Полный текст (502 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
خير. عليكم بالسنن والفقه الذي تنتفعون به. ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء. أدركنا الناس وما يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام.
وقال في رواية حنبل -أيضًا- وكتب إليه رجل يسأله عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم؟ قال: والذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من سلفنا من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل الزيغ.
وقال موسى بن هارون الحمال عن أحمد: (لاتجالس أصحاب الكلام وإن ذبوا عن السنة).
وذكر موفق الدين بن قدامة في "المقنع" -في النظر في كتب المبتدعة- قال: كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم -إلى أن قال: وإذا كان أصحاب النبي ﷺ ومن اتبع سنتهم في جميع الأمصار والإعصار متفقين على وجوب اتباع الكتاب والسنة وترك علم الكلام وتبديع أهله وهجرانهم والخبر بزندقتهم وبدعتهم. وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ -قال: قال رسول الله ﷺ (من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام).
وذكر القرطبي -في تفسيره- عن الفضيل بن عياض. أنه قال: من أحب صاحب البدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه ومن زوج كريمته من مبتدع قطع رحمها ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة فإذا علم الله من رجل أنه يبغض صاحب بدعة رجوت أن يغفر له. وقال عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي: قال"أحمد" إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه قال النبي ﷺ (ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن سفيان الثوري أنه قال: (من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة فقد خرج من عصمة الله ووكل إلى نفسه والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها على إحدى الروايتين.
قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله بن حنبل: أرى الرجل من أهل السنة مع
стр. 422
الرجل من أهل البدع أأترك كلامه؟ قال: لا. أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه وإلا فألحقه به).
وأما مبايعة أهل البدع ومشاوراتهم فسأل المروزي أحمد ﵀ فقال: أمر بقربة فيها الجهمية لا زاد معي ترى أن أطوي؟ قال: نعم ولا تشتر منها شيئًا وتوقى أن تبيعه قال: بايعته ولا أعلم؟ قال: إن قدرت أن تسترد البيع فافعل فقلت: فإن لم يكن أتصدق بالثمن؟ قال: أكرره أن أحمل الناس على هذا فتذهب أموال الناس: قلت فكيف أصنع؟ قال: لا أدري أكره أن أتكلم بشيء ولكن أقل ما هنا أن يتصدق بالربح.
قال ابن حامد: فظاهر كلام "أحمد" المنع من ذلك وإبطاله مطلقًا فمن كان منهم داعية فالبيع باطل يملك به شيئًا.
كالمرتدين سواء والإخراج على وجهين في إمامته والسلام عليه ورد سلامه.
قال ابن حامد: فدل كلام أحمد أن مراده البدعة المكفرة فالداعية إليها كالمرتد وإلا فالوجهان. وقال جماعة من السلف: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون فذلك عقوبة لهم حتى ينتهوا. وهجر أحمد الحارث المحاسبي ع لى تصنيفه في الرد على المعتزلة وقال: وحمل الناس على التفكير فيها ثم ترد عليهم.
وهجر أبا ثور في تأويله قول رسول الله ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته) وذكر الغزالي عنه -أيضًا- أنه كان بينه وبين يحيى بن معين صحبة طويلة فهجره "أحمد" إذ سمعه يقول: إني لا أسألك أحدًا شيئًا ولو أعطاني الشيطان شيئًا لأكلته. حتى اعتذر يحيى وقال: كنت أمزح فقال: تمزح بالدين! أما علمت أن الأكل من الدين قدمه الله -تعالى- على العمل الصالح فقال: ﴿كلو من الطَّيبات واعملوا صالحاً﴾.
فيتعين حينئذ على المرء هجر أهل البدع لاسيما الداعية وترك مخالطتهم والتردد إليهم لغير مصلحة فإن في ذلك وزراً عليه في دينه.
ولقد أحسن الإمام أبو عبد القوي -في نظمه- حيث قال:
وهجران من أبدى المعاصي سنة وقد قيل: أن يردعه أوجب وآكد
стр. 423
ثم على ذلك أبياتًا فقال:
وهجران من يدعو الأمر معضل ... أو مفسق احتمه بغير تردد
على غيره من يقوى على دحض قوله ... ويدفع إضرار المضل بمزود
ويقضي أمور الناس عند مجيئه ... ولا هجر مع تسليمه المتعود
وحظر نبينا التسليم فوق ثلاثة ... على غير من قلنا يهجر فأكد
قال القاضي أبو يعلى: وإنا لم نهجر أهلل الذمة لأنا عقدنا معهم لمصلحتنا بأخذ الجزية فلو قلنا يهجرون زال المعنى المقصود وأما أهل الحرب ففي الإمتناع من كلامهم ضرر، لأنه يؤدي إلى ترك مبايعتهم وشرائهم.
وأما المرتدون فإن الصحابة باينوهم بالحرب والقتال وأي هجر أعظم من هذا؟
فصل (٢٧): على الآمر الناهي أن يسلك مع العصاة والفساق مسالك بحسب مراتبهم في مخالفة أوامر الله
قال أبو حامد الغزالي ﵀ فإن قيل: فالعصاة والفساق على مراتب مختلفة فكيف ينال الفضل بمعاملتهم؟ وهل يسلك بجميعهم في الهجرة والبغض مسلكًا واحدًا أن لا؟ فاعلم أن المخالف لأمر الله -سبحانه- لا يخلو إما أن يكون مخالفًا في عقده أو في عمله والمخالف في العقد إما مبتدع أو كافر. والمبتدع إما داع إلى بدعته أو ساكت إما لعجزه أو باختياره: فإن أقسام الفساد ثلاثة:
الأول: الكفر، فالكافر إن كان محاربًا فهو مستحق للقتل والإرقاق وليس بعد هذين الأمرين إهانة.
وأما الذمي فإنه لا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له بالاضطرار إلى أضيق الطرق وترك البداءة بالسلام فإن قال: السلام عليكم قيل: وعليك. والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته فإنما الإنبساط معه والاسترسال إليه كما يسترسل الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد أن ينتهي ما يقوى منها إلى حد التحريم.
стр. 424
قال سبحانه: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله﴾
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تتَّخذوا عدوي وعدوَّكم أولياء تلقون إليهم بالمودَّة﴾.
القسم الثاني: المبتدع الذي يدعو إلى بدعة فإن كان يكفر بها فأمه أشد من الذمي لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة.
وإن كان ممن لا يكفر به بأمره بينه وبين الله أخف من أمر الكافر لا محالة ولكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على الكافر لأن شر الكافر غير متعد فإن المسلمين اعتقدوا كفره فلا يلتفتون إلى قوله إذا لا يدعي لنفسه الإسلام واعتقاد الحق، وإما المبتدع الذي يعو إلى بجعته أمنا أن يدعو إليه حق فهو سبب لغرابة الخلق فشره متحد بالاستحباب إظهار بغضه وعاداته والانتقاع وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه أشد.
وإن سلم في خلوة فلا بأس برد جوابه.
وإن علمت أن الإعراض عنه والسكوت عن جوابه يقبح في نفسه بدعته ويؤثر في زجره فترك الجواب أولى لأن جواب السلام وإن كان واجباً فيسقط بأدنى غرض حتى يسقط بكون الإنسان في الحمام أو في قضاء حاجته وغرض الزجر أهم من هذه الأغراض، وإن كان في ملأ فترك الجواب أولى تنفيرًا للناس عنه وتقبيحًا لبدعته في أعينهم.
القسم الثالث: المبتدع العامي الذي لا يقدر على الدعوة ولا يخاف الاقتداء به فأمره أهون، فالأولى أن لا يتابع بالتغليظ والإهانة بل يتلطف به في النصح فإن قلوب العوام سريعة التقلب فإن لم ينفع النصح وكان الأعراض عنه (تقبيحًا) لبدعته، تأكد الاستحباب في الإعراض. (وإن علم أن ذلك) لايؤثر فيه لجمود طبعه ورسوخ عقده في قلبه فالإعراض أولى لأن البدعة إذا لم يبالغ في تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فساده.
وأما العاصي بفعله وعمله لا باعتقاده فلا يخلو إما أن يكون يتأذى به غيره كالظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والمشي بالنميمة وأمثالها أو كان مما لا يقتصر عليه ويؤذي غيره وذلك ينقسم إلى ما يدعو غيره إلى الفساد كالذي يجمع بين الرجال والنساء ويهيئ أسباب الشرب والفساد لأهل الفساد أو لا يدعو غ يره كالذي يشرب أو يزني. وهذا الذي لا يدعو غيره إما أن يكون عصيانه بكبيرة أو صغيرة وكل واحد إما أن يكون مصرًا عليه أو غير
стр. 425
مصر فهذه التقسيمات تحصل منها ثلاثة أقسام ولكل قسم منها رتبة وبعضها أشد من بعض:
القسم الأول: وهو أشهدها -ما تضرر به الناس كالظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والنميمة. فهؤلاء الأولى الإعراض عنهم وترك مخاطبتهم والانقباض عن معاملتهم لأن المعصية شديدة فيما يرجع إلى إيذاء الخلق.
ثم ينقسمون إلى من يظلم في الدماء والى من يظلم في الأموال والى من يظلم في الأعراض وبعضها أشد من بعض فالاستحباب في إهانتهم والإعراض عنهم مؤكد جدًا.
