Полный текст (399 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أكثرهم. وهو أن اللبان يأخذ ما يحتاج إليه من اللبن، في كل يوم من الجمعة إلى الجمعة من غير اتفاق مع صاحب اللبن على ثمن معلوم ولا معاقدة شرعية؛ فيؤول أمرهم في آخر الجمعة إلى المنازعة في السعر، وتحصل الجهالة بالثمن، وذلك لا يجوز، وهذه عادة ذميمة مخالفة للشرع عمت بها البلوى، وتسرى هذه المفسدة إلى كل ما يطبخ به".
"ومنها: أن بعضهم يخضره، بأن يضع عليه ماء للسلق، وقت غليانه (أو قليل) كركم، فيتغير لونه إلى الصفرة ليوهم أنه خيره، فهذا من الغش، ولا عذر لمن يقول هذه عادة علمت بالعرف، فإن العادة المذمومة شرعًا لا تراعى، ولا يرجع إليها.
وليحذر أن يهمل تغطية أواني اللين سواءً كان فيها، أو لم يكن؛ لأن بعض الحيوانات، والحشرات يتبع الرائحة. حتى إن ربما ذوات السموم تلقي سمها في اللبن، ولا يشعر به، فيؤول ذلك إل إتلاف النفوس". نسأل الله السلامة.
"فتيعين عليه غسلها بالماء الطلق، وتنظيفها، وتغطيتها" ما أمكنه.
стр. 247
التاسع عشر: قالي الجبن.
قلت عليه أن (يفعل فيه) ما كان يصنعه الأقدمون الناصحون، وهو أن يأخذ الجبن أولاً، ويخدمه في البقوط على المقبض، ثم يعصرها عصرًا جيدًا، ويقلبه خمس، أو ست تقليبات، ويتركه يومًا وثانيًا، ثم يصلقه في ماء حار شديد الحرارة بحيث ينقلب الماء، ثم يبرده قليلاً، ويخدمه بيديه في الماجور، ثم يرفعه على فخ (حتى ينشف) ويجف، وإذا أراد قلبه شطفه مرتين، وثلاثًا بماء حلو، ثم يغلي، فإنه يخرج إلى الغاية في الحسن، واللذة، والطيب. ويكون القنطار منه طريًا على الثلث، أو النصف مقلبًا. وليحذر (أن يفعل ما يصنعه أهل) زماننا، فغنه يصلقه بماء فاتر نصف صلقة، ولا يخرج مشه، ولا ما فيه، من أذى، ثم يغليه كالقوانص ولا لذة فيه أصلاً كما هو.
ولقد أخبرني بعض العارفين منهم أنه إذا عمل على الوضع الأول الذي وصفناه؛
стр. 248
كان أقل أداء للحطب، وشربًا للشيرج وأن من يضع خلاف ذلك لا يكاد يفلح أبدًا، ولم يزل مدينًا مهينًا.
والذي أراه في ذلك للحسبة أولاً على الفلاح الجالب للجبين للبيع، فإن أصل الفساد منه لطلب الزيادة في الثمن بثقل الوزن.
فيتعين على المحتسب أن يعتبر على الفلاح، أولاً، حين قدومه البلد ما ذكرنا، ويكلفه النصح فيما عليه من ذلك، وعدم الغش فيه، ولو بالضرب، وإفساد ما [جلبه]، ويأمر القلايين بأن لا يشتروه أصلاً إذا كان بهذا الوصف، لينزجر أو لينصلح الحال - إن شاء الله تعالى - إذا فعل ذلك والله الموفق والمعين.
العشرون: قالي السمك.
قلت: عليه ألا يقلي السمك الفائت، ولا يخلطه بدقيق كثير؛ ليخفي ريحه، ويثقل وزنه، ولا يقليه بزيت حلو أو نحوه، ويوهم أنه بشيرج. وليحذر أن يزن بأحجار يسمها لنفسه، لم يحرر [كميتها] ولم يعلم مقدارها، فيزن بها ويرجح؛ فيظن المشتري أنه زاده عن حقه، وفي نفس الأمر أنه ما وفاه حقه،
стр. 249
ويحرم عليه / أن يدفع شيئًا من رد السمك لمن يعلم، أو يظن أنه يسحر به الناس، وأن يغطي آنيته من ذلك ليلاً (ونهارًا).
الحادي والعشرون: قالي البيض.
قلت: وعليه مثل الذي قبله، وألا ينقي البيض الصغار؛ فيجعله أقراصًا أو عججًا، والكبير يجعله في المبعثرة، والعجة، ونحوهما.
ولقد أخبرني بعض الثقات عن بعضهم، أنه شاهده يقسم البيض الكبير اثنين، ويجعلها قرصًا ببيضتين.
وإذا خرج عليه بيضة مذرة طرحها، ولا يستعملها في ذلك، فإن فعل فهو من الغش المحرم، وعليه بيان ذلك للمشتري؛ إن وقع منه.
الثاني والعشرون: الصياد.
يجوز له الاصطياد بجوارح السباع؛ كالكلب أسودًا أو غيره، والفهد، والنمر ونحوها. وبجوارح الطير؛ كالبازي والشاهين، والصقر، والباشق. فما
стр. 250
أخذته، وجرحته، وأدركه ميتًا، أو فيه حركة المذبوح حل أكله، ويقوم إرسال الصائد وجرح الجارح في أي موضع كان مقام الذبح في المقدور عليه.
ثم يستحب أن يمر السكين على حلقه؛ ليريحه؛ فإن لم يفعل، وتركه حتى مات، فهو حلال، وإن أدركه وفيه حياة مستقرة، ولكن تعذر عليه ذبحه من غير تقصير فحلال أيضًا؛ للعذر.
مثل أن يأخذ الآلة، ويسن السكين فيموت قبل إمكان ذبحه، وإلا فهو حرام، مثل: أن تشبث السكين من غمدها، ولم يتمكن من إخراجها حتى مات فحرام على الصحيح؛ لأن من حقه أن يستصحب غمدًا يواتيه، ولابد من قصد الصائد. فلو كان في يده سكين فسقط، وانجرح به صيد ومات فهو حرام، خلافًا لأبي إسحاق المروزي.
