Полный текст (289 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
[رأيت رجال من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة] إذاً فعل الصحابة دل على أنهم إذا توضئوا جاز لهم المكث في المسجد قال في المبدع [إسناده صحيح] قال ابن تيمية رحمه الله تعالى [حينئذٍ يجوز أن ينام في المسجد حيث ينام غيره - لكن بشرط أن يتوضأ - وإن كان النوم الكثير ينقض الوضوء] إذاً (ولا يلبث فيه) أي في المسجد (بغير وضوء) لكن لو تعذر الوضوء على الجنب واحتاج إلا اللبث جاز له من غير تيمم على الصحيح من المذهب الكلام هنا في المذهب أما الترجيح فالظاهر أنه لا يبقى، (ومن غسل ميتاً أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم سن له الغسل) هذا الأغسال المستحبة انتهينا من الأغسال الواجبة (من) هذه صيغة عموم (غسل ميتاً) ولو في ثوب سواء كان الميت صغيراً أو كبيراً مسلماً أو كافراً سن له الغسل يعني يسن له أن يغتسل بعد تغسيله للميت وسبق معنا أن الغاسل هو الذي يباشر الغسل لا الذي يصب الماء الذي يصب الماء لا يسمى غاسلاً حينئذٍ يسن له أن يغتسل؛ لماذا؟ لأمر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بذلك رواه أحمد وغيره وحسنه الترمذي ولفظه (من غسل ميتاً فليغتسل) هذا موقوف على أبي هريرة الصحيح موقوف على أبي هريرة وصحح جماعة وقفه عليه وعن علي نحوه وظاهره يفيد الوجوب لو كان مرفوعاً لو كان مرفوعاً لأفاد الوجوب لأن قوله (فليغتسل) هذه تفيد الوجوب ولكنه مصرف لحديث (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس وحسنه الحافظ ولقول ابن عمر (كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل) أخرجه الدار القطني وصححه الحافظ، إذاً (من غسل ميتاً) مطلقاً (فليغتسل) والأصل فيه أنه واجب على ظاهره لكنه مصروف هذا إن صححنا أنه مرفوع والصحيح أنه مستحب كما ذكرناه فيما سبق ولذلك في الموطأ (أن أسماء غسلت أبا بكر ثم سألت من حضرها من المهاجرين هل عليها من غسل؟ فقالوا: لا) دل على أنه ليس بواجب وقال ابن عقيل [ظاهر كلام أحمد عدم الاستحباب] الظاهر أنه مستحب لما ذكرنا، (أو أفاق من جنون) (أو أفاق) يعني رجع إليه عقله وكان مجنون فاستحب له الغسل (أو إغماء بلا حلم) يعني من المجنون والمغمى عليه فإن وقع حلم منهما حينئذٍ كما سبق أنه يجب الغسل خروج المني من المحتلم مطلقاً سواء كان عاقلاً أو لا؛ موجب للغسل هنا أفاق من جنون ولم يحتلم سن له أن يغتسل، الدليل قياساً على المغمى عليه (أو إغماء) يعني أفاق من إغماء بشرط أن لا يكون احتلام؛ ما الدليل؟ قال لأن النبي ﷺ اغتسل من الإغماء متفق عليه وفعل النبي ﷺ أقل أحواله أنه سنة وفي معناه المجنون بل هو أولى منه، إذاً المجنون يستحب له الغسل إذا أفاق من جنونه قياساً على المغمى عليه وأما المغمى عليه فلورد فعل النبي ﷺ كما جاء في ما ذكرناه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها إذاً هذه أسباب للغسل المستحب أولاً: إذا غسل ميتاً يستحب له أن يغتسل، ثانياً: إذا أفاق من جنون يستحب له أن يغتسل والدليل قياساً على المغمى عليه، ثالثاً: المغمى عليه إذا أفاق من إغمائه سن
стр. 177
