عياله يكدّ حياته من أجل راحتهم وصيانتهم، يدرأ عنهم السوء في الدين والخلق، وليست المرأة كذلك في قوة التحمل والمعاناة، لما جبلت عليه من رقة وضعف، وقديما قالوا: أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، وهو مثل يوحي بأهمية وجود راعي الأسرة وربها، ومن هنا أجمع علماء الأمة على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، مقايسة على ميراثها، ومراعاة لقوامة الرجل، ولأثره الكبير في حماية الأسرة، أو ضياعها حين تفقده، ولا غضاضة والله على المرأة في هذا، فقد ساواها ربها بالرجل في حالة القصاص، لأنها نفس معصومة كالرجل تماما في هذا، لكنها فارقته في مقدار الدية بما فضل الله بعضهم على بعض.
وقد ابتلي المسلمون في كل زمان ومكان بظهور بعض من يشذ من العلماء فيخرجون على الناس بالغرائب، ويدّعون أنهم أتوا بما لم تستطعه الأوائل، وهو كذلك لأن ما أتوا به منكر وهم يجهلون ما تجره فتاواهم واجتهاداتهم الخاطئة على المسلمين من ضياع وتفكك، ودمار للقيم، وتخريب للمجتمع المسلم، كمن يزعم أن الحجاب عادة عربية، ولم يكن حكما شرعيا تعبد الله به النساء، ومن يفتي بجواز أخذ الفوائد الربوية، والتعامل مع البنوك والمصارف، والشركات الربوية، ومن يزعم أن الغناء على أنغام المعازف حلال، ومن يزعم أنه اكتشف أن دية المرأة والرجل سواء، معتمدا على قول شاذ، ومجهّلا علماء الأمة من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وخارقا إجماعهم وما درجوا عليه، إن أمثال هؤلاء هم سرطان يسري رويدا في قضايا المسلمين المصيرية، ليبطل جملة من أحكامها، فماذا يقول إذا سئل عن علمه ماذا عمل به؟ ! ، نقل ابن قدامة ﵀ قول ابن المنذر , وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف
стр. 107
دية الرجل، وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل لقوله ﵇:
٧٠ - (في نفس المؤمنة مائة من الإبل) وهذا قول شاذ , يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي ﷺ ، فإن في كتاب عمرو بن حزم:
٧١ - (دية المرأة على النصف من دية الرجل) وهي أخص مما ذكروه وهما في كتاب واحد , فيكون ما ذكرنا مفسرا لما ذكروه مخصصا له (١).
قلت: هذا والله هو الحق، وهو خير والله من الخروج عن الإجماع فيما لو لم ترد عبارة التفسير، فإنه في العبارة الأولى أطلق النفس المؤمنة، احترازا من غير المؤمنة، وأراد الرجال، ثم عقب بما يخص المرأة ليزول اللبس الوارد في الإطلاق أولا، وإن أمثال هؤلاء يطرّقون بالشذوذ، إلى كسر سور الإجماع في يوم من الأيام نسأل الله السلامة، وهم يعلمون أن مصادر التشريع أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا غرابة فقد هاجموا نصوصا شرعية، ومن المهلكات إعجاب المرء بنفسه.
١٣/ ٥ - المبحث الثاني عشر:
شهادته باثنتين وليس مطلقا .
وانفرد الرجل بأن جعله في الشهادة يعدل امرأتين، إلا فيما لا يطلع عليه إلا النساء فشهادة المرأة الواحدة كافية، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢) وعلل ذلك بأن المرأة يعرض
стр. 108
لها النسيان، ليست كالرجل وهذا خبر قاطع لأنه من الخالق سبحانه وهو العليم بمن خلق، قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١) والمراد بالضلال سببه وهو النسيان لأن من ينسى يضل عن الحق وقد ينكره، والرجل أضبط من المرأة فيما لا تمارسه المرأة ولا تتعرض له إلا نادرا، من سائر الأحوال، فكانت شهادتها أخف ضبطا من شهادة الرجل فعززت بأخرى، والمرأة أضبط من الرجل فيما تمارسه وتتعرض له من أمور النساء، فتكفي شهادة الواحدة، ووجود امرأتين في الشهادة يقلل الوقوع في النسيان إلى حد كبير، وليس هذا نفيا لنسيان الرجل ولكنه نادر في الرجال، وليس استشهادها واردا في كل شيء، إنما هو في الأموال دون غيرها، لأن الأموال كثّر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها، وعموم البلوى بها وتكررها، فجعل فيها التوثق تارة بالكتابة، وتارة بالإشهاد، وتارة بالرهن، وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال، ولا يتوهم عاقل أن قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ (٢) يشتمل على دين المهر مع البضع، وعلى الصلح على دم العمد، فإن تلك الشهادة ليست شهادة على الدين، بل هي شهادة على النكاح، وأجاز العلماء شهادتهنّ منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهنّ للضرورة، وعلى مثل ذلك أجيزت شهادة الصبيان في الجراح فيما بينهم للضرورة (٣).
стр. 109
١٤/ ٥ - المبحث الثالث عشر:
حرمة الاستمتاع من الزوجة بالفرج في حالتي الحيض والنفاس .
وانفرد الرجل بأن الله تعالى حرّم عليه إتيان المرأة في المحيض قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) والحيض: يقال: حاضت المرأة تحيض حَيْضا ومَحِيضا، فهي حائض، وحائضة (٢) وصفه الله بأنه أذى: أي شيء يتأذى به وبرائحته، وأمر الأزواج باجتناب الزوجات في هذا الطور، وترك وطأهنّ، لا ترك المجالسة والملامسة، والنوم في الفراش الواحد، فقد كان رسول الله يجالس المرأة من نسائه وهي حائض، بل يجوز الاستمتاع بها فيما عدا الفرج أو ما دون الإزار، وقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك مع نسائه، قالت عائشة ﵂:
٧٢ - كان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض (٣)، وقالت: كان يخرج رأسه إليّ وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض (٤)، وقالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها، أمرها أن تتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك إربه، كما كان النبي ﷺ يملك إربه (٥) أي أن هذا التصرف من الرجل يحتاج منه صلابة في دينه، وإلا وقع في الحرام، وروت
стр. 110
ميمونة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه، أمرها فاتزرت وهي حائض (١) ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض، وهو معلوم من الدين بالضرورة، وقد قرئ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد والتخفيف، والطهر: انقطاع الدم، والتطهر الاغتسال منه، فالجمهور من العلماء يقولون بمنع الجماع حتى تتطهر بالماء، أخذا بقراءة التشديد، وقال غيرهم: تحل لزوجها وإن لم تغتسل، عملا بقراءة ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وقد فصّل هذا الطبري ورجّح قراءة التشديد (٢)، والجمع بين القراءتين، وهما سبعيتان صحيحتان، أن يقال: جعلت كل قراءة غاية للطهر، فقراءة التشديد جعلت الطهر انقطاع الدم، وقراءة التخفيف جعلت الطهر الغسل، ويؤيد الغاية الثانية وهي الغسل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٣) التطهر يفيد الغسل، لا مجرد توقف الدم، وهو الحق إنشاء الله.
стр. 111
١٥/ ٥ - المبحث الرابع عشر:
حرمة إتيان الزوجة في الدبر .
