Полный текст (502 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الجزء الرابع
وقال الإمام أبو بكر البيهقي- في الشعب: وأما نصيحة جماعة المسلمين، فإن نصيحتهم على أخلاقهم ما لم يكن لله معصية وانظر إلى تدبير الله فيهم بقلبك، فإن الله قسم بينهم أخلاقهم كما قسم بينهم أرزاقهم ولو شاء لجعلهم على خلق واحد فلا تغفل عن تدبير الله فيهم فإذا رأيت معصية فاحمد الله، إذ صرفك عنها في وقتك، وتلطف في الأمر والنهي في رفق وصبر وسكينة فإن قبل منك فاحمد الله، وإن رد عليك فاستغفر الله، لتقصير منك كان في أمرك ونهيك واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور.
وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة- ﵁ مرفوعًا: حق المسلم على المسلم: ردّ السلام، وعيادة المريض واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس. هذا لفظ الصحيحين وأحمد وأبي داود، ولمسلم وأحمد قال: حق المسلم على المسلم ست قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه). وروى "الترمذي" هذه الرواية التي "المسلم" وجعل بدل "السلام" وتنصح له غاب أو شهد.
стр. 387
ولفظ النسائي قال: "للمؤمن على المؤمن ست خصال: يعوده إذا مرض ويشهده إذا مات ويجيبه إذا دعاه ويسلم عليه إذا لقيه ويشمته إذا عطس، وينصح له إذا غاب أو شهد".
ورواه ابن ماجه بلفظ آخر: ويحب له ما يحب لنفسه.
وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث علي ابن أبي طالب مرفوعًا للمسلم على المسلم من المعروف ست: يسلم عليه إذا لقيه ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض ويجيبه إذا دعاه ويشهده إذا توفى، ويحب له ما يحب لنفسه وينصح له بالمغيبة.
وروى أبو داود- في باب النصيحة- بسنده عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخ المؤمن يكف عليه ضيعته، ويحفظه من ورائه).
قال العلماء: وأما الكافر فليس على المسلم أن ينصحه. لما تقدم من حديث زياد بن علاقة وتميم الداري قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد- ﵀ يقول: ليس على المسلم نصح الذمي، بل عليه نصح المسلم والله أعلم.
وروى الطبراني، والحاكم من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويمسي ناصحًا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم.
وروى نحوه الطبراني- أيضًا- في المعجم الأوسط- من حديث أبي ذر.
وروى أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني- في الترغيب والترهيب بسنده عن أبي أمامة
стр. 388
الباهلي مرفوعًا: إن الله- ﵎ يقول: أحب ما تعبدني به النصيحة. ورواه الإمام أحمد في المسند- بلفظ: أحب ما تعبد لي به عبدي النصح لي.
وفي رواية: أحب ما تعبدني به عبدي النصح.
وروى أبو بكر البيهقي- في الشعب- من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: مثل تراخم المؤمنين بعضهم على بعض ونصح بعضهم بعضًا، وشفقة بعضهم على بعض، كرجل اشتكى بعض جسده فتداعى جسده كله بالسهر إذا ألم ببعض جسده.
وسيأتي- من رواية الصحيحين- بغير هذا اللفظ.
وروى أيضًا- بسنده، عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا: "المؤمنون بعضهم لبعض نصحه وادُّون وإن افترقت منازلهم وأبدانهم والفجرة. بعضهم لبعض غششةٌ متخاذلون وإن اجتمعت منازلهم وأبدانهم". ورواه أبو الشيخ بن حيان في كتاب التوبيخ وكذلك أبو القاسم الأصبهاني- في الترغيب والترهيب. وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد- بسنده، عن الحسن البصري مرسلًا: إن أحب عباد الله إلى الله أنصحهم لعباده. وبسنده، عن غالب القطان قال: رأيت الحسن البصري- رحمة الله عليه- في المنام في سكة الموالي وبيده ريحان فقلت: أخبرني بأمر يسير عظيم الأجر. فقال: نعم نصيحة بقلبك وذكر بلسانك تقلب بهما.
وفي كتاب الزهد والرقائق، لعبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي عن حسان بن عطية- رحمة الله عليه- قال: قال الله- تعالى: لا ينجو مني عبدي إلا بأداء ما افترضت عليه، وما يبرح عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، وما تقرب إلي بشيء أفضل من النصيحة فإذا فعل ذلك كنت قلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ينطق به وبصره الذي يبصر به أجيبه إذا دعاني وأعطيه إذا سألني وأغفر له إذا استغفرني.
وفي صحيح مسلم وغيره من حديث معقل بن يسار مرفوعًا: ما من أمير يلي أمور
стр. 389
المسلمين ثم لا يجهد لهم ولا ينصح إلّا لم يدخل معهم الجنة.
وروى البيهقي- في الشعب- بسنده، عن الحسن البصري أنه سمع عبد الرحمن بن سمرة يقول: ما استرعى الله عبدًا رعية فلم يحط من ورائهم بالنصيحة، إلا حرم الله عليه الجنة. وفي مسند الإمام أحمد بسنده. عن حكيم بن زيد مرفوعًا: دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه. ورواه: فليصب بعضهم من بعض. ورواه الخرائطي- في مكارم الأخلاق- بلفظ: دعوا عباد الله فليصب بعضهم من بعض، وإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه.
وفي رواية: إذا استشار أحدكم أخاه فلينصحه. وقال سفيان بن عيينة: عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه.
قال بعض الحكماء: حض أخاك بالنصيحة، وإن كانت قبيحة. وقال غيره: أوقف أخاك على النصيحة حسنة كانت أو سيئة.
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا- بسنده، عن عبد الله بن المبارك عن معمر: قال: كان يقال: أنصح الناس لك من خاف الناس فيك. وقال بعض الحكماء: خير الإخوان أشدهم مبالغة في النصيحة.
وأنشدوا:
إن النصيحة لو تباع وتشتري ... كانت تباع بأنفس الأثمان
لكنها مبذولة موهوبة ... ولقلما قبلت من الإخوان
قال عمر بن الخطاب ﵁: لا خير في قوم ليسوا بناصحين ولا يحبون الناصحين. قال أبو حامد الغزالي: فإن قلت: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله عبد
стр. 390
الرحمن بن نعيم التستري. أما بعد، فكن عبداً لله ناصحاً له في عباده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فإن الله -تعالى- أولى بك من الناس، وحقه عليك أعظم ولا تولين شيئا من أمور المسلمين إلا الأمر بالمعروف وبالنصيحة لهم والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استرعى وإياك أن يميلك ميلاً إلى غير الحق، فإن الله لا تخفى عليه خافية.
قال أبو حامد الغزالي: فإن قلت: فمتى يصح للإنسان يشتغل بنصح الناس؟ فأقول: إذا لم يكن له قصد إلا هداية الخلق لله -تعالى- وكان يود لو وجد من يعينه، أو لو اهتدوا بأنفسهم وانقطع بالكلية طمعه عن شأنهم، وعن أموالهم فاستوى عنده مدحهم وذمهم، ونظر إليهم كما ينظر إلى السادات وإلى البهائم، أما السادات فمن حيث لا يتكبر عليهم، ويرى كلهم خيراً منه، بجهله بالخاتمة، وأما البهائم فمن حيث المنزلة في قلوبهم.
وينبغي أن تكون النصيحة سراً بين الناصح والمنصوح له، كما سبق الكلام عليه - في الدرجة الثالثة - من الباب الثاني - من قول الإمام الشافعي وغيره: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.
وروى أبو نعيم بسنده - عن سفيان الثوري قال: قلت لمسعر بن كدام: تحب أن تهدى إليك عيوبك؟ فقال: أما من ناصح فنعم. وأما من موبخ فلا.
كما قال بعض الحكماء: نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تعنيف. والفرق بين التأديب والنصح، وبين سوء العشرة: أن التأديب لرجل ناصح لله- تعالى- محب للقيام بحقوقه- حريص على ذلك فهو يعاشر الناس على التأديب. وإذا رأى منهم تقصيرًا في حق أو تهاونًا بأمر الله عاتبهم وأدبهم، فينفع الله به الخلق، لصدقه في فعله، وتلين القلوب له، ويذهل النفوس منه.
وسوء العشرة، لرجل ضايق الناس في أمورهم ومعاملتهم ومعاشرتهم ليس به إقامة حق لله، ولكن سوء خلقه، وضيق صدره حمله على ذلك فهو معاشر الناس بذلك الضيق والانحراف.
والثاني فالصاحب من ينصحك إذا علا أمرك، ولا يفضحك إذا خمد جمرك. أولئك خيار الخلصاء وكرام الجلساء، خيار الصباح، وسمار المساء (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرون في البأساء).
