← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36111

بذل النصائح الشرعية فيما على السلطان وولاة الأمور وسائر الرعية

أبو حامد المقدسي

Полный текст (399 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

/عدلاً، مشهوراً بالعفة، لأنه يتسلم جواري الناس وغلمانهم، وربما اختلى بهم في منزله. وينبغي ألا يبيع لأحدٍ عبداً، أو جارية، حتى يعرف البائع، أو يأتي بمن يعرفه، ويكتب اسمه وصفته في دفتره، لئلا يخرج المبيع حرًا أو مملوكاً لغيره، ولا يبيعهما إذا كانا مسلمين لكافر، إلا أن يعلم يقيناً أن المملوك ليس بمسلم، ومتى علم بالمبيع عيباً، وجب عليه بيانه للمشترى، كما قلنا. وأن يكون بصيراً بعيوب الرقيق، والدواب، خبيراً بإيتاء العلل والأمراض؛ فإذا أراد بيع غلام نظر إلى جميع جسده سوى عورته ويعتبر ذلك ويخبر به المشتري، فإن رأى وجهه حائل اللون إلى (الصفرة أو الغبرة)؛ دل على مرض، أو علة في الكبد، أو الطحال، أو بواسير أو غير ذلك. وأما القزازون فيأمرهم بحوزتهم بجودة عمل الشقة وصفاقتها، ونهاية طولها المتعارف به، وعرضها ودقة غزلها، وتنقيتها من القشرة السوداء بالحجر الأسود الخشن: ويمنعهم من دلكها بالدقيق، أو الجبصين المشوي؛ ليظهر صفاقتها، فإنه تدليس.

стр. 352

وكذا يمنعهم من نسج وجه الشقة بالغزل الجيد والمصطحب، ثم ينسج باقيها من الغليظ، أو المعقود من الهذاب؛ ويكلفهم أن يجعلوا لأجرانهم التي ينقعوا فيها الغزل أغطيةً من خشب؛ لئلا يقع فيها الكلاب وتبول، أو يغسلوها في كل يوم سبع مرات إحداهن بالتراب، عند استعمالها، ولا يمدوا سيقانهم في طرقات المسلمين، فيضروا بها المارة. وأما الخياطون: فيأمرهم بجودة التفصيل، وتحريره قبل القطع، وحسن فتح الجيب، وسعة التخاريس، واعتدال الكمين والأطراف، واستواء الذيل، والأجود أن تكون الخياطة درزاً لا شلاً، والإبرة دقيقة، والخيط يملأ الخرم قصير؛ لأنه إذا طال انتقض فيضعف، لكثرة نثره. ولا يفصل شيئاً حتى يحبسه، ويقدره، ثم يقطعه، فإن كان له قيمة كالحرير، والديباج، فلا يأخذه إلا بعد أن يزنه، وإذا خاطه رده إلى صاحبه بالوزن. ويمنعهم من سرقة ما يخيطونه من قماش الناس، فإن نهم من يحشوه وقت كفه رملاً، أو سراساً، ويسرق بقدره من الحرير إذا كان موزوناً، وأن لا يعطلوا الناس بخياطة أمتعتهم، ويكذبون كثيراً، ويتضرروا بالترداد إليهم، ويحبسونها عنهم.

стр. 353

وإذا شرطوا علبهم زمنا معلوماً كأسبوع، ونحوه، لا يتعدوا الشرط، وعلى المحتسب أن يحلف الرفايين ألا يرفوا لأحد م الفصارين أو الدقاقين ثوباً مخرقاً، إلا بحضرة صاحبه، ويأمر القلانس أن يعملوها من الخرق الجديدة، وخيوط الحرير، أو الكتان المصبوغ؛ لا من الخرق البالية المصبوغة، ويشبعونها بالأشراس والسرافة فإن ذلك تدليس محرم. وأما [القطانون]: فيأمرهم ألا يخلطوا جديد القطن بعتيقه، ولا أحمره بأبيضه، وأن يكرروا ندفه، حتى تطير منه القشرة السوداء والحب المكسر؛ لأن بقاء ذلك فيه؛ يزيد في وزنه، / وإذا طرح على لحاف، أو جبة قرضه الفأر، ولا يضعون القطن بعد ندفه في المواضع الندية، ليزيد في وزنه؛ فإذا جف قص وألا يجلسوا النساء على أبواب حوانيتهم، يتحدثون معهن لانتظار فراغ الندف، فيمنعهم من ذلك كله.

стр. 354

وأما الغزولية: فلا يخلطوا جيدها برديئها، ولا الكتان النابلسي بالمصري، فإن أجوده المصري الجيزي الناعم المورق، وأرادأه القصير الخشن، الذي يتعصف تحت الصدفة،: ويمنعهم من خلط القنداس وهو ما يخرج من السرافة الكتان الناعم بعد مشطه، فإن ذلك تدليس. وأما الحريريون: فلا يصبغون القز قبل تبيضه لئلا يتغير بعد ذلك، ويفعلونه ليزيد لهم، ومنهم من يثقل الحرير بالنشا المدبر، أو بالسمن، أو الزيت، ومنهم من يجعل في ظفره عقداً من غيره. فيعتبر عليهم ذلك. وأما الصباغون: فمنعهم من صبغ الحرير الأحمر، وغيره من الغزل، بالحنا عوضاً عن الفوة، فإنه يخرج مشرقاً، فإذا أصابته الشمس تغير لونه، وزال

