس لانتهاك حرمات هوى النفس لانتهاك حرمات الله -تعالى- وكما نستحب كتم الغيظ والعفو إذا انتهكت حرمة الإنسان، فكذلك يستحب الغضب إذا انتهكت حرمات الله قال الله -تعالى: ﴿قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ لوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ... ﴾. وقال تعالى: ﴿ ... ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ... ﴾. وقال تعالى: ﴿يأيها النبي جهد الكفار والمنفقين واغلظ عليهم .. ﴾. فالله تعالى يغضب كما شاهد به الكتاب والسنة لا سيما على من لم يغضب له، فإن المرء إذا رأى منكرًا ولم يغضب لله ولم يغيه، غضب الله عليه وإذا لم يتمعر وجهه لحقه الإثم كما سبق في غير ما حديث.

стр. 328

وقد كان رسول الله ﷺ : (يغضب لله إذا انتهكت حرماته). ففي الصحيحين، والموطأ، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، وأبن ماجه، وغيرهم من حديث عائشة ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من حرمات الله فينتقم لله-تعالى- هذا لفظ مسلم. وروى الترمذي-في الشمائل- من حديث علي- كرم الله وجهه- قال: (كان) رسول الله ﷺ لا يغضب للدنيا، فإذا أغضبه التعدي على الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر (له) ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها". (وفي الشمائل -أيضًا- من حديث هند أبي هالة. أنه كان ﷺ يغضب لربه لا لنفسه). وفيه (وكان لا تغضبه الدنيا وما كان منها فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء حتي ينتصر له. ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها). وفي صحيح مسلم من حديث جابر- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه .. ". وقد بوب أبو عبد الله البخاري على ذلك- في صحيحه- فقال: باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره. ثم روى- بإسناده- عن (أبي) مسعود- ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان. فما رأيت النبي ﷺ في موعظة أشد غضبًا من يومئذ. فقال: (أيها الناس، إن منكم منفرين، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة). ورواه مسلم وغيره.

стр. 329

قوله: (إن منكم منفرين) أي عن الجماعات والأمور الإسلامية. وخاطب الكل ولم يعين المطول. كرمًا ولطفًا. وكانت هذه عادته حيث ما كان يخصص العتاب والتأديب بمن يستحقه، حتى لا يحصل الخجل ونحوه على رؤوس الأشهاد. والله أعلم. ثم ذكر البخاري حديث زيد بن خالد أن النبي ﷺ سأله رجل عن اللقطة. قال: (اعرف وكاءها). أو قال: وعاءها وعفاصها ثم عرفها سنة ثم استمتع بها فإن جاء ربها فأدها إليه. قال فضاله الإبل فغضب حتي احمرت وجنتاه. فقال: "وما لك ولها" الحديث. رواه مسلم -أيضًا- وغيره. غضه ﷺ في هذا الحديث إنما كان استقصارًا لعلم السائل، وسوء فهمه، إذ لم يراع المعنى المشار إليه، ولم ينتبه له. ثم ذكر أيضًا حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أشياء كرهها فلما أكثر عليه غضب. ثم قال للناس: (سلوني عما شئتم قال رجل: من أبي؟ قال: أبوك حذيفة) فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: (أبوك سالم مولى شيبة) فلما رأى (عمر) ما في وجهه. قال: يا رسول الله إنا نتوب إلى الله- . رواه مسلم- أيضًا- وغيره. وغضبه ﷺ في هذا الحديث، لكثرة سؤالهم وإحفائهم في المسألة وفي ذلك إيذاء له. قال تعالى: ﴿ ... وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ... ﴾. قال تعالى: ﴿غن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ فلما أكثروا عليه. قال: سلوني عما شئتم وأخبر بما سألوه. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة-﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه وتلون

стр. 330

وجهه. وقال: (يا عائشة أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله). (السَّهوة) هي الصُّفَّة بين يدي البيت. (والقرام) بكسر القاف- ستر رقيق. (وهتكه) أي أفسد الصورة التي فيها. وقوله: (تلون وجهه) اي احمر من شدة الغضب. وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي شريح الخزاعي الكعبي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: أذن لنا رسول الله ﷺ يوم الفتح في قتال "بني بكر" حتي أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله ﷺ يرفع السيف. فلقى رهط منا الغد رجلًا من "هذيل" فقتلوه وبادروه أن يخلص إلى رسول الله ﷺ قيأمن فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ غضب غضبًا شديدًا. قال والله ما رأيته غضب غضبًا أشد منه. الحديث. وفي الموطأ من حديث عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه- ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا من بني عبد الأشهل على الصدقة فلما تقدم سأله بعيرًا منها. فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه وعرف الغضب في وجهه وكان مما يعرف أنه تحمر عيناه ثم قال: (ما بال رجال يسألني أحدهم ما لا يصلح لي ولا له. فإن منعته كرهت منعه. وإن أعطيته، أعطيته ما لا يصلح لي ولا له) "فقال الرجل: يا رسول الله لا أسألك منها شيئّا أبدًا". وفي الصحيح، عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه". وروى الطبراني- في الأوسط- بسنده، عن عمرو بن العاص مرفوعًا: "لا يحق العبد حقيقة الإيمان حتى يغضب لله ويرضى لله، فغذا فعل ذلك فقد استحق حقيقة الإيمان" .. الحديث. إلى غير ذلك من الاحاديث الصريحة بغضب النبي ﷺ في أمور وما يتعلق بحقوق المسلمين، لأنه كان مع لينه ولطفه إذا انتهكت حرمات الله، لم يقم لغضبه شيء- كما تقدم قريبًا-.