وانفرد الرجل بأن الله حرّم عليه إتيان المرأة في الدبر، قال تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (١) كنّى عن الجماع بالإتيان، والمراد أن يكون في القبل وهو المخلوق لذلك، وهو مكان الحرث في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٢)، وهذا يؤكد أن المباح هو القبل، هو المشبه بالأرض التي يلقى فيها البذر، وطلب الذرية لا يكون إلا في القبل تلقى فيه النطفة، ومنها يكون النسل من البنين والبنات ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٣) أي مكان الاستنبات، وهو القبل، متى شئتم من ليل أو نهار، وعلى أي صفة، ومن أي جهة أردتم، بشرط أن العمل في محل الحرث وهو القبل ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (٤) الالتزام بشرع الله وعدم تجاوزه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٥) أي: غضبه بعد الوقوع فيما حرم عليكم، ﴿وَاعْلَمُوا
стр. 112
أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ يوم الجزاء والحساب ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) بما شرع الله، الملتزمين به أمرا ونهيا، وبما وعد من الثواب، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ (٢) إشارة إلى أن من وقع فيما حرم الله، من الإتيان في زمن الحيض، أو في الدبر فعليه بالتوبة الخالصة، والله يجب التوابين ويقبل توبتهم وقوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٣) فيه إشارة إلى أن الدبر ليس محلا للطهارة، فالمتطهر يجتنبه ولا يقربه، فيكون من المحبوبين لله ، ولذلك كان الصحابة صدق الله العظيم يخشون الهلاك بالوقوع فيما حرم الله ، جاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: وما أهلكك؟ ، قال: حولت رحلي الليلة، فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٤) يقول: أقبلوا وأدبروا، واتقوا الدبر والحيضة (٥)، وروى مجاهد, قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأسأله عنها, حتى انتهى إلى هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٦) فقال
стр. 113
ابن عباس: إن هذا الحيّ من قريش, كانوا يشرحون النساء بمكة, ويتلذّذون بهنّ مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة تزوّجوا في الأنصار, فذهبوا ليفعلوا بهنّ كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة, فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه، فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ , فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ إن شئت فمقبلة وإن شئت فمدبرة وإن شئت فباركة وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث, يقول: ائت الحرث من حيث شئت (١) وقال رسول الله ﷺ :
٧٣ - (إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن) (٢) هذا هو الحق، والباطل ما سواه، ولم تثبت نسبة استعمال الدبر إلى ابن عمر ﵄، وإن قال به البعض فهو خطأ منهم وعدم توفيق إلى الصواب، وقد ورد في هذا وعيد شديد من طرق يقوي بعضها بعضا منها قوله: ﷺ
٧٤ - (إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه) (٣)، وقوله:
٧٥ - (ملعون من أتى امرأته في دبرها) (٤) وتعددت ألفاظه عند النسائي ومنها:
٧٦ - (من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر) (٥) وقوله:
стр. 114
٧٧ - (من أتى امرأة حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (١)، وورد من قول أبي هريرة ﵁: "إتيان النساء والرجال في أدبارهن كفر" (٢).
١٦/ ٥ - المبحث الخامس عشر:
الولاية العامة والخاصة .
وأنفرد الرجل في الإسلام بحق الولاية العامة والخاصة، ولم يحدث في الإسلام أن تولت امرأة شأن المسلمين، ولو كان ذلك حقا لأظهره رسول الله ﷺ ولو مرة واحدة لبيان الجواز فضلا عن أن يكون حقا للمرأة، ولم يولّ رسول الله ﷺ امرأة ولاية خاصة ولا عامة، كل الغزوات ولاّها الرجال، ولم يستخلف امرأة على شأن من شئون المسلمين، لا حضرا ولا سفرا، فلو كانت الولاية جائزة للمرأة في الإسلام، ما ولّى رسول الله ﷺ عليا على المدينة لمّا خرج إلى تبوك، وقد قال عليّ ﵁: أتخلّفني في الصبيان والنساء؟ ، فقال رسول الله ﷺ :
٧٨ - (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه ليس نبي بعدي) (٣) المراد أنه استخلف عليا ﵁ كما استخلف موسى ﵇ هارون ﵇ على بني إسرائيل، والفارق بينهما أنه لا نبي بعد نبينا محمد ﷺ ، مع أن عليا ﵁ له أثر عظيم في القتال، فرجّح رسول الله ﷺ استخلافه على المدينة، مع وجود النساء الفاضلات: فاطمة بنت رسول الله أم الحسن والحسين، زوج علي ﵃، وعائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، زوج رسول
стр. 115
الله ﷺ ، العالمة الفقيهة، وغيرهما كثير، فلو كانت الولاية جائزة للمرأة لكانت فاطمة أو عائشة أو غيرهما من النساء أولى من عليّ ﵁ بالاستخلاف على الأقل لحاجة المسلمين إلى شجاعة عليّ ﵁ في مواجهة الأعداء، وقد ورد النص من رسول الله ﷺ على عدم صحة الولاية للمرأة بقوله:
٧٩ - (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (١) وفي رواية (أسندوا أمرهم إلى امرأة) (٢) وفي رواية (تملكهم امرأة) (٣) وحين سأل ﷺ عن أمر فارس بيد من، قالوا: امرأة قال ﷺ :
٨٠ (ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة) (٤) وأشار النسائي ﵀ بإخراجه في كتاب القضاء إلى عدم جواز تولية المرأة هذا العمل (٥) وهذا ما التزم به الخلفاء الراشدون بعد رسول الله ﷺ ، ولم يولّ أحد منهم المرأة ولاية خاصة، وكذلك دول الإسلام المتعاقبة، لم تحدث فيها أن تولت المرأة الولاية الخاصة فضلا عن العامة، حتى جاء صنائع الاستعمار من أبناء المسلمين، زاعمين أن الإسلام ظلم المرأة، ومعنى هذا أن خالق المرأة ظلمها إذ لم يأمر نبيه محمدا ﷺ بأن تكون فاطمة أو عائشة أو غيرهما من النساء خليفة للمسلمين، ومن ينتصر لهن من خالقهن؟ ! صنائع الاستعمار من الرجال والنساء، المتبعين اليهود والنصارى في محاربة الإسلام، فتشبث من لا يريد للمرأة الحشمة والنقاء، تبعا لغير المسلمين، وطعنا في منهج الإسلام
стр. 116
