← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36110

الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ابن داود الحنبلي

ابن داود الحنبلي

Полный текст (502 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ما يجري مجراه، ويحكي سير السلف وعادة المتقدمين، وكل ذلك لشفقة ولطف من غير عنف وغضب، بل ينظر إليه نظر المترحم عليه ويري إقدامه علي المعصية مصيبة علي نفسه إذ المسلمون كنفس واحدة. وقال أبو زكريا يحيي النووي: وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق، ليكون أقرب إلي تحصيل المطلوب. انتهي. فقد يأمر المرء بالمعروف ويكون أمره منكرًا، لأنه إذا أمر بعنف وغلظة وفظاظة يوشك أن يفضي ذلك إلي العداوة والشر والتقاتل والمحاربة فيكون منكرًا وغالب الناس إذا رأي من الأمر غلظة وجفوة في أمره ونهيه لا يقبل قوله ولا يطيع أمره. كما روى الإمام أحمد قال: حدثنا معتمر بن سليمان. قال: سمعت (أبي) يقول: ما أغضبت أحدًا فقبل منك. وذلك أن معاملة الخلق بالعنف والشدة والغلظة ينفرهم ويبعدهم عنك، وإذا نفروا لا يصغوا إلي ما تأمرهم به وتنهاهم عنه، ثم يفسد عليك قلبك وحالك مع الله. (وقال ابن القيم: ليس قلب أنفع من معاملة الخلق باللطف فإن المعامل باللطف إما أجنبي فتكسب مودته وصحبته وإما صاحب وحبيب فتستديم مودته وصحبته وإما عدو فتطفئ بلطفك جمرة عداوته وتستكفي شره). قال العلامة ابن مفلح ﵀: وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر متواضعًا رفيقًا فيما يدعو إليه شفيقًا رحيمًا غير فظ ولا غليظ القلب رقيقًا عالمًا بالمأمورات والمنهيات شرعًا، دينًا نزهًا عفيفًا ذا رأي وصرامة وشدة في الدين قاصدًا - بذلك- وجه الله وإقامة دينه ونصرة شرعه وامتثال أمره وإحياء سنته بلا رياء ولا منافقة ولا مداهنة، غير منافر ولا مفاخر ولا ممن يخالف فعله ويسن له العمل بالنوافل والمندوبات والرفق وطلاقة الوجه وحسن الخلق عند إنكاره والتثبت والمسامحة عند أول مرة. قال حنبل: (سمعت أبا عبد الله يقول: والناس يحتاجون إلي مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجل معلن بالفسق فقد وجب عليك نهيه وإعلامه، لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة. فهؤلاء الفساق لا حرمة لهم ونقل مهنا عنه: ينبغي أن يأمر بالرفق والخضوع، قلت: كيف؟ قال: أن أسمعوه ما يكره لا يغضب فيريد أن ينتصر لنفسه).

стр. 352

وقال بعض السلف: ينبغي أن يكون أمرك بالمعروف والتأني والمداراة بشفقة منك عليه، ورحمة منك له، لعلك تستنقذة من النار، فبالرفق تنال ما تريد من خير الدنيا والآخرة. وروي أبو محمد الخلال أنه قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يري من الرجل الشيء ويبلغه عنه، أيقول له؟ فقال: هذا تبكيت، ولكن يعرض. وقال عبد الله المأمون بن هارون الرشيد- إذا وعظه واعظ وعنف له في القول: يا رجل ارفق فقد بعث الله من هو حير منك إلي من هو شر مني، وأمر بالرفق. فقال-تعالى-: ﴿فقولا له قولًا لَّينا لَّعلًّه يتذكر أو يخشي﴾. فليكن إقتداء الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر في الرفق بالأنبياء ﵈. وروي ابن أبي الدنيا- بسنده- عن عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي داود ﵀ أنه قال: كان من قبلكم إذا رأي من أخيه شيئًا يأمره في رفق فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء بخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره. وقد روي أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده- عن أبي سلمة، عن ثابت البناني أن صلة بن أشيم وأصخابه أبصروا رجلًا قد أسبل إزاره، فهم أصحابه أن يأخذوه بشدة. فقال: دعوني أنا أكفيكموه. فقال: أين يا أخي أم لي إليك حاجة. فقال: وما حاجتك يا عم؟ قال: أحب أن ترفع إزارك. فقال: نعم وكرامة. فرفع إزاره. فقال لأصحابه: لو أخذتموه بشدة لقال: لا أفعل ولا كرامة. وعن محمد بن زكريا الغلابي. قال: (شهدت عبد الله بن محمد بن عائشة وقد خرج من المسجد بعد المغرب يريد منزله، وإذا في غلام من قريش سكران وقد قبض علي امرأة يجذبها فاستغاثت، فاجتمع الناس عليه يضربونه فنظر إليه ابن عائشة فعرفه. فقال للناس: تنحوا عن ابن أخي، ثم قال: إلي يا ابن أخي. فاستحي الغلام وجاء إليه فضمه إلي نفسه، ثم قال: امض معي فمضي معه حتي صار إلي منزله وأدخله الدار.

стр. 353

وقال لبعض غلمانه: بيته عندك فإذا أفاق من سكره فأعلمه بما جرى وما كان منه ولا تدعه ينصرف حتى تأتيني به. فلما أفاق وذكر له ما جرى استحى منه (وبكى) وهم بالانصراف. فقال له الغلام: قد أمرني مولاي أن تأتيه، فأدخله عليه. فقال له: أما استحييت (لنفسك) لشرفك! فاتق الله وانزع عما أنت فيه، فبكى الغلام منكسًا رأسه ثم رفعه وقال: عاهدت الله عهدًا يسألني عنه يوم القيامة أن لا عدت أشرب الخمر ولا لشيء مما كنت فيه وأنا تائب إلى الله. فقال: ادن مني فدنا منه، فقبل رأسه وقال: أحسنت يا بني. فكان الغلام- بعد ذلك- يلزمه، ويكتب الحديث، وكان ذلك من بركة الرفق. ثم قال: إن الناس يأمرون بالمعروف ويكون معروفهم منكرًا فعليكم بالرفق في جميع الأمور تنالوا به ما تطلبون). وروى الإمام أبو بكر ابن أبي الدنيا بسنده عن علي بن (غنام) الكلابي، عن أبيه. قال: مر محمد بن المنكدر- رحمة الله عليه- بشاب يجذب امرأة في الطريق فقال: يا فتى ما هذا جزاء نعم الله عندك. وبسنده عن عثمان بن الوليد قال: رأى محمد بن المنكدر رجلًا مع امرأة في خراب وهو يكلمها. فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. وبسنده، عن محمد بن المنكدر- أيضًا- أنه وجد لصًا في داره يقال له: قنديل. كان غلامًا لآل إبراهيم بن محمد بن طلحة. فقال: عشوا قنديلًا وابعثوا به إلى مواليه. ودعي الحسن البصري- رحمة الله عليه- إلى عرس فجيء بجام من فضة فيه خبيص، فتناوله فقلبه على رغيف وأصاب منه. فقال رجل من الحاضرين: هذا نهي في سكون. فهكذا كانت عادة أهل الدين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الرفق واللطف بالمأمورين. فينبغي- حينئذ- لمن سلك طريقهم أن يكون رفيقًا لاسيما للمأمور القاصر بالمعصية على نفسه في مبادئ الأمر والنهي، لعل الله- تعالى- أن يستنقذه مما هو فيه ببركة الرفق، لأنه أشرف أخلاق الآمرين والناهين.

стр. 354

فصل (١٢): وجوب حذر الآمر الناهي من رفق المداهنة لبلوغ غرض دنيوي ثم ليحذر من آفة الرفق وهو أن يكون رفقه عن مداهنة أو استمالة للقلوب أو الوصول إلى غرض أو لخوف من تأثير وخشية (بظن) قريب أو بعيد. وكل ما يراه أميل إلى هواه وطبعه فالأولى له تركه. والمقصود استعمال الرفق واللين في الأمر والنهي إلا لمعلن بالفسق أو مجاهر بالمعصية، لأن الرفق محمود مفيد في أكثر الأحوال وأغلب الأمور والحاجة إلى العنف قد تقع وإنما الكامل من يميز مواضع الرفق عن مواضع العنف، فيعطي كل ذي حق حقه. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله- ﵀ يقول: الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق الآمر والناهي بلا غلظة إلا لرجل معلن بالفسق، فقد وجب عليك نهيه وزجره، فليس لفاسق حرمة. وقال القاضي عياض بن موسى- وينبغي أن يرفق (في التغيير) جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم المخوف شره، إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله ولا يغلظ إلا على (الممعن) في غيه، والمسرف في بطالته إن أمن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غيره، ليكون جانبه محميًا عن سطوة الظالم. قال سفيان الثوري لأصحابه: (أتدرون ما الرفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد قال: أن تضع الأمور مواضعها: الشدة في موضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه، والسوط في موضعه. (ففي هذه إشارة إلى أنه لابد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق). قال الحليمي: ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مميزًا يرفق في موضع الرفق، ويعنف في موضع التعنيف، ويكلم كل طبقة من الناس بما يعلم أنه أليق بهم وأنجح فيهم، وأن يكون غير محاب ولا مداهن. قال الغزالي: فإن كان قاصر البصيرة، وأشكل عليه حكم واقعة من الوقائع فليكن ميله إلى الرفق، فإن النجح معه في الأكثر.

