← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 36123

الشرح الميسر لزاد المستقنع - الحازمي - كتاب الطهارة

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (289 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثبت للضرورة حينئذٍ تقييده بكونه على طهارة يحتاج إلى نص وليس ثًمَّ نص إذاً الصحيح بعد لبس على طهارة كاملة يقيد بالخفين لورود النص وما عدها فلا (إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) ثم بعض من المسائل المتفرعة على ما سبق، قال (وإن مسح في سفر ثم أقام أو عكس أو شك في ابتدائه فمسح مقيم) يعني يمسح مسح مقيم هذه ثلاثة صور؛ الصورة الأولى: إذا (مسح في سفر)؛ حينئذٍ يمسح كم؟ ثلاثة أيام بلياليها (ثم أقام)؛ فهل يمسح مسح مسافر أو يمسح مسح مقيم؟ على المذهب قال (فمسح مقيم) لماذا؟ لأن الحكم في الثلاثة الأيام متعلق بوصف هو معلق بوصف والوصف الذي هو السفر هذا وصف معتبر ولذلك علق به الفطر وعلق به قصر الصلاة فهو علة حينئذٍ مادام الحكم معلق على وصف حينئذٍ يدور الحكم مع علته وجوداً وعدماً فما دام أنه مسافر حينئذٍ يمسح ثلاثة أيام بلياليها وإذا زال وصف السفر حينئذٍ نقول رجع إلى الأصل وهو أنه مقيم، (وإن مسح في سفر ثم أقام) أتم مسح مقيم إن بقي منه شيء نعم إن بقي منه شيء فإن لم يبقى منه شيء حينئذٍ نزع خفه؛ يعني لو كان مسافراً إلى المدينة مثلاً ومسح هناك وهو مسافر مسح وهو مسافر ابتدأ يوم السبت بعد الفجر أحدث ومسح والظهر ثم اليوم الثاني سافر إلى مكة حينئذٍ صار مقيم بقي له يوم وليلة؛ هل يتم المسح أما أنه قد انتهى حقه المسح لأنه صار مقيماً؟ انتهى في حقه المسح، كذلك لو مسح يوم السبت ثم سافر رجع إلى بلده مكة بعد العصر حينئذٍ يتم مسح مقيم لأنه بقي له شيء، إذاً لم يبقى منه شيء من الوقت يوم وليلة نزع الخف وإن بقي له منه شيء حينئذٍ أتم مسح مقيم وهذا واضح بين من حيث العلة، (وإن مسح في سفر ثم أقام) أتم مسح مقيم لأن صار مقيم فلم يجز له أن يمسح مسح مسافر، (أو عكس) يعني مسح مقيماً ثم سافر؛ مسح يوم السبت فجراً بمكة ثم سافر ظهراً إلى المدينة؛ حينئذٍ هل يتم مسح مقيم أو يتم مسح مسافر؟ هذه المسألة فيها خلاف طويل وعريض بين أهل العلم والمذهب المرجح أنه يتم مسح مقيم؛ لماذا؟ لأنها عبادة مؤقتة اجتمع فيها حضر ومانع مبيح ومانع حينئذٍ غلب الحاضر وهو المنع فيبقى على الأصل وهو أنه يوم وليلة ولذلك قال (أو عكس) أي مسح مقيماً ثم سافر لم يزد على مسح مقيم لأنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر فغلب جانب الحضر - الحضر يعني - والمسح عبادة وجد أحد طرفيها في الحضر والآخر في السفر فغلب جانب الحضر، إذاً عبادة مؤقتة لها طرفان بدء في الإقامة ثم سافر حينئذٍ وجد طرفان حضر وسفر غلب الحضر على السفر (أو عكس) أي مسح مقيماً ثم سافر لم يزد على مسح مقيم تغليباً لجانب الحضر أي وإن لم يبقى بعد المدة شيء بأن مضى بعد الحدث يوماً وليلة أو أكثر خلع الخف لانقطاع السفر قال بن تميم [رواية واحدة]، (أو شك في ابتدائه) (شك في ابتدائه) يعني ابتداء المسح؛ هل كان في الحضر أو كان في السفر؟ وإذا شك حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو الإقامة لأن الأصل في الإنسان أنه مقيم والسفر عارض فإذا شك هل مسافر أم لا؟ أتم الصلاة ولا يجوز له القصر ولو قصر صلاته باطلة لا تصح لماذا؟ لأن القصر معلق بعلة وهي مشكوك فيها عنده فإذا شك هل مسافر أم لا؟ لا يمسح مسح مسافر ولا يقصر الصلاة ألبته

стр. 142

ولا يجوز له الفطر في رمضان لماذا؟ لأن هذه الأحكام متعلقة بعلة لابد من وجودها فيغلب على ظنه أنه مسافر ولا يشترط اليقين غلب على ظنه أنه مسافر حينئذٍ يمسح ثلاثة أيام وكذلك يقصر الصلاة وكذلك يفطر في رمضان (أو شك في ابتدائه) أي ابتداء المسح هل كان حضراً أو سفراً؟ ومن شك في بقاء المدة لم يمسح مادام شاكاً لعدم تحقق شرطه والأصل عدمه إذاً هذه الثلاثة صور التي ذكرها المصنف يمسح مسح مقيم وأما الصورة الثانية وهي أنه إذا مسح مقيم ثم سافر فالأولى أن يقال بأنه يتم مسح مسافر لأن العبرة بالأداء، ثم قال (وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه) الصورة السابقة فيما إذا تلبس بالمسح وهنا أحدث ولم يمسح (وإن أحدث ثم سافر) (أحدث) في الحضر ولم يمسح وهو حاضر (ثم سافر) قبل مسحه (فمسح مسافر) هذه الصورة أوردة على المذهب بأنهم قد تناقضوا لماذا؟ لأن ابتداء المسح في المذهب يبدأ من الحدث وهنا لم يعتبر مع كونه وقع الحدث في المدة وهو حاضر ثم المسح وقع وهو مسافر فاعتبر ماذا؟ المسح ولم يعتبر الأصل وهو الحدث والجواب بأن يقال بأن العبادة المؤقتة إذا دخل وقتها ثم عرض ما يخالف الأداء في الأصل فالعبرة بحاله وقت الأداء ولذلك لو دخل عليه وقت الظهر وهو مسافر ثم سافر ووصل بلده يصلي قصراً أم تماماً؟ يتم الصلاة ولا يجوز له القصر مع كون وقت الصلاة قد دخل عليه وهو مسافر إذاً العبرة بالأداء وليس العبرة بدخول الوقت كذلك لو كان مقيم ودخل عليه وقت الظهر ثم سافر يقصر أو يتم له القصر أو لا؟ يجوز له القصر لماذا؟ لأن العبرة بالأداء قالوا كذلك هنا أول المدة بدء وهو حاضر لكنه لم يتلبس بالعبادة لأن العبادة هي المسح عينه عين المسح لم يتلبس إلا وهو مسافر فالعبرة حينئذٍ بالأداء لا بأصل دخول الوقت وهذا مطرد أصل عندهم في هذه المسألة إذاً لا تناقض (وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر) لأنه ابتدأ المسح مسافراً ولذلك قالوا [كل عبادة اعتبر فيها الوقت فإن ابتداء وقتها من الوقت الذي يمكن فيه فعلها والصفة تكون معتبرة بوقت أدائها كالصلاة فالظهر مثلاً فأول وقتها زوال الشمس وصفتها باعتبار القصر والإتمام بوقت الفعل] كما ذكرناه سابقاً، ثم قال رحمه الله تعالى احترازاً من الشروط السابقة (ولا يمسح قلانس) (قلانس) جمع قلنسوة هذه شيء يوضع على الرأس لكنه لا يربط وأشبه بالثياب المغربية الآن الذي يكون متصل بنفس الثوب هذا ما يسمى بقلنسوة جمع قلنسوة لأنه أدنى من عمامة غير محنكة ولا ذات ذؤابة حينئذٍ لا يشق نوعها فالأصل فيه الرجوع إلى الأصل في مثل هذه الرجوع إلى الأصل حينئذٍ نقول الأصل مسح الرأس وهذا الحائل لم يعتبر شرعاً وإذا لم يعتبر شرعاً فالأصل عدمه (ولا يمسح قلانس) والصحيح أنه لا يمسح خلافاً لما ذهب إليه بن تيمية رحمه الله تعالى (ولا لفافة) يعني لا يمسح لفافة لأنها لا تسمى خف ولا جورباً وليست في معنى الخف ولا الجورب بمعنى أنه لو أخذ عمامة ولفها على قدميه ومشى ولو كان بحاجة إليها وهي ثابت راسخة ويمشي عليها؛ هل يصح المسح عليها أم لا؟ على المذهب لا؛ لعدم ورود النص أولاً وليست في معنى الخف ولا في معنى الجورب والصحيح أنها في معنى الخف لأن الخف المراد به

стр. 143

شيء يستر القدمين مما يمشى عليه ويعتاد المشي عليه الناس حينئذٍ هذه اللفافة قد يحتاجها المجاهدون مثلاً قد يحتاجها من كان في برد فيلف قدميه لفاً شديداً ويمشي عليه حينئذٍ نقول له أن يمسح عليها لأنها في معنى الخف وأما المذهب فعندهم لا (ولا يمسح لفافة) وهي الخرقة تشد على الرجل تحتها نعل أو لا ولو لمشقة لعدم ثبوتها بنفسها ولا تسمى خفاً ولا في معناه، (ولا ما يسقط من القدم) لأنه فات شرط قلنا الشرط عندهم ثبوته بنفسه أن يكون ثابتاً بنفسه ولو شد ولو لبس نعل قالوا جائز وهذا الشرط نقول شرط يحتاج إلى دليل لماذا؟ لأن الخف إذا أطلق في عهد النبي ﷺ رجع فيه العرف المتعارف عليه فلا يتصور فيه الكمال من كل وجه وإنما يعتبر فيه العرف حينئذٍ نقول هذا قيد زائد على مجرد النصوص فنحتاج إلى دليل يثبته (ولا ما يسقط من القدم) لماذا؟ قالوا لأن ما سقط خف غير معتاد فلا يشمله النص لأن الناس لا يلبسون خفافاً تسقط عند المشي إذ لا فائدة فيها لكنه قد يضطر إليه وإذا كان كذلك صار معتاد (أو يرى منه بعضه) يعني ولا يمسح خفاً يرى منه بعضه؛ لماذا؟ لفوات شرط وهو كونه ساتراً للمفروض، فلو كشف من الفرض محل الفرض ولو قدر إبرة قالوا هذا لا يصح المسح عليه لماذا؟ لأن الخف الذي جاءت به النصوص يطلق على الكمال بمعنى أنه يكون ساتراً لجميع الفرض فلو كشف منه كان مخروقاً ولو قدر أنملة أو قدر إبرة قالوا لا يصح المسح عليه والصواب أنه زيادة على النص وهذا غير معتبر (أو) خفاً (يرى منه بعضه) لونه لصفائه أو كونه مكشوفاً (بعضه) البعض ضد الكل وهذا قيد بمعنى أنه لو كشف كله خلعه هذا واضح بين أنه لا يمسح عليه لأنه لو لبسه المرة الثانية بعد حدث يكون قد لبسه على غير طهارة كاملة فإن لبسه على طهارة ولم يحدث هذا واضح بين أنه يصح المسح عليه، (ولا يمسح ما يسقط من القدم أو يرى منه بعضه) أي بعض القدم أو شيء من محل الفرض لأن ما ظهر فرضه الغسل ولا يجامع المسح وهذا تعليل مصادم للنص، (فأن لبس خفاً على خف قبل الحدث فالحكم للفوقاني) بمعنى أنه لو جمع بين خفين حينئذٍ لبس خفاً على خف؛ على أي النوعين يمسح على الأسفل الأدون أو على الأعلى؟ (فإن لبس خفاً على خف) على وجه يصح معه المسح بمعنى أن يكون كل من الخفين قد وجد فيه الشروط المعتبرة (قبل الحدث) أما بعد الحدث فلا شك أنه قد لبس الثاني لا على طهارة حينئذٍ يكون الحكم منصباً على الأدون الذي هو تحت - واضح - لبس خف على خف لكنه لبس الثاني بعد حدث يعني لبس الأول بعد كمال الطهارة ثم أحدث ثم لبس الثاني هذا واضح بين أن الحكم للتحتاني وأما إذا لبس الثاني قبل أن يحدث (فالحكم للفوقاني) بمعنى أنه يجوز المسح على الفوقاني وليس المراد أنه يتعين الفوقاني لأنه لو أراد أن يمسح التحتاني جاز له لكن الذي يمسحه هو الذي يتعين مسحه فيما يأتي فلو ابتدأ المسح بالتحتاني لا يجوز المسح على الفوقاني؛ لماذا؟ لأن الحكم تعلق بالتحتاني؛ ولو ابتدأ المسح بالفوقاني لا يجوز أن يمسح التحتاني - واضح هذا - حينئذٍ (فإن لبس خفاً على خف قبل الحدث فالحكم - للخف - الفوقاني) لأنه ساتر فأشبه المنفرد يعني نزل الثاني منزلة خف

стр. 144

مستقل لو لم يلبس خفاً تحتاني ولبس الفوقاني صح المسح عليه أو لا؟ نعم، كأنك نسيت التحتاني ولم تجعله خفاً مستقلاً واضح هذا، [وكذا لو لبسه على لفافة] لفافة سبق أن المصنف يرى أنها لا يمسح عليها لكن لو لبس لفافة ثم لبس خفاً عليها صح المسح على الفوقاني فقط لا على اللفافة، ثم بين كيفية المسح فقال رحمه الله تعالى (ويمسح أكثر العمامة) (ويمسح) وجوباً (أكثر العمامة) ويختص ذلك بدوائرها يعني أكوارها دون وسطها وهذا ليس فيه نص وإنما جاءت النصوص عامة (فمسح على العمامة) (فمسح على عمامته) والأصل حمل النص على عمومه فالأصل حينئذٍ مادام أن العمامة جاز المسح عليها ولم يرد فيه نص من حيث كفاية بعض المسح دون الكل رجعنا إلى الأصل وما هو الأصل؟ هو التعميم تعميم الرأس حينئذٍ ما كان قائماً مقام الرأس فالأصل فيه التعميم وقد جاءت النصوص مطلقة مسح (على عمامته) (على العمامة) أل فيه للاستغراق حينئذٍ الأصل فيه أنه يعم ولكن المصنف رحمه الله تعالى كغيره جروا في العمامة لعدم ورود النص هكذا ادعوا لعدم ورود النص ألحقوها بالخف والخف لا يجب فيه عموم المسح وإنما يمسح أكثره فكان كذلك الحكم في العمامة بجامع أن كلا منهما يمسح نقول هذا اجتهاد في مقابلة النص على كل المصنف يرى رحمه الله تعالى وهو المذهب أنه يمسح أكثر العمامة ونقول ظاهر النصوص هو التعميم (ويمسح - وجوباً - أكثر العمامة) وروي عن أحمد [يجب استيعابها قياساً على مسح الرأس] وهذا أولى بالاعتبار، (وظاهر قد الخف) كذلك الجرموق والجورب (من أصابعه إلى ساقه دون أسفله وعقبه) هذا جاءت فيه النصوص حينئذٍ الذي يمسح من الخف هو الظاهر يعني من أصابعه إلى أسفل ساقه (بأصابعه) مفرجة وأما العقب فلا يمسح وكذلك أسفل الخف لا يمسح وإنما الذي يمسح هو الظاهر فإن مسح الظاهر مع العقب والأسفل نقول أجزأه وإن كان مخالفاً للنص فإن مسح العقب والأسفل دون الظاهر لم يجزئه ولا يصح المسح ألبته؛ لماذا؟ لأنه منهي عنه وكل منهي عنه في عبادة أفسدها فإذا كان كذلك يصدق عليه النص نطقاً (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا قد خالف النص ولذلك قال علي رضي الله تعالى عنه [لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه) فدل على أنه لا يمسح إذاً يمسح أكثر (ظاهر قدم الخف) وما في حكمه (من أصابعه) يعني أصابع رجليه (إلى ساقه) يمسح رجله اليمنى بيديه اليمنى ورجله اليسرى بيده اليسرى ويفرج أصابعه إذا مسح هذا هو السنة وكيف مسح أجزأ قال الحسن [خطوطاً بالأصابع] هذا المسح خطوطاً بالأصابع، ووضع الثوري أصابعه على مقدم خفيه وفرج بينهما ثم مسح إلى أصل الساق هذا وهو السنة في صفة المسح، ولذلك قال (دون أسفله) أي أسفل الخف (وعقبه) وهو مؤخر القدم فلا يسن مسحهما، (وعلى جميع الجبيرة) وهذا إذا قلنا بالمسح وأما إذا قلنا بالتيمم فأمره واضح [ويمسح وجوباً على جميع الجبيرة لما تقدم من حديث صاحب الشجة لأنها عزيمة] الجبيرة عزيمة وليست برخصة حينئذٍ يرجع فيه إلى الأصل، ثم قال (ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث أو تمت مدته استأنف الطهارة) هذا ما يسمى بنواقض المسح على الخفين ولا شك أنه داخل في مفهوم الوضوء فكل ما

стр. 145

نقض الطهارة دون مسح نقض المسح أليس كذلك؟ يعني لو مسح على خفيه ثم بال انتقض المسح أو لا؟ انتقض المسح؛ فكل ما ينقض الوضوء ينقض المسح على الخفين وما في حكمه ويزاد على ذلك عند المصنف مسألتان: المسألة الأولى: متى ظهر بعض محل الفرض ممن مسح بعد الحدث أما قبله فلا يضر بخرق الخف أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف أو ظهر بعض رأس وفحش أو زالت جبيرة استأنف الطهارة؛ لماذا؟ لأن ما ظهر فرضه الغسل وما ستر فرضه المسح ولا يجتمعان لأن هذا بدل وهذا مبدل عنه فلا يجتمعان إما غسل وإما مسح فإذا ظهر بعض محل الفرض رجعنا إلى الأصل وهذا بعد الحدث وأما قبل الحدث فلا يضر بل لو خلع الخف ولبسه مرة أخرى لا يضره لماذا؟ لأنه يكون قد لبسه المرة الثاني بعد كمال الطهارة فلا اعتراض وأما إذا أحدث ثم ظهر بعض محل الفرض كشفه عمداً أو خلع خفه قالوا بطلت طهارته لماذا؟ لأنه قد ظهر محل الفرض فوجب غسله ولا يجتمع مع المسح ثم علة أخرى وهي أن مسح الخفين يرفع الحدث وهذا وهو الصحيح أنه يرفع الحدث فإذا رفع الحدث حينئذٍ إذا زال الخف رجع الحدث إلى القدمين وإذا رجع الحدث إلى القدمين الحدث لا يتبعض فيسري إلى البدن كله حينئذٍ بطلت طهارته (أو تمت مدته) أي مدة المسح فحينئذٍ يستأنف الطهارة ولو كان في صلاة لماذا؟ قال لأن المسح أقيم مقام الغسل فإذا زال أو انقضت مدته بطلت الطهارة في الممسوح ووجب غسله لزوال حكم البدل كالمتيمم يجد الماء إذا تمت مدت الطهارة وهي يوم وليلة وهو باقي على طهارته ولم يحدث هل له أن يصلي بهذا الوضوء الذي مسح فيه على الخفين وانتهت مدته أو لا؟ هذا مبني على الخلاف هل زالت طهارته بانتهاء المدة أو لا؟ المذهب نعم لماذا؟ لأنه حكم مقيد بوقت وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يعتبر رفعاً للحدث إلا في المدة فإذا انتهت المدة رجعنا إلى الأصل فلما انتهت المسح على الخفين وصفت القدمان بالحدث فسر إلى البدن كله حينئذٍ هاتان المسألتان مبنيتان على علة واحدة وهي هل مسح الخفين يرفع الحدث مطلقاً أو أنه مؤقت؟ الصواب أنه مطلقاً وإذا كان كذلك إذا انتقضت طهارته الأمر واضح إذا لم تنتقض طهارته ثبتت بدليل شرعي فلا يعدل إلى بطلانها إلى بدليل شرعي، ولذلك الصواب في المسألتين أنه لا يستأنف الطهارة بل هو باقي على طهارته لماذا؟ لأن الطهارة ثبتت بدليل شرعي وإذا ثبت بدليل شرعي لا ترفع إلا بدليل شرعي وليس عندنا إلا اجتهاد وهذا الاجتهاد محل نظر يعني العلة المذكورة فيها شيء من النظر والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 146