القويم، بشبهات يثيرها ضد الإسلام، وليس المراد نصر المرأة، لأنها منصورة من خالقها، بما قرر لها من حقوق في الإسلام، لكن المراد إبعاد المرأة عن الحشمة والحياء، ليحصل لهم من المتعة المحرمة ما رأوه في نساء الغرب، وإذا فعلت المرأة المسلمة ذلك تكون قد رفضت سنن النبي ﷺ ، واحتضنت سنن اليهود والنصارى وغيرهم من الملحدين، وقد نبّه إلى هذا الخطر رسول الله ﷺ الأمة حين قال:
٨١ - (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ) (١)، وهذا الإخبار يضاف إلى معجزات نبينا محمد ﷺ ، فكأني به ينظر ويسمع ما يفعله أعداء الإسلام والقيم من بني جلدتنا، وأسيادهم الساعين إلى تدمير الإسلام في نفوس أهله، وليس المراد أن ذلك يحصل لكل فرد من المسلمين، وإنما أراد الإخبار عن وجود هذا الصنف في المسلمين، فهم من المسلمين في النسب، لا في السلوك والسبب، ولذلك قال ﷺ :
٨٢ - (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، والله المعطي وأنا القاسم، ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) (٢)، إذن فالذين ينادون بولاية المرأة ما هم إلا جهلة بدين الإسلام، أو أعداء له اتبعوا غير سبيل المسلين، فالله أعرف بالمرأة وقدراتها، وما تصلح له وما لا تصلح له ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣) وعلى فرض صلاحية
стр. 117
بعض المسترجلات من النساء للولاية، نقول ذلك ممنوع في حق المرأة المسلمة لأنها متعبدة بتنفيذ ما أمرها الله بتركه، كما تعبّدها بعمل ما أمرها به، ورسول الله ﷺ بلّغ الأمة أن لا يولّوا امرأة، روى أبو بكرة ﵁ قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله أن أهل فارس ملّكوا عليهم بنت كسرى، قال:
٨٣ - (لن يفلح قوما ولو أمرهم امرأة) قال أبو بكرة ﵁: فلما قدمت عائشة البصرة ذكرت ذلك، فعصمني الله به، اعتبر أبو بكرة ﵁ قدوم عائشة لمحاربة علي ولاية لها ممن قدم بها، فذكر قول رسول الله ﷺ في ولاية المرأة، فتوقف عن قتال علي ﵁، هذا فهم الصحابة ﵃ للإسلام، فهم يذعنون لحكم الله ورسوله، من غير تمحّل ولا فلسفة، ولا يقتدون بغير نبيهم، ولا يفرطون في دينهم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١) فلم يقل أبو بكرة ﵁ هذه بنت أبي بكر خليل رسول الله، وزوج رسول الله، وأم المؤمنين لها من العلم والفقه وصفات الفضل ما يجعلني أقاتل تحت لوائها، وهي حقيقة بالإمارة، لم ترد بذهن أبي بكرة هذه الأفكار، لأنه يقتدي بأعظم من عائشة ﵂ من لا ينطق عن الهوى ﷺ ، فخطّأ عائشة وأغمد سيفه، ولو فعل غير ذلك لكان واقعا في ضلالة، وهي مخالفته
стр. 118
لما سمع من رسول الله ﷺ ، من عدم فلاح من ولّوا أمرهم امرأة، وقتال عليّ ﵁ ظلما وعدوانا، وعائشة نفسها ﵂ أدركت خطأها في ذلك الخروج حينما سمعت كلاب الحوأب تنبح قالت: أي ماء هذا؟ ، قالوا ماء الحوأب، قالت: ما أظنني إلا أني راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إن رسول الله ﷺ قال لها ذات يوم:
٨٤ - (كيف بأحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب) (١) وهذا الإخبار أيضا فيه معجزة لرسول الله ﷺ ، وهو إنكار على من يحصل لها ذلك، وهو ما دعا عائشة أن تنقله بأمانة، ولو كانت هي الواقعة فيما أنكره رسول الله ﷺ ، ولم تكن عائشة ﵂ خرجت لولاية ولا قيادة، وإنما خرجت للإصلاح، لأن لها مقاما عند المسلمين فإذا دعتهم إلى التوافق على الحق، ونهتهم عن المنكر يستجاب لها في ذلك، ومن المصائب التي وقعت على المسلمين ما أقدم علية من كان معدودا في علماء السنة، ولا يزال كذلك إن شاء الله، ولكنه وقع في أمر عظيم، ما نعتبره إلا نزغا أصابه من الشيطان، إذ أقدم على مخالفة أهل السنة والجماعة قاطبة، وتحمّل وزر القدح في أبي بكرة ﵁، والطعن في البخاري ﵀، بل في علماء الأمة كافة، والتطريق لأعداء السنة بالطعن في أصح الكتب بعد كتاب الله : صحيح البخاري، وبيان هذا أن أبا بكرة ﵁ أقام عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الحد لشهادته على المغيرة ﵁ بالزنى، لعدم توفر النصاب أربعة، وقد أجمع العلماء: أهل الرواية والدراية
стр. 119
من عهد التابعين إلى يومنا هذا على قبول مرويات أبي بكرة ﵁، ولم يتفوه أحد بكلمة سوى هذا المبتلى اليوم، وكان والله يسعه ما وسع الأئمة طيلة ما مضى من القرون، لكنها فتنة أصيب بها في فكره إذ خرج بهذا الرأي الباطل، مفارقا به علماء الأمة، وفي دينه إذ تولى كبر الطن في أبي بكرة ﵁ أحد أصحاب رسول الله ﷺ ، مخالفا بذلك أصحاب رسول الله ومن بعدهم من أصحاب القرون المفضلة، ومن بعدهم من أئمة الهدى والدين إلى يومنا هذا، فرماه بالفسق والكذب وهذا في حد ذاته ذنب عظيم، وقد أجمع العلماء أن أبا بكرة ﵁ لم يكن قاذفا، وإنما كان شاهدا، وأقيم عليه الحد على سبيل عدم كمال النصاب في الشهادة، وقد كانوا أربعة لكن تردد أحدهم في الشهادة، فاعتبر عمر ذلك خللا في الشهادة فجلد الثلاثة ومنهم أبو بكرة ﵁، وكان حقه أن تقبل روايته وترد شهادته على قول، والقول الثاني: تقبل روايته وشهادة، وقد درج الأئمة على قبول روايته إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة إن شاء الله، والبلية الثانية طعنه في الإمام البخاري الذي لم تعرف الدنيا مثله من عصره إلى يومنا هذا، وقد عرف الناس البخاري ولا مقارنة بين الرجلين أصلا، مردفا بالطعن في كتابه الصحيح، الموصوف من الأئمة بأنه أصح الكتب بعد كتاب الله ، إذ قال: "فينبغي أن يضم هذا الحديث إلى الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ " هكذا موضوع؟ ! ! والعلماء عجزوا عن إيجاد حديث واحد ضعيف في البخاري لا تقوم به حجة، وقد حاول أئمة أكبر من عالمنا هذا مئات المرات ولم يقل أحد منهم هذه المقالة؛ لأنهم كانوا يبحثون عن حق يقولونه، وقد جهّل علماء الأمة بفهمه السقيم فما مثله إلا كما قال الشاعر محمد بن أحمد بن عبيد الله الكاتب:
стр. 120
وطاول البقل فروع الميس ... وهبت العنز لقرع التيس (١)