стр. 331

ولم يكن ﷺ يواجه أحدًا بما يكره، بل كانت تعرف الكراهة في وجهه-كما تقدم- وسيأتي-في هذا الباب- قول أبي سليمان الداراني من روايه البيهقي- في الشعب- إنما الغضب علي أهل المعاصي لجرأتهم عليها, فإذا تذكرت ما يصيرون اليه من عقوبة الآخرة دخلت قلوب الرحمة إليهم. فينبغي- حينئذ- للمؤمن أن يغضب لله- سبحانه- إذا انتهكت حرماته, لكن يكون غضبه غير مخرج حد للإنحراف, إلى قول ما لا يحل وفعل ما لا يجوز له. وروى الطبراني- في المعجم الصغير- من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث من اخلاق أهل الإيمان, من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه من حق, ومن إذا قدر لم (يتعاط) ما ليس له). ومن وصيه محمد بن جعب القرظي, لعمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليهما- (ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله- من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل, وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق, وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. وأنشدوا: وإذا غضبت فكن وقورًا كاظمًا ... للغيظ تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفًا تصبر ساعة ... يرضى بها عنك الإله ويدفع (فإن قيل: كيف أغضب علي من أمرت أن أتواضع له, وأترك التكبر عليه) - كما سيأتي بعد-؟ قيل. تغضب لمولاك وسيدك, إذا أمرك أن تغضب لا لنفسك. وأنت في غضبك لا تري نفسك ناجيًا, ومن تأمره وتغضبه عليه هالكًا. بل يكون خوفك علي نفسك بما علم الله من خفايا ذنوبك أكثر من خوفك عليه مع الجهل بالخاتمة. وليس من ضرورة الغضب لله أن تتكبر علي المغضوب عليه وترى قدرك فوق قدره. ومثال ذلك: أنه إذا كان للملك غلام وولد هو قرة عينه وقد وكل الغلام بالولد, ليراقبه وأمره أن يغضب عليه ويضربه إذا أساء أدبه, وأشتغل بما لا يليق به, فإن كان الغلام مطيعًا محبًا لمولاه فلا يجد بدًا من أن يغضب عليه, إذا رأى ولده قد أساء الأدب, وإنما يغضب عليه لمولاه ولأنه أمره به وهو يريد التقرب بامتثال أمره, ولأنه يرى من ولده ما يكره مولاه فيضرب ولده, ويغضب من غير

стр. 332

تكبر عليه بل (هو) متواضع يرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه, لأن الولد أعز لا محالة من الغلام. ومع ذلك فينبغي أن يكون غضبه بحكم الأمر (محبه) لمولاه إذا جرى ما يكرهه, مع التواضع لمن يجوز أن يكون عنده أقرب منه في الآخرة. وأما المغرور فإنه يتكبر ويرجو لنفسه (أكثر) مما برجوه لغيره مع جهله بالعاقبة, ولذلك غاية الغرور. قال بعضهم: والفرق بين الغضب للحق, والغضب للنفس, أن الغضب للحق كرجل رأي منكرًا فغار لله- ولمحق ذلك المنكر وإبطاله فهو محمود, والغضب للنفس فهو كرجل رأي منكرًا فحميت نفسه, لأنه رجع إلى نفسه فقال بين يدي مثل هذا؟ ! ولقد استهزئ بقدري واجترئ علي. فهذا الغضب مردود والإنكار فيه غير مقبول. انتهي. وسيأتي الكلام علي التكبر- في الأمر بالمعروف والنهي, واستحقار المأمور- في الباب الخامس- إن شاء الله تعالي. والله أعلم. فصل (٨): وجوب حذر الغاضب عند انتهاك حرمات الله من الشوائب الدنيوية . ثم ليحذر في غضبه من الشوائب الدنيوية, لأن ذلك من أسباب زلته وخذلانه, كما في الإسرائيليات أن عابدًا عبد الله- تعالى- دهرًا طويلًا فجاء قوم فقالوا: إن ههنا (قومًا) يعبدون شجرة من دون الله, فغضب لذلك, وأخذ فأسه علي عاتقه, وقصد الشجرة ليقطعها فاستقبله "إبليس" في صورة شيخ. فقال: أين تريد رحمك الله؟ قال: أريد قطع هذه الشجرة. قال وما أنت وذاك! تركت عبادتك واشتغالك بنفسك وتفرغك لغير ذلك؟ فقال: إن هذا من عبادتي. فقال: فإني لا أتركك أن تقطعها, وقاتله فأخذه العابد فطرحه علي الأرض, وقعد علي صدره. فقال له "إبليس" أطلقني حتى أكلمك, فقام عنه. فقال له "إبليس": يا هذا إن الله أسقط عنك هذا ولم يفرضه عليك, وما تعبدها أنت فما عليك من غيرك ولله-تعالي - أنبياء في الأرض ولو شاء لبعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها. قال العابد: لا بد لي من قطعها فنابذه القتال, فغلبه العابد وصرعه وقعد علي صدره فعجز "إبليس" فقال له: هل لك من أمر فصل بيني وبينك وهو خير لك وأنفع؟ قال: بلى. قال: أطلقني حتى أقول لك, فأطلقه.

стр. 333

فقال "إبليس": انت رجل فقير ولا شيء لك إنما أنت كل على الناس يعولونك، ولعلك تحب أن تتفضل على إخواتك وتواسي جيرانك وتستغني عن الناس؟ قال: نعم. قال: فأرجع عن هذا الأمر ولك أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين إذا أصبحت أخذتهما وأنفقت على نفسك وعلى عيالك وتصدقت على إخواتك، فيكون ذلك أنفع لك وللناس من قطع الشجرة التي يغرس مكانها فلا يضرهم قطعها ولا ينفع إخواتك المؤمنين قطعك إياها! ففكر العابد فيما قال. وقال: صدق الشيخ لا يلزمني قطع هذه الشجرة ولا أمرني الله أن أقطعها فأكون عاصيًا بتركها، وما ذكره الشيخ اكثر منفعة فعاهده على الوفاء بذك وحلف له، فرجع العابد إلى معبده فبات فلما أصبح رأى العابد دينارين تحت رأسه فأخذهما وكذلك في اليوم الثاني، فلما أصبح في الثالث والرابع لم (ير) شيئًا، فغضب، فأخذ فاسه على عاتقه فاستقبله "إبليس" في صورة الشيخ فقال: إلى أين؟ فقال: أقطع تلك الشجرة، فقال: كذبت والله ما أنت بقادر على ذلك ولا سبيل لك عليها. قال: فتناوله العابد، ليأخذه كما فعل أول مرة فقال "إبليس" له: هيهات فأخذه فصرعه فإذا هو كالعصفور بين رجلي "إبليس" وقعد على صدره. وقال: لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك، فنظر العابد فإذا لا طاقة له به. قال: يا هذا غلبتني فخل عني وأخبرني كيف غلبتك أولًا وغلبتني الآن؟ قال: لأنك غضبت اول مرة لله- تعالى- وكانت نيتك الآخرة فصرعتني، وهذه المرة غضبت لنفسك وللدنيا فصرعتك. فصل (٩): استحباب الحلم والعفو للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بل لكل أحد الرفق والحلم والعفو. أما الرفق فقال الله- تعالى- في سورة البقرة: ﴿ ... وقولوا للنَّاس حسنًا ... ﴾ وقال في سورة آل عمران: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لأنفضُّوا من حولك ... ﴾.