القسم الثاني: الذي يهيئ أسباب الفساد ويسهل طرقه على الخلق فهذا لا يؤذي الخلق في دنياهم وهو أخف من الأول فإن المعصية بين العبد وبين الله إلى العفو أقرب ولكن من حيث أنه متعد على الجملة -إلى غيره فهو شديد وهذا أيضًا يقتضي الإهانة والإعراض والمقاطعة وترك جواب السلام إذا ظن أن فيها نوعًا من الزجر له أو لغيره.
الثالث: الذي يفسق في نفسه بشرب خمر أو ترك واجب أو مقارنة محظور يخصه فالأمر فيه أخف ولكن وقت مباشرته إن صودف فيجب منعه بما يمتنع منه ولو بالضرب والاستخفاف فإن النهي عن المنكر واجب. وإذا فرغ منه وعلم أن ذلك من عادته وهو مصر عليه فإن تحقق أن نصحه يمنعه من العود وجب النصح وإن لم يتحقق ولكنه كان يرجو فالأفضل النصح والزجر بالتلطف أو بالتغليظ إذا كان هو الأنفع، فأما الإعراض ع ن جواب سلامه والكف عن مخالطته حيث يعلم أنه يضر وأن النصح ليس ينفعه فهذا فيه نظر والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف نية الرجل.
فصل (٢٨): تباين درجات الهجر بحسب أحوال المهجورين فإن كان الهجر يضعف شرهم وجب الهجر كأسلوب للزجر وإن كان يزيد من شرهم وجبت مخالطتهم وتغريرهم .
والهجر يختلف باختلاف المهجورين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود زجر المهجور وتأديبه وزجر العامي عن مثل حاله، فإن كانت مصلحته تلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفته كان مشروعًا وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر يضعف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته
стр. 426
لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض التأمل أنفع من الهجر لبعض الناس أنفع من التأليف.
قال أبو عبد الله بن مفلح وظاهر كلامهم يعني أصحاب "أحمد" أو صريحه من النشوز -بتحريم الهجر لخوف المعصية على المرأة ولهذا كان النبي ﷺ يتألف أقوامًا ويهجر آخرين وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشر حاًلا في الدين من المهجورين. كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم لمكان هؤلاء لأنهم كانوا سادة مطاعين في عشائرهم وكانت المصلحة الدينية في تألف قلوبهم وهؤلاء كانوا مؤمنين: والمؤمنون سواهم كثيرون عزيزون فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم. كما أن الشروع في الغدر والقتال تارة والمهادنة تارة وأخذ الجزية تارة. كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.
كما هجر النبي ﷺ نساءه وإيلائه منهن شهرًا كما في الحديث المشهور فقد كان في ذلك مصالح كثيرة في الدين وكما فعل كثير من السلف.
وقد ذكر محمد بن عمر الواقدي ﵀ عن رجل هجر رجًلا حتى مات فقال: هذا شيء تقدم فيه قوم منهم سعد بن أبي وقاص كان مهاجرًا لعمار بن ياسر حتى مات وعثمان بن عفان كان مهاجرًا لعبد الرحمن بن عوف وعائشة كانت مهاجرة لحفصة وطاووس مهاجرًا لوهب بن منبه حتى مات.
وقال أبو بكر الخلال في كتاب المجانبه: كان أبو عبد الله يعني الإمام أحمد يهجر أهل المعاصي ومن قارن الأعمال الرديئة أو تعدى وهجر بعض أصحابه وكان يتردد إليه سنين وصار لا يكلمهن فلم يزل يسأله تغير حاله وهو لا يذكر حتى قال: بلغني أنك طينت حائط جارك من جانب الشارع فقد أخذت قدر سمك الطين من الطريق وهو أنملة من شارع المسلمين فلا تصلح لتعلم العلم ونقل عنه أبو بكر المروزي في سقف البيت يكون فيه الذهب بجانب صاحبه؟ .
قال: يجفي صاحبه: وقال-في رواية- إذا علم أنه مقيم على معصيته وهو يعلم بذلك لم يأثم إن جفاه حتى يرجع وإلا كيف يتبين للرجل ماهو عليه إذا لم ير منكرًا ولا جفوة من صديق.
стр. 427
وكذلك جماعة من السلف تهاجروا لمصلحة يضيف هذا المحل عن ذكرهم حتى إن بعض الصحابة ﵃ أثروا فراق نفوسهم لمخالفتها للخالق فمنهم من يقو زنيت فطهرني، ونحن لا نجسر أن نقاطع أحدًا في الله لمكان المخالفة.
فصل (٢٩): تباين درجات الهجر بحسب درجات اعتقاد وسلوك الجماهير:
قد تقدم في أوائل هذا الفصل ذم الله تعالى -لمصاحبة البطالين إخوان الشر الذين لا يبالون بالمعصية ولا يخافون من الله ولا يرجون الله وقارًا ويتسلطون على عباد الله الصالحين بالإيذاء والاستهزاء والغيبة والخوض فيما لا يعني فمثل هؤلاء القوم ينبغي للمؤمن أن لا يجالسهم ولا يعاشرهم ولا يركن إليهم وهؤلاء أقسام:
فمنهم قسم كفار معاندون لله ولرسوله أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء عباده المؤمنين وهؤلاء أيضًا - ينقسمون قسمين:
القسم الثاني: المنافقون الذين آمنوا في الظاهر وكفروا في الباطن فأوهموا المؤمنين أنهم منهم ومعهم حتى أمنوهم وذلك لتلفظهم بكلمة التوحيد ظاهرًا وهم في الباطن مع الكفار يوادونهم ويطلعونهم على عورات المسلمين ولا يخفون عنهم شيئًا من أحوالهم وودهم ومحبتهم للكفار. فهذان القسمان ينبغي للمؤمن من أن لا يجالسهم ولا يعاشرهم ولا يركن إليهم وهؤلاء أقسام: فمنهم قسم كفار معاندون لله ورسوله أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء عباد المؤمنين وهؤلاء أيضًا ينقسمون قسمين:
-فهذان القسمان ينبغي أن يجالسهم المؤمن أصًلا ولا يصاحبهم ولا يخالطهم ولا يسمع حديثهم لأنهم لا يزالون يستهزؤون بالأنبياء والصالحين.
وهذان القسمان هما اللذان نهى الله نبيه ﷺ عن الجلوس والخوض معهم في أحاديثهم وأمره بالقيام من مجالسهم إلا نسيانًا فإذا ذكر قام من بينهم.
القسم الثالث: أن يكون مسلمًا ليس في إيمانه وليس في نفاق ولكنه كثير الغفلة والمعاصي لا يعتني بالعبادة ولا يخاف من مواقعة الذنوب.
فهذا القسم ليس اعتقاده كاعتقاد من تقدم من الكفار والمنافقين بل اعتقاد بالإيمان يكثر من فعل المعاصي قد عقل عن الله تعالى وعن عبادته.
فهذا القسم -أيضًا- ينبغي التجنب لأنه جليس سوء ربما أورثك من مجالسته إما
стр. 428
مشاركته في معاصيه أو مشاهدتك له على المعصية ولا تنهاه. فمجالسة مثل هذا تورث الغفلة ويدل على هذا مايثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن يجد منه ريحًا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجحد منه ريحًا خبيثة).
قوله يحذك -بحاء مهملة وذال معجمة أن يعطيك.
وأنشدني أبو الفدا إسماعيل البقاعي في نظم له:
وجانب بني السوء وأقبل وصيتي ... فقربهم يزري وللعرض يثلب
وما أحسن قول ابن الملحي في كان وكان:
السن إن غاب يؤذي بقسوة ويؤذي مجاور ... فيقتضي الرأي قلعوا لهجم الأسنان
وهكذا كل مؤذي ما له سوى الهجران ... كالنار إن لم تنطفئ سعت إلى الجيران
وقال غيره:
وما ينفع الجرب قرب صحيحه ... إليها ولكن الصحيحة تجرب
فهذا مثله مثل نافخ الكير.
القسم الرابع: قوم مؤمنون موحدون ليسوا بكفار ولا منافقين ولا لهم إرب في فعل المعاصي والخوض فيما لا يغني ولكن عندهم كسل وتباطؤ عن الطاعة مقصرون.
مجالستهم تورث الكسل فإن المؤمن ينشط المؤمن إذا رآه على الاجتهاد ويكسله إذا كان عنده فتور.
وقال أبو الخوارزمي:
لا تصحب الكسلان في حاجاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد
стр. 429
وهذا -أيضًا- جاء في حديث ابن عمر من رواية الصحيحين، وأحمد والترمذي وابن ماجه "لا حسد إلا في اثنين". لأنه لما رأى قارئ القرآن قائمًا بأمر الله عامًلا بالقرآن آناء الليل وأطراف النهار تمنى مثل منزلته وأن يعمل بمثل عمله وكذلك لما رأى صاحب المال تصدق من ماله وأنفق منه في وجوه الخيرات والقربات تمنى أن يكون له مال حتى يعمل مثل عمله فتنفعه صحبة هذين الرجلين لأنه اكتسب مما رآه منهما من الأعمال الصالحة اليقظة وأحب أن يعمل بمثل عمله وإما أن تسمع منه خيرًا ولا تسمع منه ما تأثم به فصحبة مثل هذا أو الجلوس معه هي النافعة.
وضد هذا الذي يخوض في آيات الله بالرد والضد والتكذيب والاستهزاء وهو الذي نهى الله نبيه ﷺ أن يجالسه وأمره بالقيام من مجلسه ولا يقعد معه كما تقدم وذلك من مفهوم هذه الآية: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم﴾. فأمره ﷺ بمتاركتهم والقيام عنهم بل الأمر بالقتال وإذا كان حديث هؤلاء في المباح فهو مخير بين الجلوس معهم وبين عدم ذلك.