ولعله قال هذا من أجل مساندة دعاة تحرير المرأة لذلك انبرى فوقع في هذا المنزلق الخطير؛ لأن المدافع عن الباطل لا يأتي إلا بباطل أو أشد، والعجيب أن الرجل في ختام مقاله الذي لم يوفق فيه، يسأل الله التوفيق لغيره من الناس، ولو تدبر ما كتب بتجرد، وتذكر الغاية التي من أجلها كتب مقاله لأدركه التوفيق، ولكانت عنده السلامة مما وقع فيه خيرا له من ملأ الأرض ذهبا (٢)، وهو بهذا المقال الشنيع ساند أهل الباطل من دعاة تحرير المرأة المسلمة، الزاعمين أن لها حقا في الولاية العامة والخاصة، وليس الأمر كذلك وهم إما جهلة بالإسلام ووضع المرأة فيه فأتوا من قبل الجهل، وإما أنهم يعلمون ذلك ولكن زاغوا عما في الإسلام متبعين سنن اليهود والنصارى، فيكونوا من المضلين قال رسول الله ﷺ :
٨٥ - (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) (٣) ولذلك قال عمر ﵁ لزياد ابن حدير:
٨٦ - "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ ، قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين" (٤)
стр. 121
وصدق التابعي الجليل سعيد بن جبير لما أجاب حين سأله هلال بن خباب عن علامة هلاك الناس فقال: "إذا هلك علماؤهم (١) "؛ لأن غلط العالم لا يضره وحده، بل يضر الأمة: المتأثر به مباشرة وغير المتأثر، لم يسلم من عداوة من تأثر به وتابعه على خطئه، فتكون القيم الإسلامية عند هؤلاء منكر، كما يزعم دعاة تحرير المرأة منها، ويصدق عليهم قول علي ﵁:
٨٧ - "تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي بعد هذا زمان لا يعرف فيه تسعة عشرائهم المعروف، ولا ينجو منه إلا كل نومة (٢)، فأولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم، ليسوا بالمساييح (٣) ولا المذاييع (٤) البذر" (٥) وقد حذّر هرم بن حيان من العالم الفاسق، فقال: "إياكم والعالم الفاسق"، فبلغ عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فكتب إليه وأشفق منها: "ما العالم الفاسق؟ "، قال: فكتب إليه هرم: "يا أمير المؤمنين والله ما أردت به إلا الخير، يكون إمام يتكلم بالعلم ويعمل بالفسق، فيشبّه على الناس فيضلوا" (٦)، وهؤلاء الذين يرون أن القيم الإسلامية تقاليد بالية، وأن المرأة لم تأخذ حقها في الإسلام هم يتكلمون على أنهم علماء، ويعملون على خروج المرأة عن القيم الإسلامية، ويشككونها في عدالة الإسلام، وهذا هو الفسق عينه، لأننا من عهد النبوة إلى أن ظهرت قوى الاستعمار لم نقف على مثل هذه الدعاوى، وما هي إلا من نتاج الاستعمار، ومن شذ من
стр. 122
أبناء المسلمين فنعق بمقالتهم، ومخالفة سائر المسلمين، قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "إذا رأيت قوما ينتجون (١) بأمر دون عامتهم، فهم على تأسيس الضلالة" (٢) وهؤلاء في الحقيقة لم يرضوا بما حكم الله وشرع من حقوق الرجل والمرأة، ويزعمون أنهم من أهل العلم، وقد ورد في الأثر: "كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته، كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له" (٣)، والحق أن المرأة لا تصلح لولاية الناس ولاية عامة ولا خاصة؛ لأن طبيعة خلقها وما كلفها الله به من العبادات تتعارض تماما مع ممارستها الولاية بقسميها، وهذا ما أجمع علية الأئمة من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، قال ابن حزم ﵀: وجميع فرق أهل الملة ليس منهم أحد يجيز إمامة المرأة (٤)، وقال البغوي ﵀: "اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إماما ولا قاضيا؛ لأن الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد، والقيام بأمور المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات" (٥)، وليس هذا كما يزعم دعاة الحرية احتقارا لفكر المرأة وقدرتها على العطاء في مجال الرجل، لكنه الأمر الذي يحفظ عليها سلامة ما خلقت له، ولو تولت المرأة أبسط أمور الولاية لاستدعى ذلك منها الوقوع في أمور تفضي إلى إبطال عدة عبادات تعبدها الله بها، ومن تلك الأمور:
стр. 123
الأول: ضياع الأمر الذي خلقت المرأة من أجله بعد عبادة الله وهو الإنجاب والتربية ورعاية الأسرة، وهذا من أسباب أمر النساء بالقرار في البيوت، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (١) فالقرار في البيت أمر طبعي للمرأة يوافق ما جبلت عليه، وهو أمر تعبدي لأن المرأة مدعوة إلى الاحتساب في الإنجاب والتربية، وأن تكون الغاية من ذلك عبادة الله وقوة الأمة المسلمة، حينما تكون تربيتها لأبنائها وفق القيم الإسلامية، قال ﷺ :
٨٨ - (وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ ، قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ ، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا) (٢) روى أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيا شديدا"، ويقول:
٨٩ - (تزوجوا الودود الولود، إني مكاثر الأنبياء يوم القيامة) (٣) ولذلك قال ﷺ :
٩٠ - (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وخير نسوة ركبن الإبل صالح نساء قريش، أرعاه على زوج في ذات يده، وأحناه على ولد في صغره) (٤)، وقال رسول الله ﷺ :
٩١ - (من ابتلي من هذه البنات بشيء كنّ له سترا من النار) (٥) وسمّاه ﷺ بلاء؛ لأن تربية البنات أصعب من الأولاد
стр. 124
ومراقبتهن والمحافظة عليهنّ تبقى مستمرة إلى الموت، فكان الأجر أعظم، وهنّ من عمل الوالد إذا مات انتفع بدعائهنّ وبرهن، قال ﷺ :
٩٢ - (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (١) ولا يتحقق هذا إلا بقرار المرأة في البيت، والقيام بحق الرعاية على الوجه الذي شرعه الله، ولذلك قال رسول الله ﷺ :
٩٣ - (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) (٢) إنه شرف للمرأة المسلمة أن تنجب وتربي وترعا، وتخرّج الأجيال من أمثال أبي بكر وعمر ومن بعدهم من عظماء الأمة المسلمة، لقد غاض الأعداء ما حققته المرأة المسلمة في ظل الإسلام فكادوا لها كيدا عظيما، وأعظمه ما كان بألسنة وأقلام من يزعمون أنهم من المسلين.
والثاني: نزع الحجاب وقد أمرت به شرعا وغايته الأولى طاعة الله ورسوله، وما يترتب عليه من المصالح الفردية والاجتماعية أمر بالغ الأهمية في الإسلام، وهذا من أسباب نهيهنّ عن التبرج ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣) لما في نزع الحجاب والتبرج من فساد للفرد والمجتمع.