ولو أرسل سهمًا في الهواء، فصادف صيدًا فقتله، لم يحل على الأصح،
стр. 251
ولو رمى إلى خنزير، فلم يصادفه، وصادف غزالاً فهو حرام، على الصحيح.
الثالث والعشرون: رامي البندق.
ذكر الشيخ الإمام شيخ الإسلام محي الدين النووي في كتاب المنثورات أنه حلال، وأفتى به الشيخ تاج الدين ابن الفركاح، وهو المفهوم من كلام الرافعي.
стр. 252
ولكن قال ابن يونس في شرح التنبيه: ذكر في الذخائر أن الاصطياد بما لا حد له كالدبوس، والبندق لا يجوز، ولا يحل، لما روى البيهقي أن ابن عمر كان يقول في المقتولة بالبندقية: تلك الموقوذة، وصرح أصحابنا بان المحدد إذا قتل [بفعله] لا يحل، بل لابد من الجرح.
قالوا: فيحرم الطير إذا مات ببندقية رمى بها [خدشته] أم لا، قطعت رأسه أم لا.
стр. 253
الرابع والعشرون: الشرابي.
"وينبغي أن يكون مشهورًا بالدين، والنصيحة، وعنده معرفة بتركيب الأشربة، وصلاحها، وفسادها، وطرف صالح من الطب، ويتأنى فيما يطلب منه من الأشربة، فربما غلط هو، أو الطبيب"، و"تختبر الأشربة بطعمها، وعلامة الشراب الجيد أن يظهر فيطعم أصله؛ كأن يكون شراب ورد مثلاً، أو ليمونًا؛ فيظهر فيه طعمهما، وإن تغير لونه؛ لأنه إذا عمل على ما ينبغي جاء لونه إلى السواد غالبًا، وعمل الناس (اليوم على) خلاف ذلك.
فإنهم إنما يبيعون الأسماء؛ فيضعون القليل مثلاً من الأسطوخوجس، / أو الورد مثلاً معقودًا بالسكر والماء، ولا طعم لأصله فيه، وهذا غير نافع للمريض، فتجد الأشربة عندهم في غاية الصفاء، والرشوق، ولا نفع فيها للمريض، وهذا من الغش المذموم".
стр. 254
ولهذا قال ابن زهر: "أخبرني أبي أن والده قال: "إذا صفا شراب الصيدلاني، كدر دينه"، "وكذا يفعلون أيضًا في الأدهان؛ فإنك تسمه مثلاً بدهن البنفسج، أو دهن الورد، أو غيرهما، ولا رائحة فيه لشيء من ذلك، والواجب في كل شراب يتخذ، أن ننقع الأدوية في الماء، بحيث يخرج فيه خاصيتها، ثم ترفع على نار لينة، حتى يأخذ الماء طعم ذلك الدواء، أو رائحته، ويتغير لون الماء تغيرًا ظاهرًا، فحينئذ يصفي ويضاف إلى الصفو السكر، أو العسل، ويعد شرابًا نافعًا.
وكذلك يفعل في الأدهان".
"ويتعين على الشرابي إذا قدم عنده الشراب ألا يبيعه؛ حتى يبين للمشتري؛ لأنهم يقولون: إن الفاكهة الجديدة إذا دخلت على الأشربة، بطل عمل ما عمل بالقديمة. وكذا يقولون في العقاقير، والأدوية، وهذا في الغالب، وأما في النادر كخيار شنبر وشبهه. فإنهم يقولون: إن قديمه أحسن من جديده". "وليحذر الغش في سببه ما استطاع أكثر من العطار وغيره؛ فإن غشه يؤول إلى إزهاق النفوس، أو الزيادة في المرض أو طوله". "وينبغي له التحفظ على أوعيته، وأوانيه
стр. 255
فيصونها بالتغطية ويتفقدها وقتًا بعد وقت، سيما في زمن الحر، لكثرة هيجان الحشرات فيه. وقد يدخل فيها حيوان؛ فيموت، أو يخرج منه فضلة؛ فيتجنس أو يدخله نمل ربما أكل سمًا قاتلاً؛ فيكون سببًا لهلاك من استعمل من ذلك شيئًا، ولحدوث أمراض لم تكن من قبل ذلك. وإذا وقع له شيء من ذلك؛ لا يجوز له بيعه ويتعين عليه إراقته، وغسل الإناء منه". "وليجتنب أمورًا فاسدة منها: أن يبيع ماء اللسان البلدي؛ فإنه ممكس ويغش فيه غالبًا، ومنها أن يبيع حاجة تسمى بئر خشك يزغلها على أنها سير خشك المعروف، فإنها تشبهها في الصفة، ولا تقاومها في النفع؛ ومنها ألا يخلط الترنجيل بأشياء تشبهه في
стр. 256
الصفة، وكذا [الخولان] الهندي، وما أشبه ذلك من أنواع الغش"، وهي كثيرة في هذا السبب؛ فعليه أن يتجنبها ونسأل من الله التوفيق.
"ويتعين على أولياء الأمور أن يمنعوا اليهود والنصارى من عمل الأشربة، أو بيعها، وأن يجلسوا بالحوانيت؛ ليبيع ذلك للمسلمين؛ (فإن فيه من الغش، والمفاسد مالا يخفى على بصير؛ فإن من معتقد اليهود التدين بغش المسلمين) بل كل من حلل السبت، يباح عندهم دمه وماله.
ومن معتقد النصارى أن أموالهم طاهرة، ولا يتدينون بترك نجاسة أبدًا، إلا دم الحيض [فقط]؛ فكيف تطيب نفس عاقل على الإقدام على استعمال دواء، أو شراب يستشفي به، يكون مغشوشًا يعقب فسادًا، أو نجسًا يدخل جوفه".