وفي الأول منهي عن جلوسهم ولا يقعد معهم أصًلا إلا إ ذا كان ناسيًا وندب إلى أن المؤمن إذا رأى من كان كذلك أن يعظه ويأمره بالمعروف وينهاه عن الخوض فيما لا يعنيه ولأن سبحانه أمر بموعظة من كان كذلك وتذكيره ونهاه عن الخوض ﴿ولكن ذكرى لعلَّهم يتَّقون﴾. وروى الحافظ أبو نعيم -بسنده- عن مبارك أبي حماد قال: سمعت سفيان الثوري يقول لعلي بن الحسن السلمي: إياك وما يفسد عليك عملك وقلبك فإنما يفسد عليك قلبك مجالسة أهل الدنيا وأهل الخوض وإخوان الشياطين الذين ينفقون أموالهم في غير طاعة الله وإياك وما يفسد عليك دينك مجالسة ذوي الألسن المكثرين للكلام وإياك وما يفسد عليك معيشتك، فإنما يفسد عليك معيشتك أهل الخوض وأهل الشهوات وإياك ومجالسة أهل الجفاء ولا تصحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي ولا تصحب الفاجر ولا تجالسه ولا تجالس من يجالسه ولا تؤكل من يؤاكله ولا تحب من يحبه ولا تفش إليه سرك ولا تبسم في وجهه ولا توسع له في مجلسك فإن فعلت له شيئاً من ذلك فقد قطعت عرى الإسلام.
стр. 430
فصل (٣٠): الهجر أسلوب شرعي للزجر لتكون كلمة الله هي العليا فعلى المؤمن أن يعادي في الله وأن يوالي في الله
قال أبو العباس تقي الدين بن تيمية: الهجر من باب العقوبات المشروعة فهو من جنس الجهاد في سبيل الله وهذا يفعل لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين لله والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله فإذا كان هناك ؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية. قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتَّى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنين إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتَّقوا الله لعلكم ترحمون .. ﴾.
فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي وأمر بالإصلاح بينهم فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين فما أكثر مايتلبس أحدهما بالآخرة.
فالمؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك فإن الله بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لله ولأوليائه والبغض لأعدائه والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه وإذا اجتمع في مؤمن خير وشر وبر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة ويستحق من الموالاة والثواب ما فيه من الخير ويستحق من العابر والمعاداة بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبان: الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطي مايكفيه لحاجته.
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه فلم يجعلوا الناس إلا مستحقًا للثواب فقط أو مستحقًا للخلود في العقاب فقط.
وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه ثم يخرجهم منها بشفاعته بمن يأذن له بالشفاعة وبفضل رحمته كما استفاضت الأحاديث عنه ﷺ وإذا عرف هذا فالهجر المشروع هو من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله.
والطاعات لابد أن تكون خالصة لله موافقة لأمره فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرًا
стр. 431
غير مأمور به كان خارجًا عن هذا وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله. قال ابن أبي جمرة: من قيل فيه شيء يكون قذفًا في حقه فذلك يوجب هجره وإن لم يتحقق عليه ما قيل ولا يجوز هجره بالكلية وإنما ينقص له من العادة التي كان يعامل بها بحسب ما كان الواقع لأن النبي ﷺ لما وقع الكلام في "عائشة" ورميت بالإفك لم يبق لها ما عهدت من اللطف ولم يهجرها أيضًا -بالكلية.
ثم قال: وفي الحديث دليل على أن من وقع ذلك به لا يتكلم كلامًا يستدعي الجواب لأن النبي ﷺ لم يكن ليسألها عن حالها لأن ذلك يستدعي الجواب فإذا وقع منها الجواب والمراجعة في الكلام كان ذلك موجبًا للطف فزال إذ ذاك ما أريد من الهجر.
فصل (٣١): لا فرق بين وجوب هجر ذي الرحم والأجنبي إذا كان الهجر لتعدي حق الله:
ولا فرق بين وجوب هجر ذي الرحم والأجنبي إذا كان الحق لله تعالى فأما إذا كان الحق للآدمي كالقذف والسب والغيبة وأخذ ماله غصبًا ونحو ذلك فإن كان الفاعل لذلك من أقاربه وأرحامه لم يجز هجره.
وإن كان غيره فهل يجوز أم لا؟ على روايتين عن الإمام أحمد قال في رواية أبي بكر أحمد المروزي وقد سأله رجل فقال: إن رجًلا من أهل الخير قد تركت كلامه لأنه قذف مستورًا بما ليس فيه ولي قرابة يسكرون.
فقال: اذهب إلى ذلك الرجل حتى تكلمه ودع هؤلاء الذين يسكرون.
فهذا من أحمد يدل على فعل ذلك في حق الشارب مع كونه قرابة له.
وحضر زنديق مجلس الإمام أحمد ﵀ فقال له إسحاق بن إبراهيم بن هانئ:
هذا عدو الله كبش الزنادقة حضر المجلس.
قال أبو عبد الله: من أمركم بهذا؟ عمن أخذتم؟
стр. 432
الجزء الخامس
فصل (٣٢): عدم جواز الهجر المسلم للتهمة مداومة للصفاء والمحبة
ولا يجوز الهجر بخبر الواحد بما يوجب الهجر. نص عليه الإمام أحمد في رواية أبي مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى فقال: حدثني أبو مكرم الصفار: فقال حدثنا مثنى بن جامع الأنباري. قال: ذكر أبو عبد الله هذا الحديث عن النبي ﷺ أنه كان لا يأخذ بالقرف (التهمة) ولا يصدق أحد (على) أحد. فقال إلى هذا أذهب أنا وهذا مذهبي.
قلت وهذا الحديث رواه ابن بطة وجماعة من حديث الحسن البصري. قال كان النبي ﷺ لا يأخذ بالقرف (التهمة) ولا يصدق أحدًا على أحد. القرف -بالفتح والتحريك- الغيبة والتهمة.
قال الجوهري: قرفت الرجل أي عبته. ويقال هو يقرف بكذا أي يرمي به ويتهم فهو مقروف. انتهى.
وفي سنن أبي داود، والترمذي من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه: (لا يبلِّغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئًا فإني أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر).
وروى نحوه ابن بطة -أيضًا- وغيره من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا لا يبلغني أحد ما أكره، فإني أحب أن أخرج إليكم وليس في قلبي على أحد شيء).
стр. 433
فكأنه ﷺ نهى عن ذلك، طلبًا لاستصحاب الصفاء، ومداومة المحبة والوفاء، وخوفًا من تغير خاطره الشريف على أحد من أصحابه ومفارقة إخوانه وأحبابه.
وذكر أبو عمر بن عبد البر، عن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يقول: (إذا كان لك أخ في الله -تعالى- فلا تماره ولا تسمع فيه من أحد، فربما قال لك ما ليس فيه فحال بينك وبينه).
وأنشدوا:
إن الوشاة كثير إن أطعتم ... لا يرقبون بناء إلاَّ ولا ذمما
فصل
وذهب أبو الدرداء وجماعة من الصحابة والتابعين إلى عدم هجر الصديق والأخ في الله تعالى إذا ارتكب معصية ولم يقبل وعظه صديقه قال أبو الدرداء: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك فإنه يعوج مرة ويستقيم أخرى. قال بعض السلف: لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحيلة في إصلاحه وأنشدوا:
إذ أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء فضًلا أن تعد معايبه
قال إبراهيم النخفي: (لاتقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب بذنبه فإنه يركبه اليوم ويتركه غدًا).
وقال أيضًا -لا تحدثوا الناس بزلة العالم، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها.
وروى البغوي في المعجم، وابن عدي في الكامل، من حديث عمر بن عوف المزني مرفوعًا: "اتقوا زلّة العالم ولا تقطعوه".
وفي حديث زيد بن الأصم، أن عمر بن الخطاب ﵁ (قد سأل عن أخ كان) أخاه فخرج إلى الشام، فسأل عنه بعض من قدم عليه, فقال: ما فعل أخي؟ فقال: ذاك أخو الشيطان. قال له: مه، قال: إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر، قال إذا أردت
стр. 434
الخروج فآذني. فكتب -عند خروجه (إليه): ﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التَّوب شديد العقاب ذي الطوّل لا إله إلا هو إليه المصير﴾.
ثم عاتبه تحت ذلك وعزله، فلما قرأ الكتاب بكى. وقال صدق الله ونصح لي عمر فتاب ورجع.
ورواه أبو نعيم -الحافظ- في الحلية.
ورواه الخطيب أبو بكر البغدادي ولفظه: أن رجًلا كان ذا بأس وكان يوفد إليه عمر ليأتيه، وكان من أهل الشم، وأن عمر فقده. فسأل عنه. فقيل له: تتابع في هذا الشراب فدعا كاتبه. فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان سلام عليكم فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر (الذنب) قابل التوب شديد العقاب، ذو الطول لا إله إلا هو إليه المصير ثم دعا وأمن من عنده، ودعوا له أن يقبل على الله بقلبه وأن يتوب عليه. فلما أتت الصحيفة الرجل، جعل يقرؤها، ويقول غافر الذنب قد وعدني أن يغفر لي ذنبي، وقابل التوب قد وعدني أن يتوب علي، شديد العقاب قد حذرني عقابه، ذي الطول، والطول -الخير الكثير، إليه المصير. فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع فلما بلغ عمر أمره. قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخًا لكم زل زلة فسددوه، ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه.