والثالث: الاختلاط بغير المحارم، وقد تعبدها الله بعدم الاختلاط، والذي يؤدي في الغالب إلى التبرج المنهي عنه، فقد
стр. 125
كان التبرج في الجاهلية مقترنا بالإختلاط، وعدم التبرج من أسبابه الأمر بالقرار في البيوت الوارد في آية الأحزاب، وقد قال ﷺ :
٩٤ - (إياكم والخلوة بالنساء، والذي نفسي بيده ما خلا رجل وامرأة إلا دخل الشيطان بينهما، وليزحم رجل خنزيرا متلطخا بطين أو حمأة خير له من أن يزحم منكبه منكب امرأة لا تحل له) (١) والمراد بهذا في غير ما ضرورة، كالمزاحمة في العمرة والحج، وما كان أمرا ضروريا لابد للمرأة منه، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولو كان يجوز للمرأة أن تخالط غير المحارم لكان أخو الزوج - - - - الحمو - - - - أولى الناس بذلك، ولكن اعتبره الرسول ﷺ خطرا وشبّهه بالموت (٢) لشدة ضرره لو حصل اختلاط، وهذا لازم ولايتها أن تكون مرجعا لعامة الناس، وهو ما تتحقق به المفاسد السابقة، وذهاب ما تتحقق به عبادة المرأة فيما ذكرنا، ويلحق بهذا ما يتعلق بما يسمونه اليوم الانتخابات، فإن المرأة لا تنتخب من الرجال من يتولى شأنا من شئون المسلمين، ولم يحدث أن شاركت المرأة بعد وفاة رسول الله ﷺ في هذا الشأن إلى أن جاء صنائع الاستعمار، فنفثوا سمومهم في بعض البلدان، نعم قد يتسامح إذا كان الأمر شأنا نسائيا بحتا، وتقدّم من النساء من هنّ ذوات علم وعقل ودين، فإن ذلك يكون مقبولا لعلم النساء بشئونهنّ الخاصة، فليراجع دعاة التحرير من الرجال والنساء أنفسهم، إن كانوا مسلمين، وليحذروا أن يقولوا يوم
стр. 126
القيامة: ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ (١)، وقد روى التابعي أبو الزاهرية: حدير بن كريب: إن الله تعالى قال:
٩٥ - (أبث العلم في آخر الزمان حتى يعلمه الرجل والمرأة، والعبد والحر والصغير والكبير، فإذا فعلت ذلك بهم أخذتهم بحقي عليهم) (٢) وهذا والله منطبق على زماننا هذا، تعلم الكثيرون، ولكن لم ينتفعوا بعلمهم إلا في الجدل العقيم، ومحاربة القيم الإسلامية، حبا في الشهرة والأضواء، وتسويقا لقيم الغرب وأخلاقه، وأخشى أن يقال لهم يوم القيامة: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (٣) وحقه عليهم الدفاع عن كل ما شرعه في كتابه أو على لسان رسوله، أو على لسان الخلفاء الراشدين، كما قال الرسول ﷺ :
٩٦ - (فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، واياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) (٤). ومما يبرر به دعاة التحرير آراءهم الفاسدة ومعهم من تصدّى للطّعن في أبي بكرة ﵁ استشهادهم بتولي "أنديرا غاندي، ومارغريت تاتشر" وبلقيس، وغيرهن مما لم يذكرون، وهذا والله
стр. 127
سفه في العقول، وضعف في الدين؛ وهل تستوي المرأة المسلمة والكافر؟ ، هل يستوي من يرجو الله واليوم الآخر ومن لا يرجو الله واليوم الآخر؟ ، هل يستوي من يؤمن بنبوة محمد ﷺ ومن لا يؤمن بها، هل يستوي من يؤمن بقول الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) ومن لا يؤمن بهّ؟ ! ! ، إذا حكم هؤلاء النساء وحققن نجاحات، فما للمسلمات والكافرات؟ ، علما بأن النجاحات مصادرها الرجال المساعدون لهنّ، وهنّ فيهم كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، ولا يبعد أن جعل هذا طعما للمرأة المسلمة، وحجة للمغرورين، ولكن صاحب الهوى لا يعقل، إن الله تعبّد المسلمات بما يناقض ما عليه الكافرات، مما تقدم بيانه، وليس للمتشبثين بولاية المرأة مستند في قصة بلقيس، فإنها لم تكن مؤمنة حينذاك، فلما قدمت على سليمان، أذعنت لسطوته وسلطانه، فـ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وبعد إيمانها أختلف النقل في أمرها تزوجت سليمان أم تبع، بقيت على ملكها أم لا، وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا إلا ما أمرنا به شرعنا، وليس في الإسلام ما يجيز الولاية للمرأة، ومن قال بالجواز فقد تحمّل أمرا عظيما يسأل عنه يوم القيامة.
إن حرية المرأة معلومة في الإسلام، لا مطعن فيها ولا اعتراض عليها من المسلمين، فخالقها العالم بما يصلحها وما يفسدها حدد
стр. 128
واجباتها، وبين حقوقها، في إطار يكرمها ويجعلها عزيزة مصونة إلى أن تلقى الله ، والذين يعترضون على حقوق المرأة وغيرها من الأمور المشروعة في الإسلام، وهذا لا يخلو من أحوال ثلاث:
الحالة الأولى: أن يكون المعترض غير مؤمن بمحمد ﷺ ، وبما نزل عليه من الحق، كاليهود والنصارى والذين أشركوا، فهذا لا غرابة في طعنه على حقوق المرأة وغيرها من الأحكام الشرعية في الإسلام، لأنه عدو للإسلام ونبيه جملة وتفصيلا، فمن الطبعي جدا أن يمكر ويدبر ويخطط لكسر ما عند عدوه من قيم وفضائل، ترتقي بها المرأة عن مرابض الدواب وسلوكياتها، كما هو الحال في بلاد الغرب ومن شايعها، ولنا مع هؤلاء موقفان:
الموقف الأول: في حال أن تكون دعوتهم قاصرة على نسائهم، فهذا لا نعارضه ولا شأن لنا به، لأنها حياتهم وشؤونهم الخاصة بهم وبنسائهم، فهم لا يؤمنون بالإسلام ولا بقيمه، وما بعد الكفر ذنب.
الموقف الثاني: أن تستهدف المرأة المسلمة، وتصدّر إليها خسائر المرأة الكافرة، لتكون مثلها، فهنا الموقف الذي يجب الصمود فيه من كل مسلم، يؤمن بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا، وهو جهاد فكري فرض عين على كل عالم بالكتاب والسنة ذكرا أو أنثى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١)
стр. 129
وذلك الاستنفار والفرض العينى سببه استهداف الإسلام من أعدائه، وهنا تتضح مواقف المسلمين كما اتضحت في عهد رسول الله، ولا يخلو الموقف من أمرين:
الأمر الأول: الاستجابة الكاملة للذود عن الإسلام جملة وتفصيلا من كل المسلمين، وأعني بالكل العلماء، وهنا لا إشكال.
الأمر الثاني: أن يتوقف البعض ولا يعتبر الأمر خطرا، لشبهات تعرض، أو تأويلات تحدث، بحكم التوجه الفكري، أو قلة العلم الشرعي، فهذا يجب على العلماء النصح له وبيان الحق، متابعة أفكاره، وبيان ما فيها من حق وباطل، حتى لا يغتر به الآخرون ولاسيما إذا كان منتميا إلى الثقافة المعاصرة.
الحالة الثانية: أن يكون المعترض من المفتونين بحضارة الغرب يروق له ما يروق لهم، وهنا نفصّل في الأمر بعض الشيء: فإن كان عربيا غير مسلم فلا مشكلة لأننا نعلم أن من تدبير عدوا الإسلام اصطياد المغرورين بما لديه من تفوق علمي واقتصادي، وانفلات في القيم والفضائل، باسم الحرية، وهؤلاء تتفق خطورتهم مع غير العرب في الكيد للإسلام، وينفردون بدعوى الوطنية، فجعلوا منظّرين لمواطنيهم، وقد نجح الأعداء في استخدام هؤلاء للتأثير على البلهاء من أبناء المسلمين، فكونوا قطعانا من البشر يسونها في أوطان المسلمين لتنفيذ مشروع تدمير الإسلام، بألفاظ معسولة، وأفكار مغسولة من القيم والفضائل، تذليلا لإنشاء مراتع الشهوات، والقضاء على الإسلام وأهله، لأن الإسلام مجموعة قيم وفضائل، يرتبط بعضها ببعض، فإذا فكّكت سهل القضاء عليها واحدة تلو الأخرى، وللأسف نجحت تلك القطعان في القيام بخدمة العدو، بسبب ما هيئ لهم من التلميع الإعلامي، والوصول بهم إلى مراكز مؤثرة في
стр. 130
السلوك الاجتماعي، فاستجالوا الكثيرين من البسطاء من أبناء المسلمين، لانبهارهم بما حصل عليه هؤلاء من شهرة، وتسويق واسع لأفكارهم المسمومة، ولبعد أبناء المسلمين عن نهج العهد النبوي والخلافة الراشدة، ولذلك وقعوا في حبائل الأعداء وأذنابهم.
