← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36113

المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح

داود بن سليمان الهويمل

Полный текст (285 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٢ - ربما يُحمل على المجاز؛ كقولهم: بنى الأميرُ المدينةَ، أي: لما كان سبب بنائها (١)، فقَسَم أبو طلحة، أي: بقبوله الرأيَ تمَّت القِسمةُ.

стр. 142

الفصلُ الثالث مسائلُ الحروف ، وفيه مبحثان: المبحثُ الأول: الحروف العاملة المبحثُ الثاني: الحروف المُهمَلة

стр. 143

المبحثُ الأول: الحروفُ العاملة وفيه مسائلُ: مسألة أوجُه الإعراب في (لا) النافيةِ للجنس عند التَّكرار في قوله ﵇: "لا حول ولا قوة إلا بالله" (١). قال ابن الملقن: "وفي: (لا حول ولا قوة إلا بالله) خمسةُ أوجُه مشهورة: فتحُهما بغير تنوين، وفتحُهما به، وفتحُ الأول ونصبُ الثاني منونًا، وفتحُ الأول ورفعُ الثاني منونًا، وعكسُه" (٢). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن ما هو مشهورٌ من أوجُه إعرابية لـ (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وبيان ذلك فيما يلي: يُورد النحويون مسألة (لا حول ولا قوة إلا بالله) وما تحتملُه من أوجُه إعرابية عند ذكر (لا) التي لنفي الجنس عندما تأتي مكررة (٣). ويتلخصُ ما أوردوه من أوجُه فيما يلي: ١ - فتحُ الاثنين: على إعمال (لا) عملَ (إنَّ)، وعليه قراءةُ ابن كثير وأبي عمرٍو (٤)، في قوله تعالى: ﴿لَّا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خُلَّةَ وَلَا شَفَاعَةَ﴾ (٥).

стр. 144

٢ - فتحُ الأول ونصبُ الثاني: على إعمالِ (لا) الأولى عملَ (إنَّ)، وجعلِ (لا) الثانيةِ زائدةً، وعطفِ ما بعدها على محل اسم (لا) الأولى، وقدَّره الزمخشري فعلًا مضمرًا، أي: ولا أرى خلةً (١)، ومنه قولُ الشاعر (٢): لَا نَسَبَ اليَوْمَ وَلَا خُلَّةً ... إتسعَ (٣) الخَرْقُ على الراقِعِ (٤) ٣ - فتحُ الأول ورفعُ الثاني: على إعمال (لا) الأولى عملَ (إنَّ)، وإعمالِ (لا) الثانيةِ عملَ (ليس)، أو على أن تكون (لا) الثانيةُ زائدةً ويُعطف ما بعدها على محلِّ اسم (لا) الأولى، أو على أن تكون (لا) الثانيةُ مهملةً وما بعدها مرفوعًا على الابتداء، ومنه قولُ الشاعر (٥): هذَا لعَمْرُكمُ الصَّغارُ بِعَينِه ... لا أمَّ لي إِن كانَ ذاك ولا أبُ (٦) ٤ - رفعُ الاثنين: على إعمال (لا) عملَ (ليس)، أو على أن تكون (لا) مهملةً وما بعدها مرفوعًا على الابتداء، وعليه قراءةُ غير ابن كثير وأبي عمرو (٧)، في قوله تعالى: ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ (٨). ٥ - رفعُ الأول وفتح الثاني: على إعمال (لا) عملَ (ليس)، ويرى ابنُ الحاجب ضعفَ هذا الوجه؛ لعدم تطابُق الاسمين في الإعراب، لكن يعُده الرضي غيرَ ضعيف؛ إذ تطابقُ الاسمين

стр. 145

في الإعراب ليس بشرط عند توفُر شرط الإلغاء؛ وهو التكرير، بل هو في قوة رفعهما، وفي قوة فتح الأول ورفع الثاني (١)، أو على أن تكون (لا) مهملة وما بعدها مرفوعًا على الابتداء، وإعمالِ (لا) الثانية عملَ (إنَّ)، ومنه قولُ أميةَ بن أبي الصَّلت: فلا لغوٌ ولا تأثيمَ فيها ... وما فاهُوا بهِ أبدًا مُقيمُ (٢) هذه هي الأوجُه المشهورة عند النحويين، منها وجه ضعيفٌ؛ هو فتح الأول ونصب الثاني؛ إذ جاءت (لا) مع الاسم المنون، والقياسُ فتحُه بلا تنوين، وخُص هذا الوجه بالضرورة (٣)، وقد جمع ابنُ مالك هذه الأوجُه في كافيته وألفيته، فقال في الكافية الشافية (٤): وإنْ عطَفْتَ مثلَه علَيْهِ ... فالرفعَ والنصبَ انسُبَنْ إلَيْه والفتحَ أيضًا زِدْ إذا كرَّرتَ لا ... وكنتَ بالفتحِ وَسَمْتَ الأوَّلا وإنْ رفعتَه فما للثاني ... في النصبِ حَظٌّ بل له الوَجْهان وفتحُ معطوفٍ بناءً قد يَرِدْ ... بقَصْدِ تركيبٍ و (لا) لفظًا فُقِدْ وقال في ألفيته (٥): عملَ إنَّ اجعَلْ لِلَا في نكرَهْ ... مفردةً جاءتكَ أو مكررةْ فانصِبْ بها مضافًا اوْ مضارِعَهْ ... وبعد ذاك الخبرَ اذكُرْ رافِعَهْ وركِّبِ المفردَ فاتحًا كَلَا ... حولَ ولا قوةَ والثانِ اجعَلَا مرفوعًا او منصوبًا اوْ مركَّبَا ... وإنْ رفعتَ أوَّلًا لا تَنْصِبَا

стр. 146

أما ما أورده ابنُ الملقن من أوجه لـ (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فمنها وجهٌ لم أجده عند غيره (١)، وهو فتحُهما جميعًا، وقد يكونُ هذا سبقَ قلم أو تصحيفًا، والصوابُ كما لا يخفى ضمُّهما به؛ أي رفعُهما، وهو وجهٌ معروف في كتب النحو، وقد أشار المحققُ إلى ذلك (٢).