له أن يغتسل والدليل فعل النبي ﷺ ، حينئذٍ هذه ثلاثة أمور أسباب لاستحباب الاغتسال، ثم قال بعد ما انتهى من بيان ما يتعلق بموجبات الغسل ومستحباته شرع في بيان صفته لأن العلم بالموصوف مقدم على العلم بالصفة ثم أعلم أن الغسل على ضربين كامل ومجزئ والكامل هو المشتمل على الواجبات والمستحبات يعني أشتمل على الكمال جاء بالواجبات وجاء بالمسنونات والمجزئ الذي يكتفي بالواجبات فقط ويترك المستحبات قال (أن ينوي) رفع الحدث لما سبق بيانه فيما سبق لحديث (إنما الأعمال بنيات) حينئذٍ يجب عليه أن ينوي بل هو شرط لصحت الطهارة فلو اغتسل دون نية رفع الحدث ما صح الغسل؛ لماذا؟ لانتفاء شرط من شروط صحت الطهارة الكبرى (أن ينوي) ينوي رفع الحدث الأكبر مثلاً أو ينوي غسل الجمعة إذا كان مستحباً فلو وقع في الماء ولم ينوي الغسل أو اغتسل للتبرد لم يكن قربة ولا عبادة ولم يرتفع حدثه باتفاق لأنه لم ينوي وإذا لم ينوي حينئذٍ صار عادة لأن النية هي التي تميز بين النوعين (ثم يسمي) قال في الشرح [وهي هنا كالوضوء] يعني حكم التسمية وسبق أنها واجبة لكن تسقط مع النسيان يعني تجب مع الذكر (تجب التسمية في الوضوء مع الذكر) بمعنى أنه إن نسي سقط هنا كذلك فتجب التسمية قياساً على الوضوء هذا الدليل فما وجب هناك وجب هنا وما جاز سقوطه هناك جاز سقوطه هنا والصحيح أنه لا يجب كما ذكرناه فيما سبق والقياس لا يصح لأنه قياس طهارة كبرى على طهارة صغرى فهي مختلفة من جهتين من جهة الأسباب الموجبة فينتفي القياس يمتنع ثانياً من جهة الصفة هنا تعميم للبدن كله وهناك غسل للأعضاء الأربعة فالقياس منتفي ثم إذا لم يتوضأ لا يشرع له التسمية بمعنى أن التسمية هنا ليست لذات الغسل يعني لو أراد أن لا يأتي بالغسل الكامل وإنما أراد أن يأتي بالمجزئ فقط يعم البدن يدخل تحت الماء ويغتسل لا يشرع له أن يسمي؛ لماذا؟ لعدم النص وإنما سمى هناك لوجود النص وهنا امتنع النص حينئذٍ امتنع الحكم المترتب عليه والقياس باطل لا يصح إذاً (ثم يسمي) هذا إن توضأ لأنه سيذكر الغسل الكامل وأما إذا لم يتوضأ فلا يشرع التسمية، (ويغسل يديه ثلاثاً) (ويغسل يديه) المراد به الكفين معاً (ثلاثاً) كما في الوضوء لحديث ميمونة (ثم غسل كفيه مرتين أو ثلاثاً) ويكون قبل إدخالهما الإناء ويصب الماء بيمينه على شماله (ويغسل يديه) معاً يعني كفيه (ثلاثاً) كما في الوضوء وهو هنا آكد لرفع الحدث عنهما بذلك يعني فيما سبق غسل الكفين قبل الوضوء مستحب ولا يرفع الحدث وهنا غسل الكفين في أول الوضوء آكد لأنه يرفع الحدث؛ لماذا؟ لأنه هناك لا يعد غسل الكفين داخل في مسمى الوضوء الواجب لأن غسل الكفين متى يكون؟ بعد غسل الوجه يغسل ووجه ثم يديه فيغسل الكفين وهنا وقع غسل الكفين في الوضوء قبل غسل الوجه فلا يعتبر وإنما هو مستحب فلا يرفع الحدث (وما لوثه) يعني يغسل (ما لوثه) ما لطخه من أذى على فرجه أو سائر بدنه لحديث عائشة (فيفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه) ثم قال (ويتوضأَ) بالنصب كلها بالنصب هذه الأفعال أن ينويَ ثم يسميَ ويغسلَ ويتوضأَ بالنصب معطوف على ما سبق (ويتوضأ) هنا أطلقه المصنف حينئذٍ لفظ الوضوء إنما
стр. 178
يطلق على الوضوء الكامل فيصدق عليه أنه يأتي بالوضوء على جهة الكمال بمعنى أنه يغسل قدميه كذلك ولذلك قال هنا [(ويتوضأ) كاملاً] الصحيح من المذهب أنه يتوضأ وضوء كاملاً قبل الغسل وعنه الأفضل أن يؤخر غسل رجليه حتى يغتسل رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ (ويحثي على رأسه ثلاثاً يرويه) (يحثي) يعني يصب الماء وهي الحفنة من الماء يقال حثوت أحثو حثواً كغزوة وحثيت أحثي حثياً كرميت (على رأسه ثلاثاً) العدد جاء هنا في النص (يرويه) يعني يروي في كل مرة أصول شعره يعني يصل الماء إلى جذور الشعر (يرويه) بمعنى أن الماء يصل إلى البشرة لحديث عائشة ﵂ (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً) إذاً التثليث وارد (وتوضأ وضوؤه للصلاة) الوضوء المعهود (ثم يخلل شعره بيديه) وهنا قال (وتوضأ وضوؤه للصلاة) غسل قدميه أو لا؟ غسل قدميه لأنه لا يقال بأنه توضأ وضوؤه للصلاة إلا إذا غسل قدميه وإلا ليس وضوء للصلاة (ثم يخلل شعره بيديه) إذاً لابد من إيصال الماء إلى أصول الشعر (حتى إذا ظن أنه قد روّى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده) متفق عليه وهذا النص فيه بيان للواجبات وبعض المستحبات التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى إذاً يتوضأ أولاً وضوء كاملاً ثم بعد ذلك يحثو على رأسه ثلاثاً يرويه بمعنى أنه يوصل الماء إلى أصول شعره، (ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً) (يعم بدنه) بمعنى أنه لا يترك موضعاً إلا وقد غسله (غسلاً) غسل الشيء يغسله غسلاً طهره بالماء وحقيقة الغسل إفاضة الماء على الأعضاء لحديث (ثم أفاض الماء على سائر جسده) انظر هنا لم يذكر الدلك ولا التدليك وإفاضة الماء على جميع البدن وبشرته واجب بلا خلاف وسواء كان الشعر الذي على البشرة خفيفاً أو كثيفاً يعني مطلقاً إفاضة الماء على سائر البدن هذا واجب بلا خلاف لكن يشترط التعميم ولذلك قال (ويعم بدنه) قلنا البدن اسم يقع الظاهر والباطن (غسلاً) يعني يغسله غسلاً ويطهر بالماء فلا يجزئ المسح ولو كرره مرات ثم سال الماء هذا لا يجزئ وإنما لابد من إسالة الماء والغسل الذي يكون معهوداً في لسان العرب يعني إفاضة الماء على البدن بحيث يجري وإذا لم يجري لا يسمى غسلاً وإنما يسمى مسحاً، قوله (يعم بدنه غسلاً ثلاثاً) (ثلاثاً) هذا قياساً على الوضوء وليس فيه نص والصحيح أنه يعم بدنه غسلاً مرة واحدة هذه السنة ولذلك لم يرد كما في حديث عائشة السابق (أفاض الماء عليه ثلاث مرات) يعني على الشعر فذكرت التثليث ثم قالت (ثم غسل سائر جسده) يعني عمم سائر بقية الجسد ولم تذكر التثليث وأقل ما تحمل عليه هو المرة الواحدة إذاً (ثلاثاً) هو المذهب وقيل مرة واختاره ابن تيمية رحمه الله تعالى قال الزركشي وهو ظاهر الأحاديث ولذلك قال البخاري [باب الغسل مرة مرة] فيه (ثم أفاض على جسده) وذكر إفاضة الماء على رأسه ثلاثاً ثم غسل سائر جسده قال الحافظ [ولم يقيده بعدد فيحمل على أقل ما يسمى وهو المرة الواحد ولم ينقل أنه غسل جسده ثلاثاً] ثم قال (ويدلكه) أي يدلك بدنه بيديه وهذا بلا نزاع أنه مشروع لكن هل هو واجب أم لا؟ قلنا على التفصيل إن كان من البدن ما لا يصل إليه الماء
стр. 179
إلى بإيصاله باليد تعين لماذا؟ لأنه يجب عليه غسل البدن ظاهره وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فإذا كان إيصال الماء إلى البدن لا يصل إلى باليد تعينت اليد وإذا كان يصل بنفسه لو أسال الماء لا يتعين اليد واضح هذا، إذاً قولهم مختلف في الدلك هل هو واجب أم لا؟ نقول فيه تفصيل منه ما هو واجب ومنه ما قد يقال بأن الخلاف فيه بين المالكية والجمهور وهو أنه إذا وصل الماء بنفسه هل يجب عليه أن يدلك يعني يدك مثلاً لو وضعتها تحت الماء حينئذٍ عممت هل يجب عليك أن تفعل هكذا تدلك يدك من أجل التأكد من إيصال الماء؛ لا لا يجب وإنما المواضع التي ينبو عنها الماء لا شك أنها لا يصل الماء بنفسه ولذلك قال هنا (ويدلكه) التدليك هو الفرك والدعك أي يدلك بدنه بيديه هذا بلا نزاع يتعاهد معاطف بدنه وسرته وتحت إبطيه وما ينبو عنه الماء هذا واجب لأنه لا يصل إلى الإبطين إلا بالإيصال كذلك لا يصل إلى داخل السرة إلا بالإيصال كذلك ما ينبو عنه البدن كبعض الأصابع الرجلين مثلاً لا يدخل الماء إلا باستعمال الدلك حينئذٍ يتعين وما عدا ذلك نقول لا؛ بل هو مسنون، (ويتيامن) لأن ﷺ كان يعجبه التيامن في طهوره وإن كان الوارد في النص هو التيامن في الرأس التيامن في الرأس هذا واضح بين قد جاء في حديث مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفه بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر) يعني التيامن في غسل الرأس يبدأ بشق الأيمن ثم الأيسر (ثم أخذ كفيه فقال بهما هكذا برأسه) يعني يغسل شقه الأيمن أولاً ثم الأيسر ثم يأخذ الماء ثم يعمم رأسه رواه البخاري وأما التيامن في البدن بأن يغسل شقه الأيمن وهو الذي عناه المصنف هنا ثم شقه الأيسر فظاهر الأحاديث تنص على إفاضة الماء على البدن وعدم ذكر التيامن ظاهر النصوص كما سبق في حديث عائشة (غسل سائر جسده) ولم تفصل فدل ذلك على ماذا؟ على أنه لم يتيامن قد يقول قائل جاء في حديث عائشة (يعجبه التيامن في طهوره كله) نقول هذا إذا لم ينقل تفصيل في عبادة ما فإن نقل تفصيل حينئذٍ نقول نقل ترك التيامن في غسل سائر الجسد فيبقى على الأصل وهو عدم المشروعية لكن لو قيل يتيامن لعموم النص فالمسألة محل اجتهاد لكن ظاهر النصوص لا إنما التيامن يكون في غسل الرأس فقط وأما سائر البدن فالأصل أنه يفيضه عليه إفاضة (ويتيامن) لأن ﷺ كان يعجبه التيامن في طهوره نقول هذا استدلال في غير هذا الموضع يمكن لماذا؟ لأنه نقل هنا الترك كون عائشة تقول (غسل سائر جسده) نقلت ترك التيامن حينئذٍ يصير مقدماً على هذا العموم، (ويغسل قدميه مكاناً آخر) انظر يتوضأ سابقاً كاملاً ثم إذا انتهى من غسله قال (ويغسل قديمه) يعني ثانياً مرة أخرى (مكاناً آخر) لماذا؟ لحديث ميمونة (توضأ ثم أفاض الماء عليه ثم تنحى فغسل قدميه) ولهما نحوه من حديث عائشة وهو أكمل وفي رواية غير قدميه (ثم أفاض الماء عليه ثم تنحى فغسل قدميه) عن عائشة في معناه قال الحافظ [وهو مذهب الجمهور] وقيل لا يعيد غسلهما إلا لطين ونحوه وهذا هو الظاهر كونه يتوضأ كاملاً هذا هو ظاهر النص من حديث
стр. 180
عائشة وكونه غسل قدميه هذا في ظاهره أنها تلوثت بطين ونحوه فإذا لم تتلوث فتبقى على الأصل وهو أنه توضأ وضوء كاملاً حينئذٍ لا يعيد غسل القدمين مرة أخرى إذاً (ويغسل قدميه مكاناً آخر) يعني مطلقاً سواء تلوثت أو لا ولو كنت الآن تغتسل على ما هو موجود الآن لا تتلوث ليس عندك طين يشرع لك على كلام المصنف أنك تغسل بعد الغسل تغسل القدمين مكاناً آخر والظاهر أنه فيما إذا تلوثت القدمين بطيناً ونحوه، ويكفي الظن في الإسباغ على الصحيح من المذهب لحديث عائشة (حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته) والإسباغ والإبلاغ وتقدم بمعنى أنه لا نحتاج إلى اليقين لأن الغسل هذا مفتاح للموسوسين بمعنى أنه إذا أراد أن يتيقن كل شعره قد وصلها الماء كما جاء في بعض الأحاديث الضعيفة حينئذٍ فتح على نفسه باباً من الوسواس إنما المراد به الظن متى ما ظن أن الماء قد وصل إلى محله يكفي هذا ولا يشترط اليقين لأن من البدن ما هو خفي كالاستنجاء الاستنجاء الإنسان لا يتيقن أنه قد أنقى الموضع ولكن يكفي غالب الظن وهذا مثله، (والمجزئ) يعني الذي يكفي الإجزاء سقوط الطلب يعني ما وجد فيه الواجبات فقط (المجزئ أن ينوي) رفع الحدث (ويسمي) والصحيح أنه فيما سبق إذا توضأ سمى وإذا لم يتوضأ بأن أراد الواجبات فقط حينئذٍ لا يشرع له التسمية والقياس باطلاً هنا لأن القياس الأصل أنه لا يدخل في العبادات قياس الغسل على الطهارة الصغرى قياس فاسد لأن العبادات الأصل فيها عدم دخول القياس (ويعم بدنه بالغسل مرة) واحدة مع المضمضة والاستنشاق لم ننص على المضمضة فيما سبق ونصصنا على المضمضة هنا لماذا؟ ما ذكرنا المضمضة نسيناه؟ لأنه قال يتوضأ نعم أحسنت قلنا يتوضأ وإذا توضأ لابد من المضمضة والاستنشاق وهنا نقول (ويعم بدنه بالغسل مرة) واحدة مع المضمضة والاستنشاق فشمل الشعر وما تحته وهو المذهب، ثم قال (ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع) هذا على جهة الاستحباب والأصل فيه أنه كيفما اغتسل فقد حصل التطهير (ويتوضأ بمد) استحباباً لما في الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع) (ويتوضأ) يعني النبي ﷺ (بالمد ويغتسل بالصاع) المد تقريباً الموجود الآن قرابة ثلاث كيلو ثلاث كيلو تكفي في الوضوء (ويغتسل بصاع) لحديث أنس السابق وهو أربعة أمداد وإن زاد جاز وهو ما يقارب اللترين وأربع وخمسين غراماً والصحيح من المذهب أن الصاع هنا خمسة أرطال وثلث رطل كصاع في الفطرة، (فإن أسبغ بأقل) يعني من المد أو الصاع أجزأ أو لا؟ أجزأ لأن المراد هنا التحديد من باب الاستحباب بالاقتداء بالنبي ﷺ وأما إذا توضأ بأقل من مد وضوؤه صحيح ولو اغتسل بأقل من صاع غسله صحيح خلافاً للأحناف الأحناف قالوا إن توضأ بأقل من مد وضوؤه لا يصح وإن اغتسل بأقل من صاع غسله لا يصح لكون النبي ﷺ قد اعتمد على أقل ما يمكن أن يتوضأ به وهو المد في الوضوء حينئذٍ إذا توضأ بأقل من مد لا يكون أفضل من النبي ﷺ في المحافظة على الماء دل على أنه لم يتوضأ إذاً حصل قصور في الوضوء والصحيح أنه وضوؤه صحيح ولذلك قال (فإن أسبغ بأقل) مما ذكر في الوضوء أو الغسل أجزأه أو
стр. 181
أسبغ بأقل من الصاع في الغسل أجزأه لأن الله تعالى أمر بالغسل وقد أتى به صوبه في الإنصاف وغيره لغسل النبي ﷺ وعائشة من تور مثل الصاع أو دونه ورواه النسائي ورجاله ثقات ولفظ مسلم (من إناء واحد ثلاثة أمداد أو قريب منها) وعن عبدالله بن زيد (أن النبي ﷺ توضأ بثلثي مد) أقل من المد بثلثين قال الموفق وغيره [هو مذهب أكثر أهل العلم ولأنه أمر بالغسل وقد أتى به والقدر المجزئ من الماء ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء أو الغسل سواء كان مداً في الوضوء وصاعاً في الغسل أو أقل أو أكثر] (أو نوى بغسله الحدثين أجزأ) (أو نوى بغسله الحدثين) يعني الأصغر والأكبر (أجزأ) أجزأ عن ماذا؟ عنهما معاً فارتفع الحدثان الأصغر والأكبر مفهومه إن نوى الحدث الأكبر فقط أجزأ أو لا؟ لم يجزئ عن الحدث الأصغر (أو نوى بغسله الحدثين) أجزأه وهو المذهب مطلقاً وعنه رواية لا يجوز حتى يتوضأ إما قبل الغسل أو بعده إن توضأ قبل الغسل واضح أنه أتى بالوضوء الكامل بشرط أن لا يمس ذكره ثم يغتسل يعني يعمم بدنه بالغسل هذا واضح أنه جمع بين الطهارتين لكن إذا لم يتوضأ واغتسل عمم بدنه هذا محل نزاع بين أهل العلم المذهب لا لابد أن ينوي الغسلين معاً على الصفة السابقة (أو نوى بغسله الحدثين أجزأ) عن الحدثين لقوله (فاطهروا) وقوله (حتى تغتسلوا) فأمر الجنب بالتطهير ولم يأمره معه بوضوء نعم المذهب أنه إذا اغتسل ولم يتوضأ سابقاً ونوى بالغسل الحدثين أجزأ المذهب أنه إذا نوى بغسله الحدثين ولم يتوضأ أجزأ أما إذا توضأ هذا واضح أنه توضأ لكن الكلام في ماذا؟ إذا نوى بغسله الحدثين أجزأه بشرط أن توجد نية رفع الحدث الأصغر والأكبر فإن نوى الحدث الأكبر دون الأصغر لا يجزئه عن الأصغر في المذهب والصحيح أنه يجزئ كما مر معنا فيما سبق وقال ﵊ (أما أن فأفرغ على رأسي ثلاثاً) رواه مسلم وظاهره الاجتزاء بغير وضوء لشمول الحدث لهما ولأنهما عبادة فتداخلتا في الفعل وهذا واضح بين فإذا لم يتوضأ وعم جميع بدنه فقال ابن عبدالبر وغيره [قد أدى ما عليه لقوله (وإن كنتم جنباً فاطهروا) وهو إجماع لا خلاف فيه] بمعنى أنه إجماع عن السلف والخلاف هذا متأخر إذاً (أو نوى بغسله الحدثين أجزأ) عن الحدثين وهذا واضح بين والصحيح أنه مجزئ أو نوى بغسله الحدث الأكبر فقط فلا يجزئه إلا عن الحدث الأكبر على المذهب ويتعين عليه الوضوء والصحيح أنه يجزئه عن الحدث الأصغر فلا يحتاج إلى أن يتوضأ مرة أخرى لقوله (وإن كنتم جنباً فاطهروا) لم يوجب عليه إلا التطهير مع كونه قائماً إلى الصلاة، (ويسن لجنب غسل فرجه والوضوء لأكل ونوم) (ويسن لجنب) ولو أنثى وحائض ونفساء انقطع دمهما (غسل فرجه) يعني الفرج لماذا؟ لإزالت الأذى لفعل النبي ﷺ (والوضوء لأكل) وشرب لقول عائشة رضي الله تعالى عنها (رخص رسول الله ﷺ للجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب أن يتوضأ) زيادة يشرب هذه فيه شيء من النظر (أن يأكل ويشرب أن يتوضأ وضوؤه للصلاة) رواه أحمد بإسناد صحيح ولفظ أحمد (إذا كان جنباً فأراد أن يأكل وينام توضأ) رواه مسلم ولأحمد وأبي داود والترمذي وصححه من حديث عمار
стр. 182
(رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوؤه للصلاة) الثابت الأكل والنوم، فالوضوء عند إرادة الأكل والشرب ثابت من حديث عائشة وغيرها ولذلك قال (ونوم) لقول عائشة (كان رسول الله ﷺ (كان) تدل على ماذا؟ على الاستمرار هي صيغة عموم (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوؤه للصلاة) (لا ينام حتى يغسل فرجه من أجل إزالت الأذى ويتوضأ وضوؤه للصلاة) متفق عليه وأما حديث عائشة (كان رسول الله ﷺ وهو جنب ولا يمس ماء) هذا ضعيف ولا يثبت والمعتمد هو حديث الصحيحين أنه كان لا ينام إلا إذا توضأ وضوؤه للصلاة ولذلك ذهب ابن حزم أنه يجب (لأنه سئل النبي ﷺ هل يأخذ أحد وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ) (ومعاودة وطء) يعني يسن أيضاً غسل فرجه وضوؤه لمعاودة العَود بفتح العين أي إلى إتيانها أيضاً يعني إذا أراد أن يعود الكرة مرة أخرى لحديث (إذا أتى أحد أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوء) رواه مسلم وغيره وزاد الحاكم (فإنه أنشط للعود) والغسل أفضل حينئذٍ قال (فليتوضأ) هذا وجوب لو قال قائل الصيغة هنا أمر نحتاج إلى صارف نقول التعليل الذي ثبت من رواية الحاكم (فإنه أنشط للعود) هل العود واجب؟ لا ليس بواجب إذاً الوضوء له ليس بواجب هذا التعليل هذه القرينة تعتبر صارفة للوجوب من ظاهره إلى الاستحباب (فليتوضأ) استحباباً ليس وجوباً فإن قيل ما القرينة الصارفة والصيغة صيغة أمر؟ تقول (فإنه) تعليل هذا الفاء لتعليل (فإنه) أي الوضوء (أنشط للعود) يعني يعينه على المرة الثانية إذاً هذه ثلاثة مسائل يسن فيها الوضوء الأكل التي ذكرها المصنف ولنوم ومعاودة وطء يعني الجماع
والله أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 183
عناصر الدرس
* باب التيمم، وشرح الترجمة، والحكمة من التبويب.