وروي عن أخوين من السلف انقلب أحدهما على الانشقاق فقيل لأخيه: ألا تقطعه وتهجره؟ فقال: أحوج ما كان إلي من هذا الوقت لما وقع في عسرته أن أخذ بيده وأتلطف له في المعاتبة وادعوا له بالعود إلى ما كان عليه.
وروي أن أخوين ابتلي أحدهما بهوى، فأظهر عليه أخاه وقال: إني اعتللت، فإن شئت أن لا تعقد على محبتي لله فافعل. فقال: ما كنت لأحل عقد أخوتك لأجل خطيئتك أبدًا، ثم عقد أخوه بينه وبين الله أن لا يأكل ولا يشرب حتى يعافي الله أخاه من هواه، فطوى أربعين يومًا، في كلها يسأله عن حاله؟ فكان يقول القلب مقيم على حاله. ومازال هو ينحل من الغم والجوع حتى زال الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين. فأخبره فأكل بعد ذلك وشرب.
стр. 435
وأنشدوا:
ومن يتبع عثرة من صديقه يجدها ... فلم يسلم له الدهر صاحب
ولبعضهم:
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش مفردًا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وروي - في الإسرائيليات - أن اخوين عابدين كانا في جبل فنزل أحدهما ليشتري من المصر شيئًا يقيتهم فرأى بغيًا فرمقها وعشقها فواقعها، ثم أقام عندها ثلاثة أيام، واستحيا أن يرجع إلى أخيه، من جنايته، قال فافتقده أخوه واهتم بشأنه، فنزل إلى المصر، فلم يزل يسأل عنه، حتى دل عليه، فدخل إليه وهو جالس فاعتنقه وجعل يقبله ويلزمه، وأنكر (الآخر) أنه يعرفه، لفرط استحيائه منه فقال: قم يا أخي فقد علمت شأنك وقصتك وما كنت ق أحب إلي ولا أعز من ساعتك هذه، فلما رأى أن ذلك لم يسقطه من عينه قام وانصرف معه.
ونقل مثنى عن أحمد ﵀ في أخوين يحيف أحدهما على أخيه هل تجوز قطيعته، أم يرفق به وينصح؟ قال: إذا أمره ونهاه فليس عليه أكثر من هذا.
وأنشدوا:
إذا ما حال عهد أخيك يومًا ... وحاد عن الطريق المستقيم
فلا تعجل بلومك واستدمه ... فخير الود ود المستقيم
إن تر زلة منه فسامح ... ولا تبعد عن الخلق الكريم
وقيل: من حق الإخاء أن يغفر الهفوة، ويستر الزلة. فمن رام بريئًا من الهفوات سليمًا من الزلات، ورام أمرًا معوذًا، واقترح وصفًا معجزًا، فأي عالم لا يسهوا؟ وأي أخ لا يلغو؟ وأي صارم لا ينبو وأي جواد لا يكبو؟
وأنشدوا:
ولا تقطع أخًا لك عند ذنب ... فإن الذنب يعفوه الكريم
стр. 436
ولكن داو عورته برفع ... كما يرفع الخلق القديم
ولبعضهم في -كان وكان:
ظفرك إ ذا عاب مرة لا تقلعه فهو ينصلح ... فإن قلعتو لعيبوا بتقى بلا أظفار
وللمتنبي
ولست بمستبق أخًا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
ولغيره:
ولو كان لا عيب فيه لكنت ... ولكنه أي الرجال المهذب
ولبعضهم:
لا تعتبن على نقص رأيت أخًا ... فإن بدر الدجى لم يعط تكميلا
وقال غيره:
تحمل أخاك على ما به ... فما في استقامة مطمع
وأني له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع
وللإمام علي -كرم الله وجه-:
قيل: إن الإله ذو ولد ... قيل: إن الرسول قد كهن
فلا الله ولا الرسول معًا ... سلما من ألسن الناس فكيف أنا
فهذه طريقة قوم من السلف -كما تقدم:
قال الغزالي -وهي طريقة لطيفة لما فيها من الرفق والاستمالة والتلطف المفضي إلى الرجوع والتوبة، لاستمرار الحياة عند دوام الصحبة فمتى قوطع انقطع طمعه عن الصحبة واستمر في المعصية وأيضًا - فإن عقد الأخوة ينزل منازل القرابة، فإن انعقدت تأكد الحق ووجب الوفاء بموجبه. ومن الوفاء أن لا يهمل أمام حاجته وفقره. إذ فقر الدين أشد من فقر المال. وقد أصابته جائحة وألمت به آفة افتقر بسببها من دينه، فينبغي أن يراقب ويرعى ولا يهمل، أمام حاجته وفقره. إذ فقر الدين أشد من فقر المال. وقد أصابته جائحة والمت به آفة بسببها من دينه، فينبغي أن يراقب ويرعى ولا يهمل، بل لا يزال يتلطف به، ليعان على الخلاص من الواقعة التي ألمت به والأخوة عدة للنوائب وحوادث الزمان وارتكاب المعاصي من أشد النوائب.
стр. 437
وأنشدوا:
سامح أخاك إذا خلط ... منه الإصابة بالغلط
وتجاف عن تعنيفه ... إن زاع يومًا أو قسط
واحفظ صنيعك عنده ... شكر الصنيعة أم غمط
واقن أنوفنا وإن أخل ... بما اشترطت وما شترط
أو ما ترى المحبوب بالمكروه ... لذا في نمط
كالشوك يبدو في الغصون ... مع الجنى الملتقط
ولو انتقدت بني الزمان ... وجدت أكثرهم سقط
وقال بعض السلف -في زلات الإخوان-: ود الشيطان أن يلقي على أخيكم مثل هذا حتى تهجروه وتقطعوه. فماذا أتقيتم من محبة عدوكم، وذلك لأن التفرق بين الأحباب من محاب الشيطان، كما أن مقارفة العصيان من محابه، فإذا حصل للشيطان أحد غرضيه فلا ينبغي أن يضاف إليه الثاني والى هذا أضار ﷺ بقوله: (لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم).
" ولا تعينوا عليه الشيطان" -كما سيأتي- في الباب الثامن إن شاء الله تعالى -عند الرفق بشارب الخمر.
وأنشدوا:
إذا ما بدت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتاًلا لزلته عذرا
أحب الفتى يتقي الفواحش سمعه ... كأن في كل فاحشة قسرا
والداعي إلى هذا التأويل شيئان التغافل الناشيء عن الفطنة والتآلف الصادر عن الوفاء.
وقد قال أكثم بن صيفي: من شدد نفر ومن تراخى وتغافل تآله، والسرور (والشرف) في التغافل:
كما قيل:
ليس المتفحش بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتعالي
стр. 438
ولبعضهم:
يا سيدي قد عثرت خذ بيدي ... ولا تدعني ولا تقل تعسا
واعف فإن عدت فاعف ثانية ... فقد يداوي الطبيب من نكسا
قال بعض الحكماء: من طلب أخًا بلا عيب فليعش وحيدًا. ومن طلب عالمًا بلا زلة فليعش جاهًلا , ومن طلب صديقًا بلا غرامة فليصادق أهل القبور.
وقال غيره:
فلا تعجر صديقك للذنوب ... فإن الهجر مفتاح السلو
إذا كتم الخليل أخاه سرًا ... فما فضل الصديق على العدو
وذنوبي تتلاشى في عفو ربي الكريم ... فهو أكرم من عفا وجاد بالحلم العظيم
ما بقي إلا القليل والقدوم على الرحيم ... والفوز منه بالكرم ودخول جنة النعيم
محمد بن الصوفي صاحب الجرم الكبير ... راجيًا ذا المولى وهو بحالي عليم
رب سامح واغفر وتجاوز عني ... وعن جميع الأمة بفضلك العميم
فصل (٣٣): هجر المسلم العدل في اعتقاده وأفعاله كبيرة:
وأما هجر المسلم العدل -في اعتقاده وأفعاله- فكبيرة على نص الإمام أحمد لأن الكبيرة -عنده- مافيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة.
وفي الصحيحين، ومسند أحمد والموطأ، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).
стр. 439
وروى أبو داود ونحوه من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاث، فإن مرت ثلاث فلقيه فليسلم عليه، فإن در فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم".
وفي رواية "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث دخل النار". قالوا وإنما عفى عنها في الثلاثة أيام، لأن الآدمي مجبول (على) الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفى عن الهجرة في الثلاثة، ليذهب ذلك العارض.
وفي صحيح مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا "تعرض الأعمال في كل يوم جمعة مرتين فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امئ لا يشرك بالله شيئاً. إلا امرءًا كانت بينه وبين أخيه شحناء. فيقول اتركوا هذين حتى يفيا".
ورواه مالك في الموطأ موقوفًا.
ولمسلم، ولأبي داود أن رسول الله ﷺ قال: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجًلا كان بينه وبين أخيه شحناء. فيقول: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا. انظروا هذين حتى يصطلحا) وفي رواية الترمذي (فيغفر لمن لا يشرك بالله شيئًا إلا المتهجرين يقول: ردوا هذين حتى يصطلحا).
قوله: (انظروا) -قطع الهمزة- يعني أخروهما حتى يفيئا، ويرجعا -إلى الصلح والمودة.
وفي الباب أحاديث كثيرة.