стр. 147

مسألة مجيء (في) لغير الظرفية في قوله ﵇: "والحُبُّ في الله، والبغضُ في الله؛ من الإيمان" (١). قال ابن الملقن: " (البغض في الله والحب في الله من الإيمان)، (في) هنا للسببية، أي: بسبب طاعة الله ومعصيته، كقوله ﵇: "في النفس المؤمنةِ مائةٌ من الإبل"، وكقوله في التي حبَست الهرةَ: (فدخَلت النار فيها)، أي: بسببها، وأصلُ (في) للظرفية" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (في) أصلُها للظرفية، وجاءت في هذا الحديث بمعنى السببية، وبيان ذلك فيما يلي: ذهب البصريون إلى أن (في) أصلُها للظرفية حقيقةً أو مجازًا، ولا يُثبتون غير ذلك (٣)، فالحقيقةُ في مثل قوله تعالى: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (٤)، وأما المجازُ ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥). وذهب الكوفيون (٦)، وكذا ابنُ قتيبة (٧) وابنُ مالك (٨) إلى أن (في) قد تخرجُ عن أصل وَضْعِها -وهو الظرفيةُ- إلى غيره، وأنَّ مما تخرجُ إليه التعليلَ مثلًا، فيكون المعنى في الحديث السابق: البغضُ بسبب معصية الله، والحبُّ بسبب طاعة الله؛ من الإيمان (٩). وكذا في الحديث الذي أورده ابنُ الملقن عن النبي ﷺ : "في النفس المؤمنةِ مائةٌ من

стр. 148

الإبل" (١)، فـ (في) تفيدُ التعليلَ، أي: بسبب قتلِ النفس المؤمنة، وكذلك في حديث المرأةِ التي دخلت النار في هرة (٢)، أي: بسببِ هرةٍ حبَسَتْها لا هي أطعَمَتْها ولا تركتها تأكلُ من خِشاشِ الأرض، ومنه قولُ جميلِ بُثينةَ: فليتَ رِجالًا فِيكِ قد نَذَرُوا دَمِي ... وهمُّوا بقتلي يا بُثَينَ لَقُونِي (٣) ي وبعد عرض المسألة يتضحُ أخذُ ابن الملقن بقول مَن يرى أن (في) قد تخرج عن الظرفية إلى غرضٍ آخَرَ؛ وذاك عند قوله: (في) هنا للسببية، ويرى الباحثُ صوابَ اختياره.

стр. 149

مسألة اختصاص (الباء) بخبر (ما) النافية دون الاستفهامية في قوله ﵇: "ما أنا بقارئ" (١). قال ابن الملقن: " (ما أنا بقارئ): (ما) هنا نافيةٌ، واسمُها: (أنا)، وخبرُها: (بقارئ)، والباء: زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أُحسِنُ القراءة، وقد جاء في رواية: (ما أُحْسِنُ أن أقرأ)، وغُلِّط مَن جعلها استفهاميةً؛ لدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخلُ على (ما) الاستفهامية، واحتجَّ مَن قال استفهامية بأنه جاء في روايةٍ لابن إسحاقَ: (ما أقرأ؟ )، أي: أيٌّ أقرأ؟ ولا دلالةَ فيه؛ لجواز أن تكون (ما) هنا نافية أيضًا" (٢). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن رواياتٍ ثلاثًا للحديث، وبيَّن أن (ما) في هذه الرواية (ما أنا بقارئ) نافيةٌ، وخطَّأ مَن جعلها استفهامية، وبيانُ ذلك فيما يلي: اختلف شراحُ الحديث حول معنى (ما)؛ فمنهم مَن جعلها نافيةً، ومنهم مَن جعلها استفهامية، فمَن جعلها نافية (٣) احتجَّ بقول النحويين: إن (ما) النافيةَ يكثُر دخولُ الباء على خبرها؛ لتأكيد النفي (٤). قال ابنُ مالك: وما لِـ"ما" عندَ تَمِيمٍ عَمَلُ ... لأنها حرفٌ لدَيْهِمْ مُهمَلُ وبعدُ بالبا قد يَجرُّونَ الخَبَرْ ... كغيرِهم وذا كثيرٌ اشتَهَرْ

стр. 150

ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (١). ومنه قولُ الفرزدق: لعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بِتاركِ حَقِّهِ ... ولا مُنْسِئٌ مَعْنٌ ولا مُتيَسِّرُ (٢) ومَن جعلها استفهاميةً احتجَّ برواية ابنِ إسحاقَ: "ما أقرأُ؟ " (٣)، وبما رُوي عند ابن عقبةَ في مَغازِيه (٤)، وعند البيهقي في دلائلِه (٥): "كيف أقرأُ؟ "، وأنكر العينيُّ على مَن جعل هذه الرواية نافيةً مع صريحِ الاستفهام فيها (٦). أما المنعُ من أن تكون (ما) استفهاميةً لاقتران الخبر بالباء؛ فقد جوَّز الأخفشُ أن تكون (ما) استفهاميةً مع الاقتران (٧)، ولكن ذكَر غيرُ واحد أن ذلك قليلٌ أو شاذ، فالصوابُ أن الباء زائدةٌ لتأكيد النفي (٨). وأما مَن احتج برواية ابن إسحاقَ وغيرِها، فالرواية تحتملُ الاستفهام، ولكن ما رُوي في الصحيحين يبعُد أن يكون استفهامًا؛ لاقتران الخبر بالباء، ويجوزُ أن تكون (ما) في هذه الرواية نافيةً (٩). ومما سبق يمكنُ القول بأن (ما) في (ما أنا بقارئ) و (ما أقرأ) (١٠) نافية؛ لِمَا ذُكر من توجيهٍ حول قول من قال بأنها استفهامية، وليتفق معنى الروايتين.

стр. 151

مسألة مجيء (إلا) بمعنى الواو في قوله تعالى: " ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ " (١). قال ابن الملقن: "وزعم أبو عبيدة أن (إلا) هنا بمعنى (الواو)، وهو خطأٌ عند حُذَّاق النحاة، والقولُ أنه استثناءٌ أبيَنُ، أي: لكنِ الذين ظلموا منهم، فإنهم يحُجُّون" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (إلا) في هذه الآية للاستثناء، وخطأ من قال: إنها بمعنى (الواو)، وبيان ذلك فيما يلي: اشتَهر عند النحويين أن (إلا) تكونُ للاستثناء، وجائزٌ خروجُها منه لغيره (٣)، و (إلا) في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ اختَلف أهلُ التفسير فيها؛ فمنهم مَن عدَّها للاستثناء (٤)، ومنهم مَن جعَلها بمعنى الواو (٥)، وبعضُهم جعلها بمعنى (بَعْدَ) (٦). فأما حجةُ مَن عدَّها للاستثناء؛ فلكون الاستثناءِ يقتضي إخراجَ الثاني من حكم الأول، ومعنى الآية يؤُول إلى ذلك، فالذين ظلموا هم من الناس، فتُقدر (إلا) في الآية بـ (لكن) عند البصريين، أي: لكنهم يحتجون، وبـ (بل) عند الكوفيين، أي: بل إنهم يحتجون (٧).