عناصر الدرس * باب: نواقض الوضوء، وفيه: * الناقض الأول: "ينقض ما خرج من سبيل"، ودليل المسألة. * الناقض الثاني: "وخارج من بقية البدن"، وضابطه، ودليل المسألة. * الناقض الثالث: "وزوال العاقل"، ودليل المسألة، وما استثنى منها. * الناقض الرابع: "ومس ذكر متصل"، ودليل المسألة. * الناقض الخامس: "ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها"، ودليل المسألة، والراجح فيها. * الناقض السادس: "وينقض غسل ميت"، ودليل المسألة، والراجح فيها. * الناقض السابع: "وأكل اللحم خاصة من الجزور"، ودليل المسألة، والراجح فيها. * الناقض الثامن: "وكل ما أوجب غسلا أوجب وضوءً"، ودليل المسألة، والراجح فيها. * مسائل في الشك في الطهارة. * ما يحرم على المحدث. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد قال المصنف رحمه الله تعالى (باب نواقض الوضوء) بعد ما بين لنا ما يتعلق بالطهارة الصغرى وهي أركان الوضوء وصفة الوضوء وما يتعلق بذلك من المسح على الخفين بين لنا أن هذه الطهارة الصغرى لها نواقض يعني مفسدات وإذا وجد ناقض منها حينئذٍ حكمنا على الشخص المتطهر بأنه قد خرج عن وصفه بكونه متطهراً إلى نقيضه وهو الحدث وليعلم بأن الأصل في هذا الباب هو التوقيف بمعنى أنه من صحت طهارته لا يحكم على وضوئه بالنقض أو بأنه محدث إلا بنص إلا بدليل ولذلك إذا لم يكن نص حينئذٍ رجعنا إلى الأصل أن هذا الناقض المدعى ليس بناقض وإذا وجد الاحتمال في الدليل فنرجع إلى الأصل وهو اليقين وهو الطهارة حينئذٍ لا نحكم على طهارته بالناقض وهكذا، وهذا الأصل الذي ينبغي اعتباره في الباب وغيره من النواقض والمبطلات فما لم ينقضه الشارع حكمنا على الأصل بكونه باقياً على طهارته وإذا وقع نزاع بين أهل العلم ولم يتبين راجح من مرجوح حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو الحكم بالطهارة (باب نواقض الوضوء) نواقض جمع ناقض قال [أي مفسداته] يعني فسر النواقض بالمفسدات كما أنها تفسر المبطلات لأنه في الأصل من نقضت الشيء إذا أفسدته ونواقض الوضوء مفسدات الوضوء يعني مبطلات الفائدة منه حينئذٍ لا يترتب عليه صحت الصلاة ولا جواز المسح ولا جواز مس المصحف ولا الطواف ولا غير ذلك مما يترتب على الطهارة الصغرى ونواقض الوضوء أحداث وأسباب بمعنى أن الشارع جعل هذا الشيء حدثاً بنفسه كخروج الغائط مثلاً البول والريح أو سبباً بمعنى أنه إن وجد هذا الشيء فهو مظنة لو وجود الحدث كالنوم مثلاً أو اللمس فهو مظنة لوجود أو خروج الريح ونحوها حينئذٍ أحداث وأسباب؛ أحداث بكون الشارع حكم بأن هذا الفعل حدث بنفسه كخروج البول والغائط والريح، البول حدث بنفسه ناقض، وأما النوم فليس حدث بنفسه ولكنه مظنة بمعنى أنه يظن أن يخرج منه ريح وهو لا يشعر حينئذٍ ليس بحدث في نفسه وإنما هو سبب لأنه مظنة للحدث، فالأحداث ما نقض الوضوء بنفسه والأسباب ما كان مظنة لخروجه كالنوم واللمس، قال [وهي ثمانية] الشارح عد المصنف رحمه الله تعالى ثمانية من نواقض الوضوء وبعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه يعني ما هو مجمع عليه بين أهل العلم فالغائط والبول ونحوها ستة أمور وبعضها مختلف فيه هل ناقض أو لا؟ والحجة هنا هي الاستقراء والتتبع للنصوص الشارع قال (ينقض ما خرج من سبيل) (ينقض) أي يُفْسِد ويُبْطل لأن النقض بمعنى الإفساد والإبطال (يَنْقُض) يعني ينقض الوضوء والشارح هنا جعله هنا متعدي بنفسه ينقض الوضوء (ما خرج) ما هذا فاعل بقوله (ينقض) أليس كذلك؟ ينقض فعل مضارع وما اسم موصول بمعنى الذي وهو فاعل (ينقض) ماذا؟ ينقض الوضوء قدر الشارح هنا المفعول المحذوف إذاً يفسد ويبطل وينقض (ما خرج من سبيل) وهو المعبر عنه بالخارج من سبيل والسبيل المراد به هنا الطريق وخص بمخرج البول أو الغائط يعني القبل والدبر فكل ما خرج من سبيل يعني من مخرج البول فهو ناقض فكل ما خرج من سبيل وهو مخرج

стр. 147

للغائط فهو ناقض بقطع النظر بكونه نجساً أو لا معتاداً أو لا عمداً أو لا مطلقاً فكل ما خرج من هذين المخرجين فهو ناقض إذاً الخارج من السبيل يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء وعندهم الخارج من السبيلين ضربان: معتاد ونادر، معتاد يعني يكثر وقوعه ويشترك فيه جمهور الناس وأما النادر فهذا لا يكثر وقوعه وإنما يقع من بعض دون بعض، المعتاد ستة أمور: وهي البول، والغائط، والمني، والمذي، والودي، والريح؛ هذه ستة ولكلها تنقض الوضوء بالإجماع لا خلاف بين أهل العلم أن هذه الستة تعتبر ناقضة للوضوء البول والغائط والمني والمذي والودي والريح، النوع الثاني وهو النادر: كالدم الدم هذا خروجه من الدبر أو القبل ليس يشترك فيه كل الناس وإنما هو على جهة المرض مثلاً فهذا يكون في بعض دون بعض إذاً يعبر بكونه نادراً؛ كالدم، والدود، والحصى، والشعر، فينقض الوضوء أيضاً لكنه مختلف فيه ليس متفق عليه والصحيح أنه يعتبر ناقضاً لماذا؟ لأنه خارج من السبيل أشبه المذي والمذي قد جاء فيه النص ولأنه لا يخلو من بِلة تتعلق به والأصل في هذه البلة أنها نجسة حينئذٍ خرج منه شيء نجس فينتقض الوضوء بها قد أمر النبي ﷺ المستحاضة بالوضوء لكل صلاة ولا شك أن دمها نادر غير معتاد لأنها مريضة المستحاضة ليس شأن النساء كلهن أنها مستحاضة وإنما هي قليل في النساء وأمرها النبي ﷺ بالوضوء لكل صلاة فدل ذلك على أن هذا الدم الخارج ناقض ويحمل عليه قياساً كل نادر بنفي الفارق بين النوعين، (ينقض ما) اسم موصول بمعنى الذي فهو عام (ما خرج) يشمل كل خارج قليلاً كان أو كثيراً معتاداً أو غير معتاد طاهراً كالمني أو نجس مطلقاً كل ما خرج من السبيلين فيعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء لكن قيد بعضهم قوله (ما خرج من سبيل) على وجه الصحة بمعنى أن من كان حدثه دائم هذا خرج منه لكنه لا على وجه الصحة هذا مستثنى ولذلك قالوا إلا من حدثه دائم فلا يبطل وضوؤه بالحدث للحرج والمشقة وهذا أمر مستثنى ويذكره الفقهاء في مثل هذا الموضع، إذاً (ما خرج من سبيل) يعني من قبل أو دبر فهو نوعان: معتاد وغير معتاد، أما الغائط فهذا ناقض بنص الكتاب والسنة والإجماع أما النص فقوله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغائط) هذا نص في الغائط دل على أنه ناقض من نواقض الوضوء وقال ﵊ (ولكن من غائط أو بول) كما في حديث صفوان فدل على أن البول والغائط كل منهما ناقض فثبت النقض بالغائط بالكتاب والسنة وكذلك الإجماع إجماع العلماء وثبت النقض بالبول بالسنة والإجماع وأما الكتاب فلم يرد فيه نص وإنما جاء في السنة كما حديث صفوان (ولكن من غائط أو بول) فثبت البول بالسنة وكذا بالإجماع والقياس على الغائط ولا نحتاج إلى القياس ولكن يذكره الفقهاء، قال النووي رحمه الله تعالى [وأما البول فبالسنة المستفيضة والإجماع والقياس على الغائط] وكذا المذي هذا ثابت بالأحاديث الصحيحة كما جاء في حديث (يغسل ذكره ويتوضأ) فبين أن الوضوء مركب على خروج المذي وحكا الإجماع على النقض به وبالمني والودي بن المنذر والموفق وغيرهما، قال بن المنذر [لست أعلم في وجوب الوضوء منه اختلافاً بين أهل العلم] قاله في

стр. 148

المذي [لست أعلم في وجوب الوضوء اختلافاً بين أهل العلم] وإنما الخلاف هل يغسل ذكره كله مع الأنثيين أم يكتفا بالذكر دون الأنثيين؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم وأما الغسل هذا متفق عليه، وقال بن تيمية في المذي [ينقض ويغسل ذكره وأنثييه]، إذاً ما خرج وهو معتاد فهو ناقض بإجماع أهل العلم، قال بن المنذر [أجمع أهل العلم على أن خروج الخارج حدث ينقض الوضوء] وأما غير المعتاد النادر هذا ليس فيه نص إلا ما جاء في دم المستحاضة وقيس عليه غيره ففي قول عامة أهل العلم أن دم الاستحاضة يعتبر ناقض من نواقض الوضوء لحديث بنت أبي حبيش كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ (فتوضئ) أمرها بالوضوء (فتوضئ وصلي فإنما هو دم عرق) فأمرها بالوضوء ودمها غير معتاد وقيس عليه ما سواه وهذا واضح بين، وأما الريح ففي الأحاديث الصحيحة والإجماع يعني الريح أنه ناقض قال رسول الله ﷺ (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وهذا حدث وقال (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (لا ينصرف) يعني فإن سمع أو وجد ريحاً فلينصرف فيترتب عليه الوضوء، قال بن القيم رحمه الله تعالى [وألحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها بها بالغائط] هذا محل وفاق إذاً الريح الصحيح أنه إجماع أنها ناقضة بنفسها ولذلك قال بن المنذر [أجمع أهل العلم على أن الخروج الريح من الدبر حدث ينقض الوضوء] وقال بن حزم رحمه الله تعالى [والريح من الدبر خاصة لا من غيره بصوت خرجت أو بغير صوت وهذا أيضاً إجماع متيقن] إذاً ما خرج من سبيل سواء كان نادراً أو معتاداً سواء نجساً أو طاهراً سواء كان كثيراً أو قليلاً عامداً أو لا جاهلاً أو عالماً فهو ناقض للوضوء بدون استثناء ولذلك المصنف هنا رحمه الله تعالى قال (ينقض ما خرج) ما اسم موصول بمعنى الذي فيعم، الثاني من النواقض الثمانية أشار إليه بقوله رحمه الله تعالى (وخارج من بقية البدن إن كان بولاً أو غائطاً أو كثيراً نجساً غيرهما) ما يخرج من البدن إما أن يكون من السبيلين أو لا؛ إن كان من السبيلين مضى في الناقض الأول وإن لم يكن من السبيلين مخرج البول والغائط حينئذٍ إما أن يكون بولاً أو غائطاً أو لا؛ فإن كان بولاً أو غائطاً وخرج من غير السبيلين فهو ناقض مطلقاً بدون استفصال وبدون تفصيل بمعنى أنه ناقضاً سواء كان قليلاً أو كثيراً فلذلك قال (خارج) هذا معطوف على (ما) يعني ينقض خارج (من بقية البدن) سوى السبيلين لأن ما بتعلق بالسبيلين مضى في الناقض الأول قيده بقوله (إن كان بولاً أو غائطاً) نقض ولو كان قليلاً أو كثيراً؛ لماذا؟ لأنه نجاسة خارجة من البدن والقول بأن بكونه قليلاً أو كثيراً نقول لعموم الأدلة وجمعاً بين الأخبار والنصوص وقد جاء قوله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغائط) ورتب عليه الوضوء ولم يستفصل هنا ولم يفصل (أو جاء أحد منكم من الغائط) سواء تغوط من المكان المعتاد وهو السبيل أو لا؛ فعم النص فدل ذلك على أن خروج الغائط مطلقاً يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء؛ وكذلك جاء قوله ﵊ (ولكن من غائط وبول) يعني الغائط خروجه من البدن سواء كان من مكانه المعتاد أو لا؛ يعتبر ناقضاً

стр. 149

من نواقض الوضوء، إذاً لعموم الأدلة تدل على أن خروج البول والغائط من البدن مطلقاً بدون استفصال ولا تفصيل يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء وهذا أمر واضح بين، إذاً لعموم الأدلة قوله ﷺ (ولكن من غائط وبول) وقوله تعالى قبل ذلك (أو جاء أحد منكم من الغائط) ولأن ذلك خارج معتاد أشبه الخارج من المخرج يعني مثله ما الفرق بينهما؟ لا فرق بينهما حينئذٍ لما خرج البول أو الغائط من موضعه المعتاد ومثله لو خرج من غير موضعه المعتاد الحكم واحد تعلق عليه النقض دون تفصيل (إن كان بولاً أو غائطاً) قليلاً كان أو كثيراً سواء كان من تحت المعدة الفتحة التي فتحت أو فوقها على الصحيح مطلقاً وإن فصل بعضهم والصواب أنه مطلق لأنها قد تفتح للإنسان فتحة إما فوق المعدة أو تحتها من أجل إخراج هذه الفضلات على العموم لعموم النصوص يحمل على النوعين سواء فتحة فتحت تحت المعدة أو فوقه فالحكم واحد وسواء كان السبيلان مفتوحين أو مسدودين لأن النصوص عامة لم يستفصل أو يفصل الرب جل وعلا فقوله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغائط) وكذلك النص النبوي فيحمل على عمومه، إذاً القاعد أن البول والغائط متى ما خرجا من البدن مطلقاً قل أو كثر من موضعه المعتاد أو لا؛ يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء إذاً ما كان خارجاً من غير السبيلين وكان بولاً أو غائطاً عرفنا الحكم، ما لم يكن بولاً أو غائطاً؛ إما أن يكون طاهراً أو يكون نجساً؛ فإن كان طاهراً سواء قل أو كثر لا يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء فخروج الطاهر من البدن لا يعتبر ناقضاً بخلاف خروج الطاهر من السبيلين يعتبر ناقضاً اليسير من الطاهر الذي يخرج من البدن من غير السبيلين كالبصاق مثلاً والمخاط والدمع نقول هذا يعتبر ماذا؟ الحكم أنه طاهراً وهو يسير؛ هل يعتبر ناقضاً؟ الجواب لا يعتبر ناقضاً، الطاهر الكثير إذا خرج من البدن كالعرق مثلاً قد يعرق الإنسان ويكون عرقه كثيراً؛ هل يعتبر ناقضاً؟ الجواب لا، إذاً ما خرج من سوى السبيلين وكان طاهراً سواء كان يسيراً أو كثيراً لا يعتبر ناقضاً، ما يقابل الطاهر النجس؛ هل خروج النجس من سائر البدن غير السبيلين يعتبر ناقضاً أو لا؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم فليس من المسائل المتفق عليها المصنف وهو المذهب اختار إن كان كثيراً نجساً نقض، إن كان كثيراً يقابله اليسير حينئذٍ اليسير النجس إذا خرج من غير السبيلين ولم يكن بولاً ولا غائطاً لا يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء قوله (نجساً) أفاد أنه إن كان كثيراً طاهراً لم يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء وهو كذلك (أو كان كثيراً) يعني كان الخارج من غير السبيلين (كثيراً) هذا قيد أول لأن له محترز إن كان يسيراً فلا يعتبر ناقضاً (نجساً) كالدم مثلاً أو القيء هذا يعتبر نجساً على المذهب وهذا قد يكون كثيراً وقد يكون قليلاً خروج الدم قد يكون كثيراً وقد يكون كثيراً كذلك القيء نجس على المذهب وقد يكون كثيراً وقد يكون قليلاً إذاً له مفهوم وهو مفهوم مخالفة (كثيراً نجساً غيرهما) يعني غير البول والغائط؛ ما الدليل على ذلك على أن النجس الخارج من البدن من غير السبيلين يعتبر ناقضاً؟ قالوا لقوله ﷺ في حديث فاطمة (أنه دم

стр. 150

عرق فتوضئ لكل صلاة) (أنه) أي الخارج (دم عرق فتوضئ لكل صلاة) أمرها النبي ﷺ هنا بالوضوء وعلل بـ (أنه دم عرق فتوضئ) علل إيجاب الوضوء بكونه دم عرق حينئذٍ كل ما وجدت العلة وجد الحكم لأن الدم الذي يخرج من سائر البدن كله دم عرق حينئذٍ كل ما وجد دم العرق وجب الوضوء هذا وجه الاستدلال من النص وأما كون القليل من ذلك لا ينقض فلمفهوم قول بن عباس في الدم رضي الله تعالى عنهما (إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة) مفهوم كلامه إذا لم يكن فاحشاً فليس عليه الإعادة لصحة صلاته لكون وضوئه لم ينتقض إذاً ثَمَّ نص لكون الخارج يعتبر ناقضاً وهو حديث فاطمة السابق (إنه دم عرق) والذي يخرج من اليد دم عرق والذي يخرج من الرأس دم عرق وهكذا فكل ما خرج الدم من البدن من غير السبيلين فهو دم عرق إذاً لما علل النبي ﷺ دم الاستحاضة لكونه دم عرق ورتب عليه إيجاب الوضوء إذاً لو خرج من رأسه فهو دم عرق كذلك يجب فيه الوضوء فيعتبر ناقضاً وأما كونه كثيراً فلقول بن عباس (إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة) ولأنه نجاسة خارجة من البدن أشبه الخارج من السبيل والفاحش الذي عبر عنه المصنف هنا بقول (كثيراً) وهو ما عبر عنه بن عباس بقوله (إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة) إذا لم يكن كثيراً بأن كان قليلاً لا يعتبر ناقضاً حينئذٍ يرد التفريق بين النوعين؛ متى نحكم على الدم بكونه يسيراً ومتى نحكم على الدم بكون كثيراً؟ قالوا [ما فحش في النفس] يعني نفس كل أحد بحسبه إن حكم الإنسان المعتدل ليس المفرط ولا الموسوس بكون هذا الدم قليلاً فهو قليل برؤيته هو بعرفه وإذا حكم عليه بكونه كثيراً حكم عليه بكونه كثيراً واضح هذا حينئذٍ يرجع إلى الشخص نفسه وينظر فيه لكن بشرط أن يكون معتدلاً هذا المذهب وهو المرجح عندهم وثَمَّ رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن خروج النجاسة من بقية البدن لا ينقض مطلقاً لا يعتبر ناقضاً ما عدا البول والغائط يعني ما ذكره النوع الثاني (أو كان كثيراً نجساً غيرهما) ثَمَّ رواية عن الإمام أحمد أنه لا يعتبر ناقضاً؛ لماذا؟ لكون لا نص فيه هذا أولاً، ثانياً لا يصح قياسه على السبيلين قوله ﷺ في حديث فاطمة (أنه دم عرق فتوضئ) هذا مركب من شيئين كونه دم عرق وكونه خارج من السبيل حينئذٍ وجود إحدى جزئي العلة لا يستلزم الحكم مطلقاً بمعنى أن العلة هنا مركبة وهي كونه أن دم عرق وكونه خارجاً من السبيل فإذا وجد بهذا القيد حكمنا عليه بكونه ناقضاً وأما كونه دماً فقط لكونه دم عرق ولم يكن خارج من السبيلين نقول هذا وجد فيه جزء العلة ولم توجد فيه العلة كاملة وإذا كان كذلك فلا يتبعه الحكم ألبته وإذا كان كذلك رجعنا إلى الأصل وهو صحت الطهارة وعدم وجود نص يعتمد عليه فالحكم بكون كثير الدم النجس أو قليله مطلقاً يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء وهذا هو المرجح والله أعلم، إذاً (أو كان كثيراً نجساً غيرهما) هذا محل نظر والصحيح أنه لا يعتبر ناقضاً، قال البغوي [وهو قول أكثر الصحابة والتابعين] أنه لا يعتبر ناقضاً وروي عن جابر في الذين يحرسان في غزوة ذات الرقاع (فرمي أحدهما بسهم فنزعه ثم بآخر ثم بالثالث وركع وسجد