الحالة الثالثة: أن يكون المعترض من أبناء المسلمين الذين أوفدوا إلى بلاد الأعداء وهم غير محصنين بالقيم والفضائل الدينية، فهم أخذوا جرعات محدود، سرعان ما تبددت من أذهانهم إما لأنهم أخذوها لغرض دنيوي، وانتهى استذكارها والعمل بها بعد الحصول على الشهادة ومنحة السفر إلى بلاد الأعداء، أو أنها لم تكن كافية ولضعف التحصيل فيها تبددت أمام ما رأى من حضارة في بلاد الغرب، وأمام ما قدم له من أفكار أسهمت في القضاء إلى حد كبير على ما لديه من قيم وفضائل إسلامية، بعد أن أقنعوه بأن السبب في عدم وجود تلك الحضارة في بلاد الإسلام بالصورة ذاتها في بلاد الغرب إنما هو الإسلام الذي يحرّم كل شيء في نظرهم، هذه الثلة من أبناء المسلمين عادة إلى الوطن الإسلامي سهاما مسمومة وموجهة إلى الجسد الإسلامي بحقد شديد، وهم من القطعان الذين تقدمت الإشارة إليهم، لكنهم أخطر منهم في اتخاذ القرار، فأولئك منظّرون، وهؤلاء مجنّدون لهدم الإسلام بدعوى التحرير، والتقدم والتحضر، بعد أن رموا الإسلام زورا وبهتانا بأنه سبب في التخلف والتحجّر، وكبت الحريات، وهذه الثلة مهمتها تهيئة الناس للمشروع المعادي للإسلام، ليتم اتخاذ القرار من مالكيه في الوقت المناسب، ولا يخلو حال هذه الثلة من أحد أمرين:
стр. 131
(أ) إما أن تكون لهم بقية من قيم ومرجعية دينية، لكنهم يرون حصرها في العبادة، ولا علاقة لها بشؤون الحياة على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وهؤلاء خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، والعمل السيئ كبير جدا وأثره على الإسلام وأهله كبير، وهو ما أوصل المسلمين اليوم إلى الذّلّ والإذعان للغرب في كل المجالات، وتحجيم الدور الإسلامي في حياة المسلمين إلى حد بدأ الأعداء يفكرون في تنفيذ أسباب اقتلاعه من جذوره، ليعود المسلمون في جاهلية جديدة تفوق الجاهلية الأولى، فلا هم بالمسلمين، حقا ولا هم كفار من الدرجة الأولى عند الغرب، وإن رضي الغرب بالنتيجة فسوف يكونون كفارا من الدرجة الثالثة وربما أبعد، على غرار معاملة إسرائيل لليهود فليسوا كلهم في طبقة واحدة.
(ب) وإما أن تكون مرجعية القيم لديهم غربية بحته ولا علاقة لها بالإسلام ففي هذه الحال أصبحوا أعداء خلّص للإسلام وأهله شأنهم شأن الغرب تماما، والواقع أن العالم الإسلامي لا يخلوا من أصحاب الأمرين، وهم كما قال الرسول ﷺ :
٩٧ - (دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال حذيفة ﵁: قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا) (١) وكم من أبناء المسلمين من خرج ضالا مضلا يدعي النبوة، وكم منهم من ينادي باستبعاد العمل بالسنة النبوية الصحيحة، هؤلاء يخشون الإسلام، ويخافون من الملتزمين به على الوجه الصحيح، فإذا ما سنحت لهم فرصة لضربه تذرعوا بأي خطأ يقع من شاذ، أو جاهل مراهق غرّر به، أو جماعة لم تسلك المنهج النبوي الصحيح، وعمّموا ذلك
стр. 132
على المسلمين، وأجروا التنكيل بكل أحد، دون وازع ولا ضمير، وما أكثر ما تغيب حقوق الإنسان في السجون والمعتقلات، ولا يطالبون بها إلا في حالة مناقضة الإسلام، وتدمير ما جاء به من الحق، فماذا يقول أبناء جلدتنا، والذين يتكلمون بألسنتنا؟ ! ، إذا ما لقوا ربهم، أم أنهم لا يؤمنون بالبعث؟ ولا مفر لهم من لقاء الله تعالى، إنهم صنائع الغرب لضرب الإسلام في عقر داره، وبأيدي أبنائه العاقين المارقين، هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وهذا غيض من فيض، والأمثلة كثيرة ولا حصر لها، وتبارك القطعان الموجهة من أعداء الإسلام هذه التصرفات، ويطبّل لها الإعلام الخائن المأجور، وتتقبّل الشعوب الإمعة الساذجة هذه الترهات، ويكمم دعاة الحق والفضيلة، ويقتل منهم من يقتل، ويوضع في غياهب السجون الآلاف المؤلفة منهم يسامون سوء العذاب، كل هذا يتم بواسطة صنائع الغرب من أبناء المسلين، هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وتمر بهم الأحداث إلى أن يكشف التاريخ للشعوب، ما أخفاه الغرب وقطعانه المسرّحة لهدم الإسلام وأهله، وحينئذ يتبرأ المتبوع من التابع، وينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (١).
(ج) وإما أن يكونوا رعاعا، يتبعون كل ناعق بحق وباطل، كما قال رسول الله ﷺ :
стр. 133
٩٨ - (لا تكونوا إمعة تقُولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا) (١) وقد قابلنا الكثيرين منهم وناقشونا فيما يخص بلادنا مهد الإسلام ومنبع الفضيلة، زادها الله شرفا وحماية، وحرسها من كل عدو ولاسيّما الأعداء اللذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ناقشنا السّذج منهم فلما أوضحنا لهم الحق مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة، والبيان وفق الواقع والشواهد من الأحداث، قالوا: ما عرفنا هذا، ظنناهم يريدون الخير لنا ولبلادنا، فكأني بهم لسذاجتهم إمعات إن أحسن الناس أحسنوا، وإن ظلموا ظلموا، وكأني بهم عند ظهور الحق ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٢) هذا واقع المسلمين اليوم، بعد عن نهج النبوة والخلافة الراشدة، وشتات وفرقة، وهوى متبع، وشهوات لا حصر لها، وتدمير للقيم والفضيلة، وظلم واستبداد، واتّباع لفكر الغرب ومخرجاته المنتنة، فتحقق في الأمة الإسلامية أنها غثاء كغثاء السيل، وهذا لا نريد به العموم، ولكن المراد الغالب.