стр. 152

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ (١)، أي: لكنِ المظلومُ يجهرُ بالسوء، فيكون بذلك أعذرَ ممن يَبدأ بالظلم (٢). وأما مَن جعل (إلا) بمعنى (الواو)؛ فيصبحُ معنى الآية عنده: ولا الذين ظلموا؛ أي: لا يكونُ لهم حجةٌ أيضًا، فأدخلوا الثانيَ في حكم الأول، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٣)؛ أي: والذي شاء ربُّك، ويرى ابنُ جرير أن المعنى: سوى ما شاء ربك (٤). هذا، وجمهورُ النحويين لا يُجيزون مجيء (إلا) بمعنى (الواو) (٥)؛ لكون الاستثناءِ يُخرج الثانيَ من حكم الأول، والواوُ للجمع، فتُدخل الثانيَ في حكم الأول، فلا يمكنُ أن يكون أحدُهما بمعنى الآخر (٦). وأما مَن قال: إن (إلا) معناها (بَعْدَ)؛ فيصبحُ معنى الآية عنده: حجةٌ بَعْدَ الذين ظلموا. وقد وُصِف هذا الرأيُ بالغرابة والفساد والنُّكْر (٧). ومما سبق يمكنُ القول بأن الاستثناء هو أقربُ الأقوال وأبيَنُها كما وصفه ابنُ الملقن؛ لبقاء (إلا) على أصل وضعِها، ولبعدِ الخلاف حول هذا الرأي.

стр. 153

مسألة مجيء (اللام) الجارةِ بمعنى (في) الظرفيةِ في قول أحد الصحابة -رضوان الله عليهم-: "يا رسولَ الله، الذي قلتَ له آنفا: إنه من أهل النار" (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (الذي قلتَ له آنفًا: إنه من أهل النار)؛ معنى (له): فيه، قال ابنُ الشجري: اللام قد تأتي بمعنى (في)، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: فيه" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (اللام) في (له) معناها (في)، وبيان ذلك فيما يلي: اشتَهر عند النحويين خروجُ معنى حرفٍ إلى آخر إذا كان معنى الكلام الذي يدخلان فيه واحدًا أو راجعًا إليه، ولو على بُعد (٣)، وما ذكره ابنُ الملقن من مجيء (اللام) بمعنى (في)؛ قال به غيرُ واحد من النحويين (٤)، ومثلُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٥) أي: فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (٦)، أي: في حياتي.

стр. 154

مسألة (ما) النافية بين الحجازيِّين والتَّمِيميين في قوله ﵇: "يا أمةَ محمد! واللهِ ما مِن أحدٍ أَغْيَر من اللَّه أن يزنيَ عبدُه أو تزنيَ أمَتُه" (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (ما من أحد أغير من الله)، وفي مسلم: (إنْ من أحد أغير من الله) بكسر همزة (إن) وإسكانِ النون، وهو بمعنى: (ما من أحد أغير من الله)، وعلى هذا (أغيرَ) بالنصب خبر (إن) النافية، فإنها تعملُ عمل (ما) عند الحجازيين، وعلى التميمية: هو مرفوعٌ على أنه خبرُ المبتدأ الذي هو (أحد) " (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن رواية مسلم (٣): (إنْ من أحد أغير من الله)، وبيَّن أنها بمعنى (ما من أحد أغير من الله)، وذكر أن لـ (ما) النافيةِ عملَين: عند الحجازيين وعند التميميين، وبيان ذلك فيما يلي: (ما) عند الحجازيين تدخلُ على الجملة الاسمية فترفعُ الاسمَ بعدها وتنصبُ الخبر، أما عند التميميين فهي غيرُ عاملة، فيبقى ما بعدها على حاله. أما كونُها عاملةً عند الحجازيين؛ فلشَبَهِها بـ (ليس)؛ إذ أشبهتها بالدخول على الجملة الاسمية، وبالنفي، وبنفي ما في الحال، وبدخول الباء في خبرها (٤). وأما كونُ (ما) غيرَ عاملة عند التميميين، فلأنها غيرُ مختصة؛ كحرف الاستفهام الذي يدخل على الجملتين الاسميةِ والفعلية، وحقُّ غيرِ المختص ألا يعملَ، وهو القياسُ (٥).

стр. 155

ولغةُ القرآن الكريم إعمالُ (ما)؛ نحو قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (١)، وقولِه في سورة المجادلة: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (٢). ويقول سيبويه: "وبنو تميم يرفعونها إلا مَن دَرَى كيف هي في المصحف" (٣)، وبهذا فلا يُلتفت إلى قلة الشواهد النحوية، إذ لم يُحفظ إلا شاهدٌ نحوي واحد فيه نصبُ فيه خبر (ما) (٤)؛ وهو (٥): أبناؤها مُتَكنِّفونَ أباهُمُ ... حنِقُو الصُّدُورِ وما هُمُو أولادَها (٦) ويمكنُ أن تُرجَع قلةُ نقل الشواهد النحوية على لغة الحجازيين إلى اشتهارِ ذلك في لغتهم؛ كما علَّل ذلك أبو حيان (٧). وبعد دراسة المسألة يتضحُ أن ما ذكره ابنُ الملقن مقررٌ عند النحويين، ولم يقتصرْ على لغةٍ دون ما سواها.

стр. 156

مسألة التقارُض بين (على) و (عن) في قوله ﵇: "لا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ" (١). قال ابن الملقن: "وقولُه: (ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض)، الشَّفُّ: النقصان والزيادة؛ شَفَّ يَشِفُّ شَفًّا: زادَ، وأشَفَّ يُشِفُّ: إذا نقَص، والاسمُ منه الشَّفُّ والشِّفُّ. قال ابن التين: أراد في الحديث: لا تزيدوا بعضَها على بعض ولا تنقصوا، وكأن الزيادة أولى، إلَّا أنَّه عدَّاه بـ (على)، و (على) مختصةٌ بالزيادة، و (عن) مختصةٌ بالنقصان، ولا يصحُّ حملُه على النقص مع (على) إلا على مذهبِ مَن يُجيز بدلَ الحروفِ بعضِها من بعض، فيَجعلُ (على) موضعَ (عن)، وفيه بُعدٌ" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (الشف) يعني النقصان والزيادة، وبيَّن أن الزيادة أَولى؛ لمناسبةِ معنى الحرف، وبيانُ ذلك فيما يلي: كلمة (الشف) يعُدُّها أهل اللغة من الأضداد؛ إذ تحملُ معنيين متضادَّين: النقصان والزيادة (٣)، فيحتمل المعنى: (لا تزيدوا بعضها على بعض) و (لا تنقصوا)، غير أن الحرف المُعدَّى به (على) مختصٌّ بالزيادة دون النقصان، وعُبِّر به عن معنيين متضادين! . هذا، وقد اختَلَف النحويون في جوازِ حملِ معنَى حرفٍ على معنَى حرفٍ آخَر (٤). فأهلُ البصرة يرون أن (على) لا تخرجُ إلى معنًى سوى الاستعلاء، والاستعلاءُ زيادةٌ، ويعبرون عن النقص بـ (عن)، ولا يُجيزون إنابةَ حرفٍ عن حرف آخر؛ إبقاءً على أصلِ وضعِه،