стр. 334

وقال في سورة الأعراف: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. وقال تعالى في سورة النحل: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ... ﴾. وقال تعالى في سورة طه خطابًا لمويى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: ﴿فقولًا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾. وقال تعالى في سورة فصلت: ﴿ولا تستوى الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾. أما آية البقرة قوله تعالى: ﴿ ... وقولوا للناس حسنًا .. ﴾ معناها خالقوا الناس بخلق حسن فكأنه- سبحانه- يأمر الناس بحسن المعاشرة مع الناس فينبغي للإنسان (أن يكون) قوله للناس لينًا ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله- تعالى- قال لموسى وهارون: ﴿فقولا قولًا لينًا﴾ فليس البر بأفضل من موسى وليس الفاجر بأخبث من فرعون وقد أمرهما باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: غنك رجل تجمع الناس عندك ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل وفي حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ. فقال: لا تفعل، يقول الله ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ فدخل في ذلك اليهود والنصارى فكيف الحنيفي؟ وقال سفيان الثوري: معنى الآية (مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر). كما قال الحسن البصري- رحمة الله عليه-: الحسن (من) القول أمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويحلم ويعفو وبصفح. وأما آية آل عمران. فقوله لنبيه ﷺ : ﴿فبما رحمة من الله﴾ و (ما) هنا صلة ﴿لنت لهم﴾، أي سهلت لهم أخلاقك وكثر احتمالك ﴿ولو كنت فظًا﴾ يعني جافيًا سيء الخلق قليل الاحتمال ﴿غليظ القلب﴾.

стр. 335

قال الكلبي (فظًا) في القول، غليظ القلب في الفعل ﴿لاتفضوا من حولك﴾ أي لنفروا وتفرقوا عنك ﴿فاعف عنهم﴾ أي تجاوز عنهم ما أتوا يوم أحد ﴿واستغفر لهم﴾ حتي أشفعك فيهم ﴿وشاورهم في الأمر﴾ أي استخرج آراءهم واعلم ما عندهم. واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمره بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه ووجوب طاعته على الخلق. فقال "مقاتل": أمره الله-تعالى- بمشاورتهم تطيبًا لقلوبهم، فإن ذلك أعطف بهم عليهم وأذهب لأضغانهم كما ذكر "البغوي" وغيره، والله أعلم. وأما آية الأعراف، فقال المفسرون: (هي خطاب وتأديب للنبي ﷺ ويعم جميع الأمة وهو أمر يجمع مكارم الأخلاق (والآية ثلاث كلمات تضمنت قواعد الشريعة في المأموريات والمنهيات. فقوله: ﴿خذ العفو﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين والرفق بالمؤمنين وغير ذلك من أخلاق المطيعين). وقال بعض المفسرين: قوله: ﴿خذ العفو﴾ يعني اقبل الميسور من أخلاق الناس. ولا تستقص عليهم فيستقصوا عليك ويتولد منه البغضاء والعداوة. (ودخل في قوله: ﴿وأمر بالعرف﴾ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار). قال عامر بن شراحيل الشعبي. سأل رسول الله ﷺ جبريل عن قوله- تعالى-: ﴿خذ العفو﴾ فأخبره "أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك". وفي مسند الإمام أحمد من حديث أنس بن معاذ الجهني-﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتصفح عمن ظلمك).

стр. 336

وفي "مستدرك الحاكم" من حديث أبي (بن) كعب مرفوعا. "من سره ان يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه". وقال: صحيح على شرط الشيخين. وفي مسند البزار، ومعجم الطبراني من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: "ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: (تحلم على من جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك). وروى البزار، والطبراني والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابًا يسيرًا وأدخله الجنة برحمته، قالوا: وما هي يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: (تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك وإذا فعلت ذلك تدخل الجنة) ". وعن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه- قال: وجدنا في قائم سيف رسول الله ﷺ : "أعف عمن ظلمك، وصل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك" ذكره رزين. وروى الإمام أحمد- في الزهد- بسنده، عن الحسن بن علي، عن أبيه- ﵄ أن عيسى- ﵇ قال: "امرت أن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني وأعفو عمن ظلمني، وأن أكون لابن السبيل أهلًا، وللضعيف ضهرًا". وفي قوله تعالى: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ دليل على التخلق بالحلم. والإعراض عن أهل الجهل، والتنزه عن منازعة السفهاء. وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والصفات السديدة. وفي صحيح أبي عبد الله البخاري، وسنن أبي داود من حديث هشام بن عروة، عن

стр. 337

أبيه عن الزبير بن العوام- ﵁ قال: "ما أنزل الله هذه الآية ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ إلا في أخلاق الناس". وفي رواية قال: أمر الله نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس". وفي رواية قال: أمر الله نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وروى ابن أبي الدنيا بسنده، عن عبد الملك بن عطاء في قوله- تعالى: ﴿ .. وقولوا للناس حسنًا .. ﴾ قال: للناس كلهم المشرك وغيره. فقوله: ﴿وأمر بالعرف﴾ أي بالمعروف، لأن العرف والمعروف كل خصلة حسنة. وقوله: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ أي أقمت عليهم الحجة، وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليه فأعرض عنهم، صيانة لهم، ورفعًا لقدره. قال جعفر الصادق: أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق منها. وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس- ﵄ قال: قدم عليه (عيينة) بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر اللذين يدينهم عمر. وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشورته كهولًا كانوا أو شبابًا. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباي: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له "عمر" فلما دخل. قال: يابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر حتى هم أن يوقع به. فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها وكان وقافًا عند كتاب الله- . فواجب على الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر عند جهل الجاهلين، الإعراض