стр. 355

إشراقه، ومنهم من يدلي الثياب بالعفص والزاج إذا أراد صبغها كحليا، ثم يلقيها في الخابية، فتخرج صافية اللون شديدة السواد، فإذا مضت عليها أقل مدة تغير لونها، ونقص صبغها، وأكثر الصباغين والمرندجين إذا كان في أيام اللأعياد والمواسم، يغيرون ثياب الناس، وربما يكرونها بالأجرة، لمن يلبسها ويتزين بها، وهذه خيانة وعدوان. وينبغي أن يكتبوا على ثياب الناس أسماءهم [بالحبر] لئلا تبدل وأما الأساكفة: فلا يكثرون حشو النعال من الخرق وخبز الفجل بين البشتيك، والبطانة، والنعل، والظهارة ويشدون حشو الأعقاب، ولا يسدون نعلا قد اخترق بالدبع، ولا فطيراً لم ينضج، وأن يكموا إبرام الخيط، ولا يطولونه أكثر من

стр. 356

ذراع، لئلا ينتقض برمه، ويضعف عن الجذي، ولا يخرزون بشعر خنزير، بل يجعلون عوضه ليفاً، أو شارب الثعلب، فإنه يقوم مقامه ولا يمطلوا أحداً متاعه، إلا أن يشرطوا له يوماً معلوماً، وألا يعلموا الورق، أو اللبد، ونحوه في أخفاف النساء، فيضرهم عند المشي. وأما الصيارف: فينبغي أن يعلموا أنهم على خطر عظيم في أديانهم، وإذا كان الصيرفي جاهلاً بالشريعة غير عالم بأحكام الربا، فيحرم عليه تعاطي ذلك قبل معرفته بالشرع وعلى المحتسب أن يتفقد سوقهم، ويعتبر عليهم موازينهم وصنجهم، ويتجسس عليهم فإن عثر باحد منهم رابى أو فعل في الصرف ما لا يجوز –عزره وأقامه من السوق، هذا بعد أن يعرفهم بأصول مسائل الربا، وأنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، إلا مثلا بمثل يداً بيد، فإن أخجذ زيادة على المثل، أو تفرقا قبل القبض، كان ذلك حراماً، أما بيع الذهب بالفضة، فيجوز فيه التفاضل، ويحرم فيه النسأ أي التأخير والتفرق قبل التقابض، ولا يجوز بيع الخالص بالمغشوش، ولا المغشوش بالمغشوش من الذهب والفضة كبيع / الدنانير الصورية مثلاً، أو الصورية بالصورية، أو الدراهم (الأحدية بالقروية) لوجود الجهل

стр. 357

بمقدارهما، وعدم التماثل بينهما، ولا يجوز بيع دينار صحيح بدينار قراضة قيمتيهما، ولا دينا قاساني سابوري؛ لاختلاف صنعتهما. ولا يجوز بيه دينار وثوب بدينارين. وقد يفعله بعض الصيارف والزازين على غير هذا الوجه، فيعطيه ديناراً ويجعله قرضاً، ثم يبيعه ثوباً بدينارين، فيصير له عنده ثلاثة دنانير إلى أجل معلوم، ويشهد عليه بجملتها وهذا حرام؛ لأنه قرض جر منفعة. وأنا الصاغة فيجب عليهم أيضاً أن ألا يبيعوا أواني الذهب والفضة، والحلي المصنوعة إلا بغير جنسها، ليحل فيها التفاضل والنسأ، فإن باعها بجنسها حرم فيها التفاضل والنسأ والتفرق قبل القبض، كما قدمنا وإن باع بجنسها حرم فيها التفاضل والنسأ والتفرق قبل القبض، كما قدمنا وإن باع شيئاً من الحلي المغشوشة؛ لزمه أن يعرف المشتري بمقدار ما فيها من الغش، ليدخل على بصيرة. وإذا أراد صياغة شيء فلا يسبكه في الكير إلا بحضرة صاحبه بعد تحقق وزنه، فإذا أخرجه أعاد الوزن.

стр. 358

وكذا يزن اللحام قبل إدخاله، وإذا أخرجه أعاد الوزن ولا يركب شيئاً من الفصوص على الخواتم، والحلي إلا بعد وزنها بحضرة صاحبها، "ولا يجوز بيع تراب دكاكين الصاغة ورمادها، إلا بالفلوس أو بعرض غير النقدين، فإنه لا يخلو من ذهب وفضة". وبالجملة فتدليس الصائغ وغشوشه خفية لا تكاد تعرف، ولا يصده عنها إلا أمانته ودينه، فإنهم يعرفون من الجلاوات والصباغ ما لا يعرفه غيرهم. فمنهم من يصبغ الفضة صبغاً لا يفارق الجسد إلا بعد السبك الطويل في الرواباص ثم يمزجون بها الذهب للواحد اثنين. فمن ذلك صفة تصغيره، ذكرها صاحب كتاب "نهاية الرتبة" في طلب الحسبة وهو الشيخ الإمام عبد الرحمن ابن نصر الشيرازي الشافعي فقال: يؤخذ [ساذبخ] قد شويت ودهنت على الانفراد، وراسخت قد شوى بماء المرنج المدبر سبع

стр. 359

مرات، وزاج وزنجفر مشويان بماء العقاب المحلول في القارورة، ثم يجمع بين الجميع في السحق بعد ذلك، ثم يسوى بين قدحين بماء المرنج المذكور سبع مرات، ثم بالعقاب المحلول سبع مرات، فإنه ينعقد حجراً أحمر مثل، الدم يلقى منه درهماً لي عشرة (ثم يزده) شمساً في عيار ستة عشر، فإن حل هذا الحجر الأكسير أحمر، ثم عقد القمر في عيار ستة عشر، فإن حل هذا الحجر الأكسير أحمر، ثم عقد القمر في عيار عشرين، يفرغ دنانير ويعمل منه مصبوغاً، ومنهم من يأخذ (رأس أخت) يشويه بمرارة البقر سبعاً، ثم يضيفه إلى مثله ذهباً مكلساً بصفرة الكبريت المستخرجة بالجير والقلي، الجميع بماء العقاب