стр. 157

وما ورد على خلاف ذلك فإنه يُحمل على تأويل يقبلُه اللفظُ، أو على تضمينِ الفعلِ معنَى فعلٍ آخر، وما كان غيرَ ذلك فيُحمل على الشذوذ. أما أهلُ الكوفة فيُثبتون للحرف أكثر من معنًى، ويُجيزون تناوُبَ الحروف؛ ومن ذلك مجيءُ (على) بمعنى (عن) و (عن) بمعنى (على)، ومنه قول ذي الإصبَع العَدْواني: لاهِ ابنُ عمِّكَ لا أُفضِلْتَ في حسَبٍ ... عني ولا أنت دَيَّاني فتَخْزُونِي (١) أي: لا أفضلت في حسب عليَّ، فجعل (عن) في موضع (على)؛ وذلك يدل على أن (عن) تحمل معنى الاستعلاء. ومنه قولُ القُحَيف العُقَيلي: إِذا رضِيَتْ عَليَّ بنو قُشَيرٍ ... لعمرُ اللهِ أعجبني رِضَاهَا (٢) أي: عني، وذلك يدل على أن (على) تحمل معنى المجاوزة. وفي البيتين الماضيين ناب كلُّ حرف عن أخيه، مع أن كلَّ حرف يختلف عن الآخر (٣)، وبهذا ونظائره يحتجُّ مَن يرى تناوب الحروف. ومما سبق يتضحُ أن ابن الملقن قد أوردَ ما هو مقررٌ عند النحويين، مع ترجيحه لرأي البصريين، وذلك من خلال قوله: (وفيه بُعد)، لمن يجيزُ بدلَ الحروف بعضِها من بعض.

стр. 158

مسألة دلالة (مِنْ) بين بيانِ الجِنْس والتبعيض في قول عائشة ﵂: "أولُ ما بُدئَ به رسولُ الله ﷺ مِنَ الوحيِ: الرؤيا الصالحةُ في النوم" (١). قال ابن الملقن: "وقولها: (من الوحي)؛ في (من) هنا قولان: أحدُهما: أنها لبيان الجنس، وثانيهما: للتبعيض، قال القزازُ بالأول، كأنها قالت: من جنس الوحي، وليست الرؤيا من الوحي حتى تكون (من) للتبعيض، وردَّه القاضي، وقال: بل يجوزُ أن تكون للتبعيض؛ لأنها من الوحي، كما جاء في الحديث: أنها جزءٌ من النبوة" (٢). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن معنيَين من معاني (من)، ثم أورد خلافًا بين النحويين حولهما، وبيانُ ذلك فيما يلي: اختلف النحويون حول معنى (مِنِ) الجارةِ، فمنهم مَن يرى أنها لا تكونُ إلا لابتداء الغاية (٣)، ومنهم مَن يرى أنها تخرج لمعانٍ أُخَر (٤)، واختلافُ النحويين في هذه المسألة محمولٌ على تبايُن معنى (من)، إذ هُم متفقون على أنها تأتي لمعانٍ عدة. فيرى القيرواني (٥) أن (مِن) لبيان الجنس، إذ إن الرؤيا الصالحة من جنس الوحي، والوحي أعمُّ، ومثلُ ذلك في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٦)، أي: الرجسَ الذي هو

стр. 159

الأوثان؛ والرجسُ أعم. وعلى الرأي الأول (من) لابتداء الغاية. أما القاضي عياض (١) فيَعُد (من) تبعيضيةً، وذلك لِمَا ورد في حديث النبي ﷺ : "الرؤيا الحسنةُ، من الرجل الصالح، جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (٢). أي: أن الرؤيا بعض النبوة. غير أن أبا حيان الأندلسي يرى فرقًا بين (من) التبعيضيةِ و (بعضٍ)، ويرجعُ عدمَ التفريق بينهما إلى صعوبة الأمر على قليلي التدبر من الطلبة (٣). ومما سبق يتبيَّن أن النحويين اختلفوا حول معنى (من)؛ أهي للتبعيض أم لبيان الجنس؟ ويمكن إرجاعُ هذا الخلاف إلى تقارب المعنيين. بل لقد وصَف المالَقيُّ تقارُبَ هذين المعنيين بالمعنى الخفي؛ إذ التي للتبعيض تُقدَّر بـ (بعض)، والتي لبيان الجنس تُقدر بتخصيص شيء دون غيره (٤).

стр. 160

مسألة تَكرار (لا) الناهية في قوله ﵇: "لا تَحَرَّوْا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبَها" (١). قال ابن الملقن: "و (لا) الناهية دخلت بعد الواو؛ لتفيد النهيَ عن كل منهما" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (لا) الناهيةَ قد يُنهى بها عن أمور عدة، وقد ينهى بها عن شيء بعينه، وبيان ذلك فيما يلي: مثَّل سيبويه وغيره بـ: "لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبن"، وذلك عندما أرادوا النهي عن الجمع بين اللبن والسمك، ولو أنهم أرادوا النهي عن أكل السمك على كل حال، أو شرب اللبن على كل حال لقالوا: "لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن" (٣). وعكسُ ذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ﴾ (٤)، أي: لا يسخر قومٌ من قوم، ولا يسخر نساءٌ من نساء. ومثله قولُ البُوصِيري (٥): ولا تُطع منهما خَصْمًا ولا حكمًا ... فأنت تعرفُ كيدَ الخصمِ والحكمِ (٦) أي: ولا تطع حكمًا. وبناء عليه -كما في الحديث السابق- فإن النبي ﷺ أراد أن ينهى عن تحري طلوع الشمس، وأن ينهى عن تحري غروب الشمس، بنهيين لا بنهيٍ واحد، ولو أنه أراد النهيَ عن

стр. 161

تحري الطلوع والغروب بالصلاة لقال: لا تحرَّوا بصلاتكم طلوعَ الشمس وغروبها. هذا، وقد اختلف العلماءُ في جواز حذف الفعل المجزوم على أقوال: منهم مَن يرى الاكتفاءَ بما سُمع عن العرب (١)، ومنهم من يمنعُ حذفَ المجزوم إلا ما جزم بـ (لَمَّا)؛ وذلك لفهم المعنى، ومثالُ ذلك: سرتُ إلى المدينة ولَمَّا، أي: ولما أدخلْها، وخُصت بذلك (لما) لأنها نفيُ (قد فَعَل) (٢)، ومنهم مَن يرى جوازَ حذف المجزوم إذا دَلَّ عليه دليل، كما عند ابن عصفور (٣). ومما قد يُختلف فيه: كونُ (لا) في (ولا غروبها) نافيةً، فيقال بأن (لا) نافية؛ لأنه جاء بعد (لا) اسمٌ نكرةٌ، و (لا) الناهيةُ لا تدخل إلا على الفعل المضارع. لكن يرى السهيلي أن (لا) الناهيةَ هي نافيةٌ، والجزم بعدها بلام الأمر مضمرةً قبلها حُذفت كراهةَ اجتماع لامين في اللفظ (٤). وقد عُدَّ هذا الرأي ضعيفًا (٥). ومثلُ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٦)، فـ (لا) مختلَفٌ فيها على قولين: ١ - (على النهي)، أي: لا تتعرضوا للفتنة فتصيبكم. ٢ - و (على النفي)؛ لأن الجملة صفة للفتنة، ولا حاجة إلى إضمار قول؛ لأن الجملة خبرية، أو لأن الفعل جواب الأمر (٧).