стр. 338

عنهم، وعدم مقابلتهم والانتقام منهم لنفسه إذا سفهوا عليه. وأنشدوا: خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين وعند اقتدارك كن راحمًا ... وأظهر دوامًا ما الجاه لينا فاعفو (عمن) ظلم، والإحسان إلى من أساء من أخلاق الصديقين لكن إنما يحسن الإحسان إلى من ظلمك. فاما من ظلم غيرك وعصى الله به فلا يحسن الإحسان فيه، لأن في الإحسان إلى الظالم إساءة إلى المظلوم وهو أولى بالمراعاة وتقوية قلبه بالإعراض عن الظالم لأن ذلك أحب إلى الله، فأما إذا كنت أنت المظلوم فالأحسن في حقك العفو والصفح والاحتمال. والله أعلم. وأما آية النحل. فقال- تعالى-: ﴿أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ... ﴾. فأمر سبحانه- وتعالى- نبيه ﷺ أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف من القول. وهو أن يسمع المدعو حكمة، وهو الكلام الصواب القريب الواقع من النفس أجمل موقع. والحكمة: القرآن. قاله ابن عباس. وعنه الفقه. وقيل: الدليل الموضح للحق، المزيل للشبه وقيل. ما يمنع الفساد من آيات ربك المرغبة المرهبة. والموعظة الحسنة. مواعظ القرآن، قاله ابن عباس. وعنه- ايضًا- الأدب الجميل الذي يعرفونه. وقيل: ان تختلط الرغبة بالرهبة، والإنذار بالبشارة. وقيل: هي التي لا تخفى عليهم انك مناصحهم بها، وتقصد ما ينفعهم فيها. قوله: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ أي بالتي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف. وروى أحمد- في كتاب الزهد- بسنده عن (الحسن البصري) أن هرم بن حيان لما احتضر. قيل له: أوصنا. فقال لهم: (أوصيكم بخواتيم سورة النحل ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ... ﴾ حتى ختم السورة).

стр. 339

وأما أنه سبحانه- وتعالى- قال: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾. قيل: نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ وذلك أن رجلًا من العرب شتمه فأمر الله- بالعفو. قال الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ بالقول والفعل فشكوا ذلك إلى رسول الله فأنزل الله الآية. يعني: وقل لعبادي المؤمنين يقولوا للكافرين التي هي أحسن ولا يكافئوهم بسفههم. وذلك قبل أن يؤمروا بالجهاد). والله أعلم. وأما آية طه. فقال- تعالى- لموسى وهارون: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولًا لّنا ... ﴾. قال ابن العباس: لا تعنفا في قولكما ولا تغلظا. وقال ألسدي وعكرمة: كنياه، وقولا له يا أبا العباس. وقيل يا أبا المنذر. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين: ﴿هل لّك إلى أن تزكى﴾ وقوله تعالى: ﴿ .. لّعلّه يتذكر أو يخشى﴾ أي يسلم. قال يحيى بن معاذ الرازي- قدس الله روحه- وقد قرأ هذه الآية: ﴿هذا رفقك بمن يقول. أنا الإله، فكيف رفقك رفقك بمن يقول. أنت الإله؟ ! ! ﴾. وأما آية فصلت. فقال- سبحانه-: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذّي بينك وبينه عدوة كأنه ولي حميم وما يلقها إلا الذين صبروا وما يلقها إلا ذو حظ عظيم﴾. لما ذكر- سبحانه- أنه لا أحد أحسن ممن دعا إلى الله، ذكر ما ترتب على ذلك من حسن الأخلاق، وأن الدعي إلى الله- تعالى- قد يجافي المدعو فينبغي أن يرفق به ويتلطف في إيصال الخير إليه. قيل: (نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب الأموي، وكان عدوا لرسول الله ﷺ فصار وليًا مصافيًا. وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام كان يؤذي رسول ﷺ فأمره الله

стр. 340

-تعالى- بالصبر عليه، والصفح عنه، وذكر أبو الحسن الماوردي وغيره). الحسنة والسيئة: الحلم والفحش. وقيل: المداراة والغلظة. وإما إشارة الحسنة والسيئة فأمر أن تدفع بالتي هي أحسن. قال ابن عباس: قوله - تعالي: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ (هي الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله- وخضع لهم عدوهم ذكره البخاري تعليقًا. (والولي الحميم) هو القريب الصديق الخالص الصداقة). وأنشدوا: بمكارم الأخلاق كن متخلقًا ... ليفوح مسك ثنائك العطر الشذي وانفع صديقك، إن صدقت صداقة ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي قوله: ﴿وما يلقاها إلا اللذين صبروا﴾ أي ما يلقي اله هذه الوصية. قيل: هذه الخصال الجليلة ﴿إلا الذين صبروا﴾ بكظم الغيظ، واحتمال الأذى ﴿ذو حظ عظيم﴾ من خصال الخير. قال ابن عباس وغيره. والله أعلم. وقد جعل الله سبحانه- كلام بعض عباده حسنًا لطيفًا يوفق لعبارات محبوبة وكلمات مقبولة مطلوبة، تكن سببًا للإقبال عليه، والنظر بعين المحبة إليه. (كما روي أن معن بن زائدة، دخل على المنصور، فقارب في خطوه. فقال له المنصور: كبرت سنك يا معن؟ قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. قال: إنك لجلد. قال: علي أعدائك. قال وإن فيك لبقية. قال: هي لك). وسأل بعض الخلفاء رجلًا عن اسمه. فقال: سعد أمير المؤمنين. قال: أي السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين. قال: أي السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين، وسعد الدامج لأعدائك). فاعجبه ذلك. وسئل العباس. أنت أكبر أم رسول الله؟ فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله.

стр. 341

وقد روي عن عمر- رضي الله (عنه) أنه (كان) يخرج يعس المدينة بالليل فرأي نارًا موقدة في حي فوقف. قال: يا أهل الضوء، وكره أن يقول يا أهل النار. وسأل رجلًا عن شيء هل كان؟ قال: لا أطال الله بقاءك. فقال: قد علمتهم فلم يتعلموا: هل لا وأطال الله بقاءك. وكان بعض القضاة جلس أعمي وكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام اذهب مع أبي محمد. يقول خذ بيده. قال: والله ما أخل بها مرة واحدة. وسأل بعض الخلفاء ولده وفي يده عود أراك. ما جمع هذا؟ قال: محاسنك بي يا أمير المؤمنين. فصل (١٠): أحاديث من مدح الرفق وذم تاركه: وقد جاء في مدح الرفق وذم تاركه في غير ما حديث، وما أحسن ما بوب عليه الإمام أبو عبد الله البخاري- في صحيحه- فقال: باب الرفق في الأمر كله. حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود علي رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم. قالت عائشة: ففهمتها فقلت عليكم السام واللعنة. فقالت: فقال رسول الله ﷺ : (مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله) فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : قد قلت وعليكم). وفي رواية نحوه. وفي أخري. أن رسول الله ﷺ قال: (قد قلت: عليكم). ولم يذكر الواو. هذا لفظ الصحيحين، ومسند أحمد، والترمذي. وفي رواية البخاري: "أن اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: السام عليكم فقال: وعليكم. فقالت عائشة: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم. فقال رسول الله ﷺ : (يا عائشة عليك بالرفق وإياك والفحش). فقالت أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو (لم) تسمعي ما قلت؟

стр. 342

رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيَّ". وفي رواية أحمد كذلك. ولمسلم، قالت: أتي النبي ﷺ ناس من اليهود فقالوا: السام عليكم يا أبا القاسم قال: (وعليكم) قالت عائشة- ﵂ وعليكم السام والذام. فقال رسول الله ﷺ : (يا عائشة لا تكوني فاحشة) فقالت: ما سمعت ما قالوا؟ قال: (أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم). وفي رواية أخري بنحوه، وفيه: قال: ففطنت بهم عائشة فسبتهم فقال رسول الله ﷺ (مه يا عائشة، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش). وزاد: فأنزل الله- : ﴿وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ... ﴾. ولأحمد، قالت: بينما أنا عند النبي ﷺ إذ استأذن رجل من اليهود فأذن له. فقال: السام عليك. فقال النبي ﷺ : (وعليك). قالت فهممت أن أتكلم. قالت: ثم دخل الثاني: فقال مثل ذلك. فقال النبي ﷺ وعليك قالت: ثم دخل الثالث: فقال: السام عليك: قالت: قلت: بل السام عليكم وغضب الله إخوان القردة والخنازير، "أتحيون الله ﷺ بما لم يحيه به الله؟ ! قالت: فنظر إليَّ. فقال: (مه، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)، فقالوا قولًا فرددناه عليهم .. الحديث. وروي الترمذي الرواية الأولي. وقال حديث حسن صحيح، قوله: (والذام) بتشديد الذال المعجمة وتخفيف الميم- والذم. والله أعلم. ثم قال أبو عبد الله البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثنا حماد بن زيد. قال: حدثنا ثابت، عن أنس- ﵁ أن أعرابيًا بال المسجد، فقاموا إليه. فقال رسول الله ﷺ : (لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه). وفي رواية فقام الناس إليه ليقعوا فيه. فقال النبي ﷺ : (دعوه وأريقوا علي بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).

стр. 343

ورواه مسلم وغيره. قوله: (لا تزرموه) بضم التاء وإسكان الزاي بعدها راء- أي لا تقطعوا عليه بوله و (الإزرام) القطع. والسجل- بفتح السين المهملة وسكون الجيم- وهي الدلو الممتلئة بالماء. والذنوب- الدلو. والله أعلم. فالحديث دال علي استحباب الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعسف ولا إيذاء، إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا ولا عنادًا. وعلي دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما من قوله ﷺ : (دعوه) وكان قوله ﷺ دعوة لمصلحتين. إحداهما: لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولي من إيقاع الضرر به. الثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة في المسجد. فكذلك ينبغي للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يستعمل في جميع أموره مراعاة المصالح من الرفق وغيره. وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود من حديث عائشة- ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع في شيء إلا شانه). وفي رواية. قال: ركبت عائشة- رشي الله عنها- بعيرًا وكان فيه صعوبة فجعلت تردده. فقال لها رسول الله ﷺ : (عليك بالرفق) وذكر مثله وفي رواية أخري أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالي رفيق يحب الرفق ويعطي علي الرفق ما لا يعطي علي العنف وما لا يعطي علي سواه) هذه رواية مسلم. ولأحمد، ولأبي داود، عن المقدام بن شريح، عن أبيه. قال: سألت عائشة- رضي

стр. 344

الله عنها- عن البداوة. فقالت: كان رسول الله ﷺ يبدو إلي هذه التلاع، وأنه أراد البداوة مرة، فأرسل إلي ناقة محرمة من إبل الصدقة. فقال لي: يا عائشة، ارفقي، فإن الرفق لم يكن شيء قط إلا زانه ولا نزع من شيء قط إلا شانه). وفي رواية ذكرها رزين بعد قوله: محرمة، وهي التي لك تركب فلعنتها. فقال لي رسول الله ﷺ : (يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فعليك بالرفق). ولأحمد- أيضًا- أن النبي ﷺ قال لها: (من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار). ولان ماجه: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله". قال العلماء: الشين ضد الزين وهو العيب. ورفق الله: تودده إلي عباده، ودعاؤه إياهم. والعنف بضم العين وإسكان النون هو ضد الرفق ومعني يعطي علي الرفق أي يثيب عليه- ما لا يثيب علي غيره. وقيل: يتأتي به من الأغراض وتسهيل به من المطالب ما لا يتأتي بغيره. والبداوة: الخروج إلي البادية. فيها لغتان: فتح الباء وكسرها. والتلاع جمع تلعة، وهي مجري بأعلى الأرض في بطون الأدوية. وقيل: ما ارتفع من الأرض وما انخفض منها. والناقة المحرمة: التي لم ترض ولم تذلل بالركوب- كما سبق في رواية رزين قريبًا-. وروي الحديث ابن أبي الدنيا. ولفظه: (ما كان الفحش في شيء إلا شانه). قال العلماء: الفحش التعبير عن الأمور القبيحة بعبارة صريحة. والله أعلم.

стр. 345

وأنشدوا: فإن الرفق قيل يمن ... وأن الخرق في الأشياء شؤم ولبعضهم: الرفق يمن والأناة سلامة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا وفي صحيح مسلم، وسنن أبي داود، وابن ماجه حديث جرير بن عبد الله مرفوعًا: "من يحرم الخير وزاد مسلم كله". وفي مسند أحمد وسنن أبي داود من حديث عبد الله بن مغفل مرفوعًا: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي علي الرفق ما لا يعطي علي العنف". ومعني الحديث: أن استعمال اللطف يثمر ما لا يثمر العنف غالبًا وأنشدوا: ينال بالرفق ما يغني الرجال به ... كالموت مستعجلًا يأتي علي مهل وفي مسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروي أحمد- أيضًا- نحوه من حديث عائشة. ولفظه: "فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة". وفي صحيح مسلم- أيضًا- وغيره من حديث عياض بن حماد المجاشعي مرفوعًا: " ... أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربي ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق ... " الحديث

стр. 346

قوله: (ذو سلطان مقسط) وما بعده مرفوع علي أنها صفات له، وهي بمعني صاحب. وانشدوا: رأيت الرفق أعلي في السمو ... ولم أر كالتواضع في العلو وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد من حديث عائشة مرفوعًا: (الهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه. ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به). وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالي). وفي الصحيحين -أيضًا- ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي موسي الأشعري- رشي الله عنه- قال: بعثني رسول الله ﷺ ومعاذًا إلي اليمين- فقال: (ادعوا الناس وبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا). وفيهما -أيضًا- من حديث أنس بن مالك مرفوعًا: يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا. وفي سنن أبي داود من حديث أبي موسي الأشعري- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا). وروي الإمام أحمد من حديث ابن عباس مرفوعًا: "علموا ويسروا ولا تعسروا".

стр. 347

وروى البزار من حديث أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: (إن الله أمرني أن أعلمك ولا أجفوك، وأن أدنيك ولا أقضيك فحق علي أن أعلمك، وحق عليك أن تعي). قال العلماء: في هذا الحديث الأمر بالتيسير وهو ضد التعسير، ثم بالتبشير أي الإخبار بالخير، نقيض الإنذار وهو الإخبار بالشر، وذلك بفضل الله ورحمته وجزيل عطائه، رفقًا بعباده، والنهي عن التغير بذكر التخويف. وهذا الحديث من جوامع الكلم، لاشتماله علي خير الدنيا والآخرة، لأن الدنيا دار الأعمال والآخرة دار الجزاء، فأمر ﷺ بالتسهيل فيما يتعلق بالآخرة تخفيفًا لكونه رحمة للعالمين في الدارين. وفي تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليهم. وكذلك من تاب من أهل المعاصي يتلطف بهم كلهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلًا قليلًا. وقد كانت أمور الإسلام في التكليف علي التدريج فمتى يسر علي الدخل في الطاعة الدخول فيها سهلت عليه (وكانت عاقبته- غالبًا- التزايد فيها، ومتى عسرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن أوشك أن لا يدوم أو لا يستحليها. وفيه أمر الولاة بالرفق. كما ذكر النووي وغيره. وفي جامع الترمذي، وصحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "ألا أخبركم بمن يحرم علي النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ علي قريب هين لين سهل" قال الترمذي: حديث حسن. وفي رواية لابن حيان: "إنما تحرم النار علي كل هين لين قريب سهل". وروي الخرائطي- في مكارم الأخلاق- من حديث جرير مرفوعًا: "الرفق رأس الحكمة".

стр. 348

وبسنده عن عائشة مرفوعًا (إن الرفق يمن وإن الخرق شؤم)، ورواه أبو الشيخ عبد الله بن حيان- في كتاب الأمثال- بلفظ: الرفق يمن، والخرق شؤم. وفي الشعب- للبيهقي- بسنده، عن عمر بن عبد العزيز- ﵀ عليه- أنه قال: إن من أحب الأعمال إلي الله- العفو عند المقدرة، وتسكين الغضب عند الحدة، والرفق بعباد الله. وروي الطبراني من حديث أبي أمامه مرفوعًا: "إن الله يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين علي العنف". ورواه (مالك) في الموطأ- من حديث خالد بن (معدان) مرسلًا. قال ابن عون: (ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلي جانبها كلمة اللين تجري مجراها). وروي مالك في الموطأ عن يحيي بن سعيد القطان. قال: إن عيسي ابن مريم- ﵇ لقي خنزيرًا فلي الطريق فقال: ابعد بسلام. فقيل له: تقول هذا لخنزير؟ فقال عيسي: أكره وأخاف أن أعود لساني النطق بالسوء. وقال أبو حمزة الكوفي: لا تتخذ من الخدم إلا من لا بد منه، فإن مع كل إنسان شيطانًا، وأعلم أنهم لا يعطونك بالشدة شيئًا إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه. فصل (١١): تأكد استحباب الرفق للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ويتأكد استحباب الرفق للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. وقد عد شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني- قدس الله روحه- في كتاب الغنيمة من شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: أن ذلك باللين والرفق لا بالفظاظة والغلظة بل يكون شفوقًا علي أخيه المسلم. كيف

стр. 349

وافق عدوه الشيطان الرجيم الذي قد استولي علي عقله وزين له معصية ربه ومخالفة أمره، يريد بذلك إهلاكه وإدخاله النار. وروي أبو بكر البيهقي- في شعب الإيمان- بسنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده- ﵁ قال: رسول الله ﷺ : (من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف). وقد سبق في أوائل هذا الباب من رواية أبي محمد الخلال- في كتاب الأمر بالمعروف بسنده عن أسامة بن زيد مرفوعًا: "لا ينبغي لأحد أن يأمر بمعروف حتى يكون فيه ثلاث خصال: عالمًا بما يأمر، عالمًا بما ينهي، رفيقًا بما يأمر به رفيقًا فيما ينهي". وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي أمامه الباهلي- ﵁ أن فتي شابًا أتي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: (مه مه) قال: ادنه فدنا منه متقربًا. قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله جعلني، الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال: افتحبه لابنتك؟ قال لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أفتحبه لأختك؟ قال لا والله (جعلني الله فداك) قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني فداك قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم". قال: فوضع يده عليه. وقال: (اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه وحصن فرجه). فلم يكن بعد ذلك الفتي يلتفت إلي شيء. قال الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي: إسناده جيد ورجاله رجال الصحيح. وروي أبو القاسم الطبراني- في المعجم الكبير- من طريق جرير بن عثمان بن سليم بن عامر، عن أبي أمامة- ﵁ نحوه والرجل المبهم هو أبو الوليد] كثير [الهذلي الشاعر والله أعلم. وروي أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 350

(علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف). وقد سئل الإمام مالك بن أنس ﵀ عن الرجل يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر هو يظن أن لا يطاع في ذلك ممن لا يخاف مثل الجار، والأخ. قال: ما أري بذلك بأسًا ولا سيما إذا رفق به، فإن الله -تعالي- ربما ينفع بذلك. قال تعالي: ﴿فقولا له قولًا لَّينا لَّعلَّه يتذكَّر أو يخشي﴾. لقد علم الله - سبحانه- أن فرعون لا يتذكر ولا يخشي، وإنما قص الله علينا قصته، لتكون سنة. فإذا كان الله- تعالي- أمر كليمه موسي وأخاه هرون ﵉ أن يذهبا إلي فرعون عدوه، ويقولا له قولًا لينًا فكيف من قد جعل الله في قلوبهم الإيمان وإن ابتلاهم بالمعاصي؟ فهم أولي أن يرفق بهم ويتعطف عليهم، لعل الله تعالي يستنفذهم مما هم فيه. وأنشدوا ألم تر أن الله يرحم خلقه ... وإن قصروا في حقه فهو يفضل ففرعون يؤذيه بضيم عباده ... من شا يستحي ومن شا يقتل ويزعم أن لا رب للخلق غيره ... ويفتنهم عن دينهم ويضلل ومع ذاك أوصي الله موسي كليمه ... وهرون رفقًا منه والرفق أجمل فقولا له قولًا من الوعظ لينًا ... عساه لما أبدي من النصح يقبل إذا كان هذا لطفه بعدوه ... فما تراه (بعد ذا) بالأحبة يفعل وقال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني ﵀: الشرع من أوله إلي آخره أمر بالمعروف ونهي عن المنكر والدعاء إلي ذلك يثبت لكافة المسلمين إذا قدموا علي بصيرة. وليس للرعية إلا المواعظ والترغيب والترهيب. وقال أبو حامد الغزالي ﵀ ينبغي للآمر بالمعروف أن يعظ ويخوف بالله -تعالي- ويورد علي المأمور الأخبار الواردة بالوعيد غي ذلك، وذلك لمن يقدم علي المنكر وهو عالم بكونه منكرًا، كالذي يواظب علي الشرب أو علي الظلم أو علي اغتياب المسلم أو

стр. 351

ما يجري مجراه، ويحكي سير السلف وعادة المتقدمين، وكل ذلك لشفقة ولطف من غير عنف وغضب، بل ينظر إليه نظر المترحم عليه ويري إقدامه علي المعصية مصيبة علي نفسه إذ المسلمون كنفس واحدة. وقال أبو زكريا يحيي النووي: وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق، ليكون أقرب إلي تحصيل المطلوب. انتهي. فقد يأمر المرء بالمعروف ويكون أمره منكرًا، لأنه إذا أمر بعنف وغلظة وفظاظة يوشك أن يفضي ذلك إلي العداوة والشر والتقاتل والمحاربة فيكون منكرًا وغالب الناس إذا رأي من الأمر غلظة وجفوة في أمره ونهيه لا يقبل قوله ولا يطيع أمره. كما روى الإمام أحمد قال: حدثنا معتمر بن سليمان. قال: سمعت (أبي) يقول: ما أغضبت أحدًا فقبل منك. وذلك أن معاملة الخلق بالعنف والشدة والغلظة ينفرهم ويبعدهم عنك، وإذا نفروا لا يصغوا إلي ما تأمرهم به وتنهاهم عنه، ثم يفسد عليك قلبك وحالك مع الله. (وقال ابن القيم: ليس قلب أنفع من معاملة الخلق باللطف فإن المعامل باللطف إما أجنبي فتكسب مودته وصحبته وإما صاحب وحبيب فتستديم مودته وصحبته وإما عدو فتطفئ بلطفك جمرة عداوته وتستكفي شره). قال العلامة ابن مفلح ﵀: وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر متواضعًا رفيقًا فيما يدعو إليه شفيقًا رحيمًا غير فظ ولا غليظ القلب رقيقًا عالمًا بالمأمورات والمنهيات شرعًا، دينًا نزهًا عفيفًا ذا رأي وصرامة وشدة في الدين قاصدًا - بذلك- وجه الله وإقامة دينه ونصرة شرعه وامتثال أمره وإحياء سنته بلا رياء ولا منافقة ولا مداهنة، غير منافر ولا مفاخر ولا ممن يخالف فعله ويسن له العمل بالنوافل والمندوبات والرفق وطلاقة الوجه وحسن الخلق عند إنكاره والتثبت والمسامحة عند أول مرة. قال حنبل: (سمعت أبا عبد الله يقول: والناس يحتاجون إلي مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجل معلن بالفسق فقد وجب عليك نهيه وإعلامه، لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة. فهؤلاء الفساق لا حرمة لهم ونقل مهنا عنه: ينبغي أن يأمر بالرفق والخضوع، قلت: كيف؟ قال: أن أسمعوه ما يكره لا يغضب فيريد أن ينتصر لنفسه).

стр. 352

وقال بعض السلف: ينبغي أن يكون أمرك بالمعروف والتأني والمداراة بشفقة منك عليه، ورحمة منك له، لعلك تستنقذة من النار، فبالرفق تنال ما تريد من خير الدنيا والآخرة. وروي أبو محمد الخلال أنه قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يري من الرجل الشيء ويبلغه عنه، أيقول له؟ فقال: هذا تبكيت، ولكن يعرض. وقال عبد الله المأمون بن هارون الرشيد- إذا وعظه واعظ وعنف له في القول: يا رجل ارفق فقد بعث الله من هو حير منك إلي من هو شر مني، وأمر بالرفق. فقال-تعالى-: ﴿فقولا له قولًا لَّينا لَّعلًّه يتذكر أو يخشي﴾. فليكن إقتداء الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر في الرفق بالأنبياء ﵈. وروي ابن أبي الدنيا- بسنده- عن عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي داود ﵀ أنه قال: كان من قبلكم إذا رأي من أخيه شيئًا يأمره في رفق فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء بخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره. وقد روي أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده- عن أبي سلمة، عن ثابت البناني أن صلة بن أشيم وأصخابه أبصروا رجلًا قد أسبل إزاره، فهم أصحابه أن يأخذوه بشدة. فقال: دعوني أنا أكفيكموه. فقال: أين يا أخي أم لي إليك حاجة. فقال: وما حاجتك يا عم؟ قال: أحب أن ترفع إزارك. فقال: نعم وكرامة. فرفع إزاره. فقال لأصحابه: لو أخذتموه بشدة لقال: لا أفعل ولا كرامة. وعن محمد بن زكريا الغلابي. قال: (شهدت عبد الله بن محمد بن عائشة وقد خرج من المسجد بعد المغرب يريد منزله، وإذا في غلام من قريش سكران وقد قبض علي امرأة يجذبها فاستغاثت، فاجتمع الناس عليه يضربونه فنظر إليه ابن عائشة فعرفه. فقال للناس: تنحوا عن ابن أخي، ثم قال: إلي يا ابن أخي. فاستحي الغلام وجاء إليه فضمه إلي نفسه، ثم قال: امض معي فمضي معه حتي صار إلي منزله وأدخله الدار.