الخامس والعشرون: الطبيب.
"يتعين عليه أن يكون مسلمًا، دينًا، ثقة، عارفًا مجربًا، وعليه بذل النصح، والرفق بالمريض، / وإذا علامات الموت لا بأس أن ينبه على الوصية [٣٩/أ]
стр. 257
بلطيف من القول، وله النظر إلى العورة إذا مست الحاجة، بقدر الحاجة.
وأكثر ما يؤتى الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض، واستعجاله في ذكر ما يصفه، وعدم فهمه مزاج المريض، وجلوسه لطب الناس قبل استكماله الأهلية"؛ "من الشباب وغيرهم. ولا يغتر عاقل بما معهم من الإجازات بصناعة الطب، والكحل، وغيرهما؛ فإن الشباب لم يحصل لهم كثير من الدربة والتجارب. والخطأ في هذين كثير، عظيم، إذ خطأ الطبيب بالقتل، والكحال بالعمى"، "ولقد أحسن بعض الشعراء بقوله حيث قال:
أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه … وبكحله الأحياء والبصراء
(فإذا نظرت رأيت من عميانه … أممًا على أمواته قراء)
"فيتعين على العاقل إذا احتاج لذلك، أن ينظر إلى الأصلح في الوقت من أطباء المسلمين، والكحالين في المعرفة، والتجربة، والدين. وألا يستعمل في ذلك أحدًا من (اليهود والنصارى)، فإنهم لا يرجى منهم نصح، ولا خير، بل يقطع بغشهم، وأذيتهم لمن ظفروا به من المسلمين لا يلون في ذلك جهدًا سيما إن كان كبيرًا في علمه أو دينه؛ فإنهم يتقربون بقتله ديانة.
стр. 258
ومن القاعدة في دين اليهود، أن من نصح مسلمًا فقد خرج من دينهم، وأن من حلل السبت هدر دمه، وحل سفك دمه، وأخذ ماله". "ومن البلية أنا نشاهد بعض العلماء في عصرنا ممن يقتدي بهم يستطبهم مع تحققه منهم ما ذكرناه.
ويتعللون بما لا يجدي فيقول بعضهم: أنا لا أسكن إلى قولهم، بل أرجع إلى علمي ومعرفتي، ويكون قولهم تأنيسًا لي، ومع ذلك اضطلع عليه إن كان غشا أو نصحًا.
قال بعض العلماء الموفقين: وهذا ليس بشيء لوجهين:
أحدهما: أن إخوانه من المسلمين ممن لا يعرف العلم يقتدون به في استعمالهم.
وثانيهما: إنه لا يأمن الغفلة، من أن يدسوا عليه شيئًا من الأدوية ونحوها؛ فيكون سببًا لإهلاكه وهو لا يشعر ولهم في التوصل إلى دسائس كثيرة، فمن خبث أنهم
стр. 259
لا يعطون المسلم [في] أول مرة شيئًا يضره في الظاهر من الأدوية، والعقاقير، خوفًا أن (يظهر غشهم وتنقطع) معيشتهم، ولكنهم يضيفون له ما يليق بذلك المرض، ويظهرون الصنعة فيه، والمبالغة في النصح؛ فيتعافى المريض؛ فينسبون إلى الحذق والمعرفة وتكثر طلابهم، ومع ذلك يدسوا في أثناء الحال حاجة، لا يفطن لها فيها من الضرر غالبًا، وفيها نفع من ذلك المرض، فينتعش قليلاً، ويبقى المريض بعدها مدة في صحة وعافية، ثم ينتقض عليه المرض؛ فيعود إليه الضرر في آخر الحال، وقد يدس حاجة أخرى، إن جامع بعدها، أو دخل الحمام انتكس ومات.
وإذا استعملها صح وقام من مرضه، وإذا مضى عليه مدة، عادت عليه بالضرر، وتختلف المدة في ذلك.
فمنها ما تكون سنة، وأقل وأكثر (وإذا سئل عدو الله عن ذلك / تعلل بأن هذا مرض آخر دخل عليه ليس فيه حيلة) ولو سلم منه، لعاش ويظهر الحزن (عليه، والأسف)، ثم يصف له بعد ذلك أشياء تنفع لمرضه؛ ولكنها لا تفيد بعد أن فات فيه الأمر، فينصح حيث لا ينفع نصحه؛ فإذا رأى ذلك الغمر ظن أنه من الناصحين، وهو من أكبر الغاشين ولقد أحسن من قال: [٤٣٩/ب]
стр. 260
كل العداوة قد ترجى مودتها … إلا عداوة من عاداك في الدين
فقد يستعملون النصح لبعض الناس ممن لا خطر لهم في دين ولا علم، غش منهم؛ لأنهم لم ينصحوا لما حصلت لهم الشهرة بالمعرفة بالطب، ولتعطل عليهم معاشهم، ويستعملونه أيضًا لمن يخافوه من الأمراء والأكابر، ليتسموا بالمعرفة، ويحصل لهم الحظوة عندهم (ويقدمونهم على المسلمين، ويتسلطون بذلك على قتل من أمكنهم من العلماء والصالحين) ".
وهذا مكر عظيم، وخبث ظاهر، قل من يتنبه له. نسأل الله السلامة منهم بمنه وكرمه.
السادس والعشرون: الكحال.
"وعليه مثل ما على الطبيب من الاحتياط"، قلت: ويتعين عليه أنه إذا رأى بعين إنسان ماء قد استحكم، أو نحو ذلك مما لا ينجع فيه القدح والمعالجة، وهو يعرف ذلك، ألا يأخذ منه مالاً على ذلك، ولا يقبل منه شيئًا؛ فإنه سحت، يأخذه لا في مقابلة شيء، مع ما يحصل له من المشقة، والنصب، والترداد إليه بلا فائدة.
السابع والعشرون: المزين.