стр. 151

ودماؤه تجري) رواه أبو داود بسند حسن، ولما روي عن الصحابة فإن بن عمر رضي الله تعالى عنهما (عصر بكرة فخرج دم وصلى ولم يتوضأ) ثَمَّ ما ورد عن الصحابة أنهم صلوا بدمائه في الحروب والمعارك ونحو ذلك وهذا يدل على النبي ﷺ لم يأمرهم بإعادة الوضوء مع أن الأصل عدم النقض حتى يثبت الشرع ولذلك النووي رحمه الله تعالى [لم يثبت قط عن النبي ﷺ أنه أوجب الوضوء من ذلك] وقال مالك [الأمر عندنا] إذاً الصحيح أنه لا يعتبر ناقضاً نواقض الوضوء فمن توضأ وتقيء قل أو كثر لم ينتقض وضوؤه لماذا؟ على الصحيح لأنه لا يوجد دليل واضح بين على النقض، وعلى المذهب إن كان كثيراً تقيء قيئاً كثيراً وجبت عليه إعادة الوضوء وإذا كان يسيراً حينئذٍ لا يلزمه الوضوء، كذلك لو خرج دم من يديه ينظر فيه إن كان يسيراً على المذهب لا يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء وإن كان كثيراً فحش في نفسه حينئذٍ يعد ناقضاً من نواقض الوضوء وعلى الصحيح قل أو كثر لا يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء لعدم الدليل الصحيح الذي اعتمد عليه، (وزوال العقل) هذا الثالث من نواقض الوضوء (وزوال العقل) قال الشارح [أو تغطيته] لماذا؟ لأن زوال العقل على ضربين على نوعين: نوم وغيره الكلام هنا إما في النوم وإما في غير النوم فأما غير النوم وهو الجنون والإغماء والسكر وما أشيه من الأدوية المزيلة للعقل فهذا ينقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعاً الذي يزول معه العقل بالكلية أو يغيب معه العقل بالكلية هذا دون تفصيل سواء كان يسيراً أو كثيراً يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء، فمن توضأ فجن نقول انتقض وضوؤه، من توضأ وسكر ولا يدر ما يفعل وما يقول نقول نقض وضوؤه بالإجماع، من توضأ فأغمي عليه نقول انتقض وضوؤه بالإجماع؛ لماذا؟ لكونه فاقداً لعقله ويصدق عليه قوله (زوال العقل) ويحمل على أنه بالكلية، قال بن المنذر [أجمع العلماء على وجوب الوضوء على المغمى عليه] لأن هؤلاء حسهم أبعد من حس النائم سيأتي أن النائم إن كان إذا يشعر بنفسه انتقض وضوؤه؛ لماذا؟ لأن النوم مظنة يعني يظن محل بأن يخرج منه ريح ولا يدري إذاً علقنا الحكم على النوم فإذا فقد إحساسه وإدراكه وهو نائم حينئذٍ نعين عليه إعادة الوضوء يعني يعتبر ناقضاً فمن باب أولى وأحرى المجنون والسكران والمغمى عليه لأنهم أشد لفقد حواسهم من النائم فلما جاء حديث صفوان (ولكن من غائط وبول ونوم) دل على أن النوم يعتبر ناقضاً لكن على التفصيل الآتي أولى منه بناء على نفي الفارق المجنون لأن النائم إذا كان فاقد الإحساس المجنون من باب أولى وأحرى وكذلك السكران وكذلك المغمى عليه إذاً هؤلاء حسهم أبعد من حس النائم بدليل أنهم لا ينتبهون بالانتباه لو نبهه ما انتبه بخلاف النائم لو أيقظه في الغالب أنه ينتبه، ففي إيجاب الوضوء على النائم تنبيه على وجوبه لما هو آكد منه، إذاً هذا الضرب الأول وهو غير النوم وهو محل وفاق وهناك خلاف عند أهل العلم في قضاء الصلوات على المغمى عليه وليس في إيجاب الوضوء انتبه لا تلبس عليك المسألة ثَمَّ خلاف هل يقضي أو لا يقضي؟ المذهب ثلاثة أيام فما دون وبعضهم يرى خمسة أيام إلى آخره فثَمَّ خلاف بين أهل العلم لكن

стр. 152

إيجاب الوضوء محل وفاق والصحيح في باب الصلاة أنه لا يقضي فلو دخل الوقت وخرج وهو مغمى عليه الصحيح أنه لا يقضي لماذا؟ لأنه غير مكلف لأن شرطي التكليف العقل وفهم الخطاب وهذا لم يفهم انتفى عنده الثاني وإن كان العقل موجود باعتبار الأصل لكنه لم يفهم فدل ذلك على أنه سقط عنه التكليف فهو غير مكلف وأما نقض الوضوء بالإغماء فهذا محل وفاق، وفرق بين المغمى عليه والذي يتعاط البنج - البنج هذا مسألة آخري ليس كالمغمى عليه - بل حكمه أنه يقضي وأنه يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء، إذاً الأول غير النوم الثاني النوم، قال (زوال العقل) أي بالكلية أو تغطيته، قال أبو الخطاب وغيره [ولو تلجم ولم يخرج منه شيء إلحاق بالغائط] بمعنى أنه لو تلجم يعني غطا فرجه دبره من أجل أن لا خرج ريح ونام أو سكر ثم بعد ذلك بعد أن توضأ بعد ذلك هل هو باقي على طهارته أو لا؟ نقول لا؛ انتقض وضوؤه؛ لماذا؟ لأن هذه تعتبر أسباباً رتب عليها الشارع النقض ولو تعاط المتعاطي ما لو يمنع خروج الريح فنرجع إلى الأصل إذاً زوال العقل والأصل فيه حديث صفوان (ولكن من غائط وبول ونوم) رواه أحمد والشافعي والترمذي وصححه وقال نووي بأسانيد صحيحة وما ذكر من الجنون وغيره أبلغ من النوم الذي هو مظنة لخروج شيء من الدبر والمظنة للحدث أقيمة مقامه، قال (إلا يسير نوم من قاعد أو قائم) هذا يتعلق بالنوم النوم الكثير داخل في قوله (زوال العقل) فشمل النوعين النوم وغير النوم لكن يستثنى حالة واحدة من النوم لا تعتبر ناقضاً على المذهب وهي (يسير نوم) يسير يقابله كثير (يسير نوم من قاعد أو قائم) يقابله يسير نوم من مضطجع أو مستلق أو متكئ هذا حكمه يختلف فهو داخل فيما سبق وإنما استثنى حالة واحدة مركبة من وصفين أولاً يسير النوم ثانياً كل نوم يسير لا يعتبر ناقضاً؟ قال لا؛ النوم اليسير يعتبر ناقضاً فيما إذا لم يكن واحد من هذين الشخصين القاعد والقائم فالمضطجع نومه مطلقاً يسيراً كان أو كثيراً فهو ناقض والمتكئ والمستلقي هذا نومه مطلقاً سواء كان يسيراً أو كثيراً يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء إذاً (إلا يسير) يعني لا كثير والفرق بينهما بين الكثير واليسير يرجع إلى العرف على المذهب يرجع إلى العرف فما عد يسيراً في عرف المعتدل لا الموسوس ولا المفرط فهو يسير وما عد كثيراً فهو كثير، (إلا يسير نوم) هذا استثني اليسير واعتبر خارج من قول المصنف (زوال العقل) لحديث أنس مع كون النص حديث صفوان عام (ولكن من غائط وبول ونوم) هنا لم يستفصل عمم كون النوم ناقضاً من نواقض الوضوء حينئذٍ يحتاج إلى دليل يعتبر مخصصاً أو مقيداً للنص العام بكون اليسير لا يعتبر ناقضاً أوردوا حديث أنس وفيه حتى (تخفق رؤوسهم) (كانوا أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون) والحديث في الصحيح إذاً تخفق رؤوسهم وهم قائمون أو جالسون إذاً قاعدون وهم قاعدون والقعود والجلوس بمعنى واحد إذاً حتى تخفق رؤوسهم نقول هذا في اليسير ثم هو في القاعد دون غيره فهو في اليسير متيقن وفي الكثير محتمل يحتمل أنه تخفق رؤوسهم أنه في النوم الكثير لكن المتيقن اليسير فيحمل عليه النص ودلت

стр. 153

الأحاديث على النقض مطلقاً كما في حديث صفوان السابق فنحملها على الكثير في العموم ولأن نقض الوضوء بالنوم معلل بإفضائه إلى الحدث والكثير لا شك أنه أشد في الاحتمال من اليسير والقائم بمعنى القاعد لانضمام الدبر بمعنى أن القاعد يعني مع وجود مظنة خروج الريح إلا أنه مع يسير النوم وكونه قد وضع مقعدته على الأرض حينئذٍ خروج الريح من الدبر هذا فيه شيء من البعد كأنه متكئ على دبره فأغلقه لأن لا يخرج منه شيء وكذلك القائم لكونه منطبقاً بإليتيه على دبره كأنه أغلقها حينئذٍ الاحتمال وإن كان موجوداً إلا أنه فيه شيء من البعد فاستثني هاتان الحالتان وفيه نص كذلك وهو حديث بن عباس (فقمت إلى جنبه الأيسر فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني) متفق عليه وهذا دل على أنه كان قائم في الصلاة، إغفاء والإغفاء عند كثير من أهل العلم هو جزء من النوم، إذاً المذهب أن النوم الأصل فيه أنه ناقض من نواقض الوضوء ويستثنى حالة واحدة وهي مركبة من شقين ما كان فيه النوم يسيراً وضبط هنا يكون للعرف بشرط أن يكون هذا اليسير وهو الضابط الثاني من قاعد أو قائم، ويعتبر حديث أنس (حتى تخفق رؤوسهم) مقيد لحديث صفوان وهو (ولكن من غائط وبول ونوم) (ونوم) هنا جاء مطلقاً ولكن يخص بحديث أنس هكذا قال المصنف رحمه الله تعالى، والصحيح أن النوم يعتبر ناقضاً في الجملة والمرد في ذلك بين كونه ناقضاً أو لا؛ إلى إدراك الحس بمعنى أن جعلنا النوم مظنة لو كان حدث بنفسه لقلنا مطلقاً هو ناقض كالريح والبول والغائط لكن جعلناه ماذا؟ جعلناه سبباً إذاً هو في نفسه ليس بناقض أولاً مادام أنه ليس في نفسه ناقضاً وإنما جعلناه مظنة للنقض فحينئذٍ ننظر إلى الإدراك وعدمه متى ما شعر بنفسه أنه لو خرج منه ريح لانتبه فليس بناقض قل أو كثر ومتى ما فقد ذلك فهو ناقض قل أو كثر لأن الناس يختلفون في قضية النوم ليست النسبة واحدة بين كل أحد فاليسير عند بعضهم قد يكون كثيراً عند آخر؛ منذ أن يغمض عينه فإذا به يذهب في الأحلام والرؤى ومتى ما رأى عند أهل العلم فهو كثير وليس يسير حينئذٍ نرده إلى إدراك الحس فمتى ما كان الإدراك إدراك خروج حس يشعر بنفسه معه باقي نقول هذا النوم ليس بناقض؛ لماذا؟ لأن علقنا الحكم هنا بالمظنة فارتفاع المظنة هنا مدرك بحسه وإذا لم يكن كذلك فجعلناه ناقضاً ولذلك إذا لم يكن مدرك لما يقول يدل على ذلك حديث (العين وكاء السهي فمن نام فليتوضأ) هذا تعليل واضح بين (العين) (وكاء السه) وكاء بكسر الواو الخيط تربط به القربة ونحوها والسهي المراد به الدبر وهو كناية على أن العين إذا كانت مفتوحة فالسه أو السهي يكون مربوطاً وإذا ذهبت العينان حينئذٍ السهي ينطلق واضح هذا وهذا إنما يكون مرده إلى الحس، إذاً النوم فيه تفصيل لا من حيث اليسير أو قاعد أو قائم وإنما من حيث الإدراك والشعور فمتى ما شعر أنه لم يخرج منه شيء فالأصل بقاء الطهارة ولا نحكم بنقض الوضوء وإذا شعر حينئذٍ حكمنا بنقض الوضوء، (مس ذكر متصل أو قبل بظهر كفه أو بطنه) هذا الناقض الرابع وهو مس الذكر ومس الذكر على المذهب وهو الصحيح أنه يعتبر من النواقض نواقض الوضوء (ومس الذكر) [نقض مطلقاً] يعني سواء ذكر نفسه أو غيره

стр. 154

سواء كان الغير صغيراً أو كبيراً حياً أو ميتاً مسه لشهوة أو لا؛ سهواً أو عمداً سواء كان الذكر صحيحاً أو أشل مطلقاً فالحكم عام (من مس ذكره فليتوضأ) سواء مس ذكر نفسه أو غيره والغير سواء كان حياً أو ميتاً صغيراً أو كبيراً عامداً أو غير متعمد سواء كان صحيحاً أو أشل نقول هذا يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء لعموم النص (من مس ذكره فليتوضأ)، (مس ذكر) (مس) المماسة إنما تكون من غير حائل وهو الصحيح لأن النص علق على وصف (من مس) فالذي يمس ذكره بثوب لا يعتبر ماساً المماسة لا تكون إلا بشرة بشرة اللمس والمس لا يكون إلا بشرة ببشرة وأما أن يكون بينهما حائل فلا يعطى الحكم ألبته إذاً المماسة تكون من غير حائل وهو الصحيح، قال بن حزم [الماس على الثوب ليس ماساً] يعني لا يسمى مساً حتى في لسان العرب وإذا جاء كذلك في الشرع فلا يترتب عليه حكم (مس ذكر) ذكر هنا أطلقه فيشمل ذكر نفسه وذكر غيره وهو الصحيح للعموم النص (مس ذكر) آدمي وليس من حيوان فلو مس بالحيوان ذكر لا ينتقض الوضوء لأن المخاطب هنا المكلف وهم بنو آدم وأما الحيوانات فليست داخلة ألبته (مس ذكر) يعني مس ذكر من نفسه أو غيره وقيدناه بآدمي والذكر هنا يشمل الذكر الصحيح والأشل وهذا الحكم عام لعموم النص والآدمي هنا مقيد للخطاب، كذلك قوله (مس ذكر) يعم العمد وغير العمد لأن العلة متى ما وجدت تعلق الحكم بها، متى ما وجد المس انتقض الوضوء سواء كان عامداً أو لا وقيده بعضهم بالعمد وهذا محل نظر لماذا؟ لأننا جعلناه ناقضاً والنقض لا ينظر إليه إلى كونه متعمداً أو لا؛ مختاراً أو مضطراً، لأن لو قلنا هنا استثنينا غير المعتمد كالساهي إذاً لو سها فأخرج ريحاً أو لم متعمداً فأخرج ريحاً هل يعتبر ناقضاً أو لا؟ يعتبر ناقضاً فلا يفرق في النواقض كلها؟ بين العمد وغيره حينئذٍ نقول في هذا الناقض حكمه حكم غيره واستثنى من استثنى أنه إذا لم يكن عامداً لا ينقض الوضوء هذا محل نظر (متصل) بمعنى أنه في محله فلو قطع وفصل هذا لا يعتبر ناقضاً لأنه لا يسمى ذكراً وهو لحمة لا يعتبر ناقضاً أو مس محله بعد القطع لا يعتبر ناقضاً لأنه لم يمس ذكراً هذا ليس بذكر (أو قبل) يعني (أو) مس (قبل) من امرأة وهذا شأن المرأة وهو فرجها الذي بين أسكتيها بضم الهمزة أي ناحيتي الفرج وهو مخرج البول فالحكم عام كما سيأتي في النص ولذلك جاء (من مس فرجه) هذا يعم الذكر للذكر ويعم القبل للأنثى ويعم الدبر منهما لأن الفرج مأخوذ من الانفراج فهو الحكم يعتبر عاماً (مس ذكر متصل أو قبل) لقوله ﷺ (من مس ذكره فليتوضأ) هذا أمر يقتضي الوجوب رواه مالك والشافعي وغيرهما وصححه أحمد والترمذي وقال البخاري هو أصح شيء في هذا الباب وصححه الدار القطني وغيره وله شواهد وطرق قيل أنها تبلغ حد التواتر، كذلك حديث (من مس فرجه - وهو رواية أخرى - فليتوضأ) (من مس فرجه) فرج مأخوذ من الانفراج وهو اسم لمخرج الحدث ويتناول الذكر والدبر وفرج المرأة، وكذلك جاء حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً (أيما رجل مس ذكره فليتوضأ) هذه صيغة عموم (وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) رواه أحمد والترمذي قال البخاري هذا عندي صحيح، إذاً ثبتت

стр. 155

الأحاديث بالدلالة على أن مس الذكر يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء مطلقاً سواء كان الذكر صغيراً أو كبيراً رضيعاً أو لا فالحكم يعتبر عاماً وهذا هو الصحيح، (بظهر كفه أو بطنه) إذا علمنا أن مس الذكر يعتبر ناقضاً؛ بماذا يمسه هل إذا مسه برجله يعتبر ناقضاً أم برأسه أم بيده بذراعه أم فيه تفصيل؟ نقول الحكم جاء مقيداً بيده كما جاء في الحديث (من أفضى بيده والحكم المعلق على مطلق اليد يحمل على اليد التي يعتبر من رؤوس الأصابع إلى الكوع يعني التي تقطع في السرقة حينئذٍ يخص الحكم بهذا المحل بالمس فإن مس بذراعه لا يعتبر ناقضاً وإن مس هو ذكر نفسه بفخذيه لا يعتبر ناقضاً وهكذا الحكم لأنه مقيد باليد التي تعتبر من رؤوس الأصابع إلى الكوع كما قال مصنف هنا (بظهر كفه أو بطنه) بظهر الكف هذه من مفردات المذهب أم بطنه هذا عام يعني موجود في غير مذهب الحنابلة (بظهر كفه أو بطنه) غير الظفر فإن مسه بالظفر حينئذٍ لا يعتبر ناقضاً لأن له حكم الانفصال لو مس ذكره بنفسه بظفره هذا لا يعتبر ناقضاً لماذا؟ لأن الظفر يعتبر في حكم المنفصل وما كان كذلك لا يعطى حكم اليد وقد جاء الحكم معلق باليد [أو حرفه] الحرف الذي يعتبر من الجهة تجمع بين البطن والكف، لعموم حديث (من أفضى بيده) والإفضاء الوصول واللمس من غير حائل (من أفضى بيده إلى يده ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء) والحديث هذا صحيح وجاء كذلك في صحيح الجامع (إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ) فدل ذلك على أن الحكم مقيد باليد سواء كان بظهر الكف أو ببطنه وما عدا ذلك فالأصل غير ناقض، (ولمسهما من خنثى مشكل) الخنثى المشكل هو الذي له آلة ذكر وآلة أنثى ولم يتبين هل ذكر أم أنثى حينئذٍ (لمسهما) يعني لمس الذكر والقبل معاً في وقت واحد من خنثى مشكل يعتبر ناقضاً؛ لماذا؟ لأنه إن كان ذكراً فقد مس ذكره وإن كان أنثى فقد مس قبله وعلى الحالين يعتبر ناقضاً وينقض (لمسهما) أي لمس الذكر والقبل معاً في وقت واحد (من خنثى مشكل) سواء كان لشهوة أو لا؛ إذ أحدهما أصلي قطعاً لأنه لا يخرج إما ذكر أو أنثى فإن تبين أنه فقد مس ذكره وإن تبين أنه أنثى فقد مس قبله (ولمس ذكر ذكره) يعني وينقض أيضاً (لمس ذكر ذكره) أي ذكر الخنثى المشكل لشهوة إذا مس أحد العضوين ولم يمس النوعين لو مس الآلتين انتقض مطلقاً لشهوة أو لا، لكن إن مس ذكره لشهوة حينئذٍ انتقض مطلقاً؛ لماذا؟ لأنه إن ظهر أنه ذكر فقد مس ذكره وإن لم يتبين أنه ذكر فقد مسه لشهوة وهو ناقض من نواقض الوضوء كما سيأتي واضح، إذا مس الآلتين معاً انتقض الوضوء مطلقاً يعني بشهوة أو لا؛ لما ذكرنا، إن لم يمس الآلتين بل مس إحدى الآلتين إن مس ذكر الخنثى لشهوة حينئذٍ انتقض الوضوء؛ لماذا؟ لأنه إن تبين أنه ذكر فقد مس ذكره ومس الذكر ناقض من نواقض الوضوء، وإن لم يتبين أنه ذكر أو تبين أنه أنثى حينئذٍ لم يمس ذكره؛ لماذا؟ لم يمس قبله فينتقض الوضوء فكيف حكمنا على الوضوء بالنقض نقول للناقض الآتي وهو لمسه امرأة لشهوة وهذا يعتبر نواقض، ولذلك قال (ولمس ذكر) يعني رجل (ذكره) ذكر الخثنى لشهوة لأنه إن كان ذكراً فقد مس ذكره وإن كان امرأة فقد لمسها بشهوة فإن لم يمسه لشهوة أو مس

стр. 156

قبله لم ينتقض وهذا واضح، (أو أنثى قبله) أي ينقض لمس أثنى قبل الخنثى المشكل (لشهوة فيهما) يعني أثنى مست قبل خنثى مشكل انتقض الوضوء أو لا؟ وهنا مقيد بالشهوة؟ نقول انتقض الوضوء مطلقاً يعني سواء تبين أنه ذكر أو أثنى إن تبين أنه أثنى فهي أنثى مست قبل أنثى وإن لم تكن أثنى بل كان ذكراً حينئذٍ أثنى مست ذكراً لشهوة فانتقض الوضوء ولذلك قال (أو أثنى قبله لشهوة فيهما) يعني في هذه والتي قبلها؛ لماذا؟ لأنه إن كان أنثى فقد مست فرجها وإن كان ذكراً فقد لمسته لشهوة ففي هاتين الأخريتين يدخل الناقض الآتي الذي هو الخامس مع هذا الناقض وهو اعتبار الشهوة على كل هذا الناقض قليل الوقوع، قال (ومسه امرأة بشهوة) هذا الناقض الخامس (مسه) أطلقه المصنف هنا لأنه لم يقيده باليد كما قيد في السابق أو ظهر كفه أو بطنه لأن الحكم هنا عام فالمس مطلقاً سواء كان بكفه بذراعه برجله برأسه أين كان فيعتبر ناقضاً بشرطه أن يكون مساً البشرة للبشرة مسه أي الذكر وهذا عام يشمل الصغير والكبير والعاقل والجنون والحر والعبد مطلقاً كل من مس بشهوة امرأة أجنبية حينئذٍ انتقض وضوؤه (مسه امرأة بشهوة) الباء هذه للمصاحبة يعني الحكم مركب من شيئين مس مع شهوة إن وجدت الشهوة كانتشار دون مس لم ينتقض الوضوء إن وجد المس دون شهوة لم ينتقض الوضوء بل لابد من اجتماعهما معاً مس بشرة ببشرة ويكون لشهوة إن وجد المس دون شهوة لا ينتقض الوضوء إن وجدت الشهوة دون مس لا ينتقض الوضوء لأن الناقض هنا مركب من شيئين ولذلك قال (لشهوة) يعني مع شهوة ونص الشارح على أن الباء هنا للمصاحبة (ومسه امرأة بشهوة) لأنها تدعوا إلى الحدث، (أو تمسه بها) يعني ينقض مسها للرجل بشهوة فالحكم عام لأن النساء شقائق الرجال فمادام ثبت أن الرجل إذا مس امرأة بشهوة انتقض وضوؤه فالعكس بالعكس إذا مست امرأة رجل بشهوة نحكم على وضوئها بالانتقاض والدليل على ذلك قالوا جمع بين الآية والأخبار لقوله تعالى (أو لامستم النساء) وفي قراءة (أو لمستم النساء) واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد هذا الأصل الجس باليد مماسة لكن البشرة بالبشرة ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها اللمس قوله (أو لمستم النساء) هذا يقتضي أن المس ناقضاً للوضوء مطلقاً (أو لمستم) (أو لامستم) (لامستم) هذه مفسرة بالمجامعة الجماع وليست داخلة معنا، (أو لمستم) هذه أعم لأنها تدل على ماذا؟ على الجس باليد وقد يبالغ فيحصل الجماع يعني غاية ما يكون من الجس باليد ما يتبعه الجماع أدنى ما يكون الجس باليد حينئذٍ هذا يدل على أن اللمس مطلقاً يعتبر ناقضاً سواء كان لأجنبية أو لذات محرم سواء كان بشهوة أو بدون شهوة لكن دلت النصوص على أن النبي ﷺ توضأ ومس زوجته عائشة رضي الله تعالى عنها حينئذٍ أخرجنا هذا النوع من المس وأبقينا نوع واحد وهو المس أو الجس بشهوة هذا هو المذهب تقرير أن المذهب أن يقال: قوله تعالى (أو لامستم النساء) هذا محمول على الجماع وقراءة (أو لمستم) هذه عامة يقتضي أن المس ناقض للوضوء مطلقاً لشهوة أو بغير شهوة وخص في الأخبار الواردة بأن المس بدون شهوة لا ينقض الوضوء لقول عائشة رضي الله تعالى عنها (فوقعت يدي على بطن

стр. 157

قدميه وهما منصوبتان) رواه مسلم وكان يتوضأ ويصلي ما انتقض وضوؤه لو كان مجرد المس ناقض لانتقض وضوء النبي ﷺ لكن لم ينتقض كذلك جاء قولها (فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فصلى) كذلك وهو حامل أمامة فاعتبر الحالة التي يدعوا فيها المس إلى الحدث وهي الحالة بشهوة فخص النص الذي قوله تعالى (أو لمستم النساء) بشهوة فحسب ولذلك قال المصنف (ومسه امرأة بشهوة) (امرأة) لقوله (أو لمستم) (بشهوة) لأن النص عام فخص منه ما دل عليه حديث عائشة وغيره ولأن اللمس يقال فيه ما قيل في النوم ليس بحدث بنفسه وإنما هو مظنة لخروج المذي أو المني حينئذٍ اعتبر فيه الشهوة وإنما هو داع إلى الحدث فاعتبرت الحالة التي يدعوا فيها إلى الحدث وهي حالة الشهوة وهي مظنة الحدث إذاً هذا تعليل للمذهب وهو المعتمد عندهم، والصحيح أنه لا يعتبر ناقضاً ألبته سواء مس رجل امرأة بشهوة أو مسته هي بشهوة لما ذكرناه في أول الباب أن النص لابد أن يكون واضح بين في الدلالة على كون هذا الناقض ناقضاً وأما قوله تعالى (أو لمستم) فسرها بن عباس على الجماع فهي محمولة على الآية الأخرى حينئذٍ لا فرق بين (لامستم) أو (لمستم) وقد جاء في القرآن التعبير عن الجماع والمجامعة بـ (لمستم) ولذلك جاء قوله تعالى (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) فالمس يطلق ويراد به الجماع (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) إذاً المس يطلق ويراد به الجماع واللمس يطلق ويراد به الجماع حينئذٍ لا فرق بين هذه الآيات وبين قوله (أو لمستم) وجاء أن النبي ﷺ قبل وخرج إلى المسجد والتقبيل لا ك أنه مظنة للشهوة فدل ذلك على أنه لا بأس به وأن هذا الناقض يعتبر ساقطاً من أصله والراجح أنه لا ينقض مس امرأة بشهوة أو مس امرأة رجلاً بشهوة، (ومس حلقة دبر) هذا داخل فيما سبق يعني ينقض مس حلقة دبر لأنه فرج لعموم قوله (من مس فرجه فليتوضأ) (من مس ذكره فليتوضأ) لا فرق بينهما إلا أن قوله فرجه أعم فيشمل، الذكر خاص بالرجل - طيب - والأنثى القبل دل عليه قوله (فرجه) لأن الفرج مأخوذ من الانفراج فدخل فيه قبل المرأة وكذلك الدبر والحكم عام في الذكر والأنثى إذاً ينقض (مس حلقة دبر) لأنه فرجه ولعموم قوله ﷺ (من مس فرجه) الحديث، (لا مس شعر وسن وظفر وأمرد ولا مع حائل ولا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة) كل هذه خرجت بما سبق يعني إذا علق الحكم على المس في الحالتين في الناقضين السابقين مس ذكره بيده حينئذٍ لو مسه بظفره لا ينتقض لو مسه بشعره كان كثيف الشعر على الكف مثلاً على ظاهر كفه نقول هذا لا يعتبر ناقضاً لأن الذي مس هو الشعر لا اليد وفرق بينهما ولأن الشعر وما ذكر معه له حكم المنفصل (وظفر) منه أو منها يعني لو مس رجل امرأة بشهوة بظفره لا ينتقض الوضوء أو مسته هي بشهوة لكن بظفرها نقول لا ينتقض الوضوء لو مس شعر امرأة بشهوة لا ينتقض الوضوء لأن المراد هو؛ وهذا فيه شيء من العلة لماذا؟ لأن إذا جعل مظنة لخروج الشهوة فالأصل أنه لو مسها أو مس ما يدعو إلى خروجه فهذا الأصل أن يعتبر ناقضاً والأصل هذا يرد على المذهب على كل هذا مرادهم (لا مس شعر وسن وظفر) منه أو

стр. 158

منها ولا المس بها لأنها لها حكم المنفصل والحكم جاء مقيد بالمس وهذا لا يكون إلا بيد ولا مس رجل لأمرد ولو بشهوة أمرد لو مس أمرد والأمرد كما قال هنا هو الشاب الذي طر شاربه ولم تنبت لحيته يعني ما يفتتن به سواء كان صغيراً أو كبيراً حينئذٍ لو مسه بشهوة لا ينتقض وضوؤه وهذا أيضاً يرد على المذهب لأنهم علل الحكم السابق بمظنة خروج الخارج فالأصل أنه إذا مس أمرد بشهوة وجد السبب لوجود المظنة وهو خروج الحدث فالأصل أن يكون الحكم تابعاً فيرد عليهم والصحيح أنه لا يعتبر ناقضاً لأنه لو مس امرأة التي هي آكد وجاء فيها النص كما قالوا لو مس امرأة بشهوة لا ينقض الوضوء فمن باب أولى وأحرى لو مس أمرد، (ولا ملموس بدنه) يعني لو مس امرأة بشهوة على المذهب انتقض وضوؤه وهي الممسوسة ينتقض وضوؤها أو لا؟ لا؛ لماذا؟ لأن النص ورد في الماس لا في الممسوس ولو وجد فيه شهوة هذا كذلك يرد عليهم لو مس رجل بشهوة فتحركت شهوتها ينتقض وضوؤها أو لا؟ لا ينتقض وضوؤها وهو ينتقض وضوؤه هذا تعليل عليل على كل لما سبق والصحيح في المسائل كلها أنه لا يعتبر ناقضاًً فالناقص من أصله إسقاطه أولى، السادس قال (ينقض غَسلُ الميت) وهذا يعتبر من مفردات المذهب (ينقض غسل الميت) الميت عام هنا سواء كان الميت مسلماً أو كافراً ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً ولو رضيعاً يعتبر غسله وتغسيله ناقضاً من نواقض الوضوء (غسل الميت) ولو غسل بعضه وأكمل غيره هل يعتبر ناقضاً؟ المذهب نعم يعتبر ناقضاً، غسل الميت وغسل بعض الميت كغسله كله حينئذٍ يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء وهو الصحيح في المذهب والغاسل عندهم هو من يقلبه ويباشره ولو مرة لا من يصب عليه الماء أو ييممه هذا لا يعتبر غاسلاً إنما الذي يقلبه هو الذي يعتبر غاسلاً الذي يباشر الغسل وأما الذي يصب الماء فليس الحكم متعلق به؛ ما الدليل؟ قالوا ليس ثَمَّ نصوص واضحة بينة عن النبي ﷺ وإنما روي عن بن عمر وبن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء) غاسل الميت يأمرانه بالوضوء، ولذلك أثر بن عباس رواه عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء قال (سئل بن عباس أعلى من غَسل ميت غُسل؟ قال: لا إذاً نجسوا صاحبهم ولكن وضوء) إذاً عليه ضوء إذاً يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء، والصحيح أنه لا يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء لعدم الدليل الصحيح الواضح البين الذي يصلح أن يكون متمسكاً في هذا النص ولذلك رواية عن الإمام أحمد [لا ينقض وفاق] قال الشارح والموفق وغيرهما هو قول أكثر العلماء وهو الصحيح لأن لم يرد فيه نص صحيح ولا هو في معنى المنصوص عليه بل جاء عن بن عمر أنه قال (كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل) وسكت عن الوضوء صححه الحافظ في التلخيص وقال [وهو أحس ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث] إذاً يستحب الغسل ولا يقال بإيجابه لورود النصوص أو الفتاوى عن الصحابة أما الوجوب وأنه ناقض من نواقض الوضوء هذا لا يعتبر سديداً لعدم وجود النص وأما (من غسل ميت فليغتسل) هذا سيأتي في باب الغسل وهو ضعيف لا يعتمد عليه، (وأكل اللحم خاصة من الجزور) هذا السابع من نواقض (أكل) إذاً خرج الشرب فلو شرب من لبن

стр. 159

الجزور لا يعتبر ناقضاً لأن الحكم معلقاً بالأكل (أكل اللحم خاصة) يعني دون غيره (من الجزور) المراد به البعير ذكراً كان أو أنثى يعني الإبل فحينئذٍ أكل اللحم خاصة دون غير اللحم هذا يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء وليس من كل لحم بل من لحم الجزور وهذا يعتبر من مفردات المذهب فلا ينقض بقية أجزائها يعني غير اللحم؛ اللحم المراد به الهبر الأحمر هذا ما عداه لا يعتبر ناقضاً فلا ينقض بقية أجزائها كالكبد والقلب والطحال والكرش كِرش وكَرش والشحم والكُلية واللسان والرأس والسنام والأكارع والمصران قال [لأن النص لم يتناول هذه المذكورات] وإنما سئل النبي ﷺ عن أكل لحم الإبل فقال فيه الوضوء، ما عدا اللحم لا وضوء فيه وهذا الذي عليه مذهب الحنابلة أنه لو أكل كبداً من إبل لا ينتقض وضوؤه ولو أكل كِرشاً من إبل لا ينتقض وضوؤه؛ لماذا؟ لأن النص جاء في اللحم والمعروف اللحم إذا أطلق المراد به اللحم الأحمر الذي يسمى هبراً عند العامة سواء كان نيئ أو مطبوخاً وشرب اللبن يعتبر ليس ناقضاً من نواقض الوضوء في المذهب ولو طبخ لحمها وصار مرقاً شرب المرق كذلك على المذهب لا يعتبر ناقضاً إذاً لا يختص الحكم في المذهب إلا إذا أكل اللحم مباشرة وما عدا ذلك من اللبن والمرق والكبد وغير اللحم فلا يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء، الدليل على ذلك حديثان كما قال أحمد [فيه حديثان صحيحان حديث البراء وحديث جابر بن سمرة] أما حديث البراء (فسئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل - قال لحوم - فقال توضئوا منها، قال وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؛ فقال: لا تصلوا فيها فإنها من الشياطين) الحديث، وحديث جابر بن سمرة (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ، نتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) فدل لذلك هذان النصان على أن أكل لحم الجزور أو الإبل يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء فخص المذهب اللحم دون غيره لورود النص، والصحيح أنه لا فرق بين اللحم وبقية الأجزاء ولا يستثنى إلا اللبن فقط وما عداه يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء لأن اللحم في لغة الشرع يشمل الأجزاء كلها بدليل قوله (ولحم خنزير) هاه هل الحكم خاص باللحم أو ما عداه؟ ما رأيكم؟ حرم اللحم الذي هو الهبر والكبد يجوز أو لا يجوز؟ نقول يجوز أو لا يجوز؟ على المذهب إذا خصصنا اللحم بالهبر وما عداه نقول هذا يجوز وإذا قلنا إطلاق اللحم في الشرع المراد به البهيمة عينها فحينئذٍ يدخل فيها اللحم وما عداه تباعاً لأن اللحم مقصود وما عداه مقصود قد تتعلق النفس بالكبد أكثر من اللحم أو بالكرش أكثر من اللحم حينئذٍ نقول المقاصد مختلفة فإذا دل ذلك على أن الشرع استعمل اللحم وأراد به كل الأجزاء فيحمل اللفظ هنا على العموم ويستثنى اللبن فقط لما أمر النبي ﷺ العرنيين بأن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها لم يأمرهم بالوضوء من ألبانها ترك البيان هنا حينئذٍ لو كان ناقضاً لوجب بيانه تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فدل ذلك لكونه لم يأمرهم بالوضوء على أن شرب اللبن لا يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء وإنما

стр. 160

يختص الحكم بما عداه إذاً (أكل لحم الإبل خاصة من الجزور) نقول نعم (من الجزور) هذا نص وما عداه لا يعتبر ناقضاً وأما تخصيصه اللحم فقط ففيه نظر والصحيح أنه عام، الأخير الناقض الأخير أشار إليه بقوله (كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت) (كل ما أوجب غسلاً) كالإسلام وانتقال المني ونحوهما مما سيأتي في الباب الآتي باب الغسل يعتبر موجباً للوضوء حينئذٍ لو خرج منه مني أوجب الغسل وأوجب الوضوء لو أسلم أوجب الغسل وأوجب الوضوء فكل موجب للغسل فهو موجب للوضوء (كل ما أوجب غسل) كإسلام وانتقال مني (أوجب وضوء) وإن لم يكن خارج من السبيل (إلا الموت) فهذا يوجب ماذا؟ الموت يوجب الغسل دون الوضوء وإنما الواجب المتعين الذي هو فرض كفاية الغسل وأما الوضوء فيعتبر من السنن، إذاً (كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوء إلا الموت) والصحيح أنه لا يعتبر موجباً للوضوء، من وجب عليه طهارة كبرى فاغتسل دون أن يتوضأ أو ينوي رفع الحدث هل يرتفع حدثه أو لا؟ عليه جنابة وأراد الصلاة فاغتسل ولم يتوضأ هل يصلي مباشرة ولو لم ينوي رفع الحدث أو لا؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم وهو ينبني على هذا الناقض (كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوء) والصحيح أنه من اغتسل بنية رفع الحدث الأكبر حينئذٍ ارتفع عنه الحدث الأصغر وهو قول عامة الصحابة أو أكثر الصحابة؛ لماذا؟ جمهور العلماء أن الحدث يرتفع في الصورة التي ذكرناها لأن الله تعالى لم يذكر الوضوء في القرآن لأنه قال (وإن كنتم جنباً فاطهروا) ماذا قال في أول الآية؟ (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) فإما أن تكون محدثين حدثاً أصغر وإما أن تكون محدثين حدثاً أكبر الأول بين له قال (فاغسلوا وجوهكم) إلى آخره، الثاني بين له بقوله (فإن كنتم جنباً فاطهروا) يعني اغتسلوا لم يوجب الوضوء والحكم هنا معلق بالصلاة فلو كان الوضوء واجباً مع الطهارة الكبرى لبينه وإنما أوجب الطهارة الكبرى فحسب حينئذٍ يكون داخلاً فيه فإذا اغتسل يكون داخلاً فيه الوضوء بشرط أن لا يمس ذكره أثناء غسله وإنما يغسل ويتطهر قبل الاغتسال فإن مس ذكره أثناء غسله اغتساله انتقض فلا يعتبر هذا الغسل إلا على رأي من يرى أن مس الذكر لا يعتبر من نواقض الوضوء، ولحديث البخاري في قصة الرجل الذي أجنب ولا ماء فقال له النبي ﷺ (خذ هذا الماء فأفرغه عليك) فدل على أنه لو كان الوضوء واجباً لأمره به قال بن عبدالبر رحمه الله تعالى [الله إنما فرض على الجنب الغسل دون الوضوء] لقوله (ولا جنب إلا عابر سبيل حتى تغتسلوا) ولم يوجب الوضوء ولقوله (وإن كنتم جنباً فاطهروا) قال حافظ [قام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجباً] ليس بإجماع إنما هو قول أكثر أهل العلم، إذاً قوله (كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوء إلا الموت) ليس بناقض من نواقض الوضوء، ثم قال (ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين) هذه مر مثلها في أول الأحكام المتعلقة بالمياه (من تيقن الطهارة) (تيقن) اليقين ضد الشك (تيقن الطهارة وشك) أي تردد قال في القاموس [الشك خلاف اليقين] حينئذٍ الشك يكون بين وجود الشيء وعدمه سواء استوى الاحتمالان أو رجح أحدهما فالظن داخل في