وسيأتي في حديث أبي هريرة -في الباب الخامس- قوله ﷺ : (لا تدابروا) "أي لا تتعادوا" ولا تتهاجروا والتدابر المعاداة والمقاطعة.
стр. 440
وقال في المستوعب: ويكره هجر المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاث إلا أن يكون من "أهل" الأهواء والبدع والفساق المدنين على ذلك.
قال ابن مفلح والأولى التحريم.
والهجر لحق المسلم حرام، وإنما رخص في بعضه كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا شذت.
فصل (٣٤): قال ابن مفلح ﵀ ولا هجرة مع السلام .
(وقد روى أبو حفص العكبري -بسنده- عن أبي هريرة مرفوعًا: "السلام بقطع الهجران" وذكر النووي أن مذهب مالك والشافعي أن الهجر المحرم يزول بالسلام.
وقال الإمام أحمد، وابن القاسم المالكي: إن كان المهجور يؤذي الهاجر، لم يقطع السلام بهجرته. انتهى.
وقال "الأثرم": سمعت أبا عبد الله يسأل عن السلام يقطع الهجران؟ فقال: قد يسلم عليه وقد يصد عنه. ثم قال أبو عبد الله: النبي ﷺ يقول: (يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا) فإذا كان قد عوده أن يكلمه، وأن يصافحه. ثم قال: إلا أنه ما كان من هجران في شيء يخاف عليه فيه الكفر فهو جائز. ثم قال: (أبو عبد الله) إن النبي ﷺ قال في قصة كعب بن مالك حين خاف عليهم ولم يدر ما لا يقول فيهم: (لا تكلموهم) قيل لأبي عبد الله عمر ﵁ قال: في صبيغ لا تجالسوه. قال: المجالسة الآن غير الكلام. قلت لأبي عبد الله: كان لي جاء يشرب المنكر أسلم عليه؟ فسكت في بعض هذا الكلام-: لا تسلم عليه ولا تجالسه.
قال القاضي أبو يعلى - في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-: ظاهر كلام أحمد ﵀ أنه لا يخرج من الهجرة بمجرد السلام، بل يعود إلى حاله مع المهجور قبل الهجرة.
стр. 441
وذكر رواية "الأثرم" وقول "أحمد" في رواية محمد بن حبيب وقد سئل عن الرجل لا يكلم الرجل أيجزيه السلام من لاصرم؟ فقال: أتخوف من أجل أنهما يصد أحدهما عن صاحبه، وقد كانا متئانسين يلقى أحدهما صاحبه بالبشر إلا أن يتخوف منه نفاقًا.
قال: وإنما لم يجعله "أحمد" خارجًا من الهجرة بمجرد السلام حتى يعود إلى عادته معه في الاجتماع والمؤانسة، لأن الهجرة لا تزول إلا بعوده إلى عادته معه. انتهى.
قال أبو عبد الله بن مفلح وقول أحمد في الذي تشتمه ابنة عمه إذا لقيتها سلم عليها اقطع المصادقة ظاهرة أن السلام يقطعها مطلقًا وظاهر قول أصحابنا أن الهجر المحرم لا يزول بغير ذلك. ونص عليه الشافعي، رواه البيهقي عنه ويتوجه على قول من جعل من أصحابنا الكتابة والمراسلة كلامًا أن يزول الهجر المحرم لها ثم وجدت ابن عقيل ذكره وللشافعي وجهان. قال النووي وأصحهما يزول لزوال الوحشة انتهى.
فصل (٣٥): استحباب التقرب إلى الله بحب أهل الطاعة وبغض أهل المعصية:
ومما يتعلق بما نحن فيه: الحب في الله لأهل الطاعة، والبغض فيه لأهل المعصية.
وفي مسند أحمد، وسنن أبي داود من حديث أبي ذر ﵁ قال خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: (أتدرون أي الأعمال إلى الله -تعالى-) قال قائل الصلاة والزكاة. قال قائل: الجهاد. قال (أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله).
وفي مسند أحمد -أيضاً- وسنن البيهقي من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فقال: (أي عرى الإسلام أوثق؟ ) قالوا: الصلاة. قال: حسنة، وما هي بها؟ قالوا: الزكاة. قال: حسنة، وما هي بها؟ قالوا: صيام رمضان. قال: حسن وما هو به؟ قالوا: الحج. قال: حسنة. وما هو به؟ قال: أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله، وأن تبغض في الله).
стр. 442
ورواه الطبراني -في الأوسط والصغير- في حديث طويل.
والخرائطي - في مكارم الأخلاق- من حديث ابن مسعود وبلفظ قال: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: يا ابن مسعود، أي عرى الإيمان أوثق؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (أوثق عرى الإسلام الولاية في الله، والحب في الله والبغض في الله).
وفي الصحيحين، وجامع الترمذي وسنن النسائي من حديث أنس مرفوعًا:
"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن أحب عبدًا لا يحبه إ لا الله ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار".
وفي رواية: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب في الله ويبغض في الله وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئًا. وروى الإمام أحمد والطبراني من حديث عمرو بن الجموح مرفوعًا لايحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب للبه ويبغض لله فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاء من الله.
وفي المسند أيضًا وغيره من حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن أفضل الإيمان قال: أن تحب لله وتغضب لله وتعمل لسانك في ذكر، قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك وقد سلف في هذا الباب. ورواه أحمد أيضاً والترمذي والحاكم والبيهقي بلفظ أن رسول الله ﷺ قال: (من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وابغض لله وأنكح لله فقد استكمل إيمانه). قال الحاكم: صحيح الإسناد. وروى أبو داود نحوه من حديث أبي أمامة مرفوعًا بلفظ: من أحب لله وابغض لله ومنع لله فقد استكمل الإيكان. وروى البيهقي وغيره من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: إنه يصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم لا ينجو منها إلا رجل عرف
стр. 443
دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه فذلك الذي سبقت له السوابق ورجل عرف دين الله فصدق به ورجل عرف دين الله فسكت عليه فإن رأى من يعمل الخير أحب عليه وأن رأى من يعمل بباطل بغضه عليه فذلك ينحو على إبطائه كله. وروى أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث عائشة مرفوعًا: الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفافي الليلية الظلماء وأدناه أن يحب على شيء من الجور ويبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ وقال صحيح الإسناد. وروى في الإسرائيليات أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه أما زهادتك في الدنيا فقد تجلت الراحة وأما انقاطعك فقد تعززت بي ولكن هل عاديت في عدوًا أو واليت في ولياً. وروي أن الله سبحانه أوحى إلى عيسى لو أنك عبدتني بعبادة أهل السموات والأرض وحب في الله ليس وبغض في الله ليس ما اعنتي عنك ذلك شيئًا. وكان عيسى ﵇ يقول: يا معشر الحواريون تحببوا إلى الله تعالى ببغض أهل المعاصي وتقربوا إليه بالتباعد عنهم والتمسوا رضاه بسخطهم.
ورواه أبو نعيم، وفي رواية: تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والتمسوا رضوان الله بالتباعد منهم. قالوا فمن نجالس؟ قال: من تذكركم بالله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله، ويزيدكم -في فهمكم- منطقه.
من لم يعش بين أقوام يحبهم ... فكل أوقاته غبن وهجران
واطلب الأرض ما للنفي فيه هوى ... سم الخياط مع المحبوب ميدان
وقال علي بن أبي طالب ﵁ الغريب من ليس له حبيب.
وروى أبو نعيم - في الحلية- بسنده، عن غبراهيم بن أدهم، عن محمد بن عجلان قال: المؤمن يحب المؤمن حيث كان.
وسئل ذو النون المصري -قدس الله روجه- عن المحبة؟ قال: أن يحب ما أحب الله -تعالى- ويبغض ما أبغض الله -تعالى- وبفعل الخير كله، ويرفض كل مايشغلك عن الله، وأن لا يخاف في الله لومة لائم، مع العطف على المؤمنين.
وروي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: لو صمت النهار لا أفطره
стр. 444
وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت مالي في سبيل الله، أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعة الله وبغض لأهل معصية الله، ما نفعني ذلك شيئًا.
وروى الطبراني وغيره من حديث أبي قرصافة جندرة. و"ابن عدي" من حديث جابر مرفوعًا "من أحب قومًا على أعمالهم حشر في زمرتهم" زاد "ابن عدي" "يوم القيامة".
فيجب حينئذ ع لى العبد أن يكون له أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء وإخوان يحبهم لله، إذ يمقت لمقته، ويطرد من أبعده عن حضرته فيعادي من عادى مولاه ويصاحب من يتقي الله ويخشاهن ومن أحب إنسانًا لأنه مطيع لله، فإن عصاه فلا بد أن يبغضه لأنه عاص لله.
وروى أبو نعيم - في الحلية - بسنده - عن يوسف بن أسباط. قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا أحببت الرجل في الله ثم أحدث حدثًا في الإسلام، ولم تبغضه عليه فلم تحبه لله.
فمن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده، لأن كل واحد من الحب والبغض دفين في القلب وإنما يترشح عند الغلبة، وبظهور أفعال المحبين والمبغضين في المقاربة والمباعدة وفي المخالفة والموافقة، فإذا ظهر في الفعل سمي موالاة ومعاداة.