* قوله: "وهو بدل طهارة الماء".
* يُشترط لإباحة التيمم شرطان.
* قوله: "أو أبيحت نافلة"، والصحيح في المسألة.
* قوله: "أو زاد على ثمنه كثيرًا، أو ثمن يعجزه".
* قوله: "أو خاف باستعماله أو طلبه ضرر بدنه، أو رفقيه، أو حرمته"، أو ماله".
* قوله: "ومن جُرح تيمم له، وغسل الباقي".
* حكم من نسى قدرته على استعمال الماء وتيمم وصلى.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
قال المصنف رحمه الله تعالى (باب التيمم) أي هذا باب بيان حقيقة التيمم وما يتعلق به من بيان شروطه وفرائضه وكذلك السنن والمبطلات إذ هو له من حيث الحكم ما للوضوء لأنه بدل عنه، لما ذكر الطهارة بالماء وهي الأصل كما سبق تقريره وكان الإنسان لا يجد هذا الماء أو يجده لكن لا يقدر على استعماله أعقبه بالتيمم ولذلك ذكرنا فيما سبق أن الطهارة على قسمين طهارة صغرى وطهارة كبرى والأصل في الطهارة الصغرى والكبرى هو استعمال الماء الماء الطهور حينئذٍ إذا لم يوجد الماء ينوب عنه التراب وما في حكمه لأنه بدل منه وخلف عنه والخلاف يتبع الأصل والتيمم مشروع بالكتاب والسنة والإجماع المعنى أنه قد يجب وقد يستحب والدليل فيه الكتاب والسنة والإجماع وأما الكتاب فقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) هذه الآية وهي في سورة المائدة من آخر ما نزل تدل على أنه إذا لم يجد الشخص أو المكلف الماء استعمال الطهارة الصغرى أو الكبرى حينئذٍ يعدل إلى التيمم كما قال تعالى (فتيمموا) (فلم تجدوا ماء) وماء هذا نكرة في سياق النفي فتعم قل أو كثر (فتيمموا صعيداً طيباً) ثم بين صفة التيمم قال (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) والسنة في ذلك مشهورة كما في حديث عمار وغيره مما يأتي في ثنايا شرح الباب وحكى الإجماع في ذلك غير واحد من أهل العلم وهو فضيلة لهذه الأمة ورخصة وقيل عزيمة لعدم الماء رخصة للعذر، التيمم في اللغة القصد وإن شئت قل مطلق القصد يعني لا يتعين بقصد شيء معين فقصد التراب هذا قصد وقصد مكة لأداء المناسك هذا قصد وقصد الصلاة كذلك هذا قصد ولذلك سبق معنا أن النية هي القصد في اللغة النية في اللغة هي القصد قصد ماذا؟ مطلق القصد قد يقصد الصلاة قد يقصد الصيام قد يقصد الزكاة ونحو ذلك من المسائل إذاً هو في اللغة القصد أي مطلق القصد فيقال يممه تيمماً قصده قال ابن السكيت [(فتيمموا صعيداً طيباً) أي اقصدوا الصعيد الطيب] الصعيد المراد به ما كان على وجه الأرض والطيب والمراد به الطاهر، وأما التيمم في الشرع إذا أطلق أنه ينصرف إليه فهو [مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص] [مسح الوجه] إذاً ليس عندنا غسل لأنه أخذ تراب ثم بعد ذلك يمسح به الركنين وهما الوجه واليدين [الوجه] يعني معظم الوجه كما سيأتي في محله [واليدين] هنا أطلق اليدين والمراد بهما إلى الكوعين يعني الكفين وليس المراد من أطراف الأصابع إلى المرفقين وإن كان هذا إطلاق في الوضوء لكنه في هذا الموضع لا يكون كذلك إذاً [مسح الوجه واليدين] أي الكفين ولو قال وكفيه لكان أولى من باب التنصيص مسح الوجه بماذا؟ قال [بصعيد] الصعيد هو كل ما كان على وجه الأرض ولا يختص بالتراب على الصحيح كالرمل وما كان على الشجر وما كان على الجدار مثلاً إذا كان عليه غبار أو نحو ذلك فكل ما كان على وجه الأرض سواء كان متصلاً أو منفصلاً فهو داخل في الصعيد [بصعيد] هذا متعلق بقوله [مسح] [على وجه مخصوص] وهو الصفة التي سيأتي بيانها في