أما النساء المستغربات فلسن صنائع مباشرة للغرب، بل صنائع الصنائع، فأولياؤهن من الصنائع، أو من الأتباع السذج دعوهن إلى الفكر الغربي، وسمحوا لهن بالتبرج، وتلقي الفكر الغربي، ومنهم من أوفد موليته إلى الغرب لتتلقّى ما تلقّى هو من السموم، من منابعها الدنسة، ومنهم من ساير الآخرين من الأتباع السذج،
стр. 134
فخرج على الإسلام نساء ينكرن ما جاء به في شأن المرأة: فالحجاب يطلبن بدلا عنه تبرج الجاهلية الأولى، والعدّة في الطلاق أو الوفاة ينادين بإلغائها والاكتفاء بالكشف المخبري، والأجانب عندهن لا فرق بينهم وبين المحارم، تكلم من تريد، وتجلس مع من تريد، وتسافر مع من تريد، في وقت نسيت أو تناست المرأة المغرورة، أن ربها وخالقها تعبّدها بهذه الأمور فالحكمة منها قبل كل شيء التعبد لله لأنه تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ومن ثمار التعبد ظهور القيم والفضائل والعزة والكرامة في أكمل صورها، فالله تعالى خلق الإنسان وجعله يعيش حياة دنيوية قصيرة، لابتلائه بما جاءت به الرسل، فيظهر المحسن والمسيء، وينال كل منهما جزاءه في الحياة الآخرة الأبدية، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) ومقتضى ما أقدم عليه المستغربون رجالا ونساء من ذلك السلوك وتلك الدعوة القذرة، أن الله الذي خلق المرأة جهل ما يصلحها، وأن ما نزل على محمد ﷺ من الكتاب والسنة لم يعد صالحا لحال المرأة اليوم، ولا عادلا في شأنها، وأصبحت قوانين الغرب وسلوكياته هي ما يصلح به شأن المرأة، فالمستغربون اليوم أحسن منهم الجاهليون الأولون حين قالوا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٣) وقد كان آباؤهم على
стр. 135
الضلال، فلم يبغوا بما كان عليه آباؤهم بديلا، والمستغربون اليوم وجدوا آباءهم على الحق والهدى، نهج لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فبرزوا لهدم ما عليه آباؤهم من الهدى، وتباروا لإرساء الزندقة والكفر على أنقاض القيم والفضيلة الإسلامية، كل هذا من أجل مشاركة الغرب حياتهم البهيمية ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١)، وتداعت الأمم اليوم على المسلمين من كل حدب وصوب، بعد أن دمروا الأخلاق والقيم، ينهبون الثرواث، ويسومون المسلمين سوء العذاب، والمسلمون يصدق عليهم أنهم غثاء، وليسوا في نظري أحسن حالا من قبيلة إياد في الجاهلية التي استعدى عليها أعداؤها من كل مكان، ولم يسمعوا نداء المصلح من عقلائها وهو أحد شعرائها:
لقيط بن يعمر الإيادي إذ قال لهم في قصيدته المشهورة، ومنها:
بل أيها الركب المزجي على عجل ... نحو الجزيرةمرتادا ومنتجعا
أبلغ إيادا، وخلل في سراتهم ... إني أرى الرأي إن لم أعص قد نصعا
يا لهف نفسي أن كانت أموركم ... شتى وأحكم أمر الناس فاجتمعا
ألا تخافون قوما لا أبا لكم ... أمسوا إليكم كأمثال الدبا سرعا
فهم سراع إليكم بين ملتقط ... شوكا وآخر يجني الصاب والسلعا
لو أن جمعهم راموا بهدته ... شم الشماريخ من ثهلان لانصدعا
في كل يوم يسنون الحراب لكم ... لا يهجعون إذا ما غافل هجعا
خرزا عيونهم كأن لحضهم ... حريق نار ترى منه السنا قطعا
стр. 136
لا الحرث يشغلهم بل لا يرون لهم ... من دون بيضتكم ريا ولا شبعا
وانتم تحرثون الأرض عن سفه ... في كل معتمل تبغون مزدرعا
وتلبسون ثياب الأمن ضاحية ... لا تجمعون وهذا الليث قد جمعا
وقد أظلكم من شطر ثغركم ... هول له ظلم تغشاكم قطعا
ما لي أراكم نياما في بلهنية ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا
فاشفوا غليلي برأي منكم حسن ... يضحى فؤادي له ريان قد نقعا
قوموا قياما على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا
يا قوم إن لكم من عز أولكم ... إرثا أحاذر أن يودى فينقطعا
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا
هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ... فشمروا واستعدوا للحروب معا
هذا كتابي إليكم والنذير معا ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا
لقد بذلت لكم نصحي بلا دخل ... فاستيقضوا إن خير العلم ما نفعا (١)
هذا حال المسلمين والله اليوم مع أعداء المسلمين، ولا يأس من روح الله، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وتبقى طائفة من المسلمين، المؤمنين بالإسلام الصحيح، أتباع عهد النبوة والخلافة الراشدة، وينتصر الإسلام، ويقوى المسلمون، ويختم لهم بخير، خبر من لا ينطق عن الهوى ﷺ .
стр. 137
١٧/ ٥ - المبحث السادس عشر: الجهاد .
وانفرد الرجل عن المرأة بوجوب الجهاد في سبيل لله بقيادة إمام له بيعة شرعية، ويحكم بالكتاب والسنة، إذا ما دعا للجهاد وجبت طاعته بشروط الجهاد المعروفة في الكتاب والسنة، ولا يكون إلا لرفع راية الدين، ونشر العدل والمساواة بين الناس، كما هو الحال في الفتح الإسلامي، أو حماية الأعراض والأموال، أو المقدسات والأمن العام في حياة الناس، فإن المبادرة إلى العمل في الجيوش من أعظم القربات مع القيام بما فرض الله تعالى من العبادة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) والمراد به أنواعا عديدة من الجهاد، أول ذلك مجاهدة النفس لتستقيم على الحق، وتنصرف عن الباطل، ولذلك ورد في الحديث:
٩٩ - (قل آمنت بالله ثم استقم) (٢) ومن الجهاد تعويد النفس على أداء الحقوق لكل الناس، والقيام بالواجبات في الدين والمعاملات، والجهاد الذي يختص به الرجل عن المرأة هو ما ذكرنا من حمل السلاح، وركوب الأهوال في مقارعة الأعداء، وليس للمرأة في هذا حظ، لأن الإسلام يطلب لها الصون والكرامة، وجهادها في تربية الأبناء، والقيام بحقوق الزوجية، والمحافظة على الفرائض، وأداء الحج والعمرة، وقد تقدم بيان عدم وجوب الجهاد على النساء، وما ذاك إلا لمكانة المرأة في الإسلام، وتجنيبها مخاطر القتال وعواقبه الوخيمة.
стр. 138
١٨/ ٥ - المبحث السابع عشر:
وجوب النفقة على الزوج .
وانفرد بوجوب نفقة الزوجة أو الزوجات عليه، ولو كان فقيرا، وهي أو هن في غنى وثراء كبير، قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١) والعبرة في النفقة بحال الزوج وقدرته، أي لينفق الزوج على زوجته وعلى أولاده على قدر وسعه، حتى يوسع عليهم إذا كان موسعا عليه، ومن كان فقيرا فعلى قدر ذلك، فتقدر النفقة بحسب الحالة من المنفق، والحاجة من المنفق عليه، بالاجتهاد على مجرى حياة العادة، فينظر الشرع إلى قدر حاجة المنفق عليه، ثم ينظر إلى حالة المنفق، فإن احتملت الحالة أمضاها عليه، فإن اقتصرت حالته على حاجة المنفق عليه ردها إلى قدر احتماله، ولا يكلف الزوج بما لا يقدر عليه، ويسقط اعتبار غنى الزوجة في النفقة، والنفقة حق للزوجة على الزوج تطالبه به ولو كان فقيرا، لكن تعطى على قدر حال الزوج، وليس على قدر غناها، وقد اجتمع نساء رسول الله ﷺ ، يطالبن بالنفقة، ولم يكن ﷺ قادرا، ولما كان ذلك حقا لهن وهو غير قادر نزلت آية التخيير، فقد طالبن بالنفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض ﷺ ، فهجرهن رسول الله ﷺ وآلى أن لا يقربهن شهرا، ولم يخرج إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه؟ :
стр. 139
١٠٠ - وكانوا يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فقال عمر: لأعلمن لكم شأنه، قال: فدخلت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ ، قال: لا، قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ ، قال: نعم إن شئت، فقمت على باب المسجد وناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ ، فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ ، بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال:
١٠١ - (لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً) (٢) ولكن أغضبه ﷺ التغاير في المطالبة، وجاء أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ ، فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر ﵁ فدخل ثم أقبل عمر ﵁ فاستأذن فأذن له فوجد النبي ﷺ جالساً حوله نساؤه واجماً ساكتاً، فقال: لأقولن شيئاً أضحك رسول الله
стр. 140
- ﷺ فقال: يا رسول، الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال:
١٠٢ - (هن حولي كما ترى يسألنني النفقة) فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن شهراً أو تسعاً وعشرين، وكانت تحته تسع نسوة، فآلى منهن شهرا، ليعلم حكم الله في هذا الموقف، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بعائشة، وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجه رسول الله ﷺ وتابعنها على ذلك، فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهنّ، تكريما لهن من الله تعالى فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ (١) وحرمهن على المؤمنين، فقيل لكل واحدة منهن: أم المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٢).