стр. 391
فصل (١٩): ومما يستحب للآمر بالمعروف أن يكون قصده رحمة الخلق والنفقة عليهم:
ومما يستحب للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر القائم في حدود الله- أعانه الله تعالى- أن يكون قصده رحمة الخلق كلهم والنفقة عليهم، بكف الناس عن المنكرات التي تسبب الدمار في الدنيا والعقوبات في الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفَّار رحماء بينهم﴾ غلاظ كالأسد على فريسته. قيل: المراد ﴿وبالذين معه﴾ جميع المؤمنين، ﴿رحماء بينهم﴾ أي يرحم بعضهم بعضًا.
وقيل: (متعاطفون متوادون).
وقد سبق نظير هذه الآية في أوائل الكتاب- قوله تعالى- ﴿ ... أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ... ﴾.
فالرحمة- بفتح الراء المهملة- الحنو والعطف الرقة رحم يرحم إذا حن ورق وتعطف. والله أعلم.
(وفي الصحيحين من حديث- أسامة بن زيد- ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) في (الرحماء) يجوز الرفع والنصب. والله أعلم).
وفيهما- أيضًا- من حديث جرير بن عبد الله مرفوعًا: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله- ) وفي رواية: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس).
ورواه أحمد- في المسند- وزاد ( ... من لا يغفر لا يغفر له).
стр. 392
ورواه الترمذي. وقال في الثاني: حديث حسن صحيح.
وفي الصحيحين، ومسند أحمد، وسنين أبي داود، والترمذي من حديث أبي هريرة- ﵁ في حديث تقبيل النبي- ﷺ للحسن بن علي- أن النبي ﷺ قال: (من لا يرحم لا يرحم).
قوله: (من لا يرحم لا يرحم) بضم الميم- فيهما- على الخبر.
وقيل: بالجزم إن جعلت شرطًا. والله أعلم.
أخبرنا شيخنا الإمام العلامة الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الجزري الشافعي الدمشقي- فسح الله في مدته- قال: أخبرنا أبو الثناء محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنجي- قرأه عليه وهو أول حديث سمعته منه. قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم البغدادي- وهو أول حديث سمعته منه. قال: أخبرنا الإمام شيخ الشيوخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي وهو أول حديث سمعته منه يقول: قال أخبرتنا الشيخة الصالحة ست الدار شهدة بنت أحمد (الأيري) الكاتبة وهو أول حديث سمعته منها. قالت: أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي وهو أول حديث سمعته منه. قال: أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن- وهو أول حديث سمعته منه. قال: حدثنا أبو حامد البزار، وهو أول حديث سمعته منه قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر- وهو أول حديث سمعته منه قال: حدثنا سفيان بن عيينة- وهو أول حديث سمعته من- سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الراحمون يرحمهم الله. ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء).
стр. 393
وروى الحديث أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
ورواه الإمام أحمد بلفظ: أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: (ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين على ما فعلوا وهم يعلمون).
ورواه الطبراني، والبيهقي- في شعب الإيمان.
قوله: (ويل لأقماع القول) الأقماع جمع قمع بكسر القاف وسكون الميم، وفتحها، وقيل: بفتح القاف وسكون الميم- وهو الإناء الذي ينزل في رؤوس الظروف، لتملأ بالمائعات.
يشبه أسماع الذين يسمعون القول ولا يعونه ويحفظونه ويعملون به بالأقماع. والله أعلم.
(وروى الطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعًا- بإسناد حسن- من لم يرحم الناس لم يرحمه الله).
وروى من حديث جرير مرفوعًا- بإسناد جيد قوي-: (من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء).
وفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، وصحيح ابن حبان
стр. 394
من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) هذا لفظ الترمذي. وقال هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ صحيح.
وفي المعجم الأوسط، والصغير للطبراني، من حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ على بيت فيه نفر من قريش فأخذ بعضادتي الباب. فقال: هل في البيت إلا قرشي؟ فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا. قال: إن ابن أخت القوم منهم. ثم قال: إن هذا الأمر في قريش ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا، ومن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
قال المنذري: رواته ثقات.
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد- بسنده- عن أبي صالح عبد الرحمن بن قيس مرسلًا: إن الله- رحيم. لا يضع رحمته إلا على رحيم، ولا يدخل جنته إلا رحيم. قالوا: يا رسول الله إنا لنرحم أموالنا وأهالينا. قال: ليس بذلك ولكن ما قال الله- : ﴿حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾.
وفي الترغيب والترهيب، لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني، بسنده، عن أبي هريرة مرفوعًا: (لن يلج الجنة إلا رحيم)، فقال بعض الصحابة: كلنا يا رسول الله رحيم. قال: (ليس برحمة أحدكم خاصة حتى يرحم الناس عامة).
وروى الحاكم في المستدرك، والطبراني نحوه من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: (لن تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على ما تحبون عليه؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (أفشوا السلام بينكم تحابوا والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا) قالوا: كلنا رحيم قال: (إنه ليس برحمة أحدكم ولكن رحمة العامة).
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: رواته رواة الصحيح.
وروى أبو يعلى الموصلي، والطبراني نحوه من حديث أنس بلفظ: (والذي نفسي بيده ولا يضع الله الرحمة إلا على رحيم. قلنا: يا رسول الله كلنا رحيم. قال: ليس الرحيم الذي يرحم نفسه وأهله خاصة ولكن الرحيم الذي يرحم المسلمين).
стр. 395
وروى أبو القاسم إسماعيل الأصفهاني- في الترغيب والترهيب- بسنده، عن أبي عبد السلام، عن أبيه، عن كعب الأحبار- رحمة الله عليه- قال: قال الله- ﵎: يا موسى أتريد أن أملأ مسامعك يوم القيامة مما يسرك؟ ارحم الصغير كما ترحم ولدك وارحم الكبير كما ترحم الصغير، وارحم الغني كما ترحم الفقير، وارحم المعافى كما ترحم المبتلى وارحم القوي كما ترحم الضعيف وارحم الجاهل كما ترحم الحليم.
وقد سبق- في الباب الأول- من حديث ابن عباس من رواية أحمد، والترمذي وابن حبان مرفوعًا: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر).
وقوله: (ليس منا) أي ليس من رحمائنا وذوي الرقة والعطف المرحومين منا. من لم يرحم الصغير أي لضعفه وعجزه وبرائته عن قبائح الأعمال. وقد يكون الصغير في المعنى مع تقدم السن. فيصغر القدر بالجهل والغفلة فيرحمها بالتعليم له والإرشاد، شفقة عليه.
وقوله: (ويوقر كبيرنا) لأن التوقير هو التفخيم والتعظيم والكبير يكون كبيرًا بأمرين: صورة ومعنى. فالصورة للكبير بالسن فله حظه من التوقير والتعظيم، لما خص به من السبق في الوجود وتجربة الأمور وأما الكبير معنى، فبالعلم والفضل والدين والتقوى فيستحق من التعظيم والتوقير بحسب ما عنده من ذلك إجلالًا لحق العلم وتبجيلًا لموضع الفضل والله أعلم.
وروى الإمام أحمد- في كتاب الزهد- بسنده عن مسلم بن أبي مريم- رحمة الله عليه- أنه بلغه أن عيسى- ﵇ قال: لا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا كأنكم عبيد فإنما الناس بين مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله تعالى على العافية.
قال لقمان: يا بني ارحم الفقراء، لقلة صبرهم وارحم الأغنياء لقلة شكرهم وارحم الجميع لطول غفلتهم.
وروى أبو القاسم في الترغيب والترهيب- بسنده- عن عبد الرحمن بن عسيلة، هو
стр. 396
عبد الرحمن الصنابجي عن أبي بكر الصديق مرفوعًا: قال الله- : (إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي ... ) ورواه أبو أحمد عبد الله بن عدي- في كتاب الكامل-.
وروى صاحب الترغيب والترهيب- أيضًا- بسنده عن أسامة بن شريك الثعلبي مرفوعًا: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ومن لا يرحم لا يرحمه الله، ومن لا يغفر لا يغفر الله- تعالى- له". وروى الإمام أحمد، والحاكم والأصبهاني من حديث معاوية بن قرة، عن أبيه- ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها. أو قال: إني أرحم الشاة أن أذبحها.
قال: "والشاة إن رحمتها رحمك الله- تعالى".
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
فينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون كالوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديبه كما تفعل الأم، رقة ورحمة لفسد الولد، وإنما يؤدبه، رحمة به وإصلاحًا لحاله مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب بعد ذلك.