стр. 360

المحلول سبعاً، ثم يدهنه بدهن زعفران الطوب سبعاً، فإنه ينعقد حجراً مثل الأول، فإن حله، وعقده صار أبلغ من الأول، يقارب المعدني، والملقى منه قيراط على درهم قمر. انتهى. فيجب على كل مسلم أن يخاف الله – ، ولا يزغل على المسلمين بهذا، ولا بغيره. وأما النحاسون: فلا يجوز لهم أن يخلطوا النحاس بالحبق / الذي يخرج من الصاغة، وسباكين الفضة عند السبك، فإنه يصلب الحديد ويزده يبساً، ولكن إذا أفرغ منه هاون أو طائه ونحوها انكسر سريعاً، ويقصف كالزجاج. وينبغي لهم (أن يمزجوا أيضًا) النحاس المكسور ومن الأواني ونحوها بالنحاس المعدني. وأما الحدادون: فلا يضربون سكيناً ولا مقصاً ونحوهما من الصلب،

стр. 361

ويبيعونه على أنه فولاذ، ولا يخلطون المسامير المحماة المطرقة بالمسامير الجديدة الضرب، فكل ذلك تدليس. وأما البياطرة: فينبغي أن يعلم أن البيطرة علم جليل سطرته الفلاسفة في كتبهم، ووضعوا فيها تصانيف، وهي أصعب علاجاً من أمراض الآدميين؛ لأن الدواب ليس لها ن طق تعبر به عما نجد، وإنما يستدل على عللها بالجس والنظر، فيفتقر البيطار إلى حذقٍ وبصيرة بعلل الدواب، وعلاجاتها، ولا يتعاطاها إلا من له دين يصده عن الهجوم عليها [بفصد، أو قطع] أو كي، وما أشبهه بغير مخبرة؛ فيؤدي إلى هلاك الدابة أو عطبها، وأن يكون خبيراً بما حدث أو يحدث فيها من العيوب، يرجع الناس إليه في ذلك إذا اختلفوا، وقد ذكر بعض الحكماء في كتاب البيطرة أن علل الدواب ثلثمائة، وعشرين علة؛ ومنها: الخناق، والخنان الرطب، والخنان اليابس، والجنون، وفساد الدماغ، والصداع والحمرة،

стр. 362

والنفخة، والورم، والمرة الهائجة، [والدببة] والحام ووجع الكبد، ووجع القلب، والدول في البطن، والمغل، والمغس، وريح السوس، والقصاع، والصدام، والسعال البارد، والسعال الحار، وانفجار الدم من الدبر، والذكر، والبجل والخلد واللقوة، والماء الحادث في العين،

стр. 363

والمتاخويا، ورخاوة الأذنين، والضرس، وغير ذلك مما يطول شرحه، وهو مذكور في كتب القوم. فتعين معرفة ذلك كله على البيطار ومعرفة علاجه، وسبب حدوث هذه العلل، فإن منها ما إذا حدث في الدابة صار عيباً دائماً، ومنها ما لم يصر عيباً دائماً، ويمكن زواله، ينبغي للبيطار أن ينظر أولاً رسغ الدابة، ويعتبر حافرها قبل تقليمه، فإن كان [أحنفاً] أو مائلاً، نسف من الجانب الآخر قدراً يحصل به الاعتدال وإن كانت الدابة قائمة يجعل المسامير المؤخرة صغاراً المقدمة كباراً، وإن كان يدها بالضد من ذلك صغر المقدمة وكبر المؤخرة، ولا يبالغ في تنسيف الحافر، فيعمر الدابة، ولا يرخي المسامير فيتحرك النعل ويدخل تحته الحصى والرمل، فيرهص، ولا يشدها على الحافر قوياً فيرص.

стр. 364

والعم أن النعال المطرقة ألزم للحافر، واللينة أثبت من الصلبة، والمسامير الرقيقة خير من الغليظة، وإذا احتاجت الدابة إلى تسريح أو فتح عرق أخذ المبضع بين إصبعه، وجعل نصابه في راحته، وأخرج من رأسه مقدار نصف ظفر، ثم يفتح العرق تعليقاً إلى فوق بخفة ورفق، ولا يضرب العرق حتى يحبسه بإصبعه، سيما عروق الأوداج، فإنها خطرة لأجل مجاورتها للمرئ فإن أراد فتح شيء من عروق الأوداج خنق الدابة خنقاً شديداً، حتى تبرز عروق / العنق، فيتمكن بعد ذلك فيما أراده. فعلى المحتسب امتحان البيطار في معرفة ذلك كله، ولا يهمله، ومراعاة فعله بدواب الناس، ولا يغفل عن ذلك. وأما قومه الحمامات: فينبغي للمحتسب أن يأمرهم بكنس الحمام، وغسلها، وتنظيفها بالماء الطاهر، غير ماء الغسالة، ويفعلون ذلك مراراً في كل يوم، ويدلكون البلاط بالأشياء الخشنة، ليزول ما لصق بها من السدر، والصابون ونحوهما، ويغسلون الخزانة من الأوساخ المجتمعة في مجاريها، والعكر الراكد في أسفلها في كل شهر مرة، لأنها إن تركت أكثر من ذلك تغير الماء فيها في الطعم والرائحة. وإذا أراد القيم الصعود إلى الخزانة ليفتح الماء إلى الأحواض يغسل رجليه بالماء