стр. 161

الشك عند الفقهاء القسمة المشهورة العلم والظن والشك هذه قسمة أصولية فهو تقسيم أصولي وليس بتقسيم فقهي ويفترق الفقهي عنه عن الأصوليين بأن الظن داخل في الشك، الشك عند الأصوليين ما تردد بين احتمالين والظن ما تردد بين احتمالين هو في أحدهما أظهر هذا النوع الثاني داخل في الشك عن الفقهاء ولذلك قال (ومن تيقن الطهارة وشك) قال [أي تردد] يعني بين وجود الشيء وعدمه استوى الاحتمالان أو رجح أحدهما، قال النووي [هذا معناه في اللغة واستعمال الفقهاء] قال بن القيم [مرادهم به التردد بين وجود الشيء وعدمه سواء تساوى الاحتمالان أو رجح أحدهما فدخل الظن في حد الشك]، (من تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس) بأن تيقن الحدث وشك في الطهارة (بنى على اليقين) سواء كان في الصلاة أو خارجها تساوى عنده الأمران أو غلب على ظنه أحدهما حينئذٍ إذا تيقن الطهارة بأنه متطهر وشك هل مس امرأة بشهوة أو لا؟ هل خرج منه ريح أو لا؟ نقول الأصل الطهارة واليقين لا يزول بالشك، لو تيقن أنه محدث وشك هل تطهر أم لا؟ نقول اليقين أنه محدث والطهارة مشكوك فيها واليقين لا يزول بالشك وهذه قاعدة مهمة من القواعد الخمس الكبرى أصلها قوله ﷺ (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) رده إلى الحس وأما الشك هذا يعتبر مطروحاً، ولمسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (إذا وجد أحدكم في بطنه شيء فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) أي لا ينصرف حتى يتيقن سماع الصوت أو وجود الرائحة ولا يشترط السماع ولأن الأصل عدم النقض حتى يقوم ما يرفع الأصل هذا هو الأصل لكن القول بأنه إذا غلب على ظنه الحكم كذلك هذا فيه شيء من النظر بل لو غلب على ظنه أنه أحدث حينئذٍ العبرة بالحدث لا بالطهارة والعكس بالعكس حينئذٍ يكون الشك هنا مراد به فيما إذا استوى الاحتمالان بمعنى أنه لم يرجح وأما إذا رجح أحد الاحتمالين بقرائن أو بغلبة ظن فهذا معتبر لأن غلبة الظن معتبرة في سائر الأحكام الشرعية وهنا كذلك، (فإن تيقنهما) يعني تيقن الطهارة والحدث وجهل السابق (فهو بضد حاله قبلهما) يعني تيقن أنه أحدث وتيقن أنه تطهر لكنه ما يدري هل أحدث فتوضأ أم توضأ فأحدث ما الحكم؟ قالوا الحكم هنا (فهو بضد حاله قبلهما) وهذا يتصور فيما إذا ضبط الوقت مثلاً قبل الزوال يعلم أنه محدث قطعاً ثم بعد الزوال وقع منه حدث ووقع منه طهارة لكن لا يدري أيهما أسبق الطهارة أم الحدث نقول (فهو بضد حاله قبلهما) يعني قبل الحدث والطهارة فنقول له قبل الزوال ما حالك قال أن محدث إذا أنت الآن متطهر قال أن قبل الزوال متطهر إذا أنت الآن محدث (فهو بضد حاله قبلهما) لماذا؟ لأن إذا تيقنَّ أنه قبل الزوال محدث حينئذٍ تيقن رفع الحدث لأنه تيقن له متطهر وشك في وجود الحدث هل سابق على الطهارة أم بعده؟ وحينئذٍ على الأصل اليقين لا يزول بالشك فإذا كان محدث قبل الزوال وتيقن الطهارة قبل الزوال فالحدث مشكوك فيه حينئذٍ اليقين لا يزول بالشك وإذا كان بالعكس كأن يكون متطهراً قبل الزوال ثم شك في طهارة وحدث حينئذٍ نقول اليقين أنه محدث والطهارة مشكوك فيها ولذلك قال (وإن تيقنهما) تيقن

стр. 162

الطهارة والحدث وجهل السابق منه لا يدري أيهما أسبق (فهو بضد حاله قبلهما) إن علم فإن كان قبلهما متطهراً فهو الآن محدث وإن كان محدث فهو الآن متطهر؛ لماذا؟ لأنه قد تيقن زوال تلك الحالة إلى ضدها فإذا كان قبل الزوال على حدث فهو على يقين أنه انتقل من الحدث إلى ضده لأنه قد أوقع طهارة إذاً حصل اليقين بالتطهر الحدث مشكوك فيه وإذا كان قبل الزوال متطهراً فقد وقع حدث بيقين إذاً انتقضت تلك الطهارة حينئذٍ الطهارة مشكوك فيها وإن لم يعلم حاله قبلهما وجب عليه أن يتطهر وإذا أراد أن يستريح يتوضأ مباشرة، (ويحرم على المحدث مس المصحف) بعد ما بين لنا ما سبق بين ما يترتب على المحدث مما يحرم عليه من الأحكام الشرعية (ويحرم) والتحريم معروف وهو ما طلب الشارع تركه طلباً جازماً (على المحدث) سواء كان حدث أكبر أو حدث أصغر (مس المصحف) والمصحف ما كتب فيه القرآن سواء كان كاملاً أو غير كامل لا يشترط فيه أن يكون القرآن كاملاً لا؛ لو لم يكن القرآن كامل بل ولو آية واحدة كتبت في ورقة ولم يكن معها شيء فيه قرآن يعني يحكم لها بحكم المصحف لو وجد ورقة واحد وليس فيها إلا آية حينئذٍ يحكم لها بحكم المصحف فحكم البعض كحكم الكل يحرم مس المصحف الذي بين دفتيه القرآن كاملاً ويحرم مس المصحف ولو كان آية واحدة كتبت في ورقة بشرط أن لا يكتب معها شيء آخر، والدليل على ذلك قوله تعالى (لا يمسه إلا المطهرون) يعني من الجنابة والحدث، وقوله ﷺ في ما كتبه في كتابة لعمرو بن حزم (لا يمس القرآن إلا طاهر) رواه النسائي وغيره متصلاً قال بن عبدالبر [إنه أشبه التواتر لتلقي الناس له بالقبول] وهذا مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يجوز مس المصحف إلا بطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، قال بن هبيرة [أجمعوا على أنه لا يجوز للمحدث مس المصحف]، الثاني مما يحرم على المحدث الصلاة قال (والصلاة) يعني ولو نفلاً سواء كانت فريضة أو نفلاً وهذا محل وفاق، والمراد بالصلاة هنا التي تحريمها التكبير وتحليلها التسليم يعني النظر هنا إلى التكبير والتسليم لأن الصلاة على نوعين صلاة ذات ركوع وسجود وصلاة ليست ذات ركوع وسجود الأول معروفه المكتوبات وغيرها النوافل والثاني صلاة الجنازة كلاهما يشترط لصحتهما الطهارة من الحدثين وهذا محل وفاق وإن نازع في صلاة الجنازة بعضهم كابن جرير رحمه الله تعالى وغيره والصحيح أنها تشرط لها الطهارة، إذاً (الصلاة) المراد به هنا التي تحريمها التكبير وتحليلها التسليم سواء كانت ذات ركوع وسجود أم لا، فتدخل صلا ة الجنازة حينئذٍ يحرم على المحدث أن يقبل على صلاة ولو نافلة ولو جنازة دون أن يكون متطهراً فإن أقبل وهو متعمد ففي كفره قولان لأنه مستهزئ والجمهور على أنه ليس بكافر وإن لم يكن متعمداً فهو معذور ولا أثم عليه والأصل في ذلك قوله جل وعلا (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) إلى آخر الآية ولحديث (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) قال ابن القيم [صلاة الجنازة صلاة لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم وهو قول أصحاب رسول الله ﷺ ولا يعرف عنهم فيه خلاف وقول الأئمة الأربعة وثبت عن النبي صلى الله عليه

стр. 163

وسلم تسميتها صلاة وكذلك عن أصحابه وحملة الشرع كلهم يسمونها صلاة وكل ما كان تحريمه التكبير وتحليله التسليم فلابد من افتتاحه بالطهارة] وأما سجود التلاوة الشكر فالصحيح أنهما ليسا بصلاتين حينئذٍ لا يشترط لهما الطهارة لعدم وجود النص، (والطواف) يعني يحرم على المحدث سواء كان حدثاً أو أصغر أو أكبر يحرم عليه أن يطوف سواء كان الطواف فرضاً واجباً كعمرة أو حج أو كان نفلاً واستدل المصنف هنا بقوله ﷺ (الطواف في البيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام) هذا موقوف ولا يصح رفعه وإن كان الحكم صحيحاً بمعنى أنه لا يجزئ طواف بلا طهارة هذا هو المرجح وهو الصحيح ويدل على ذلك أولاً حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (إن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم - يعني مكة - أنه توضأ ثم طاف بالبيت) (أنه توضأ ثم طاف) دل على أنه لا طواف إلا بوضوء وهذا وقع بيناناً لقوله تعالى (وليطوفوا بالبيت العتيق) والفعل إذا وقع من النبي ﷺ بياناً لمأمور به أخذ حكمه، ولذلك (خذوا عني مناسككم) فالأصل مثلاً يقول المبيت بمنى واجب لأنه وقع تفسيراً لأمر في الكتاب أو في السنة كذلك هنا قال (وليطوفوا بالبيت العتيق) هذا واجب فجاء النبي ﷺ توضأ ثم طاف دل على أن الوضوء واجب وهذا من أصرح الأدلة على أن الطواف لا يجزئ بدون طهارة ثانياً حديث عائشة وفيه (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهر) هذا نص واضح بين يؤيد ما سبق بأنه لا يجزئ طواف إلا بطهارة وهذا الحديث متفق عليه وكذلك حديث صفية لما حاضت قال (أحابستنا هي) لو كان الطواف يجزئ لقال لها اذهبي وطوفي لما قال (أحابستنا هي) ولما قال لعائشة (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) لماذا منعها؟ لكونها حائضاً هل لكون الحائض لا تدخل المسجد لا ليس هذا المراد لأنها تستطيع أن تتحفظ وتدخل وتمنع من سقوط الأذى في المسجد يعني يمكن حفظ المسجد عن الأذى هذا ممكن وإنما منعها لكونها غير طاهر ولذلك قال (حتى تطهر) وهذا فعل معلق بوصف وهو الطهارة والطهارة في الشرع إنما تطلق على أي شيء؟ الوضوء أو الغسل هذا المراد، قوله تعالى (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) إذا أمر بتطهير مكان الطائف فبدنه من باب أولى هذا استئناس على كل الأدلة الثلاثة واضحة بينة على كون الطواف لا يصح إلا بوضوء وأما قول من يقول بأنه يجزئ ولا دليل نقول كيف يقال ولا دليل وهذه الأدلة واضحة بينة يستدلون في مواضع عديدة بوجوب أشياء وقعت فعل النبي ﷺ لكونها بيان لمأمور به في الكتاب والسنة وهي قاعدة يمكن لم تكن منضبطة عند كثير من المتأخرين. والله أعلم وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 164

عناصر الدرس * باب الغسل، وشرح الترجمة. * الموجب الأول للغسل: "خروج المني دفقًا بلذة"، والصحيح في المسألة. * الموجب الثاني::وتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي". * الموجب الثالث: "وإسلام كافر". * الموجب الرابع: "وموت". * الموجب الخامس، والسادس: "وحيض، ونفاس". * قوله: "ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن"، والصحيح في المسألة، وأدلتها. * من يستحب له الغسل؟ * صفة الغسل الكامل، والمجزئ. * ما يسن للجنب. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد قال المصنف رحمه الله تعالى (باب الغسل) أي باب ما يوجب الغسل وما يسن له من صفة الغسل بنوعيه الكامل والمجزئ منه وما يمنع منه الجنب وغير ذلك وهذا ما يتعلق بالقسم الثاني من قسمي الطهارة وقد علمنا أن الطهارة على قسمين طهارة صغرى وطهارة كبرى بعد ما ذكر ما يتعلق بالطهارة الصغرى وهي الوضوء صفة الوضوء كذلك المسح على الخفين ونواقض الوضوء شرع في بيان ما يتعلق بالقسم الثاني وهي الطهارة الكبرى، (باب الغسل) وهو لغة: تعميم البدن بالغسل؛ وبضم الغين وسكون الثاني وهو الاغتسال وهو معناه المصدر، وحده الشارح بقوله [استعمال الماء في جميع بدنه على وجه مخصوص] [استعمال] المراد به الإفاضة والإسالة [الماء] [استعمال الماء] خرج به التيمم؛ التيمم استعمال التراب وقوله [الماء] المراد به الماء الطهور لأن الماء على ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس، والطاهر لا يطهر كذلك النجس من باب أولى فاختص الحكم هنا بالماء، [استعمال الماء] أي استعمال ماء طهور [في جميع بدنه] خرج به الوضوء لأن الوضوء استعمال الماء في بعض بدنه وهي الأعضاء الأربعة، وقوله البدن؛ اسم يقع على الظاهر والباطن، حينئذٍ دخل فيه الفم والأنف لأنه من الظاهر ولذلك دخل في وجوب غسل الوجه في الوضوء قال تعالى (فاغسلوا وجوهكم) والوجه منه الأنف والفم كما سبق في باب فروض الوضوء وإذا كان كذلك حينئذٍ صار الفم والأنف جزأين من مفهوم البدن ووجب غسلهما في الغسل كما هو الشأن في الوضوء حينئذٍ المضمضة والاستنشاق جزء من مفهومه، قوله [على وجه مخصوص] هذه ليست بواجبة في الجملة وإنما الواجب منه النية وما عدا النية فليس بواجب بل هو مستحب كما سيأتي، إذاً [استعمال الماء] المراد بالماء هنا الطهور [في جميع بدنه] إذاً لا في بعض بدنه والبدن كما ذكرنا يصدق على الظاهر والباطن حينئذٍ كل ما يكون بدناً دخل في الحد معنا فوجب غسله [على وجه مخصوص] يعني على صفة مخصوصة منها ما هو واجب وهي النية وهي شرط لطهارة الأحداث كله كما سبق فيما سبق وأما ما عدا ذلك فهو مستحب ولم يذكر المصنف هنا الشارح في الحد الدلك يعني الفرك يسمى التدليك؛ هل هو داخل في مفهوم الغسل أم لا؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، فالدلك ليس بواجب عند جمهور العلماء وإنما الواجب هو إسالة الماء إفاضة الماء على البدن متى ما عمم البدن بالماء حينئذٍ نقول حصل المقصود وهو الامتثال لقوله (وإن كنتم جنباً فاطهروا) ومتى لم يحصل إلا بإيصال الماء إلى المواضع بيده حينئذٍ تعين هذا لا أشكال فيه حينئذٍ نقول الدلك على مرتبتين: لا يصل الماء إلى البدن إلا بإيصاله باليد هذا لا خلاف فيه أنه واجب كما الشأن في الوضوء، النوع الثاني: تأكيد على وصول الماء إلى البدن وهذا محل خلاف والجمهور على أنه ليس بواجب وهو فرض عند المالكية والأصح مذهب الجمهور لحديث أم سلمة (إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاثة حيثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) ولم يذكر الدلك وإنما ذكر الإفاضة فحسب متى ما أسال الماء على جميع

стр. 165

البدن حصل الغسل فلم يذكر سوى إفاضة الماء على البدن و (إنما) للحصر (إنما يكفيك) كذا حينئذٍ لو كان الدلك واجباً لنص عليه النبي ﷺ كذلك في حديث (إذا وجد الماء فليمسه بشرته) المراد مساس الماء للبشرة ولم يذكر الدلك فدل على أنه ليس بواجب، إذاً الصحيح أن الدلك أو التدليك أو الفرك أو الدعك هذا ليس بواجب في مسمى الغسل وليس بداخل في مفهوم الغسل حتى في لسان العرب لأن المراد بالغسل هو سيلان الماء على جميع البدن سيلان الماء متى ما أفاض الماء على بدنه حصل الغسل حينئذٍ نقول قد وقع ما طلب الشارع من المكلف، وزيادة الدلك والتدليك والفرك والدعك هذا زيادة تحتاج إلى نص ولا نص، إذاً [استعمال الماء في جميع بدنه على وجه مخصوص]، قال (وموجبه) يعني الحدث الأكبر الذي يوجبه يعني سبب وجوب الغسل ما هو؟ كما علمنا فيما سبق نواقض الطهارة أو موجبات الطهارة الصغرى الخارج من السبيلين الخارج من بقية البدن إذا كان بولاً إلى آخره هذه موجبات للطهارة الصغرى، ما هي موجبات الطهارة الكبرى؟ قال [ستة أشياء] هذه دليلها الاستقراء والتتبع ومنها ما هو مجمع عليه ومنها ما هو مختلف فيه كما الشأن فيما سبق، قال (وموجبه) يعني وموجب الحدث الذي هو سبب وجوب الغسل، ستة أشياء: أولها: (خروج المني دفقاً بلذة لا بدونهما من غير نائم) (خروج المني) المنيِّ بتشديد الياء وبها جاء القرآن (من مني يمنى) ويجوز فيه التخفيف كعميَ منيَ كعمي وهو حده عند أهل العلم: من الرجل في حال صحته ماء غليظ أبيض يخرج عند أشداد الشهوة يتلذذ بخروجه ويعقب البدن بعد خروجه فتور ورائحته كرائحة طلع النخل تقرب من رائحة العجين، وقال النووي رحمه الله تعالى [خواصه المعتمدة الخروج بشهوة مع الفتور عقبه والرائحة التي تشبه الطلع والعجين ونحو ذلك] ومن المرأة: ماء رقيق أصفر ولا خاصية له إلا التلذذ وفتور شهوتها عَقِيب خروجه، وجاء في صحيح مسلم وغيره (ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر) قيل فرق بين ماء المرأة وماء الرجل، ومعرفة الصفات لابد منها من أجل أنه إذا وقع اشتباه هل هو مني أو مذي أو ودي ونحو ذلك؟ حينئذٍ يرجع إلى الصفات، عرفنا المني قال (خروج المني) من مخرجه المعتاد فإن خرج من غير مخرجه المعتاد فلا أثر له، فلو فتحت له فتحة كما سبق في بيان ما يتعلق بالبول والغائط لو فتحت له فتحة وخرج منها البول والغائط أخذنا فيما سبق أنه ينقض مطلقاً قل أم كثر وهذا محل وفاق وأما إن خرج من هذه الفتحة إذا انسد المخرج الطبيعي حينئذٍ لو خرج منه مني لا حكم له بمعنى أنه لا يوجب الغسل؛ لماذا؟ لأن النص إنما دل على خروج المني من موضع معين في مكانه المعتاد فإن خرج لا من مكانه المعتاد حينئذٍ لا يلتفت إليه، وكذلك خروج المني على وجه الصحة فإن كان مريضاً به سلسل مني كما يكون سلسل البول كذلك لا يوجب إلا الوضوء خروج المني من مخرجه المعتاد والمراد به خروج على وجه الصحة إذا لم يصر سلسلاً حينئذٍ يوجب الوضوء، وصف المني الذي هو موجب للغسل بقوله (دفقاً بلذة) يعني لابد من وصفين أولاً: أن يكون دفقاً؛ ودفق الماء صبه فهو ماء دافق أي مدفوق والاندفاق هو الانصباب، حينئذٍ يشترط في

стр. 166

هذا المني الموجب للغسل أن يكون (دفقاً) يعني في دفعات متقاطعة لا يصب صباً كما هو الشأن في البول ونحوه فإن كان كذلك فلا يوجب الغسل، لو صب صباً وسال سيلاناً قالوا هذا لا يوجب الغسل وإنما الذي ويوجب الغسل هو ما كان على دفعات دفقات (بلذة) الباء هذه سببيه يعني بسبب لذة وقوله (دفقاً) هذا زائد؛ لماذا؟ لأنه لا يكون دفقاً إلا إذا كان بلذة، إذاً خروج المني (دفقاً بلذة لا بدونهما) يعني لا إن خرج بدون الدفق واللذة فإن خرج بدونهما حينئذٍ لم يوجب الغسل بل يوجب الوضوء كالبول، (بدونهما) يعني بدون اللذة والدفق (من غير نائم) يعني هذا الحكم السابق متعلق باليقظان المستيقظ يعني يشترط في خروج المني بإيجاب الغسل أن يكون دفقاً بلذة من يقظان مستيقظ وأما النائم فلا يشترط فيه الدفق ولا اللذة وإنما هو عام لورود النص، إذاً قال ابن هبيرة [وأجمعوا على أنه إذا نزل المني بشهوة وجب الغسل وأما إذا خرج لغير شهوة فقد اختلفوا فيه] وجمهور أهل العلم على أنه لا يوجب الغسل ومذهب الشافعي أنه موجب للغسل وهذا محترز بقوله (لا بدونهما) يعني لا بدون دفقاً ولذة فإن خرج بدون دفق ولذة حينئذٍ لا يوجب الغسل إذا كان من يقظان وأما النائم فهو واجب مطلقاً، إذاً إن خرج بغير ففيه قولان جمهور أهل العلم على أنه لا يوجب الغسل وقال الشافعي يجب الغسل واستدل المصنف هنا رحمه الله تعالى للمذهب بقوله لحديث علي يرفعه (إذا فضخت الماء فاغتسل وإن لم تكن فاضخ فلا تغتسل) (إذا فضخت) المراد بالفضخ هو الدفق إذا دفقت الماء يعني المني (فاغتسل) مفهومه صرح به في الجملة الثانية (وإن لم تكن فاضخ فلا تغتسل) وهذا الحديث في الصحيحين دون هذه الزيادة رواه أحمد، والفضخ خروجه بالغلبة قاله إبراهيم الحربي، إذاً هذا هو المذهب إذا لم يكن فاضخ له بأن يخرج منه لشهوة أو دفقاً هذا لا يوجب الغسل ومذهب الشافعي بأنه يوجب الغسل لحديث (نعم إذا رأت الماء) هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن الحكم معلق بخروج الماء فمتى ما رأى الماء وجب الغسل ففيه تعميم (نعم إذا رأت الماء) فقوله ﷺ (الماء من الماء) الماء الذي هو غسل البدن من الماء من هنا سببية يعني بسبب الماء الذي هو خروج من مخرجه ولم يفصل النبي ﷺ بكونه خارجاً بلذة أو لا؛ فعمم ولأنه مني خارج فأوجب الغسل كما لو خرج حال الإغماء حينئذٍ هذه الأدلة ذكر الشافعي وغيره وهو المعتمد عندهم أن خروج المني مطلقاً موجباً للغسل سواء كان بشهوة سواء كان دفقاً أو لا؛ وهذا أظهر والله أعلم، (من غير نائم) وعلم منه أنه إن خرج من النائم وجب الغسل مطلقاً إذا كان من النائم لحديث أم سليم (قالت يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت - السؤال عن الحلم - فقال رسول الله ﷺ نعم إذا رأت الماء) والأصل حكم المحتلم وغيره اليقظان والنائم واحد هذا الأصل هنا النبي ﷺ أحال إلى رؤية الماء فمتى ما رأى الماء حينئذٍ وجب الغسل والنص جاء هنا في المحتلم وغيره اليقظان مثله سواء ولذلك قال (من غير نائم) فإن كان من نائم حينئذٍ وجب الغسل مطلقاً إذاً هذا هو الموجب

стр. 167

الأول وهو (خروج المني دفقاً بلذة لا بدونهما من غير نائم) وقوله (دفقاً بلذة) يلزم من وجود اللذة أن يكون دفقاً ولهذا لم يعبر في المنتهى وغيره إلا باللذة وإنما قد يقال بأنه وافق قوله تعالى (فلينظر الإنسان مما خلق * خلق من ماء دافق)، (من غير نائم) فإن كان من نائم فحينئذٍ يحكم له بكونه مني قال في الشرح هنا [وإن أفاق نائم أو نحوه يمكن بلوغه فوجد بللاً] يعني باطن ثوبه أو بدنه حينئذٍ [إن تحقق أنه مني اغتسل فقط] يعني ولم يغسل ما أصابه لأن المني عند الجمهور أنه طاهر حينئذٍ لا يجب عليه غسل الموضع ولا غسل الثوب لأنه أصابه شيء طاهر وإنما وجب عليه الغسل وهذا متى؟ إذا استيقظ ووجد بللاً وتحقق أنه مني يعني ينظر في الصفات السابقة فوجدها كما هي في هذا الماء ولو لم يذكر احتلاماً وجب الغسل إذا تحقق أن هذا لماء مني ولو لم يذكر احتلاماً لأن الظاهر أن خروجه كان لاحتلام نسيه لأنه قد ينسى فإذا نسي لا يلزم أن لا يكون هذا الماء مني بل هو مني بشرط أن يتحقق أنه مني بالصفات السابقة وإن لم يتحقق يعني وجد بللاً وشك هل مني أو مذي تردد فيه هل هو مني أو مذي؟ فحينئذٍ ينظر ما سبق النوم قبل نومه فإن سبق النوم ملاعبة أو نظر أو فكر ونحوه لم يجب الغسل؛ لماذا؟ لعدم يقين الحدث وإنما الظاهر يكون محمولاً على أنه مذي حينئذٍ لم يوجب الغسل ويجب عليه غسل الموضع لأن المذي نجس وإن لا يعني وإن لم يسبق نومه ملاعبة أو نحو ذلك ففيه روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يعني وجد بللاً ولم يتحقق أنه مني أو مذي تردد أو شك ولم يسبق هذا النوم ملاعبة أو نظر أو فكر ما حكمه المذهب أنه يجب الغسل احتياطاً وراية عن الإمام أحمد أنه لا يجب لعدم تحقق الموجب لأنه مشكوك فيه والأصل الطاهرة الأصل أنه طاهر حينئذٍ شك في وجود سبب الحدث وهو خروج المني حينئذٍ نقول اليقين لا يزول بالشك والأصح أنه لا يجب عليه الغسل وإن كان المذهب أنه قال وإلا اغتسل وطهر ما أصابه احتياطاً؛ يعني احتاطوا له فأوجبوا عليه الغسل والأصل أنه لا يوجب غسل ذكره وما أصاب ثوبه قالوا لكن يجب عليه الغسل؛ لماذا؟ احتطنا له في الغسل لاحتمال أن يكون مني واحتطنا له في غسل ما أصابه لاحتمال أن يكون مذي فراعوا الاحتمالين والصحيح أنه لا يجب الغسل لعدم موجبه لأن اليقين أنه طاهر ولا اليقين لا يزول بالشك والسبب الموجب للغسل مشكوك فيه وإذا كان كذلك فحينئذٍ بقينا على الأصل والاحتياط هو مراعاة الأصول الاحتياط مراعاة الأصول ولم يرد نص، إذاً (خروج المني دفقاً بلذة لا بدونهما من غير نائم) فإن كان من نائم وتحقق أنه مني وجب الغسل فإن تردد وشك نظرنا في ما سبق نومه فإن سبقه ملاعبة أو نظر أو فكر حملناه على أنه مذي فإن لم يسبقه شيء فروايتان عن الإمام أحمد والمرجح في المذهب وجوب الغسل وغسل ما أصابه والصحيح أنه لا يوجب الغسل ويطهر ما أصابه؛ لماذا؟ لأن هذا ماء لابد أنه إما مني أو مذي حينئذٍ نحمله على المذي فيوجب تطهير البدن ذكر مثلاً والثوب ولكن لا يوجب الغسل لأنه طهارة كبرى تحتاج إلى موجب، (وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له) هذا متعلق بالأول (إن انتقل) المني يعني، يعني أحس رجل أو امرأة بانتقال

стр. 168

المني فأمسك ذكره فلم يخرج انتقل يعني حس بخروج وتحويله من موضعه حينئذٍ قالوا (اغتسل له) يعني لذلك المني؛ لماذا؟ لتحقق وصف الجنابة قالوا لأن الجنابة هي الموجبة للغسل ومتى يقال بأنه جنب؟ قالوا إذا أبتعد المني عن محله سواء خرج أو لا، المني له محل مكان معروف فإذا انتقل منه وتحول سواء خرج أو لا، قالوا هذا موجب للغسل ولذلك قال [لأن الماء قد باعد محله فصدق عليه اسم الجنب] حينئذٍ شمله قوله تعالى (وإن كنتم جنباً فاطهروا) (وإن كنتم جنباً) الجنب لا يلزم منه خروج المني ولذلك سيأتي أن تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً موجباً للغسل وهنا لا يشترط فيه الإنزال مع كونه جنباً حينئذٍ اسم الجنابة لا يلزم منه خروج المني فلذلك إذا انتقل عن محله أحس بانتقاله ولم يخرج وجب الغسل (وإن انتقل) أي أحس رجل أو امرأة بانتقال المني فأمسك ذكره مثلاً ولم يخرج (اغتسل له) أي لذلك المني وجوباً وهو المذهب وهو من المفردات يعني التي انفرد بها مذهب الحنابلة عن الجمهور وأنكر الإمام أحمد أن الماء يرجع قال لا؛ لابد أنه يخرج لا يوجد ماء انتقل عن محله ولم يخرج، والرواية الثانية عن الإمام أحمد قال لا غسل عليه، لو انتقل ولم يخرج لا يوجب الغسل وهو قول الخرقي وقول أكثر الفقهاء وهو الصحيح؛ لماذا؟ لأن النبي ﷺ علق الاغتسال على رؤية الماء بقوله (إذا رأت الماء) (نعم إذا رأت الماء) فلا يثبت فلا يثبت الحكم بدونه حينئذٍ هذا ليس بتغييب حشفة لأن تغييب الحشفة لا يشترط فيه الإنزال حينئذٍ إذا لم يكن كذلك حينئذٍ تعين أن الحكم معلق بخروج المني لابد أن يراه يخرج يدرك بالحس فإذا لم يكن ولو شعر به في باطنه لا يوجب الغسل ولو حصل الانتقال كذلك لا يوجب الغسل لأن الحكم معلق بخروج المني ولذلك إذا أحس بالريح وقرقرة ونحو ذلك أو حصره البول أو الغائط؛ هل يوجب الوضوء إن كان متوضأ؟ لا يوجب الوضوء، شعوره به في باطنه لا يستلزم الحكم الذي يترتب عليه فيما لو ظهر فالحكم بينهما متباين يعني لا يلزم من وجود المني وشعور بانتقاله في الداخل أنه موجب للغسل بل الحكم معلق بظهوره وخروجه (إذا رأت الماء) حينئذٍ لا يثبت الحكم بدونه وأما التعليل الذي ذكره بأنه باعد المحل حينئذٍ صدق عليه أنه جنب نقول هذا تعيين بلا معين؛ لماذا؟ لأن الجنب يحتمل أنه من المجانبة المباعدة يعني سمي جنباً لكونه باعد الصلاة ابتعد عن الصلاة وابتعد عن دخول المسجد حينئذٍ هذا محتمل فتعينه بكون المني قد باعد محله هذا تعين بلا موجب بلا دليل، وما ذكروه من الاشتقاق ممنوع لأنه يجوز أن يسمى جنباً لمجانبته الماء ولا يحصل إلا بخروجه أو لمجانبته الصلاة أو للمسجد وهذا محتمل، إذاً قوله (وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له) أي لذلك المني بسببه نقول هذا قول ضعيف والصحيح أنه لا يوجب الغسل، (فإن خرج بعده) على المذهب (لم يعده) لو انتقل شعر بانتقاله ثم اغتسل للموجب هذا ثم خرج بعد الغسل خرج الماء الذي انتقل سابقاً؛ هل يعيد الغسل أم يكتفي بالغسل الأول؟ قال (إن خرج بعده) يعني خرج المني بعد غسله بسبب الانتقال على القول بوجوب الغسل بالانتقال من غير خروج (لم يعده) يعني لم يعد

стр. 169

الغسل؛ لماذا؟ لأنه مني واحد فلا يوجب غسلين، مادام أنه المني السابق هو الذي أوجب الغسل فإذا خرج حينئذٍ لا يوجب الغسل مرة أخرى وإنما هو موجب لغسل واحد ولذلك قال [فإن خرج المني بعده أي بعد غسل لانتقاله لم يعده لأنه مني واحد فلا يوجب غسلين] ويمكن أن يعلل تعليل آخر للمذهب أنه خرج بدون لذة وإذا خرج بدون لذة حينئذٍ لا يوجب الغسل فيعلل بعلتين، وعلى الصحيح أنه موجب للغسل لأنه مني خرج وسبق (نعم إذا رأت الماء) وهنا رأى الماء حينئذٍ فرق بين أن ينتقل ولا يخرج فلا يوجب الغسل، أن ينتقل ثم بعد وقت خرج حينئذٍ أوجب الغسل لا بالانتقال وإنما بالخروج إذاً نفينا الحكم وهو ترتب الغسل على مجرد الانتقال دون خروج لعدم وجود النص وأثبتنا وجوب الغسل بعد الانتقال والخروج معاً لدخوله في عموم النصوص (نعم إذا رأت الماء) (الماء من الماء) وهذا ماء قد خرج وهو مدرك بالحس فوجب منه الغسل، إذاً (فإن خرج بعده لم يعده) لأنه مني واحد فلا يوجب غسلين، الثاني من موجبات الغسل قال (تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً) (تغييب) تفعيل من غيب الشيء إذا أدخله تغييب المراد به هنا الإدخال الإخفاء (تغييب) ماذا؟ (حشفة) لا يقصد به تغييب الذكر كله؛ لا إنما المراد به تغييب حشفة والمراد بالحشفة الكمرة ما فوق الختان من رأس الذكر الكمرة ليست رأس الذكر وإنما الكمرة ما فوق الختان من رأس الذكر وموضع القطع غير داخل في حكم الحشفة لأن موضع القطع يسمى حشفة لكن ليس داخل في حكم الحشفة التي يترتب عليها الحكم، (تغييب حشفة) قال (أصلية) دائم إذا قالوا في هذا الموضع إذا قالوا أصلي قبل أصلي وفرج أصلي احترازاً من الخنثى المشكل والخنثى المشكل كاسم مشكل لا يردى هل ذكر أم أنثى؟ له آلة ذكر وله آلة أنثى لكن لا ندري هو في منزلة بين المنزلتين فلا نعطيه حكم الذكر ولا نعطيه حكم الأنثى هذا إذا لم يتبين حاله وأما إذا تبين حاله فلا، يعني لو بال من ذكره صار ذكراً لو حاض صار أنثى لو أنزل من فرجه القبل صار أنثى، إذاً ما لم توجد علامة تدل على أنه ذكر أو أنثى حينئذٍ قبل وجود هذه العلامات كأن يكون بال من الموضعين قالوا هذا مشكل أمنى من الموضعين هذا مشكل أما إذا حاض فلا ليس بمشكل لأن الرجل هنا لا يحيض على كل الخثنى المشكل هو الذي يعنونه في هذا الموضع (تغييب حشفة أصلية) احترازاً من الخنثى المشكل فحشفته ليست أصلية لأنه يحتمل فلو أولج خنثى في فرج امرأة ذكره حشفته نقول لا يوجب الغسل لماذا؟ لأنها ليست أصلية ولماذا نفي الحكم؟ لأن الحكم السبب الموجب للغسل لابد أن يكون يقيناً وهذا مشكوك فيه فلو أولج ذكره حينئذٍ قد يكون أنثى ولا يكون ذكراً حينئذٍ كيف نوجب عليه الغسل بهذا الموجب فلابد من التحقق من السبب الموجب للغسل وهو مشكوك فيه (تغييب حشفة أصلية) والحكم هنا معلق على التغييب لا على الإنزال وإن لم ينزل فلو أنزل لاجتمع في موجبان الموجب السابق خروج المني دفقاً بلذة والموجب الآخر وهو التقاء الختانين (تغييب حشفة)، (في فرج أصلي) (في فرج) قبلاً كان أو دبراً (فرج) أراد به العموم ولذلك فسره بقوله [قبلاً كان الفرج أو دبراً] فجيب على الواطئ والموطوء والدبر

стр. 170

يمثلون به ولا يعنون به أنه مباح؛ لا، إنما هو محرم، لو وطئ زوجته في دبرها فهو ملعون كذلك لو وطئ كان لوطياً كذلك موجب للغسل ولا يعنون به أنه مباح لا، المراد أنه لو فعل محرماً هل هو موجب للغسل أم لا؟ نعم موجب للغسل، وقوله (في فرج أصلي) (أصلي) كذلك احترازاً عن الخنثى المشكل فلو أولج صاحب ذكر صحيح في فرج خنثى هل يوجب الغسل؟ لا يوجب الغسل؛ لماذا؟ لأنه لابد أن يكون الذكر صاحب الحشفة أصلي ولابد أن يكون الفرج القبل الذي أولج فيه أصلياً فلو كان كل منهما ليس أصلياً لم يوجب الغسل لعدم التحقق من الموجب لو كان أحدهما ليس أصلياً والآخر أصلياً سواء كان ذكراً أو قبلاً كذلك انتفى الحكم لابد أن يكون إذا كان (تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي) إذاً لابد من هذه الصورة، أصلي في أصلي وأما إذا لم يكونا أصليين أو كان أحدهما ليس بأصلي انتفى الحكم الشرعي؛ ما الدليل على هذا؟ إذاً تغييب الحشفة الأصلية أو قدر الحشفة الأصلية إن كانت مفقودة موجب للغسل وإن لم ينزل إذ الموجب للغسل التغييب لا الإنزال إجماعاً حكاه الوزير وغيره، لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (إذا جلس بين شعبها الأربع - بين رجليها ويديها - ثم جهدها - يعني جامع - فقد وجب الغسل) زاد أحمد ومسلم (وإن لم ينزل) فتى ما أولج حشفته ولو بدون لذة ولو لم ينزل وجب الغسل مطلقاً فإيلاج الحشفة أو مقدارها إن قطعت هذا موجب للغسل مطلقاً سواء كان بلذة سواء كان مشدوداً سواء كان نائماً سواء كان منزلاً أو لا؛ فهو موجب للغسل مطلقاً لقوله (فقد وجب الغسل) ولم يفصل النبي ﷺ زاد مسلم (وإن لم ينزل)، ولأحمد ومسلم عن عائشة مرفوعاً (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم مس الختان الختان فقد وجب الغسل) وصححه الترمذي رحمه الله تعالى ولفظه (إذا جاوز الختان الختان) هذا المراد، ليس المراد بأن يضع الختان على الختان يعني موضع القطع على موضع القطع عند المرأة هذا غير موجب للغسل بالإجماع لأنه ليس فيه إيلاج وإنما المراد هنا الإيلاج ولذلك جاءت مفسرة بالرواية الآخر (إذا جاوز الختان الختان) ولا يتحقق المجاوزة إلا بالإيلاج (فقد وجب الغسل)، قال القاضي [إذا غابت الحشفة في الفرج فقد وقعت الملاقاة] يعني ملاقاة الختان، وقال ابن سيد الناس [وهكذا معنى مس الختان الختان أي قاربه وداناه] وليس المراد وضع موضع الختان من الرجل على موضع الختان من المرأة فإنه غير موجب للغسل بالإجماع لأنه ليس فيه تغييب للحشفة وإنما الحكم معلق هنا بدخول الحشفة، إذاً الثاني (تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً) بدون تفصيل، (ولو من بهيمة أو ميت) يعني ولو كان (ولو) هذه أشارة خلاف لكنه خلاف خارج المذهب في المشهور (ولو) كان الفرج (من بهيمة) قال في الإنصاف [هذا المذهب حتى لو كان سمكة وهو قول الجمهور] لو تصور مثلاً أن يولج ذكره في بهيمة ولو في سمكة حينئذٍ نقول هذا موجب للغسل، (أو ميت) يعني سواء كان الفرج الذي أولجه من ذكر في فرج امرأة أو دبر مثلاً كان ميت حينئذٍ موجب للغسل لعموم الأدلة (ولو من بهيمة) لأنه إيلاج في فرج أصلي أشبه الآدمي يعني من باب القياس وهو قول الجمهور وأبو

стр. 171

حنيفة رحمه الله تعالى لا يوجب الغسل لأنه بهيمة وليست في حكم المنصوص ولا في معنى المنصوص وإنما الجماع ولإنزال والشهوة إنما تكون في الأصلي لبني آدم وأما كونه يشتهي بهيمة هذا منكوس الفطرة حينئذٍ لا يتعلق به حكم لكن الجمهور على أن هنا معلق بالشهوة والإنزال والإيلاج فمتى ما أولج في فرج بقطع النظر عن كونه مشتهى أو لا فقد وجب الغسل فالبهيمة في معنى الآدمي هنا أو ميت هذا واضح بين أنه داخل في النصوص لعمومها (ولو من بهيمة أو ميت) قال الشارح [أو نائم أو مجنون أو صغير يجامع مثله وكذا لو استدخلت ذكر نائم أو صغير ونحوه] مجرد الإيلاج موجب للغسل سواء كان الذكر مستيقظ نائم مستيقظ يعني من رجل مستيقظ أو من رجل نائم متى ما حصل الإيلاج حينئذٍ وقع أو استوجب الحكم الشرعي وهو وجوب الغسل، قال أبو حنيفة [لا يجب الغسل بوطء الميتة ولا البهيمة] وهذا الذي رعاه المصنف بقوله (ولو) لأنه [ليس بمنصوص ولا في معنى المنصوص ولنا أنه إيلاج في فرج فوجب به الغسل كوطء الآدمية في حياته وهو داخل في عموم النصوص وما ذكروه يبطل بالعجوز والشوهاء] لأنهم قالوا بأن البهيمة لا تشتهى وكذلك لو قيل بأن الحكم معلق بالشهوة تشتهى أو لا؛ العجوز كذلك لا تشتهى مع كونه لو أولج لوجب الغسل كذلك الشوهاء لا تشتهى لكن لو أولج لوجب الغسل، (إسلام كافر) أي الثالث من موجبات الغسل إسلام كافر سواء كان الكافر أصلياً أو مرتداً هذا المذهب عند الحنابلة وسواء وجد منه ما يوجب الغسل أو لا؛ يعني قد ينزل قبل الإسلام ولا يغتسل ثم يسلم إذاً وجد منه سبب الغسل وسواء اغتسل له قبل إسلامه أو لا؛ يعني مطلقاً (إسلام كافر) سواء وجد منه سبب للغسل قبل إسلامه أو لا؛ سواء اغتسل لذلك الموجب أو لا؛ لأن قيس ابن عاصم أسلم (فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر) رواه أحمد والترمذي وحسنه هذا دليلهم (فأمره) والأمر هنا للوجوب والخبر إذا صح كان حجة من غير اعتبار شرط آخر وأمر النبي ﷺ لواحد من الصحابة أمر لجميع الصحابة فلما أسلم قيس بن عاصم أمره أن يغتسل حينئذٍ دل على أن الكافر إذا أسلم وجب عليه الغسل وهذا الحديث صححه الترمذي وابن سكن ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان وغيره، وروى أحمد أن ثمامة أسلم فقال ﷺ (مروه أن يغتسل) هذا أمر والأمر لا يقتضي الوجوب ولأن لا يسلم غالباً من جنابة وأقيمت المظنة مقام الحقيقة كالنوم، وثَمَّ رواية آخر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى [أنه لا يجب الغسل لإسلام كافر] وهذه الرواية هي المرجحة وهي الصحيح ولذلك نسقط هذا الموجب ونقول إسلام كافر هذا يترتب عليه استحباب الحكم لا الوجوب بمعنى أنه يستحب له أن يغتسل لأمر النبي ﷺ وهنا (أمره) وقال (مروه أن يغتسل) حمله على الوجوب فيه نظر لأن صيغة أمر اللفظ هذا لا يدل على الوجوب ليس من صيغ الوجوب بل هو في الطلب مطلقاً سواء كان جازماً أو لا، ولذلك نقول المندوب مأمور به على الصحيح مأمور به حقيقة أو مجازاً؟ حقيقة على الصحيح حينئذٍ إذا كان المندوب مأموراً به صح أن يقال بأن افعل هذا أمر وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يتعين حمل هذه الصيغة على الإيجاب

стр. 172

إذاً قولهم (فأمره النبي ﷺ لا يلزم بأن يكون واجباً وإنما طلب منهم حينئذٍ يكون مشروعاً وإذا كان مشروعاً يحمل على أدنى أحوال التشريع وهو الاستحباب يؤكد هذا لو قيل بأن أمر متعينة في الوجوب نقول وجد الصارف لأن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أطاعوك لذلك فأمره - بالاغتسال قال - بالصلاة) لو كان اغتسل الكافر بعد إسلامه واجباً لكان هو أول الواجبات وهنا النبي ﷺ ماذا قدم؟ قدم الصلاة فلما لم يأمر معاذاً أن يأمر أهل الكتاب بعد إسلامه بالاغتسال والمقام هنا مقام بيان حينئذٍ دل على أنه ليس بواجب ثم عشرات بل مئات الصحابة أسلموا ولم ينقل حرف واحد عن النبي ﷺ أنه أمر وما ذكر هذا يحمل على الاستحباب وهذا قول أكثر أهل العلم لأن العدد الكثير والجم الغفير أسلموا فلو أمر كل من أسلم به لنقل نقلاً من تواتراً ظاهراً وثمامة اغتسل ثم تشهد يعني اغتسل أولاً ثم تشهد رواه البخاري ولم يذكر أنه أمره، وقيس أمره أن يغتسل بماء وسدر والسدر غير واجب فيحمل الحديثان على الاستحباب جمعاً بين الأدلة ولو قيل بأنه لا يدل على الوجوب لكان هذا موافق للقواعد الأصولية فأمره ومروه لا يدل على الوجوب وإنما يدل على أنه مشروع مطلوب الإيجاب فيحمل على الاستحباب حتى يرد دليل على أنه واجب، إذاً هذا أسلام كافر الأصل فيه أنه مستحب لا واجب، (وموت) يعني الرابع من موجبات الغسل الموت تعبداً لا عن حدث بمعنى أن الموت ليس بحدث ولذلك لو كان حدث لو غسلوه قال فمر الماء ما ارتفع؛ لأن الموت باقي حينئذٍ دل ذلك على أنه من باب التعبد لا من باب أنه رفع للحدث ودليله قوله ﷺ (اغسلنها) وغيره من الأحاديث الآتية في صلاة الجنازة وهو تعبد لا عن حدث وهو محل إجماع أنه من فروض الكفاية، (وحيض ونفاس) يعني الخامس والسادس من موجبات الغسل (حيض ونفاس) والنفاس هو الدم الخارج بسبب الولادة سيأتي معنا الحيض وما يتعلق بالنفاس في باب خاص أو خاتمة أبواب كتاب الطهارة ولا خلاف في وجوب الغسل بهما لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش (وإذا ذهبت حيضتك فاغتسل) هذا أمر نعم هذا أمر واضح (اغتسل وصلي) وقوله تعالى (فإذا تطهرن) أي اغتسلن فمنع الزوجة من وطئها قبل غسلها فدل على وجوبه عليها إذاً الحيض والنفاس موجبان للغسل بالإجماع والنفاس دم حيض مجتمع الدليل القائم على إيجاب الغسل من الحيض هو الدليل القائم على إيجاب الغسل من النفاس، (لا ولادة عارية عن دم) مادام أن السبب والمقتضي للنفاس هو خروج الدم فإذا لم يوجد الدم حينئذٍ انتفى السبب فإذا انتفى السبب انتفى الحكم فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً أوجبنا الغسل على المرأة النفاس لخروج الدم لأنه دم حيض حينئذٍ إذا ولدت ولد عاري عن دم وليس فيه قطرة دم إذاً امتنع الغسل ولذلك قال (لا ولادة عارية عن دم) لأنه لا نص فيه ولا هو في معنا المنصوص لأن الدم هو الموجب للغسل فإذا انتفى حينئذٍ انتفى الحكم ولذلك إذا كانت امرأة حاملاً وكانت صائمة فولدت ولد

стр. 173

بلا دم مطلقاً ما حكم صومها؟ صحيح لا يبطل الصوم ولا يوجب الغسل لأن الذي يبطل الصوم هو خروج الدم فلم يخرج أما الولادة كونها تخرج ولد عاري عن دم يحتاج إلى نص وليس عندنا نص واضح بين إذاً (لا ولادة عارية عن دم) فلا غسل بها أو الولد الطاهر فلا يبطل الصوم بالولادة العارية عن الدم ولا يحرم الوطء بها قبل الغسل، ثم قال رحمه الله تعالى بعد بيان موجبات الغسل بين ما يترتب على وجود واحد من هذه المسائل الست التي ذكرها رحمه الله تعالى قال (ومن لزمه الغسل) (من) اسم موصول (من لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن) يحتمل أنها اسم موصول ويحتمل أنها شرطية وشرطية أولى (من) هذا عام فيشمل حينئذٍ الجنب والحائض والنفساء والكافر دخل فيه، إذاً (من) هذه اسم شرط فتفيد العموم حينئذٍ دخل فيه الجنب والحائض والنفساء والكافر (من لزمه) يعني الذي وجب عليه الغسل لوجود سبب من الأسباب السابقة (حرم عليه قراءة القرآن) كما أنه يحرم عليه الصلاة ومس المصحف وكذلك الطواف للأسباب السابقة في نواقض الوضوء (قراءة القرآن) أطلق المصنف هنا القراءة حينئذٍ تعم سواء كانت القراءة من مصحف دون مس أو عن ظهر قلب حينئذٍ يحرم عليه أن يقرأ القرآن حتى يغتسل فالجنب يحرم عليه سواء كان مباشرة بمس أو بحائل أو عن ظهر قلب كذلك الحائض وكذلك النفساء وكذلك من أسلم ولم يغتسل حرم عليه قراءة القرآن (حرم عليه قراءة القرآن) مطلقاً من مصحف دون مس أو عن ظهر قلب مطلقاً وهذا الحكم وهو تحريم قراءة القرآن على من ذكر مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يعني المذاهب الأربعة على هذا القول؛ ما الدليل؟ لحديث علي رضي الله تعالى عنه (لا يحجبه - لا يحجزه - من القرآن شيء ليس الجنابة) يعني الجنابة تحجب النبي ﷺ عن قراءة القرآن فدل على أن الجنابة سبب لتحريم قراءة القرآن رواه الخمسة وغيرهم وهذا الحديث في سنده عبدالله بن سلمة والأكثر على ضعفه وضعف الحديث أحمد والشافعي والنووي والخطابي والبيهقي وحسنه ابن حجر والحديث ضعيف (لا يحجبه من القرآن شيء ليس الجنابة) ولفظ الترمذي (يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً) النبي ﷺ يمتنع عن إقراء القرآن إذا كان على جنابة وهذا صححه الترمذي هو وابن حبان وابن السكن والبغوي وغيره قال الخطابي [كان أحمد يوهن هذا الحديث] وقال النووي [خالف الترمذي الأكثرون وضعفوا هذا الحديث] قال الشوكاني [حديث الباب ليس فيه ما يدل على التحريم لأن غايته أن النبي ﷺ ترك القراءة حال الجنابة ومثله لا يصلح متمسكاً للكراهة فكيف يستدل به على التحريم] إذاً حديث علي بالروايتين ضعيف (لا يحجبه من القرآن شيء ليس الجنابة) (يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً) حديثان ضعيفان فلا تثبت بهما الحجة ألبته ثم لو سلمنا أنه صحيح وثابت كما حسنه ابن حجر وغيره حينئذٍ نقول هذا فعل والفعل لا يدل على التحريم لأنه فعل النبي ﷺ أين الصيغ التي تدل على أن الحكم محرم إذاً لا يدل كما ذكر الشوكاني على كونه مكروهاً فضلاً على أن يكون محرماً، وأخرج أبو يعلى عنه (رأيت رسول الله ﷺ توضأ ثم قرأ شيء من القرآن ثم

стр. 174

قال هكذا لمن ليس بجنب فأما الجنب فلا) هذا لو صح الحديث لكان صحيحاً في الاستدلال به على التحريم وهذا موقوف على علي الصحيح أنه موقوف على علي ووجه الاستدلال أن تبليغ القرآن واجب وتركه فدل على أن تركه لما هو أوجب منه وهو اشتراط الطهارة من الجنابة ثم جوابه أنه موقوف على علي رضي الله تعالى عنه فقد عارضه قد يقال أنه قول صحابي ولم يعلم له مخالف فصار إجماعاً نقول لا؛ هو معارض بقول ابن عباس وقول الصحابي إذا عارضه قول صحابي آخر حينئذٍ سقط الاستدلال به فلا يكون حجة فلا حجة فيه لمعارضة قول ابن عباس له وأيضاً ليس كل قراءة النبي ﷺ من قبيل التبليغ فهو مجرد فعل والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، قال ابن خزيمة [لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة لأنه ليس فيه نهي وإنما هو حكاية فعل] وحديث ابن عمر قوله ﷺ (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) هذا الحديث ضعيف في إسناده إسماعيل ابن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة وهذه منها قال أبو حاتم [حديث إسماعيل ابن عياش هذا خطأ وإنما هو من قول ابن عمر] وقال أحمد بن حنبل [هذا باطل] أنكره على إسماعيل بن عياش، بقي حديث جابر عن النبي ﷺ (لا يقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئاً) رواه الدار القطني وهو ضعيف كذلك فيه محمد بن الفضل وهو متروك ومنسوب إلى الوضع وقد روي موقوفاً عن جابر وفيه يحي بن أبي أنيسة وهو كذاب وقال البيهقي [هذا الأثر ليس بالقوي] هذه الأحاديث التي استدل بها أرباب المذاهب الأربعة في تحريم القراءة على الجنب وإذا كانت ضعيفة حينئذٍ ما هو الأصل؟ ما هو الأصل التحريم أو عدم التحريم؟ الأصل عدم التحريم ولذلك نقول الصحيح أنه لا يحرم على الجنب ولا على الحائض ولا على النفساء قراءة القرآن كله ولا بعضه بل هو جائز وهذا محل وفاق عند الصحابة وهذه الأدلة كلها ضعيفة بل دلت النصوص بعموماتها على أنه له أن يقرأ قال الله تعالى (إن الذين يتلون كتاب الله) (يتلون) الواو هنا فيه إفادة العموم يعني مطلقاً تلا القرآن سواء كان جنباً كان متطهراً نفساء حائض الحكم واحد، (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) (الذين) هذه صيغة عموم فتفيد المتطهر وغير المتطهر، قال (واذكروا الله ذكراً كثيراً) وجاء حديث عائشة وهو واضح بين (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) (على كل أحيانه) فدخل فيه غير المتطهر و (يذكر الله) دخل فيه القرآن من باب أولى وهذا عام والقرآن ذكر وجاء قوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر) أي القرآن فدخل في النص (وأنزل إليك الذكر لتبين للناس) فالقرآن ذكر قالت عائشة (يذكر الله على كل أحيانه) إذاً يذكر القرآن على كل أحيانه ويسبح الله على كل أحيانه حينئذٍ النص عام تخصيصه بمثل هذه النصوص لا يستقيم وروى ابن المنذر عن ابن عباس (أنه قرأ شيء من القرآن وهو جنب فقيل له في ذلك فقال ما في جوفي أكثر من ذلك) القرآن موجود في الصدر حينئذٍ كيف يقال بأنه جنب فلا يقرأ فلا يتكلم بما هو في نفسه فقد أخرج البخاري عن ابن عباس (أنه لم يرى في القراءة للجنب بأساً) هذا ورد في البخاري موقوفاً على ابن

стр. 175

عباس (أنه لم يرى في القراءة للجنب بأساً) وقال سعيد [يقرأ القرآن أليس هو في جوفه] إذاً هذا القول مقابل للقول السابق وهو المنع مطلقاً وهنا الجواز مطلقاً وهو الصحيح وحكي عن مالك جواز القراءة للحائض دون الجنب لأن أيامها تطول فلو منعناها نسيت يعني التفصيل بين الحائض والجنب وأما القول بأن الحائض حدثها ليس في يدها والجنب حدثه في يده هذا تعليل عليل لأنه مصادم للنصوص السابقة بل النص عام دل على أن كل مسلم يقرأ القرآن سواء كان على جنابة أو لا؛ سواء كانت حائضاً أو نفساء أو لا؛ فالنصوص عامة والأحاديث المذكورة هذه ضعيفة، إذاً (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن) والصحيح أنه يجوز له قراءة القرآن مطلقاً، (ويعبر المسجد لحاجة) يعني يدخل المسجد لكان يمر به مروراً ولو لم يتوضأ؛ الدليل على ذلك قوله تعالى (ولا جنباً إلا عابر سبيل) (إلا عابر سبيل) يعني متجاوزين قال في الإنصاف [يجوز للجنب عبور المسجد مطلقاً على الصحيح من المذهب] وهنا قال صاحب المتن (لحاجة) بمعنى أنه إذا لم يكن لحاجة حرم عليه المرور لأن الأصل التحريم ولذلك قال تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً) أي لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب (إلا عابر سبيل حتى تغتسلوا) حينئذٍ النهي عن قربان مواضع الصلاة المراد به المساجد (لاتقربوا الصلاة) أي المساجد والعبور إنما يكون في محل الصلاة وهو المسجد لا في الصلاة؛ أليس كذلك؟ (ولا جنباً إلا عابر سبيل حتى تغتسلوا) حينئذٍ لا يصح أن يقبل على الصلاة وهو على جنابة فدل ذلك على أن المراد به المسجد إذاً (ولا جنباً إلا عابر سبيل) دل على أن الجنب وكذلك الحائض يجوز لهم العبور من المسجد يعني من باب إلى باب ولو لم يكن متوضأ لكن المصنف قال (لحاجة) بمعنى أنه لا يجوز لغير حاجة أن يعبر المسجد لكن ظاهر الآية ما هي؟ (إلا عابر سبيل) يعني مار؛ هل مطلق أو مقيد؟ يعني هل هو مقيد بحاجة إلا عابر سبيل إذا احتجتم؟ لا؛ حينئذٍ قوله (لحاجة) هذا مخالف لأمرين: أولاً: عموم النص وإطلاقه والصحيح أنه مطلق، الثاني: مخالف للمذهب وهذه أول مسألة تمر معنا أن المصنف خالف المذهب فالمذهب أنه يجوز مطلقاً قال في الإنصاف [يجوز للجنب عبور المسجد مطلقاً] يعني دون تقييده بحاجة ولذلك قال الشارح انظر [لحاجة وغيرها على الصحيح] يعني في المذهب كما مشى عليه في الإقناع وكونه طريقاً قصيراً حاجة وكره أحمد اتخاذه طريقاً، إذاً لجنب عبور مسجد ولو لغير حاجة لقوله (إلا عابر سبيل حتى تغتسلوا) فإن اغتسلتم حينئذٍ جاز لكم المكوث في المسجد (ولا يلبث فيه بغير وضوء) أما المكث في المسجد فلا يجوز إلا بوضوء وأما بغير وضوء فلا يجوز (ولا) يجوز أن (يلبث) أي يقيم (فيه) أي في المسجد من عليه غسل (بغير وضوء) لحديث (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) رواه أبو داود من حديث عائشة وهذا ضعيف فيه جسرة بنت دجاجة قال البخاري [وعند جسرة عجائب] ولابن ماجه عن أم سلمة (أن المسجد لا يحل لحائض ولا جنب) وهذا كذلك فيه ضعف ولهما شواهد واللبث الإقامة إذاً على كلام المصنف هنا ولا يلبث فيه أي في المسجد بغير وضوء فإن توضأ جاز اللبث فيه؛ لماذا؟ قال عطاء بن يسار

стр. 176

[رأيت رجال من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة] إذاً فعل الصحابة دل على أنهم إذا توضئوا جاز لهم المكث في المسجد قال في المبدع [إسناده صحيح] قال ابن تيمية رحمه الله تعالى [حينئذٍ يجوز أن ينام في المسجد حيث ينام غيره - لكن بشرط أن يتوضأ - وإن كان النوم الكثير ينقض الوضوء] إذاً (ولا يلبث فيه) أي في المسجد (بغير وضوء) لكن لو تعذر الوضوء على الجنب واحتاج إلا اللبث جاز له من غير تيمم على الصحيح من المذهب الكلام هنا في المذهب أما الترجيح فالظاهر أنه لا يبقى، (ومن غسل ميتاً أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم سن له الغسل) هذا الأغسال المستحبة انتهينا من الأغسال الواجبة (من) هذه صيغة عموم (غسل ميتاً) ولو في ثوب سواء كان الميت صغيراً أو كبيراً مسلماً أو كافراً سن له الغسل يعني يسن له أن يغتسل بعد تغسيله للميت وسبق معنا أن الغاسل هو الذي يباشر الغسل لا الذي يصب الماء الذي يصب الماء لا يسمى غاسلاً حينئذٍ يسن له أن يغتسل؛ لماذا؟ لأمر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بذلك رواه أحمد وغيره وحسنه الترمذي ولفظه (من غسل ميتاً فليغتسل) هذا موقوف على أبي هريرة الصحيح موقوف على أبي هريرة وصحح جماعة وقفه عليه وعن علي نحوه وظاهره يفيد الوجوب لو كان مرفوعاً لو كان مرفوعاً لأفاد الوجوب لأن قوله (فليغتسل) هذه تفيد الوجوب ولكنه مصرف لحديث (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس وحسنه الحافظ ولقول ابن عمر (كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل) أخرجه الدار القطني وصححه الحافظ، إذاً (من غسل ميتاً) مطلقاً (فليغتسل) والأصل فيه أنه واجب على ظاهره لكنه مصروف هذا إن صححنا أنه مرفوع والصحيح أنه مستحب كما ذكرناه فيما سبق ولذلك في الموطأ (أن أسماء غسلت أبا بكر ثم سألت من حضرها من المهاجرين هل عليها من غسل؟ فقالوا: لا) دل على أنه ليس بواجب وقال ابن عقيل [ظاهر كلام أحمد عدم الاستحباب] الظاهر أنه مستحب لما ذكرنا، (أو أفاق من جنون) (أو أفاق) يعني رجع إليه عقله وكان مجنون فاستحب له الغسل (أو إغماء بلا حلم) يعني من المجنون والمغمى عليه فإن وقع حلم منهما حينئذٍ كما سبق أنه يجب الغسل خروج المني من المحتلم مطلقاً سواء كان عاقلاً أو لا؛ موجب للغسل هنا أفاق من جنون ولم يحتلم سن له أن يغتسل، الدليل قياساً على المغمى عليه (أو إغماء) يعني أفاق من إغماء بشرط أن لا يكون احتلام؛ ما الدليل؟ قال لأن النبي ﷺ اغتسل من الإغماء متفق عليه وفعل النبي ﷺ أقل أحواله أنه سنة وفي معناه المجنون بل هو أولى منه، إذاً المجنون يستحب له الغسل إذا أفاق من جنونه قياساً على المغمى عليه وأما المغمى عليه فلورد فعل النبي ﷺ كما جاء في ما ذكرناه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها إذاً هذه أسباب للغسل المستحب أولاً: إذا غسل ميتاً يستحب له أن يغتسل، ثانياً: إذا أفاق من جنون يستحب له أن يغتسل والدليل قياساً على المغمى عليه، ثالثاً: المغمى عليه إذا أفاق من إغمائه سن

стр. 177

له أن يغتسل والدليل فعل النبي ﷺ ، حينئذٍ هذه ثلاثة أمور أسباب لاستحباب الاغتسال، ثم قال بعد ما انتهى من بيان ما يتعلق بموجبات الغسل ومستحباته شرع في بيان صفته لأن العلم بالموصوف مقدم على العلم بالصفة ثم أعلم أن الغسل على ضربين كامل ومجزئ والكامل هو المشتمل على الواجبات والمستحبات يعني أشتمل على الكمال جاء بالواجبات وجاء بالمسنونات والمجزئ الذي يكتفي بالواجبات فقط ويترك المستحبات قال (أن ينوي) رفع الحدث لما سبق بيانه فيما سبق لحديث (إنما الأعمال بنيات) حينئذٍ يجب عليه أن ينوي بل هو شرط لصحت الطهارة فلو اغتسل دون نية رفع الحدث ما صح الغسل؛ لماذا؟ لانتفاء شرط من شروط صحت الطهارة الكبرى (أن ينوي) ينوي رفع الحدث الأكبر مثلاً أو ينوي غسل الجمعة إذا كان مستحباً فلو وقع في الماء ولم ينوي الغسل أو اغتسل للتبرد لم يكن قربة ولا عبادة ولم يرتفع حدثه باتفاق لأنه لم ينوي وإذا لم ينوي حينئذٍ صار عادة لأن النية هي التي تميز بين النوعين (ثم يسمي) قال في الشرح [وهي هنا كالوضوء] يعني حكم التسمية وسبق أنها واجبة لكن تسقط مع النسيان يعني تجب مع الذكر (تجب التسمية في الوضوء مع الذكر) بمعنى أنه إن نسي سقط هنا كذلك فتجب التسمية قياساً على الوضوء هذا الدليل فما وجب هناك وجب هنا وما جاز سقوطه هناك جاز سقوطه هنا والصحيح أنه لا يجب كما ذكرناه فيما سبق والقياس لا يصح لأنه قياس طهارة كبرى على طهارة صغرى فهي مختلفة من جهتين من جهة الأسباب الموجبة فينتفي القياس يمتنع ثانياً من جهة الصفة هنا تعميم للبدن كله وهناك غسل للأعضاء الأربعة فالقياس منتفي ثم إذا لم يتوضأ لا يشرع له التسمية بمعنى أن التسمية هنا ليست لذات الغسل يعني لو أراد أن لا يأتي بالغسل الكامل وإنما أراد أن يأتي بالمجزئ فقط يعم البدن يدخل تحت الماء ويغتسل لا يشرع له أن يسمي؛ لماذا؟ لعدم النص وإنما سمى هناك لوجود النص وهنا امتنع النص حينئذٍ امتنع الحكم المترتب عليه والقياس باطل لا يصح إذاً (ثم يسمي) هذا إن توضأ لأنه سيذكر الغسل الكامل وأما إذا لم يتوضأ فلا يشرع التسمية، (ويغسل يديه ثلاثاً) (ويغسل يديه) المراد به الكفين معاً (ثلاثاً) كما في الوضوء لحديث ميمونة (ثم غسل كفيه مرتين أو ثلاثاً) ويكون قبل إدخالهما الإناء ويصب الماء بيمينه على شماله (ويغسل يديه) معاً يعني كفيه (ثلاثاً) كما في الوضوء وهو هنا آكد لرفع الحدث عنهما بذلك يعني فيما سبق غسل الكفين قبل الوضوء مستحب ولا يرفع الحدث وهنا غسل الكفين في أول الوضوء آكد لأنه يرفع الحدث؛ لماذا؟ لأنه هناك لا يعد غسل الكفين داخل في مسمى الوضوء الواجب لأن غسل الكفين متى يكون؟ بعد غسل الوجه يغسل ووجه ثم يديه فيغسل الكفين وهنا وقع غسل الكفين في الوضوء قبل غسل الوجه فلا يعتبر وإنما هو مستحب فلا يرفع الحدث (وما لوثه) يعني يغسل (ما لوثه) ما لطخه من أذى على فرجه أو سائر بدنه لحديث عائشة (فيفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه) ثم قال (ويتوضأَ) بالنصب كلها بالنصب هذه الأفعال أن ينويَ ثم يسميَ ويغسلَ ويتوضأَ بالنصب معطوف على ما سبق (ويتوضأ) هنا أطلقه المصنف حينئذٍ لفظ الوضوء إنما

стр. 178

يطلق على الوضوء الكامل فيصدق عليه أنه يأتي بالوضوء على جهة الكمال بمعنى أنه يغسل قدميه كذلك ولذلك قال هنا [(ويتوضأ) كاملاً] الصحيح من المذهب أنه يتوضأ وضوء كاملاً قبل الغسل وعنه الأفضل أن يؤخر غسل رجليه حتى يغتسل رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ (ويحثي على رأسه ثلاثاً يرويه) (يحثي) يعني يصب الماء وهي الحفنة من الماء يقال حثوت أحثو حثواً كغزوة وحثيت أحثي حثياً كرميت (على رأسه ثلاثاً) العدد جاء هنا في النص (يرويه) يعني يروي في كل مرة أصول شعره يعني يصل الماء إلى جذور الشعر (يرويه) بمعنى أن الماء يصل إلى البشرة لحديث عائشة ﵂ (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً) إذاً التثليث وارد (وتوضأ وضوؤه للصلاة) الوضوء المعهود (ثم يخلل شعره بيديه) وهنا قال (وتوضأ وضوؤه للصلاة) غسل قدميه أو لا؟ غسل قدميه لأنه لا يقال بأنه توضأ وضوؤه للصلاة إلا إذا غسل قدميه وإلا ليس وضوء للصلاة (ثم يخلل شعره بيديه) إذاً لابد من إيصال الماء إلى أصول الشعر (حتى إذا ظن أنه قد روّى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده) متفق عليه وهذا النص فيه بيان للواجبات وبعض المستحبات التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى إذاً يتوضأ أولاً وضوء كاملاً ثم بعد ذلك يحثو على رأسه ثلاثاً يرويه بمعنى أنه يوصل الماء إلى أصول شعره، (ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً) (يعم بدنه) بمعنى أنه لا يترك موضعاً إلا وقد غسله (غسلاً) غسل الشيء يغسله غسلاً طهره بالماء وحقيقة الغسل إفاضة الماء على الأعضاء لحديث (ثم أفاض الماء على سائر جسده) انظر هنا لم يذكر الدلك ولا التدليك وإفاضة الماء على جميع البدن وبشرته واجب بلا خلاف وسواء كان الشعر الذي على البشرة خفيفاً أو كثيفاً يعني مطلقاً إفاضة الماء على سائر البدن هذا واجب بلا خلاف لكن يشترط التعميم ولذلك قال (ويعم بدنه) قلنا البدن اسم يقع الظاهر والباطن (غسلاً) يعني يغسله غسلاً ويطهر بالماء فلا يجزئ المسح ولو كرره مرات ثم سال الماء هذا لا يجزئ وإنما لابد من إسالة الماء والغسل الذي يكون معهوداً في لسان العرب يعني إفاضة الماء على البدن بحيث يجري وإذا لم يجري لا يسمى غسلاً وإنما يسمى مسحاً، قوله (يعم بدنه غسلاً ثلاثاً) (ثلاثاً) هذا قياساً على الوضوء وليس فيه نص والصحيح أنه يعم بدنه غسلاً مرة واحدة هذه السنة ولذلك لم يرد كما في حديث عائشة السابق (أفاض الماء عليه ثلاث مرات) يعني على الشعر فذكرت التثليث ثم قالت (ثم غسل سائر جسده) يعني عمم سائر بقية الجسد ولم تذكر التثليث وأقل ما تحمل عليه هو المرة الواحدة إذاً (ثلاثاً) هو المذهب وقيل مرة واختاره ابن تيمية رحمه الله تعالى قال الزركشي وهو ظاهر الأحاديث ولذلك قال البخاري [باب الغسل مرة مرة] فيه (ثم أفاض على جسده) وذكر إفاضة الماء على رأسه ثلاثاً ثم غسل سائر جسده قال الحافظ [ولم يقيده بعدد فيحمل على أقل ما يسمى وهو المرة الواحد ولم ينقل أنه غسل جسده ثلاثاً] ثم قال (ويدلكه) أي يدلك بدنه بيديه وهذا بلا نزاع أنه مشروع لكن هل هو واجب أم لا؟ قلنا على التفصيل إن كان من البدن ما لا يصل إليه الماء

стр. 179

إلى بإيصاله باليد تعين لماذا؟ لأنه يجب عليه غسل البدن ظاهره وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فإذا كان إيصال الماء إلى البدن لا يصل إلى باليد تعينت اليد وإذا كان يصل بنفسه لو أسال الماء لا يتعين اليد واضح هذا، إذاً قولهم مختلف في الدلك هل هو واجب أم لا؟ نقول فيه تفصيل منه ما هو واجب ومنه ما قد يقال بأن الخلاف فيه بين المالكية والجمهور وهو أنه إذا وصل الماء بنفسه هل يجب عليه أن يدلك يعني يدك مثلاً لو وضعتها تحت الماء حينئذٍ عممت هل يجب عليك أن تفعل هكذا تدلك يدك من أجل التأكد من إيصال الماء؛ لا لا يجب وإنما المواضع التي ينبو عنها الماء لا شك أنها لا يصل الماء بنفسه ولذلك قال هنا (ويدلكه) التدليك هو الفرك والدعك أي يدلك بدنه بيديه هذا بلا نزاع يتعاهد معاطف بدنه وسرته وتحت إبطيه وما ينبو عنه الماء هذا واجب لأنه لا يصل إلى الإبطين إلا بالإيصال كذلك لا يصل إلى داخل السرة إلا بالإيصال كذلك ما ينبو عنه البدن كبعض الأصابع الرجلين مثلاً لا يدخل الماء إلا باستعمال الدلك حينئذٍ يتعين وما عدا ذلك نقول لا؛ بل هو مسنون، (ويتيامن) لأن ﷺ كان يعجبه التيامن في طهوره وإن كان الوارد في النص هو التيامن في الرأس التيامن في الرأس هذا واضح بين قد جاء في حديث مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفه بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر) يعني التيامن في غسل الرأس يبدأ بشق الأيمن ثم الأيسر (ثم أخذ كفيه فقال بهما هكذا برأسه) يعني يغسل شقه الأيمن أولاً ثم الأيسر ثم يأخذ الماء ثم يعمم رأسه رواه البخاري وأما التيامن في البدن بأن يغسل شقه الأيمن وهو الذي عناه المصنف هنا ثم شقه الأيسر فظاهر الأحاديث تنص على إفاضة الماء على البدن وعدم ذكر التيامن ظاهر النصوص كما سبق في حديث عائشة (غسل سائر جسده) ولم تفصل فدل ذلك على ماذا؟ على أنه لم يتيامن قد يقول قائل جاء في حديث عائشة (يعجبه التيامن في طهوره كله) نقول هذا إذا لم ينقل تفصيل في عبادة ما فإن نقل تفصيل حينئذٍ نقول نقل ترك التيامن في غسل سائر الجسد فيبقى على الأصل وهو عدم المشروعية لكن لو قيل يتيامن لعموم النص فالمسألة محل اجتهاد لكن ظاهر النصوص لا إنما التيامن يكون في غسل الرأس فقط وأما سائر البدن فالأصل أنه يفيضه عليه إفاضة (ويتيامن) لأن ﷺ كان يعجبه التيامن في طهوره نقول هذا استدلال في غير هذا الموضع يمكن لماذا؟ لأنه نقل هنا الترك كون عائشة تقول (غسل سائر جسده) نقلت ترك التيامن حينئذٍ يصير مقدماً على هذا العموم، (ويغسل قدميه مكاناً آخر) انظر يتوضأ سابقاً كاملاً ثم إذا انتهى من غسله قال (ويغسل قديمه) يعني ثانياً مرة أخرى (مكاناً آخر) لماذا؟ لحديث ميمونة (توضأ ثم أفاض الماء عليه ثم تنحى فغسل قدميه) ولهما نحوه من حديث عائشة وهو أكمل وفي رواية غير قدميه (ثم أفاض الماء عليه ثم تنحى فغسل قدميه) عن عائشة في معناه قال الحافظ [وهو مذهب الجمهور] وقيل لا يعيد غسلهما إلا لطين ونحوه وهذا هو الظاهر كونه يتوضأ كاملاً هذا هو ظاهر النص من حديث

стр. 180

عائشة وكونه غسل قدميه هذا في ظاهره أنها تلوثت بطين ونحوه فإذا لم تتلوث فتبقى على الأصل وهو أنه توضأ وضوء كاملاً حينئذٍ لا يعيد غسل القدمين مرة أخرى إذاً (ويغسل قدميه مكاناً آخر) يعني مطلقاً سواء تلوثت أو لا ولو كنت الآن تغتسل على ما هو موجود الآن لا تتلوث ليس عندك طين يشرع لك على كلام المصنف أنك تغسل بعد الغسل تغسل القدمين مكاناً آخر والظاهر أنه فيما إذا تلوثت القدمين بطيناً ونحوه، ويكفي الظن في الإسباغ على الصحيح من المذهب لحديث عائشة (حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته) والإسباغ والإبلاغ وتقدم بمعنى أنه لا نحتاج إلى اليقين لأن الغسل هذا مفتاح للموسوسين بمعنى أنه إذا أراد أن يتيقن كل شعره قد وصلها الماء كما جاء في بعض الأحاديث الضعيفة حينئذٍ فتح على نفسه باباً من الوسواس إنما المراد به الظن متى ما ظن أن الماء قد وصل إلى محله يكفي هذا ولا يشترط اليقين لأن من البدن ما هو خفي كالاستنجاء الاستنجاء الإنسان لا يتيقن أنه قد أنقى الموضع ولكن يكفي غالب الظن وهذا مثله، (والمجزئ) يعني الذي يكفي الإجزاء سقوط الطلب يعني ما وجد فيه الواجبات فقط (المجزئ أن ينوي) رفع الحدث (ويسمي) والصحيح أنه فيما سبق إذا توضأ سمى وإذا لم يتوضأ بأن أراد الواجبات فقط حينئذٍ لا يشرع له التسمية والقياس باطلاً هنا لأن القياس الأصل أنه لا يدخل في العبادات قياس الغسل على الطهارة الصغرى قياس فاسد لأن العبادات الأصل فيها عدم دخول القياس (ويعم بدنه بالغسل مرة) واحدة مع المضمضة والاستنشاق لم ننص على المضمضة فيما سبق ونصصنا على المضمضة هنا لماذا؟ ما ذكرنا المضمضة نسيناه؟ لأنه قال يتوضأ نعم أحسنت قلنا يتوضأ وإذا توضأ لابد من المضمضة والاستنشاق وهنا نقول (ويعم بدنه بالغسل مرة) واحدة مع المضمضة والاستنشاق فشمل الشعر وما تحته وهو المذهب، ثم قال (ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع) هذا على جهة الاستحباب والأصل فيه أنه كيفما اغتسل فقد حصل التطهير (ويتوضأ بمد) استحباباً لما في الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع) (ويتوضأ) يعني النبي ﷺ (بالمد ويغتسل بالصاع) المد تقريباً الموجود الآن قرابة ثلاث كيلو ثلاث كيلو تكفي في الوضوء (ويغتسل بصاع) لحديث أنس السابق وهو أربعة أمداد وإن زاد جاز وهو ما يقارب اللترين وأربع وخمسين غراماً والصحيح من المذهب أن الصاع هنا خمسة أرطال وثلث رطل كصاع في الفطرة، (فإن أسبغ بأقل) يعني من المد أو الصاع أجزأ أو لا؟ أجزأ لأن المراد هنا التحديد من باب الاستحباب بالاقتداء بالنبي ﷺ وأما إذا توضأ بأقل من مد وضوؤه صحيح ولو اغتسل بأقل من صاع غسله صحيح خلافاً للأحناف الأحناف قالوا إن توضأ بأقل من مد وضوؤه لا يصح وإن اغتسل بأقل من صاع غسله لا يصح لكون النبي ﷺ قد اعتمد على أقل ما يمكن أن يتوضأ به وهو المد في الوضوء حينئذٍ إذا توضأ بأقل من مد لا يكون أفضل من النبي ﷺ في المحافظة على الماء دل على أنه لم يتوضأ إذاً حصل قصور في الوضوء والصحيح أنه وضوؤه صحيح ولذلك قال (فإن أسبغ بأقل) مما ذكر في الوضوء أو الغسل أجزأه أو
следующие страницы →