وروى أبو بكر البيهقي- من شعب الإيمان- بسنده، عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني- قدس الله سره- يقول: إنما الغضب على أهل المعاصي لجرأتهم عليها. فإذا تذكرت ما يصيرون إليه من عقوبة الآخرة دخلت القلوب الرحمة لهم. وقيل لبعض السلف: بأي شيء تعرفون الأولياء لله- ؟ قالوا: بلطف ألسنتهم وحسن أخلاقهم، وبشاشة وجوههم وسخاوة نفوسهم، وقبول عذر من اعتذر إليهم وتمام ذلك الشفقة على الخلق برهم وفاجرهم.
وليس من مقتضى رحمة أهل المعاصي ترك الإنكار عليهم واستيفاء الحدود منهم وغير ذلك، بل من كمال الرحمة بهم الإنكار عليهم وردهم إلى المنهج القويم والصراط المستقيم.
وإذا انحرفت النفس من خلق الرحمة انحرفت إلى قسوة قلب، وإما إلى ضعف قلب وجبن، كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد ولا تأديب ولد، ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك. وقد ذبح أرحم الخلق بيده ﷺ في موقف واحد ثلاثمائة وستين بدنة وقطع الأيدي من الرجال والنساء، وضرب الأعناق، وأقام الحدود ورجم بالحجارة حتى مات
стр. 397
المرجوم. وكان أرحم الناس أجمعين على الإطلاق وأرأفهم.
فالعبد المطيع لله إذا سمع بأسير من أسراء المسلمين في أرض العدو رحمه وبذلك نفسه وماله في تخليصه، فمن باب الأولى أنه إذا رأى أخاه مأسورًا في نفسه وشيطانه وهما أعداء عدوه أن يجتهد في خلاصه. واستنقاذه منها، فإن أعرض عنه وتركه وأسره كان ذلك من جهله بالله- تعالى- وبأموره.
ألا ترى إلى قوله- تعالى- في مناجاته: يا داود إن أتيتني بعبد أبق كان أحب إلي من عبادة الثقلين. يا وداد إن استنقذت هالكًا من هلكته سميتك عبدي جهيدًا.
وقد سبق- في الباب الأول- قوله ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النَّعم). فإذا أنقذ العبد أسيرًا من يد عدوه الأصغر كان ثوابه من الله ما ذكر في تنزيله: ﴿ .. ومن أحياها فكأنما أحيا النَّاس جميعًا ... ﴾ فما ظنك بمن أنقذ أسير المعاصي من يد عدوه الأكبر فذلك لا يحصى ثوابه. والله أعلم.
فصل (٢٠): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر العورات والعيوب:
ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر عورات المسلمين لأن ستر العيوب والتجاهل والتغافل عنها سمة أهل الدين. ويكفي تنبيهًا على كمال الرتبة في ستر القبيح وإظهار الجميل قول الله تعالى: ﴿قول مَّعروفٌ ومغفرة .. ﴾.
قال بعض المفسرين: أي يستر عليه خلته، ولا يهتك ستره ثم إن الله تعالى (اختاروه) في الدعاء ونزل به جبريل على سيد البشر ﷺ قوله: "يا من أظهر (الجميل) وستر البيح، يا من لا يؤاخذنا بجزيرة ولا يهتك الستر".
وروى الخرائطي- في مكارم الأخلاق- بسنده، عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة .. ﴾.
قال: أما الظاهرة فالإسلام والقرآن، وأما الباطنة فالستر من العورات والعيوب. والمرضيّ عند الله- تعالى- من تخلق بأخلاقه- تعالى- وأنه ستار العيوب، وغفار الذنوب
стр. 398
فكيف لا تستر أنت على من هو مثلك أو فوقك أو دونك! !
وروى أبو الفرج المعافي ابن زكريا- بإسناده- عن الضحاك، عن ابن عباس وقد سئل عن هذه الآية. فقال: هذه مما سألت عنه رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله ما هذه النعم؟ قال: (أما ما ظهر فالإسلام وما سواه من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه وأما ما بطن فما ستر عليك من مساوئ عملك). يا ابن عباس، إن الله تعالى- يقول: "ثلاث جعلتهن للمؤمن: صلاة المؤمن عليه من بعد موته. وجعلت له ثلث ماله يكفر عنه من خطاياه، وسترت مساوئ عمله أن أفضحه بشيء ولو أبديتها لنبذه أهله فمن سواهم". إذا كان ستر الخالق البارئ المصور فكيف لا تستر أنت على من هو مثلك أو فوقك أو دونك ومن هو بكل حال لا عبدك ولا مخلوقك! !
ومن أعظم الأدلة على ذلك طلب الشرع لستر الفواحش، أنه أناط الزنا بشهادة أربعة من العدول، يشهدون ويفصحون من غير كتابة، حتى أن القاص لو علم بحقيقته لم يكن له أن يكشف عنه. فانظر إلى هذه المحكمة العظيمة في حسم باب الفاحشة عن عباده، ثم انظر إلى ستره- سبحانه- كيف يسبله على العصاة من خلقه.
وفي حديث النجوى الثابت في الصحيحين، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث عمر مرفوعًا: "إن الله يدني المؤمن فيضع على كتفه ويستره. فيقول: أتعرف ذنب كذا وكذا؟ أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم يا رب حتى إذا قرَّره بذنوبه ورأى نفسه أنه هلك قال: إني ما سترتها عليك في الدنيا إلا وأنا أريد أن أغفرها لك اليوم ... الحديث. فيعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: "هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين" الحديث.
وفي الصحيحين، وجامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة).
стр. 399
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر.
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وصحيحي الحاكم وابن حبان من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عن كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" مختصر.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة".
وفي رواية: لا يستر الله على عبد في الدنيا، إلا ستره يوم القيامة.
وروى الإمام أحمد، والنسائي نحوه من حديث عروة، عن عائشة مرفوعًا- في حديث طويل- "لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله في الآخرة".
ومعنى ستره الله في الآخرة أن يستر معاصيه وعيوبه عن إذاعتها في أهل الموقف- كما تقدم قريبا- من حديث عمر.
وفي مسند أحمد من حديث مسلمة بن مخلد الأنصاري مرفوعًا: من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله- في الدنيا الآخرة ومن نجَّى مكروبًا فكَّ الله عنه كربة من كرب يوم
стр. 400
القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حياته.
ورواه الطبراني ولفظه: من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة.
وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث عن مسيب عن عمه. قال: بلغ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: (من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة). فرحل إليه وهو بمصر فسأله عن الحديث. قال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة. فقال: وأنا قد سمعته من رسول الله ﷺ .
وفي سنن ابن ماجه وغيرها من حديث ابن عباس- ﵄ عن النبي ﷺ قال: من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه الله بها في بيته).
أنشدني الشيخ علاء الدين بن الشريف المارديني لنفسه:
استر عوارًا أخي الولات معتذرًا ... عنه وإن كنت بالمعروف تأمره
فالرب من فضله العالي ورأفته ... على العباد يرى العاصي ويستره
وأنشدني أيضًا لنفسه:
ربنا الستار من ألطافه ... يستر العبد وذا الفضل الجزيل
فإذا شاهدت يومًا ذللا ... فاستر الذلة فالستر جميل
وفي سنن أبي داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (من أقال مسلمًا عثرته أقاله الله يوم القيامة).
стр. 401
ورواه الطبراني وابن حبان.
وروى الخرائطي- في مكارم الأخلاق- بسنده- عن أبي الدرداء قال: أتي بجارية قد سرقت جملًا إلى رسول الله ﷺ فقال لها النبي أسرقت. قولي لا. وفي سنن أبي داود عن عائشة أن النبي كان يقول: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود.
وسيأتي- في باب الحث على إقامة الحدود- إن شاء الله تعالى- وفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود بسنديهما- عن يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه نعيم. قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي فقال له أبي: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج، فأتاه فقال: يا رسول الله إني قد زنيت فأقم علي كتاب الله فأعرض عنه فعاد فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم عليَّ كتاب الله فأعرض عنه، فأتاه الثالثة فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب فأعرض النبي عنه فقالها أربع مرات حتى قالها أربع مرات فقال النبي ﷺ : إنك قلتها أربع مرات فبمن؟ قال: بفلانة. فقال: هل ضاجعتها؟
قال: نعم. قال هل باشرتها؟ قال: نعم. قال: هل جامعتها؟ قال: نعم. قال: فأمر به أن يرجم فأخرج إلى الحرة فلما رجم فوجد مس الحجارة جزع فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فنزع له بوطيف بعير فرماه به فقتله، ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه.
زاد أحمد. قال هشام: فحدثني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لأبي حين رآه: والله يا هزال لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا مما صنعت به.
وحكاه صاحب الأطراف للنسائي من عدة طرق.
اسم المرأة التي زنا بها ماعز فاطمة. وقيل: منيرة وهي أمة هزال القائل لماعز: إئت رسول الله ﷺ . وروى أبو القاسم الطبراني في المعجم الأوسط. والصغير والخرائطي- في
стр. 402
مكارم الأخلاق- من حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يرى امرؤ من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله الجنة).
وفي مسند أحمد والنسائي من حديث أبي الهيثم، عن دخين كاتن عقبة بن عامر. قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانًا يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط، فيأخذونهم فقال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم. قال: ففعل فلم ينتهوا. فاء دخين فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا وأنا داع لهم الشرط. فقال عقبة: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ستر عورة مؤمن فكأنما استحتى موؤودة من قبرها). ورواه البيهقي في الشعب الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك. وقال صحيح الإسناد.
ورواه أبو داود بسنده عن كعب بن علمقمة: أنه سمع أبا الهيثم يذكر أنه سمع دخينًا كاتب علقمة بن تامر. قال: كان لنا جيران يشربون الخمر. فقلت لعقبة بن عامر إن جيراننا يشربون الخمس، فنهيتم فلم ينتهوا فأنا داع لهم الشرط. فقال: دعهم، ثم رجع إلى عقبة مرة أخرى. فقلت: إن جيراننا قد أبوا أن ينتهوا عن شرب الخمر، وأنا داع لهم الشرط، فقال: ويحك دعهم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى عورة فسترها كان كمن أحيات موؤودة).
الشرط- بضم المعجمة، وفتح الراء ثم طاء مهملة- هم أعوان الولاة والظلمة والوحد منهم شرطي- بضم الشين وسكون الراء والله أعلم.
وروى الطبراني بسنده- عن مكحول أن عقبة بن عامر أتى مسلمة بن خالد- ﵄ وكان بينه وبين البواب شيء فسمع صوته فأذن له: فقال: إني لم آتك زائرًا ولكن جئتك لحاجة، أتذكر يوم قال رسول الله ﷺ : (من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه
стр. 403
يوم القيامة) قال: نعم. قال: لهذا جئت. قال الحافظ عبد العظيم المنذري: رجاله رجال الصحيح.
وبسند الطبراني- أيضاً- في الأوسط عن رجاء بن حيوة الكندي قال: سمعت مسلمة بن مخلد- ﵁ يقول: بينما أنا على مصر أتاني البواب. فقال: إن أعرابيًا على الباب يستأذن. فقلت: من أنت؟ فقال: جابر بن عبد الله. قال: فأشرفت عليه فقلت أنزل غليك أو تصعد؟ قال: لا تنزل ولا أصعد حديث بلغني أنك ترويه عن رسول الله ﷺ في ستر المؤمن جئت أسمعه: قلت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موؤودة) فضرب بعيره راجعًا.
رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق.
وقال عيسى ﵇ كيف تصنعون إذا رأيتم نائمًا فكشفت الريح عن ثوبه؟ قالوا: نستره ونغطيه. فقال: بل تكشفون عورته. فقالوا: سبحان الله من يفعل هذا؟ قال: أحدكم يسمع في أخيه الكلمة فيزيد عليه، ويشيعها بأعظم منها.
وروى الخرائطي- بسنده عن زبيد بن الصامت قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: لو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله.
وبسنده عن أبي هريرة. أنه قال: من أطفأ على مؤمن سيئة فكأنما أحيا موؤوة. قوله: (أطفأ) أي ستر وغطى.
وسئل الحسن البصري، عن رجل زنى بامرأة فظهر بها حبل. قال: يتزوجها ويستر عليها.
وقال له رجل: يا أبا سعيد رجل علم من رجل شيئاً أفيفشيه عليه؟ قال: يا سبحان الله لا.
وروى أبو نعيم- في الحلبة- بسنده عن شبيل بن عوف- رحمة الله عليه- أنه قال: "من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كمن أبداها".
стр. 404
وقال عطاء: قال عمر بن الخطاب: أُستر من الحدود ما وراءك أي إدرءوها ما قدرتم.
ذكر الخرائطي.
وذكر -أيضًا- عن أبي الدرداء مرفوعًا «من أشاد على مسلم عورة يشينه بها أشانه الله بها يوم القيادة.
أشاد: أي رفع. أي ذكره بها وفوه به وشهره بالقبيح.
وقال (صاحب) سيرة أبي الفضل الوزير ابن هبيرة سمعته يقول لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام وأولى الأمور ستر العيوب.
وقال ابن حمدان -في الدعاية الكبرى-: (ومما للمسلم على المسلم أن يستر عورته، ويغفر ذلته، ويرحم غربته ويقيل عثرته ويقبل معذرته ويرد غربته ويديم نصيحته، ويحفظ خلته ويرعى ذمته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافئ صلته ويشكر نعمته ويحسن نصرته ويقضي حاجته ويشمت عطسته ويرد ضالته ويواليه ولا يعاديه وينصره على ظالمه ويكفه عن ظلم غيره ولا يسلمه ولا يخذله ويحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه.
قال أبو ذكريا النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم عند قوله ﷺ : (ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)، وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفاً بالأذى والفساد. وأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر، إن لم يخف من ذلك مفسدة لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك المحرمات وجسارة غيره على مثل فعله. وهذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت.
أما مسألة معصية يراه عليها وهو متلبس فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك ولا يحل تأخيرها. فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة -كما تقدم. ثم قال: وأما الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الحاجة ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم مايقدح في أهليتهم. وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة. وهذا مجمع عليه.
стр. 405
وسيأتي الكلام على الغيبة وما أبح العلماء منها - في الباب الخامس- إن شاء الله تعالى. قال أبو منصور لأبي عبد الله أحمد ﵀: (إذا علم من الرجل الفجور أيخبر به الناس؟ قال: لا، بل ويستر عليه).
قال ابن مفلح: ويتوجه أن في معنى الداعية من اشتهر وعرف بالبشر ينكر عليه وإن أسر المعصية إلا أن يكون داعية. واعتبر أبو العباس أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى- أن المستتر بالمنكر ينكر عليه ويستر عليه، فإن لم ينته فعل ما ينكف به، إذا كان أنفع في الدين وأن المظهر للمنكر يجب الإنكار عليه علانية ولم تبق له غيبة ويجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك، وينبغي لأهل الخير أن يهجروه ميتًا إذا كان فيه كف لأمثاله ويتركوا تشييع جنازته. انتهى.
قال ابن مفلح: وهذا لا ينافيه ما تقدم من وجوب الإغضاء عنه فإنه لا يمنع وجوب الإنكار سرًا جمعًا بين المصالح.
وكلام "أحمد" ظاهر وصريح في وجوب الستر على هذا، وظاهر كلام "الخلال" يستحب ولم أجد بين الأصحاب خلافًا في أن من عنده شهادة بما يوجب حدًا له أن يقيمها عند الحاكم ويستحب أن لا يقيمها لما تقدم من أحاديث الستر فدل هذا على أن ستره لا يجب وإنه كان ينكر عليه بطريقة ولم يفرقوا بين أن يكون المشهود عليه بالشر والفساد، أم لا، انتهى.
قال النووي: وحيث قيل بالستر في هذا يكون مندوباً فلو رفعه إلى ولي الأمر لم يأثم بالإجماع لكن (هذا خلاف الأولى) وقد يكون في بعض صوره ماهو مكروه. انتهى.
فصل (٢١): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون مغتمًا مما ظهر من معصية أخيه المسلم وأن يكون آسفًا لتعرضه لعقاب الله
ومما يستحب (للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر) أن يكون مغتمًا مما ظهر من معصية أخيه المسلم وتعرضه لعقاب الله -تعالى- حتى يشغله الهم عن فرحه بأجر الأمر والنهي بحيث أنه لو خير بين أجره في أمره ونهيه وبين أن أخاه لم يصب ذلك الذنب لاختار أن لا يكون أصاب الذنب، ـ وهو النصح لله في خلقه، وهو أعظم من أجر الآمر في أمره مع إثمه. فإذا اغتم بمعصيته وشره وأحب أن يكون الله -تعالى- عصمه- جمع الله أجره على عظته إياه، وأجره على اغتمامه بمعصيته وأجره على محبته عصمته.
стр. 406
وقد روي أنه سرق لبعض السلف متاع وأخذ ماله. فشكى إلى عالم ذلك الزمان. فقال: إن لم يكن غمك أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين.
وسرق من علي بن الفضيل بن عياض دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن. فقال: أعلى الدنيا تبكي؟ فقال: لا، والله على المسكين إنه يسأل يوم القيامة، ولا نكون له حجة.
وفي الصحيحين، وفي مسند أحمد من حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وللبخاري ومسلم- في رواية أخرى-قال: المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وللبخاري ومسلم- في رواية أخرى- قال: المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
ولمسلم. قال: "المسلمون كرجل واحد (إن) اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله".
وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث سهل بن سعد مرفوعاً: "إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس".
ومن ذلك مافي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
ورواه (ابن حبان) في صحيحه ولفظه: "لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه".
стр. 407
وسيأتي في هذا الباب حديث أنس بن معاذ الجهني ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن أفضل الإيمان فقال: (أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله) قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: (وأن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك) ورواه أحمد في المسند. قال العلماء: معناه (ما يحب لنفسه) أي من الطاعات والمباحات. وحكى مبيناً من رواية النسائي ( .. من الخير) وظاهره يقتضي التسوية وحقيقته التفضيل، لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل الناس فإذا أحب لأخيه مثله فقط دخل في جملة المفضولين ولا يتم إيمان المرء ما لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بمثل ما يحب أن يعامل به. وروى الإمام أحمد من حديث عائشة مرفوعًا: "أتدرون من السابقون إلى ظل الله- يوم القيامة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم".
وروى الإمام أحمد -أيضاً- من حديث ابن عمر مرفوعًا: "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" والمقصود أن الإنسان إذا رأى من أخيه شيئاً يكرهه الله، وأراد وعظه وأمره ونهيه فلا يفعل ذلك وهو مسرور بإطلاعه على معصيته، لينظر إلى الواعظ بعين التعظيم، وينظر الواعظ إليه بعين الإستصغار، ويترفع عليه بدلالة الوعظ، والأمر والنهي، بل يكون قصده تخليصه من الإثم وهو حزين كما يحزن على نفسه إذا دخل عليه نقصان فإذا فعل ذلك فقد جمع بين أجر الوعظ، وأجر الغم بمعصيته، وأجر الإعانة على دينه كما تقدم -والله أعلم.
فصل (٢٢): ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون غيورًا على إخوانه المسلمين أي غيورًا على دمائهم وأموالهم وأعراضهم
ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بل لكل مسلم أن يكون غيورًا على إخوانه المسلمين. قال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ومابطن﴾.
وفي الصحيحين، ومسند أحمد وجامع الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
стр. 408
-أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله -يغار وإن المؤمن يغار، وإن من غيرة الله تعالى أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه).
ولمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن يغار والله أشد غيرًا).
ورواه ابن ماجه ولفظه: (من الغيرة ما يحب الله ومن الغيرة ما يكره الله فأما ما يحب الله فالغ يرة (في الريبة) وأما ما يكره الله فالغيرة في غير الريبة).
والغيرة -بفتح الغين-: الحمية والأنفة، يقال: غار الرجل فهو غيور.
ويقال للمرأة غيور -أيضًا- بغير هاء و (الغيرة) مصدر قولك (غار) الرجل على أهله يغار (غيرا) و (غيرة) و (غارا) ورجل (غيور) و (غيران) وامرأة (غيورة) و (غيرى).
وأما الغيرة في حق الله-سبحانه- فهو منعه ذلك وتحريمه. ويدل عليه قوله: ومن غيرته حرَّم الفواحش) وقوله: (وإن من غيرة الله تعالى -أن يأتي المؤمن ما حرَّم الله عليه).
قال القاضي عياض: وقد تكون غيرته تغييره حال فاعل ذلك بعقاب -والله أعلم.
وفي الصحيحين، ومسند أحمد من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (لا شيء أغير من الله).
وفي الصحيحين ومسند أحمد أيضًا -وجامع الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعًا:
"لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه (المدح من الله)، من أجل ذلك مدح نفسه".
وللبخاري ومسلم نحوه -أيضاً- بدون قوله: (ما ظهر منها ما بطن). وزاد مسلم
стр. 409
فيه: "ولا أحد أحب إليه (العذر من الله) من أجل ذلك أنزل الكتاب وارسل الرسل".
وفي الصحيحين، ومسند أحمد -أيضًا- من حديث المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة ﵄ لو رأيت رجًلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (أتعجبون من غيرة سعد؟ والله أما أغير منه - والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه العذر من الله). (ومن أجل ذلك وعد بالجنة المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المدح من الله) ومن (أجل) ذلك وعد الجنة. هذا لفظ البخاري.
وعند مسلم وأحمد: " .. ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ولا شخص أحب إليه المدحة من الله من أجل ذلك وعد بالجنة".
وفي الصحيحين -أيضًا- والموطأ- وسنن أبي داود من حديث أبي هريرة بنحوه قال العلماء: ولا ينبغي أن تكون إلا في الريبة وهي الغيرة التي يحبها الله.
كما روى الإمام أحمد وغيره من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "غيرتان إحداهما يحبها الله والأخرى يبغضها الله الغيرة من الريبة يحبها الله والغيرة من غيرها يبغضها الله".
فصل (٢٣): ومما يستحب (أو يجب) على كل مسلم أن يهجر المجاهرين بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية للإجتماع على وجوب ترك الأرض التي يجاهر فيها بالمعاصي
ومما يستحب أو يجب على كل مسلم هجران من جهر بالمعاصي الفعلية والقولية
стр. 410
والاعتقادية. يقال: أن هجر يهجر هجرًا وهجرانًا أي (صرمه) وهما يهجران ويتهاجران أي يتقاطعان. والاسم الهجرة بالكسر، وذلك عند العجز عن الإنكار باليد واللسان كما سيأتي بيانه قريبًا. قال العلماء: الهجر الشرعي نوعان:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات مثل قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾.
يكفر بها ومعناه: (إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم، وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم في الذي هم فيه. فلهذا قال: (إنكم إذًا مثلهم) أي في المأثم كما قال تعالى: ﴿إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا﴾ أي كما اشتركوا في الكفر فكذلك شارك بينهم في الخلود في نار جهنم أبدًا).
والمقصود أن الآية متضمنة عدم شهود المنكرات لغير الحاجة. والله أعلم.
ومثل قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾.
قال المفسرون: (الخطاب للنبي ﷺ والمؤمنون داخلون فيه بأمر أن يساندهم بالقيام عنهم، إذا استهزؤا وخاضوا، ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض والاستهزاء. قال أبو عبد الله القرطبي ﵀ فدل هذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرًا، وعلم أنه لا يزول عنه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه حتى يرجع). وقال بعض العارفين (معنى ذلك لا تجالسوا أهل الغفلة والوحشة، فإن ظلمات أنفاسهم تؤذي قلوبكم، فإن من كان متلبساً بوصف ما يشاركه فيه حاضروه، لأن جليس من هو (في) أنس مستأنس، وجليس من هو في ظلمة مستوحش).
ثم قال تعالى: ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ المعنى يا محمد إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم وجالستهم بعد النهي فلا تقعد أي (إذا) ذكرت النهي فلا تقعد معهم، لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر لا تجلس عندهم. وقوم دعوه الوليمة عليها خمرًا أو مزمارًا لا تجب دعوتهم وأمثال ذلك فقد قيل: حاضر المنكر كفاعله.
стр. 411
وفي حديث جابر المرفوع من رواية الإمام أحمد والترمذي: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر". قال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀: وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه لفعل المنكر.
كما روى ابن ماجه، وغيره من حديث فضالة بن عبيد مرفوعًا: "المهاجر من هجر الخطايا والذنوب". الحديث. وروى الحاكم من حديث أنس مرفوعًا: "المهاجر من هجر السوء" وقال صحيح الإسناد.
ومن هذا الباب الهجر من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر المقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به. ومنه قوله تعالى: ﴿والرجز فاّهجر﴾.
وقال تعالى: ﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا﴾ أي أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجرهم. وقال تعالى: ﴿واهجرهم هجرًا جميًلا﴾.
وهو الذي لا أذى فيه. وهذه الآية -عند المفسرين- منسوخة بآية السيف. وقال أبو عبد الله القرطبي -عند تفسير قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنًة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصَّة﴾.
(فإذا لم تغير المعاصي وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم كما في قصة السبت حين هجروا العاصين واقلوا لا نساكنكم. وبهذا قال السلف ﵃.
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا بسنده عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار أنه قال: أوحى الله إلى نبي (من) أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: (لا يدخلوا مداخل
стр. 412
أعدائي، ولا يطعموا طعام أعدائي، ولا يركبوا مراكب أعدائي، فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي). كما يقال: هجران أعداء الحق فرض ومخالفة الأضداد ومفارقتهم دين، والركون إلى أصحاب الغفلة قرع باب الفرقة.
وروى عبد الله بن وهب عن مالك بن أنس ﵀ أنه قال: "تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا ولا يستقر فيها". واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن معاوية ﵄ حين أعلن بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها.
فصل (٢٤): استحباب هجر المجاهر بالمعصية على جهة التأديب
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب والعقوبة، وهو هجر أهل المعاصي والمنكرات، إذا لم يقدر على الإنكار باليد ولا باللسان، أو لم يفد فيهم ذلك.
قال بعض أصحاب الإمام أحمد: ومن جهر بمعصية من المعاصي غير مكفرة فهل يسن هجره أم يجب أن أرتدع به، أو مطلقاً إلا من السلام بعد ثلاثة، أو ترك السلام فرض كفاية؟ في ذلك أوجه.
وقال القاضي أبو يعلى وغيره: من أسر بمعصية لا يهجر. ونقل "حنبل عن أحمد أنه قال: ليس لمن قارف شيئاً من الفواحش حرمة ولا صلة إذا كان معلنًا قال ابن مفلح" وهذا معنى كلام الخلال. وقد هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله براءتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر. وفي سنن أبي داود من حديث عائشة ﵂ أنه اعتل بعير بصفية بنت حيي، وعند زينب فضل ظهر. فقال رسول الله ﷺ لزينب: (أعطيها بعيرًا) فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟ فغضب رسول الله ﷺ فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر".
ولم يهجر ﷺ من أظهر الإسلام، وإن كان منافقًا وكما أمر الله -سبحانه- بهجر
стр. 413
الزوجات إذا خيف عليهن النشوز قال الله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهنَّ فعظوهنَّ واهجروهنَّ في المضاجع .. ﴾.
(والنشوز هو الارتفاع أي ينشزن على أزواجهن، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها التاركة لأمره المعرضة عنه المغضبة له. فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله وعصيانه، فإنه -سبحانه- قد أوجب عليها حق الزوج وطاعته وحرم عليها معصيته، لما له عليها من الفضل والأفضال بنص الكتاب والسنة فأمر -سبحانه-بهجرها في المضجع. قال ابن عباس: الهجر أن لا يجامعها ولا يضاجعها ويوليها ظهره، وزاد آخرون منهم السندي والضحاك، وعكرمة وابن عباس في رواية: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -أيضًا- يعظها- فإن هي قبلت، وإلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يرد نكاحها وذلك عليها شديد.
وفي مسند الإمام أحمد، والسنن الأربعة من حديث معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يارسول الله ما حق امرأة أحدنا؟ قال: أن يطعمها إذا طعمت، ويكسوها إذا اكتست ولا يضرب الوجه ولا يهجر إلا في البيت.
قال تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّن من حادَّ الله ورسوله ولوّ كانوا أباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيَّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾.
قوله (يوادون) أي يحبون ويوالون. (والمحاماة): المعاداة والمخالفة. أي لا يوادون المعادين ولو كانوا من الأقربين كما قال تعالى: ﴿لا يتَّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه﴾.
стр. 414
وقال تعالى: ﴿قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله﴾.
قوله "ولو كانوا آباؤهم" روى مقاتل عن مرة الهنذاني عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية قال: (ولو كانوا آباءهم) يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد. (أو أبناءهم) يعني "أبا بكر" دعا ابنه يوم "بدر" إلى البراز فقال يا رسول الله دعني أكن في الرعلة الأولى فقال له رسول الله ﷺ : (متعنا بنفسك يا ابا بكر) (أو إخوانهم) يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد.
(أو عشيرتهم) يعني -عمر- قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي وحمزة وعبيدة قتلوا يوم بدر وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.
(أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) أي أثبت التصديق في قلوبهم فهي مؤمنة مخلصة.
قوله: (وأيدهم بروح منه) أي من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله أي عاد الله ورسوله. ولو كان أباه أو أخاه فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان أي كتب الله له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته.
قال ابن عباس: (وأيدهم بروح منه) أي قواهم. وفي قوله تعالى: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ سر بديع وهو أنه لما سخطوا على الأقارب والعشائر في الله تعالى -عوضهم بالرضا عنهم وأرضاهم عنه، بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم.
وقوله: ﴿ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة.
стр. 415
فصل (٢٥): استحباب هجر من ترك الفرائض من باب التغرير بترك السلام على تارك الصلاة وشارب الخمر
هذا الهجر بمنزلة التغرير والتغرير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات كالصلاة والزكاة وغيرها، أو فعل المحرمات كالظلم والفواحش أو دعا إلى البدع المضللة المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
قال أبو عبد الله البخاري -في صحيحه- باب من لم يسلم على من اقترف ذنباً ولم يرد عليه سلامه حتى تتبين توبته والى متى تتبين توبة العاصي.
وقال عبد الله بن عمر ﵄ لا تسلموا على شربة الخمر. حدثنا ابن بكير: أخبرنا الليث عن عقيل بن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن تبوك" ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا وآتي رسول الله ﷺ فأقول في نفسي هل حول شفتيه برد السلام أم لا؟ حتى كملت خمسون ليلة وآذن النبي ﷺ بتوبة الله علينا حين ﷺ الفجر ثم مرة أصلي قريباً منه فارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي فإذا التفت نحوه أعرض عني .. الحديث وهو مطول جداً ورواه مسلم في صحيحه والنسائي وغيرهم.
وروى مسلم في صحيحه وأحمد وأبو داود والترمذي وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم على بعض ثم قال ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون -ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبتئ ما قدمت لهم أنفسهم﴾ .. إلى قوله (فاسقون). وقد سبق هذا الحديث بأتم من هذا -في الباب الأول.
стр. 416
فهؤلاء الذين ذمهم الله تعالى في هذه الآية الكريمة لم يتركوا الأمر بالمعروف بل أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر لكنهم لم ينأوا عن الفساق ولا هجروهم وجلسوا معهم فلعنهم الله على لسان داود وعيسى ابن مريم.
فمن لم يهجر من خالف الله ورسوله وارتكب المعاصي خيف عليه أن يحل به ما حل بأحبار بني إسرائيل فقد خوفنا رسول الله ﷺ أن يحل بنا ما حل بهم إن فعلنا مثل فعلهم.
وروى نعيم بن حماد -بسنده- عن الحسن مرسًلا اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدًا ولا نعمة فإني وجدت فيما أوحاه الله -إني لا أجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله. ورواه أحمد وقال الحسن أيضًا: مصارمة الفاسق قربان إلى الله تعالى.
وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن إبراهيم بن أدهم، عن ابن عباس الخرساني عن سعيد بن المسيب ﵀ عليه- أنه قال: لاتملؤا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم لكي لا يحبط أعمالكم الصالحة.
والمقصود أنه يستحب أو يجب هجران من جهر بالمعاصي لما تقدم من هذه النصوص وغيرها وأن يكفر في وجهه.
وأنشد أبو عبد الله بن عبد القوي:
وهجران من أبدى المعاصي سنة ... وقد قيل إن يردعه أوجب وأكد
وقيل على الإطلاق مادام معلنا ... ولاقه بوجه مكفهر معربد
قوله (إن يردعه) أي إن كان الهجر يردع المهجور.
وقوله: (مكفهر) أي معبس. وقد أكفهر الرجل إذا عبس وفلان مكفهر اللون: إذا ضرب لونه إلى الغبرة. والمكفهر من السحاب: الأسود الغليظ الذي ركب بعضه بعضًا.
قال الجوهري وغيره والله أعلم. قال ابن مفلح: ولا هجر مع السلام.
وقد روى أبو حفص العكبري بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا "السلام يقطع الهجران".
стр. 417
فصل (٢٦): هجران أهل البدع والمتظاهرين بالمعاصي فرض كفاية
وأما هجران أهل البدع فقال "ابن تميم" (هجران أهل البدع كافرهم وفاسقهم والمتظاهر بالمعاصي فرض كفاية) لأن المشهور عن أحمد كفر الداعية إلى البدع يعني المحرمة وعنه: لا. قال ابن حمدان -في الرعاية-: ويجب هجر من كفر أو فسق ببدعة أو (دعا) إلى بدعة مضلة أو منسقة على من عجز عن الرد عليه أو خاف الاغترار به والتأذي دون غيره.
وقيل: يجب هجره مطلقًا. و (هو) ظاهر نصوص أحمد وأصحابه في البدعة سواء كفر بهم أم لا. قال ابن مفلح في فروعه: وفي تحريم السلام على مبتدع لمخاصم روايتان قال ابن مفلح" وظاهر نصوص أحمد: لا فرق بين من جهر بالبدعة ودعا إليها أو أسرها. قال ابن حامد في أصوله: المبتدع المدعي للسنة هل يجب هجره ومباعدته؟ فنقل علي بن سعد ع ن أحمد في المرجئ: يدعو إلى طعامه أو أدعوه؟ قال يدعوه ويجيبه إلا أن يكون رأسًا فيهم. ونقل "حرب" عن "أحمد" لا يعجبني أن أخاطب أهل البدع. ورد الخطاب أبو ثابت سلام جهمي. فقال أحمد: يرد على كافر.