стр. 365

قبل صعوده؛ لئلا تكون رجلاه متنجسة، ولاا يسد الأنابيب بشعرالمشاطة، بل بالليف والخرق الطاهرة، ليخرج من الخلاف. ويطلق فيها البخور في كل يوم مرتين سيما وقت كنسها وغسلها. وإذا بردت الحمام، فينبغي أن تبخر بالخزامى فإن بخاره، يحمي هواءها، ويطيب رائحتها، ولا يحبس ماء الغسالات في مسيل الحمام لئلا تقوح رائحتها، ولا يمكن الأساكفة، ونحوهم يدخلون بالجلود إلى الحمام، أو ما له رائحة كريهة، ولا يجوز أن يدخلها ذو عاهة من أجذم، وأبرص، وأجرب. ويلزم الحارس فتحها وقت السحر، ليدخلها من يحتاج إلى التطهير لأجل الصلاة، وأن يحفظ ثياب الناس، فإنه إن ضاع منها شيء؛ لزمه ضمانه، على الصحيح من مذهب الشافعي إن قصر. وينبغي للحلاق أن يكون خفيف اليد، [رشيقاً] بصيراً بالحلاقة، وحديدته رطبة قاطعة، ولا يستقبل الرأس، ومنابت الشعر استقبالاً، ولا يأكل ما يغير

стр. 366

نكهته كبصل وثوم، وكراث؛ لئلا يتضرر الناس بريحه، وأن يخفف الجبين والصدعين، ولا يحلق شعر صبي إلا بإذن وليه، ولا يحلق عذراً أسود، ولا لحية مخنث، ويمنع القيم من دلوك الباقلاء، والعدس في الحمام، لأنها طعام، ولا يجوز امتهانة، ويأمره أن يخشن يديه بقشور الرمان ونحوه؛ ليخرج بهما الوسخ عن البدن، ويستلذ بها الإنسان. وعلى المحتسب لأن يتفقد الحمامات في كل يوم مراراً، ويعتبر عليهم ما ذكرناه؛ وإذا رأى أحداً قد كشف عورته عزره؛ لأن كشفها حرام، وقد لعن رسول الله ﷺ : "الناظر والمنظور إليه". فائدة: قال بعض الحكماء: خير الحمامات ما قدم بناؤه، وامتنع هواءه، وعذب

стр. 367

ماؤه، وقدر الأنان وقوده، بقدر مزاج من أراد وروده، وينبغي أن يعلم أن الفعل الطبيعي للحمام هو التسخين بهوائه، والترطيب بمائه، والحمامات الموضوعة على قانون الحكمة هي حمامات بلاد الشام، فالبيت الأول منها: مبرد مرطب، والثاني: مسخن مرطب، والثالث: مسخنٌ مجففٌ. والحمام فيه منافع ومضار: أما منافعه؛ فتوسيع المسام واستفراغ الفضلات، وتحليل الرياح، وحبس الطبع إذا كانت سهولة عن هيضة، وتنظيف الوسخ والعروق، وإذهاب الحكة، والجرب، والإعياء، وترطب البدن، وتجود الهضم، وتنضج النزلات، وتنفع من حمى يوم، ومن حمى الدق، والربع بعد نضج خلطها. وأما مضارة: فترخي الجسد، وتضعف الحرارة عند طول المقام فيه /، وتسقط

стр. 368

شهوة الطعام، وتضعف الباء، وأعظم مضارها صب الماء الحار على الأعضاء الضعيفة، وقد تستعمل على الريق والخلاء، فتجفف، وتهزل، وتضعف، وقد تستعمل على قرب العهد بالشبع فتسمن، إلا أنه يحدث منه داء، وأجود ما استعمل على الشبع بعد الهضم الأول، فإنه يرطب البدن، ويسمنه، ويحسن بشرته. وأما [الفصادون]: فينبغي ألا يتصدى للفصد إلا من اشتهرت معرفته بتشريح الأعضاء والعضل، والعروق والشرايين، وأحاط بمعرفة تراكيبها وكيفيتها، فربما يقع مبضعه في غير عرق مقصود، أو في عضلة أو شريان، فيؤدي إلى زمانة العضو وتعطيله، وربما هلك كثير من ذلك، فمن أراد تعلم الفصد فليدمن أولاً بفصد ورق السلق أعنى العروق التي في باطنها حتى تستقيم يده. وينبغي له أن يمنع نفسه من علم صناعة مهينة، تكسب أنامله صلابة، وعسر جس، وأن يراعى بصره بالأكحال المقوية، والايارجات إن احتاج إليها، ولا

стр. 369

يفصد عبداً، ولا صبياً إلا بإذن وليه وسيده، ولا حاملاً، ولا طامثاً، ولا يفصد إلا في مكان مضيء، وبآلة ماضية؛ ولا هو منزعج الجنان. وعلى المحتسب أن يأخذ عليهم العهد والميثاق أنهم لا يفصدون في عشرة أمزجة، إلا بعد مشاورة الأطباء، وهي: في السن القاصر عن الرابع عشرة، وفي سن الشيخوخة، وفي الأبدان الشديدة القصافة والشديدة السمن، والأبدان البيض المترهلة، والأبدان الصفر العديمة الدم، والتي طالت (بها الأمراض). وفي المزاج الشديد البرد، وعند الوجع الشديد. وقد نهت الأطباء أيضًا عن الفصد في خمسة أحوال: الأولى: عقب الجماع، وبعد الاستحمام. وفي حالة امتلاء المعدة والأمعاء من الثقل. وفي حال شدة الحر والبرد. وله وقتان. وقت اختيار ووقت اضطرار. أما الاختيار فهو ضحوة النهار بعد تمام الهضم والنقص، وأما الاضطرار فهو الوقت الموجب الذي لا يسع تأخيره، ولا يلتفت فيه إلى سبب [مانع]. وينبغي للمفتصد ألا يمتلئ من الطعام بعده، بل يتدرج في الغداء ويلطفه، ولا

стр. 370

يرتاض بعده، بل يميل إلى الاستلقاء، ولا يجوز النوم عقبه فإنه يحدث انكسارًا في الأعضاء؛ ومن افتصد، وتورمت يده اقتصد في اليد الأخرى، بمقدار الاحتمال، وينبغي أن يكون مع الفاصد منافع كثيرة، من ذوات الشعيرة، وغيرها، وكبة من حرير، أو خز، وشيء من آلة السقي، من خشب أو ريش، ويكون معه وبر الأرنب، ودواء الصبر والكندر، وصفته أن ياخذ من الكندر والصبر والمر، ودم الأخوين، من كل واحد جزء ومن العلفطار والزاج من كل واحد نصف جزء، يخلط ويعمل كالمرهم، ويرفعه لوقت الحاجة ويكون معه أيضًا نافجة مسك، وأقراص المسك.

стр. 371

فإذا عرض للمفصود غش بادره فألقم البضع كبة الحرير وقياه بآلة القيء، وشممه النافجة، وجرعه من أقراص المسك لتنتعش قوته، وإن حدث له / فتوق دم، من عرق أو شريان، [بادر] فحشاه بوبر الأرنب ودواء الكندر، ولا يضرب ببضع كال، فإنه كثير المضرة؛ لأنه يخطئ فلا يلحق، ويورم ويمسح رأس مبضعه بالزيت، فإنه لا يؤلم غير أنه لا يلتحم سريعاً، ويأخذ المبضع بالإبهام والوسطى، ويترك السبابة للجس، ويكون الأخذ على النصف، لئلا تضطرب يده، ولا يرفع المبضع باليد غمراً، بل بالاختلاس، ليصل طرف المبضع حشو العرق، وتوسيع المبضع في الشتاء أولى لئلا يجمد الدم، وتضييقه في الصيف لئلا يسرع إليه الغثيان ويثبت الفصد بحفظ قوة المفصود، فمن أرادها في يومه فليشق العوق موارباً، ليستلحم سريعاً وأجود البقية ما أخر يومين أو ثلاث، ومتى تغير لون الدم، أو

стр. 372

حدث غشي، أو ضعف في النبض، فيلبادر إلى شده ومسكه. قال صاحب كتاب الرتبة: لم أر في صناعة الفصد أحذق من رجلين رأيتهما بمدينة حلب، افتخر كل منهما على صاحبه. أحدهما: ليس غلالته، وشديده من فوقها، وانغمس في بركة ثم فصد يده في قعر الماء من فوق الغلالة. والثاني: مسك المبضع بإبهام رجله اليسرى، ثم فصد يده اليمنى. قال: واعلم أن العروق المفصودة كثيرة متفرقة في البدن، فعلى المحتسب أن يمتحنهم بمعرفتها، وبما يجاورها من العضل والشرايين أما التي في الرأس فعرق الجبهة، وهو المنتصب بين الحاجبين، وفصده ينفع من ثقل الرأس وثقل العينين، والصداع الدائم؛ وعرق فوق الهامة ينفع الشقيقة وقروح الرأس، والعرقان الملويان على الصدغين ينفعان من الرمد والدمعة وقروح الرأس وجرب الأجفان

стр. 373

ونتوئهما، وعرقان خلف الأذنين، يفصدان لقطع النسل، فعلى المحتسب أن يحلفهم ألا يفصدوا أحداً فيهما؛ لأن قطع النسل حرام. وعروق الشفة فصدها ينفع من قرح الفم، والقلاع وأوجاع اللثة وأورامها، والعرق الذي تحت اللسان ينفع الخوانيق وأورام اللوزتين، وأما عروق اليدين فستة، القيفال. والأكحل، والباسليق، وحبل الذراع، والأسليم، والإبطي - وهو شعبة الباسليق، وأسلم هذه العروق القيفال، ويجب أن يتنحى في فصده عن رأس العضلة إلى موضع لين ويسع بضعه إن أراد أنه بيني، أما الأكحل ففي فصده خطر عظيم، لأجل العصبة التي تحته، وربما وقعت بين عصيين، وربما كان فوقها عصبة دقيقة مدورة كالوتر؛ فيجب أن يعرف ذلك ويجتنيه.

стр. 374

وأما الباسليق: فعظيم الخطر أيضاً: لوقوع الشريان إذا بضع لم يرق دمه، وأما الأسيلم، فالأصوب أن يفصد طولاً، ويفصد حبل الذراع موارياً، وكلما انحدر في فصد الباسليق إلى الزراع كان أسلم، وأما عروق البدن، فعرقان على البطن، أحدهما موضوع على الكبد، والآخر على الطحال؛ ينفع فصد الأيمن منهما الاستسقاء والأيسر الطحال، وأما عروق الرجلين، فأربعة؛ منها عرق النساء، ويفصد / عند الجانب الوحشي من الكعب، فإن خفي (فلتفصد شعبته التي) بين الخنصر، والبنصر؛ ومنفعه فصده عظيمة سيما في النقرس، والدولي، وداء الغيل، ومنها عرق الصافن، وهو على الجانب الإنسي وهو أظهر من عروق النساء، وفصده ينفع من البواسير، ويدر دم الطمث، وينفع

стр. 375

الأعضاء التي تحت الكبد، ومنها عرق نابض الركبة، وهو مثل الصافن في النفع، ومنها العرق الذي خلف العرقوب، وكأنه شعبة من الصافن، ومنفعته مثل الصافن. وأما الشرايين المقصودة: في الغالب، فيجوز فصدها، وهي الصغار، والبعيدة من القلب، فإن هذه هي التي [يرقى] دمها إذا فصدت، وأما الشرايين الكبار القريبة الوضع من القلب، فإنه لا يرقى دمها، والتي يحوز فصدها على الأكثر شريان الصدغين، والشريان بين الإبهام، والسبابة، وقد أمر جالينوس بفصدها في المنام. وأما الحجامون: فالحجامة عظيمة المنفعة، وهي أقل خطراً من الفصد، وينبغي أن يكون الحجام خفيفاً رشيقاً، خبيراً يخف يده في الشرط، ثم يعلق المحجمة، تعليقاً خفيفاً سريع القلع، ثم يتدرج إلى إبطاء القلع والإمهال، ويمتحنه

стр. 376

المحتسب بوضع ورقة يلصقها على أخرى، ثم يأمره بشرطها، فإن تعدا المشراط كان ثقيل اليد، سيئ الصناعة؛ وعلامة حذقة وخفة يده ألا يؤلم المحجوم، وقد ذكر الحكماء أن الحجامة تكره في أول الشهر وفي آخره؛ لأنها في أوله لا (تكون الدماء) قد تحركت، ولا هاجت، وفي آخره نقصت، فلا يفيد شيئاً، ويستحب في وسط الشهر، إذا تكامل النور في حرم القمر، لأن الأخلاط تكون هائجة، والأدمغة زائدة في الإقحاف؛ وأفضلها الساعة الثانية، والثالثة من النهار، وأما منافعها على النقرة خليفة لفصد الأكحل، وتنفع من ثل الحاجبين، وجرب العينين، والبخر في الفم، غير أنها تورث النسيان، كما قال ﷺ "إن موخر الدماغ موضع الحفظ، وتضعفه الحجامة"، وعلى الكاهل خليفة

стр. 377

فصد الباسليق، وينفع من وجع المنكب والحلق، غير أنها تضعف فم المعدة، والحجامة في الأخدعين حليفة فصد القيفال، وينفع من وجع الوجه، والأسنان، والضرس، والعينين والأذنين، والحلق والأنف، ورعشة الرأس، غير أنها تحدث رعشة في الرأس، وتحت الدقن تنفع الوجه والأسنان والحلقوم، [وتنفى] الرأس، وعلى الهامة تنفع من اختلاط العقل والدوار، وتبطئ بالشيب؛ غير أنها تضر الذهن، وتورث بلها، وعلى الفخذين تنفع من وجع الخصيتين، وجراحات الساقين، وعلى الفخذين من خلف ينفع من الجراحات والأورام الحادثة في الاليتين، وعلى الساقين يقوم مقام الفصد، وتنقى الدم، وتدر الطمث. وأما المجبرون، فلا يحل لمجير يقدم ويتصدى للجبر إلا بعد أن يحكم له بمعرفة المقالة السادسة من كتاب قوانين في الجبر، / وأن يعلم عدد عظام الآدمي - وهي ماتتا [٥٦ / ب

стр. 378

عظم، وثمانية وأربعون عظماً - وصورة كل عظم منها، وشكله وقدره، حتى إذا انكسر منها شيء رده إلى موضعه، على هيئته التي كان عليها، فيمتحنهم المحتسب بمعرفة جميع ذلك. وأما الجرانحيون: فيجب عليهم معرفة كتابين عن جالينيوس أحدهما المعروف "بقاطايس" في الجراحات، والمراهم، وأن يعرفوا التشريح وأعضاء الإنسان، وما فيه من العضل، والعرق، والشرايين، والأعصاب، ليتجنب ذلك في فتح المواد وقطع البواسير، ويكون معه دست من المباضع، فيه كدورات الشعيرات، والموربات، والحرمان وفأس الجبهة، ومنشار القطع، ومجرفة الأذن، ودور السلع، ومر همدان المراهم، ودواء الكندر والقاطع للدم الذي قدمنا صفته، وقد يبهرجون على الناس بعظام تكون معهم فيدسونها في الجرح دكا، ثم يخرجونها بمحضر من الناس، ويزعمون أن أدويتهم القاطعة أخرجتها، ومنهم من يضع مراهما

стр. 379

من الكلس المغسول بالزيت، ثم يصبغ لونه أحمد بالمغرة، وأخضر بالكركم، والنيل، وأسود بالفحم المسحوق، فيعتبر عليهم العريف [جميع] ذلك. وأما الأطباء: فينبغي أن يعلم أن الطب علم نظري وعملي، أباحته الشريفة المطهرة عمله وعمله، لما فه من حفظ الصحة ورفه العلل، والأمراض عن هذه البنية الشريفة، والطبيب هو العارف يتركب البدن، ومزاج الأعضاء، والأمراض الحادثة فيها، وأسبابها وأعراضها وعلاماتها، والأدوية فيها والاعتياض عما لم يوجد، والوجه في استخراجها، وطريق مداواتها، ليساوي بين الأمراض والأدوية في كمياتها، ويخالف بينهما وبين كيفياتها، فمن لم يكن بهذه الصفة، فلا يحل له مداواة المرضي ولا يجوز الإقدام على علاج تخاطر فيه، ولا أن يتسرع إلى ما لم يحكم عمله من جميع ما ذكرناه، فقد حكوا أن ملوك اليونان كانوا يجعلون في كل مدينة حكيماً مشهوراً بالحكمة، ثم يعرضون عليه بقية أطباء البلد ليمتحنهم، فمن وجده مقطراً في علمه أمره بالاشتغال بالعلم ونهاه عن المعالجة. وينبغي إذا دخل الطبيب على المريض أن يسأله عن سبب مرضه، وعماً يجده من

стр. 380

الألم، ثم يرتب له قانوناً من الأشربة وغيرها؛ ثم يكتب نسخة بما ذكره المريض وبما رتبة له في مقابلة مرضه، ويسلم النسخة إلى أولياء المريض، بشهادة من حضر (معه عند) المريض، فإذا كان الغد حضره، ونظر إلى دائه، سأله ورتب له قانوناً على حسب مقتضى الحال، وكتب له نسخة أيضاً، ويسلمها إليهم، ثم في اليوم الثالث كذلك، ثم في الرابع وهكذا إلى أن يبرأ المريض، أو يموت فإن برئ أخذ الطبيب أجرته وكرامته، وإن مات حضر الطبيب وأولياء المريض عند الحكيم العالم المشهور في البلد، وعرضوا عليه النسخ التي كتبا لهم، فإن رآها على مقتضى الحكمة وصناعة الطب من غير تفريط، ولا تقصير من الطبيب حمدوه، وشكروا [عمله]، وأمانته، وإن رأى الأمر بخلاف ذلك، قال لهم: خذوا دية صاحبكم منه، فإنه هو الذي قتله بسوء صناعته وتفريطه. وينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهد بقراط الذي أخذه على ساتر الأطباء،

стр. 381

ويحلفهم ألا يعطوا أحداً دواء مضراً، ولا يركبون له سما، ولا يصفون السمومات عند أحد من العامة، ولا يذكرون للنساء دواء يسقط الأجنة، ولا للرجال دواء يقطع النسل، ويمتحنهم بما ذكره حنين في كتابة المعروف محنة الطبيب. وأما محنة الطبيب لجالينيوس، فلا يكاد أحد يقوم بما شرطه عليهم، [وليغضوا] أبصارهم عن المحارم إذا دخلوا على المريض، ولا يفشون الأسرار، ولا يهتكون الأستار، وأن يكون عنده جميع آلات الطب على الكمال، وهي كلبات الأضراس والعلق، ومكاري الطحال، وذرقات،

стр. 382

القولنج، وزراقات الذكر، وملزم البواسير، ومخرط المناخير، ومبخل البواسير وقالت التشمير، ورصاص التثقيل، ومفتاح الرحم، وبوار النساء، ومكمدة الحشا، وفدح الشوصة، وغير ذلك مما يحتاج إليه في صناعته. وإما الكحالون: فيمتحنهم المحتسب بكتاب "حنين بن إسحاق أعني العشر مقالات في العين، فمن وجده قيما بها، عارفاً بتشريح طبقات العين السبعة، وعدد رطوباتها الثلاثة، وأمراضها الثلاثة، وما تفرع من ذلك من الأمراض، وكان خبيراً بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير، أذن له في التصدي لمداواة أعين الناس.

стр. 383

وينبغي له ألا يفرط بشيء من آلات صنعته؛ مثل السبل [والظفرة] ومحك الجرد، وجبهة القدح، ومباضع الفصد، ودرج المكاحل، وغير ذلك. وأما كحالين الطرقات، فلا يوثق بأكثرهم، إذ لا دين لهم يصدهم عن الهجوم على أعين الناس بالقطع، والكحل، بغير علم، ومخبرة بالأمراض والعلل الحادثة؛ فلا ينبغي لأحد أن يركن إليهم، ولا يثق بأكحالهم واشيافاتهم فإن أكثرها غشٌ ضار غير نافع؛ فيحلفهم المحتسب على ذلك إذا لم يمكنه منعهم. والله سبحانه الموفق لكل خير ويقول الفقير إلى الله تعالى (جامعه رحم الله تعالى) من عرف قدراً زائداً من غشوشهم؛ أو اطلع على ما لم أذكره في هذا الكتاب من ذلك، فيلحقه بحواشيه تقرباً إلى الله تعالى جعله الله سبحانه خالصاً لوجهه الكريم، ونفعني بما جمعته فيه، وأحبائي وسائر المسلمين.

стр. 384

الخاتمة في ذكر درر ملتقطة وأداب متفرقة وختامه سؤال الله المغفرة وحسن الخاتمه

стр. 385

روي أنه ﵇ قال: "انظروا إلى من هو دونكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم". وقال ﵇: "أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم، فما يعثر منهم عاثر إلا ويده بيد الله تعالى". وقال ﵇: "لو أن الرجل كالقدح المقوم، لقال الناس فيه: لو، ولولا". وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: "أفضل الصدقة جهد المقل، وأسوأ الناس حالاً من / لا يثق بأحد لسوء ظنه، ولا يثق به أحدٌ لسوء فعله، وأصبر الناس من لا يفشى سره إلى صديقه، مخافة التقلب يوماً ما، وأعجز الناس المفرط في طلب الأخوان.

стр. 386

وقال: "انتهزوا الفرص، فإنها تمر مر السحاب، ولا تطلبوا أثرًا بعد عينٍ". وقال: "إذا أقبلت الدنيا على رجلٍ أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عن رجلٍ سلبته محاسن نفسه، قال: بين الحق والباطل أربع أصابع، فالحق أن يقول رأيت بعيني، والباطل أن يقول: سمعت بأذني وقال المستنصر بالله: والله ما ذل ذو حق، ولو اتفق العالم عليه، ولا عز ذو باطل، ولو طلع القمر في جبينه. وسئل بعضهم عن أعدل الناس؟ فقال: "أعدلهم من أنصف من نفسه، وأجور الناس من ظلم لغيره، وأكيس الناس من أخذ أهبة الأمر قبل نزوله، وأحمق الناس من باع آخرته بدنيا غيره، وأسعد الناس من ختم له في عاقبته بخير، وأشقى الناس من اجتمع عليه فقر الدنيا، وعذاب الآخرة". وقال حكيم: "لا يكون الرجل عاقلًا، حتى يكون عنده تعنيف الناصح، ألطف موقعًا، من ملق الكاشح".

стр. 387

وقال آخر: "اطلب في الدنيا العلم، والمال، تحيز الرئاسة على الناس؛ لأنهم بين خاص وعام، فالخاص: تفضله بالعلم، والعام يفضلك بالمال. وقيل لحكيم: "ما يجمع القلوب على المودة؟ قال: كف بذول، وبشر جميل، ومتى يحمد الكذب؟، قال: إذا جمعت به بين متقاطعين، ومتى يذم الصدق]؟ قال: إذا كان غيبة، ومتى يكون الصمت خيرًا من النطق؟ قال: عند المراء. وقال ابن المقفع: إن حاججت فلا تغضب فإن الغضب يقطع عنك الحجة، ويظهر عليك الخصم. وقال أفلاطون: الملك كالنهر الأعظم، يستعمل منه الأنهار الصغار، (فلإن كان) عذبًا عذبت، وإن كان مالحًا ملحت.

стр. 388

وقال آخر: ولا ينبغي أن يكون كذابًا، ولا بخيلًا، ولا حسودًا، ولا جبانًا، فإنه إن كان كذابًا، ثم وعد خيرًا لم يرج، أو وعد شرًا لم يخش، وإن كان بخيلًا لم يناصحه أحد ولا يصلح الملك، إلا بالمناصحة، وإن كان حسودًا لم يشرف أحدًا، ولا تصلح الناس، إلا بأشرافهم. وإن كان جبانًا اجترأ عليه عدوه، وضاعت ثغوره. وقال آخر: فضل الملوك في الإعطاء، وشرفهم في العفو، وعزهم في العدل. وقال أبو مسلم الخراساني: خاطر من ركب البحر، وأشد منه مخاطرة، من داخل الملوك، ومن أوصاف الملك الجميلة: حسن العهد، ومراعاة سالف المعرفة". دخل رجل من بني شيبان على معن بن زائدة فعاتبه على التأخر عنه بعد

стр. 389

الولاية، وكان صديقه قبل ذلك فقال الرجل: أبقى الله الأمير في نعمةٍ زائدةٍ، وكرامةٍ دائمةٍ، ما غاب عن العين من ذكره القلب، وما زال شوقي عظيم، وهو دون ما يجب لك علي، وذكري للكثير وهو دون قدرك، ولكن جفوة الحجاب، وقطوب الغلمان، وقلة بشرهم، يمنعني من إتيانك، فتقدم معن بتسهيل حجابه. ينبغي لمسامر السلطان ومنادمه / أن يكون فصيحًا، بليغًا، عارفًا بما يورده من الأخبار والأحاديث، مقتصرًا على ما يفيد غير متجاوز لما يريد، فليست البلاغة بكثرة الكلام، ولكنها بإصابة المعنى. قال الحجاج لابن القبعثري: ما أوجز الكلام؟ قال: أن يسرع فلا يبطئ، وأن يصيب فلا يخطئ". وينبغي لمن آنسه السلطان بمؤاكلته، وشرفه بحضور مائدته ألا ينبسط في المطعم بين يديه، ولا يشره، ولا يشبع إلا أن يكون أخًا للملك، أو قريب له، أو صديق، ولا يضع يده معه في إناءٍ واحد، وليعلم أن حظه من مؤاكلة الملك، الرتبة، والشرف، لا غيره.

стр. 390

فإن موائد الملوك للتشرف لا للسرف، وينبغي لمن يساير السلطان، أن يكون عالمًا بالطرق والمنازل، فكه الحديث، عالمًا بأخبار الناس، شديد التحرز فيما يورده، من نادرةٍ، أو مثلٍ. كان حارثة ابن زيد الغداني ذا بيان وفصاحة، وكان كثيرًا ما يساير زيادًا إذا ركب. وكان حارثة منهومًا بالشراب فعوتب زياد على الاستئثار به، فقال: كيف أطرح رجلًا يسايرني منذ دخلت العراق، فلم يصكك ركابه ركابي قط [تقدمني] فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ الشمس علي في شتاء، ولا اظل والروح في صيف، ولا سألته عن شيءٍ من العلم إلا قدرت أنه لا يحسن غيره. وينبغي للملك أن يكثر من فرش مرقده … كانت ملوك الفرس يجعلون للملك منهم أربعين فراشًا، في أربعين موضعًا مختلفةً، ليس فيها فراش يراه أحد إلا ويظن أنه فراش الملك، وأنه نائم فيه. ولا ينبغي لأحد أن يطلع على الموضع الذي ينام فيه الملك إلا الوالدان خاصةً، أما الولد وسائر الأقارب فلا.
следующие страницы →