стр. 162

ومن ذلك قوله ﵇: "لا يشيرُ أحدُكم إلى أخيه بالسلاح" (١)، قال ابنُ حجر: بإثبات الياء، وهو نفيٌ بمعنى النهي، ووقع لبعضهم (لا يُشِرْ) بغير ياء، وهو بلفظ النهي، وكلاهما جائز (٢). وقال النووي: نهيٌ بلفظ الخبر، وأن هذا أبلغ من لفظ النهي (٣). وربما يقعُ الاختلافُ في (لا) أناهية هي أم نافية؛ وذلك لشبه (لا) النافية بـ (لا) الناهية (٤). والذي يترجَّحُ عندي أن (لا) في الحديث ناهية، وأنه يجوزُ حذفُ المجزوم إذا دَلَّ عليه دليل، وذلك لِمَا ثبت من الدليل في القرآن والحديث والشعر، ولِمَا فيه من الاختصار. وإنْ قيل بأن الحذف يقتضي التقدير، والأصل عدمه، فهذا صحيح (٥)، لكن وضوح المعنى هو الذي خوَّل لنا الحذف، ولو لم نقدِّر لما احتيج إليه، ومثالُ ذلك: (اضرب زيدًا إن أساء وإلا فلا)، أي: فلا تضربه إن لم يُسئ. ومن دراسة المسألة يتبيَّن أن ما ذكره ابن الملقن معروف عند النحويين، وله ما يعضده من الشواهد والسماع.

стр. 163

مسألة فتح الهمزة وكسرها في (أنْ كان ابنَ عمَّتِك) في قول الأنصاري ﵁: "أنْ كان ابنَ عمَّتِك" (١). قال ابن الملقن: "قوله: (أنْ كان ابنَ عمتِك)، هو بفتح الهمزة من (أن)، مفعولٌ من أجله، معناه: من أجل أنه ابن عمتك، كقوله تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ (٢)؛ لأن أم الزبير: صفيةُ بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله ﷺ وقوله: إنه ابن عمتك، يجوز فتحُ الهمزة وكسرها" (٣). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أنَّ الهمزة في (أنْ كان ابنَ عمتِك) مفتوحةٌ، وفي (إنَّه ابن عمتك) جائزٌ فيها الفتح والكسر، وبيان ذلك فيما يلي: لـ (إنَّ) مواضعُ تُفتح فيها الهمزة وتُكسر وجوبًا وجوازًا، ومواضعُ يُخفف التشديدُ فيها، ففي (أَن كان ابن عمتك) تفتح الهمزة وتخفف النون؛ لمجيء (أن) بمعنى: من أجل، إذ مجيئُها بهذا المعنى من المواضع التي تُفتح فيها (أن) الخفيفة (٤)، فيصبح المعنى: من أجل أنه ابن عمتك. ومثلُ ذلك في قوله تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٥) أي: لأنه كان ذا مال (٦)، وكذلك قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ (٧) أي: لأن الله آتاه الملك (٨). ومثله قولُ جميل بُثَينة:

стр. 164

أُحِبُّك أَنْ سَكنْتَ جِبالَ حِسْمَى ... وأَنْ ناسبْتَ بَثْنةَ مِن قَرِيبِ (١) أي: من أجلِ أن سكنتَ، ومن أجلِ أن ناسبت. أما الهمزة في (إنه ابن عمتك) فتُفتح الهمزة وتكسر على سبيل الجواز؛ لوقوعها في موضع التعليل، ولصحة أن يسُدَّ المصدرُ مسدَّها ومسدَّ معمولَيْها لا على سبيل الوجوب (٢)، فيصبح المعنى: (كونه ابن عمتك)، ويرى ابنُ مالك أن الكسر أجود (٣). ومثلُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾ (٤) بكسر همزة (إن) وفتحها، فبالكسر: لاستئناف الكلام، وبالفتح: للتعليل، أي: ندعوه؛ لأنه هو البر الرحيم (٥). وأما كونُ أم الزبير عمة رسول الله ﷺ فكما ورد في قوله ﵇: " ... يا أم الزبير بن العوام عمة رسول اللَّه ... " (٦). ومما سبق يتبيَّن أن ابن الملقن قد سار على ما هو مقرَّر عند النحويين.

стр. 165

مسألة مجيء (إلا) بمعنى (لكنْ) في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا﴾ (١) (٢). قال ابن الملقن: "قوله: ﴿إِلَّا خَطَئًا﴾ ظاهرُه ليس مرادًا؛ فإنه لا يسوغُ له قتلُه خطأ ولا عمدًا، لكن تقديره: لكن إن أخطأه، ولا يصح أن يكون (إلا) بمعنى الواو؛ لأنه لا يُعرف (إلا) بمعنى حرف العطف؛ ولأن الخطأ لا يُحذر؛ لأنه ليس بشيء يُقصد. وحكى سيبويه أن (إلا) تأتي بمعنى (لكنْ) كثيرًا. وقال الأصمعي وأبو عبيد: المعنى: إلا أن يقتله مخطئًا، وكذا قال الزجاج: أن معنى (أن يقتل مؤمنًا) البتة (إلا خطأ)، وهو استثناء منقطع" (٣). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (إلا) تأتي بمعنى (لكن)، ولا يصح مجيئُها بمعنى (الواو)، وبيان ذلك فيما يلي: اختلف النحويون في معنى (إلا) في هذه الآية؛ فيرى البصريون أنها بمعنى (لكن)، ولا يصح جعلُها بمعنى (الواو)، إذ الاستثناء يقتضي إخراجَ الثاني من حكم الأول، والواو تقتضي الجمعَ بينهما (٤)، ومثلُ مجيئها بمعنى (لكن) قولُه تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٥)، أي: لكن يتبعون الظن، ومثله قوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ (٦). أما الكوفيون فيرون أنها بمعنى (الواو) (٧)، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٨)،

стр. 166

ومثله قولُ المخبَّل السعدي: وأرى لها دارًا بأَغدِرةِ السـ ... ـيدان لم يَدرُسْ لها رَسْمُ إلا رمادًا هامِدًا دَفَعَتْ ... عنه الرِّياحَ خوالدٌ سُحْمُ (١) والجوابُ عن كلمات الكوفيين: أن هذا صوابٌ في التفسير خطأٌ في العربية، لأن (إلا) تُعد استثناءً منقطعًا بمعنى (لكن)، وأما مجيء (إلا) بمعنى (الواو) فإنما يكونُ في التشريك في اللفظ والمعنى، وإذا عُطف استثناءٌ على استثناء قبله، كقولك: (لي على فلان ألف إلا عشرة إلا مائة)، أي: إلا عشرة ومائة (٢). ومما سبق يتبيَّن أن مجيء (إلا) بمنزلة الواو صحيحٌ من حيث التفسير. هذا، وربما حُمل على جعل (الواو) بمعنى (إلا) في غير الموضع السابق، وإلا فخروج جنس الثاني عن الأول في الاستثناء يُعرف بالاستثناء المنقطع.

стр. 167

مسألة مجيء (مِن) للمكان والزمان في قوله ﵇: "فإن رأسَ مائة سنة منها ... " (١). قال ابن الملقن: " (فإن رأس مائة سنة منها) على أن (مِن) تكونُ لابتداء الغاية في الزمان كـ (مُذْ)، وهو مذهبٌ كوفي. وقال البصريون: لا تدخل (مِن) إلا على المكان، و (منذ) في الزمان نظير (من) في المكان، وتأولوا ما جاء على خلافه مثل قوله تعالى: ﴿امِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٢)، أي: (من أيام وجوده) كما قدَّره الزمخشري، أو (من تأسيسِ أولِ يوم) كما قدَّره أبو علي الفارسي، وضُعف بأن التأسيس ليس بمكان. ومثلُه قول عائشة: (ولم يجلس عندي مِن يومِ قيلَ ما قيل)، وقولُ أنس: (فما زلتُ أحبُّ الدُّبَّاء مِن يومئذ)، وقولُ بعض الصحابة: (مُطِرنا من الجمعة إلى الجمعة) " (٣). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (مِن) تكون لابتداء الغاية في المكان، وقد تأني للزمان، وبيانُ ذلك فيما يلي: اختلف النحويون في ظرفية (من)، فالبصريون يرون أن (مِن) لابتداء الغاية للمكان، وهي نظيرُ (منذ) في الزمان، أما الكوفيون فيرون جوازَ مجيء (من) لابتداء الغاية للزمان مع مجيئها للمكان. واحتج الكوفيون بكثرة ورود ذلك، ومثلُه ما ذكر ابنُ الملقن (٤)، مع ما يعترض لرأي البصريين من كون (من) للمكان، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ (٥)، فلو صحَّ دخول (منذ) -إذ هي للزمان- على (من) -وهي للمكان- لَوقع خلافٌ في كونها

стр. 168

للزمان أو للمكان، ولا خلاف في أن (من) في هذه الآية للزمان (١). وكذلك ما قدَّره أبو علي الفارسي (٢)، في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٣)، أي: من تأسيس أول يوم. فالتأسيس ليس بمكان، إنما مصدر مضارع للزمان فصار للزمان (٤). فالقول الأرجحُ: أن (من) تكون للزمان وللمكان، ويحددُ ذلك مقتضى السياق.

стр. 169

مسألة سقوط الهمزة قبل (أم) العاطفة في قوله ﵇: "فبِكْرًا تزوجتَ أم ثيِّبًا" (١). قال ابن الملقن: "وقوله: (فبكرًا ... ) إلى آخره، تقديرُه: أبكرًا تزوجتَ؛ لأن (أم) لا يُعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن الحرف المقدر هو همزة الاستفهام؛ لكون (أم) عطَفت ما بعدها على ما قبلها، وبيان ذلك فيما يلي: للحرف المُهمَل (أم) أقسامٌ عدة: إذ تأتي عاطفةً، وزائدةً، واستفهاميةً، وللإضراب، و (أم) في هذا الحديث عاطفةٌ؛ وذلك لأسباب منها: ١ - كونها متصلة معادلة لهمزة الاستفهام. ٢ - مجيئها بعد همزة الاستفهام. قال ابن مالك (٣): وأمْ بها اعطِفْ إثْرَ همزِ التسويةْ ... أو همزةٍ عن لفظِ أيٍّ مُغْنِيةْ فإن قيل: أين الهمزةُ التي سبقتها؟ فيُجاب عن ذلك بأنها محذوفة للعلم بها، ولعدم اللبس، قال ابنُ مالك (٤): وربما أُسقِطَتِ الهمزةُ إنْ ... كان خَفَا المعنى بحذفِها أُمِنْ ومثلُ ما حُذفت فيه الهمزة قولُه (٥):

стр. 170

لَعَمْرُك ما أدرِي وإنْ كنتُ داريًا ... بسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أم بِثَمانِ؟ (١) أي: أبسبع رمين الجمر؟ أما قولُ ابن الملقن إن (أم) لا يُعطف بها إلا بعد همزة الاستفهام، فذلك على مذهب جمهور النحويين (٢)، لكن يرى ابنُ مالك وغيره أنها تجيءُ عاطفة إن سبقتها (هل) (٣)، ومن ذلك قولُه ﵇: " .. هل تزوجتَ بكرًا أم ثيبًا .. " (٤)، ويرى صاحبُ (فيض الباري) أن ذلك مما تفرَّد به ابن مالك (٥). ويمكن تخريجُ هذا على أن (هل) مساويةٌ (للهمزة) في الدخول على الأسماء والأفعال. غير أن (الهمزة) تفرَّدت بمعادلة (أم) المتصلة، فيُطلب بها تعيينُ أحد الأمرين، و (هل) لا يطلب بها ذلك (٦). وما ذهب إليه ابنُ مالك جارٍ على طريقته في الاحتجاج بالحديث النبوي -كما سنورد ذلك لاحقًا- وأما ما ذهب إليه ابن الملقن فهو المقرر عند النحويين.

стр. 171

مسألة (أو) بين العطف والغائيَّة في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١). قال ابن الملقن: " ... فمَن قال: هو معطوف بـ (أو) على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾، فالمعنى عنده: ليقتلَ طائفةً، أو يخزيَهم بالهزيمة، أو يتوبَ عليهم، أو يعذبَهم، وقيل: (أو) هنا بمعنى (حتى) " (٢). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن أن لـ (أو) في هذه الآية معنيَين: عاطفةً وغائيَّةً، وبيان ذلك فيما يلي: اختلف المفسرون في معنى (أو) في الآية؛ فمنهم مَن جعلها عاطفة، ومنهم من جعلها بمعنى (حتى). فمَن جعلها عاطفة اعتمد على معنى الآية، أي: ما دعوتَ به يا محمد ﷺ على هؤلاء النفر، عائدةُ استجابته إلى الله وحده، لا لأحدٍ من خلقه، إن أراد أن يقتلَهم، أو يخزيَهم، أو يتوبَ عليهم فيُسْلموا، أو يعذبهم إن ماتوا كفارا (٣). قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٤). وهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (٥) (٦).

стр. 172

هذا، ويُمكنُ أن يُقال بأن (أو) تعني الإباحةَ، كما هو مقرر عند النحويين، قال ابن مالك بعد أن عدَّ حروف العطف (١): خيِّرْ أَبِحْ قسِّمْ بـ (أو) وأبِهمِ ... واشكُكْ وإضرابٌ بها أيضًا نُمِي إذ الإباحةُ يجوز فيها الجمعُ بين الأمور (٢)، فيصبح المعنى: أن الله وحده قادر على أن يجمع بين (القتل، والخزي، والتوبة، والعذاب) لقوم بعينهم. ومَن جعلها بمعنى (حتى) اعتمد على النصب بـ (أن) المضمرةِ وجوبًا بعد (أو) التي بمعنى (حتى) (٣)، قال ابنُ مالك (٤): لا فأنَ اعْمِلْ مُظهِرًا أو مُضمِرَا ... وبعد نفي كان حتما أُضمِرَا كذاك بعد (أوْ) إذا يصلحُ في ... موضعِها (حتى) أوِ (الَّا أنْ) خَفِي ومن ذلك قولُ امرئ القيس: فقلتُ له لا تبكِ عينُك إنما ... نحاولُ ملكًا أو نموتَ فنُعذَرَا (٥) أي: إلا أن نموت، وذلك في كل موضع وقعت فيه (أو) وكان يصلحُ فيه (إلا أن) أو (حتى) (٦). وبعد دراسة المسألة يتبيَّنُ أنه لا تعارُضَ من جهة النحو بين كون (أو) عاطفةً وكونِها غائيةً، أما من جهة المعنى فالصواب أن (أو) عاطفة، إذ إن الأمر لله لا لأحد من خلقه، وإلى هذا المعنى أشار ابن الملقن (٧).

стр. 173

مسألة (حتى) العاطفة في قوله ﵇: "حتى فَرْجَه بفرجِه" (١). قال ابن الملقن: "قوله: (حتى فرجَه بفرجِه)، (حتى) هنا عاطفةٌ، وهي عند النحويين لا تَعطِفُ إلا بثلاثة شروط: ١ - أن تعطف قليلًا على كثير، و ٢ - أن يكون من جنسه، و ٣ - أن يُراد به التعظيمُ أو التحقير، والقليلُ هنا الفرج، والكثيرُ الأعضاء، وهو من جنسها، والمرادُ به: التحقير، فيكون (فرجَه) منصوبًا بالعطف" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (حتى) في هذا الحديث عاطفةٌ، وبيان ذلك فيما يلي: اختلف النحويون في مجيء (حتى) عاطفة -مع قلة وردها- فَهُم على مذهبين: ١ - المشهور عند البصريين أن (حتى) تأتي للعطف (٣)، ومجيئُها عاطفةً يكون بشروط (٤)، أوردها ابنُ مالك في قوله: بعضًا بحتى اعطِفْ على كلٍّ ولا ... يكونُ إلا غايةَ الذي تَلَا (٥) ومثالُ مجيئها عاطفة قول الشاعر: قهرناكُمُ حتى الكماةَ فإنكم ... لتَخشَوننا حتى بَنِينا الأصاغِرَا (٦) ٢ - وأما الكوفيون فيُنكرون مجيئَها عاطفة، ويقولون في مثل: (جاء القومُ حتى أبوك): إن

стр. 174

(حتى) ابتدائية، ويُعربون ما بعدها على إضمار عامل (١). ومما سبق يتبيَّنُ صحةُ عدِّ (حتى) عاطفةً كما عند البصريين، أو ابتدائيةً كما عند الكوفيين، ولا تعارض بينهما، وأمَّا ما ذكره ابنُ الملقن فمقتصرٌ على رأي البصريين.

стр. 175

المبحثُ الثاني: الحروفُ المهملة وفيه مسائلُ عدة: مسألة مجيء (إلا) لغير الاستثناء في قول أبي النَّضْر: "لا يُخرجكم إلا فرارًا منه" (١). قال ابن الملقن: " (لا يخرجكم إلا فرارًا منه) كذا هو بالنصب، ويجوزُ رفعُه، واستشكلهما القرطبي؛ لأنه لا يفيد بحكمٍ، ظاهرُه أنه لا يجوزُ لأحد أن يخرج من الوباء إلا من أجل الفرار، وهذا محالٌ، وهو نقيضُ المقصود من الحديث، لا جَرَمَ قيَّده بعضُ رواة الموطأ: (الإفْرارُ منه) بهمزة مكسورة ثم فاء ساكنة، يُوهم أنه مصدر، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يُقال: أفرَّ رباعيًّا، وإنما: يقال: فَرَّ، ومصدرُه: فِرَارٌ ومَفَر، قال تعالى: ﴿أَينَ المَفَرُّ﴾ (٢)، قال جماعة من العلماء: إدخال (إلا) فيه غلطٌ، قال بعضُهم: إنها زائدة كما تُزاد (لا) في مثل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٣)، أي: أن تسجد، وقال بعضُ النحويين: (إلا) هنا للإيجاب؛ لأنها تعوض ما نفاه من الجملة، ونهاه عن الخروج، فكأنه قال: لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا، فأباح الخروجَ لغرض آخر. والأقربُ أن تكون زائدة، والصحيحُ إسقاطها كما قد صحَّ في الروايات الأخر، وقال القاضي عياض: خرَّج بعضُ محققي العربية لرواية النصب وجهًا؛ فقال: منصوبٌ على الحال، قال: فلفظة (إلا) هنا للإيجاب لا للاستثناء، قال: وتقديره: لا تخرجوا إذا لم يكن خروجُكم إلا فرارًا منه" (٤). بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن الخلاف حول (إلا) والاسمِ الذي بعدها، فمنهم مَن قال بأن وجودها

стр. 176

خطأ، ومنهم مَن قال بأنها زائدة، وآخرون قالوا بأنها للإيجاب، وأن ما بعدها إما أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا، وبيان ذلك فيما يلي: إنَّ ما صح عن رسول الله ﷺ : (فلا تخرجوا فرارًا منه) (١)، وإنما اختلف شراحُ الحديث في (إلا) من قول أبي النضر: (لا يخرجكم إلا فرارًا منه)، فَهُم على مذاهبَ ثلاثةٍ: ١ - مَن يرى أن وجودها خطأ، والصواب حذفها. ٢ - مَن يرى أنها زائدة. ٣ - مَن يرى أنها للإيجاب. فأما مَن يرى حذفَ (إلا)؛ فبُعدًا عن الإشكال الوارد بسبب وجودها -كما سيأتي- ولِمَا صح عن الرسول ﷺ بعدمها (٢). وأما مَن يراها زائدة؛ فقد اختلف في مجيء (إلا) زائدةً (٣)، قال المرادي: "هذا قسم غريب" (٤)، ومثالُ مجيئها زائدةً قولُ ذي الرمة (٥): حراجِيجُ ما تَنفَكُّ إلا مُناخةً ... على الخَسْفِ أو نَرْمِي بها بلدًا قَفْرَا (٦) أما زيادة (ألا) في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٧) فالمفسرون فيها على آراء ثلاثة: ١ - مَن يرى أنها مؤكِّدة؛ كالزجاج (٨).

стр. 177

٢ - مَن يرى زيادتها؛ كالأخفش وبعضِ نحوي البصرة والكوفة وغيرهم (١). ٣ - مَن يرى عدم زيادتها؛ لأسباب؛ منها: أ- لو كانت زائدة لما ابتُدئ بها. ب- أن زيادتها إنما تكون في النفي. ج- لعدم القول بالزيادة في القرآن. والترجيح: أن في الكلام محذوفًا تقديرُه: ما منعك من السجود فأحْوَجَك أن لا تسجد (٢). هذا، ولو لم يكن عند مَن منع زيادة (إلا) إلا الاحتجاج بالزيادة في القرآن، لكان كافيًا، ولِمَا في زيادتها من إشكال، إذ خالفت المواضعَ التي يجوزُ فيها القول بالزيادة. وأما القولُ بأن (إلا) في قول أبي النضر: (فلا يخرجكم إلا فرارًا منه) للإيجاب، ففيه نظرٌ؛ إذ الإيجابُ يكون بعد النفي والجَحْد (٣)، و (إلا) لم يسبقها نفيٌ، وإنما سبقها (لا) الناهية الجازمةُ. وإن قيل: فلم لا تُحمل (إلا) على الأصل؛ وهو الاستثناء؟ فالجواب: أن ذلك واضح من المعنى؛ إذ يكون المعنى حينئذ أن الخروج من أرض الوباء منهيٌّ عنه إلا أن يكون الخروج فرارًا، وهذا محال. هذا، ويمكن أن يُجمع بين (فرارًا منه) و (إلا فرارًا منه)، وذلك بأن تُجعل (إلا) للحصر، فيصبح المعنى: حصر الخروج المنهي عنه في الفرار، أما الخروجُ لغيره فجائز، وقال الكرماني: هذا التفسيرُ للمعلل المنهي عنه؛ وهو الفرار، وليس للنهي (٤). وأما ما قيَّده بعض رواه الموطأ (٥): (إلا الإفرار)، فهذا لحن ووهم (٦)، لأن الفعل ثلاثي لا

стр. 178

رباعي؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (١)، و (مفر) مصدر ميمي من الفعل الثلاثي (فرَّ). والذي يقول بذلك، إنما روى إلا فرارٌ منه، والتقدير إن صح: لا يُخرجكم إلَّا فرارٌ منه أي: لا تخرجوا منها الخروج الذي يخرجكموه إلَّا فرارٌ منه (٢). ورواية (فرارًا) إعرابها: مفعول مطلق، وأما رواية (إلا فرارًا) فمنصوبة على الحال (٣)، والتقدير: لا يخرجكم على هذه الحال إلا الفرار المقدر لا المحقق. ومما سبق يتبيَّن أن الصواب في قول أبي النضر هو حذف (إلا)؛ لِمَا فيها من إشكالات عند أهل اللغة، ولإفسادها للمعنى، كما وصفها بذلك القاضي عياض (٤).

стр. 179

مسألة (لا) بين الزيادة وإفادة النفي في قول زوج أبي بكر الصديق ﵁: "لا، وقرةُ عيني" (١). قال ابن الملقن: "و (لا) في قولها: (لا وقرة عيني) زائدةٌ، ويُحتمل أن تكون نافيةً، وفيه محذوف؛ أي: لا شيءَ غير ما أقول، وهو قرةُ عيني" (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن (لا) في هذا الحديث زائدة، وأورد احتمالًا بأنها نافية، وبيان ذلك فيما يلي: (لا) إذا كانت مع اليمين، فلا خلاف بين النحويين في جواز زيادتها أو حذفها (٣)، وتقديرُ اليمين: أقسم بالشيء الذي تقَرُّ به عيني، وقد تكونُ زيادتها لتوكيد النفي. وقولُ أبي بكر ﵁: وايم الله، ما كنا نأخذُ من لقمة إلا رَبَا من تحتها أكثرُ منها، مشتمِلٌ على نفي، ومجيء (لا) بعدها إنما يكون كما ذُكِر. أما كونُها نافية، فبشرط كون النفيِ غيرَ منتقض، وكون اسمها وخبرِها نكرتين، وعدمِ تقدم خبرها على اسمها، وكلُّ ذلك متحققٌ؛ غير أن ثَمَّ أمرًا قد يُضعِف هذا الرأيَ، وهو: ١ - أن اسمها وخبرها -مع لزومهما النكرة- محذوفان، كما قدَّر ذلك ابن الملقن: لا شيء غير ما أقول، وهو قرة عيني، والحذفُ إنما يكون مع الخبر كثيرًا. ٢ - أن تكرار النفي إنما يكون لزيادة تأكيده، ومجيئُها زائدة قد يكون لزيادة توكيد النفي. ٣ - ما ذكره ابن الملقن مجردُ احتمال، وما تطرَّق إليه الاحتمالُ بطَل به الاستدلال (٤). ومن خلال ذلك يمكنُ القولُ بأن جعلها زائدةً أصحُّ وأقرب؛ بُعدًا عن الخلاف، ولوجود مؤكدٍ للنفي يزول معه الإشكال.

стр. 180

مسألة جواز حذف حرف النداء في رواية في قول موسى ﵇: "ثوبي يا حجرُ" (١). قال ابن الملقن: "قوله: (ثوبي يا حجر)، هو منصوبٌ بفعلٍ مضمر؛ تقديرُه: أعطني ثوبي يا حجر، أو اترُك ثوبي، فحُذف الفعل لدلالة الحال عليه، وفي مسلم: (ثوبي حجرُ) مرتين، بإسقاط حرف النداء، وإنما نادى موسى الحجرَ نداءَ مَن يعقِلُ؛ لأنه صدَرَ عن الحجر فِعلُ مَن يعقل ... " (٢). بيان المسألة: ذكر ابن الملقن أن في رواية مسلم: (ثوبي حجرُ) (٣)، وفيه حرف محذوف وهو حرف النداء، وبيان ذلك فيما يلي: عدَّ ابن الملقن (يا) النداء حرفًا مهملًا؛ حيث جعل المنادى منصوبًا بإضمار فعل، وهذا رأيُ سيبويه وأكثرِ المحققين (٤). أما حذفُ حرف النداء، فاختلف النحويون في جوازه؛ فالبصريون يرون أن حذفَه شذوذٌ لا يقاسُ عليه، ويرى الكوفيون أن الحذف قياسٌ مطَّرِد (٥)، وهذا ما يراه ابنُ مالك بقوله: "وقولُهم في هذا أصح" (٦)، وقال في شرح هذا الحديث: "ومن شواهد الحذف مع اسم الجنس المبني للنداء: قولُ النبي ﷺ : (اشتدِّي أزمةُ تنفرجي)، وقوله ﷺ مترحمًا على موسى ﵇: (ثوبي حجرُ ثوبي حجرُ)، أراد: يا أزمةُ، ويا حجرُ، وكلامُه أفصحُ الكلام" (٧). ويرى بعضُهم أن جواز حذف حرف النداء إنما يكون مع كل اسم لا يجوزُ أن يكون
следующие страницы →