فقلت أليس يرد على اليهودي والنصراني؟ قال اليهود والنصارى قد تبين أمرهما. قال ابن حامد فمذهب أحمد في أهل البدع- إن كان داعية مشتهرًا به فلا يعاد ولا يسلم عليه ولا يرد ﵇ ولا يجاب إلى طعام ولا دعوة - وإن كان يخفي بدعته فعلى وجهين في الجواز والمنع بناء على جواز إقامته. ونقل الفضل عن أحمد أنه قال: (إذا عرفت من أحد نفاقًا فلا تكلمه لأن النبي ﷺ خاف على الثلاثة الذين خلفوا فأمر الناس أن لا يكلموهم). ونقل الميموني عنه أنه قال: فكذا كل من خفنا عليه. قيل له: فالمرجئه؟ قال: هؤلاء أسهل إلا المخاصم منهم فلا يكلم.
стр. 418
وروى الخلال عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري (أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه؟ قال: لا. وإذا سلم لا يرد عليه.
(وقد اشتهرت الرواية عنه في هجر من أجاب في المحنة إلى أن مات).
(وقال القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى- في التمائم ٠ لا تختلف الرواية في وجوب هجر أهل البدع وفساق الملة). قال ابن مفلح: "أطلق كما ترى فظاهره أنه لا فرق بين المهاجر وغيره في المبتدع والفاسق وهو ظاهر كلام أحمد في مكان وقطع به أبو الوفا ابن عقيل وقال: ليكون ذلك كسرًا واستصلاحًا". وقال إن أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف (ولكن انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة).
ومن الهجران: ترك العبادة -نص عليه أحمد.
وقد حرم ابن الصيرفي الحراني من الحنابلة -من نوادره- عيادة المبتدع.
وعن أحمد ورواية لا يعاد الداعية فقط -كما تقدم- واعتبر ابن عباس بن تيمية المصلحة في ذلك. ونقل أبو الحرث ع ن "أحمد": أن أهل البدع لا يعادون ولا تشهد لهم جنازة وهو مذهب مالك.
فأهل البدع فلي الهجر -أسوأ حالاً من أهل الذمة- كما تقدم قريبًا من قول أحمد لأن الذمي يجوز إجابة دعوته وترد التحية عليه إذا سلم ويجوز قصده في البيع والشراء فجازت عيادته وتعزيته كالمسلم. بخلاف من يحكم بكفره من أهل البدع لوجب هجره كما ذكر العلامة مجد الدين بن تيمية -في المحرر-.
قال القاضي أبو يعلي: (ولم يهجر أهل الذمة لأنا عقدناها معهم لمصلحتنا بأخذ الجزية، وأما المرتدون فإن الصحابة باينوهم بالقتال وأي هجر أعظم من هذا؟ ). وروى الإمام أحمد وأبو داود من الحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لكل أمة مجوس ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا
стр. 419
تشهدوهم). هذا لفظ أحمد ولفظ أبي داود: "القدرية مجوس هذه الأمة" وذكره.
وروى أبو داود أيضاً -من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا: "لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوهم وهم شيعة الدجال، وحق ع لى الله أن يلحقهم بالدجال".
وروى أحمد وأبو داود من حديث عمر مرفوعًا: " لا تجالسوا أهل القدر ولا تناكحوهم".
وروى ابن ماجة من حديث جابر مرفوعًا: "إن مجوس هذه الأمة المكذبون بالأقدار إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم".
وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث نافع. قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام فكاتبه. فكتب إليه عبد الله بن عمر: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر فإياك أن تكتب إليَّ فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر). ورواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وروى أبو بكر الخلال بسنده عن أنس ﵁ -وقيل له: إن قومًا يكذبون بالشفاعة وقومًا يكذبون بعذاب القبر؟ قال: لا تجالسوهم. وبإسناده عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال لرجل جعل في عضده خيطًا من الحما: لو مت وهذا عليك لم أصل عليك.
وبإسناده عن الحسن قال لسمرة بن جندب ﵁ إن ابنك أكل طعامًا كثيرًا حتى كاد أن يقتله. قال: (لو ومات مات ما صليت عليه).
وبإسناده أن أنسًا ﵁ كان له امرأة في خلقها سوء فكان يهجرها السنة
стр. 420
والأشهر فتتعلق بثوبه. فتقول" أنشدك الله يا بن مالك أنشدك الله يا بن مالك فما يكلمها قال محمد بن كعب القرظي ﵀: لا تجالسوا أصحاب القدر ولا تماروهم.
وكان حماد بن مسلمة إذا جلس يقول: من كان قدريًا فليقم.
وعن طاوس وأيوب وسليمان التيمي وأبي السوار ويونس بن عبيد مثل ذلك. قال القاضي أيو يعلى: هو إجماع الصحابة والتابعين.
وروى الحافظ أبو نعيم -في الحلية- بسنده- عن أحمد بن عبد الله بن يونس قال: سمعت رجًلا يقول لسفيان الثوري: رجل يكذب بالقدر أصلي وراءه؟ قال: لا تقدموه. قال: هو إمام القرية ليس لهم إمام غيره؟ قال: لا تقدموه وجعل يصبح.
وبسنده عن بشر بن منصور قال: "سفيان" يقول وسأله رجل فقال على بابي مسجد إمامه صاحب بدعة قال: سمعت "سفيان" يقول وسأله رجل فقال على بابي مسجد إمامه صاحب بدعة؟ قال: لا تصل خلفه. قال: يكون الليلة المطيرة وأنا شيخ كبير؟ فقال لا تصل خلفه. وقال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي ﵀ إسمع مني كلمة فأعرض عنه، قال: لا ولا نصف كلمة. ومثله عن أيوب لسختياني.
وقيل لأحد ﵀: آخذذ على ابن الجهمي؟ قال: كم له؟ قلت ابن سبع أو ثمان. قال لا تأخذ عليه، ولا تلقنه لتذل الأب به.
وقال في رسالته إلى "مسدد": (ولا تشاور أهل البدع في دينك ولا ترافقهم في سفرك).
ونقل أبو داود عن أحمد -أيضاً- في الرجل يمشي مع المبتدع: لا يكلمه.
وقال في رواية حنبل: (عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم، وإياكم والخوض والمراء فإنه لا يفلح من أحب الكلام وقال لي أبو عبد الله: لا تجالسهم ولا تكلم أحدًا منهم وقال أيضًا -وذكر أهل البدع فقال: لا أحب لأحد أن يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم وكل من أحب الكلام لم يكن آخره أمره إلا إلى بدعة لأن الكلام لا يدعوا إلى
стр. 421
خير. عليكم بالسنن والفقه الذي تنتفعون به. ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء. أدركنا الناس وما يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام.
وقال في رواية حنبل -أيضًا- وكتب إليه رجل يسأله عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم؟ قال: والذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من سلفنا من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل الزيغ.
وقال موسى بن هارون الحمال عن أحمد: (لاتجالس أصحاب الكلام وإن ذبوا عن السنة).
وذكر موفق الدين بن قدامة في "المقنع" -في النظر في كتب المبتدعة- قال: كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم -إلى أن قال: وإذا كان أصحاب النبي ﷺ ومن اتبع سنتهم في جميع الأمصار والإعصار متفقين على وجوب اتباع الكتاب والسنة وترك علم الكلام وتبديع أهله وهجرانهم والخبر بزندقتهم وبدعتهم. وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ -قال: قال رسول الله ﷺ (من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام).
وذكر القرطبي -في تفسيره- عن الفضيل بن عياض. أنه قال: من أحب صاحب البدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه ومن زوج كريمته من مبتدع قطع رحمها ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة فإذا علم الله من رجل أنه يبغض صاحب بدعة رجوت أن يغفر له. وقال عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي: قال"أحمد" إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه قال النبي ﷺ (ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن سفيان الثوري أنه قال: (من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة فقد خرج من عصمة الله ووكل إلى نفسه والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها على إحدى الروايتين.
قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله بن حنبل: أرى الرجل من أهل السنة مع
стр. 422
الرجل من أهل البدع أأترك كلامه؟ قال: لا. أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه وإلا فألحقه به).
وأما مبايعة أهل البدع ومشاوراتهم فسأل المروزي أحمد ﵀ فقال: أمر بقربة فيها الجهمية لا زاد معي ترى أن أطوي؟ قال: نعم ولا تشتر منها شيئًا وتوقى أن تبيعه قال: بايعته ولا أعلم؟ قال: إن قدرت أن تسترد البيع فافعل فقلت: فإن لم يكن أتصدق بالثمن؟ قال: أكرره أن أحمل الناس على هذا فتذهب أموال الناس: قلت فكيف أصنع؟ قال: لا أدري أكره أن أتكلم بشيء ولكن أقل ما هنا أن يتصدق بالربح.
قال ابن حامد: فظاهر كلام "أحمد" المنع من ذلك وإبطاله مطلقًا فمن كان منهم داعية فالبيع باطل يملك به شيئًا.
كالمرتدين سواء والإخراج على وجهين في إمامته والسلام عليه ورد سلامه.
قال ابن حامد: فدل كلام أحمد أن مراده البدعة المكفرة فالداعية إليها كالمرتد وإلا فالوجهان. وقال جماعة من السلف: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون فذلك عقوبة لهم حتى ينتهوا. وهجر أحمد الحارث المحاسبي ع لى تصنيفه في الرد على المعتزلة وقال: وحمل الناس على التفكير فيها ثم ترد عليهم.
وهجر أبا ثور في تأويله قول رسول الله ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته) وذكر الغزالي عنه -أيضًا- أنه كان بينه وبين يحيى بن معين صحبة طويلة فهجره "أحمد" إذ سمعه يقول: إني لا أسألك أحدًا شيئًا ولو أعطاني الشيطان شيئًا لأكلته. حتى اعتذر يحيى وقال: كنت أمزح فقال: تمزح بالدين! أما علمت أن الأكل من الدين قدمه الله -تعالى- على العمل الصالح فقال: ﴿كلو من الطَّيبات واعملوا صالحاً﴾.
فيتعين حينئذ على المرء هجر أهل البدع لاسيما الداعية وترك مخالطتهم والتردد إليهم لغير مصلحة فإن في ذلك وزراً عليه في دينه.
ولقد أحسن الإمام أبو عبد القوي -في نظمه- حيث قال:
وهجران من أبدى المعاصي سنة وقد قيل: أن يردعه أوجب وآكد
стр. 423
ثم على ذلك أبياتًا فقال:
وهجران من يدعو الأمر معضل ... أو مفسق احتمه بغير تردد
على غيره من يقوى على دحض قوله ... ويدفع إضرار المضل بمزود
ويقضي أمور الناس عند مجيئه ... ولا هجر مع تسليمه المتعود
وحظر نبينا التسليم فوق ثلاثة ... على غير من قلنا يهجر فأكد
قال القاضي أبو يعلى: وإنا لم نهجر أهلل الذمة لأنا عقدنا معهم لمصلحتنا بأخذ الجزية فلو قلنا يهجرون زال المعنى المقصود وأما أهل الحرب ففي الإمتناع من كلامهم ضرر، لأنه يؤدي إلى ترك مبايعتهم وشرائهم.
وأما المرتدون فإن الصحابة باينوهم بالحرب والقتال وأي هجر أعظم من هذا؟
فصل (٢٧): على الآمر الناهي أن يسلك مع العصاة والفساق مسالك بحسب مراتبهم في مخالفة أوامر الله
قال أبو حامد الغزالي ﵀ فإن قيل: فالعصاة والفساق على مراتب مختلفة فكيف ينال الفضل بمعاملتهم؟ وهل يسلك بجميعهم في الهجرة والبغض مسلكًا واحدًا أن لا؟ فاعلم أن المخالف لأمر الله -سبحانه- لا يخلو إما أن يكون مخالفًا في عقده أو في عمله والمخالف في العقد إما مبتدع أو كافر. والمبتدع إما داع إلى بدعته أو ساكت إما لعجزه أو باختياره: فإن أقسام الفساد ثلاثة:
الأول: الكفر، فالكافر إن كان محاربًا فهو مستحق للقتل والإرقاق وليس بعد هذين الأمرين إهانة.
وأما الذمي فإنه لا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له بالاضطرار إلى أضيق الطرق وترك البداءة بالسلام فإن قال: السلام عليكم قيل: وعليك. والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته فإنما الإنبساط معه والاسترسال إليه كما يسترسل الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد أن ينتهي ما يقوى منها إلى حد التحريم.
стр. 424
قال سبحانه: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله﴾
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تتَّخذوا عدوي وعدوَّكم أولياء تلقون إليهم بالمودَّة﴾.
القسم الثاني: المبتدع الذي يدعو إلى بدعة فإن كان يكفر بها فأمه أشد من الذمي لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة.
وإن كان ممن لا يكفر به بأمره بينه وبين الله أخف من أمر الكافر لا محالة ولكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على الكافر لأن شر الكافر غير متعد فإن المسلمين اعتقدوا كفره فلا يلتفتون إلى قوله إذا لا يدعي لنفسه الإسلام واعتقاد الحق، وإما المبتدع الذي يعو إلى بجعته أمنا أن يدعو إليه حق فهو سبب لغرابة الخلق فشره متحد بالاستحباب إظهار بغضه وعاداته والانتقاع وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه أشد.
وإن سلم في خلوة فلا بأس برد جوابه.
وإن علمت أن الإعراض عنه والسكوت عن جوابه يقبح في نفسه بدعته ويؤثر في زجره فترك الجواب أولى لأن جواب السلام وإن كان واجباً فيسقط بأدنى غرض حتى يسقط بكون الإنسان في الحمام أو في قضاء حاجته وغرض الزجر أهم من هذه الأغراض، وإن كان في ملأ فترك الجواب أولى تنفيرًا للناس عنه وتقبيحًا لبدعته في أعينهم.
القسم الثالث: المبتدع العامي الذي لا يقدر على الدعوة ولا يخاف الاقتداء به فأمره أهون، فالأولى أن لا يتابع بالتغليظ والإهانة بل يتلطف به في النصح فإن قلوب العوام سريعة التقلب فإن لم ينفع النصح وكان الأعراض عنه (تقبيحًا) لبدعته، تأكد الاستحباب في الإعراض. (وإن علم أن ذلك) لايؤثر فيه لجمود طبعه ورسوخ عقده في قلبه فالإعراض أولى لأن البدعة إذا لم يبالغ في تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فساده.
وأما العاصي بفعله وعمله لا باعتقاده فلا يخلو إما أن يكون يتأذى به غيره كالظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والمشي بالنميمة وأمثالها أو كان مما لا يقتصر عليه ويؤذي غيره وذلك ينقسم إلى ما يدعو غيره إلى الفساد كالذي يجمع بين الرجال والنساء ويهيئ أسباب الشرب والفساد لأهل الفساد أو لا يدعو غ يره كالذي يشرب أو يزني. وهذا الذي لا يدعو غيره إما أن يكون عصيانه بكبيرة أو صغيرة وكل واحد إما أن يكون مصرًا عليه أو غير
стр. 425
مصر فهذه التقسيمات تحصل منها ثلاثة أقسام ولكل قسم منها رتبة وبعضها أشد من بعض:
القسم الأول: وهو أشهدها -ما تضرر به الناس كالظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والنميمة. فهؤلاء الأولى الإعراض عنهم وترك مخاطبتهم والانقباض عن معاملتهم لأن المعصية شديدة فيما يرجع إلى إيذاء الخلق.
ثم ينقسمون إلى من يظلم في الدماء والى من يظلم في الأموال والى من يظلم في الأعراض وبعضها أشد من بعض فالاستحباب في إهانتهم والإعراض عنهم مؤكد جدًا.
القسم الثاني: الذي يهيئ أسباب الفساد ويسهل طرقه على الخلق فهذا لا يؤذي الخلق في دنياهم وهو أخف من الأول فإن المعصية بين العبد وبين الله إلى العفو أقرب ولكن من حيث أنه متعد على الجملة -إلى غيره فهو شديد وهذا أيضًا يقتضي الإهانة والإعراض والمقاطعة وترك جواب السلام إذا ظن أن فيها نوعًا من الزجر له أو لغيره.
الثالث: الذي يفسق في نفسه بشرب خمر أو ترك واجب أو مقارنة محظور يخصه فالأمر فيه أخف ولكن وقت مباشرته إن صودف فيجب منعه بما يمتنع منه ولو بالضرب والاستخفاف فإن النهي عن المنكر واجب. وإذا فرغ منه وعلم أن ذلك من عادته وهو مصر عليه فإن تحقق أن نصحه يمنعه من العود وجب النصح وإن لم يتحقق ولكنه كان يرجو فالأفضل النصح والزجر بالتلطف أو بالتغليظ إذا كان هو الأنفع، فأما الإعراض ع ن جواب سلامه والكف عن مخالطته حيث يعلم أنه يضر وأن النصح ليس ينفعه فهذا فيه نظر والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف نية الرجل.
فصل (٢٨): تباين درجات الهجر بحسب أحوال المهجورين فإن كان الهجر يضعف شرهم وجب الهجر كأسلوب للزجر وإن كان يزيد من شرهم وجبت مخالطتهم وتغريرهم .
والهجر يختلف باختلاف المهجورين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود زجر المهجور وتأديبه وزجر العامي عن مثل حاله، فإن كانت مصلحته تلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفته كان مشروعًا وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر يضعف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته
следующие страницы →