وعليه مثل ما على من قبله من الاحتياط " [ومفاسده] كثيرة في الغالب إلا لمن
стр. 261
وفقه الله تعالى. فمنها مباشرته للنساء، وربما كانت وحدها فلا يحل له الخلوة بامرأة ما لم يكن معه محرم لها، أو جماعة نسوة ثقات ويغض طرفه مهما استطاع، ولا ينظر إلا لموضع الضرورة، وكذلك المرأة، وينوي بفعله ذلك القيام بفرض الكفاية، وإسقاط الحرج عن المسلمين، وإغاثة الملهوفين، والمضطرين، وإعانتهم على امتثال السنة في التداوي بإخراج الدم".
"والأولى بل الأحب أن يكون للنساء صانعة مسلمة؛ فإن تعذرت فالصبيان المأمون من المراهقين؛ فإن تعذر فالشيوخ، وكل ذلك مع عدم الخلوة، وعند الضرورة".
"ويحرم على المرأة أن تدخل المزين، أو الصانعة؛ لتفلج أسنانها، أو تجردها لتبييض، أو تحففها، أو تفعل هي ذلك بنفسها". قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنصمات للحسن المغيرات
стр. 262
خلق الله".
قال الشيخ محيي الدين النووي - رحمه الله تعالى - في شرحه لمسلم: "النامصة هي التي تزيل الشعر من الوجه، والمتنصمة هي التي تطلب فعل ذلك بها، وهذا الفعل حرام. ثم قال: "والنهي إنما هو في الحواجب، وما في أطراف الوجه.
وليحذر المزين أن يعين "ما يقصده بعض السفلة، والرعاع من جب ذكره، كما يفعله المبتدعة، ومن غلبه حب من لا يصل إليه، ممن لا يكون عقله ثابتًا، فلا يحل له مطاوعته، ولا أن يثقب أذني رجلٍ ليضع فيهما حلقتين" ونحو، ولينبه الصائغ.
الثامن والعشرون: "معلم الصبيان / في المكتب".
"ينبغي له أن أول ما يبدأ به من تعليم الصبي السور القصار من القرآن، بعد حذفه بمعرفة حروف المعجم، وضبطها بالشكل ويدرجه بذلك تلقينا، حتى يألفه طبعه، ثم يعرفه عقائد أهل السنة والجماعة، ثم أصول الحساب، وما يستحسن من المراسلات، والأشعار المستحسنة البليغة، وإذا أرادوا الرواح أمرهم بتجويد الخط على [٤٠/أ]
стр. 263
المثال، ويكلفهم عرض ما أملاه عليهم حفظًا غائبًا لا نظرًا.
ومن كان عمره فوص سبع سنين أمره بالصلاة في الجماعة، ويأمرهم ببر الوالدين، والانقياد إليهما بالسمع والطاعة، والسلام عليهما وتقبيل أديهما عند الدخول، ويضربهم على إساءة الأدب، والفحش من الكلام، وغيره من الأفعال الخارجة عن قانون الشرع، من أنواع اللعب، ولا يضرب صبياً بعصاً غليظة تكسر عظمه، ولا دقيقة تؤلم الجسم، بل تكون وسطاً؛ ويتخذ مجلاداً عريض السير، ويعتمد في الضرب على اللوايا، والأفخاذ، وأسافل الرجلين؛ لأن هذه المواضع لا يخشى منها ضرر. ولا غائلة.
ولا ينبغي له أن يستعمل أحداً منهم في حوائجه التي فيها عار على آبائهم، كنقل الزبل، وحمل الحجارة، ونحوها، ولا يرسلهم إلى داره وهي خالية لئلا تتطرق إليه التهمة، ولا يرسل صبياً مع امرأة لكتب كتاب، ولا غيره.
فإن كثيراً من الفساق يحتالون على الصبيان بذلك، ويكون السائق لهم إلى دور أهليهم ثقة أمينًا متأهلاً؛ لأنه يتسلمهم في الغدو والرواح، وينفرد بهم في الأماكن الخالية.
ولا يعلم الخط امرأةً، ولا جاريةً؛ لأن ذلك مما يزيد المرأة شراً، حتى قيل: "إن المرأة التي تتعلم الخط مثل حية تسقى سما، ويمنع الصبيان من حفظ شيء من شعر
стр. 264
ابن حجاج، والمعمار، ونحوهما من الأشعار السخيفة في الهزل، والمجون كديوان "صريع الدلاء، وابن سودون في زماننا، والأشعار التي عملها الروافض (في) أهل البيت رضوان الله عليهم. فلا يعلمهم شيئًا من ذلك، بل يضربهم عليه وينبغي له أن يكون من أكثر الناس تعظيمًا لشعائر القرآن، وهو مضطر إلى تحسين النية فيه أكثر من غيره (لأن الذي هو) حامله أصل كل خير، وهو من أعلى أعمال الآخرة؛ فيحفظ نفسه أن يجلس بنية استجلاب الرزق، وطلبًا لغرض الدنيا، فيدخل تحت الوعيد العظيم.
بل ينوي بذلك امتثال قوله ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، والمراد بالخير هنا الآخرة؛ فإنه المقدم على أعمال الآخرة كلها.
إذ به يحصل الفتح لسلوك الطريق إلى الله تعالى؛ لأن أصل ذلك كله، معرفة
стр. 265
الخط، والاستخراج، والحفظ، والضبط، والفهم للمسائل، ومفتاح ذلك كله المؤدب، فهو أول باب من التوفيق يدخله المكلف، فإذا جلس المعلم بنية أن يعلم آية لجاهل، أو يصحح صلاة مسلم بتعليمه الفاتحة، إلى غير ذلك من نفعه العام، للصغير والكبير عادت عليه بركة ذلك سرًا، وجهرًا، حسا، ومعنى.