إن ما ذكرناه مما انفرد به الرجل عن المرأة ليس على سبيل الحصر، وهو يدل على فضل الرجال على النساء ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا
стр. 141
حَفِظَ اللَّهُ﴾ (١) هذه صفاتهنّ: محسنات عاملات بالخير، مطيعات لله تعالى ولرسوله في كل أمر ونهي، قائمات بما يجب عليهن من حقوق الله ، وحقوق رسوله ﷺ ، وحقوق الأزواج، حافظات لطهرهن وعفافهن وشئون حياتهنّ في حضور وغيبة أزواجهن عنهنّ، كل ذلك يتم في إطار ما شرع الله .
١٩/ ٥ - المبحث الثامن عشر:
وجوب نفقة المرضعة على الزوج .
قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) فقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فيه دلالة على أن المرأة لها حق إرضاع طفلها خلال حولين من ولادته، ولا تجوز منازعتها في ذلك، وأن الحولين ليس كمالهما شرطا
стр. 142
في الرضاع، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وأن عدم التمام جائز ولا حرج فيه، والمدار في ذلك على ما يصلح به حال المولود، وانتفاء الإضرار به، وهذا في حالة الاتفاق بين الأبوين على الرضاع، أما في حالة عدم موافقة الأم على إرضاع طفلها ولاسيما في حالات الطلاق، فلا تجبر على ذلك، إلا في حالة عدم قبول المولود غير ثديها فيجب عليها أن تقوم بإرضاعه، أخذا من قوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ففيه دلالة على أن ذلك يدور مع مصلحة الطفل، وعلى الأب النفقة فيقدم للأم الطعام والشراب وغير ذلك مما هو متعارف عليه، مما تصلح به صحة الأم الآيل نفعها إلى المولود، وعليه كسوتها مما هو معروف في مجتمعه، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولا يجوز للمرأة المطالبة بما فوق المعروف من المعاش واللباس، أخذا من قوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١) فالنفقة مرتبطة باليسر والعسر، وهي واجبة على الآباء للأمهات المرضعات في حالة
стр. 143
الطلاق المبتوت، ومن كانت باقية في العصمة فنفقتها واجبة في كل الأحوال.
وفي الآية تضمين لوجوب نفقة المولود على الوالد، وصرّح بالوجوب للأم لأنها محل تغذية المولود بالحليب المباشر منها، وما يتبعه مما يصلح به شأنه، ولأنه في هذه الحال قاصر ضعيف لا حول له ولا قوة، وقد، وأجمع العلماء على أنه يجب على الأب نفقة أولاده الذين لا مال لهم، وقد منع الله الأبوين من المضارة، فلا يضار الأب الأم بأن يمنعها مما يجب عليه لها، أو يحول بينها وبين مولودها، فينتزعه منها، ليهرب من رزقها وكسوتها بالمعروف، وكذلك الأم لا تضار الأب بأن تطالبه بما لا يستطيع بسبب أنها ترضع ولده، وهذا على قراءة الآية على البناء للمفعول، وعلى قراءة البناء للفاعل، فالمراد لا تضر والدة ولدها، فتقصّر في تربيته وغذائه وكسائه، وكذلك الأب لا يضر ولده بانتزاعه من أمه، أو عدم القيام برزقه وكسوته، وما تصلح تربيته.
ولم يكن وجوب نفقة الأم المرضعة قاصرا على الأب، بل يمتد في حالة وفاة الأب إلى الوارث، وذلك في حالات:
الأولى: أن يكون المولود ورث مالا من أبيه فينفق عليه وعلى أمه من ماله الذي ورثه، والثانية: أن لا يكون للصبي مال، فتجب النفقة على وارث الأب الأقرب فالأقرب، والثالثة: قيل المراد بالوارث وارث الأم في حالة موتها، فيجب عليه أن يقوم بالنفقة التي كانت تؤديها الأم لطفلها، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١).
стр. 144
ونعود بعد هذا إلى المنفق على المولود أبا كان أو غيره، ونقول إن لهما أي الأبوين، أو المنفق والمرضعة سواء كانت الأم أو أخرى، فإن عليهما حالة الفطام التشاور فيما هو منفعة للطفل، فإذا شاورا غيرهما من أهل الخبرة كالطبيب مثلا، واتفقا وتراضيا على أن فصل المولود عن الرضاع دون الحولين لا يضربه فلا حرج في ذلك، أخذا من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (١) وليعلم أن للأب الحق في أن يسترضع للمولود غير أمه، وذلك في حالتين:
الأولى: حالة الوفاق مع الأم على استرضاع الغير، فعلى الأب أن يسلم للمرضعة ما اتفقا عليه أجرة الإرضاع، بطيب نفس وبشر وكرم، وبما هو متعارف عليه في ذلك، لما في ذلك من المصلحة للطفل في رعايته وتربيته، لأن المنازعة في ذلك تنعكس ضررا على المولود.
والثانية: حالة الخلاف مع الأم وقد أرضعت المولود وقتا ثم وقع الخلاف، فإن على الأب أن يسترضع غيرها بعد أن يسلم للأم ما فرض لها، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وهذا نظير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (٣) ولتنفيذ ذلك على الوجه الشرعي من جميع الأطراف: الأب والأم والوارث والمسترضعة، قال تعالى:
стр. 145
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) وهذ تحذير من التلاعب وعدم الوفاء بالحقوق.
٢٠/ ٥ - الفصل الثاني:
ما تنفرد به المرأة عن الرجل، وفيه مباحث:
كرّم الله الرجل والمرأة على حد سواء بالاصطفاء والتكريم على سائر المخلوقات، وقد بينا ذلك في الفصل الأول: المبحث الثالث، وهنا يحسن أن نتطرق إلى ما ورد من تكريم المرأة زيادة على ما شاركت فيه الرجل، فقد شاركت الرجل في كونها إنسان مكرّم، لها مثل ما للرجل من الكرامة والاحترام، لكن الإسلام خصّ المرأة بمزيد من التكريم، تقديرا لما جبلت عليه من الرّقة، الحسية والمعنوية، وتخفيفا عنها لما جبلت علية فطريا، ولقد وضع الإسلام نظاما لحقوق المرأة يضمن كرامتها، لكونها إنسان اصطفاه الله تعالى وكرّمه على مخلوقاته، وتوعّد الإسلام بالعقاب كل من ينتهك شيئا من تلك الحقوق، وقد قرّرت الحقوق للمرأة بدءا من التكوّن في رحم الأم إلى أن تؤل إلى حفرتها، منتهى حياتها في الدنيا، وبيان ذلك فيما يلي: