Полный текст (289 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
عناصر الدرس
* باب فروض الوضوء، وصفته، وشرح الترجمة.
* فروض الوضوء ستة باستقراء الأدلة، وبعضهم جعلها أربعة.
* فروض الوضوء: تحديدها طولًا وعرضًا، ودليل كل واحد، ووجه الاستدلال.
* توجيه قراءة الكسر في قوله تعالى: "وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم إلى الكعبين".
* النية شرط لطهارة الأحداث كلها.
* ماذا ينوي من أراد الطهارة.
* من نوى طهارة مستحبة ناسيًا حدثه .. هل يرتفع حدثه؟
* متى تجب النية على رافع الحدث؟
* صفة الوضوء.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
قال المصنف رحمه الله تعالى (باب فروض الوضوء وصفته) أي هذا باب بيان فروض الوضوء وصفة الوضوء الضمير يعود على الوضوء، لما ذكر الماء الذي تحصل به الطهارة وآنية الماء وأردفه بالاستنجاء ثم بالسواك أتبع ذلك بالكلام على مقاصد الطهارة سبق أن الطهارة يُتحدَث فيها عن المقاصد ويقصد بها الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى الوضوء والغسل إذاً عندنا أمران طهارة صغرى وطهارة كبرى وقدم الصغرى على الكبرى لتكرره ولأنه مطلوب مطلقاً لكل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً وهما من أعظم شروط الصلاة في الصحيحين (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) جعله شرطاً لصحت الصلاة ولمسلم (لا يقبل الله صلاة بغير طُهور) يعني الوضوء بضم الطاء وله أيضاً (الطهور شطر الإيمان) (الطُهور - بضم الطاء - شطر الإيمان) إذاً الوضوء يعتبر شرط من شروط صحت الصلاة والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع أو في شرطيته أو في فرضه الكتاب والسنة والإجماع وأما الكتاب آية المائدة وأما السنة كما ذكرنا وأما الإجماع منعقد على أن الوضوء شرط في صحت الصلاة (باب فروض الوضوء) (فروض) جمع فرض والمراد به الواجب عند الأصوليين الفرض والواجب مترادفان إلا أن الفقهاء يستعملون الفرض فيما هو آكد من الواجب بمعنى أن الواجب قد يكون ثَمَّ خلاف في وجوبه أو قد يكون ثًمَّ نظر في ثبوته من حيث الطريقة يعني لا يشترط فيه أن يكون ثابتاً بطريق مقطوع به بل قد يكون الطريق مظنوناً وأم الفرض فيستعملونه فيما قطع به بمعنى أنه كان مقطوعاً به من جهة الثبوت بأن يكون قرآن أو متواتراً أو مجمعاً عليه وكذلك من حيث الدلالة الفرض: يقال لمعاني منها الحز والقطع، وشرعاً: ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً، حينئذٍ من حيث التعريف من حيث الثمرة أو الحكم فالفرض والواجب سيان (والفرض والواجب ذو ترادف ... ومال نعمان إلى التخالف) وجمهور وأهل العلم والأصوليين والفقهاء على الترادف بأن الفرض والواجب معناهما واحد ولذلك يعرف الواجب بما يعرف به الفرض والعكس بالعكس وكذلك من حيث الحكم الواجب: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه، وكذلك الفرض وهما سيان متحدان من حيث الحقيقة ومن حيث الحكم والثمرة إلا أنه من حيث الاستعمال عند الفقهاء يفرقون بينهما (باب فروض الوُضوء) (الوُضوء) بضم الواو فعل المتوضأ وهو إمرار الماء على أعضائه مأخوذ من الوضاءة وهي النضارة والحسن والنظافة والبهجة، والوَضوء بفتح الواو الماء الذي يُتوضأ به، ثَمَّ وُضوء وَضوء الوُضوء الفعل نفسه بمعنى إمرار الماء على الأعضاء والوَضوء بالفتح هو الماء الذي يُتوضأ به، (وصفته) أي صفة الوضوء يعني الكيفية والهيئة التي يتأتى بها الوضوء، وهو نوعان: كامل ومجزئ، كامل هو مشتمل على الواجب والمسنون ومجزئ هو المشتمل على الواجب فحسب، وعرفه في الشرح [الوضوء استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة] هنا يحتاج إلى تعريف لأن الوضوء إنما يحكى بطريقة فعله أو نتوضأ كما توضأ النبي ﷺ هذا هو تعرف الوضوء،
стр. 107
قيل ما هو الوضوء؟ أن تأخذ الماء وتغسل كفيك إلى آخر الوضوء حينئذٍ لا يحتاج إلى تعريف ولكن يذكر استعمال طهور بمعنى أن الطاهر لا يجزئ في الطهارة لأن الطاهر هذا لا يستعمل في العبادات وإما يستعمل في العادات كما سبق يعني لا يرفع الحدث وإنما رفع الحدث محصور في الماء الطهور ثم قيده بعضهم بأنه مباح فالماء الطهور المغصوب أو المسروق أو الموقوف للشرب كما ذكرنا سابقاً لا يجزئ في الوضوء في الأعضاء الأربعة الوجه واليدان والرأس والرجلان على صفة مخصوصة يعني في الشرع بأن رتب ووالى وقدم وأخر حينئذٍ يأتي بيانها في موضعها، قال المصنف رحمه الله تعالى (فروضه ستة) مما يأكد أن الفقهاء يفرقون بالاستعمال بين الفرض والواجب سبق أن المصنف يرى أن التسمية واجبة (وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر) وهنا لم يذكر التسمية مع أنها واجبة في المذهب وإنما أراد ما هو آكد وما هو مجمع عليه وهو داخل في حقيقة الماهية (وفروضه ستة) باستقراء الأدلة على المذهب وبعضهم يجعلها أربعة بإسقاط الموالاة والترتيب حينئذٍ يقتصر على الأعضاء الأربعة الوجه واليدان والرأس والرجلان الوجه بما فيه المضمضة والاستنشاق والرأس مسحه واليدان والرجلان (فروضه ستة) باستقراء الأدلة وآية المائدة ظاهرها ذلك (غسل الوجه) يعني الأول من هذه الفروض (غسل الوجه) والغسل في الأصل من غسل الشيء سال بالفتح وإذا أطلق الغسل في لسان العرب ينصرف إلى الغسل بالماء ولذلك جاء قوله (فاغسلوا وجوهكم) ولم يذكر الماء حينئذٍ (فاغسلوا وجوهكم) هل نقول حذف الماء الذي يغسل به من أجل التعميم؟ قل لا ليس هذا المراد ولا يقول به عاقل وإنما إذا أطلق الغسل في لسان العرب انصرف إلى الماء حينئذٍ لم يذكر الغسل في آية المائدة (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) إلى آخره لأن الغسل لا يكون إلا بالماء فلا يحتاج أن يقال فاغسلوا وجوهكم بالماء لو قيل بالماء يصح لغة لكنه يكون من باب التأكيد، (غسل الوجه) مأخوذ من المواجهة الوجه سمي بذلك؟ لأنه يواجه به وجمعه وجوه (غسل الوجه) لقوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) (فاغسلوا) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب ومحل الوجوب هنا الوجه قال (فاغسلوا وجوهكم)، (والفم والأنف منه) بمعنى أن المضمضة والاستنشاق داخلان في مفهوم الوجه ولذلك قال (والفم والأنف منه) أي من الوجه لأنه مما تحصل به المواجهة حينئذٍ يعبر بهذا القول بأن الفم والأنف منه يعني من الوجه يعبر عن ذلك بالمضمضة والاستنشاق والمذهب عند الحنابلة وهو الصحيح وجوب المضمضة والاستنشاق في الطهارتين الصغرى والكبرى هذا هو الصحيح الذي دلت عليه السنة (والفم والأنف منه) أي من الوجه لماذا؟ لدخولهما في حده قد قال الله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) ولا شك أن الفم والأنف مما تحصل به المواجهة حينئذٍ نقول الأصل دخول الفم والأنف في مفهوم الوجه وإخراجه هو الذي يحتاج إلى دليل ليس العكس لا نطالب من قال بالوجوب الأصل داخل فيه من قال بالسنية هو الذي يطالب بالدليل إذاً الصحيح أن المضمضة والاستنشاق داخلان في مفهوم الوجه حينئذٍ يكون مأموراً به لقوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) هذا أمر والمر يقتضي الوجوب وهذا محل إجماع الذي هو غسل الوجه بالجملة محل
стр. 108
إجماع بين أهل العلم إذاً أدلة الوجوب غسل الفم أو المضمضة والاستنشاق أنهما من تمام غسل الوجه فالأمر بغسل الوجه أمر بهما فالله تعالى أمر بغسل الوجه وأطلق وفسره النبي ﷺ بفعله وتعليمه ولم ينقل عنه أنه أخل بذلك مع اقتصاره على أقل ما يمكن توضأ مرة مرة ليبين أن الثلاث واثنتين ليستا بواجبتين حينئذٍ بين أقل ما يمكن أن يسمى وضوء ولم يسقط في ذلك الوضوء المضمضة والاستنشاق فدل على أنه أقل ما يصدق عليه أنه وضوء في غسل الوجه المضمضة والاستنشاق حينئذٍ يكونان داخلان في مفهوم الوجه، مع اقتصاره على المجزئ وهو الوضوء مرة مرة وفعله إذا خرج بياناً كان حكمه حكم ذلك المبين وفي رواية لحديث لقيط بن صبرة عند أبي داود (إذا توضأت فمضمض) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب ويكفي فعله ﵊ لأنه مبين قد بين الإجمال الذي وقع في كلمة وجوهكم في قوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) إذاً الصحيح أن المضمضة والاستنشاق واجبان لدخولهما في مسمى الوجه وعليه يكونان من الفرض والفرض لا يسقط لا سهواً ولا عمداً ولذلك نص في الشرح [فلا تسقط المضمضة ولا الاستنشاق في وضوء ولا غسل لا عمداً ولا سهواً] فمن نسي المضمضة أو الاستنشاق حينئذٍ يلزمه إعادة الوضوء إلى إذا كان قريباً من الوضوء فيرجع إلى الموضع الذي نسيه إذاً لا تسقط المضمضة ولا الاستنشاق لا سهواً ولا عمداً لماذا؟ لكونهما فرضين داخلان في مسمى الوجه، (غسل الوجه والفم والأنف منه وغسل اليدين) يعني الفرض الثاني من فروض الوضوء (غسل اليدين) (غسل) أطلق المصنف هنا لأن الغسل في مفهوم لسان العرب لا يصدق إلا على ما كان بماء (غسل اليدين) تثنية يد (مع المرفقين) المصنف أطلق لم يبين (غسل اليدين) لم يبين منتهى اليد حينئذٍ يحتاج إلى استدراك على المصنف والله قال (وأيديكم إلى المرافق) فلم يطلق غسل اليدين هكذا وإنما قيده بقوله (إلى المرافق) والأصل في المصنف أن يقول (غسل اليدين مع المرفقين) ولكنه تركه وهذا يعتبر استدراكاً عليه (مع المرفقين) تثنية مِرفَق أو مَرفِق وهو المفصل الذي بين العضد والذراع يجمع على مرافق والدليل على أن هذا فرض غسل اليدين قوله تعالى (وأيديكم) هذا معطوف على قوله (فاغسلوا وجوهكم) معطوف على قوله (وجوهكم) حينئذٍ العامل في المعطوف عليه هو العامل في المعطوف حينئذٍ يأخذ حكمه كأنه قال فاغسلوا وجوهكم واغسلوا أيديكم حينئذٍ الأيدي مأمور بغسلهما وإذا أمر الله تعالى به فحينئذٍ كان فرضاً لازماً لأن مطلق الأمر يحمل على الوجوب وهذا محل إجماع في الجملة إلا أن المرفقين محل نزاع وقوله تعالى (إلى المرافق) أي مع فإلى هذا الحرف مجمل لماذا؟ لأن المجمل محتمل أمرين وهنا إلى يحتمل أنه للغاية وإذا كانت غائية يكون ما بعد إلى ليس داخلاً فيما قبلها حينئذٍ يكون المرافق أو المرفقين المرافق ليست داخلة في مسمى الغسل فيكون منتهى الغسل هو ابتداء المرفق وليس بداخلين هذا إذا اعتبرنا إلى على وجهها وقد قال به بعض الفقهاء والصحيح أن إلى هنا بمعنى مع حينئذٍ تكون المرافق داخلة في مفهوم قوله (وأيديكم) (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) يعني مع المرافق حينئذٍ المأمور
стр. 109
به اليدان مع المرافق ودل على ذلك فعله ﵊ وجاء في حديث أدار الماء على مرفقيه رواه الدار القطني وضعفه بعضهم ولمسلم وهو أولى بالاحتجاج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (غسل يده حتى أشرع في العضد) (حتى أشرع في العضد) دل على أن قوله (إلى) بمعنى مع وله نظير بل نظائر في الكتاب والسنة وفي لسان العرب أن إلى تأتي بمعنى مع كما في قوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) يعني مع أموالكم إذاً قوله (وأيديكم إلى المرافق) يعني مع المرافق والإجمال الذي وقع في مفهوم الحرف هنا، لأن الإجمال قد يكون في الحرف وقد يكون في الاسم وقد يكون في الترتيب عند جمهور الأصوليين حينئذٍ إذا وقع في الحرف لابد من دليل منفصل يبين المراد وهنا الدليل وقع من جهتين فعله ﵊ وكذلك حمله على ما جاء في لسان العرب (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) هذا مفسر وفعله ﵊ يبينه كما في حديث أبي هريرة عند مسلم (غسل يده حتى أشرع في العضد) وهذا واقع بياناً فوجب إذاً الفرض الثاني (غسل اليدين) ونزيد (مع المرفقين)، (ومسح الرأس ومنه الأذنان) أي الفرض الثالث من فرائض الوضوء التي أجمع أهل عليها العلم في الجملة يعني أجمعوا على أن مسح الرأس فرض لكن ما الذي يمسح هذا الذي وقع في النزاع ولهذا يعبر الفقهاء عن هذا يقولون أجمعوا عليه في الجملة يعني أصل المسح مجمع عليه لكن ما المقدار الذي يمسح هذا نزاع والثالث من الفروض (مسح الرأس) (الرأس) أل هنا للعموم ولذلك فسرها المصنف بقوله كله فدل على أن مراد المصنف بقوله (مسح الرأس) أن جميع الرأس داخل في الفرضية حينئذٍ لا يسقط الإتيان بالفرض وتبرأ الذمة والطلب يسقط إلا بمسح الرأس كله لقوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم) يعني بالماء امسحوا بالماء (برؤوسكم) الباء هنا اختلف فيها هل هي لتبعيض أو للإلصاق؟ والذي ينبني على هذا الخلاف هو المقدار الذي يمسح من الرأس فمن قال أنها للتبعيض أجزأ عنده أي مقدار يمسح من الرأس لأن الله تعالى قال (وامسحوا برؤوسكم) يعني بعض رؤوسكم فلو مسح شعرتين أو ثلاث أجزأه وسقط الطلب ومن فسرها بأنها للإلصاق حينئذٍ لابد أن يعمم (وامسحوا برؤوسكم) أضافه وجمع الرأس وأضافه فلابد من التعميم إذاً محل النزاع عند أهل العلم في مفهوم الباء أنكر بعض الفقهاء أن الباء تأتي للتبعيض وهو قول بن برهان قال [من زعم أن الباء تأتي للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفون] الصحيح أنها ثابتة كما قال بن رشد في بداية والمجتهد حينئذٍ تكون الباء تأتي للتبعيض وتأتي للإلصاق لكن في هذا الموضع لتفسير الباء هنا بفعل النبي ﷺ حملت على الإلصاق فيقال (برؤوسكم) الباء هنا للإلصاق لماذا؟ لفعل النبي ﷺ حيث لم يرد عنه حرف واحد أنه اكتفى بمسح بعض الرأس دون البعض الآخر وإنما عممه (مسح الرأس) إذاً كله لابد من التعميم والأذنان هل هما من الرأس أم تابعان للوجه أم هما مستقلان؟ قال (ومنه) أي ومن الرأس (الأذنان) لحديث (الأذنان من الرأس) (منه) أي من الرأس (الأذنان) وإذا عرفنا أن الرأس حكمه فرضية المسح كذلك الأذنان داخلان في مفهوم الرأس فيجب مسح
стр. 110
الأذنين واضح هذا ولذلك قال (ومنه الأذنان) يعني من الرأس حينئذٍ حكم مسح الرأس أنه فرض والأذنان من الرأس إذاً حكم مسح الأذنين أنه فرض لماذا؟ لقوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم) ودل على أنهما من الرأس حديث (الأذنان من الرأس) (ومسح الرأس) أي كله (ومنه) أي من الرأس (الأذنان) حينئذٍ يجب مسحهما معه لقوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم) حد الرأس من المقدَم بحيث لا يسمى وجهاً ومن المؤخَر بحيث لا يسمى قفاً والواجب مسح ظاهر الشعر إن كان لك شعر وإن لم يكن حينئذٍ وجب مسح الرأس من حيث الأصل وقوله ﷺ (الأذنان من الرأس) رواه بن ماجة واختلف في تصحيحه أو تحسينه أو تضعيفه والظاهر أنه حديث حسن، قال بن تيمية رحمه الله تعالى [اتفق الأئمة على أن السنة مسح جميع الرأس كله كما ثبت في الأحاديث الصحيح والذين نقلوا وضوؤه ﷺ لم يقل أحد منهم أنه اقتصر على مسح بعضه ومسحه مرة يكفي بالاتفاق ولا يستحب التثليث] يعني لا يستحب أن يثلث وهذا هو الظاهر من السنة وأما قوله (توضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً) هذا مجمل يفسر ببقية النصوص وأما يأخذ من هذا النص بأنه توضأ مرة مرة بمعنى أنه مسح الرأس مرة توضأ مرتين مرتين بمعنى أنه مسح الرأس مرتين نقول لا؛ هذا لا يؤخذ من هذا النص لأن هذا مجمل ليس فيه حكاية صفة فعل النبي ﷺ حينئذٍ نرجع إلى الأحاديث المفصلة وهنا قاعدة لابد أن يعتني بها طالب العلم وهي أن هذه العبادات المركبة يجب أن يجمع النصوص كلها بعضها مع بعض ثم ينظر فيها نظرة واحدة ولا يجعل أصلاً وما عداه يكون مكملاً له كما يصنعه الكثير من الفقهاء المتأخرين يجعله ثَمَّ نصوص هي شاملة اشتملت على كثير من بيان الوضوء أو الصلاة أو الحج أو نحو ذلك ثم إذا جاءت روايات أخرى قالوا هذا خالف هذا كيف هذا خالف هذا؟ هو معين واحد هذا يحكي فعل النبي ﷺ هذا يحكي فعل النبي ﷺ كيف تعارض بينهما وإنما نقول النظر أن تجمع سائر النصوص أمامك هكذا ثم تنظر فيها بنظرة الأصولي الفقيه معتمداً على الأقوال المنقولة عن أئمة الدين إذاً فلا يستحب ثلاثاً (ومنه الأذنان) أي الأذنان من الرأس فيجب مسحهما معه يعني مع الرأس وبعضهم يرى وهو كثير من أهل العلم أنه يستحب مسح الأذنين تضعيفاً لهذا الحديث حينئذٍ صار منفصلاً إذا صارت الأذن منفصلة عن الرأس حينئذٍ أقل أحوال فعل النبي ﷺ أنه محمول على الاستحباب وإذا حكمنا على الحديث بأنه ثابت حينئذٍ بين أن الأذنين من الرأس حينئذٍ أخذ الحكم، (وغسل الرجلين) كذلك أطلق المصنف هنا (الرجلين) ليس مطلقاً وإنما لابد أن يقيد مع الكعبين لأن الله تعالى قال (وأرجلكم إلى الكعبين) ويقال في إلى هنا ما قيل هناك بمعنى أن إلى محتملة الأمرين إما أن تكون غائية حينئذٍ الكعبان لا يغسلان لأن ما بعدها يكون ليس داخلاً فيما قبلها وإما أن تكن بمعنى مع وإذا كانت كذلك حينئذٍ الكعبان يغسلان مع القدمين وهذا الثاني هو المرجح لماذا؟ لفعل النبي ﷺ حينئذٍ صار اللفظ مجملاً الحرف وافتقرنا إلى مبين وجاءت السنة مبينة لذلك (غسل الرجلين) (الرجلين)
стр. 111
تثنية رجل (مع الكعبين) لقوله تعالى (وأرجلكم إلى الكعبين) والكعبان هما العظمان الناتئان يعني البارزان من جانبي القدم معروف وهما مجمع مفصل السابق والقدم قال النووي [باتفاق أهل الحدث واللغة والفقه بل وإجماع الناس] وأما الرافضة فلا عبرة بهم فهذه الأعضاء الأربعة هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يرد فعله وبها يعصى الله ويطاع إذاً (غسل الرجلين) لقوله تعالى (وأرجلَكم إلى الكعبين) وهذا على قراءة النصب واضحة بينة وأما (وأرجلِكم) بالكسر قيل عطفاً على المغسول والخفض للمجاورة كما قالوا هذا جحرُ ضبٍ خربٍ؛ خربٌ هذا الأصل؛ خربٍ قالوا الخفض هنا للمجاورة والجر بالمجاورة مختلف فيه جماهير أهل اللغة على أنه ضعيف فلا يعول عليه وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يحمل عليه ظاهر القرآن فلا يقال (وأرجلِكم) أنه مجرور بالمجاورة (وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم) لما جاور المخفوض حينئذٍ خفض وإلا فالأصل أنه معطوف على وجوهكم (فاغسلوا وجوهكم) على وجوهكم (فاغسلوا وجوهكم) لأن العطف إذا كان بالواو يرجع إلى الأول فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم إلى الكعبين ثم قال وامسحوا فصله إذاً ثَمَّ غسل وثَمَّ مسح (وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم) وأرجلَكم بالنصب معطوف على أيديكم وهو واضح وأرجلِكم معطوف على الممسوح حينئذٍ معطوف في اللفظ فحسب أخذ حكمه وإلا فالأصل فهو معطوف على وجوهكم لماذا؟ لأن حكم الرجلين كحكم الوجه من حيث الغسل فيجب غسل الرجلين كما يجب غسل الوجه واليدين هذا وجه وقيل بل عطف على الممسوح (وأرجلِكم) عطف على الممسوح ثم قيل المراد به مسح الخفين لأن الرجل لها حالان إما أن تكون مكشوفة وإما أن تكون مستورة حينئذٍ فرضها وهي مكشوفة الغسل دل عليه قوله (وأرجلَكم) بالنصب وفرضها وهي مستورة المسح ودل عليه (وأرجلِكم) لكن هذا يعكر عليه ماذا؟ (إلى الكعبين) لأن المسح لا يكون إلى الكعبين حينئذٍ لا يمكن حمله على أن الآية يراد بها حالان من حالتي الرجل وهي إما أن تكون مكشوفة وإما أن تكون مستورة هذا الجواب جميل جداً لكن يعكر عليه ما ذكرناه وقيل بل أطلق المسح وأراد به خفيف الغسل ومعنى القراءتين واحد وهو أولى حمله على هذا الأخير أولى إذ الأصل توافق القراءتين هذا هو الأصل قال أبو علي الفارسي [العرب تسمي خفيف الغسل مسحاً يقولون تمسحت للصلاة أي توضأت لها وخصت الأرجل لأنه مظنة الإسراف المنهي عنه لذا عطف على الممسوح تنبيهاً على الاقتصاد في صب الماء] إذاً (وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم) معطوف على (برؤوسكم) لكن ليس المراد به أنه يمسح لأن قوله (وامسحوا) أراد به نوعين مسح مع إسالة ومسح بدون إسالة فيحمل قوله (برؤوسكم) على المسح بدون إسالة (وأرجلِكم) على المسح مع الإسالة وهذا الوجه أولى ما يحمل عليه النص إذاً (وأرجلَكم إلى الكعبين) هذه واضحة (وأرجلِكم) بالكسر عطفاً على رؤوسكم والمراد بقوله (وامسحوا) على نوعين مسح مع إسالة ومسح بدون إسالة، قال (والترتيب) يعني الخامس من الفروض (الترتيب) يعني أن يرتب الأعضاء كما جاءت في الآية بأن يقدم الوجه ثم اليدين ثم المسح ثم الرجلين هذا المراد بالترتيب فإن قدم وأخر حينئذٍ ترك فرضاً من فرائض الوضوء فلا يصح وضوؤه
стр. 112
(الترتيب) يعني بين الأعضاء وهو المذهب عند الحنابلة على ما ذكر الله تعالى ما الدليل على أن الترتيب واجب بأنه فرض فلو خالف الترتيب ما صح وضوؤه نقول لأن الله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات وهذا أسلوب عربي حينئذٍ أدخل الممسوح بين المغسولات يعني قطع النظير عن نظيره لأن الأصل أن يرتب المغسولات ثم يأتي بالممسوحات فيقول فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم وامسحوا برؤوسكم هذا ترتيب لكن لما فصل بين المغسولات وأدخل المسح مسح الرأس دل على أن مكان المسح هو هذا بأن يكون بعد اليدين وقبل الرجلين قطع النظير عن نظيره وهذه قرينة إرادة الترتيب لأن العرب لا تفعل ذلك إلا لفائدة فإن قيل الفائدة استحباب الترتيب؛ قلنا الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب وإلا وذلك قال الشارح [ولآية سيقت لبيان الواجب] لأنه قد يقال نعم رتب لكن الترتيب ليس بواجب وإنما هو مستحب نقول الآية آية المائدة إنما بينت الواجب اقتصرت على الواجبات فقط ولم تذكر المسنونات ليس فيها سنة ألبته حينئذٍ دل على أن الترتيب واجب وليس مستحب ثم فعل النبي ﷺ ولم ينقل عنه حرف واحد بأنه خالف الترتيب لأن الترتيب مما تحتاجه الأمة يعني معرفة حكمه مما تحتاج الأمة لأنه قد يحصل سهو تقديم وتأخير قد يكون ثَمَّ جهل فنحتاج بيان ولو مرة واحدة النبي ﷺ أنه خالف الترتيب لما أكد ولم يتوضأ إلا على سنن آية المائدة دل على أن الترتيب فرض وليس بمستحب [ولا نعلم لهذه فائدة غير الترتيب والآية سيقت لبيان الواجب] وفي صحيح مسلم أنه النبي ﷺ قال في السعي (أبدأ بما بدء الله به) وفي لفظ النسائي (ابدءوا بما بدأ الله به) لكنه ضعيف فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به حينئذٍ نقول الأصل في الترتيب أنه واجب وكل من حكى وضوء النبي ﷺ حكاه مرتباً وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى وقولهم أن الواو لا تقتضي الترتيب نقول كذلك لا تمنعه لا تنافيه لأن هنا العطف كان للواو والواو لمطلق الجمع وليس للترتيب نقول نعم هي لمطلق الجمع وليست للترتيب لكنها لا تنافي الترتيب قد يدل دليل خارجي بأن الواو هنا للترتيب فلا إشكال فيه كما في قوله (إن الصفا والمروة) النبي ﷺ بين بأن الترتيب هنا مراد إذاً الترتيب بين المغسولات والممسوحات نقول هذا فرض من فرائض الوضوء فلو قدم وأخر ولو سهواً ما صح وضوؤه وأما ما يذكره الشراح وإن توضأ منكساً أربع مرات صح وضوؤه إن قرب الزمن منكساً كيف؟ يعني بدأ بالرجلين ثم بمسح الرأس ثم يده ثم وجه حينئذٍ نقول هذا لو فعله مرة صح الوجه فقط ثم المرة الثانية صح اليدان ثم المرة الثالثة صح مسح الرأس ثم المرة الرابعة صح غسل الرجلين قالوا إن توضأ أربع مرات صح نقول أولاً المرة الأولى هذه بدعة فلم يقبل منها لا أولها ولا آخرها فلا يصح منها وضوء ألبته وضوء منكس نحن نقول من قال بالاستحباب الترتيب قوله مردود فكيف ينكس ما أراده الله عزوجل بأن يكون مرتباً حينئذٍ نقول هذا الوضوء بدعة من أصله فلا يصح لو توضأ مئة مرة ما صح الأول ولو مرة واضح وما يذكره الفقهاء هذا مردود، (والموالاة) يعني السادس من فروض الوضوء
стр. 113
(الموالاة) مصدر من والى الشيء يواليه إذا تابعه أي عقب بين الأعضاء لم يفصل بينها بزمن طويل لم يؤخر [وهي عبارة عن إتيان بجميع الطهارة في زمن متصل من غير تفريق فاحش] مصدر من والى الشيء يواليه إذا تابعه الدليل على ذلك دليل وجوب الموالاة قوله جل وعلا (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) إلى آخر الآية هذه كلها أوامر تقتضي ماذا؟ الفورية لأن مطلق الأمر للفور على الصحيح عند الأصوليين فاغسلوا وجوهكم واغسلوا أيديكم إذاً متى منتهى من الأول تعين الثاني وامسحوا برؤوسكم وغسلوا أرجلكم حينئذٍ هذه أوامر والأمر للفور حينئذٍ متى ما فعل بالأول تعين أن يأتي بالثاني على جهة الترتيب والموالاة ثم (إذا قمتم إلى الصلاة) شرط وقوله (فاغسلوا) هذا جواب الشرط وإذا وجد الشرط وهو القيام وجب أن لا يتأخر عنه جوابه وهو غسل الأعضاء الأربعة وهذا أحسن ما يستدل للموالاة وإن ذكر المصنف هنا [أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لُمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء] رواه أحمد وغيره ولو لم تجب الموالاة قد أمره بغسل اللُمعة أو اللَمعة فقط لكنه أمره بإعادة الوضوء فدل ذلك على أن الموالاة معتبرة فرض لقال له اغسل هذه اللَمعة أو اللُمعة (وهي) فسرها (أن لا يؤخر غسل عضو حتى يَنْشَف يَنْشِف) يجف (العضو الذي قبله) [بزمن معتدل أو قدره من غيره] بزمن معتدل إذا قيل بأنه لابد من التتابع حينئذٍ الأصل فيه أن يرجع إلى العرف فما عده العرف بأنه فصل فاحش حينئذٍ تعتبر الموالاة منتقضة وما أعده العرف فصل غير فاحش حينئذٍ يعتبر ماذا؟ الموالاة قائمة هذا الأصل فيها لماذا؟ لأنه إذا وجبت الموالاة حينئذٍ هذه المتابعة تختلف من نظر إلى نظر تختلف من زمن إلى زمن من شتاء إلى صيف تختلف من شخص إلى شخص من عضو إلى عضو فالعضو المغسول ببقاء الماء ليس كالعضو الممسوح حينئذٍ ثَمَّ خلاف ما هو المعتبر في ضبط الموالاة؟ هنا قال المصنف [بزمن معتدل] لكن في عرف من في نظر من؟ أوساط الناس (أو قدره من غيره) يعني من غير المعتدل بأن كان حاراً أو بارداً وقال بن عقيلة [ما يفحش في العادة لأنه لم يحد في الشرع] فمع نظر إليه الناظر وهو من أوساط الناس بأنه لم توجد الموالاة حينئذٍ بقينا على الأصل وهو النفي وإن حكم أوساط الناس بأن الموالاة باقية حينئذٍ نبقى على ذلك على هذا القول لا يعتبر جفاف العضو فلو جف العضو ولم يكن ثَمَّ عرف يقتضي بأن هذا الفصل يعتبر فاحشاً حينئذٍ جفاف العضو لا يضر وهنا المصنف علقها بماذا بالجفاف قال (أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) يعني حتى يجف العضو الذي قبله حينئذٍ لابد أن يكون العضو مبتلاً فيغسل العضو التالي والعضو السابق باقي على الماء الذي فيه لكن بشرط أن لا يكون هناك ريح تجفف العضو أو يكون هناك برد مثلاً فيتأخر نشاف العضو أو يكون ثَمَّ حر حينئذٍ يجف مباشرة نقول هذه لابد من اعتبارها ولا يضر إن جف لاشتغاله بسنة إذاً الفرض السادس هو الموالاة، ثم قال (والنية شرط لطهارة الأحداث كلها) هذا فيه رد على الحنفية وهم القائلون بأن الوضوء لا تشترط له النية، والنية في اللغة: هي القصد، وفي الشرع: هي عزم القلب على
стр. 114
فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى. ومحلها القلب وتلفظ بها سراً أو جهراً بدعة يأثم بفعلها لماذا؟ لأن النية عبادة قلبية ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن صحابته حرف واحد بأنهم نطقوا بالنية لا سراً ولا جهراً وما ترك قصداً في عهد النبي ﷺ حينئذٍ فعله بعده يعتبر من البدع إذاً النية هي القصد ومحلها القلب وفي الشرع هي عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى، (شرط) بمعنى أنها ماذا؟ يفوت الوضوء بفوات النية كما أن الطهارة شرط لصحت الصلاة تفوت الصلاة بفوات الطهارة كذلك النية يفوت الوضوء بفوات النية لأن الشرط في اللغة: هو العلامة، وفي الاصطلاح عند الأصوليين: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذلك، حينئذٍ ما يلزم من عدمه من عدم النية العدم عدم الوضوء ولا يلزم من وجوده من وجود الشرط وجود للوضوء ولا عدم لذاته لذات النية بل لأمر آخر فدل ذلك على أن النية شرط لماذا؟ لتحقق حقيقة الشرط فيها دل على ذلك أمران قوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فاشترط هنا في العبادة أن تكون مخلصة لله عزوجل ولا شك أن الوضوء من العبادات فدل ذلك على أن الإخلاص شرط في صحت الوضوء حديث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لك امرئ ما نوى) (إنما الأعمال) أي صحتها (بالنيات) فلا عمل إلا بنية والوضوء عمل حينئذٍ لا يصح إلا بنية إذاً (والنية شرط) بمعنى أن تخلف النية عن الوضوء يتخلف الوضوء من جهة الشرع بمعنى أنه يحكم عليه بعدم الصحة قال (لطهارة الأحداث كلها) لم يخص الوضوء فحسب إنما عمم يعني النية معتبرة (لطهارة الأحداث) احترازاً عن الأنجاس لأن طهارة الخبث لا يشترط لها نية لماذا؟ لأنها من قبيل التروك وما كان من قبيل لا يشترط لصحته النية وإنما تشترط النية للثواب فحسب فمن أزال النجاسة ولم ينوي نقول فعله صحيح لكن هل يثاب؟ الجواب لا يثاب؛ لماذا؟ لأن القاعدة أنه لا ثواب إلا بنية كما أن لا عمل يصح إلا بنية إذاً (لطهارة الأحداث) لا الأنجاس (كلها) بدون استثنى بمعنى أنه لا يصح وضوؤه إلا بنية ولا يصح الغسل إلا بنية ولا يصح التيمم إلا بنية والتيمم هنا ندخله لماذا؟ لأن التيمم في صورته أنه رفع الحدث وإن لم يحصل به في الحقيقة رفع للحدث ومن جهة أخرى هو عبادة وكل عبادة لا تصح إلا بنية (لطهارة الأحداث كلها) بدون استثنى قال في المبدع [بغير خلاف نعلمه] لقوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبد الله مخلصين له الدين حنفاء) والإخلاص محض النية وللحديث الذي ذكره المصنف (إنما الأعمال بالنيات) ولقوله (لا عمل إلا بنية) ولأن الوضوء عبادة لقوله (الطهور شطر الإيمان) أثنى عليه فدل على أنه عبادة وأخبر أن الخطايا تخرج بالوضوء وكل عبادة لابد لها من نية إذاً من توضأ ولم ينوي ما صح وضوؤه لماذا؟ لفوات شرط من شروط صحت الوضوء ولذلك قال الشارح [فلا يصح وضوء ولا غسل وتيمم ولو مستحبات إلا بها] فلو اغتسل غسل جمعة وهو مستحبة سنة مؤكدة حينئذٍ لم ينوي إذا لم ينوي أنه غسل جمعة وإنما نوى التبرد والتنظف هل يثاب؟ لا؛ ما يثاب لماذا؟ لفوات النية، يعتبر آتياً بغسل جمعة؟ الجواب لا لماذا؟ لأنه لا عمل إلا
стр. 115
بنية وهو لم ينوي لابد أن ينوي أن هذا الغسل للجمعة من أجل تحقيقه تحصيله إيجاده ومن أجل ما يترتب عليه من الثواب إذاً لم ينوي حينئذٍ لا ذا ولا ذا فلا يعتبر غسل للجمعة ولا يثاب عليه ولو وجد الغسل من حيث هو لماذا؟ لأن غسل الجمعة عبادة ولو كانت مستحبة حينئذٍ لا تصح إلا بنية، قال المصنف (فينوي رفع الحدث) عرفنا أن النية شرط لطهارة الأحداث كلها ماذا؟ ينوي ماذا يقصد النية هي القصد هي عزم القلب يعزم على أي شيء من أجل أن نحقق أن النية موجودة قال (فينوي) الفاء للتفريع يعني يقصد (رفع الحدث) هذه صورة من صور النية لأن الوضوء إنما كان لرفع الحدث ما هو الحدث؟ هو الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة (فينوي) رفع هذا الوصف الذي يقوم ببدنه فينوي ماذا؟ رفع الحدث يعني رفع حكمه زوال هذا الوصف القائم بالبدن هذه النية الأولى لكن من الذي يأتي بهذا؟! لا طلاب العلم ولا العوام لماذا؟ لأنه قد لا يستحضره الإنسان وإنما الصورة الثانية هي التي تكون معتبرة (فينوي رفع الحدث) أي حكمه (رفع الحدث) بفعل الوضوء أو الغسل هذه الصورة الأولى وهي الأصل (أو الطهارة لما لا يباح إلا بها) يعني لا يستحضر ولا يقصد رفع حكم الحدث وإنما يقصد الذي يريد فعله بالوضوء وهذا الذي يقصد فعله في الوضوء بأن يكون عبادة على مرتبتين: من العبادات ما لا يصح إلا بوضوء أو غسل ومنه ما يصح بدون وضوء أو غسل العبادة على نوعين منه ما يشترط فيه الوضوء أو الغسل ومنه ما لا يشترط فيه ذلك الصلاة مثلاً يشترط لها الطهارة صغرى أو كبرى إذاً نقول الصلاة لا تباح إلا بوضوء، قراءة القرآن عن ظهر قلب هل يشترط لها الطهارة؟ لا لكنها مستحبة، هنا ينوي ماذا؟ قال (أو الطهارة لما) يعني فعل (لا يباح إلا بها) أي بالطهارة وذلك كالصلاة مثلاً كالطواف مثلاً على قول الجمهور لأنه لا يصح إلا بوضوء كذلك مس المصحف فينوي بالوضوء مس المصحف حينئذٍ يكون قد نوى بطهارة لا تصح إلا بوضوء فيرتفع الحدث كذلك يقصد بقلبه أنه توضأ من أجل الطواف والطواف لا يصح إلا بوضوء حينئذٍ يرتفع حدثه كذلك ينوي الصلاة صلاة الجنازة مثلاً أو المكتوبة أو النافلة لأنها لا تصح إلا بطهارة حينئذٍ إذا نوى ما لا يباح إلا بالوضوء هذا تضمن الصورة الأولى وهي رفع الحدث لأنه لا يمكن أن يصلي وهو محدث (أو الطهارة) يعني يقصد (الطهارة لما لا يباح إلا بها) يعني بالطهارة كالصلاة والطواف ومس المصحف لأن ذلك يستلزم رفع الحدث ضرورة أن صحت ذلك لا تجتمع معه وليس المراد هنا (لما لا يباح إلا بها) ليس المراد به بأن تكون العبادة واجبة لا قد تكون مستحبة لماذا؟ لأن نقول قد ينوي الراتبة مثلاً هذه عبادة مستحبة وليست بواجبة قد ينوي الطواف ويكون مستحباً وليس بواجب حينئذٍ نقول نوى عبادة مستحبة لكنه يشترط لصحتها الطهارة إذاً (أو الطهارة لما لا يباح) (لما) يعني لفعل عبادة قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة (لا يباح إلا بها) يعني بالطهارة، ثم قال (فإن نوى ما تسن له الطهارة ارتفع حدثه) (فإن نوى ما تسن له الطهارة) من قول أو فعل ولا تشترط له مثل ماذا؟ قراءة القرآن وذكر الله تعالى هو آذان أراد أن يؤذن النوم أرد
стр. 116
أن ينام على طهارة الغضب أراد أن يتوضأ حينئذٍ نقول إذا قصد هذه الأمور التي لا يشترط لها الطهارة يعني الطهارة تعتبر له مستحبة هل يترفع حدثه أو لا؟ نقول نعم يرتفع حدثه لماذا؟ لأنه قصد طهارة شرعية يترتب عليها استلزاماً أو تضمناً رفع الحدث لأنه لما قيل بأنه إذا أراد أن ينام يتوضأ وضوء ماذا؟ الوضوء المعهود برفع الحدث حينئذٍ إذا أتى بطهارة شرعية استلزم ذلك رفع الحدث إذا لا يوجد وضوء إلا وهو رافع للحدث وإلا ما صح أن يسمى وضوء فلما حكم النبي ﷺ بأن يتوضأ لنوم أو غضب أو إذا أراد أن يقرأ القرآن حينئذٍ نقول هذه الطهارة شرعية وهذه الطهارة الشرعية وهي وضوء لا يسمى وضوء إلا إذا ارتفع الحدث إذ لا يجتمعان هو متوضأ ولم يرتفع الحدث نقول هذا لا يجتمعان لماذا؟ لأنهما نقيضان فلما ثبت أنه يتوضأ بهذه النية استلزم ذلك رفع الحدث إذاً (فإن نوى) بطهارته وضوؤه (ما) يعني فعلاً كالنوم مثلاً أو قولاً كالآذان أو الذكر (تسن له الطهارة) ولا تشترط له حينئذٍ (ارتفع حدثه) وهذه الصورة الثالثة، الصورة الأولى أن ينوي رفع الحدث، الصورة الثانية أن ينوي فعلاً لا يباح إلا بالطهارة، الصورة الثالثة أن ينوي ما تسن له الطهارة ولا تشترط، (أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه ارتفع) هذه الصورة قد تقع وهو أنه قد يحدث ثم يتوضأ ثم يصلي المغرب ثم يجلس ويحدث ثم إذا جاء وقت العشاء نسي أنه أحدث بعد وضوؤه السابق فجدد الوضوء حينئذٍ نوى بوضوئه الثاني رفع الحدث أو لا؟ لم ينوي رفع الحدث بل لو قيل له انوي رفع الحدث قال ما أحدثت حينئذٍ الوضوء الثاني وهي ناسي للحدث هل يرفع الحدث أو لا؟ ننظر في هذا الوضوء إن كان مشروعاً حينئذٍ رفع الحدث وإن لم يكن مشروعاً حينئذٍ لا يرفع الحدث، هل كل وضوء تجديداً يكون رافعاً للحدث أو يكون مسنوناً أو مشروعاً؟ الجواب لا، يشترط في هذا الوضوء أن يكون قد صلى به توضأ ثم صلى به حينئذٍ إذا أراد أن يجدد نقول هذا التجديد مشروع وإن كان الصحيح وهو محل وفاق عند أهل العلم أنه يجوز أن يصلي الصلوات الخمس بوضوء واحد ولكنه يستحب له أن يجدد الوضوء عند كل فرض حينئذٍ إذا صلى به وأراد تجديد الوضوء نقول هذا التجديد مسنوناً وأما أن يتوضأ وضوء كاملاً ثم يريد أن يتوضأ مرة أخرى نقول هذا الوضوء ليس بمشروع حينئذٍ إذا كان قد صلى به ونى تجديداً مسنوناً نقول هذا ارتفع حدثه لماذا؟ لأنه طهارة شرعية والطهارة الشرعية تستلزم رفع الحدث وأما إذا لم يكن مسنوناً حينئذٍ لا يرفع الحدث (أو تجديداً مسنوناً) (أو) نوى يعني (تجديداً) بوضوء سابق عن غير حدث (مسنوناً) فإن لم يكن مسنوناً لم يكن مشروعاً فيكون قد نوى طهارة غير مشروعة فلا يرتفع حدثه قال (ناسياً حدثه) (ناسياً) هذا حال أي ناسياً أن عليه حدثاً حال نيته للتجديد هذا المتبادر من عبارة المصنف ويحتمل عوده لما سبق أيضاً (ناسياً حدثه) قال (ارتفع) يعني ارتفع الحدث مفهوم قوله (ناسياً) أنه لو كان ذاكراً لا يرتفع حدثه أليس كذلك؟ بمعنى أنه لو نوى تجديداً مسنوناً ثم تذكر أنه قد أحدث فنوى التجديد نقول هذا لا يرتفع لماذا؟ لأنه قصد عدم رفع الحدث فيكون متلاعباً إذاً مفهوم قوله
стр. 117
(ناسياً) أنه لو كان ذاكراً لا يرتفع حدثه (أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه ارتفع) يعني ارتفع حدثه وهو المذهب لأنه نوى طهارة شرعية فينبغي أن يحصل له لحديث (لولا أن أشق على أمة لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة) هذا الأصل حينئذٍ يشرع لكنه على جهة الاستحباب فيتوضأ عند كل صلاة لكن يكون قد صلاة بالوضوء الأول فرض أو نافلة حينئذٍ يشرع له التجديد وأما إذا لم يكن قد صلى فلا يشرع له التجديد، (وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب وكذا عكسه) هذه مسألة تتعلق بالطهارة الكبرى (نوى) وهو عليه جنابة مثلاً (غسلاً مسنوناً) عليه جنابة ثم اغتسل غسل جمعة هل يجزئ غسل الجمعة عن غسل الجنابة أو لا؟ المصنف هنا أطلق قال (وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب) بمعنى أنه لو اغتسل ولم ينوي إلا غسل الجمعة أجزأ عن الواجب وهو غسل الجنابة ولم يقيده بكونه ناسياً أو ذاكراً لو قيده كما سبق في المسألة السابقة بكونه (ناسياً حدثه) لاستقام له الأمر ولذلك قال في الوجيز [ناسياً] بمعنى أنه لو كان ذاكراً للجنابة واغتسل الجمعة ولم ينوي رفع الجنابة ما أجزأه وهذا هو الظاهر والله أعلم أنه لا يجزئ لماذا؟ لأنه تعمد عدم رفع الحدث ولأن غسل الجمعة ليس لرفع حدث وإنما هو لإرادة تنظيف لصلاة في المستقبل حينئذٍ نقول هذا الغسل لا يرفع الحدث أبداً إذا كان ذاكراً لحدثه وأما إذا كان ناسياً فالمصنف رحمه الله تعالى والمذهب يرونه يرفع الحدث حينئذٍ كما أن التجديد الوضوء رفع حدثاً وقد نسيه صاحبه كذلك الغسل المستحب يرفع الحدث وقد نسيه حينئذٍ المسألة محلها شيء واحد حدث منسي سواء كان حدثاً أصغر أو كان حدثاً أكبر لكن يشترط أن يكون الذي تلبس به طهارة شرعية وذاك في الوضوء تجديد مسنون وهذا أن يكون طهارة شرعية كغسل جمعة ونحوها (وإن نوى) من عليه جنابة (غسلاً مسنوناً) خرج غير المسنون كالتبرد لو نسي الجنابة واغتسل للتبرد أو التنظف؛ ما أجزأه قولاً واحد لماذا؟ لكون التبرد أو التنظف ليس عبادة ليس بطهارة شرعية (وإن نوى غسلاً مسنوناً) كغسل جمعة قال في الوجيز [ناسياً] يعني ينبغي تقيده ناسياً الحدث الذي أوجبه (أجزأ عن واجب) كما مر فيمن نوى التجديد (وكذا عكسه) بمعنى أنه الواجب يدخل تحته المسنون بمعنى أنه لو اغتسل غسل جنابة ولم ينوي أنه غسل جمعة أجزأ هذا واضح بين ولا إشكال فيه لكن العكس هو الذي محل إشكال حينئذٍ لو نوى بغسله غسل الجنابة ولم ينوي أنه غسل جمعة أجزأ عنهما وإن كان المذهب الأفضل أن يغتسل غسلاً كاملاً للجنابة وغسلاً كاملاً الجمعة لكن هذا لم ينقل والظاهر والله أعلم أن الأدنى يدخل تحت الأعلى أن الأدنى وهو غسل السنة يدخل تحت الأعلى وأما العكس فهذا محل إشكال (وإن نوى غسل مسنوناً أجزأ عن واجب) المصنف هنا لم يقيده بكونه ناسياً ظاهره ولو ذكر أن عليه غسلاً واجباً وتعليله أنه لما كان الغسل المسنون طهارة شرعية كان رافعاً للحدث كل طهارة شرعية سواء كانت واجبة أو مستحبة فهي رافعة للحدث لكن يجب أن يقيد بكونه ناسياً وأما إذا كان ذاكراً فالظاهر لا (وكذا عكسه) أي إن نوى (عكسه) أي خلافه إن نوى واجب أجزأ عن مسنون (وإن نواهما معاً) لا شك أنه حاصل كل منهما (إنما
стр. 118
الأعمال بالنيات) وهذا نوى بعمل واحد جنابة وغسل جمعة وهذا واضح بين [والأفضل أن يغتسل للواجب ثم للمسنون كاملاً] لكن هذا لم ينقل أنه ﷺ اغتسل لواجب ومسنون لمرتين في آن واحد هذا قول بن حزم رحمه الله تعالى لكن فيه نظر (وإن اجتمعت أحداث توجب وضوء أو غسل فنوى بطهارته أحدها ارتفع سائرها) الحدث هل يتبعض ولو تعددت أسبابه؟ الحدث شيء واحد يعني وصف قائم بالبدن والصحيح أنه لا يتبعض بدليل ماذا؟ كيف يتبعض بمعنى أنه قد يغسل العضو ثم نحكم على العضو أنه قد طهر ولو لم ينته من الوضوء نقول ..
стр. 119
لا؛ ليس بوارد لماذا؟ لو قلنا بالتبعيض نقول له توضأ وإذا وصلت إلى يديك مس المصحف قبل أن تغسل رجليك وهذا ليس بصحيح لو قلنا بأن الحدث ارتفع عن اليد قبل غسل الرجلين لجاز له مس المصحف وهذا ليس بظاهر بل الصواب أن لا يرتفع حدثه حتى ينتهي من غسل رجله اليسرى ثم بعد ذلك نحكم عليه بكونه قد ارتفع إن تعددت أسباب الحدث فالحدث شيء واحد حينئذٍ لو نوى بطهارته رفع الحدث الذي تسبب عن البول مثلاً فقط ولم يذكر شيء آخر ارتفع لماذا؟ لأنه وإن تعددت الأسباب إلا أن الحدث شيء واحد فلو نوى برفع الحدث الذي ترتب على سبب ما ارتفعت سائر الأحداث (ولو اجتمعت أحداث) يعني متنوعة ولو متفرقة (توجب وضوء أو) توجب (غسل فنوى بطهارته أحدها) لا على أن لا يرتفع غيره لو نوى أن يرفع حدث ما ترتب على البول دون الريح لم يرتفع لماذا؟ لأنه تعمد أن لا يرتفع الحدث الذي ترتب على الريح مثلاً حينئذٍ لا يحصل له رفع الحدث بل لابد أنه ينوي واحد وقد يسكت عن البقية ولا يستحضر أنه لم يرتفع أو ينوي رفع الحدث عن الجميع وأما أن يقصد يفصل بأن الحدث المترتب على هذا السبب ارفعه والحدث المترتب على هذا السبب لا ارفعه نقول هذا لم يرتفع حدثه على كل هذه المسألة من النوادر (توجب وضوء أو غسل فنوى بطهارته أحدها ارتفع سائرها) يعني كلها وقيل لا يرتفع إلا ما نواه لأنه لم ينوي أشبه ما لم ينوي شيء على كل الصحيح أنه يرتفع لأن الحدث لا يتبعض والأحداث كلها تتداخل فإذا ارتفع البض ارتفع الكل، (ويجب الإتيان بها عند أو واجبات الطهارة) وهو التسمية (وتسن عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب) هذا محل النية متى ينوي؟ عرفنا حكم النية ما هي؟ أنها شرط لطهارة الأحداث كلها، كيف ينوي؟ ما صورة النية؟ ينوي رفع الحدث أو طهارة لما لا يباح إلا بها أو طهارة مسنونة ثم تكلم عن التداخل وذكر صورتين في الغسل وفي الوضوء ثم متى ينوي؟ متى يشترط وجود النية متى نحقق النية؟ قال (ويجب الإتيان بها) يعني بالنية وتقديمها متى إذا جاء ليتوضأ أو أراد الوضوء وجبة النية (عند) قلنا عند هذه تدل على ماذا؟ على القرب (عند) كلما جاءت في نص فالأصل فيها أنه محمولة على القرب ثم يرجع إلى العرف (عند) تدل على القرب حينئذٍ لابد أن تكون النية مقترنة بالفعل وهذا الأصل فيها (إنما الأعمال بالنيات) بمعنى أن العمل لا يصح إلا بنية متى توجد؟ مع وجود العمل هذا الأصل أن تكون مقترنة للعمل إن تقدمة بزمن يسير فهو معفو عنه لأنه لا يمكن نقول لإنسان أول العمل لابد من وجود النية هذا فيه مشقة فحينئذٍ لابد أن تكون النية مقترنة بالفعل وهذا الأصل فيها أو متقدمة عليه بزمن يسير قياساً على الصلاة (عند أول واجبات الطهارة) على المذهب أول واجبات الطهارة التسمية كما سبق (وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر) إذاً أول الواجبات هي الطهارة وإذا قلنا بأن الصحيح أن التسمية سنة ما هو أول الواجبات؟ المضمضة أول الواجبات هو المضمضة لأن غسل الكفين هذا سنة ولو وجب من نوم ليل حينئذٍ نقول هذه عبادة مستقلة ليس داخلة في مفهوم الوضوء حينئذٍ أول واجب يأتي للمتوضأ هو المضمضة حينئذٍ (عند أول واجبات الطهارة) وهو المضمضة على الصحيح أو التسمية
стр. 120
على المذهب وذلك فسره بقوله [وهو التسمية] حينئذٍ إذا كان التسمية واجبة داخلة في مسمى الوضوء لابد أن تكون النية مع التسمية لماذا؟ من أجل أن يوقع التسمية الذي هو أول واجب بنية رفع الحدث فلو لم توجد النية مع التسمية ما صح الوضوء لأنه يكون تاركاً للواجب مع كونه قد أتى به لفظاً لكنه يكون ماذا؟ يكون غير مصاحب لنية فلا يعتبر إذاً (عند أول واجبات الطهارة) وهو التسمية على ما ذكره المصنف حينئذٍ إذا خلت التسمية عن النية نية رفع الحدث على ما ذكرنا سابقاً أو الطهارة لما لا يباح إلا بها أو الطهارة الشرعية لو خلت التسمية عن النية ما صح الإتيان بالتسمية فلابد من الإتيان بها مرة ثلاثة فلو فعل شيء من الواجبات قبل وجود النية لم يعتد به لو بسمل قال بسم الله ولم توجد النية ما يعتد بالنية لماذا؟ لخلوها عن الشرط لأن التسمية داخلة في مفهوم الوضوء لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه حينئذٍ لابد من أن تكون التسمية مقترنة بالنية (وتسن عند أول مسنوناتها) مسنونات الطهارة ما هو أول مسنونات الطهارة؟ غسل الكفين ثلاثاً إذاً النية لها موضعان موضع هو مسنون وموضع هو واجب تجب مع الواجب وتسن مع المسنون حينئذٍ أول ما يقدم عليه المتوضأ هو غسل الكفين ثلاثاً وهو مسنون حينئذٍ يسن الإتيان بالنية في هذا الموضع لماذا؟ من أجل أن يثاب على هذا الفعل لو لم ينوي إلا بعد غسل الكفين ثلاثاً يثاب أو لا يثاب؟ لا يثاب؛ لماذا؟ لأنه عمل خلا عن نية لأنه عبادة هو جزء من عبادة حينئذٍ لا يثاب عليه إلا بنية والقاعدة لا ثواب إلا بنية إذاً النية لها موضعان موضع تجب فيه وهو عند أول الواجبات وهو التسمية على رأي المصنف وهو المضمضة على ما ذكرناه وموضع تسن فيه وهو غسل الكفين ثلاثاً (وتسن) يعني (عند أول مسنوناتها) أي مسنونات الطهارة وهو غسل الكفين ثلاثاً قال (إن وجد قبل واجب) (إن وجد) أول المسنونات (قبل واجب) (إن وجد قبل واجب) لأنه يحتمل أن يبسمل ثم يغسل الكفين أنه يغسل الكفين ثم يبسمل هذا محتمل أو لا؟ محتمل لكن الأصل أن يأتي بالتسمية أولاً ثم يغسل الكفين ثلاثاً حينئذٍ لا إشكال فيه وجب أن يأتي بالنية عند التسمية ثم يكون غسل الكفين تالياً تابعاً وأما إذا غسل كفيه قبل التسمية حينئذٍ نقول تسن ولا تجب إذاً (عند أول مسنوناتها) وهو غسلا كفين ثلاثاً (إن وجد) غسل الكفين (قبل واجب) وهو التسمية لأنه يحتمل أنه ينسى التسمية فيغسل الكفين ثم يقول بسم الله حينئذٍ النية في غسلا كفين مستحبة والنية عند التسمية واجبة ولذلك قال (إن وجد قبل واجب) يعني قبل التسمية لتشمل مفروض الوضوء ومسنونة فمن غسل الكفين بغير نية فهو كمن لم يغسل الكفين من غسل الكفين بدون نية كأنه ما غسل الكفين، (واستصحاب ذكرها في جميعها ويجب استصحاب حكمها) (استصحاب ذُكرها) بضم الذال (استصحاب) أي ملازمة يعني من المسنونات المتعلقة بالنية أن توجد قبل أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب ذلك يسن في النية استصحاب (ذُكرها) يعني تذكر النية بالقلب قلنا ينوي رفع الحدث منذ أن يبسمل ويغسل الكفين إلى أن يغسل الرجلين وهو مستحضر لهذه النية لا تشرد عنه ألبته لأنه قد يقصد في ابتداء وضوؤه رفع الحدث ثم
стр. 121
يذهب ينسى يفكر في موضوع آخر حينئذٍ يكون ثَمَّ ذهول عنه نقول هذا ترك سنة ليس بواجب لماذا؟ لأن من مسنونات النية (استصحاب ذكرها) بأن يتذكرها بقلبه وتبقى مستمرة معه من أول الوضوء إلى آخره فإن ذهل عن النية وهو الإتيان بها وهو ما يعبر عنه باستصحاب حكمها حينئذٍ أن لا ينوي قطعها فلو ذهل عنها ولم يستحضرها حينئذٍ نقول له حالان إما أن ينوي القطع وإما أن لا ينوي؛ إن نوى القطع قطع الوضوء؛ إن لم ينوي القطع حينئذٍ نقول النية باقية باعتبار الأصل لأنه وجدت ولم يأتي منافي وإذا وجدت النية ولم يأتي منافي لها حينئذٍ استصحبت لكن من حيث الحكم لا من حيث الوجوب ولذلك قال (واستصحاب ذكرها) يعني يسن (استصحاب) أي ملازمة (ذكرها) أي تذكر النية بأن يستحضرها في جميع الطهارة لتكون أفعالها كلها مقرونة بالنية ثم لا ينوي قطعها (في جميعها) أي في جميع الطهارة فهو أفضل لتكون أفعاله مقرونة بالنية وأما استصحاب حكمها فهو واجب ثَمَّ أمران استصحاب الحكم واستصحاب الذكر استصحاب الذكر مستحب واستصحاب الحكم واجب (ويجب استصحاب) أي ملازمة (حكمها) أي حكم النية بأن ينوي في أولها ثم لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة فإن عزفت كلها عن خاطره لم يؤثر ذلك في الطهارة ولا في الصلاة إذاً النية لها موضع تسن فيه ولها موضع تجب فيه ثم حال النية باعتبار الوجود والعدم نقول استصحاب ذكرها مستحب واستصحاب حكمها واجب ولذلك يقال بأن النية فعلية موجودة وهذه فيما إذا استصحب ذكرها وقد تكون معدومة لكنها مقدرة الوجود وذلك فيمن يستصحب حكمها (وإن شك في النية في أثناء طهارته استأنفها) إلا أن يكون وهماً كالوسواس فلا يلتفت إليه لأنه شك في النية موجودة أو لا؟ إن كان عنده وسواس فلا يلتفت إليه وإن لم يكن فالشك في الأصل الذي هو النية كعدمه بمعنى أنه ينزل منزلة المعدوم فإذا شك في ترك فرض من فرائض الصلاة أو ترك فرض من فرائض الوضوء كعدمه كأنه لم يوجد وهكذا إن شك في غسل عضو أو مسح رأسه حكمه كمن لم يأتي به لأن الأصل عدمه هذا الأصل فيه ثم ذكر صفة الوضوء فقال (وصفة الوضوء أن ينوي ثم يسمي ويغسل كفيه ثلاثاً) صفة الوضوء الكامل (وصفة الوضوء) أي الكامل أي كيفيته لأن الوضوء عبادة مركبة ذات أجزاء وفعلها النبي على هيئة معينة حينئذٍ لابد من معرفة هذه الصفة كما الشأن في الصلاة والصيام وفي الحج لابد من معرفة الهيئة من أجل الامتثال والوضوء نوعان كامل ومجزئ والكامل هو المشتمل على الواجب والمسنون والمجزئ هو الذي يكتفا به في الواجب فقط قال (أن ينوي) لأنها شرط (أن ينوي) يعني الوضوء للصلاة نحوها أو رفع الحدث على ما ذكر سابقاً (ثم يسمي) (ثم) للتراخي في الأصل لكن هل المراد هنا التراخي مطلقاً أو المراد به المتابعة بأن تقع التسمية بعد النية؟ الثاني هو المراد ليس التراخي هنا مطلقاً بل بما لا يفوت الموالاة يعني هنا (ثم) للترتيب لكن الترتيب الذي تفيده ثم قد يزاد عليه مع تراخي يعني زمن فاصل وهذا كما ذكرنا لابد من المولاة النية لابد أن تكون قريبة من أول الواجبات حينئذٍ ثم هنا ليست على إطلاقها ليس المراد أن ينوي ثم يعني ممكن أن ينوي ثم ينام ثم يستيقظ في صلي صلاة الفجر يتوضأ هنا
стр. 122
وقع فاصل طويل هذا غير معتبر فالنية تكون ملغاة إذاً (ثم) ليس التراخي هنا مطلقاً بل بما لا يفوت المولاة (يسمي) يقول بسم الله ولا يجزئ غيرها إذا أردنا أنها واجبة فلو قال بسم الرحمن ما أجزأه بسم القدوس ما أجزأه كذلك لا يزيد بسم الله الرحمن الرحيم إنما يقتصر على الوارد بسم الله فقط (ويغسل كفيه ثلاثاً) كفيه يغسل الواو هنا بمعنى ثم حينئذٍ تفيد الترتيب (ويغسل) يعني أن يغسل معطوف أن ينوي (كفيه) من رؤوس الأصابع إلى الكوع وهو طرف الزند الذي يلي الإبهام - هذا يعني هذا كله يعتبر كف - (ثلاثاً) والعدد المطلوب من جهة الكمال فقط وإلا لو غسله مرة أو مرتين المرة واجبة والمرتان والثلاثة يعتبر من المستحبات؛ ولو تيقن طهارة الكفين لأن المراد هنا التعبد ليس لإزالت الأذى المراد هنا التعبد يعني لو غسل كفيه ثم بدا له أن يتوضأ نقول كذلك تغسل كفيك لماذا؟ لأن المراد هنا التعبد وليس المراد به تنظيف اليدين إذاً (ويغسل كفيه ثلاثاً) ولو تيقن طهارة الكفين وأما إذا كان مستيقظاً من نوم ليل فهذا حكمه كما ذكرنا سابقاً لأن عثمان وعلي وعبدالله بن زيد وصفوا وضوء النبي ﷺ وذكروا أنه غسل كفيه ثلاثاً ولأنهما آلة نقل الماء للأعضاء ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء (ثم يتمضمض ويستنشق) (ثم) للترتيب (يتمضمض) والمضمضة كما سبق أنها مأخوذة من مضمض الإناء بمعنى حركه مضمض الماء في الإناء بمعنى حركه حينئذٍ لابد من تحريك الماء في الفم أدنى حركة فيكون قد أتى بالواجب الذي هو أقل ما يصدق عليه أنه واجب وأما إذا أراد المبالغة فلابد من إيصال الماء إلى أقاصي الفم (ثم يتمضمض) ويستاك سنة كما ذكرنا أن محله عند المضمضة ويسن أن يستاك معها للحديث وكذلك المبالغة في المضمضة كما سبق في موضعه لكن لغير صائم على ما سبق (ويستنشق) وهو جذب الماء بالنفس إلى باطن الأنف أقله هو أقل الواجب وإلى أقصى الأنف هذا المبالغة فيه وهو مسنون لغير صائم فالمبالغة في المضمضة هو إدارة الماء في جميع الفم وفي الاستنشاق جذب الماء إلى أقصى الأنف والواجب في المضمضة أدنى إدارة للماء في فمه والواجب في الاستنشاق جذب الماء إلى باطن الأنف وإن لم يبلغ أقصاه (ثم يتمضمض ويستنشق) ثلاثاً ثلاثاً بيمينه ولا يفصل بينهما استحباباً يعني يأخذ للمضمضة والاستنشاق بكف فيتمضمض يضع نصفه في فمه والنصف الآخر في أنفه هذه مرة ثم المرة الثانية كذلك يجمع بينهما ثم الثالثة يجمع بينهما ولا يفصل بينهما استحباباً لحديث عثمان أنه توضأ بماء فغسل يديه ثلاثاً ثم غرف بيمينه ثم رفعها إلى فيه فمضمض واستنشق بكف واحدة واستنثر بيساره فعل ذلك ثلاثاً ثم ذكر سائر الوضوء ثم قال إن النبي ﷺ توضأ لنا كما توضأت لكم، قال بن القيم رحمه الله تعالى [وكان يتمضمض ويستنشق تارة بغرفة - مرة غَرفة بفتح الغين يعني المرة الواحدة وبضم اسم للماء المغروف الغَرفة هنا المراد غَرفة - وتارة بغرفتين وتارة بثلاث وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق فيأخذ نصف غرفة لفمه ونصفها لأنفه فيجمع بينهما إذاً لا يفصل بين المضمضة والاستنشاق بمعنى أنه لا يأتي بماء يتمضمض ثم بماء ويتمضمض ثم بماء يتمضمض ثم بماء
стр. 123
ويستنشق هذا يكون قد فصل بينهما بل يجمع بينهما بغرفة واحدة بكف واحد ثم قد يفعله ثلاث مرات وقد يفعله مرتين بل ورد أنه مرة واحدة تمضمض واستنشق ثلاثاً ثلاثاً بكف واحد هذا من بركة النبي ﷺ ، إذاً [ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثاً ثلاثاً بيمينه] أي يتمضمض ثلاث مرات ويستنشق ثلاث مرات، قال بن القيم [ولم يتوضأ إلا تمضمض واستنشق - هكذا على ما ذكرناه سابقاً - ولم يحفظ أنه أخل به مرة واحدة] وقال شيخ الإسلام [ولا يجب الترتيب بينهما وبين الوجه لأنهما من جملته] (والبداءة بمضمضة ثم استنشاق) يعني قبل غسل الوجه هذا يعتبر من المستحبات فلو غسل وجهه كله ثم استنشق ثم تمضمض صح أو لا؟ صح؛ لماذا؟ لأنه خالف في غسل عضو واحد فليس الفم عضو مستقل وليس الأنف عضو مستقل وليس سائر الوجه عضو مستقل بل هو عضو واحد كما لو غسل يده مثلاً لو بدأ من الكف ثم من جهة المرفق ثم الوسط أجزأ أو لا؟ أجزأ كذلك لو بدأ بجهة المرفق ثم غسل الكف نقول أجزأه كذلك لو قدم الاستنشاق على المضمضة أو المضمضة على الاستنشاق أو الوجه على الاستنشاق ثم المضمضة نقول هذا كله جائز ومجزئ إلا أن السنة أن يبدأ بالمضمضة والاستنشاق ثم يغسل سائر وجه [ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثاً ثلاثاً بيمينه ومن غرفة أفضل أي بثلاث غرفات يجمعهما بغرفة واحدة ولا يفصل بينهما وحكا بن رشد الاتفاق عليه لحديث علي أنه مضمض واستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات متفق عليه وفيهما أنه تمضمض واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثاً، قال [ويستنثر بيساره] فلم يذكره لأنه لا استنشاق إلا باستنثار المصنف ما قال ويستنثر مع كونه سنة على المذهب وإن كان الصحيح أنه واجب لكن لم يذكره لأنه لازم له بمعنى أنه إذا استنشق لابد وإن يخرج الماء الذي دخل في أنفه والمذهب أنه مستحب ورواية عن الإمام أحمد وهو الصحيح ويستنثر بيساره (ويغسل وجهه) بالنص يعني سائر الوجه بعد أن يتمضمض ويستنشق للنص السابق (فاغسل وجوهكم) وحده (من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً ومن الأذن إلى الأذن عرضاً) الوجه له حد له طول وله عرض طوله هكذا عرضه من الأذن إلى الأذن طوله يبدأ من أين؟ قال (من منابت شَعْر - شَعَر يجوز فيه الوجهان تسكين العين وفتحها - الرأس) المعتاد غالباً فلا عبرة بالأفرع ولا بالأجلح حينئذٍ إذا كان هذا الموضع الذي اعتاد الناس أن ينبت منه الشعر إذاً هو مبدأ الوجه وبعضهم يعبر بمنحنى الجبهة من الرأس متى ما بدأ الانحناء انتهى الوجه حينئذٍ منذ أن ينحني من جهة الرأس بدأ طول الوجه من جهة العلو وأما ما ذكره المصنف بالاعتبار بنبات الشعر وإنباته هذا فيه نوع إشكال وهو أن الأفرع والأجلح؛ من هو الأفرع؟ قالوا الذي ينبت شعره في بعض جبهته والأجلح هو الذي يكون ثَمَّ صلع عنده ثم يكون من آخر الرأس ينبت الشعر حينئذٍ من نبت شعره في بعض جبهته وجب غسل الشعر لأنه داخل في مسمى الوجه ومن انحصر شعره إلى أول الرأس بأن كان ثَمَّ صلع وهو ما يسمى بالأنزع أو الأجلح هذا نقول لا يجب غسل ذلك الموضع لأن إنبات الشعر قد انحصر من هنا مثلاً حينئذٍ هذا يبقى فارغ هذا داخل في مسمى الوجه أو لا؟ ليس داخل في مسمى الوجه فلو جعلنا
стр. 124
العبرة بإنبات الشعر لدخل هذا لكن قالوا المعتاد يعني في غالب الناس حينئذٍ الأفرع والأجلح لا عبرة بهما فيغسل الأفرع الشعر الذي في جبهته ولا يغسل الأجلح الصلع الذي يكون من جهة أعلى جبهته، إذاً (من منابت شعر الرأس) المعتاد، وعن بعضهم من منحى الجبهة من الرأس هذا من جهة الطول يعني الذي من شئنها في العادة أن ينبت فيها شعر الرأس والمعتاد في أغلب الناس فلا حاجة لذكره غالب بعد المعتاد ولا عبرة بالأفرع الذي ينبت شعره في بعض جبهته ولا بالأزلح وهو الأنزع الذي انحصر شعره عن مقدم رأسه فيغسل الأفرع الشعر الذي ينزل على الوجه لا في الغالب والأصلع يغسل إلى حد منابت الشعر في الغالب وأما الطالع فلا يغسله لأنه تابع للرأس فيمسح ولا يغسل هذا من جهة الطول العلو (إلى منحدر من اللحيين والذقن طولاً) لحيين بكسر اللام وفتحها لَحيين لِحيين جمع لحى وواحدها لحي وهما عظمان في أسفل الوجه قد اكتنفا لحيين عظمان في أسفل الوجه قد اكتنفا وهو ما يسمى هذا منبت الشعر الذي يكون لحية العظم هذا، هذا يسمى لحى وهذا يسمى لحى إذاً تثنيتهما لحيان ولذلك قال (إلى منحدر) يعني ونزل (من اللحيين) وهو العظم الذي تنبت عليه اللحية (والذَقن) أو الذِقن يجوز فيهما الوجهان وهما مجمع اللحيين من أسفلهما - يعني هذا الذي يسميه الناس الآن ذقن دقن يقول ربى دقنه يعني اللحية كلها تسمى ذقناً وهذا خطأ - الذقن هو مجمع اللحيين لأن هذا لحى وهذا لحى يجتمعان في هذا إذاً من جهة العلو منبت الشعر أو منحنى الجبهة إلى الذقن وهو مجمع اللحيين كذلك اللحيان داخلان في مسمى الوجه (إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً) وأي من جهة الطول قال المصنف هنا الشارح [مع ما استرسل من اللحية] لا شك أن الشعر النابت على اللحيين والذقن داخل يعني لو نظر هكذا لآن هذا الشعر داخل في مسمى الوجه بإجماع لماذا؟ لأنه داخل في مسمى الوجه وطرف الوجه الذي اللحى اليمنى واليسرى والذقن الذي ينبت عليه داخل بالإجماع لا خلاف فيه لكن الذي يخرج ويسترسل لآن هذا ليس داخل في مسمى الوجه هذا ليس بداخل في ما ينبت على الذقن حينئذٍ هل يدخل في مسمى الوجه أو لا؟ هذا محل نزاع بين الفقهاء والصحيح وهو المذهب أنه يجب غسله بمعنى أنه يغسل ظاهر ما استرسل من اللحيين والذقن لماذا؟ لأن الله تعالى قال (فاغسلوا وجوهكم) والوجه مأخوذ من المواجهة وهو ما تحصل به المقابلة وأنت إذا قابلت الناس تقابلهم بماذا؟ بوجهك وما استرسل من اللحية حينئذٍ يكون داخل في مفهوم الوجه وإن كان رجح بن رجب رحمه الله تعالى بأنه يستحب وليس بسنة ولذلك قال (مع ما استرسل من اللحية)، (ومن الأذن إلى الأذن عرضاً) يعني من جهة العرض حينئذٍ لو عبر المصنف بقوله ما بين الأذنين لكان أولى (ومن الأذن إلى الأذن) لأن الأصل في (إلى) أنها غائية وإذا كانت غاية فما بعدها ليس بداخل فيما قبلها أليس كذلك؟ إذا كانت إلى غائية ما بعدها لا يكون داخل فيما قبلها حينئذٍ (من الأذن) داخل وقيل ليس بداخل (إلى الأذن) ليس بداخل، فلو عبر ما بين الأذنين لكان أولى، (ومن الأذن إلى الأذن) إذاً عبارة (إلى الأذن) أنه ليس بداخل وليس الأمر كذلك (عرضاً) يعني من جهة العرض
стр. 125
لأن ذلك تحصل به المواجهة، والأذنان ليسا من الوجه بل هما تابعان للرأس فيمسحان مع الرأس بل البياض الذي بين العذار والأذن منه؛ العذار هو الذي يكون بين هذه العظمة ماذا تسمى؟ عذار الرجل شعره النابت في موضع العذار؛ نفس هذه العظمة التي تكون مقابلة لفتحت الأذن - انظر هنا توجد عظمة هنا هذه تسمى العذار - بين اللحية وبين الأذن فراغ بياض واضح حينئذٍ نقول هل داخل في مسمى الوجه أو لا؟ هل يغسل أو لا يغسل؟ جماهير أهل العلم إلا مالك رحمه الله تعالى على أنه داخل في مسمى الوجه ولذلك العبرة عندهم يمثلون في المغني وغيره يقول بوجه الصبي، وجه الصبي هذا البياض داخل قطعاً لأنه ليست له لحية فما يكون بين الأذنين يكون داخل في مسمى الوجه إذاً لا يلتفت إلى أن آخر الوجه هو اللحية الشعر النابت على العذار الذي هو العظام التي يكون مسامت لصماخ الأذن يعني خرق الأذن بل الشعر الذي يكون على العذار داخل في مسمى الوجه فيجب غسله كذلك البياض الذي يكون بين الأذن وبين العذار داخل في مسمى الوجه فيجب غسله ولذلك قال [بل البياض الذي بين العذار والأذن منه] يعني من الوجه، ثم قال المصنف (وما فيه من شعر خفيف) يعني ويغسل (ما) الذي (فيه) يعني في الوجه (من شعر خفيف) الشعر الذي يكون في الوجه نوعان: شعر كثيف؛ وضابطه الذي لا يرى بشرته يعني لا يرى ما تحته هذا يسمى شعراً كثيفاً الواجب فيه غسل ظاهره ويسن تخليله، النوع الثاني: شعر خفيف وهو ما يرى بياض البشرة يعني ترى البشرة كالذي يكون على الخدين مثلاً هذا في الغالب يكون خفيفاً هذا يجب غسله وما تحته فلا يكتفا بمسحه أو بغسل ظاهره بل لابد أن يوصل الماء إلى داخل البشرة وذلك قال (وما فيه من شعر خفيف) يعني ويغسل (ما فيه) أي في الوجه (من شعر خفيف) يصف البشرة [كعذار] وهو الشعر الذي يكون نابت على العذار يسمى ماذا؟ يسمى عذار [وعارض] وهو صفحة الخد الغالب أنه يكون خفيفاً فيجب غسل الشعر وما تحته [لا صدغ وتحذيف] الصدغ بضم الصاد هو الشعر الذي بعد انتهى العذار هذا الذي يكون تابعاً للرأس يعني بعد العذار تنظر هنا شعر هذا تابع لأي شيء؟ للوجه أو للرأس؟ يختلف لأنك لو قلت تابع للوجه وجب غسله وإذا قلت تابع للرأس وجب مسحه فيختلف حينئذٍ يكون الشعر الذي بعد العذار من فوق إلى جهة الرأس هذا تابع للرأس فيمسح ولا يغسل، والتحذيف والمراد به الشعر الذي بعد انتهى العذار الخارج إلى طرفي جبين بجانب الوجه يعني هذا الذي يكون من جهة اللوح هذا يسمى تحذيفاً محذف هكذا حينئذٍ نقول هذا يجب مسحه تبعاً للرأس ولا غسله تبعاً، (والظاهر الكثيف مع ما استرسل منه) يعني ويغسل الشعر (الظاهر) من (الكثيف) أي الملتف بحصول المواجهة به فوجب تعلق الحكم به قال النووي [لا خلاف في وجوب غسل اللحية الكثيفة ولا يجب غسل باطنها] لماذا؟ لأنها كثيفة فيجب غسل الظاهر وأما الباطن فهذا يستحب تخليله [ولا البشرة اتفاقاً] وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم قال بن رشد [هذا مما لا أعلم فيه خلافاً] (مع ما استرسل منه) يعني ما نزل وانحدر من اللحية حينئذٍ يجب غسل الظاهر (ما استرسل منه) وإن طال ولو وصلت إلى السرة يجب غسل الظاهر
стр. 126
ولا يجب غسل الباطن وإنما يستحب تخليل اللحية على ما مضى معنا إذاً (والظاهر الكثيف مع ما استرسل منه) يعني من الوجه أو اللحية ويخلل باطنه استحباباً (ثم يديه مع المرفقين) يعني (ثم) يغسل (يديه) بالنص السابق (مع المرفقين) نص على المرفقين هنا ولم يذكرهما مع الفرائض (ثلاثاً) لحديث عثمان وغيره (ثم يديه مع المرفقين)، (ثم يمسح كل رأسه) هناك قال (مسح الرأس) وقلنا أل هنا تفيد العموم ومراده كل الرأس نص هنا على ذلك وقال (ثم يمسح) والمسح إنما يكون بالماء وهل يعفى عن يسيره للمشقة أو لا؟ المذهب لا أنه لا يعفى عن اليسير لابد من التعميم لو ترك قدر أنملة ما صح مسحه فعند بن تيمية وبعض الفقهاء أنه قد يعفى عن يسيرة بالمشقة وظاهر النصوص هو المذهب أنه لا يعفى (ثم يمسح كل رأسه) من منابت شعر الرأس المعتاد يعني غالباً على ما تقدم في حد الوجه إذا قفا يعني من منتهى الوجه منحنى الجبهة إذا قيدناه بذلك أو منابت شعر الرأس إلى القفا آخر الرأس بالماء هذا واضح (مع الأذنين مرة واحدة) (مع الأذنين) يعني ظاهر (الأذنين) وباطنهما (مرة واحدة) بمعنى أنه لا يثلث ولا يستحب التكرار لا مرتين ولا ثلاثة وما فهمه بعض الفقهاء من حديث توضأ مرتين مرتين أنه شامل لمسح الرأس قد أخطأ في الفهم لماذا؟ هذا النص مجمل فلا يلتفت إليه من جهة التفصيل كذلك توضأ ثلاثاً ثلاثاً لا يؤخذ منه تثليث مسح الرأس لأن هذا مجمل فنرجع إلى التفصيل (مع الأذنين مرة واحدة) على ما سبق ذكره أنه يسن مسحهما بماء حديد والصحيح أنه لا يستحب (مع الأذنين مرة واحدة) لحديث بن عباس (مسح برأسه وأذنيه باطنهما وظاهرهما) صححه الترمذي وغيره وقال [العمل عليهما عند أكثر أهل العلم فيجب مسحهما معه لأنهما منه] يعني من الرأس وبعضهم يرى أنه سنة بناء على أن الحديث ضعيف (الأذنان من الرأس)، [فيمر يديه] يعني صفة المسح الأصل أنه كيف ما مسح أجزأ سواء مسح بأصبع بأصبعين بكف بكفين مسح بمنديل بخرقة أين كان كيف ما مسح أجزأه لماذا؟ لأن الله تعالى قال (وامسحوا برؤوسكم) أطلق المسح حينئذٍ كيف ما مسح أجزأ ولا يشترط فيه مباشرة اليد لو أخذ خرقة وبلاها ومسح رأسه وعمم أجزأه لو أخذ أصبع أو أصبعين وبللهما ثم عمم المسح نقول أجزأه لكن ثَمَّ سنة في صفة المسح [فيمر يديه مبلولتين من مقدم رأسه إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه ثم يدخل سبابته في صماخي أذنيه - خرقين - ويمسح بإبهاميه ظاهرهما والسبابة تكون في الباطن] ولذلك قال [ويجزئ كيف ما مسح] إذاً [يمر يديه مبلولتين من مقدم رأسه إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه ثم يدخل سبابته صماخي أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما] يعني السبابتين تكون في داخل الأذنين يمسح بهما وبالإبهامين ظاهر الأذنين، الواجب مسح ظاهر شعر الرأس فلو أدخل يده تحت الشعر فمسح البشرة فقط دون الظاهر لم يجزئه، (ثم يغسل رجليه مع الكعبين) كل رجل يبدأ باليمنى ثم باليسرى ثلاثاً لحديث عثمان وغيره (مع الكعبين) أي العظمين الناتئين في أسفل الساق الجانبي القدم كما سبق، ثم قال (ويغسل الأقطع) (يغسلُ) بالرفع ليس عطفاً على ما سبق انتهى من صفة الوضوء (ويغسل الأقطع بقية المفروض)
стр. 127
بمعنى أن تلك المواضع الأربعة منها ما قد يزول كيد مقطوعة أو رجل مقطوعة ما حكمه حينئذٍ نقول إن بقي شيء من المفروض وجب غسله لو قطع كف الأيمن بقي الذراع حينئذٍ نقول بعض المفروض موجود فتعلق الحكم به وأما ما زال زال حكم حينئذٍ إذا سقط جزء من العضو مع بقاء الباقي نقول ما بقي وجب غسله لو قطع زيادة على موضع المفروض كأن يكون مثلاً من المنكب نقول سقط الغسل من أصله لو قطع من المفصل حينئذٍ نقول يستحب غسل العظم بمعنى أن المرفق قد زال لكن لو بقي المرفق؛ لا ... ؛ لأنه يعتبر جزء من المفروض فيجب غسله لكن إذا كان من حدوده حينئذٍ نقول يستحب ولا يجب والصحيح أنه لا يستحب، إذاً (ويغسل الأقطع بقية المفروض) [إن بقي بلا خلاف] أي (يغسل) مقطوع اليد أو الرجل (بقية المفروض) أصلاً وتبعاً وجوباً [بلا خلاف] لحديث (إذا أمرتكم بأمرين فأتوا منه ما استطعتم) وهنا قد أمر الرب جل وعلا وأمر نبيه ﷺ هذا لم يستطع أن يغسل ما بقي وحينئذٍ تعلق به الحكم (فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه) إن بقي شيء من المرفق نعم وأما إن لم يبقى يعني من طرف المرفق حينئذٍ نقول يستحب عند بعضهم والصحيح أنه لا يستحب (غسل رأس العضد منه) [وكذا الأقطع من مفصل كعب يغسل طرف ساق] إذاً الأحوال ثلاثة: أن يبقى من محل الفرض شيء فيجب غسله بلا نزاع، ثانياً: أن يكون القطع من فوق محل الفرض فلا يجب الغسل بلا نزاع لأنه يسقط لكن يستحب أن يمسح محل القطع بالماء لأن لا يخلو العضو من طهارة والصواب أنه لا يستحب لأنه ما بقي شيء، ثالثاً: أن يكون القطع من مفصل المرفقين أو الكعبين فيجب غسل طرف الساق والعضد على الصحيح من المذهب نعم إذا بقي شيء من المرفق أو الكعب وجب وأما إذا لم يبقى زال الحكم، (ثم يرفع نظره إلى السماء) بعد فراغه من الوضوء (ويقول ما ورد) هذا ورد فيه حديث لكنه ضعيف لما رواه أحمد وأبو داود وغيره (من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء فقال أشهد أن لا إله إلا الله .... ) جملة (ثم رفع نظره إلى السماء) شاذة ليست بثابتة قال في الإرواء [وهذه الزيادة منكرة لأنه تفرد بها بن عم أبي عقيل وهو مجهول] إذاً هذه الزيادة ضعيفة فلا يترتب عليها حكم (ويقول ما ورد) ومنه أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله؛ جاء في حديث عمر (ما منكم من أحد يتوضأ فسبق الوضوء ثم يقول ....
стр. 128
إلا فتح له أبواب الجنة الثمانية) وزاد الترمذي وغيره (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) لكنها زيادة ضعيفة، قال (وتباح معونته) (تباح) إباحة وهي الأصل (معونته) أي معونة المتوضأ كتقريب ماء للغسل أو الوضوء أو صبه عليه لحديث المغيرة (فصببته عليه فتوضأ وضوؤه للصلاة) متفق عليه واستعان بأسامة في صب الماء على يديه إلى آخره ثَمَّ نصوص تدل على أن النبي ﷺ قد توضأ بمعونة غيره إما أن يصب عليه الماء إلى آخره نقول الأصل فيها الإباحة (وتباح معونته) أي معونة المتوضأ (وتنشيف أعضائه) يعني يباح له للمتوضأ أو المغتسل (تنشيف) أي تجفيف (أعضائه) وقيل تركها أولى أي مسحها بخرقة ونحوها لحديث سلمان (توضأ ثم قذف جبة كانت عليه فمسح بها وجهه) رواه بن ماجه وغيره وفيه شيء من الضعف، وحديث قيس بن سعد (ناوله ملحفة فشتمل بها) رواه أحمد وأبو داود وللبيهقي (كان له خرقة كان يتنشف بها بعد الوضوء) ولأنه إزالت للماء عن بدنه أِشبه نفضه بيديه على كل الأصل فيها الإباحة من أراد أن يفعل فعل وأما أن يقال بأنه يستحب هذا محل نظر وإن قيل بأنه يستحب قد يقال في الوضوء دون الغسل، ومن وضأه غيره ونواه هو صح إن لم يكن الموضئ مكرهاً أو مقنع إن لم يكن الموضئ مكرهاً بغير حق وكذا الغسل هذه المسألة لابد منها وهو أنه قد يوضأ شخص بمعنى أنها ليس إعانة وإنما يوضئه بمعنى يغسل له العضو كأن يكون مريض مثلاً فيأتي بالماء يغسل وجهه أو يمضمضه أو يغسل يديه أو رجليه من الذي ينوي؟ الموضئ أو المتوضئ؟ المتوضئ بالفعل هو الذي ينوي؛ والموضئ ليس هو إلا آلة فقط هو كالماء يعتبر آلة حينئذٍ لا ينوي عن ذلك المتوضئ (إنما الأعمال بالنيات) رفع الحدث يكون عن ذلك الذي وضئ وليس عن ذلك الموضئ حينئذٍ النية تكون تابعة له والله أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 129
عناصر الدرس
* باب المسح على الخفين، والحكمة من التبويب به بعد الوضوء.
* حكم المسح على الخفين ثابت بالأخبار المتواترة عن النبي ﷺ .
* الفرق بين من عصى بسفره، ومن عصى في سفره، وهل يجوز لهما الترخص؟
* يبدأ المسح على الخف من أول حدث.
* شروط الممسوح عليه.
* المسح على الجورب، والعمامة.
* للعمامة في لسان العرب صفتان فقط.
* حكم من جُبر له عضو من أعضاء الطهارة.
* من مسح في سفر ثم أقام، أو عكس، أو شك في ابتدائه.
* تعريف الجرموق، وحكم المسح عليه، وصفة المسح.
* محل المسح من الحائل.
* نواقض المسح على الخف، ونحوه.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
فنشرع في شرح الزاد المختصر حيث وقفنا عند باب المسح على الخفين، وباب المسح على الخفين يذكره الفقهاء بعد باب الوضوء وصفة الوضوء لأن أحكامه تتعلق بأحد أحكام الوضوء، حيث أنه الأصل يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل قدميه هذا الأصل ثم القدمان قد تكونا مكشوفتين حينئذٍ الأصل هو الغسل هذا هو الواجب وقد تكونا مستورتين في حائل حينئذٍ جاء الباب الذي يعنون له الفقهاء بمسح الخفين وبعضهم يعنون بمسح الحائل وهو أشمل لأنهم سيذكرون أربعة أمور المسح على الخفين والعمامة والجبيرة والخمار هذا أربعة أشياء تذكر تحت هذا الباب ويعنون للباب بالمسح على الخفين لأن المسح على الخفين هو الأصل ولذلك العمامة مقيسة عليه مع وجود بعض النصوص وكذلك المسح على الخمار مقيس على المسح على الخفين والجبيرة كذلك إذاً ترجع إلى المسح على الخفين قال أحمد [سبعة وثلاثون نفساً يرون المسح عن النبي ﷺ ] فهو ثابت وهو محل إجماع عند أهل السنة والجماعة، (باب مسح الخفين) [المسح لغة: إمرار اليد على الشيء]، [وشرعاً: إصابة البِلة لحائل مخصوص في زمن مخصوص]، [إصابة البلة] ولا يقيد بالمسح باليدين لأن المراد هو المسح فحسب بمعنى أنه لو مسح بيده أجزأ وهو الأصل ولو مسح بشيء يبله بماء ثم مسح به دون أن يباشر بيديه كذلك أصاب السنة، ولذلك يعرف [بإصابة البلة] إصابة أعم من أن تكون باليد أو غيره فلو بلالا منديل مثلاً ومسح خفيه صح [لحائل مخصوص في زمن مخصوص] يعني ليس مطلقاً كما سيأتي تفصيله، [والخف واحد الخفاف التي تلبس على الرجل سمي بذلك لخفته وقيل مأخوذ من خف البعير]، [وهو شرعاً: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه] والمذهب وكثير من الفقهاء يخصون ما كان من جلد باسم الخف وما عداه فسيأتي أسماؤه كالجرموق وغيره باب مسح الخفين وهو رخصة وهو مذهب الأئمة وهو مجمع عليه ولذلك قال حسن [حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على خفيه] وقال النووي [روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة] ولذلك قال الإمام أحمد [ليس في نفس من المسح شيء في أربعون حديثاً عن النبي ﷺ ] وقال بن القيم رحمه الله تعالى [صح في الحضر وفي السفر ولم ينسخ حتى توفي رسول الله ﷺ ] إذاً هو محل إجماع وجاءت النصوص مبينة لذلك، ولذلك نقول الأصل في المسح حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال (كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإن أدخلتهما طاهرتين) والحديث مخرج في الصحيحين، كذلك حديث جرير (رأيت النبي ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه) إذاً بال ثم توضأ ومسح على خفيه دلت ذلك على أن المسح ثابت ولذلك قال إبراهيم النخعي [وكان يعجبهم ذلك لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة] لأن المائدة جاء فيها (وأرجلَكم) بالنصب عطفاً على الغَسل حينئذٍ هل هو ناسخ للمسح على الخفين أو لا؟ نقول ليس بناسخ للمسح على الخفين؛ لماذا؟ لأن النبي
стр. 130
صلى الله عليه وسلم مسح بعد نزول آية المائدة بدليل أن جرير أسلم بعد نزول المائدة، إذاً المسح ثابت وهو رخصة، قال المصنف رحمه الله تعالى (يجوز يوماً وليلة لمقيم ولمسافر ثلاثة بلياليها) هذا بيان لمدة المسح كم تكون؟ ثَمَّ فرق بين المقيم والمسافر فكل من لم يكن مسافراً فهو مقيم وينبني هذا على الخلاف في حقيقة السفر لم تكون إلى آخره فمن ثبت سفره حينئذٍ انتفت عنه الإقامة وأما المذهب فالناس فيه على ثلاثة أقسام أو ثلاثة أحكام؛ الأول الإقامة وهي لكل مسافر أقام إقامة تمنع القصر فإنه مقيم ولا يسمى مستوطناً، والمستوطن هو الذي اتخذ هذا البلد وطناً له، والسفر واضح حكمه فحينئذٍ الأقسام ثلاثة، والصحيح أنه ليس عندنا إلا مسافر ومقيم فكل مقيم سواء أقام في بلده الذي ولد فيه ونشأ فيه فهو مقيم وكذلك إذا سافر وعلى القول بأنه إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام فهو كذلك مقيم وليس عندنا شيء اسمه مستوطن لعدم وجود النصوص، إذاً (لمقيم) هذا أراد به ما يقابل المسافر (يجوز يوماً وليلة) يعني (يجوز) المسح على الخفين (يوماً وليلة) يعني أربع وعشرين ساعة (لمقيم) ويدخل فيه المستوطن على المذهب والدليل على ذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه وهو مخرج في صحيح مسلم (جعل النبي ﷺ للمقيم يوماً وليلة) إذاً ثَمَّ تحديد وهذا وقت له ابتداء وله انتهى إذاً هي عبادة مؤقتة المسح على الخفين يعتبر عبادة مؤقتة من الذي أجاز أصالة من حيث المسح هو الشرع من الذي قيد ووقت هو كذلك الشرع، (ولمسافر ثلاثة بلياليها) يعني اثنتان وسبعون ساعة، فثلاثة أيام بلياليها كذلك جاء بالنص (ولمسافر ثلاثة أيام بلياليهن) وهذا وإن لم يكن محل وفاق بين أهل العلم إلا أنه قول الجمهور حيث أن مالك رحمه الله تعالى خالف في هذه المسألة، إذاً أول ما بدء المصنف رحمه الله تعالى ببيان التوقيت (يجوز يوماً وليلة) لماذا عبر بالجواز مع كونه قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً؟ قال يجوز لأنه رخصة وهو يكون في المأذون فيه بلا نزاع والمأذون فيه هو ما لم ينهى عنه حينئذٍ يدخل فيه الواجب والمستحب والجائز إذا قيل يجوز لا يمنع أن يكون واجباً ولا يمنع أن يكون مندوباً ولا يمنع أن يكون مباحاً بالاصطلاح الأصولي حينئذٍ لا يرد على المصنف من حيث كون المسح يوم وليلة هو واجب أو مستحب لأنه عبر بقوله (يجوز) نقول يجوز هذا شيء عام يقابل الذي نهي عنه والذي نهي عنه هو المحرم والمكروه حينئذٍ الذي يقابله ما هو؟ ثلاثة أشياء إما أن يكون واجباً وإما أن يكون مندوباً وإما أن يكون مباحاً إذاً قوله (يجوز) شمل الثلاثة الأنواع فمراده أن فعل الرخصة قد يكون واجباً ومندوباً وجائزاً وغير المأذون وهو الحرام والمكروه هذا محل خلاف بين أهل العلم هل تكون الرخصة متعلقة بالمحرم والمكروه هذا محل نزاع المذهب أن الرخصة هنا خاصة بغير العاصي يعني الذي عصى بسفره هذا لا يترخص لا بمسح على الخفين ولا بفطر في رمضان ولا بأكل ميتة ونحوها والصواب أن النصوص عامة لم تفرق بين سفر وآخر، وفرق بين أن يقال عصى في سفره وبين أن يقال عصى بسفره؛ عصى في سفره هذه وقعت المعصية في أثناء السفر بمعنى أنه سافر لطاعة كحج أو
стр. 131
عمرة أو لأمر مباح كنزهة وسياحة ثم ونحوها ثم وقع في معصية في أثناء السفر هذا يقال فيه بأنه عصى في سفره حينئذٍ هذا يترخص ولا إشكال فيه، عصى بسفره بمعنى أن سفره وقع معصية سافر لمحرم أو نحو ذلك حينئذٍ نقول السفر كله من أوله إلى آخره محرم يعتبر معصية هل يترخص أو لا؟ المذهب لا؛ لأن الرخص إنما هي تخفيف فإذا كان كذلك فالعاصي لا يرخص له لا يخفف له فلا يفطر لا في رمضان لا يجوز له الفطر ولا يقصر الصلاة ولا يمسح على الخفين ولا يأكل الميتة إلى آخر ما يترخص به المسافر والصحيح أنه يترخص كغيره لماذا؟ لأن النصوص عامة ولو كان هذا النوع مما لا تشمله الرخصة لجاء الشرع ببيانه والصواب أن السفر سواء كان سفر طاعة مطلقاً أو وقعت معصية في سفر أو سافر وكان السفر معصية أنه يترخص، قال (ولمسافر ثلاثة - أيام - بلياليها) (لمسافر) سفراً غير محرم ولا مكروه هذا على المذهب ولذلك قال في الشرح [سفراً يبيح القصر] (ثلاثة - أيام - بلياليها) لحديث علي يرفعه (للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة)، (من حدث بعد لبس على طاهر) بعد أن بين المدة وأن المسح عبادة مؤقتة لها ابتداء ولها انتهاء حينئذٍ متى يبدأ التوقيت يعني يوماً وليلة أو ثلاثة أيام بلياليها قال (من حدث) يعني ابتداء المدة سواء للمسافر أو للمقيم (من حدث) يعني من أول حدث ولو لم يتوضأ ويمسح على خفيه حينئذٍ يكون هذا الوقت داخل في الوقت المشروع فيه المسح فلو توضأ مثلاً لصلاة الفجر ولبس خفيه ثم بعد الفجر أحدث مباشرة ثم توضأ للظهر ومسح متى يبدأ الوقت؟ متى يحصل أربع وعشرين ساعة؟ من أول حدث ليس من المسح وهذا قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح ولذلك قال هنا (من حدث) ومن هنا للابتداء (من حدث بعد لبس على طاهر) (من حدث بعد لبس) لماذا قيد بالحدث؟ لأن الحدث سبب لوجوب الوضوء فعلق الحكم به ولذلك كما جاء في الأحاديث (يمسح يوماً وليلة) فهم بعض أهل العلم أن التقيد هنا بـ (يمسح) دليل على أن أول الوقت هو أول المسح وليس الأمر كذلك بل الصواب أن قوله يمسح هذا بيان لجواز المسح بمعنى أنه يباح له المسح حينئذٍ لا يفهم منه أن الحكم مقيد بأول المسح بالصواب أنه متى ما جاز له حينئذٍ صار من وقته، ولذلك لو قيل لو أحدث بعد الفجر ولم يتوضأ ويمسح إلا لصلاة الظهر ما بين الفجر والظهر هل له أن يمسح أو لا؟ له أن يمسح إذاً جوزت له المسح؛ هل يجوز له المسح لا في الوقت المحدود له شرعاً؟ الجواب لا، فدل لذلك لجواز المسح في هذه الفترة الزمنية دل على أنه قد بدأ في الوقت المحدد له شرعاً، إذاً (من حدث) من هنا للابتداء (من حدث) يعني من أول حدث حصل له لأن الحدث سبب وجوب الوضوء فعلق الحكم به وهذا المذهب وكذلك هو مذهب الحنفية والشافعية لأن ابتداء المدة من حين جواز الفعل كالصلاة فهو وقت لها، الصلاة يؤذن لصلاة الظهر ثم قد لا يصلي إلا قبل خروج بنصف ساعة أو ربع ساعة حينئذٍ وقته ابتداء من دخول الوقت من الأذان مثلاً حينئذٍ الساعة الأولى والساعة الثانية هل هي وقت لفعل الصلاة أم لا؟ وقت لفعل الصلاة لكنه لم يفعل الصلاة إلى في آخرها فكونه لم يفعل لم يتلبس بالصلاة إلا في الجزء الأخير من الزمن المحدد
стр. 132
للصلاة لا ينفي أن يكون أول الصلاة وقت للصلاة ومثله القول في اليوم وليلة للمسح على الخفين، (بعد لبس على طاهر) يعني لا يبدأ للابتداء المدة إلا (بعد لبس) له أي للخف (على طاهر) هذا بيان للخف الذي يجوز المسح عليه (على طاهر) أي على طاهر العين فلا يمسح على نجس ولو في ضرورة حينئذٍ يشترط في الخف الذي يجوز المسح عليه أن يكون طاهر العين أما المتنجس الذي هو في الأصل طاهر لكن حلت به نجاسة فهذا يجوز المسح عليه ولكن لا يصلي فيه حتى يزيل النجاسة بمعنى أن الاحتراز هنا من نجس العين كخف مصنوع من جلد خنزير مثلاً أو جلد كلب نقول هذا طاهر العين أو نجس العين؟ هذا نجس العين ولا يقال متنجس وقد يكون متنجس لكن الأصل يغلب عليه حينئذٍ لا يوصف الشيء بكونه متنجساً إلا إذا كان طاهر في الأصل فحلت به نجاسة وأما إذا كان نجس العين كخف مصنوع من جلد كلب ونحوه نقول هذا لا يصح المسح عليه، أما المتنجس فيجوز المسح عليه لكن لا يصلي به وله مس المصحف إذا كان لابس لخف متنجس ونحو ذلك ولكن لا يصلي به إلا بعد غسله، إذاً (بعد لبس على طاهر) طاهر العين فلا يمسح على نجس كجلد حمار على المذهب أو خنزير لأن نجس العين منهي عنه فلا يصح المسح عليه خف كان أو غيره قد حكي الإجماع على هذا حكاه النووي رحمه الله تعالى حيث قال [لا يصح المسح على خف من جلد كلب أو خنزير أو جلد ميتة لم يدبغ وهذا لا خلاف فيه] أن نجس العين لا يصح المسح عليه وفي الإنصاف [ومنها طهارة عينه إن لم تكن ضرورة بلا نزاع] يعني من شروط المسح على الخفين أن يكون طاهر العين لماذا؟ لأن نجس العين منهي عنه وإذا كان منهي عنه حينئذٍ لا يصح أن يكون مما تجيزه الشريعة لأن المسح على الخفين رخصة فخرج ما نهي عنه شرعاً كذلك اليد المبلولة إذا باشرت النجاسة تنجست أليس كذلك؟ فلو بَلَّ يديه وأراد أن يمسح تنجست اليد، (مباح) هذا الشرط الثاني أن يكون الذي يجوز المسح عليه مباح فلا يجوز المسح على مغصوب سواء كان محرماً لذاته أو محرماً لغيره لأن إذا صححاً المسح على الخف المحرم نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثراً صحيحاً وهذا كما سبق مراراً النهي يقتضي فساد المنهي عنه لعموم حديث (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) حينئذٍ كل معصية أو كل من تلبس بطاعة وكانت مبنية على معصية فالأصل بطلانها فإذا كان ثَمَّ خفاً مسروقاً أو محرماً أو مغصوباً أو نحو ذلك فلو مسح عليه لا يصح لماذا؟ لأنه منهي عنه وإذا كان منهي عنه قد قال النبي ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا قد عمل عملاً ليس عليه أمر النبي ﷺ وهو مردود عليه ولو صححاً عبادته مع كونها مبنية على معصية لبنينا أثر على هذا المحرم والأصل هو إعدامه بمعنى أن الأصل هو إعدام الغصب مثلاً بين الناس فإذا صححاً الصلاة في الأرض المغصوبة وصححاً المسح على الخفين أو الثوب المغصوب إذا صلى فيه حينئذٍ هذا لا يكف الناس الغصب وإذا صححاً العبادات كأنا نقول لهم استمروا فيما أنت عليه وعباداتكم كلها صحيحة وإذا قلنا ببطلان العبادات لكونها محرمات هذا يؤيد الأصل العام وهو أن الشريعة إنما جاءت يعني في أوامرها للتحقيق
стр. 133
المصالح العامة ولذلك الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة ومنه هذا الذي نحن بصدده إذاً يشترط في الخف بأن يكون مباحاً فلا يجوز المسح على مغصوب ولا مسروق ولا على حرير لرجل أما المرأة فلا بأس وهذا محرم بعينه لأن لُبسه معصية فلا تستباح به الرخصة والمسح يعتبر من الرخصة فلو صلى أعاد الطهارة والصلاة بمعنى أنه لو صلى بخف مغصوب مسح عليه لم تصح طهارته فلو صلى حينئذٍ قد صلى بلا طهارة يلزمه إعادة الطهارة والصلاة، الشرط الثالث في الخف ونحوه أن يكون ساتر للمفروض (على طاهر مباح ساتر للمفروض) يعني محل الفرض محل الفرض هو من أصابع القدمين إلى الكعبين حينئذٍ يشترط لهذا الخف الذي يجوز المسح عليه أن يكون ساتراً لمحل الفرض لماذا؟ عندهم تعليل؛ أولاً: إذا أطلق الخف في النصوص حينئذٍ حمل على كماله، ثانياً: أنه إذا ظهر شيء من محل الغسل الذي وجب غسله محل الفرض حينئذٍ اجتمع فيه أمران ما ستر ما المشروع فيه المسح وما ظهر وبان ما المشروع فيه الغسل؛ أيهما يغلب؟ قالوا الأصل هو الغسل حينئذٍ نرجع إلى الأصل وهو وجوب الغسل ولذلك قال (ساتر للمفروض) يعني محل الفرض بحيث لا يظهر شيء من محل الفرض ولا يرى منه الكعبان لكونه ضيقاً أو مشدوداً حينئذٍ يجوز المسح عليه يعني إذا كان ضيقاً أو مشدوداً بحبل ونحوه ولا يشترط فيه أن يكون ساتر للمفروض بنفسه بل لو كان بشد ونحوه جاز لماذا؟ لأنه قد حصل المقصود وهو كونه خفاً ولا يشترط في الخف أن يثبت بنفسه بمعنى أنه لا يشد ولا يربط، (ساتر للمفروض) هذا يشمل أمرين: الأول: أن لا يرى شيء من محل الفرض يعني الجلد الذي يجب غسله، ثانياً: أن لا يكون الخف صفيقاً بمعنى أنه لا يرى منه لون البشرة لأنه قد يلبس شيء على محل القدمين ويستره بحيث لا يظهر شيء إلا وقد ستر وقد يظهر اللون ويكون العضو ساتراً له الخف حينئذٍ هل يعتبر ساتراً أو لا؟ على المذهب لا يعتبر ساتراً لماذا؟ لأنه يرى منه محل الفرض وإذا رئي منه محل الفرض وجب غسله سواء رئي بذاته محل الفرض أو لكون الجورب صفيقاً بحيث ممن خلفه قالوا هذان النوعان يجب فيهما الغسل على الأصل ومذهب الشافعية أنه لا يشترط فيه أن يكون أن لا يرى منه لون البشرة وهذا هو الظاهر بحيث لو لبس شيء مما يستر العضو من أصابع القدمين إلى الكعبين ويكون الكعبان مستورين ولكن البشرة بادية اللون على المذهب لا يصح المسح والصحيح أنه إذا صح تسميته خفاً ومما يمشى عليه عادة حينئذٍ نقول هذا يصح عليه المسح (ساتر للمفروض) قلنا إذا أطلق الخف فإنه يقتضي السلامة ويقتضي الستر لجميع المفروض هذا تعليل للمذهب، (يثبت بنفسه) هذا الشرط الرابع أن يكون ثابتاً بنفسه [فإن لم يثبت إلا بشده لم يجز المسح عليه لفوات شرطه نص عليه وإن ثبت بنعلين مسح إلى خلعهما مادامت مدته] ولا يجوز المسح على ما يسقط (يثبت بنفسه) هذا ما الدليل عليه؟ قالوا إذا أطلق الخف إنما يشمل الخف المعتاد وإذا كان الخف معتاداً حينئذٍ هو الذي يصح أن يمشي عليه فلو كان الخف يخرج من قدمه ولا يثبت وينزع بنفسه حينئذٍ هذا لا يسمى خفاً لعدم المشي المعتاد عليه فإذا نفي عنه اسم الخف نفي
стр. 134
عنه الأحكام المتعلق به هذا تعليل للمذهب (يثبت بنفسه) إنما الرخصة ثبتت في حق الخف المعتاد وهو ثابت وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه فلا يلحق به والصحيح أنه إذا سمي خفاً وعتيد المشي عليه حينئذٍ جاز المسح عليه ولو لم يثبت بنفسه، قال (من خف) هذا بيان لقوله (طاهر) حينئذٍ ماذا قال هناك؟ (من حدث بعد لبس على طاهر) ما هو هذا الطاهر؟ قال (من خف) بيان لطاهر أي يجوز المسح على خف يمكن متابعة المشي فيه عرفاً حينئذٍ إذا كان المرد إلى العرف فإذا كان لا يثبت بنفسه ويخرج وينزع بنفسه وسمي خفاً فالأصل أنه يجوز المسح عليه فإذا رد إلى اسم الخف من حيث هو حينئذٍ قد يقال بأنه يشترط فيه الثبات بنفسه وإذا رد إلى العرف عرف الصحابة حينئذٍ لا يشترط أن يكون ثابتاً بنفسه، قال (من خف) أي يجوز المسح على خف يمكن متابعة المشي فيه عرفاً فيصح المسح عل خف من جلود أو لبود أو خشب أو حديد أو زجاج لا يصف البشرة حيث أمكن المشي فيه لا يصف البشرة بناء على المذهب وإلا الصحيح متى ما أمكن المشي فيه حينئذٍ صح المسح عليه فلو أمكن أن يصنع خف من زجاج حينئذٍ الصحيح أنه يجوز المسح عليه حينئذٍ نقول هل ساتر أم لا؟ نقول نعم هو ساتر لمحل الفرض بمعنى أنه لا يبدو منه شيء حقه الغسل وأما مجرد اللون نقول هذا مدفع بكونه خفاً فمتى سمي خف ثبتت الأحكام المترتبة عليه قال الإمام أحمد [ليس في قلب من المسح شيء فيه أربعون حديثاً عن الرسول الله ﷺ ]، قال (وجورب صفيق) (من خف) قلنا الخف في المذهب مقيد بالجلد فما كان مصنوعاً من جلد سمي خفاً (وجورب صفيق) الجورب هو ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير جلد؛ بمعنى أن الذي يلبس على القدمين إن كان من جلد سمي خفاً وإن كان من صوف ونحوه حينئذٍ يسمى ماذا؟ جورباً وهو ما يسمى بالشُّرَاب لآن مثلاً هذا يجوز المسح عليه لأنه داخل في مسمى الجورب (وجورب صفيق) وهو ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد وقوله (صفيق) وهو ما لا يظهر منه ما وراءه ولا يصف جلد البشرة هذا على المذهب لأنه يشترط في الخف ويشترط في الجورب أن لا يرى من ورائه لون البشرة فإن رئي حينئذٍ لا يسمى جورباً وإذا كان لا يسمى جورباً في المعتاد في العرف حينئذٍ تنتفي الأحكام المترتبة عليه والصحيح أنه لا يشترط ذلك لعدم ورد النص وإنما جاءت النصوص بترتيب الأحكام على الخفاف والجوارب ولم يأتي النص بتقيد الجوارب بكونها لا تصف لون البشرة (وجورب صفيق) لأنه ﷺ (مسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد وغيره وصححه الترمذي وكذلك لما روى المغيرة بن شعبة (أن الرسول ﷺ مسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد على ما ذكره المصنف هنا، وهذا يدل على أن النعل لم يكن عليهما لأنه قد يقول قائل بكون النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين أن الجوربين في النعلين مسح معهما معاً نقول لا، كونه نص على النعلين دل على أنهما مسحا استقلالاً والجوربين نص عليهما دل على أنهما قد مسحا استقلالاً وهذا يدل على أن النعل لم يكن عليهما لأنه لو كان كذلك لم يذكر النعلين كما يقال مسحت الخف نعله ولأن جماعة من الصحابة مسحوا عليهما
стр. 135
ولم يعرف لهم مخالف فكان كالإجماع ولأنه ساتر للقدم يمكن متابعة المشي فيه أشبه الخف إذاً ثَمَّ خلاف في الجورب هل يمسح أو لا؟ الصحيح أنه يمسح لورود النصوص الدالة على ذلك والأصل فيه حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، (ونحوهما) أي نحو الخف والجورب فكل ما يستر القدمين هذا الضابط هنا كل ما يستر القدمين محل الفرض من أصابع الرجلين مع الكعبين وصح المشي عليهما يعني اعتاد المشي عليه فصح المسح عليهما ولذلك سيأتي استثناء اللفافة ونحوها وحينئذٍ نقول الصواب أنها داخلة في هذا الضابط إذاً (ونحوهما) أي نحو الخف والجورب كالجرموق لما روى بلال رضي الله تعالى عنه قال (رأيت النبي ﷺ يمسح على الموقين) رواه أحمد وأبو داود ولأنه ساتر يمكن متابعة المشي فيه أشبه الخف، والموق هو الجرموق؛ والجُرموق بضم الجيم نوع من الخفاف قال الجوهري [الذي يلبس فوقه] يعني فوق الخف مثل الخف إلا أنه يلبس فوق الخف في البلاد الباردة فيجوز المسح عليه قياساً على الخف، على كل الجرموق هذا لبس على الخف أو لا مادام أنه ساتر للقدمين ويصح المشي عليه جاز المسح عليه لأن هذا هو الضابط ويسمى الموق وخف يسير فيصح المسح عليه لفعله ﵊ رواه أحمد وغيره، (وعلى عمامة) هذا النوع الثاني مما ذكره المصنف تحت هذا الباب الأول الخف وما في حكمه من الجورب والجرموق وثانياً العمامة وهي محل خلاف يبن أهل العلم [ويصح المسح أيضاً على عمامة] والعمامة هي ما يلف على الرأس جمعها عمائم وعمام الذي يلف يعني التي لها أكوار ليست هذه التي نلبسها لها أكوار هذه التي تسمى عمامة في لسان العرب وهي التي يعرفها العرب وأما هذه فدخيلة وهي تسمى خمار لكن الناس يسمونها عمامة لعله تأدباً (على عمامة) ويشترط فيها أن تكون طاهرة مباحة كما اشترط في الخف ونحوه والعلة هنا هي العلة هناك (لرجل) يعني العمامة أن تكون لرجل ويقابل الرجل هنا الأنثى وليس المراد بالرجل البالغ بحيث الصبي إذا لبس عمامة لا يمسح عليها لا ليس المراد هنا وإنما الاحتراز لو كانت المرأة قد لبست عمامة الرجل حينئذٍ فعلت ماذا؟ فعلت محرماً لأنها تشبهت بالرجل هل يجوز لها أن تمسح أو لا؟ نقول النهي يقتضي فساد المنهي عنه فلا يجوز لها أن تمسح وإذا مسحت ما صح لماذا؟ لكونها منهية عن لبس شيء يختص به الرجال فلو لبست العمامة حينئذٍ لا تمسح عليها لعدم جواز لبسها أصالة لأن إذا جوزنا المسح حينئذٍ أولنا في الأصل وهو لبس العمامة للمرأة إذاً (على عمامة) طاهرة مباحة لا محرمة كمغصوبة أو حرير (لرجل) ما يقابل الأنثى فيجوز المسح لصبي لا للمرأة (لأنه ﷺ مسح على الخفين والعمامة) قال الترمذي حسن صحيح، إذاً يمسح العمامة وهذا هو الظاهر من السنة ومعناه عند مسلم وروى البخاري عن عامر بن أمية (رأيت الرسول الله ﷺ مسح على عمامته وخفيه) ولأبي داود عن ثوبان (أمرهم أن يمسحوا على العصايب) يعني العمائم وله عن بلال (ويمسحوا على عمامته) وأحاديث المسح عليها أخرجها غير واحد من الأئمة البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من طرق قوية متصلة حينئذٍ المسح على العمامة ثابت هذا هو الصواب
стр. 136
أن المسح على العمامة ثابت فيمسح عليها لفعل النبي ﷺ ويشترط هنا عندهم في المذهب أن تكون ساترة لجميع الرأس كما أن الخف يجب أن يكون ساتراً لجميع المحل ولكن هذا الشرط ثبت ماذا؟ ثبت بطريق القياس على الخف حينئذٍ ما لا يكون ساتراً لجميع الرأس قالوا هنا تعارض أمران ظهر من الرأس ما حقه المسح مباشرة وظهر من الرأس ما حقه المسح وهو الحائل حينئذٍ نرجع إلى الأصل إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه حينئذٍ يشترط في العمامة أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس فإن هذا يعفى عنه لأنه هذا مما جرت به العادة ويشق التحرز عنه فلا يجب مسحه معها لكنه مستحب، قال (محنكة) هذا شرط يزاد على ما مضى قلنا يشترط فيها أن تكون طاهرة مباحة ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه ويشترط في هذه العمامة أن تكون (محنكة) والمراد بالمحنكة مأخوذة من الحنك وهو ما كان تحت الذقن وهي التي يدار منها تحت الحنك كَور بفتح الكاف فأكثر يعني تلف هكذا وتلف تحت الحنك هذه هي التي تسمى محنكة وهي التي يعرفها العرب (أو ذات ذؤابة) ذات يعني صاحبة (ذؤابة) ولا حنك لها (ذُؤابة) بضم المعجمة وبعدها همزة مفتوحة وهي طرف العمامة المرخي يعني تلف ولا تحنك تحت الذقن وإنما تدار أكوار من الرأس ويجعل لها طرف من الخلف مقدار أربعة أصابع قلة أو كثرة هذه تسمى ذات ذؤابة وهاتان أو هذان النوعان من التعميم هو المعروف في لغة العرب وهو المعروف عند العرب فإذا أطلقت العمامة كون النبي ﷺ قد مسح على عمامته حينئذٍ انصرف اللفظ إلى العمامة المعروفة في عهديه ﵊ فإذا كانت صماء هي التي لا يكون لها كور تحت الحنك أو لا تكون لها ذؤابة حينئذٍ هذه محل خلاف بين أهل العلم هل يصح المسح عليها أو لا إذاً إذا كانت محنكة جاز المسح عليها رواية واحدة سواء كانت ذات ذؤابة أو لا؛ لأن هذه عمائم العرب وهي أكثر ستراً وهي التي يشق نزعها ولأنه مأمور بها وتفارق عمائم أهل الكتاب (أو ذات ذؤابة) يعني التي لها ذؤابة ولا حنك لها لأنه تقابل الأول فلو كان لها حنك دخل فيما سبق ولا يجوز على غير المحنكة إلا أن تكون ذات ذؤابة فيجوز في أحد الوجهين لأنها لا تشبه عمائم أهل الذمة إذ ليس من عادتهم الذؤابة والوجه الثاني وهي المذهب أنها يجوز لأن النبي ﷺ أمر بالتحليل ونحو ذلك على كل يحترز عن المحنكة والذؤابة بالصماء فالصماء هذه لا يصح المسح عليها في المذهب ولذلك قال في الشرح [فلا يصح المسح على العمامة الصماء] والمراد بها التي لا حنك لها ولا ذؤابة لأنها على صفة عمائم أهل الذمة وقد نهي عن التشبه بهم ولا يشق نزعها، (وخمر نساء مدارة تحت حلوقهن) هذا القسم الثالث مما يمسح ذكر الخفين وذكر العمامة وبقي الخمر، والخمر جمع خمار الخُمُر بضم الخاء والميم قد تسكن خُمْر وخُمُر جمع خمار وهو النصيف والقناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها وكل ما ستر شيء فهو خمار أي يصح المسح على خمر نساء واشترط أن تكون مدارة تحت حلوقهن (مدارة) تلك الخمر (تحت حلوقهن) لأن أم سلمة كانت تمسح على خمارها ذكره بن المنذر وروى
стр. 137
أحمد عن بلال عن النبي ﷺ (الأمر بالمسح على الخمار) ولفظ سعيد بن منصور (على النصيف) ولأنه ساتر ويشق نزعه أشبه العمامة المحنكة إذاً (على خمر نساء) المذهب أنه يصح المسح على الخمار الذي تجعلها المرأة على رأسها وهو يشبه العمامة فإذا كان مربوطاً معقوداً محنكاً شق نزعه وإذا شق نزعه حينئذٍ رخص لها أن تمسح عليه وجمهور أهل العلم على أنه لا يصح لها المسح وكل ما ورد من ذلك من النصوص فهو ضعيف ونرجع إلى الأصل (وعلى خمر نساء مدارة تحت حلوقهن) علم منه أنه إذا لم يكن الخمار مداراً تحت حلوقهن لا يجوز وهو كذلك (تحت حلوقهن) يعني لا مطلقة مرسلة لأن المرسلة لا يشق نزعها حينئذٍ نقول ما ورد في العمامة هل يصح القياس عليه الخمار أو لا؟ إذا قيل بأن النصوص التي وردت في الخمار ضعيفة حينئذٍ نقول نرجع إلى الأصل وهو وجوب المسح مباشرة، إذاً نقول ورد وثبت الإذن بالمسح على العمامة أما الخمار فلم يأتي دليل بالمسح عليه والأصل هو المنع وهذا مذهب الجمهور إن كان الحنابلة على أنه يجوز المسح للأحاديث الواردة وقياساً على العمامة والعلة هي مشقة النزع نقول الأصل هو المسح مباشرة ولا يجوز المسح على الحائل إلا إذا أذن الشارع بوضع هذا الحائل حينئذٍ نرجع إلى الشرع وإذا لم يرد حينئذٍ نرجع إلى الأصل حينئذٍ نقول الأصل في الخمار أنه لم يرد فيه دليل فالأصل عدم جواز المسح عليه ولذلك روى البيهقي في السنن الكبرى من طريق بن وهب قال أخبرك بن لهيعة وعامر بن الحارث وعمرو بن الحارث عن بكير بن عبدالله عن أم علقمة مولاة عائشة عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أنها كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الرداء تمسح برأسها كله) (أنها كانت إذا توضأت - وكان شيء على رأسها - تدخل يدها من تحت الرداء فتمسح الرأس كله) والظاهر حسن الإسناد أم علقمة قال في التقريب [مقبولة] وذكرها الذهبي في الميزان في المجهولات وروى البخاري له تعليقاً بصيغة الجزم في كتاب الحيض ووثقها بن حبان وهي تابعية حينئذٍ الحديث حسن فدل على أن عائشة لم تترخص بوضع الخمار فتمسح عليه فدل على أنه يمسح على الأصل وروى بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن مالك عن نافع قال (رأيت صفية بنت أبا عبيد امرأة بن عمر توضأت فأخلت يدها تحت خمارها فمسحت بناصيتها) إذاً مع وجود الخمار نقل عن عائشة وعن صفية نقل عنهما أن هن قد مسحا الرأس مع وجود الخمار لماذا؟ إعمالاً للأصل ولعدم وجود النص الذي يعدل به إلى الفرع، (في حدث أصغر) يعني يمسح جميع ما تقدم من الخف والجورب ونحوهما وعلى العمامة وعلى الخمار يمسح متى؟ في الحدث الأصغر لا في الأكبر بل يغسل ما تحت كل ما ذكر وهذا دل عليه حديث صفوان بن عسان (أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قال محمد بن إسماعيل هو أحسن شيء في هذا الباب إذاً متى يمسح فيما ذكر من السابق؟ نقول يمسح في حدث أصغر يعني إذا لم يكن ثَمَّ جنابة وأما إذا كان غسل جنابة أو حيض أو نفاس حينئذٍ وجب خلع الخف والعمامة والخمار، (وجبيرة) هذا الرابع من الممسوحات على المذهب (و -على - جبيرة)
стр. 138
يعني ويمسح على جبيرة والجبيرة فعيلة بمعنى فاعل وسميت جبيرة تفاؤلاً قال بعض أهل اللغة [وهي أعواد ونحوها تربط على الكسر أو الجرح ليلتأم فعيلة بمعنى فاعل وكذلك يمكن أن تكون جبيرة بمعنى مفعول أي مجبور وقال الأزهري وغيره [هي الخَشَب أو الخُشُب التي تسوى فتوضع على موضع الكسر فتشد عليه حتى ينجبر على استوائها واحدتها جِبارة بكسر الجيم وجَبيرة بفتحها وهما بمعنى] إذاً الجبيرة ما كان على الكسر ونحوه وأما اللَّصوق بفتح اللام ما كان على القرح وكلاهما مما يمسح عليه إذاً الجبيرة هذه مما يجوز المسح عليه، ويمسح على جبيرة مشدودة على كسر أو جرح ونحوهما متى؟ قال (- بشرط - لم تتجاوز قد الحاجة) وهذا قيد لابد من مراعاته في جميع الجبائر بأن تكون الجبيرة على قدر موضع الضرورة لأنها أبيح المسح عليها أو التيمم عنها من أجل الضرورة فإذا لم تكن ضرورة رجعنا إلى الأصل حينئذٍ الضرورة تقدر بقدرها فما كان من جبيرة على الموضع نفسه وما جاورت مما لابد منه من شد الجبيرة فهو معفو عنه وما زاد عن ذلك مما يستغنى عنه فالأصل فيه وجوب الغسل فلابد من غسله حينئذٍ لابد أن يغسل ما تحت ذلك الموضع الذي زِيد لا لحاجة بناء على الأصل (لم تتجاوز) هذا شرط يعني تتعدى (لم تتجاوز) يعني لم تتعدى قدر الحاجة المراد بالحاجة الكسر وهو موضع الجرح والكسر وما قرب منه مما يحتاج إليه في شدها مما لابد من وضع الجبيرة عليه من الصحيح فإن تعدى شدها محل الحاجة نزعها كلها هذا الأصل فإذا لم يتمكن من نزعها كلها حينئذٍ تعين التيمم على المذهب عن الزائد لا لحاجة (ولو في أكبر) بمعنى أن الجبيرة الحكم يختلف فيها عما سبق فحينئذٍ يمسح عليها في الحدث الأصغر وفي الحدث الأكبر وهذا مما فرقة الجبيرة الخف ونحوه (ولو في أكبر) يعني فيجوز المسح عليها لا على غير الجبيرة ونحوها في الطهارة الكبرى إجماعاً لأن الضرر يلحق بنزعها بخلاف غيرها من الحوائل لحديث صاحب الشجة (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعضد - أي يشد أو يعصب - على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر جسده) رواه أبو داود الحديث هذا فيه ضعف يشهد له حديث علي رضي الله تعالى عنه (انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر) رواه بن ماجه وهذا فيه عمرو بن خالد الواسطي قد كذبه أحمد وبن معين قال [كذاب] وقال فيه [غير ثقة ولا مأمون] قال إسحاق بن راهويه [كان عمرو بن خالد الواسطي يضع الحديث] قال أحمد [متروك الحديث ليس يسوى شيء] إذاً حديث علي ساقط ولا يحتج به، وري عن بن عمر (أنه توضأ وكفه معصوبة فمسح عليها وعلى العصابة وغسل ما سوا ذلك) أليس كذلك؟ قال الدار القطني في حديث بن عمر [لا يصح مرفوعاً وفيه أبي عمارة ضعيف جداً] وقال الخطيب [في حديثه مناكير وغرائب] إذاً كذلك لا يثبت حديث بن عمر والحديث الذي أورده كذلك المصنف لا يثبت فإذا لم يكن ثابت فيه شيء حينئذٍ إما أن يقال بأن هذه الأحاديث ضعيفة وإذا كان كذلك حينئذٍ يجمع مع الضرورة قاعدة الضرورة فتقوى بهذه الأحاديث الضعيفة وهو ما جرى عليه المذهب وإما أن يقال بأن الجبيرة إذا لم تمسح حينئذٍ إما تيمم وإما مسح يعني إذا لم يغسل الموضع الذي
стр. 139
وضعت عليه الجبيرة وهي قطعاً باقية ... لأنه يتضرر بنزعها حينئذٍ إما تيمم وإما مسح؛ وأي النوعين أقرب إلى الغسل؟ قالوا المسح إذاً المسح متعبد به بالجملة ولذلك يمسح في أثناء الوضوء يمسح رأسه ولا يغسله وقد ثبت كذلك المسح على الخفين وثبت المسح على العمامة وعلى المذهب كذلك على الخمار إذاً أولى ما يحلق به هو المسح لا التيمم وقال بعض أهل العلم بل يعدل إلى التيمم لأن الله تعالى قال (وإن كنتم مرضى أو على سفر ولم تجدوا ماء فتيمموا) وصاحب الجبيرة داخل في قوله (مرضى) وهذا المرض قد يكون عاماً وقد يكون جزئياً والتيمم قد يكون عاماً عن كل البدن أو مواضع الوضوء وقد يكون جزئياً حينئذٍ ما جاء فيه النص أولى بالاعتبار من القياس حينئذٍ من كانت عليه جبيرة فيغسل ما يستطيع أن يغسله ثم يتيمم عن محل الجبيرة ولا يمسح وهذا هو الظاهر والله أعلم وأما النصوص الواردة في هذا المحل فكما سمعتم كلها ضعيفة والقياس مع وجود النص (وإن كنتم مرضى) هذا عام لأنه نكرة في سياق الشرط فيعم كل مرض سواء كان المرض كلي أو جزئي قال (فتيمموا) إذاً أولى بالاعتبار من المسح والله أعلم، قال (إلى حلها) أي يمسح في الجبيرة (إلى حلها) أو برء ما تحتها يعني ليست مؤقتة كالخف ونحوه لا نقول ثلاثة أيام ولا يوم وليلة للمقيم وللمسافر لأنها ضرورة تقدر يقدرها حينئذٍ لو بقيت عليه شهراً أو شهرين أو سنة نقول يمسح عليها على المذهب مادامت للحاجة وعلى ما سبق نقول يتيمم حينئذٍ نقول لا تؤقت بوقت كما هو الشأن فما سبق ولذلك قال (إلى حلها) أي يمسح على الجبيرة إلى حلها أو برء ما تحتها وليس مؤقت كالمسح على الخفين ونحوهما لأن مسحها على الضرورة فتقدر بقدرها واضح هذا، ثم قال (إذا لبس هذا بعد كمال الطهارة) وهذا شرط لكل ما ذكر من الخف والعمامة والخمار والجبيرة بمعنى أنه يشترط في الجميع جواز المسح إذا لبس على طهارة كاملة طهارة مائية فإذا كان كذلك جاز المسح على ما ذكر وإذا لم تلبس على طهارة حينئذٍ لا يجوز المسح عليها (إذا لبس ذلك) المشار عليه الأنواع الأربعة أي ما تقدم من الخفين ونحوهما والعمامة والخمار والجبيرة (بعد كمال الطهارة) (بعد كمال) إذاً قبل كمال الطهارة - له مفهوم - قبل كمال الطهارة لا يصح؛ مفهوم كمال الطهارة نقص الطهارة فإذا كانت الطهارة ناقصة بمعنى أنه غسل بعض أجزاء الوضوء أطراف الوضوء ثم لم يكمل ثم لبس العمامة؛ هل يمسح؟ الجواب لا؛ لماذا؟ لأنه لم يلبس بعد كمال الطهارة بقي عليه القدمان مثلاً كذلك الخفين كذلك الخمار كذلك الجبيرة لو وضع هذه الأربعة في أثناء الوضوء في أثناء الطهارة لم يصح فكيف بما لو وضع هذه الأربعة أو لبسها قبل الطهارة بالكلية من باب أولى وأحرى، إذاً بعد كمال الطهارة له مفهوم إذا الكمال ضده النقص، وكمال الطهارة أن لا يبقي عليه من أعضائها شيء لو بقي غسل الرجل الأخيرة اليسرى فقط ولبس الخف الأيمن ما صح أن يمسح عليه لماذا؟ لأنه لم يتم الطهارة فإذا أتم الطهارة بمعنى أنه توضأ وضوء كاملاً بغسل رجله اليسرى صح له حينئذٍ أن يلبس ثم يمسح، (إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) لا أكثرها بالماء ولو مسح فيها على حائل بمعنى أنه لو وقع في
стр. 140
أثناء هذه الطهارة المائية مسح على حائل كأن يكون لبساً للعمامة حينئذٍ مسح على العمامة ثم غسل رجليه ثم لبس الخفين نقول هنا لبس الخفين بعد طهارة هي في الجملة مائية لماذا؟ لأن الماء لم يباشر الرأس وإنما باشر الحائل حينئذٍ جاز له ذلك لماذا؟ لأنه جاز له أن يمسح على العمامة فإذا جاز له أن يمسح على العمامة حينئذٍ كل ما ترتب على هذا الوضوء فهو جائز، فإذا جازت الصلاة بوضوء ومسح فيه على العمامة من باب أولى أن يجوز لبس الخفين بل هو أدنى من ذلك، [بعد كمال الطهارة بالماء ولو مسح فيها على حائل] والدليل على ذلك أن الأحاديث الواردة أن النبي ﷺ إنما مسح بعد إدخال القدمين طاهرتين ولذلك جاء في الخفين في حديث الصحيحين (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما) (طاهرتين) هذا وصف لماذا؟ للقدمين؛ أي أدخل القدمين كل واحدة منهما طاهرتان فيكون قد أدخلهما بعد كمال الطهارة لأن الطهارة المطلقة إنما تنصرف إلى ماذا؟ تنصرف إلى الوضوء الذي رتب الشارع عليه صحت الصلاة وهذا إنما يكون متى؟ إذا غسل قدمه اليسرى وهذا محل خلاف بين أهل العلم والصحيح أنه إذا غسل رجله اليمنى ثم لبس خف الأيمن قبل غسل رجله اليسرى لم يصح له المسح على الخفين لماذا؟ لأن الشرط أن يدخل الخفين القدمين طاهرتين ولا تكون القدم الأولى طاهرة إلا بغسل الثانية لأنه لو غسل الأولى هل صح له أن يصلي الجواب لا، إذاً ليست بطهارة وإنما تتحقق الطهارة المطلقة فيما إذا انتهى من وضوئه على الوجه الشرع وروى الحميد وغيره عن المغيرة (أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان) ولحمد عن خزيمة عن صفوان قال [أمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر] صحح الذهبي والحافظ وهذا واضح في اشتراط الطهارة عند اللبس، وقال النووي وغيره [إذا لبس محدثاً لم يجز المسح إجماعاً] وهذا في الخفين شئنه واضح وأما في العمامة والخمار هذا قياساً على الخفين وإن لا لم يرد نص في العمامة، وأما الجبيرة فكذلك قياساً على الخفين والصحيح أنه لا يشترط الطهارة في العمامة ولا في الجبيرة لعدم النص حينئذٍ نقول ما جاء النص في اشتراط لبسه على طهارة كاملة اشترط وما لم يرد وجاء المسح حينئذٍ نقول قياسه هذا على خلاف الأصل قياسه على الخف هذا خلاف للأصل لماذا؟ لأن ما جاء مطلقاً في الشرع لا يقيد إلا بالشرع؛ فمادام أن الأمر موجود في عهد النبي ﷺ وهو اللبس لبس الخفين وقد بين أنها لا تلبس إلا بعد طهارة كاملة حينئذٍ هذا اعتبر وأما العمامة قد مسح عليها النبي ﷺ ولم ينقل حرف واحد في اشتراط الطهارة حينئذٍ تبقى على عمومها ولا شك أن المشقة في اشتراط الطهارة فغي العمامة أشد من الخفين والجبيرة من باب أولى وأحرى ولذلك قد يتعذر القول بكونه يجبر يده أو رجله على طهارة ولذلك لآن لو حصل حادث لشخص ما وهو مغمى عليه أرادوا أن يجبروا رجله مثلاً لابد أن يوضأ أولاً أو ينتظرون حتى يقوم فيتوضأ بعد ذلك فتجبر قدمه وهذا فاسد دل ذلك على أن جلب المشقة إنما يكون باشتراط الطهارة وهذا مصادم أولاً المشقة تجلب التيسير ثم لم يرد نص من أصله فما جواز الجبيرة
стр. 141
ثبت للضرورة حينئذٍ تقييده بكونه على طهارة يحتاج إلى نص وليس ثًمَّ نص إذاً الصحيح بعد لبس على طهارة كاملة يقيد بالخفين لورود النص وما عدها فلا (إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) ثم بعض من المسائل المتفرعة على ما سبق، قال (وإن مسح في سفر ثم أقام أو عكس أو شك في ابتدائه فمسح مقيم) يعني يمسح مسح مقيم هذه ثلاثة صور؛ الصورة الأولى: إذا (مسح في سفر)؛ حينئذٍ يمسح كم؟ ثلاثة أيام بلياليها (ثم أقام)؛ فهل يمسح مسح مسافر أو يمسح مسح مقيم؟ على المذهب قال (فمسح مقيم) لماذا؟ لأن الحكم في الثلاثة الأيام متعلق بوصف هو معلق بوصف والوصف الذي هو السفر هذا وصف معتبر ولذلك علق به الفطر وعلق به قصر الصلاة فهو علة حينئذٍ مادام الحكم معلق على وصف حينئذٍ يدور الحكم مع علته وجوداً وعدماً فما دام أنه مسافر حينئذٍ يمسح ثلاثة أيام بلياليها وإذا زال وصف السفر حينئذٍ نقول رجع إلى الأصل وهو أنه مقيم، (وإن مسح في سفر ثم أقام) أتم مسح مقيم إن بقي منه شيء نعم إن بقي منه شيء فإن لم يبقى منه شيء حينئذٍ نزع خفه؛ يعني لو كان مسافراً إلى المدينة مثلاً ومسح هناك وهو مسافر مسح وهو مسافر ابتدأ يوم السبت بعد الفجر أحدث ومسح والظهر ثم اليوم الثاني سافر إلى مكة حينئذٍ صار مقيم بقي له يوم وليلة؛ هل يتم المسح أما أنه قد انتهى حقه المسح لأنه صار مقيماً؟ انتهى في حقه المسح، كذلك لو مسح يوم السبت ثم سافر رجع إلى بلده مكة بعد العصر حينئذٍ يتم مسح مقيم لأنه بقي له شيء، إذاً لم يبقى منه شيء من الوقت يوم وليلة نزع الخف وإن بقي له منه شيء حينئذٍ أتم مسح مقيم وهذا واضح بين من حيث العلة، (وإن مسح في سفر ثم أقام) أتم مسح مقيم لأن صار مقيم فلم يجز له أن يمسح مسح مسافر، (أو عكس) يعني مسح مقيماً ثم سافر؛ مسح يوم السبت فجراً بمكة ثم سافر ظهراً إلى المدينة؛ حينئذٍ هل يتم مسح مقيم أو يتم مسح مسافر؟ هذه المسألة فيها خلاف طويل وعريض بين أهل العلم والمذهب المرجح أنه يتم مسح مقيم؛ لماذا؟ لأنها عبادة مؤقتة اجتمع فيها حضر ومانع مبيح ومانع حينئذٍ غلب الحاضر وهو المنع فيبقى على الأصل وهو أنه يوم وليلة ولذلك قال (أو عكس) أي مسح مقيماً ثم سافر لم يزد على مسح مقيم لأنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر فغلب جانب الحضر - الحضر يعني - والمسح عبادة وجد أحد طرفيها في الحضر والآخر في السفر فغلب جانب الحضر، إذاً عبادة مؤقتة لها طرفان بدء في الإقامة ثم سافر حينئذٍ وجد طرفان حضر وسفر غلب الحضر على السفر (أو عكس) أي مسح مقيماً ثم سافر لم يزد على مسح مقيم تغليباً لجانب الحضر أي وإن لم يبقى بعد المدة شيء بأن مضى بعد الحدث يوماً وليلة أو أكثر خلع الخف لانقطاع السفر قال بن تميم [رواية واحدة]، (أو شك في ابتدائه) (شك في ابتدائه) يعني ابتداء المسح؛ هل كان في الحضر أو كان في السفر؟ وإذا شك حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو الإقامة لأن الأصل في الإنسان أنه مقيم والسفر عارض فإذا شك هل مسافر أم لا؟ أتم الصلاة ولا يجوز له القصر ولو قصر صلاته باطلة لا تصح لماذا؟ لأن القصر معلق بعلة وهي مشكوك فيها عنده فإذا شك هل مسافر أم لا؟ لا يمسح مسح مسافر ولا يقصر الصلاة ألبته
стр. 142
ولا يجوز له الفطر في رمضان لماذا؟ لأن هذه الأحكام متعلقة بعلة لابد من وجودها فيغلب على ظنه أنه مسافر ولا يشترط اليقين غلب على ظنه أنه مسافر حينئذٍ يمسح ثلاثة أيام وكذلك يقصر الصلاة وكذلك يفطر في رمضان (أو شك في ابتدائه) أي ابتداء المسح هل كان حضراً أو سفراً؟ ومن شك في بقاء المدة لم يمسح مادام شاكاً لعدم تحقق شرطه والأصل عدمه إذاً هذه الثلاثة صور التي ذكرها المصنف يمسح مسح مقيم وأما الصورة الثانية وهي أنه إذا مسح مقيم ثم سافر فالأولى أن يقال بأنه يتم مسح مسافر لأن العبرة بالأداء، ثم قال (وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه) الصورة السابقة فيما إذا تلبس بالمسح وهنا أحدث ولم يمسح (وإن أحدث ثم سافر) (أحدث) في الحضر ولم يمسح وهو حاضر (ثم سافر) قبل مسحه (فمسح مسافر) هذه الصورة أوردة على المذهب بأنهم قد تناقضوا لماذا؟ لأن ابتداء المسح في المذهب يبدأ من الحدث وهنا لم يعتبر مع كونه وقع الحدث في المدة وهو حاضر ثم المسح وقع وهو مسافر فاعتبر ماذا؟ المسح ولم يعتبر الأصل وهو الحدث والجواب بأن يقال بأن العبادة المؤقتة إذا دخل وقتها ثم عرض ما يخالف الأداء في الأصل فالعبرة بحاله وقت الأداء ولذلك لو دخل عليه وقت الظهر وهو مسافر ثم سافر ووصل بلده يصلي قصراً أم تماماً؟ يتم الصلاة ولا يجوز له القصر مع كون وقت الصلاة قد دخل عليه وهو مسافر إذاً العبرة بالأداء وليس العبرة بدخول الوقت كذلك لو كان مقيم ودخل عليه وقت الظهر ثم سافر يقصر أو يتم له القصر أو لا؟ يجوز له القصر لماذا؟ لأن العبرة بالأداء قالوا كذلك هنا أول المدة بدء وهو حاضر لكنه لم يتلبس بالعبادة لأن العبادة هي المسح عينه عين المسح لم يتلبس إلا وهو مسافر فالعبرة حينئذٍ بالأداء لا بأصل دخول الوقت وهذا مطرد أصل عندهم في هذه المسألة إذاً لا تناقض (وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر) لأنه ابتدأ المسح مسافراً ولذلك قالوا [كل عبادة اعتبر فيها الوقت فإن ابتداء وقتها من الوقت الذي يمكن فيه فعلها والصفة تكون معتبرة بوقت أدائها كالصلاة فالظهر مثلاً فأول وقتها زوال الشمس وصفتها باعتبار القصر والإتمام بوقت الفعل] كما ذكرناه سابقاً، ثم قال رحمه الله تعالى احترازاً من الشروط السابقة (ولا يمسح قلانس) (قلانس) جمع قلنسوة هذه شيء يوضع على الرأس لكنه لا يربط وأشبه بالثياب المغربية الآن الذي يكون متصل بنفس الثوب هذا ما يسمى بقلنسوة جمع قلنسوة لأنه أدنى من عمامة غير محنكة ولا ذات ذؤابة حينئذٍ لا يشق نوعها فالأصل فيه الرجوع إلى الأصل في مثل هذه الرجوع إلى الأصل حينئذٍ نقول الأصل مسح الرأس وهذا الحائل لم يعتبر شرعاً وإذا لم يعتبر شرعاً فالأصل عدمه (ولا يمسح قلانس) والصحيح أنه لا يمسح خلافاً لما ذهب إليه بن تيمية رحمه الله تعالى (ولا لفافة) يعني لا يمسح لفافة لأنها لا تسمى خف ولا جورباً وليست في معنى الخف ولا الجورب بمعنى أنه لو أخذ عمامة ولفها على قدميه ومشى ولو كان بحاجة إليها وهي ثابت راسخة ويمشي عليها؛ هل يصح المسح عليها أم لا؟ على المذهب لا؛ لعدم ورود النص أولاً وليست في معنى الخف ولا في معنى الجورب والصحيح أنها في معنى الخف لأن الخف المراد به
стр. 143
شيء يستر القدمين مما يمشى عليه ويعتاد المشي عليه الناس حينئذٍ هذه اللفافة قد يحتاجها المجاهدون مثلاً قد يحتاجها من كان في برد فيلف قدميه لفاً شديداً ويمشي عليه حينئذٍ نقول له أن يمسح عليها لأنها في معنى الخف وأما المذهب فعندهم لا (ولا يمسح لفافة) وهي الخرقة تشد على الرجل تحتها نعل أو لا ولو لمشقة لعدم ثبوتها بنفسها ولا تسمى خفاً ولا في معناه، (ولا ما يسقط من القدم) لأنه فات شرط قلنا الشرط عندهم ثبوته بنفسه أن يكون ثابتاً بنفسه ولو شد ولو لبس نعل قالوا جائز وهذا الشرط نقول شرط يحتاج إلى دليل لماذا؟ لأن الخف إذا أطلق في عهد النبي ﷺ رجع فيه العرف المتعارف عليه فلا يتصور فيه الكمال من كل وجه وإنما يعتبر فيه العرف حينئذٍ نقول هذا قيد زائد على مجرد النصوص فنحتاج إلى دليل يثبته (ولا ما يسقط من القدم) لماذا؟ قالوا لأن ما سقط خف غير معتاد فلا يشمله النص لأن الناس لا يلبسون خفافاً تسقط عند المشي إذ لا فائدة فيها لكنه قد يضطر إليه وإذا كان كذلك صار معتاد (أو يرى منه بعضه) يعني ولا يمسح خفاً يرى منه بعضه؛ لماذا؟ لفوات شرط وهو كونه ساتراً للمفروض، فلو كشف من الفرض محل الفرض ولو قدر إبرة قالوا هذا لا يصح المسح عليه لماذا؟ لأن الخف الذي جاءت به النصوص يطلق على الكمال بمعنى أنه يكون ساتراً لجميع الفرض فلو كشف منه كان مخروقاً ولو قدر أنملة أو قدر إبرة قالوا لا يصح المسح عليه والصواب أنه زيادة على النص وهذا غير معتبر (أو) خفاً (يرى منه بعضه) لونه لصفائه أو كونه مكشوفاً (بعضه) البعض ضد الكل وهذا قيد بمعنى أنه لو كشف كله خلعه هذا واضح بين أنه لا يمسح عليه لأنه لو لبسه المرة الثانية بعد حدث يكون قد لبسه على غير طهارة كاملة فإن لبسه على طهارة ولم يحدث هذا واضح بين أنه يصح المسح عليه، (ولا يمسح ما يسقط من القدم أو يرى منه بعضه) أي بعض القدم أو شيء من محل الفرض لأن ما ظهر فرضه الغسل ولا يجامع المسح وهذا تعليل مصادم للنص، (فأن لبس خفاً على خف قبل الحدث فالحكم للفوقاني) بمعنى أنه لو جمع بين خفين حينئذٍ لبس خفاً على خف؛ على أي النوعين يمسح على الأسفل الأدون أو على الأعلى؟ (فإن لبس خفاً على خف) على وجه يصح معه المسح بمعنى أن يكون كل من الخفين قد وجد فيه الشروط المعتبرة (قبل الحدث) أما بعد الحدث فلا شك أنه قد لبس الثاني لا على طهارة حينئذٍ يكون الحكم منصباً على الأدون الذي هو تحت - واضح - لبس خف على خف لكنه لبس الثاني بعد حدث يعني لبس الأول بعد كمال الطهارة ثم أحدث ثم لبس الثاني هذا واضح بين أن الحكم للتحتاني وأما إذا لبس الثاني قبل أن يحدث (فالحكم للفوقاني) بمعنى أنه يجوز المسح على الفوقاني وليس المراد أنه يتعين الفوقاني لأنه لو أراد أن يمسح التحتاني جاز له لكن الذي يمسحه هو الذي يتعين مسحه فيما يأتي فلو ابتدأ المسح بالتحتاني لا يجوز المسح على الفوقاني؛ لماذا؟ لأن الحكم تعلق بالتحتاني؛ ولو ابتدأ المسح بالفوقاني لا يجوز أن يمسح التحتاني - واضح هذا - حينئذٍ (فإن لبس خفاً على خف قبل الحدث فالحكم - للخف - الفوقاني) لأنه ساتر فأشبه المنفرد يعني نزل الثاني منزلة خف
стр. 144
مستقل لو لم يلبس خفاً تحتاني ولبس الفوقاني صح المسح عليه أو لا؟ نعم، كأنك نسيت التحتاني ولم تجعله خفاً مستقلاً واضح هذا، [وكذا لو لبسه على لفافة] لفافة سبق أن المصنف يرى أنها لا يمسح عليها لكن لو لبس لفافة ثم لبس خفاً عليها صح المسح على الفوقاني فقط لا على اللفافة، ثم بين كيفية المسح فقال رحمه الله تعالى (ويمسح أكثر العمامة) (ويمسح) وجوباً (أكثر العمامة) ويختص ذلك بدوائرها يعني أكوارها دون وسطها وهذا ليس فيه نص وإنما جاءت النصوص عامة (فمسح على العمامة) (فمسح على عمامته) والأصل حمل النص على عمومه فالأصل حينئذٍ مادام أن العمامة جاز المسح عليها ولم يرد فيه نص من حيث كفاية بعض المسح دون الكل رجعنا إلى الأصل وما هو الأصل؟ هو التعميم تعميم الرأس حينئذٍ ما كان قائماً مقام الرأس فالأصل فيه التعميم وقد جاءت النصوص مطلقة مسح (على عمامته) (على العمامة) أل فيه للاستغراق حينئذٍ الأصل فيه أنه يعم ولكن المصنف رحمه الله تعالى كغيره جروا في العمامة لعدم ورود النص هكذا ادعوا لعدم ورود النص ألحقوها بالخف والخف لا يجب فيه عموم المسح وإنما يمسح أكثره فكان كذلك الحكم في العمامة بجامع أن كلا منهما يمسح نقول هذا اجتهاد في مقابلة النص على كل المصنف يرى رحمه الله تعالى وهو المذهب أنه يمسح أكثر العمامة ونقول ظاهر النصوص هو التعميم (ويمسح - وجوباً - أكثر العمامة) وروي عن أحمد [يجب استيعابها قياساً على مسح الرأس] وهذا أولى بالاعتبار، (وظاهر قد الخف) كذلك الجرموق والجورب (من أصابعه إلى ساقه دون أسفله وعقبه) هذا جاءت فيه النصوص حينئذٍ الذي يمسح من الخف هو الظاهر يعني من أصابعه إلى أسفل ساقه (بأصابعه) مفرجة وأما العقب فلا يمسح وكذلك أسفل الخف لا يمسح وإنما الذي يمسح هو الظاهر فإن مسح الظاهر مع العقب والأسفل نقول أجزأه وإن كان مخالفاً للنص فإن مسح العقب والأسفل دون الظاهر لم يجزئه ولا يصح المسح ألبته؛ لماذا؟ لأنه منهي عنه وكل منهي عنه في عبادة أفسدها فإذا كان كذلك يصدق عليه النص نطقاً (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا قد خالف النص ولذلك قال علي رضي الله تعالى عنه [لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه) فدل على أنه لا يمسح إذاً يمسح أكثر (ظاهر قدم الخف) وما في حكمه (من أصابعه) يعني أصابع رجليه (إلى ساقه) يمسح رجله اليمنى بيديه اليمنى ورجله اليسرى بيده اليسرى ويفرج أصابعه إذا مسح هذا هو السنة وكيف مسح أجزأ قال الحسن [خطوطاً بالأصابع] هذا المسح خطوطاً بالأصابع، ووضع الثوري أصابعه على مقدم خفيه وفرج بينهما ثم مسح إلى أصل الساق هذا وهو السنة في صفة المسح، ولذلك قال (دون أسفله) أي أسفل الخف (وعقبه) وهو مؤخر القدم فلا يسن مسحهما، (وعلى جميع الجبيرة) وهذا إذا قلنا بالمسح وأما إذا قلنا بالتيمم فأمره واضح [ويمسح وجوباً على جميع الجبيرة لما تقدم من حديث صاحب الشجة لأنها عزيمة] الجبيرة عزيمة وليست برخصة حينئذٍ يرجع فيه إلى الأصل، ثم قال (ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث أو تمت مدته استأنف الطهارة) هذا ما يسمى بنواقض المسح على الخفين ولا شك أنه داخل في مفهوم الوضوء فكل ما
стр. 145
نقض الطهارة دون مسح نقض المسح أليس كذلك؟ يعني لو مسح على خفيه ثم بال انتقض المسح أو لا؟ انتقض المسح؛ فكل ما ينقض الوضوء ينقض المسح على الخفين وما في حكمه ويزاد على ذلك عند المصنف مسألتان: المسألة الأولى: متى ظهر بعض محل الفرض ممن مسح بعد الحدث أما قبله فلا يضر بخرق الخف أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف أو ظهر بعض رأس وفحش أو زالت جبيرة استأنف الطهارة؛ لماذا؟ لأن ما ظهر فرضه الغسل وما ستر فرضه المسح ولا يجتمعان لأن هذا بدل وهذا مبدل عنه فلا يجتمعان إما غسل وإما مسح فإذا ظهر بعض محل الفرض رجعنا إلى الأصل وهذا بعد الحدث وأما قبل الحدث فلا يضر بل لو خلع الخف ولبسه مرة أخرى لا يضره لماذا؟ لأنه يكون قد لبسه المرة الثاني بعد كمال الطهارة فلا اعتراض وأما إذا أحدث ثم ظهر بعض محل الفرض كشفه عمداً أو خلع خفه قالوا بطلت طهارته لماذا؟ لأنه قد ظهر محل الفرض فوجب غسله ولا يجتمع مع المسح ثم علة أخرى وهي أن مسح الخفين يرفع الحدث وهذا وهو الصحيح أنه يرفع الحدث فإذا رفع الحدث حينئذٍ إذا زال الخف رجع الحدث إلى القدمين وإذا رجع الحدث إلى القدمين الحدث لا يتبعض فيسري إلى البدن كله حينئذٍ بطلت طهارته (أو تمت مدته) أي مدة المسح فحينئذٍ يستأنف الطهارة ولو كان في صلاة لماذا؟ قال لأن المسح أقيم مقام الغسل فإذا زال أو انقضت مدته بطلت الطهارة في الممسوح ووجب غسله لزوال حكم البدل كالمتيمم يجد الماء إذا تمت مدت الطهارة وهي يوم وليلة وهو باقي على طهارته ولم يحدث هل له أن يصلي بهذا الوضوء الذي مسح فيه على الخفين وانتهت مدته أو لا؟ هذا مبني على الخلاف هل زالت طهارته بانتهاء المدة أو لا؟ المذهب نعم لماذا؟ لأنه حكم مقيد بوقت وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يعتبر رفعاً للحدث إلا في المدة فإذا انتهت المدة رجعنا إلى الأصل فلما انتهت المسح على الخفين وصفت القدمان بالحدث فسر إلى البدن كله حينئذٍ هاتان المسألتان مبنيتان على علة واحدة وهي هل مسح الخفين يرفع الحدث مطلقاً أو أنه مؤقت؟ الصواب أنه مطلقاً وإذا كان كذلك إذا انتقضت طهارته الأمر واضح إذا لم تنتقض طهارته ثبتت بدليل شرعي فلا يعدل إلى بطلانها إلى بدليل شرعي، ولذلك الصواب في المسألتين أنه لا يستأنف الطهارة بل هو باقي على طهارته لماذا؟ لأن الطهارة ثبتت بدليل شرعي وإذا ثبت بدليل شرعي لا ترفع إلا بدليل شرعي وليس عندنا إلا اجتهاد وهذا الاجتهاد محل نظر يعني العلة المذكورة فيها شيء من النظر
والله أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
следующие страницы →