روى القرطبي في تفسيره حديثاً / مرفوعاً: "خير الناس، وخير من [٤٠/ب] يمشي على جدير الأرض المعلمون، كلما خلق الدين جددوه أعطوهم، ولا تستأجروهم؛ فتحوجوهم؛ فإن المعلم إذا فإن المعلم إذا قال للصبي: قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كتب الله براءة للصبي، وبراءة للمعلم، وبراءة لأبويه من النار.
"وينبغي أن يكون المعلم حسن العقيدة، خشية أن ينشأ الصبي على عقيدته، وهي فاسدة، فقد وقع لكثير ذلك، فيتعين على أبي الصغير، أو وليه الفحص عن عقيدة المعلم، قبل البحث عن دينه في الفروع، ثم البحث عن دينه في الفروع.
ومن حقه ألا يعلم الأطفال شيئًا قبل القرآن، ثم بعده حديث النبي ﷺ ، ولا يتكلم معهم في العقائد؛ حتى يتأهلوا، ثم يأخذهم بعقيدة أهل السنة والجماعة، والأحوط له أن يمسك عن ذلك، وله تمكين الصبي المميز من كتابة القرآن في اللوح، وحمله، وحمل المصحف".
وينبغي له أن يكون سائر الصبيان عنده بمنزلة واحدة، وإن كان فيهم فقراء وأيتام؛ فلا يرجع ابن الغني على ابن الفقير في التربية والتعليم، وكذا ولد من أعطاء على
стр. 266
من منعه، فإن فعل ذلك، تبين صدق نيته.
وإذا كان عنده (أحد من أولاد من يتسبب بالحرام) من مكس، أو ظلم؛ فيتنزه عنه ما استطاع، ولا يأخذه، فإن أتى له به من وجه مستورٍ بالعلم؛ فلا بأس به؛ كأن يأتيه بشيء من قبل أمة، أو جدته، أو غيرهما.
وإذا أخذ العوض أن يكون بأجرة معلومة، وهو أحل ما يأكله لقوله ﵇: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله".
ويحذر أن يزيد في ذلك شيئًا من مال الصبي، ومن غير إذن وليه؛ فإنه حرام.
ويمنع الصبيان أن يأتي أحد منهم بغدائه إلى المكتب، أو فضة معه، أو فلوس، أو أن يشتري شيئًا في المكتب.
فإن (بهذا تتلف) أحوالهم، وينكسر خاطر الصغير الفقير، ويتألم قلبه لما يرى من سعة أولاد الأغنياء، بل يأمرهم بالمضي إلى بيوتهم، ليتغدوا، ويرجعوا، ففي ذلك ستر على الفقير، وتعليم الأدب للأطفال.
وينبغي له ألا يكثر الكلام مع من يمر عليه من أصحابه؛ لأن ما هو فيه أكد، وأن يكون مكتبه السوق، وبالشوارع، ونحوها في الدكاكين؛ لإظهار الشعائر، والبعد عن التهمة.
ويكره أن يكون بموضع ليس بمسلوك؛ فإن الفساد يسرع إلى الصبيان، وكثرة
стр. 267
القيل والقال، وليحذر أن يتخذه في المساجد.
قال ﷺ : "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم"؛ لأنهم ينجسون أرضها، وحصرها، ويؤذون حيطانها، ونحوها، وأن يعلم (الجميع) بنفسه إن أمكنه؛ فإن تعذر عليه، أمر بعضهم أن يقرئ بعضا بحضرته بين يديه، مع ملاحظتهم بالنظر بلا غفلة.
وقد كان السلف الصالح يقرئون أولادهم لسبع سنين، وهو زمن أمرهم بالصلاة، وتعليمها، وتعليم الآداب الشرعية، فإن الصبي (غالباً يستقل فيه) والله الموفق.
التاسع والعشرون: الناسخ
"من حقه ألا يكتب شيئًا من الكتب المضلة، ككتب أهل البدع والأهواء؛ وكتب الفلسفة، والنجوم، وما لا ينفع الله بها كسيرة، عنترة /، والبطال [٤١/أ]
стр. 268
وغيرهما من الموضوعات المختلفة التي تضيع الزمان، وليس للدين بها حاجة.
وكذلك كتب أهل المجون، من الحكايات المضحكة، والأشعار السخيفة، وما وضعوه في أصناف الجماع، وصفات الخمور، ونحوها مما يهيج المحرمات".
"فعلى الناسخ ألا يكتب شيئًا من ذلك، وإن بذل له من الأجرة أضعاف ما يعطي في نسخ كتب العلم الشرعي، ولا يبيع دينه بديناه؛ لأنه عبادة عظيمة بنسخ كتاب الله وسنة رسوله- ﷺ ، وعلوم الشرع، ولو لم يكن فيها من الفضل إلا ما ورد، أن من كتب الصلاة على النبي- ﷺ في كتب؛ بقيت الملائكة تصلي عليه، ما دامت الصلاة عليه مكتوبة في ذلك الكتاب".
"وأما ما يفعله بعض من لم يتق الله بأن يكتب عجلاً، ويحذف من أثناء الكتاب شيئًا؛ رغبة في نجازه، وهو قد استؤجر ليكتبه جملة؛ فهذا خائن لله تعالى في تضييع العلم"، "ولمصنف الكتاب في تبتيره وتصنيفه، وللذي استأجره في سرقته منه هذا القدر.
стр. 269
قال أصحابنا: لو أستأجره ليكتب شيئًا، فكتبه خطأ، أو بالعربية فكتبه بالعجمية، أو بالعكس، فعليه ضمان نقصان الورق، ولا أجرة له".
"وينبغي له أن يبين الحروف، ولا يغلق خطه، بحيث لا يفهم إلا بعسر لمن له معرفة قوية.
فقد قيل: "إن خير الخط ما قرئ". وقد عمت البلوى بذلك، في كتاب الوثائق؛ فإنهم قد اصطلحوا في ذلك على شيء لا يعرفه غيرهم، بل بضعهم لا يعرف أن يقرأ خط غيره؛ فإن لكل واحد منهم اصطلاحاً يخصه قل أن يعرفه غيره".
قلت: ولقد رأيت منهم من لا يعرف يقرأ خط نفسه؛ بأن يكون كتبه قبل ذلك ثم يجاء به إليه، وكل ذلك لا يجوز؛ "لما فيه من إضاعة حقوق الناس، وعقود أنكحة المسلمين، وبياعاتهم، ومخالفته للسنة الشريفة".
فقد ورد أن النبي- ﷺ قال لمعاوية كاتب الوحي: "ألق الدواة، وحرف القلم، وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك خلف أذنك، فإنه أذكر للمملي"
انتهى.
стр. 270
"ولأنه يحتمل أن يموت الكاتب، أو يتعذر وجوده، ولا يعرف غيره أن يقرأ خطه؛ وليحذر (من النسخ) بالخبر الذي يخرق الورق، أو ينمحي بسرعة؛ فإن فيه إضاعة مال، وإضاعة علم سيما إن كان الكتاب مما يعز وجوده، ولا ينسخ إلا على وضوء مستقبل القبلة؛ فإن شق عليه، فليكن في أول جلوسه، ويغترف له ما بعد ذلك، إن لم يكن في كتاب الله تعالى، وأن لا يماطل ويخلف مواعيده، مع كثرة الحلف، وعدم الوفاء؛ لأنه في محض عبادة فلا يشوبها بما يناقضها، وليحذر أن يأخذ النسخ من جماعة، لينسخ لهذا، ولهذا، ولا يعلم بعضهم ببعضٍ، وذلك غش ظاهر؛ لما فيه من الاستشراف، والحرص على الدنيا.
ولا ينسخ في مسجد؛ وإن كان في عبادة؛ لأنه سبب، والأسباب تنزه عنها المساجد". "وعلى من يستأجره أن يبين له عدد الأوراق، والأسطر في كل صفحة، واختلف في الخبر والأقلام، إذا لم تعين على من تكون، والأصح الرجوع إلى العادة" / والله تعالى أعلم. [٤١/ب]
الثلاثون: الوراق.
وهي من أجود الصنائع المقربة إلى الله ، إن أحسن النية فيها، لما فيها من الإعانة على كتب القرآن، والحديث، وعلوم الشرع، وغير ذلك؛ فعليه الرفق بمن يشتري الورق لكتابة ذلك، ويرجع جانبه على من يشتريه لأغراض الدنيا، أو يكتب فيه ما لا ينبغي كتابته، ككتب الظلم، والمكوسات، والعقوبات،
стр. 271
ونحوها من كتب الأكذوبات، "والحكايات المضحكة، والهزل، والمجون، فليجتنب ذلك، لئلا يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾ الآية، لأنه إن فعل ذلك، فقد فعل ما لم يقله بلسانه، ولم ينوه بقلبه، فإن قال البائع إني لا أعلم في الغالب حال: من يشتري، فالجواب أن الذي ينبغي في حق كل بائع أن يحمل المسلمين على الطهارة، والخير؛ حتى يتبين له غير ذلك".
"وليحذر من خلط الورق الخفيف بالجيد، الذي يصلح للنسخ، أو الشتوي بالصيفي، ونحو ذلك.
فإنه من التدليس، بل يكون كل نوع على حدة، ويبيع كل [نوع] منها لمن يناسبه.
وعلى معلم الوراقة أن يمنع الصناعة من عمل الورق المكتوب فيه شيء من القرآن، أو الحديث، أو نحوهما من الشرعيات، لأنهم يدوسون ذلك بأرجلهم، ويخبطونه، وذلك أعظم ما يكون من الامتهان، نسأل الله السلامة.
الحادي والثلاثون: مجلد الكتب.
"وهي صناعة دينية شريفة، لأن بها صون المصاحف، وكتب
стр. 272
الحديث، والعلوم الشرعية، وفيها جمال لها وترفيع، واحترام لشأنها، ويحتاج صاحبها إلى حسن النية، كغيره من إعانته إخوانه المسلمين، وقضاء حاجتهم".
"ويتعين عليه أن يتحفظ على عدد الكراريس، وأوراق الكتاب؛ فلا يقدمها، ولا يؤخرها عن مواضعها، ويتأنى في ذلك جهده، فإنه من النصح، وتركه غش.
وينبغي أن يكون عارفًا بالاستخراج [ليعرف] اتصال الكلام بما بعده، وله مشاركة في العلم يعرف بها ذلك، ولا يولي عملها من لا يعرف تمييز ذلك من الصناع، والصبيان؛ فيختلط على صاحبه، ومع تعبه في ذلك يأكل حرامًا، وعليه إعادة ذلك إلى الصواب، ولو وقع له مرارًا ولا يأخذ عليه إلا العوض الأول".
"وليحذر أن يبطن جلود الكتب بأوراق فيها قرآن، أو حديث، أو اسم من أسماء الملائكة أو الأنبياء ﵈ فكل ذلك لا يجوز، وإن كان من العلوم الشرعية، ونحوها، فيكره، ولا بأس أن يبطن بأوراق الحساب، والطب، والهندسة،
стр. 273
ونحوها". "ولا يجلد لأحد من أهل الأديان الباطلة، أو العقائد الفاسدة؛ لأن فيه إعانة لهم على كفرهم، وضلالهم، والمعين شريك للفاعل".
"ولا يعمل غلافًا للدواة فيها ذهب، أو فضة، لأنه لا يجوز استعمالها، ولا لظالم يغلب على ماله الحرام"، "ويتجنب المماطلة، وكثرة الحلف، والخلف في المواعيد".
الثاني والثلاثون: المذهب.
"من حقه ألا يذهب غير المصحف، وقد اختلاف الناس في تحليه المصحف بالذهب، والذي صححه الرافعي، والنووي / الفرق بين أن يكون لامرأة فيحل، أو لرجل فيحرم،
والمختار عند بعض المتأخرين أنه يحل تحليته مطلقًا، وأما غير المصحف فاتفق الأصحاب على أنه لا يجوز تحليته بالذهب".
стр. 274
الثالث والثلاثون: الصائغ.
"ينبغي له أن يحسن نيته؛ لأن ظاهر صناعته لزخرفة الدنيا؛ فينوي إعانة إخوانه المسلمين على قضاء مآربهم، وتتميم مقاصدهم المحمودة في الشرع.
فقد قال رسول الله ﷺ : "جهاد المرأة حسن التبعل".
"ومنه: الزينة وأعظمها، وأفخرها، لبس الحلي وعليه أن يتعلم أحكام الشرع المتعلقة بصناعته، لئلا يقع في الربا، ويوقع غيره، ولا يدنس نيته بما يفسدها، كأن يعمل، أو يبيع، أو يشتري، لامرأة بغية، أو متبرجة". ولا يتحدث مع امرأة إلا فيما لابد منه، مما يتعلق بحاجتها ولا يتركها تكشف شيئًا من أطرافها، إذ لا ضرورة شرعية تدعوا إليه؛ لأنه يمكنها أن تقيس (معصمها أو ساقها) بنحو خيط، ومثل ذلك يتعين عليها في الخف ونحوه، ولا تتكلم عند إلا لضرورة، وتجعل أصبعها في فمها حين تتكلم ليخش كلامها.
وهذا كله إذا عدمت من ينوب عنها في حوائجها، من زوج أو محرم، وإلا فلا يحل لها أن تخرج، فإنه فتنة لها، وللناظر إليها". وليحذر أن يصوغ شيئًا من الصور المحرمة، فإن فعله حرام يجب كسره، وتفكيكه ولا يستحق صناعه أجرة، ولا
стр. 275
يتعامل مع الناس بالربا المجمع على تحريمه شرعًا، كأن يبيع مثلًا خلخالًا، أو سوارًا، مما عمل من فضة الحجر أو فضة الحجر نفسها بالدراهم المغشوشة في هذا الزمان ويأخذون مع ذلك أجرة صياغتهم لها مضافة ثمنها، وهذا ممنوع منه أيضًا. وقد عمت البلوى به جهارًا ينادون عليه على رؤوس الأشهاد، ولا تجد منكرًا ينكره".
وينبغي له أن يرد رايع اللحام على مالكه، ولا يختلسُ شيئًا من الذهب بدل اللحام، وعليه إن فعل أن يبين ذلك لمالكه ليحالله وبالجملة، فصناعته خطرة ذميمة؛ فليتق الله ما استطاع.
стр. 276
"وقد روي عن بعض التابعين: أنه كان يوصي أخًا له يا أخي، لا تسلم ولدك في بيعتين، ولا في صنعتين، اما البيعتان فبيع الطعام، وبيع الأكفان، وأما الصنعتان فالجزار، والصواغ.
"فإن الجزار قاسي القلب، والصواغ يزخرف الدنيا بالذهب، والفضة"
الرابع والثلاثون: الصيرفي.
"عليه أن ينوي التيسير على إخوانه المسلمين بصرفه لهم الذهب، والفضة؛ ليتوسعوا بها في قضاء حاجاتهم فيحصل له أجر ذلك، ويتيقظ لذلك، ولا يسامح نفسه في شيء منه؛ لان الصرف باب ضيق"، " فلا يبيع أحد النقدين بالآخر نسيئة بل نقدًا"، "ولأجل كثرة ما يقعُ من الربا، كره التسبيب فيه جماعة من العلماء.
стр. 277
وعن الحسن البصري، الدرهُم الحلال أشد من لقاء الزحف، وأكثر أكلة الربا أهلُ الصرف".
وكان يقول: "إذا استسقيت ماءً، فسقيت من بيت صراف، فلا تشربه، وكان عبد الله بن أبي أوفى ﵁ إذا مر علي الصياؤفة / قال لهم (٤٢/ب) أبشروا بالنار".
وعن مكحول: "نهى رسول الله ﷺ عن التجارة في
стр. 278
القمح والصرف"، "وكان أصبغُ يقول: أكرهُ أن أستظل بجدار صيرفي، وقد ترك ابن (القاسم) ﵀ ميراثه من أبيه وكان مالاً كثيرًا لان أباه كان صيرفيا"، وليحذر الصيرفي من خلط أموال الناس بعضها ببعض، فيصير
стр. 279
بذلك عامة أموال الناس حرامًا، والناس لا يعلمون بذلك، فهو في ذمة الصيارف.
"ولو سلم صبي (درهماً إلى صيرفي) ينقده، لم يحل للصيرفي في رده إليه، وإنما يرده إلى وليه، ولو تلف في ي الصيرفي؛ لزمه ضمانه. ولا يجوز تولية الذمي صيرفيًا في بيت المال".
الخامس والثلاثون: شادٌ العمائر.
" من حقه الرفق بالبنائين، وألا يستعمل أحدًا فوق طاقته، ولا يجيعه، بل يمكنه من الأكل، أو يطعمه بحسب ما (يقع بالشرط) عليه، وعليه أن يطلق سراحه أوقات الصلوات، فإنها لا تدخل تحت الإجارة.
وما يعتمده بعضهم من تسخير البنائين، وإجاعتهم وإعطائهم من الأجرة دون حقهم، واستعمالهم فوق طاقاتهم. فمن أقبح المحرمات، (وأشنع الجراة على الله تعالى في خلقه) وأقبح من ذلك أنهم يعتمدون هذا في بناء المساجد
стр. 280
والمدارس، فليت شعري بأي قربة يتقربون.
السادس والثلاثون: البناء.
وصنعته لا يستغنى عنها، وهي من فروض الكفايات، فليحسن فيها نيته، من قضاء حوائج المسلمين، ومن ستر عوراتهم، وما يقيهم من حر وبرد، ولا يبني لأحد إلا ما كان بناه علي (طريقة) السلف الصالح، ومشابه له، ولا يوسع في بناء خارج عن العادة لغير ضرورة شرعية، أو زخرفة، وزيادة سرف، إلا إن أكره علي عمل ذلك، أو تدعوه إليه الضرورة". "ولا يزخرف بالذهب؛ فإنه يحرم تمويه السقوف به والجدران، وغن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار"؛ لأنه يكون معينًا على الحرام، والسرف، وإضاعة المال.
"ويتعين عليه النصح لصاحب العمل، وتوفرة المؤنة عليه مهما أمكن ولا يطلب منه من المؤن أكثر ما يحتاجه إليه؛ فيضره، وخصوصًا إن كان فقيرًا ضعيف الحال، وليحذر مما يرتكبه بعضهم؛ فإنه يُظهر أولًا لصاحب الشغل أنه لا يحتاج إلى مؤنه كثيرة، فإذا هدم، وشرع في العمل، طلب أضعاف ذلك وهذا غش محرم في شريعتنا".
стр. 281
قال رسول الله ﷺ : "من غشنا فليس منا".
لما يحصل له من ذلك، من الضرر العظيم، وتحمل المشقة، وتكليفه فوق طاقته، وربما وقفت عمارته قبل كمالها، لعدم ما ينفقه عليها، وتركبه الديون كما هو مشاهد كثيرًا، وإذا عمل (لضعيف أو فقير)، فعليه ان يتقن بناءه أكثر من بناء المتجوة "وصاحب المال الحرام بل يتأنى فيه وينصحه.
ولا يسرع بفراغه ليشتهر بالسرعة، وأنه ناصح له؛ فإن الغالب في السرعة الإخلال، وعدم الإتقان؛ فتكون (طوبة خارجة، وطوبة داخلة) عن حد الجدار، بحيث يحتاج مع ذلك إلى الترميم. وإن أغفل عنه سقط عن قريب لضعف الجدار.
وعكس هذا أيضًا مضر بصاحب العمل، وهو البُطْء في البناء، والتكاسل فيه، فيذهب الوقت وما عملوا شيئًا له له وقع ويستحقوا الأجر، والمتعين عليه الطريق الأوسط، لا إفراط ولا تفريط، مع النُصح التام" /، "وإذا كان البنِّاء مما يعمل [٤٣/أ] بالطين والجير، تحرى اعتدال قدرهما في العادة على السِّواء، ويتفقده مع ذلك، بالسقى على العادة، ولا يبنى بالجبس وأقبح من ذلك ذلك أن كثيراً من الطيانين لرغبتهم في
стр. 282
الأجر وسرعة العمل يدعوهم شخص إلى (تبيض الجدار) ونحوه، فيرونه منشقًا آيلًا إلى السقوط، فلا ينبهون صاحبه عليه؛ بل يبيضونه، ويعموا خبره على صاحبه، فيكون ذلك سببًا لوقوعه على نفسه أو النفوس، وذلك من الخيانة في الدين" نعوذُ بالله منها.
السابع والثلاثون: الدهان.
عليه ما قدمنا في البناء ألا يزخرف السقوف، والجدران بالذهب والفضة، "وألِّا يصور عليها صور حيوان، ولا آله من الآلات المحرمة، ولا على الأرض".
وأجاز بعض أصحابنا التصوير على الأرض ونحوها، مما يمتهن، والصحيح خلافه. وقد لعن رسول الله ﷺ المصورين، وقال إنهم من
стр. 283
في المذهب أنه لا يجب عليه أجرته، والحلاق مفرط، حيثُ لم يشترط قبل أن يحلق.
واختار بعضُ المتأخرين أنه يلزمه الأجر إذا جرت العادةُ بذلك، وكان القيمُ معروفًا به (وهو وجه في المذهب محكي عن كذا).
وسئل شيخُ الإسلام عز الدين بن عبد السلام: (هل يجوزُ) تدليك الأجسام، وغسل الأيدي بالعدس؟.
فأجاب: العدُس، وعليه ألا يأكل شيئًا يغير نكهته، كالبصل والثوم، ونحوهما، لئلا يتضرر النِّاس برائحته عند الحلاقة.
الأربعون: الحارسُ في الحمام.
من حقه ملاحظة ثياب الناس، استحفظ لها أم لم يستحفظ، وحكى
стр. 284
القاضي عن الأصحاب أنه لا يجب عليه إذا لم يستحفظ الحفظ.
قال: وعندي يجب للعادة، ولو سرقت الثياب من مسلخ الحمام، والحارس جالس في مكانه مستيقظ فلا ضمان عليه. وإن نام أو قام من مكانه ولم يستنب أحداً موضعه، ضمن لتفريطه.
فائدة: تتعلق بالحمام.
قال ابن سينا: الفعل الطبيعي للحمام هو التسخين بهوائه، والترتيب عبائه.
قالوا: فلبيت الأول بارد مرطب، والثاني مسخن مرخ.
والثالث /: (مسخن مجفف)، ولها منافع، ومضار.
стр. 285
أما منافعها فتوسع المسام وتستفرغ الفضلات، وتحلل الرياح، وتحبس الطبع، إذا كان سهولته عن هيضة، وتنظف الوسخ، والعرق، وتُذْهبُ الحكة والعفن، وترطب البدن، وتجيدُ اللهمَ، وتنضجُ النزلات والزكام، وتنفع من حمى يوم، والدق، والربع يوم نضج خلطها.
وأما مضارها: فترخي الجسد، وتضعف الحرارة عند طول المقام فيها، وتسقط شهوة الطعام، وتضعف الباءة.
وأعظم مضارها: صب الماء الحار على الأعضاء الضعيفة. ومن استعمالها على الخلا والريق أورثته تجفيفًا، وهز الاً، وضعفاً، وأجود ما استعملت على الشبع بعد الهضم الأول فإنها ترطب البدن وتسمنه، وتحسن بشرته. الله أعلم.
الحادي والأربعون: البابا.
من حقه أن يتعلم من الفقهاء مسائل النجاسة، وكيفية تطهيرها من الثياب،
следующие страницы →