стр. 355

وقد سبق الكلام على معنى ذلك في درجات الأمر والنهي- من الباب الثاني- والله أعلم. فصل (١٣): وجوب اتصاف الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بالحلم والعفو وأما الحلم والعفو فمن أهم الأخلاق للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، ويدل على فضيلة ذلك والندب إليه، ما تقدم في فضيلة الرفق من الآيات الكريمات، والأحاديث الصحاح المروريات، قال أكثرها مشتركة بين الرفق والحلم والعفو. وقال تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتَّى يأتي الله بأمره إنَّ الله على كل شيءٍ قدير﴾. قال أهل التفسير: (العفو ترك المؤاخذة والصفح إزالة أثره من النفس). وقال تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾. وقال تعالى: ﴿ومغفرة خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذى والله غنيُّ حليمٌ﴾. قال الكلبي والضحاك: وتجاوز عن ظالمه "خير من صدقة يتبعها أذى". أي من وتعيير للسائل بالسوائل. وقول يؤذيه. ﴿ ... والله غنيُّ﴾ أي مستغن عن صدقة العباد ﴿حليمٌ﴾ لا يعجل بالعقوبة. وقيل: يحلم ويعفو ويصفح ويتجاوز عنهم مع شدة إساءتهم وعظيم إحسانه. وقال تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ﴾. قال المفسرون: (كظم الغيظ رده في الجوف أي سكت عنه ولم يظهر قدرته على إيقاعه بعدوه). ﴿والعافين عن الناس﴾ أثنى سبحانه- على الكاظمين الغيظ بعفوهم عن الناس لتركهم المؤاخذة وهو قول الواحدي.

стр. 356

قال بعضهم هو أجل ضروب فعل الخير، حيث يجوز للإنسان أن يعفو أو يحلم وأخبر- بعد ذلك- أنه يحبهم بإحسانهم. وقال تعالى: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾. (أمر سبحانه نبيه ﷺ بتدريج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة، فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة- أيضًا- فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلًا للاستشارة في الأمور). وهي من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام. وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بقوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾. وقال تعالى: ﴿إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوًا قديرًا﴾ أي إن تظهروا أيها الناس خيرًا، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله، ويجزل ثوابكم لديه. وقال تعالى: ﴿ولا تزال تطَّلع على خائنةٍ منهم إلَّا قليلًا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحبُّ المحسنين﴾. وقال تعالى- حكاية عن يوسف وإخوته- ﵈ حين قالوا: ﴿ ... تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾ (أي مذنبين ﴿قال لا تثريب عليكم﴾ أي لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم وقيل: لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة، ولكم عندي العفو والصفح ﴿يغفر الله لكم﴾ أي يستر عليكم ويرحمكم). وقال- تعالى- لنبينا- ﷺ : ﴿فاصفح الصَّفح الجميل﴾ (أي تجاوز عنهم، واعف عفوًا حسنًا. قال بعض المفسرين: أمر ﷺ بالصفح في حق نفسه فيما بينه وبينهم) وقال

стр. 357

- تعالى-: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسَّعة ... ﴾ أي ولا يحلف أولو الغنى والجدة يعني أبا بكر الصديق- ﵁ ﴿ ... أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهجرين في سبيل الله﴾ يعني مسطحًا ابن خالته أن لا ينفق عليه بعد ذلك فأنزل الله هذه الآية. فإن أبا بكر كان ينفق على مسطح فلما شارك في حديث الإفك كف عن النفقة عليه فعاتبه الله فرجع ثم أمره- سبحانه- بالعفو والصفح عن الخوض في أمر عائشة فقال: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبُّون أن يغفر الله لكم﴾ فلما قرأها رسول الله ﷺ على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورد على مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا. وقال- تعالى: ﴿وعباد الرحمن .... ﴾ (أي أفاضل العباد) ﴿الَّذين يمشون على الأرض هونًا ... ﴾ رفقًا. قال الحسن: (علماء حلماء. وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا: ﴿وإذا خاطبهم الجهلون﴾ يعني السفهاء بما يكرهون ﴿ ... قالوا سلمًا﴾ قال مجاهد سدادًا من القول. وقال مقاتل بن حيان: قولًا يسلمون فيه من الإثم. وقال الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا. وقال بعض العارفين: (من خاطبهم بالقدح فيهم جاوبوه بالمدح له. وقال غيره: إذا خاطبهم الجاهلون بأحوالهم، الطاعنون فيهم، العائبون لهم قابلوهم بالرفق وحسن الخلق، والقول الحسن). وقال تعالى: ﴿وإذا مُّروا باللَّغو مرُّوا كرامًا﴾ قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا عنه. وقال الحسن والكلبي: اللغو المعاصي كلها. يعني إذا مروا بمجالس اللغو واللهو والباطل مروا كرامًا مسرعين معرضين. يقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه عنه وأكره نفسه عنها. وقال مجاهد: إذا أوذوا صفحوا. رواه ابن أبي الدنيا.

стр. 358

وقال تعالى: ﴿فسقى لهما ثمَّ تولَّى إلى الظّل فقال ربّ إنّي ... ﴾. قال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو ﴿وممَّا رزقنهم ينفقُّون﴾ أي في الطاعة ﴿وإذا سمعوا اللَّغو أعرضوا عنه ... ﴾ أي القبيح من القول وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: "تبًا لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم" ﴿ ... وقالوا لنا أعمالنا ولكم﴾ أي لنا ديننا ﴿ولكم أعمالكم﴾ ولكم دينكم .. سلام عليكم. أي سلام المتاركة ومعناه: سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم القبيح ﴿ ... لا نبتغي الجاهلين﴾ قيل: لا يريد أن يكون من أهل الجهل والسفه. وقال تعالى: ﴿ .. وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾. قال ابن عباس: شتم رجل من المشركين أبا بكر فلم يرد عليه شيئًا فنزلة الآية. ومعناها: يكظمون الغيظ ويتجاوزون ويحلمون، وذلك من محاسن الأخلاق يطلبون ثواب الله- تعالى- فمدحهم بقوله: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون). وأنشد بعضهم: إني غفرت لظالمي ظلمي ... ووهبت ذلك له على علمي ما زال يظلمني وأرحمه ... حتى بكيت له من الظلم وقال تعالى: ﴿وجزؤا سيئةٍ سيئةٌ مثلها .. ﴾ سمى الجزاء سيئة وإن لم يكن سيئة، لتشابههما في الصورة. قال مجاهد والسدي هو جواب القبيح ثم ذكر- سبحانه- العفو فقال: ﴿فمن عفا ... ﴾ أي ظالمه ﴿ .. وأصلح .. ﴾ بالعفو بينه وبينه ﴿ .. فأجره على الله .. ﴾. وفي الخبر الآتي قريبًا: إنه ينادي يوم القيامة يقم من له أجر على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. وقال- تعالى-: ﴿يأيُّها الَّذين ءامنوا إنَّ من أزواجكم وأولدكم عدوًا لَّكم

стр. 359

فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفورٌ رحيم﴾ فلا تعاقبوهم على خلافهم إياكم ﴿فإنَّ الله غفورٌ رحيم﴾. وقال تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر ... ﴾ أي ظلم فلم ينتصر ﴿ .. إنَّ ذلك لمن عزم الأمور﴾ أي ذلك الصبر والتجاوز (لمن عزم الأمور) من حق الأمور التي أمر الله بها. وأما أحاديث الحلم ففي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه من حديث ابن عباس- ﵄ في حديث طويل وأن النبي ﷺ قال للأشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة). ورواه أبو داود من حديث مطر بن عبد الرحمن العبدي الأعنق، قال: حدثتني أم أبان بن الوازع بن زارع، عن جدها زارع وكان في وفد عبد القيس "قال: وفدنا على رسول الله ﷺ فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد رسول الله ﷺ ورجله، وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عليه فلبس ثوبه، ثم أتى النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والإناة) قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: (بل الله جبلك عليهما). قال: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله. ورواه الترمذي مختصرًا. ورواه ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري. ورواه مسلم، وأحمد بأتم من هذا. والأشج عبد القيس هو المنذر بن عمرو. وقيل عائذ بن عمرو. وقيل عبد الرحمن بن

стр. 360

عوف. وقيل المنذر بن الحارث. والحلم: العقل. وقيل: حالة توقر وثبات عند الأسباب المحركات، والاحتمال وحبس النفس عند الآلام والمؤذيات، ومثله الصبر. والأناة (بغير مد) هي التثبت وترك العجلة- كما سيأتي- والله أعلم. وفي معجم الطبراني من حديث فاطمة مرفوعًا: "إن الله يحب الغني الحليم المتعفف". وورى البزار من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله يحب الغني الحليم المتعفف". وورى الحاكم، والبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ابتغوا الرفعة عند الله. قالوا: وما هي؟ قال: تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وتحلم على من جهل عليك. وروى الطبراني- في المعجم الأوسط- من حديث علي مرفوعًا: "إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم، وإنه ليكتب جبارًا عنيدًا وما يملك إلا أهل بيته". وورى ابن أبي الدنيا- بسنده، عن عبد الوارث، عن أنس بن مالك- ﵁ في قول الله- تعالى: ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ إلى قوله: ﴿ .. عظيم﴾ قال: الرجل يشتمه أخوه، فيقول: إن كنت صادقًا يغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا يغفر الله لك. وروى الإمام أحمد في الزهد عن معاوية بن قرة، قال: قال أبو الدرداء- ﵁ ليس الخير أن يكثر مالك، ولكن الخير أن يعظم حلمك، وأن يكثر علمك، وأن تبادر الناس في عبادة الله- تعالى. .

стр. 361

وبسنده، عن الفضيل بن عياض- قدس الله روحه- قال: كان يقال: من أخلاق الأنبياء الأصفياء الأخيار الطاهرة قلوبهم ثلاثة: الحلم والإناة وحظ من قيام الليل. وروى الأصبهاني وغيره من حديث عائشة مرفوعًا: "وجبت محبة الله على من أغضب فحلم". وروى ابن أبي الدنيا- بسنده- عن ييحى بن سعيد القطان. قال: قال أبو الدرداء- ﵁ أدركت الناس ورقًا لا شوك فيه، فأصبحوا شوكًا لا ورق فيه، إن نقدتهم نقدوك، وإن تركتهم لا يتركوك. قالوا: فكيف نصنع؟ قال: تقرضهم من عرضك ليوم فقرك. وفي الزهد للإمام أحمد- بسنده عن الربيع بن خيثم- رحمة الله عليه- أنه قال: الناس رجلان مؤمن وجاهل، فأما المؤمن فلا تؤذه وأما الجاهل فلا تجاره. وأنشدوا: ومن بسط اللسان على سفيه ... كمن دفع السلاح إلى العدو وروى ابن أبي الدنيا- بسنده- عن عمرو بن العاص- ﵁ قال: ليس الحليم أن يحلم عمن يحلم عنه، ويجاهل من يجاهله ولكن الحليم من يحلم عمن لا يحلم عنه، ويحلم عمن جاهله. وروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن قتادة في قوله- تعالى- ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ قال: (هذا في الخماشة تكون بين الناس). فأما إن ظلمك فلا تظلمه، وإن حرمك فلا تحرمه، وإن خانك فلا تخنه، وإن فجر بك فلا تفجر به، فإن المؤمن هو الموفي المؤدي، وإن الفاجر هو الخائن الغادر. والخماشة- ما ليس له أرش معلوم من الجراحات. والله أعلم. وبسند البيهقي، عن الحسن البصري في قوله- تعالى-: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾ قال: السلام عليكم على الأرض.

стр. 362

قال عمر بن الخطاب- ﵁: إني لأعلم أجود الناس وأعلم الناس، أجود الناس من أعطى من حرمه، وأجود الناس من عفا عمن ظلمه. وفي الشعب للبيهقي- بسنده، عن الأحنف بن قيس قال: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وبر من فاجر، وشريف من دنيء. وقال ابن عباس- ﵁: ثلاثة من لم تكن فيه واحدة منهن فلا يعتد بشيء من علمه: تقوى تحجزه عن معاصي الله، وحلم يكف به السفيه، وخلق يعيش به في الناس. وقال لقمان لابنه: يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الحرب، والأخ عند الحاجة. وقال الحسن البصري- رحمة الله عليه- المؤمن حليم لا يجهل، وإن جهل عليه حلم، ولا يظلم وإن ظلم غفر، ولا يقطع وإن قطع وصل. وروى أبو بكر البيهقي- في مناقب الإمام أحمد- عن عمار بن زائدة- رحمة الله عليه- قال: العافية عشرة أجزاء (تسعة منها في التغافل، فحدثت به أحمد فقال: العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل). وروى- أيضًا- في الشعب- بسنده، عن الأعمش. قال: السكوت جواب والتغافل يطفئ شرًا كبيرًا، ورضا المتجني غاية لا تدرك، واستعطاف المحب عون الطفر، ومن غضب عمن لا يقدر عليه طال حزنه. وذكر أبو عبد الله القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالَّتي هي أحسن ... ﴾. أن رجلًا شتم قنبرًا مولى علي بن أبي طالب- ﵁ فناداه: يا قنبر دع شاتمك، واله عنه ترضي الرحمن وتسقط وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت.

стр. 363

وأنشدوا: قالوا: سكت وقد خوصت فقلت لهم ... إن الجواب لباب الشر مفتاح الصمت عن جاهل أو أحمق كرما ... أيضًا وفيه لصون العرض إصلاح أما ترى الأسد تمشي وهي صامتة ... والكلب يخشى- لعمري- وهو نباح وروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن أحمد بن عبيد. قال: أنشدني الأصمعي- ﵀: وما شيء أحب إلى سفيه ... إذا سب الكريم من الجواب متاركة السفيه بلا جواب ... أشد على السفيه من السباب ولبعضهم: وكم من لئين ود أني شتمته ... وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم والكف عن شتم اللئيم تكرما ... أضر به من شتمه حين يشتم قال أسماء بن خارجة: ما شتمت أحدًا قط، لأنه إن شتمني كريم فأنا أحق من غفرها له وإن شتمني لئيم فلا أجعل عرضي له غرضًا. وكان يتمثل وينشد: واغفر عور الكريم اصطناعة ... وأعرض عن ذات تكرما وأنشد رجل لمسعر بن كدام: لا ترجعن إلى السفيه خطابه ... إلا جواب تحيه حياكها فمتى تحركه تحرك جيفة ... تزداد نتنا ما أردت حراكها ولبعضهم: وإذا بليت بجاهل متجاهل ... بجد المحال من الأمور صوابا أوليته من السكون وربما ... كان السكوت عن الجواب جوابا فصل (١٤): على الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يقابل إساءة المأمورين بالإحسان وجميع ما تقدم آنفًا يتضمن التغافل. وترك المقابلة على الإساءة ونسيان الأذى. لكن

стр. 364

فوق ذلك درجة أخرى. وهي الإحسان إلى من أساء إليك ومعاملته بضد ما عاملك به. بل يعتذر إليه ويستغفر لديك كما قال منشدًا: إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر ومعنى ذلك أنك تنزل نفسك منزلة الجاني لا المجني عليه. لأن الجاني خليق بالعذر. ولبعضهم: رب رام لي بأحجار الأذى ... لم أجد بدًا من العطف عليه ولغيره: ولما رضوا بالحلم عن ذي ذلة ... حتى أنالوا كفه وأفادوا وتكون هذه المعاملة منك صادرة عن سماح وطيب نفس وانشراح صدر لا عن كظم غيظ ومصابرة. ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سوى نبينا ﷺ ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة، لأن حلمه غير محدود كما قد ملأ عفوه كل الوجود. فإنه جمع الآداب الشريفة والمعارف المنيفة، والفضائل المقصودة، والأخلاق المحمودة. حيث سواه سبحانه فعدل تركيبه، وأدبه فأحسن تأديبه، وجبله على الصيانة والعفاف. وعدل به ميزان العدل والإنصاف، وكان أكثر الناس حياء وأوفرهم على العورات إغضاء، وأدومهم بشرًا وأنسًا وأبسطهم خلقًا وأطيبهم نفسًا، يصل من قطعه ويعطي من منعه ويأمر بالحسنة ويدني أهلها ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح. ويتجاوز عن المسيء ويسمح وكم أعرض عن جاهل ومعاند. وما ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله اللهم صلِّ وسلِّم على محمد الحامد بجميع المحامد. وفي الصحيحين ومسند أحمد وسنن ابن ماجه من حديث جابر ﵁ قال: (أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفة من حنين. وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطي الناس فقال: يا محمد: اعدل فقال: ويلك. وم يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب- ﵁ دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. إن هذا وأصحابه يقرؤن القرآن ولا

стр. 365

يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية). هذا لفظ الصحيحين وأحمد، وفي رواية البخاري قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة. إذ قال له رجل: اعدل. فقال له: لقد شقيت إن لم أعدل. ولابن ماجه قال: كان رسول الله ﷺ بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم. وهو في حجر بلال. فقال رجل: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. فقال: ويحك من يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ : (إن هذا في أصحاب له يقرؤون القرآن) فذكره الرجل المبهم القائل هو ذو الخويصرة حرقوص بن زهير. وقيل: نافع التميمي. وقيل: عبد الله بن ذي الخويصرة. والله أعلم. ومن أعظم ما ورد في عفوه وحلمه- ﷺ ما ثبت في الصحيحين، ومسند أحمد وسنن أبي داود من حديث أنس بن مالك- ﵁ أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة ليأكل منها- فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت قتلك. فقال: (ما كان الله ليسلطك علي) "فقالوا: ألا تقتلها؟ قال: لا". وروى نحوه البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة. وروى نحوه أبو داود من حديث محمد بن شهاب الزهري. قال: "كان جابر يحدث أن يهودية من خيبر سمت شاة مصلية، ثم أهدتها لرسول الله ﷺ ، فأخذ الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : (ارفعوا أيديكم) وأرسل إلى اليهودية فدعاها. فقال لها: (أسممت الشاة؟ ) قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال: (أخبرتني هذه الذراع التي في يدي) قالت: نعم. قال: (فما أردت في ذلك؟ ) قالت: قلت إن كان نبيًا فلن يضره، وإن لم يكن نبيًا استرحنا منه، فعفا عنها، ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة".