قال أبو حامد الغزالي: فإذا اجتمع في شخص واحد خصال يجب بعضها ويكره بعضها وجب حبه لأجل الخير وبغضه "فتعطى كل صفة حظها من البغض والحب والإعراض والإقبال". فمن وافقك على غرض وخالفك في آخر، فتكون معه على حالة متوسطة من الانقباض والاسترسال، وبين الإقبال والأعراض، وبين التودد والتوحش، فلا تبالغ في كرامته كمبالغتك في إكرام من يوافقك في جميع أغراضك، ثم ذلك التوسط يكون ميله إلى طرف الإهانة عند غلبة المخالفة والى طرف الإكرام عند غلبة الموافقة فهكذا ينبغي أن يكون فيمن يطيع الله ويعصيه ويتعرض لرضاه مرة ولسخطه أخرى - فإن قيل- فبماذا يمكن إظهار البغض؟ قيل: فأما بالقول فبقطع اللسان عن مكالمته ومحادثته مرة وبالتغليظ بالقول أخرى. وأما في الفعل فبقطع السعي في إعانته مرة وبالسعي في إساءته وإفساد مأربه أخرى.
стр. 445
قال العلماء الذين رزقوا نور البصيرة: إنما يبغض من أهل المعاصي الأفعال التي نهى الشرع عنها وذمها، لذلك قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فإن عصوك فقل إني بريء ممَّا تعملون﴾ وما يقل إني بريء منكم.
وقيل لبي الدرداء ﵁ ألا تبغض فلانًا وفعل كذا وكذا؟ فقال: إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي.
(ولا ينبغي في أن يبالغ في البغض عند القطيعة) قال الله -تعالى-: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مَّودَّة﴾.
وكذلك ينبغي أن يتوقى الإفراط في المحبة، فإن ذلك يدعوا إلى التقصير، فلأن تكون الحالة بينهما نامية أولى من أن تكون متناهية.
وقد روى الترمذي، وأبو الشيخ بن حيان -في كتاب الأمثال- من حديث -أبي هريرة مرفوعًا: "أحببت حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما".
وتوقف في رفعة بعض الرواة.
ورواه ابن خزيمة من حديث "علي".
وقال صالح ابن الإمام أحمد: سألت أبي عن حديث ابن عباس: "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبله الغلو".
قال أبي: لا تغلوا في كل شيء حتى الحب والبغض.
وقال عمر بن الخطاب: لا يكون حبك كلفًا، ولا بغضك تلفًا.
وأنشدوا:
إذا ما عممت الناس بالأنس لم تزل ... لصاحب سوء مستفيدًا وكاسباً
стр. 446
وإن نقصهم يرموك عن سميهم بغضة ... فخالطهم إن شئت أو كن مجانبا
فلا تدنون منهم ولا تغيضهم ... وكن لهم ما بين ذاك مقاربا
ولا توغلن فيهم ودارهم وكن ... عن الشر منحازًا وللخير طالبا
وحبك والبغضاء لا كلفا بهم ... ولا تلفا فيهم تروم المعاطبا.
ولأبي الأسود الدجؤلي نظم:
وكن معدنا للخير واصفح عن الأذى ... فإنك رائي ما عمت وسامع
واحبب إذا أحببت حبًا مقاربا ... فإنك لا تدري من أنت نازع
وابغض إذا أبغضت غير مباين ... فإنك لا تدري متى أنت راجع
ولعدي بن زيد:
فلا تأمنن من مبغض قرب داره ... ولا من محب أن تمل فتبعدا
فصل (٣٦): استحبالب تواضع الآمر الناهي في أمره ونهييه بلا افتخار أو تعاظم
ومما يستحب للآمؤ بالمعروف الناهي عن المنك أن يكون متوضعًا في أمره ونهيه من غير افتخار ولا تعاظم، بل من حقوق المسلمين التواضع لهم.
وسمي التواضع متواضعًا أنه وضع شيئًا من قدرة الذي يستحقه - وذلك ملح العبادة- وغا شرف الزاهجين، وسيما الناسكين.
فقال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنا من يرتدَّ منكم عن دينه، فسيوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلَّة على المؤمنين أعزَّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾.
(أي متواضعين لهم بذل لين وانقياد، لابذل هو أن فيعاشروا المؤمنين برحمة وعطف وشفقة وإخبات وتواضع).
وقوله: ﴿أعزة على الكافرين﴾
هو من عزة القوة والمنعة والغلبة.
стр. 447
وقال "عطاء" للمؤمنين كالوالد لوده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته" كما في الآية الأخرى: ﴿أشدَّاء على الكفَّار رحماء بينهم﴾.
فالنفس إذا انحرفت عن خلف العزة التي وهبها الله للمؤمنين انحرفت إما إلى كبر وإما إلى ذل والعزة المحمودة بينهما، والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿وعباد الرَّحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾ يع ني سكينة ووقارًا متواضعين، غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين لأن الهون -بالفتح- الرفق واللين، وبالضم -الهوان.
فالأول صفة أهل الإيمان والثاني صفة أهل الكفران وجزاؤهم من الله النيران
قال تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوَّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتَّقين﴾.
ذكر المفسرون - عند تفسير هذه الآية- عن أبي معاوية، أنه قال: ﴿للذين لا يريدون علوَّا في الأرض﴾. هو من لم يجزع من ذلها ولم ينافس في عزها، وإن ارفعهم عند الله أشدهم تواضعًا، وأعزهم غدًا ألزمهم لذل اليوم.
وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.
(قال بعض المحققين إذا كانت الأصول تربة ونطفة وعلقة، فالتفاخر والتكبر بماذا؟ .
وقال تعالى: ﴿فلا تزكُّو أنفسكم هو أعلم بمن أتقى﴾.
وفي بعض الكتب المنزلة يقول الله -تعالى-: (يا عبدي لك عندي منزلة مالم يكن لنفسك عندك منزلة)
стр. 448
وفي "صحيح مسلم"، وسنن أبي داود، وابن ماجه من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ قال. قال: رسول الله ﷺ : (عن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفتخر أحد على أحد، ولا ينبغي أحد على أحد).
قال أهل اللغة: (البغي التعدي والاستطالة).
قال أبو العباس بن تيمية - في اقتضاء الصراط المستقيم- جمع النبي ﷺ بين نوعي الاستطالة، لأن المستطيل إن استطال بحق فهو المفتخر. وإن استطال بغير حق فهو الباغي فلا يحل لا هذا ولا هذا.
وقد تقدم - في فصل الحلم والعفو- حديث أبي هريرة ﵁ -المرفوع "مانقصت صدقة من مال، وما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا ولا تواضع عبد لله إلا رفعه الله ".
وفي سنن ابن ماجه من حديث: "أنس" مرفوعًا. "إ ن الله أوحى 'لي أن تواضعوا، ولا يبغي بعضكم على بعض".
وفي صحيح مسلم من حديث أبي رفاعة واسمه عويمر بن أسد. وقيل: ابن أسيد قيل: عبد الله بن الحرث ﵁ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب. فقلت: يارسول الله، رجل غريب جاء يسال عن دينه لا يدري ما دينه. فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها".
وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود مرفوعًا "حرم على النار كل هين لين قريب من الناس".
стр. 449
ورواه الترمذي ولفظه: "ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ كل قريب هين سهل"
وقال: حديث حسن غريب.
ورواه الطبراني، وابن حبان -بإسناد جيد-.
وفي رواية لابن حبان "إنما تحرم النار على كل هين لين قريب سهل".
وروى "الحاكم" نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان هينًا لينًا قريبًا حرمه الله على النار" وقال صحيح على شرط مسلم.
ورواه الطبراني -المعجم الأوسط-حديث (أنس) ولفظه "قيل يا رسول الله من يحرم على النار؟ قال: (الصبي اللين السهل القريب).
ورواه في الأوسط -أيضًا- والكبير من حديث "معيقيب" مرفوعًا "حرمت النار على الهين اللين السهل القريب".
ورواه أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني -في الترغيب والترهيب- وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس -من حديث أنس مرفوعًا: " إن العفو لا يزيد العبد إلا عزًا فاعفوا يعزكم الله، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماءًا فتصدقوا يزدكم الله.
وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: " من تواضع لله درجة يرفعه الله بها درجة، ومن تكبر على الله درجة يضعه الله بها درجة، حتى يجعله في أسفل السافلين".
стр. 450
وفي شعب الإيمان للبيهقي، عن عائشة ﵂ أنها قالت: تغفلون عن أفضل العبادة التواضع.
وقد روي أن "أيا ذر" لما عير "بلاًلا" بسواده ندم فألقى نفسه، وحلف لا رفعت رأسي حتى يطأ "بلال"خدي بقدميه. فلم يرفع رأسه حتى فعل ذلك.
فعلماء الآخرة الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر يعرفون بسيماهم، في السكينة والذلة والتواضع.
وقد قيل، ما ألبس عبدًا لبسة أحسن من الخشوع في السكينة، فهي لبسة الأنبياء -صلوات الله عليهم- وسيما الصديقين والعلماء العاملين.
قال عمر بن الخطاب: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم والتواضع لمن تعلمون منه ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم.
وأنشدوا:
كم من جاهل متواضع ستر التواضع جهله ... ومبرز في علمه هدم التكبر فضله
فدع التكبر ما حييت ولا تصاحب أهله ... إن التكبر للفتى عيب يقبح فعله
قال شيخ مشايخنا عبد القادر الكيلاني -قدس الله روحه- التواضع هو أن لا يلقى العبد أحدًا من الناس إلا رأى له الفضل عليه. ويقول: عسى أن يكون عند الله خيرًا مني. فإن كان صغيرًا قال: هذا لم يعص الله وأنا عصيت. وإن كان كبيرًا قال: عبد الله قبلي. وإن كان عالمًا قال: أعطي ما لم أبلغ، ونال ما لم أنل، وعلم ما جهلت وهو يعمل بعلم وما أدري ما يختم لي وله.