стр. 353

وقال لبعض غلمانه: بيته عندك فإذا أفاق من سكره فأعلمه بما جرى وما كان منه ولا تدعه ينصرف حتى تأتيني به. فلما أفاق وذكر له ما جرى استحى منه (وبكى) وهم بالانصراف. فقال له الغلام: قد أمرني مولاي أن تأتيه، فأدخله عليه. فقال له: أما استحييت (لنفسك) لشرفك! فاتق الله وانزع عما أنت فيه، فبكى الغلام منكسًا رأسه ثم رفعه وقال: عاهدت الله عهدًا يسألني عنه يوم القيامة أن لا عدت أشرب الخمر ولا لشيء مما كنت فيه وأنا تائب إلى الله. فقال: ادن مني فدنا منه، فقبل رأسه وقال: أحسنت يا بني. فكان الغلام- بعد ذلك- يلزمه، ويكتب الحديث، وكان ذلك من بركة الرفق. ثم قال: إن الناس يأمرون بالمعروف ويكون معروفهم منكرًا فعليكم بالرفق في جميع الأمور تنالوا به ما تطلبون). وروى الإمام أبو بكر ابن أبي الدنيا بسنده عن علي بن (غنام) الكلابي، عن أبيه. قال: مر محمد بن المنكدر- رحمة الله عليه- بشاب يجذب امرأة في الطريق فقال: يا فتى ما هذا جزاء نعم الله عندك. وبسنده عن عثمان بن الوليد قال: رأى محمد بن المنكدر رجلًا مع امرأة في خراب وهو يكلمها. فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. وبسنده، عن محمد بن المنكدر- أيضًا- أنه وجد لصًا في داره يقال له: قنديل. كان غلامًا لآل إبراهيم بن محمد بن طلحة. فقال: عشوا قنديلًا وابعثوا به إلى مواليه. ودعي الحسن البصري- رحمة الله عليه- إلى عرس فجيء بجام من فضة فيه خبيص، فتناوله فقلبه على رغيف وأصاب منه. فقال رجل من الحاضرين: هذا نهي في سكون. فهكذا كانت عادة أهل الدين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الرفق واللطف بالمأمورين. فينبغي- حينئذ- لمن سلك طريقهم أن يكون رفيقًا لاسيما للمأمور القاصر بالمعصية على نفسه في مبادئ الأمر والنهي، لعل الله- تعالى- أن يستنقذه مما هو فيه ببركة الرفق، لأنه أشرف أخلاق الآمرين والناهين.

стр. 354

فصل (١٢): وجوب حذر الآمر الناهي من رفق المداهنة لبلوغ غرض دنيوي ثم ليحذر من آفة الرفق وهو أن يكون رفقه عن مداهنة أو استمالة للقلوب أو الوصول إلى غرض أو لخوف من تأثير وخشية (بظن) قريب أو بعيد. وكل ما يراه أميل إلى هواه وطبعه فالأولى له تركه. والمقصود استعمال الرفق واللين في الأمر والنهي إلا لمعلن بالفسق أو مجاهر بالمعصية، لأن الرفق محمود مفيد في أكثر الأحوال وأغلب الأمور والحاجة إلى العنف قد تقع وإنما الكامل من يميز مواضع الرفق عن مواضع العنف، فيعطي كل ذي حق حقه. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله- ﵀ يقول: الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق الآمر والناهي بلا غلظة إلا لرجل معلن بالفسق، فقد وجب عليك نهيه وزجره، فليس لفاسق حرمة. وقال القاضي عياض بن موسى- وينبغي أن يرفق (في التغيير) جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم المخوف شره، إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله ولا يغلظ إلا على (الممعن) في غيه، والمسرف في بطالته إن أمن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غيره، ليكون جانبه محميًا عن سطوة الظالم. قال سفيان الثوري لأصحابه: (أتدرون ما الرفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد قال: أن تضع الأمور مواضعها: الشدة في موضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه، والسوط في موضعه. (ففي هذه إشارة إلى أنه لابد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق). قال الحليمي: ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مميزًا يرفق في موضع الرفق، ويعنف في موضع التعنيف، ويكلم كل طبقة من الناس بما يعلم أنه أليق بهم وأنجح فيهم، وأن يكون غير محاب ولا مداهن. قال الغزالي: فإن كان قاصر البصيرة، وأشكل عليه حكم واقعة من الوقائع فليكن ميله إلى الرفق، فإن النجح معه في الأكثر.

стр. 355

وقد سبق الكلام على معنى ذلك في درجات الأمر والنهي- من الباب الثاني- والله أعلم. فصل (١٣): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بالحلم والعفو وأما الحلم والعفو فمن أهم الأخلاق للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، ويدل على فضيلة ذلك والندب إليه، ما تقدم في فضيلة الرفق من الآيات الكريمات، والأحاديث الصحاح المروريات، قال أكثرها مشتركة بين الرفق والحلم والعفو. وقال تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتَّى يأتي الله بأمره إنَّ الله على كل شيءٍ قدير﴾. قال أهل التفسير: (العفو ترك المؤاخذة والصفح إزالة أثره من النفس). وقال تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾. وقال تعالى: ﴿ومغفرة خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذى والله غنيُّ حليمٌ﴾. قال الكلبي والضحاك: وتجاوز عن ظالمه "خير من صدقة يتبعها أذى". أي من وتعيير للسائل بالسوائل. وقول يؤذيه. ﴿ ... والله غنيُّ﴾ أي مستغن عن صدقة العباد ﴿حليمٌ﴾ لا يعجل بالعقوبة. وقيل: يحلم ويعفو ويصفح ويتجاوز عنهم مع شدة إساءتهم وعظيم إحسانه. وقال تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ﴾. قال المفسرون: (كظم الغيظ رده في الجوف أي سكت عنه ولم يظهر قدرته على إيقاعه بعدوه). ﴿والعافين عن الناس﴾ أثنى سبحانه- على الكاظمين الغيظ بعفوهم عن الناس لتركهم المؤاخذة وهو قول الواحدي.
следующие страницы →