стр. 366

وفي رواية عن أبي سلمة نحوه وفيها: "فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري" الحديث. وفيه: فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت. وروى نحوه الدارقطني وفيه فأمر بها رسول الله ﷺ فصلبت. والجمع بين الأحاديث في قتلها، والعفو عنها أن يقال: إنه ﷺ عفا عنها في أول الأمر، فلما مات بشر بن البراء طلبها وقتلها قصاصًا. والله أعلم. واليهودية واضعة السم اسمها زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي. والله أعلم وقد سبق من حديث الترمذي- في الشمائل- من حديث عائشة- ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرًا من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله- تعالى- وما ضرب بيده شيئًا إلا أن يجاهد في سبيله، وما ضرب خادمًا ولا امرأة". وفي مسند الإمام أحمد، وسنن النسائي من حديث زيد بن أرقم. قال: سحر النبي- ﷺ رجل من اليهود. قال فاشتكى لذلك أيامًا فجاءه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا فأرسل إليها فجيء بها. فبعث رسول الله ﷺ عليًا فاستخرجها فجاء بها فحللها. قال: فقام النبي ﷺ كأنما نشط من عقال. قال: فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط حتى مات. وروى ابن أبي الدنيا بسنده، عن عائشة- أيضًا- قالت: والله ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء يؤتى إليه حتى ينتهك من محارم الله فينتقم لله- . وفي الصحيحين، ومسند أحمد من حديث أنس- ﵁ قال: "كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية. فأدركه أعرابي. فجذبه بردائه جذبة شديدة. فنظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشية الراء من شدة جذبته. ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله عندك. فالتفت إليه. فضحك. ثم أمر له بعطاء". وللحديث روايات وطرق. ورواه ابن ماجه إلى قوله: (غليظ الحاشية) والله أعلم.

стр. 367

فأحاديث حلم رسول الله ﷺ وعفوه عند المقدرة وإحسانه إلى من أساء إليه أكثر من أن يؤتى عليها، وكذلك أصحابه والتابعون وتابعوهم والصالحون. وسب رجل أبا بكر الصديق- ﵁ فقال: ما ستر الله عنك أكثر. ومر عيسى ابن مريم- ﵇ بقوم من اليهود فقالوا له شرًا. فقال لهم خيرًا. فقيل: إنهم يقولون شرًا، وأنت تقول خيرًا. فقال: كل أحد ينفق مما عنده. وأنشدوا- في كان وكان-: فكل شخص لسانوا ... من قدر قلبوا يغترف إذا كان طيب فطيب ... وإن كان غيرو بان (وقالوا: فلان في الورى لك شاتم ... وأنت له- في الناس- تثني وتمدح فقلت: دعوه ما تعد خالصه ... فكل إنا بالذي فيه ينضح وذكر أبو الفرج بن الجوزي، عن إبراهيم بن حمزة. قال: أتى عمر بن الخطاب- ﵁ ببرود، فقسمها بين المهاجرين والأنصار، وكان فيها برد فاضل لها. فقال: إن أعطيته أحدًا منهم غضب أصحابه، ورأوا أني فضلته عليهم. فدلوني على فتى من قريش نشأ نشأة حسنة أعطيه إياها، فسموا له المسور بن مخرمة، فدعه إليه، فنظر إليه سعد بن أبي وقاص على المسور- ﵄. فقال: ما هذا؟ قال: كسانيه أمير المؤمنين. فجاء سعد إلى عمر. فقال: تكسوني هذا البرد، وتكسو ابن أخي مسورًا أفضل منه. قال له: يا أبا إسحاق إني كرهت أن أعطيه أحدًا منكم فيغضب أصحابه فأعطيته فتى نشأ نشأة حسنة، لا تتوهموا أني فضلته عليكم .. فقال سعد: فإني قد حلفت لأضربن بالبرد الذي أعطيته رأسك فخضع له عمر رأسه، وقال: عبدك يا أبا إسحاق وليرفق الشيخ بالشيخ فضرب رأسه بالبرد. ودعا علي- ﵁ غلامًا فلم يجبه، فدعاه ثانية فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعًا. فقال: أما تسمع يا غلام؟ فقال: بلى. قال: فما حملك على السكوت. فقال: أمنت عقوبتك فتكاسلت فقال: امض فأنت حر لوجه الله. وشتم رجل أبا ذر- ﵁ فقال: يا هذا لا تستغرق في شتمنا. ودع

стр. 368

للصلح موضعًا، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. وكان أويس القرني: إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة فيقول: يا إخوتاه، إن كان ولا بد فبالصغار، لا تدمون ساقي فتمنعوني الصلاة. وشتم سلمان الفارسي- ﵁ فقال: إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول. وروى الإمام- أحمد- في الزاهد، وابن أبي الدنيا- بسنديهما عن عمر بن حفص، عن شيخ قال: لما ولى عمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليه- خرج ليلة ومعه حرسي، فدخل المسجد، فمر في الظلمة برجل نايم فعثر به، فرفع رأسه إليه. قال: أمجنون أنت؟ قال: لا. فهم به الحرسي. فقال له (عمر) معه إنما سألني أمجنون أنت؟ فقلت: لا. وذكر أبو الفرح بن الجوزي، عن إبراهيم بن أبي عبلة. قال: غضب عمر بن عبد العزيز على رجل غضبًا شديدًا، فبعث إليه، فأتى به فجرده ومده في الحبال، ثم دعا بالسياط حتى قلنا: هو ضاربه. قال: خلوا سبيله، لو أني غضبان لسؤتك. ثم تلا: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن النَّاس والله يحب المحسنين﴾. وذكر ابن الجوزي أيضًا عن سفيان قال: نال رجل من عمر بن عبد العزيز، فقال له: ما يمنعك مني؟ فقال: إن التقي ملجم. وأسمعه رجل بعض ما يكره. فقال له: مه يا هذا كأنك أردت بكلامك هذا أن يستفزني الشيطان بعز السلطان، فأنال منك ما تستقصه مني. إذهب راشدًا، هداك الله. وأنشدوا: وذو سفه يخاطبني بجهل ... وأكره أن أكون له مجيبا يزيد سفاهة وأزيد حلمًا ... كعود زاده الإحراق طيبا وروي أن رجلًا شتم الأحنف بن قيس واسمه الضحاك. وقيل صخر وكان ذلك الرجل يتبعه فلما قرب من الحي وقف. فقال: إن كان في قلبك شيء فقله، كي لا يسمعك سفاء الحي فيحاربوك.

стр. 369

وذكر عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي: أن رجلًا أتى الأحنف فلطمه فقال: ما شأنك؟ قال: اجتعلت لي جعلًا على أن ألطم سيد بني تميم. فقال: ما أنا بسيدهم وإنما سيدهم الحارثة بن قدامة، فذهب الرجل فلطم حارثة فأخرج حارثة سكينًا فقطع يد ذلك. فقال: ما أنت قطعت يدي إنما قطعها الأحنف بن قيس. وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم فقيل: وماذا بلغ من حلمه؟ قال: قال: بينا هو جالس في داره إذ جاءته خادمة له بسفود من شواء، فسقط من يدها فوقع على ابنة له فماتت، فدهشت الجارية. فقال: لا روعة عليك أنت حرة لوجه الله- تعالى-. وروى البيهقي من شعب الإيمان- بسنده- عن الأحنف بن قيس أنه قال: تعلموا الحلم تعلمًا، ولقد تعلمته من قيس بن عاصم، أتي قيس بابنه قتيلًا، فجاء بقاتله وهو أحد بني عمه. فقال له: لقد نقصت عددك وأوهنت عزك، وقتلت ابن عمك وقد عفوت عنك وإن أمه لثكلى وقد حملت لها مائة من الإبل في مالي. وقد اتخذ أهل التصوف- ﵃ التحلي بعدم الانتصار لأنفسهم، لأن حظوظ النفس شين في العقلاء فستروها بالعزم على عدم الانتصار لها حتى إنه ذكر عن بعضهم أن شخصًا سبه فأعرض عنه فقال له: أنت أعني، فقال له السيد وعنك أعرض. وشتم الربيع بن خيثم، فقال: يا هذا قد سمع الله كلامك، وإن دون الجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول، وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول. وسب رجل لعلي بن الحسين- ﵃ فرمى له بخميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم. فقال بعضهم: جمع فيه خمس خصال: الحلم، وإسقاط الأذى، وتخليص الرجل مما يبعده من الله، وحمله على الندم والتوبة، ورجوعه إلى المدح بعد الذم اشترى ذلك بيسير من الدنيا. وشتم الشعبي رجل في ملأ من الناس فقال له: إن كنت كذابًا فغفر الله لك، وإن كنت صادقًا، فغفر الله لي. وقالت امرأة لمالك بن دنيار- ﵀ يا مرائي. فقال: يا هذه وجدت اسمي الذي

стр. 370

أضله أهل البصرة، وفي رواية ما عرفني غيرك. وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن هشام بن عروة. قال: كان أبو السواد العدوي- رحمة الله عليه- يعرض له الرجل فيشتمه فيقول له: إن كنت كما قلت فإني إذًا لرجل سوء. وشتم رجل حكيمًا فقيل له: ألا تجيبه؟ فقال: لا أدخل في حزب الغالب فيه شر من المغلوب. وشتم رجل حكيمًا فقيل له: ألا تغضب؟ فقال: كفاه أنه يشتم ولا يشتم. وقد روى البيهقي بسنده عن ذي النون المصري- قدس الله روحه- أنه قال: إذا غضب الرجل فلم يحلم فليس بحليم، لأن الحليم لا يعرف إلا عند الغضب. أغضب صديقك غرة لتعرفه ... لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب وبسنده عنه- أيضًا- أنه قال: ثلاثة من أعلام الحلم: قلة الغضب عند مخالفة الرأي، والاحتمال عند الردى أحبابًا للرب ونسيان إساءة المسيء إليه عفوًا عنه. وبسنده، عن محمد بن جحادة قال: كان عمر الشعبي- رحمة الله عليه- من أولع الناس بهذا البيت: ليست الأحلام في حال الرضا ... إنما الأحلام من حيث الغضب وضرب رجل قدم بعض السلف فأوجعه ولم يغضب. فقيل له في ذلك. فقال: أقمته مقام حجر عثرت به وربحت الحلم. ثم إن الحلم لا يكون إلا عن اقتدار وعز وشرف، فإن النفس إذا انحرفت عن خلق الحلم انحرفت إما إلى الطيش والسرف والحدة والخفة، وإما إلى الذل والمهابة والحقارة والفجر. والله أعلم. فصل (١٥): عفو الناهي عن المسيء يورثه عزًا وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وجامع الترمذي من حديث أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما نقصت صدقة من مال وما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا، ولا تواضع عبد لله إلا رفعه الله- ).

стр. 371

وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى الموصلي، والبزار من حديث عبد الرحمن بن عوف- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث إن كانت لحالفًا عليهن: لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا، ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا رفعه الله بها عزًا). (وفي رواية إلا زاده الله بها عزًا). وفي لفظ: إلا زاده الله بها عزًا يوم القيامة، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر. ورواه أحمد- أيضًا- من حديث أبي كبشة سعيد بن عمرو. وقيل عامر الأنماري- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ثلاث أقسم عليهم وأحدثكم حديثًا فاحفظوه. قال: أما الثلاث التي أقسم عليهن، فإنه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد فصبر عليها إلا زاده بها عزًا) الحديث. ورواه الطبراني في الأوسط والصغير من حديث أم سلمة وقال فيه: (ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا فاعفو يعزكم الله). قال العلماء: ففي قوله: (لا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا) وجهان: أحدهما: أنه على ظاهره، فإن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه. والثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك. وقال النووي: وقد يكون المراد الوجهين معًا في الدنيا وفي الآخرة. وروى الطبراني، وابن أبي عاصم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (إذا وقف الناس للحساب نادى مناد من كان أجره على الله فليقم فليدخل الجنة. ثم ينادي الثانية: من كان أجره على الله فليقم فليدخل الجنة. قالوا: من ذا الذي أجره على الله؟ قال: العافين عن الناس. ثم ينادي الثالثة: من كان أجره على الله فليقم فليدخل الجنة. قال: فيدخلها كذا وكذا بغير حساب). ويصدق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿ .. فمن عفا وأصلح فأجره على الله ... ﴾.

стр. 372

فصل (١٦) ومن أحسن ما تقل في العفو، ما ذكر أبو الفرج بن الجوزي. قال: كنا نجلس إلى الوزير أبي المظفر عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي فيملي علينا كتابه "الإفصاح" فبينما نحن كذلك إذ قدم رجل ومعه رجل ادعى عليه أنه قتل أخاه. فقال له "عون الدين" أقتلته؟ قال: نعم، جرى بيني وبينه كلام فقتلته. فقال الخصم: سلمه إلينا، لنقتله فقد أقر بالقتل. فقال الوزير: أطلقوه ولا تقتلوه. قالوا: كيف ذلك وقد قتل أخانا، قال: أفتبيعونه فاشتراه منهم بستمائة درهم وسلم الذهب إليهم، وذهبوا وقالوا للقاتل: اقعد عندنا لا تبرح، قال: فجلس عندهم وأعطاه الوزير خمسين دينار. قال: فقلنا له: أحسنت إلى هذا، وعملت معه أمرًا عظيمًا، وبالغت في الإحسان إليه، فقال الوزير منكم أحد يعمل أن عيني اليمنى لا أبصر بها شيئًا؟ فقلنا: معاذ الله- تعالى- فقال: بلى، والله أتدرون ما سبب ذلك؟ قلنا: لا. قال: هذا الذي خلصته من القتل جاء إلي وأنا في الدور ومعي كتاب من الفقه أقرأ فيه ومعه سلة فاكهة. فقال: أحمل هذه السلة. فقلت له: ما هذا شغلي فاطلب غيري، فشاكلني وكلمني فقلع عيني ومضى فلم أره بعد ذلك إلى يومي هذا فذكرت ما صنع لي فأردت أن أقابل إساءته إلي بالعفو والإحسان مع القدرة. ولبعضهم: قوم إذا ظفروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا وأتي عمر بن عبد العزيز- رحمة الله عليه- برجل كان قد نذر إن أمكنه الله منه ليفعلن به وليفعلن. فقال له رجاء بن حيرة: قد فعل الله ما تحب من الظفر فافعل ما يحب من العفو. وأنشدوا: يعطي الكريم ولا يملك من العطا ... والدفع شيمته إذا رفع الخطا قال عبد الله بن المبارك: كنت عند أبي جعفر عبد الله المنصور جالسًا فأمر بقتل رجل. فقلت: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله ﷺ (إذا كان يوم القيامة نادى مناد بين يدي الله: من كانت له عند الله يد فليتقدم، فلا يتقدم إلا من عفا عن ذنب) فأمر بإطلاقه. وقال صالح ابن الإمام أحمد: دخلت على أبي يومًا، فقلت: بلغني أن رجلًا أتى إلى أبي فضل الأنماطي فقال له: اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك. فقال: فضل: لا جعلت

стр. 373

أحدًا في حل فتبسم إلي وسكت فلما كان بعد أيام قال لي: مررت بهذه الآية: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما حدثني هاشم بن القاسم قال: حدثني المبارك، قال: حدثني من سمع الحسن. يقول: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة، ونودوا: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. قال أبي: فجعلت الميت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل أن لا يعذب الله بسببه أحدًا. وقال عبد الله ابنه: قال أبي: وجه الله الواثق أن أجعل المعتصم في حل من ضربه إياك. فقلت: ما خرجت من داره حتى جعلته في حل. وأنشد محمود الوراق: إني وهبت لظالمي ظلمي ... وغفرت ذاك له على علمي ورأيته أسدى إلى يدا ... فأبان منه بجهله حلمي وقال غيره: وإذا المسيء جنى عليك جناية ... فاقتله بالمعروف لا بالمنكر وأحسن إليه إذا أساء فإنه ... من ذي الجلال بسمع وبنظر وقيل لبعض الأعراب: من سيدكم؟ فقال: من احتمل شتمنا، وأعطى سائلنا. وأغضى عن جاهلنا. فمن قابل المكروه بالعفو، والزلة بالحلم، والإساءة بالإحسان والسيئة بالغفران فقد أوطأ أخمص قدمه أوج السيادة وأعطى نفسه بشراها بأن له الحسنى وزيادة. وروى البيهقي في الشعب بسنده، عن محمد بن عبد الواحد أنه كان ينشد: لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة ... لا عفو ذل ولكن عفو إكرام وقيل: إن هذين البيتين لعروة بن الزبير- رحمة الله عليه- هذا جود الفتوة. فمن قابل المكروه بالعفو، والزلة بالحلم، والإساءة بالإحسان، والسيئة بالغفران فقد أوطأ أخمص قدميه أوج السيادة وأعطى نفسه بشراها بأن له الحسنى وزيادة.

стр. 374

قال الله تعالى: ﴿والجروح قصاصٌ فمن تصدق به فهو كفَّارة له﴾ ... وفي هذا الجود. قال الله تعالى: ﴿وجزؤا سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحبُّ الظَّلمين﴾. قال سعيد بن المسيب: لأن يخطئ الإمام في العفو خير له أن يخطئ في العقوبة. وقال جعفر بن محمد: لأن أندم على العفو، أحب إلي أن أندم على العقوبة. هذه والله علامات المهذبين المرتاضين، وأمارات المخلصين الصادقين. كما قال الإمام أحمد- ﵀ في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد جاءه رجل. فقال له: إني كنت شاربًا مسكرًا فتكلمت فيك بشيء فاجعلني في حل. فقال أبو عبد الله: أنت في حل إن لم تعد. فقلت له: يا أبا عبد الله، لم قلت له ذلك فلعله يعود؟ قال: ألم تر ما قلت له: إن لم تعد قد اشترطت عليه؟ ثم قال: ما أحسن الشروط إذا أراد أن يعود فلا يعود إن كان له دين. وقال أبو بكر المروذي: سمعت رجلًا يقول لأبي عبد الله: اجعلني في حل. قال: من أي شيء؟ قال: كنت أذكرك، أي أتكلم فيك. قال له: ولم أردت أن تذكرني. فجعل يعترف بالخطأ فقال له أبو عبد الله: على أن لا تعود لهذا. قال له نعم. قال: قم، ثم التفت إلي وهو يبتسم. فقال: لا أعلم أني شددت على أحد إلا على رجل جاءني فدق علي الباب، وقال: اجعلني في حل، فإني كنت أذكرك. فقلت: ولم أردت أن تذكرني، أي وهذا الرجل كأنه أراد منهما التوبة وأن لا يعود. رواه الخلال- في حسن الخلق- من كتاب الأدب. فينبغي للإنسان أن لا ينزعج على من آذاه ويجاهد نفسه، ليرتاض فيقابله بالعفو والصفح، ويواجهه بما لا يواجهه به غيره من المحبين. والمعتقدين من طيب القول وحسن العبادة، وعدم الجفاء تقربًا إلى ربه- فإن ذلك من شيم العلماء الصلحاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، المقتدين بسنة سيد البشر- عليه أفضل الصلاة والسلام وأعلى من ذلك الجود بالعرض. كما روى ابن أبي الدنيا وغيره: من حديث حمزة الثمالي، أن علي بن الحسين زين العابدين كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني أتصدق اليوم، أو أهب عرضي من استحل منا شيئًا من ذلك. كأبي ضمضم- ﵁ فيما رواه أبو بكر بن السني من حديث أنس

стр. 375

رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ قالوا: ومن أبو ضمضم يا رسول الله؟ قال: كان إذا أصبح قال: اللهم إني وهبت نفسي وعرضي لك، فلا يشتم من شتمه ولا يظلم من ظلمه، ولا يضرب من ضربه). ورواه غيره بلفظ: (اللهم إنه لا مال لي فأتصدق به على الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل) فقال النبي: من يستطع منكم أن يكون كأبي ضمضم؟ قال ذلك ﷺ لأن العفو عن أرباب الهفوات بإقالة العثرات والحلم على مقترفي الزلات، والصفح عن ذوي الهيئات واصطناع المعروف، وإغاثة المضطر الملهوف من محاسن الشيم، وأشرف خلال الكرم. فصل (١٧): استحباب الأناة والتثبت للآمر الناهي ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، الأناة والتؤدة والتثبت. والأناة الصفح والحلم والوقار. قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ... ﴾. قرأ حمزة والكسائي: (فتثبتوا) من التثبت. وقال تعالى: ﴿خلق الإنسان من عجلٍ﴾، وقال- تعالى-: ﴿ .. وكان الإنسان عجولًا﴾ وقال- تعالى-: ﴿فستعلمون من أصحاب الصراط السّوي ومن اهتدى ... ﴾. وقال تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهلةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾. وقرأ حمزة والكسائي: فتثبتوا- كقراءتهما آية النساء المتقدمة قريبًا. و (الفاسق) الكذاب، (أن تصيبوا): أي لئلا تصيبوا قومًا (بجهالة) أي بخطأ. ﴿فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ أي على عجلة، وترك التأني.

стр. 376

وفي جامع الترمذي من حديث سهل بن سعيد الساعدي- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الأناة من الله والعجلة من الشيطان). وقال: حديث حسن غريب- وروى نحوه أبو يعلى الموصلي من حديث أنس مرفوعًا. بلفظ: التأني من الله والعجلة من الشيطان. فالأناة بفتح الهمزة وبالتاء: التي تكتب هاء وبالقصر- التثبت في الأمور والسكون وترك العجلة والتأني والمكث والإبطاء وهي محمودة (والعجلة) وهي التقدم فيما لا ينبغي التقدم فيه، وهي مذمومة، والسرعة محمودة وهي التقدم فيما ينبغي التقدم فيه والأناة والتؤدة، والتثبت خلق متوسط، لأن النفس إذا انحرفت عن ذلك انحرفت إما عجلة وطيش، وإما إلى تفريط وإضاعة. والفرق بين المبادرة والعجلة أن البادرة هي الإسراع في أمر هو حق الله ويخاف عليه الفوت. فالعبد محمود في الإسراع فيه أما العجلة بالإسراع في أمر على قضاء الشهوة والتهمة وإدراك المنية، لا لله- تعالى- ولا لوجهه. فتلك العجلة من الشيطان. كما قيل: وإذا هممت بأمر سوء فاتئد ... وإذا هممت بأمر خير فأسرع والمقصود أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون بعد البصيرة والمعرفة، والبصيرة تحتاج إلى تأمل ومهلة، والعجلة تمنع من ذلك. قال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام: الأفعال ضربان: أحدهما: ما خفي عنا مصلحته، فلا تقدم عليه حتى تظهر مصلحته المجردة عن المفسدة أو الراجحة عليها. وهذا الذي جاءت الشريعة بمدح الأناة فيه إلى أن يظهر رشده وصلاحه. الضرب الثاني: ما ظهرت لنا مصلحته، وله حالان: أحدهما: أن لا تعارض مصلحته مفسدته ولا مصلحة أخرى، فالأولى تعجيله، والثانية أن تعارض مصلحته مصلحة هي أرجح منه مع الخلو عند المفسدة، فيؤخر عند رجاء

стр. 377

الحياة وإلى تحصيله، وإن عارضته مصلحة تساويه قدمت مصلحة التعجيل لما ذكرناه فيما خلا عن المعارض والله أعلم. وفي الموطأ، ومسند أحمد وسنن أبي داود من حديث عبد الله بن عباس- ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (القصد والتؤدة وحسن السمت جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة) هذه رواية الموطأ. ورواية أحمد، وأبي داود أن رسول الله ﷺ قال: (إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة). ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن سرجس بلفظ: (إن السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة) وقال: حديث حسن غريب. التؤدة- بضم المثناة الفوقية، وفتح الهمزة المهملة- هي التأني والتثبت وعدم العجلت فإذا أمرت بها فأنت أتيد. وفي سنن أبي داود وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الخير). ورواه البيهقي. قال: إلا في عمل الآخرة. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال عبد الله بن مسعود- ﵁: أنتم في زمان خيركم فيه المسارع الأمور، وسيأتي بعدكم بزمان يكون خيركم المتثبت المتوقف لكثرة الشبهات. وقال علي- ﵁ وكرم وجهه-: من التوفيق التوقف عند الحيرة. قال الغزالي: فمن لم يثبت في هذا الزمان، ووافق الجماهير فيما هم عليه خاض فيما

стр. 378

خاضوا، وهلك فيمن هلكوا. فبجمع ما في هذا الفصل، أن من وقعت به نازلة أو بلغه خبر محتمل الصدق والكذب أن لا يعجل فيه. وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية- ﵄ يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية: أما بعد فإن التفهم في الخبر زيادة ورشد، وإن المتثبت مصيب أو كاد أن يكون مصيبًا، فإن العجل يخطئ- أو كاد أن يكون مخطئًا. وأنشد بعضهم: ومستعجل والمكث أولى لرشده ... ولم يدر ما يلقاه حين يبادر قال بعض الحكماء: العجلة تثمر الزلل العاجل، وتسفر عن الندامة في الأجل. ولغيره: قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون من المستعجل الزلل قال أبو بكر البيهقي- في الشعب-: أخبرنا جعفر الخلوي. قال: سمعت الخواص يقول: العجلة تمنع من إصابة الحق، وربما آلت إلى الضرر. وأنشدوا: لا تعجلن فربما عجل الفتى فيما يضره ... وربما كره الفتى أمرًا عواقبه تسره وكم لله من لطف خفي ... يدق خفاه عن فهم الذكي وكم عسر أعاد يسرًا ... وفرح لريحه القلب الشجي وكم هم تساءمنه صباحًا ... فأعقبه المسرة بالعشي وروى أنه لما ولد عيسى- ﵇ أتت الشياطين إبلين. فقالت: أصبحت الأصنام قد نكصت رؤوسها. قال: هذا حادث قد حدث مكانكم! وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئًا ثم وجد عيسى ﵇ قد ولد وإذا الملائكة قد حفت حوله، فرجع إليه فقال: إن نبيًا قد ولد وإذا الملائكة قد حفت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبيًا قد ولد البارحة ولا حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا، فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة. وقال الحسن البصري: المؤمن وقاف متأن وليس كحاطب ليل. وأجمع الحكماء على أن المظفر مأمور بالصبر، والإدراك موصول بالتأني.

стр. 379

وسئل بعضهم أي الأمور أشد تأييدًا للفتى وأشدها إضرارًا به. قال: أشدها تأييدًا له ثلاثة أشياء: مشاورة الحكماء وتجربة الأمور وحسن التثبت وأشدها إضرارًا به ثلاثة أشياء: الاستبداد، والتهاون، والعجلة. وكانت العرب تسمي العجلة: أم الندامات. وذكر عند المأمون بعض عظماء دولته، فقال: نعم من ذكرتم ولولا عجلة فيه. وقال بعض الحكماء: العجلة في الأمر خرق، وأخرق من ذلك التفريط في الأمر بعد القدرة عليه. قال حكيم للإسكندر: احفظ عني ثلاثة خلال. صل عجلتك بتأنيك، وسطوتك بترفقك، وضرك بنفعك. تثبت في سائر أمورك تحصل على الفوائد، وجانب العجلة فإنها بئست الخصلة المقاصد. وأنشدوا: وإذا أردت صواب أمر مشكل ... فتأن أمرك، فالتأني أصوب ما أقوم فنانك لو استعملت في أمرك أنانك! ! وما أصلح شأنك لو رأيت في مرآة الاعتبار ما شانك! ! فينبغي للآمر الناهي أن يتأمر العواقب تأمل من لله يراقب، فمن سمت نفسه إلى تجشم رتب المعالي، وعلت همته إلى استخدام بيض الأيام وسود الليالي، تسربل بملابس التؤدة، لتكشف له موارد الخطل والخلل، ومقاصد أهل الزيغ والزلل ويعلم المفسد من المصلح في القول والعمل فتهون عليه عظائم الأمور، وتعظم مهابته في الصدور وتتجافى الناس أن يعاملوه بشيء من المحظور والمحذور. ومتى آثر السرعة على راحة التؤدة. فقد تعجل أغراق النار الموقدة وكان جديرًا بإنتقاص مبرم ما ذكر إليه، وإعراض الخلق بعد إقبالهم عليه، وآل أمره إلى ندامة يعض منها على يديه. فصل (١٨): ويستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر قصد نصح جميع الأمة ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، قصده نصح جميع الخلق، بأن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه.

стр. 380

قال الله تعالى حكاية عن عبده ورسوله نوح: ﴿وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾، وعن نبيه هود- ﵉: ﴿ .. وأنا لكم ناصحٌ أمين﴾ أي عرفت فيما بينكم بالنصح، فما حقي أن أتهم وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم. قال العلماء: النصح إخلاص النية من شوائب الفساد في المعاملة بخلاف الغش. يقال: نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة ونصحًا وهو باللام أفصح، لقوله: ﴿ .. وأنصح لكم .. ﴾ والاسم النصيحة والنصيح الناصح. وقوم نصحاء، ورجل ناصح أي خالص، وكل شيء خلص فقد نصح وانتصح فلان أي أقبل على النصيحة. قال أبو سليمان الخطابي: النصيحة كلمة جامعة، ومعناها: حيازة الحظ للمنصوح له، وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع. شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل. وقيل: (مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح- فيما يتحراه من صلاح المنصوح له- بما يسده من خلل الثوب، والله أعلم). ولقد أكرم الله هذه الأمة بالصديقين خاصة، كما خص بني إسرائيل بالأنبياء عامة، فجعل المرسلين أهل الشرع، وجعل الأنبياء أهل الإنذار، وجعل الصديقين أهل النصيحة والبيان. وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث زياد بن علاقة. (قال: سمعت جرير بن عبد الله- ﵁ يقول يوم مات المغيرة بن شعبة. قام فحمد الله وأثنى عليه. وقال: عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن. ثم قال: استعفوا لأميركم فإنه كان يحب العفو. ثم قال: أما بعد فإني أتيت رسول الله ﷺ فقلت: أبايعك على الإسلام فشرط

стр. 381

علي والنصح لكل مسلم فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لكم لناصح، ثم استغفر ونزل. هذه رواية البخاري). وأخرج مسلم المسند منه. وفي رواية لهما. (قال جرير: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم). وفي أخرى لهما. قال: بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، فلقنني: فيما استطعت والنصح لكل مسلم. وروى أبو داود، والترمذي، الرواية الثانية وزاد فيها أبو داود: وكان إذا باع الشيء أو اشتراه قال: أما إن الذي أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك فاختر. وفي رواية قال: بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة وأن أنصح لكل مسلم. وفي أخرى قال: بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم. وفي أخرى قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: أبايعك على السمع والطاعة فيما أحببت وكرهت. قال النبي ﷺ : (أوتستطيع ذلك يا جرير أو تطيق ذلك؟ قال: فيما استطعت فبايعني والنصح لكل مسلم). وفي أخرى قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله أبسط يدك، حتى أبايعك واشترط علي، فأنت أعلم. قال: (أبايعك أن تعبد الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين). قال العلماء- ﵃: فالنصح معتبر بعد الإسلام لهذا الحديث. ومما يتعلق

стр. 382

بهذا الحديث- أيضًا- منقبة لجرير- ﵁ فيما روى أبو القاسم الطبراني- بإسناده أن جريرًا أمره مولاه أن يشتري له فرسًا، فاشترى له فرسًا بثلاثمائة درهم وجاء به وبصاحبه، لينقده الثمن. فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من الثلاثمائة درهم أتبيعه بأربعمائة؟ قال: ذلك إليك، يا أبا عبد الله. قال: فرسك خير من ذلك أتبيعه بخمسمائة درهم، ثم لم يزل يزد مائة فمائة وصاحبه يرضى وجرير يقول: فرسك خير إلى أن بلغ ثمانمائة درهم فاشتراه فقيل له في ذلك! ! فقال: (بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم). وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الدين النصيحة) قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). هذه رواية مسلم وأحمد. وفي رواية أبي داود: إن الدين النصيحة: قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله- ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). وعند النسائي بلفظ (إنما الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). وروى أحمد، والترمذي، والنسائي نحوه من حدث أبي هريرة- ﵁ بالتكرار- أيضًا- وحسنه. وروى أيضًا- نحوه من حديث ابن عباس. ورواه الطبراني- في الأوسط- من حديث ثوبان إلا أنه قال: رأس الدين النصيحة. وليس لتميم في صحيح مسلم سوى هذا الحديث، وليس له في صحيح البخاري شيء سوى تعليق الحديث والله أعلم.

стр. 383

قال العلماء: (معنى الحديث عماد الدين وقوامه النصيحة). كقوله: (الحج عرفة) أي عماده ومعظمه. والنصيحة فرض على الكفاية فيجزئ فيه من قام به وسقط عن الباقين لأنها محض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). قال أبو عبد الله بن مفلح: وظاهر كلام الإمام أحمد، وأصحابه وجوب النصح للمسلم وإن لم يسأله ذلك، لظاهر الأدلة). وقال صاحب المستوعب: ومن الواجب موالاة المسلمين والنصيحة لهم وأنشدوا: من يبلغ عمرو بن هند إيه ... ومن النصيحة كثرة الإنذار والنصيحة لازمة على قدر الطاقة، إذا علم الناصح أنه يقبل منه نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة. أما النصيحة لله- تعالى- فمعناها: (إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ونفي الشرك عنه، ووصفه بصفات الكمال، وتنزيهه عن جميع أنواع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والدعاء إلى جميع أوصاف الخير، والحث عليها). قال الخطابي: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه (نفسه) معاذ الله- تعالى- غني عن نصح الناس). وستأتي رواية أحمد من حديث أبي أمامة: "أحب ما تعبدني به عبدي إلى النصح لي". وقال جعفر بن محمد: ما ناصح الله عبد مسلم في نفسه، فأخذ الحق لها وأعطى الحق منها، إلا أعطي خصلتين: رزق من الله بقنع منه، ورضا من الله عنه. أما النصيحة لكتابه، فالإيمان بأنه كلامه- تعالى- وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام

стр. 384

الخلق ثم تعظيمه وتلاوته، مع إقامة حروفه مع الخشوع عندها والذب عنه، لتأويل المحرفين، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه، وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه. وأما النصيحة لرسول الله ﷺ فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه ونصرته حيًا وميتًا، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وتعظيمه وإحياء سنته وطريقته، ونشرها، ونفي التهمة عنها، والنفقة في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها، وإعظامها وإجلالها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته، أو تعرض لأحد من أصحابه- ﵃. (يا آل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم القدر أنكم ... من لا يصلي عليكم لا خلاق له) وأما النصيحة لأئمة المسلمين- وهم الخلفاء وغيرهم فمن يقوم بأمر المسلمين من أصحاب- الولايات- فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه وأمرهم به، وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم والدعاء لهم بالصلاح. قال صاحب المستوعب: وفرض على المؤمن النصيحة لإمامه، وطاعته في غير معصية، والذب عنه. قال أبو زكريا يحيى النووي: اعلم أن هذا الباب تتأكد العناية به- فيجب على الإنسان النصيحة والوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكل كبير وصغير، إذا لم يغلب على ظنه ترتب مفسدة على وعظ. انتهى. وقد روى أبو بكر البيهقي- في شعب الإيمان من حديث أنس مرفوعًا: "السلطان ظل الله في الأرض فمن غشه ضل، ومن نصحه اهتدى".

стр. 385

ثم رواه من طريق آخر، عن قتادة: وقال بعض السلف: أحوج الناس إلى النصيحة الملوك، لما ابتلاهم الله به من سياسة الخلق وأوجب عليهم من القيام بالحق. وأما ما يفعله كثير من الناس من إهمال ذلك في حق كبار المراتب، ويتوهم أن ذلك حياء فخطأ صريح، وجهل قبيح، فإن ذلك ليس بحياء، وإنما هو جور ومهانة وضعف وعجز، فإن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلا بخير، وهذا يأتي بشر فليس بحياء. وإنما الحياء- عند المحققين والعلماء الربانيين- خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. كما قال أبو القاسم الجنيد بن محمد- قدس الله روحه-: الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فتتولد بينهما حالة تسمى حياء. والله أعلم. (وأما نصيحة عامة المسلمين- وهم من عدا ولاة الأمور- فعلى المسلم أن يكون ناصحًا لإخوانه المسلمين، يقصد ما هو أصلح لهم من إرشاد لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وإعانتهم على ذلك بالقول والفعل، وأمرهما بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وستر عوراتهم، ورفع المضار عنهم، وجلب المنافع إليهم، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غيبتهم والذب عن أعراضهم وأموالهم وغير ذلك بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بجميع هذه الصفات وتنشيط هممهم إلى الطاعات. ومجموع ذلك كله ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه).

стр. 386

الجزء الرابع وقال الإمام أبو بكر البيهقي- في الشعب: وأما نصيحة جماعة المسلمين، فإن نصيحتهم على أخلاقهم ما لم يكن لله معصية وانظر إلى تدبير الله فيهم بقلبك، فإن الله قسم بينهم أخلاقهم كما قسم بينهم أرزاقهم ولو شاء لجعلهم على خلق واحد فلا تغفل عن تدبير الله فيهم فإذا رأيت معصية فاحمد الله، إذ صرفك عنها في وقتك، وتلطف في الأمر والنهي في رفق وصبر وسكينة فإن قبل منك فاحمد الله، وإن رد عليك فاستغفر الله، لتقصير منك كان في أمرك ونهيك واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور. وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة- ﵁ مرفوعًا: حق المسلم على المسلم: ردّ السلام، وعيادة المريض واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس. هذا لفظ الصحيحين وأحمد وأبي داود، ولمسلم وأحمد قال: حق المسلم على المسلم ست قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه). وروى "الترمذي" هذه الرواية التي "المسلم" وجعل بدل "السلام" وتنصح له غاب أو شهد.

стр. 387

ولفظ النسائي قال: "للمؤمن على المؤمن ست خصال: يعوده إذا مرض ويشهده إذا مات ويجيبه إذا دعاه ويسلم عليه إذا لقيه ويشمته إذا عطس، وينصح له إذا غاب أو شهد". ورواه ابن ماجه بلفظ آخر: ويحب له ما يحب لنفسه. وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث علي ابن أبي طالب مرفوعًا للمسلم على المسلم من المعروف ست: يسلم عليه إذا لقيه ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض ويجيبه إذا دعاه ويشهده إذا توفى، ويحب له ما يحب لنفسه وينصح له بالمغيبة. وروى أبو داود- في باب النصيحة- بسنده عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخ المؤمن يكف عليه ضيعته، ويحفظه من ورائه). قال العلماء: وأما الكافر فليس على المسلم أن ينصحه. لما تقدم من حديث زياد بن علاقة وتميم الداري قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد- ﵀ يقول: ليس على المسلم نصح الذمي، بل عليه نصح المسلم والله أعلم. وروى الطبراني، والحاكم من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويمسي ناصحًا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم. وروى نحوه الطبراني- أيضًا- في المعجم الأوسط- من حديث أبي ذر. وروى أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني- في الترغيب والترهيب بسنده عن أبي أمامة

стр. 388

الباهلي مرفوعًا: إن الله- ﵎ يقول: أحب ما تعبدني به النصيحة. ورواه الإمام أحمد في المسند- بلفظ: أحب ما تعبد لي به عبدي النصح لي. وفي رواية: أحب ما تعبدني به عبدي النصح. وروى أبو بكر البيهقي- في الشعب- من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: مثل تراخم المؤمنين بعضهم على بعض ونصح بعضهم بعضًا، وشفقة بعضهم على بعض، كرجل اشتكى بعض جسده فتداعى جسده كله بالسهر إذا ألم ببعض جسده. وسيأتي- من رواية الصحيحين- بغير هذا اللفظ. وروى أيضًا- بسنده، عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا: "المؤمنون بعضهم لبعض نصحه وادُّون وإن افترقت منازلهم وأبدانهم والفجرة. بعضهم لبعض غششةٌ متخاذلون وإن اجتمعت منازلهم وأبدانهم". ورواه أبو الشيخ بن حيان في كتاب التوبيخ وكذلك أبو القاسم الأصبهاني- في الترغيب والترهيب. وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد- بسنده، عن الحسن البصري مرسلًا: إن أحب عباد الله إلى الله أنصحهم لعباده. وبسنده، عن غالب القطان قال: رأيت الحسن البصري- رحمة الله عليه- في المنام في سكة الموالي وبيده ريحان فقلت: أخبرني بأمر يسير عظيم الأجر. فقال: نعم نصيحة بقلبك وذكر بلسانك تقلب بهما. وفي كتاب الزهد والرقائق، لعبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي عن حسان بن عطية- رحمة الله عليه- قال: قال الله- تعالى: لا ينجو مني عبدي إلا بأداء ما افترضت عليه، وما يبرح عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، وما تقرب إلي بشيء أفضل من النصيحة فإذا فعل ذلك كنت قلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ينطق به وبصره الذي يبصر به أجيبه إذا دعاني وأعطيه إذا سألني وأغفر له إذا استغفرني. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث معقل بن يسار مرفوعًا: ما من أمير يلي أمور

стр. 389

المسلمين ثم لا يجهد لهم ولا ينصح إلّا لم يدخل معهم الجنة. وروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن الحسن البصري أنه سمع عبد الرحمن بن سمرة يقول: ما استرعى الله عبدًا رعية فلم يحط من ورائهم بالنصيحة، إلا حرم الله عليه الجنة. وفي مسند الإمام أحمد بسنده. عن حكيم بن زيد مرفوعًا: دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه. ورواه: فليصب بعضهم من بعض. ورواه الخرائطي- في مكارم الأخلاق- بلفظ: دعوا عباد الله فليصب بعضهم من بعض، وإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه. وفي رواية: إذا استشار أحدكم أخاه فلينصحه. وقال سفيان بن عيينة: عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه. قال بعض الحكماء: حض أخاك بالنصيحة، وإن كانت قبيحة. وقال غيره: أوقف أخاك على النصيحة حسنة كانت أو سيئة. وروى أبو بكر بن أبي الدنيا- بسنده، عن عبد الله بن المبارك عن معمر: قال: كان يقال: أنصح الناس لك من خاف الناس فيك. وقال بعض الحكماء: خير الإخوان أشدهم مبالغة في النصيحة. وأنشدوا: إن النصيحة لو تباع وتشتري ... كانت تباع بأنفس الأثمان لكنها مبذولة موهوبة ... ولقلما قبلت من الإخوان قال عمر بن الخطاب ﵁: لا خير في قوم ليسوا بناصحين ولا يحبون الناصحين. قال أبو حامد الغزالي: فإن قلت: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله عبد

стр. 390

الرحمن بن نعيم التستري. أما بعد، فكن عبداً لله ناصحاً له في عباده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فإن الله -تعالى- أولى بك من الناس، وحقه عليك أعظم ولا تولين شيئا من أمور المسلمين إلا الأمر بالمعروف وبالنصيحة لهم والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استرعى وإياك أن يميلك ميلاً إلى غير الحق، فإن الله لا تخفى عليه خافية. قال أبو حامد الغزالي: فإن قلت: فمتى يصح للإنسان يشتغل بنصح الناس؟ فأقول: إذا لم يكن له قصد إلا هداية الخلق لله -تعالى- وكان يود لو وجد من يعينه، أو لو اهتدوا بأنفسهم وانقطع بالكلية طمعه عن شأنهم، وعن أموالهم فاستوى عنده مدحهم وذمهم، ونظر إليهم كما ينظر إلى السادات وإلى البهائم، أما السادات فمن حيث لا يتكبر عليهم، ويرى كلهم خيراً منه، بجهله بالخاتمة، وأما البهائم فمن حيث المنزلة في قلوبهم. وينبغي أن تكون النصيحة سراً بين الناصح والمنصوح له، كما سبق الكلام عليه - في الدرجة الثالثة - من الباب الثاني - من قول الإمام الشافعي وغيره: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. وروى أبو نعيم بسنده - عن سفيان الثوري قال: قلت لمسعر بن كدام: تحب أن تهدى إليك عيوبك؟ فقال: أما من ناصح فنعم. وأما من موبخ فلا. كما قال بعض الحكماء: نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تعنيف. والفرق بين التأديب والنصح، وبين سوء العشرة: أن التأديب لرجل ناصح لله- تعالى- محب للقيام بحقوقه- حريص على ذلك فهو يعاشر الناس على التأديب. وإذا رأى منهم تقصيرًا في حق أو تهاونًا بأمر الله عاتبهم وأدبهم، فينفع الله به الخلق، لصدقه في فعله، وتلين القلوب له، ويذهل النفوس منه. وسوء العشرة، لرجل ضايق الناس في أمورهم ومعاملتهم ومعاشرتهم ليس به إقامة حق لله، ولكن سوء خلقه، وضيق صدره حمله على ذلك فهو معاشر الناس بذلك الضيق والانحراف. والثاني فالصاحب من ينصحك إذا علا أمرك، ولا يفضحك إذا خمد جمرك. أولئك خيار الخلصاء وكرام الجلساء، خيار الصباح، وسمار المساء (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرون في البأساء).
следующие страницы →