وإن كان كافرًا قال: لا أدري عسى يسلم هذا فيختم له بخير العمل، وعسى أن أكفر أنا فيختم لي بشر العمل. فإذا كان العبد كذلك سلمه الله من الغوائل، وبلغ به منازل النصيحة وكان من أصفياء الله وأحبابه وكان من أعداء إبليس -لعنه الله عليه-.
وفي بعض الآثار: من أتاه الله زهدًا وتواضعًا وحلمًا وحسن خلق فهو إمام المتقين.
قال الحسن البصري ﵀ عليه- الحلم وزير العلم، والرفق أبوه والتواضع سر حاله.
стр. 451
وقال عروة بن الورد: (التواضع أحد مصايد الشرف. وكل نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع). وقال يحيى بن خالد البرمكي: الشريف إذا تنسك تواضع والسفيه إذا انتسك تاه. وقال الحسن الزاهد: إذا رأى أحدًا قال: هذا أفضل مني، فذهب ﵀ إلى أن الزهد هو التواضع.
وقال بعض السلف: إذا جمع العالم ثلاثًا تمت النعمة بها على المتعلم: الصبر والتواضع، وحسن الخلق. وقيل: خمس من الأخلاق هن من علامات علماء الآخرة الأمرون بالمعروف ومفهومة من خمس آيات: الخشية والخشوع، والتواضع، وحسن الخلق، وإيثار الآخرة على الدنيا وهو الزهد، أما الخشية فمن قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.
وأما الخشوع فمن قوله تعالى: ﴿خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليًلا﴾
وأما التواضع فمن قوله تعالى: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾
وأما حسن الخلق فمن قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾
وأما الزهد فمن قوله تعالى: ﴿وقال الذين أتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن أمن﴾.
وروى البيهقي -في شعب الإيمان- بسنده- عن أحمد بن أبي الحواري- قال سمعت أبا سليمان الداراني - قدس الله روحه- يقول: إن الله -تعالى- اطلع في قلوب الآدميين فلم يجد قلبًا أشد تواضعًا من قبل موسى ﵇ فخضه بالكلام لتواضعه.
قال البيهقي. وقال غير أبي سليمان: أوحى الله -تعالى- إلى الجبال، إني مكلم عليك عبدًا من عبيدي فتطاولت الجبال، ليكلمه عليها، وتواضع الطور، قال وإن قدر شيئًا كان. قال: فكلمه عليه لتواضعه.
وروي عن قيس بن أبي حازم قال: لما قدم عمر ﵁ الشام فتلقاه علماؤها وعظماؤها وكبراؤها، قيل له: اركب بعير البرذون، ليراك الناس فقال: إنكم ترون الأمر من ههنا. إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء: " خلوا سبيلي".
стр. 452
وفي رواية أن عمر جعل بينه وبين غلامه مناولة وكان "عمر" يركب الناقة ويأخذ الغلام بزمامها ويسير مقدار فرسخ. ثم ينزل ويركب الغلام ويأخذ "عمر" بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ. فلما قدم الشامكان نوبة ركوب الغلام فركب الغلام وأخذ "عمر" زمام الناقة فاستقبله الماء في الطريق فجعل "عمر" يخوض في الماء وهو أخذ بزمام الناقة. فخرج أبو عبيدة بن الجراح. وكان أميرًا على الشام. فقال يا أمير المؤمنين إن علماء الشام يخرجون إليك فلا يحسن أن يروك على هذه الحالة. فقال إنما أعزنا الله بالإسلام ولا أبالي بمقالة الناس.
ولما بعث عمر ﵁ أبا هريرة أميرًا على البحرين فدخل البحرين وهو راكب على حماره وجعل يقول" طرقوا للأمير.
فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ كان خلقهم التواضع مع أن الله أعز بهم الإسلام وكانوا أعزة عند الله وعند الملائكة وعند الخلق.
وأما رسول الله فتواضعه لا يحصى، وعدم افتخاره لا يستقصى، وكذلك الأنبياء والمرسلون والأصفياء والصالحون.
وروى الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا -بسنده- عن محمد بن أبي عثمان قال: رأى فضيل بن عياض رجًلا يفقع أصابعه في الصلاة فزجره وانتهره. فقال له الرجل: يا هذا ينبغي لمن قام لله- يأمر أن يكون ذليًلا. فبكى الفضيل وقال: صدقت.
وأنشدوا:
ومن يتواضع يسمو حتى لو أنه ... لو أراد محلها في السما أحله
فبالله لا تزدد إلا تواضعًا ... فلو كان كبر في شريف أذلة
قال غيره قريبًا منه:
ومن يتواضع لو أراد يفعله ... محًلا على هام السماء لحله
فبالله لا تزداد إلا تواضعًا ... فلو حل كبر بالعزيز أذله.
كذلك حال أهل التوفيق، ببذل النفوس وهوانها عليهم، نالوا ما نالوا من الخيرات، وبحب أهل الدنيا نفوسهم هانوا وطرأ عليهم الذل في الدنيا والآخرة.
ولبعضهم في وصف السادة الصوفية -قدس الله أرواحهم-:
لزموا التواضع فاستنار سناهم ... وتخلفوا بالفضل من خدامهم
стр. 453
إن قيل لم لبسوا الجماجم قل لهم ... جعلوا جماجمهم حذا أقدامهم
روى البيهقي -في الشعب- من حديث أبي هريرة ﵁ وابن عباس مرفوعًا: " ما من أحد إلا في رأسه حكمة" عند ملك فإن تعاظم وارتفع ضرب الملك في رأسه. وقال له -اتضع وضعك الله، وإن تواضع رفعه الملك وقال له: ارتفع رفعك الله".
وفي رواية "ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانه بها، فإن هو رفع رأسه جذباه ثم قالا - اللهم ضعه- وإن وضع نفسه قالا اللهم ارفعه.
الحكمة: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه تمنعه من مخالفة راكبه -قاله أهل اللغة.
وأنشدوا:
فتى زاده ذل التواضع عزة ... وكل عزيز عنده متواضع
قال أبو حامد: فإن قلت كيف التواضع للفاسق والمبتدع وقد أمرت ببغضهما، والجمع بينهما متناقض؟
فاعلم أن هذا أمر مشتبه يلتبس على أكثر الخلق، إذ يمتزج غضبك لله في إنكار البدعة والفسق بكبر النفس، والإذلال بالعلم والورع، فكم من عابد جاهل وعالم مغرور إذا رأى فاسقًا جلس إلى جانبه أزعجه ذلك.
وتنزه منه لكبر باطن في نفسه وهو ظان أنه غاضب لله، وذلك لأن الكبر على المطبع ظاهر كونه شرًا والحذر منه ممكن، والكبر على الفاسق والمبتدع يشبه الغضب لله وهو خير، فإن الغضبان -أيضًا- يتكبر على من غضب عليه والمتكبر يغضب، وأحدهما يثمر الآخر ويوجبه وهما ممتزجان ملتبسان لا يميز بينهما إلا الموفقون.
والذي يخلصك من هنا أن يكون الحاضر على قلبك عند مشاهدة المبتدع أو الفاسق أو عند أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر ثلاثة أمور:
أحدهما: التفاتك إلى ما سبق من ذنوبك وخطاياك، ليصغر عند ذلك قدرك في عينك.
والثاني: أن تكون ملاحظتك لما أنت متميز به من العلم واعتقاد الحق والعمل الصالح
стр. 454
من حيث أنها نعمة من الله -تعالى- وله المنة لا لك فترى ذلك منه حتى لا تعجب نفسك، وإذا لم تعجب لم تتكبر.
والثالث: ملاحظة إيهام عاقبتك وعاقبته أنه ربما يختم لك بالسوء ويختم له بالحسنى حتى يشغلك الخوف عن التكبر عليه.
وقال بعض المحققين: إذا كان الله -تعالى- قد رضي أخاك المسلم العاصي عبدًا لنفسه أفلا ترضى أنت به أخًا! ! ؟ فعدم رضاك به أخًا -وقد رضيه سيدك الذي أنت عبده عبدًا لنفسه مع عصيانه ومخالفته-عين الكر وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على مثله، لا يرضى بأخوته وسيده راض بعبوديته. فينتج من هذا أن المتكبر غيور غير الراضي بعبوديته لأن عبوديته لله توجب رضاه بأخوته عبيد الله انتهى.
قال بعضهم: فالتواضع له طرفان ووسط فطرفه الذي يميل إلى الزيادة يسمى تكبرًا وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمى تخاسسًا ومذلة، والوسط يسمى تواضعًا وهو المحمود، فمن تقدم على أمثاله فهو متكبر ومن تأخر عنهم فهو متواضع.
فالعالم إذا دخل عليه إسكاف فتنحى له عن موضعه ومجلسه وأجلسه فيه ثم تقدم فسوى نعله، وعذا إلى باب الدار خلفه فقد تخاسس له وتذلل وهو غير محمود، بل المحمود أن يعطي كل ذي حق حقه, فينبغي أن يواضع بمثل هذا لأمثاله ومن يقرب من درجته.
وأما تواضعه للسوقي فبالقيام وللبشر بالكلام، والرفق في السؤال، وإجابة دعوته والسعي في حاجته، وأمثال ذلك.
وأن لا يرى نفسه خيرًا منه، بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره فلا يحقره ولا يستصغره وهو لا يعرف خاتمة أمره. انتهى.
والفرق بين التواضع واللين وبين المهانة: أن الواضع واللين: لعبد عطوف القلب ساكن النفس، واسع الصدر، مستوي الطبع، سهل الخلق لين هين فاللطف ليّنه، والجود سهل خلقه، والمهانة: لعبد أله شره نفسه وتراكم ظلمة المعاصي على قلبه وفي صدره ففي صدره سحائب المعاصي، وغيوم العلائق وصبابة الهوى، وحديث الشهوات، ودخان
стр. 455
المنى فافتقد طيب النفس فهانت عليه نفسه واستحقرها، فعلته المهانة، وصغر قدره وتلاشت قيمته.
وأنشدوا:
وإذا لم يكن من الذل بد ... فالق بالذل إن لقيت كبارا
ليس إجلال الكبار بذل ... إنما الذي أن تجل الصغارا
فصل (٣٧): استحباب استعانة الآمر الناهي بالله والاعتصام به وخاصة عند عجزه عن مجاهدة نفسه وعن القيام بحقوق الله
ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون مستعينًا بالله -تعالى- معتصمًا به عند عجز النفس عن إحتمال الأمر والنهي، وعند عجزه عن المجاهدة لنفسه عن القيام بحقوق الله- ألأن الاستعانة طلب المعونة والتأييد والتوفيق.
قال الله تعالى: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم﴾
وقال تعالى: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾
قال بعض العارفين: الاعتصام بالله حسن الاستقامة بدوام الاستعانة، وهذا اعتصام توكل واستعانة وتفويض ولجوء وعبادة، فالاستعانة بالله والاعتصام به هو العمدة في الهداية والعدة في مباعدة الغواية والوسيلة إلى الرشاد وطريق السداد وحصول المراد.
وفي صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ -قال رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قدر الله وماشاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان).
стр. 456
قال العلماء: المراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف، والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات الله تعالة.
وقوله: إحرص -بكسر الراء.
وقوله: أحمد، وجامع الترمذي فلي وصية النبي ﷺ لابن عباس حين كان رديفه فقال فيه: " .. وإذا استعنت فاستعن بالله" وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين﴾ وهي كلمة عظيمة جامع يقال: إن سر الكتب الإلهية يرجع إليها وتدور عليها. والله أعلم.
قال تعالى حكاية عن عبده ورسوله نوح ﵇ حين كذبه قومه ﴿وقالوا مجنون .. ﴾ ﴿فدعا ربَّه أني مغلوب فانتصر﴾ أي ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك.
قال تعالة: ﴿ففتحنا أبواب السماء بمار منهمر﴾ أي كثير ونبعت الأرض كلها حتى أخذ الله بثأر "نوح" وأغرقهم عن آخرهم ونجى نوحًا وأهله.
قال تعالى: ﴿فلنعم المجيبون﴾.
أي فنحن أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه ونجيناه وأهله من الكرب العظيم الذي لحق قومه وهو الغرق "وجعلنا ذريته هم الباقين﴾.
وقرأ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وابن الزبير ﵃ قوله: "ولتكن
стр. 457
منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمررون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابه" ولكن لم تثبت هذه القراءة في سواء المصحف فلا يكون قرآنًا بل قالوها على وجه التفسير. وفيها إشارة إلى الاستعانة بالله فيما يصاب به الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر وتجرع مشاقه وأن ذلك سبب لنصره والاستظهار على الأعداء.
كما قال تعالى: ﴿ .. ثم بغى عليه لينصرنه الله﴾
وروى الحافظ أبو نعيم- في الحلية- بسنده عن عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه في الطريق فقلت: حدثني حديثًا أحفظه عنك في مقامي وأوجز قال: أوحى الله إلى داود ﵇: "ياداود أما وعزتي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له منهن فرجًا ومخرجًا أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات من يده وأرسخت الأرض من تحته ولا أبالي في أي واد هلك.
وفي استعانة العبد بالله -تعالى- وجد فائدتان:
أحدهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات وإزالة المنكرات.
الثاني: لا بد من معين على مصالح دينه ودنياه ولا يكون ذلك إلا من الله فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول.
كما قال تعالى: ﴿وما النَّصر إلا من عند الله﴾ يعني هو الذي نصر من أراد بحكمته ولو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم.
من غير احتياج إلى قتالكم، كقوله -سبحانه- بعد أمره المؤمنين بالقتال: ﴿ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض﴾.
وقوله: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾
ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾.
стр. 458
وفي الحديث الصحيح المتقدم قريبًا قوله ﷺ في خطبته (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) وكان أيضًا: يعلم أصحابه أن يقولوا: (الحمد لله نستعينه ونستهديه) الحديث.
وفي دعاء القنوت الذي كان عمر وغيره يدعو به: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك ... )
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا -بسنده- عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: (اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيتهن واستهداك فهديته واستعان بك فأعنته واستنصرك فنصرته).
وفي سنن البيهقي ومعجم الطبراني، وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا: " ألا أعلمكم الكلمات التي تكلم بها موسى ﵇ حين جاوز البحر ببني إسرائيل؟ فقلنا بلى يارسول الله، فقال: (قولوا اللهم لك الحمد واليك المشتكى، وأنت المستعان وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
وأمر ﷺ معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك) رواه أحمد، والنسائي وغيرهما فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات وفي الصبر على المقدورات كما قال يعقوب النبي ﵇ لبنيه ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾.
ولهذا قالت عائشة ﵂ -هذه الكلمات لما قال أهل الإفك ماقالوا و ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا﴾.
وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قال رب احكم بالحق وربنا الرحمان المستعان على ما تصفون﴾.
ولما دخلوا على عثمان بن عفان ﵁ وضربوه: جعل يقول -والدماء
стр. 459
تسيل عليه: " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعينك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابتليتني".
وروى أبو بكر بن السني وغيره من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كنا مع النبص لى في غزوة فلقي العدو فسمعته يقول: (يامالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين).
وروى أبو الشيخ الأصبهاني من حديث أبي طلحة: ولقد رأيت الرجال تصرع وقال عمر بن الخطاب في أول خطبة خطبها على المنبر: ألا إن العرب جمل أنف قد أخذت في خطامه، ألا وإني حامله على المحجة مستعيناً بالله - تعالى عليه - في مصالح دينه ودنياه.
كما قال الزبير بن العوام ﵁ في وصيته لابنه عبد الله: إن عجزت فاستعن بمولاي، فقال له ابنه: يا أبت من مولاك؟ قال: الله -تعالى- قال: فما وقعت في كربة إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه.
ولما احتضر خالد بن الوليد قال رجل ممن حوله: والله إنه ليسوء، يعني الموت.
قال خالد: أجل فأستعين بالله .
وقال عامر بن عبد الله بن الزبير -عند موته: إني أستعين الله على مصرعي هذا فالملهوف إذا صدق في الإستعانة به - سبحانه- وحده، كاشفًا للكرب يخلصه منها.
ولبعضهم:
فاستعن بالله واستعنه ... فإنه خير مستعان
ومن كلام بعض المتقدمين: يارب عجبت لمن يعرفكن كيف يرجو غيرك عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك.
وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليهما- لا تستعين بغير الله يكلك الله إليه. انتهى.
كما قيل:
من استعان بغير الله في طلب ... فإن نصرته عجز وخذلان
стр. 460
حقيقة هذا تقتضي انقطاع العبد وإعراضه عن التعلق بالخلق وعن سؤالهم أو جلب نقع أو دفع ضر، وذلك يستلزم إفراد الله -تعالى- بالطاعة والعبادة، وفي الكتب المنزلة يقول الله -تعالى- يا عبدي إذا سألت فاسألني وإذا انتصرت فانتصر بي، فإني قوي.
فمن استنصر بالله وتوكل عليه كفاه ما أهمه، وحفظه من الشركة الناس وعصمه، وإن استعان به بصدق وإخلاص نصره على عدوه، واخذ بثأره.
قال تعالى: ﴿يا أيها الذي أمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾
وقال تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾
وفي اثر إلهي يقول الله -تعالى- ابن آدم إرض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك، ومن قام لله بأمر طالبًا منه المعونة، كفاه ما أهمه، قال تعالى: ﴿فأصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزءين﴾.
فإذا ترك الآمر الناهي الالتفات إلى الخلق في إنكاره، وأحسن العمل بإخلاص كان الظفر له، وإن كان غير ذلك كان الخذلان والصغار والذلة والمهانة وبقي المنكر على حاله.
كما قيل:
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
تنبيه أيها الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر اعتبر، واستعن بالله في أمورك وانزجر، فإذا ظلمت فتوكل عليه واصطبر وتضرع إلى ملاك وقل: ﴿إني مغلوب فانتصر﴾ لعلك تحظى بجنات ونهر: ﴿في مقعد صدّق عند مليك مقتدر﴾.
إلهي بك يستعين المستضعف، وبك يستنصر الذليل، والى جناب عزك بلجأ المزلوم فمن غيرك ينفس خناق كرب المكروب؟ ومن سواك يجيب دعوة المضطر؟ فأنت المأمول لإزالة الشدائد وجنابك المعد لطلب الفوائد.
فصل (٣٨): استحباب طلب الآمر الناهي إعانة الله
ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر طلب إعانة الله فإذا أراد فعل ذلك أن
следующие страницы →