стр. 184
موضعها على وجه مخصوص أطلق المصنف هنا من حيث الشخص هل كل شخص يجوز له أن يتمم؟ الجواب لا؛ حينئذٍ نحتاج إلى ﴿من شخص مخصوص﴾ وهو عادم الماء حقيقة أو حكماً لأن التيمم لا يشرع لكل أحد وإنما إذا عدم الماء أو عنده الماء لكنه عجز عن استعماله حينئذٍ يكون عادماً للماء لكنه حكماً لا حقيقة إذاً [على وجه مخصوص من شخص مخصوص] وهو عادم الماء حساً أو حكماً والتيمم مختص بالوجه واليدين سواء تيمم عن الحدث الأصغر أو عن الحدث الأكبر عن كل الأعضاء أو بعضها ولذلك أطلق المصنف هنا [مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص من شخص المخصوص] يمسح لأي شيء عن رفع الحدث الأصغر أو رفع الحدث الأكبر إن قلنا بأن التيمم رافع أو رفع المنع المترتب على الحدث الأصغر أو رفع المنع المترتب على الحدث الأكبر سواء كان هذا التيمم عن كل الأعضاء أو عن بعضها لأن العادم للماء قد يعدم الماء ولم يجد أدنى ماء يغتسل به أو يتوضأ وقد يجد بعض الماء يكفي بعض طهر كما سيأتي حينئذٍ يستعمل هذا الماء وجوباً ثم بعد ذلك يتيمم عن الباقي هنا التيمم لم يكن عن كل الأعضاء وإنما كان عن بعضها إذاً التيمم قد يكون عن البدن كله أو كل الأعضاء الأربعة في الوضوء أو يكون عن بعضها كما إذا وجد بعض الماء واغتسل به بجزء من بدنه وانتهى الماء فوجد ماء لا يكفي كل طهره وإنما بعض طهره ماذا يصنع؟ كما سينص المصنف رحمه الله تعالى أنه يستعمل هذا الماء وجوباً ثم بعد ذلك يتيمم عن الباقي هنا التيمم عن كل الأعضاء أو عن بعضها؟ عن بعضها ولا شك، إذاً التيمم [مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص] وهو من خصائص هذا الأمة لم يجعله الله طهوراً لغيرها لذلك جاء في الصحيحين وغيرهما (أعطيت خمس لم يعطهن أحد قبلي - وذكر منها - وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأي ما رجل من أمة أدركته الصلاة فليصلي) وفي لفظ (فعنده مسجده وطهوره) وللترمذي وغيره وصححه (إن الصعيد الطيب طهور المسلم) هذه النصوص تدل على مشروعية التيمم وأنه خاص بهذه الأمة لأنه قال (أعطيت خمسة لم يعطهن أحد قبلي) يعني من الأنبياء كما جاء مصرحاً برواية أخرى حينئذٍ (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) هذا خاص بهذه الأمة وقال هنا المصنف [توسعت عليه وإحسان عليه وقال تعالى (فتيمموا صعيداً طيباً)] أي اقصدوا تراباً طاهراً وهو مذهب الشافعي وأحمد لحديث (وجعلت تربتها لنا طهوراً) قال ابن كثير [الصعيد هو كل ما صعد على وجه الأرض] فيدخل فيه التراب والرمل والحجر والنبات والشجر وما على الأرض سواء كان متصلاً بها أو منفصلاً وهذا مذهب مالك وأبي حنفية قال الزجاج وغيره [لا أعلم بين أهل العلم خلافاً في أن الصعيد هو وجه الأرض تراباً كان أو غيره] وقال الفراء وغيره [التراب] هذا مسألة مختلف فيها بين أهل العلم ما المراد بالصعيد الذي أجاز أو أمر الشارع بضربه ثم مسح الوجه واليدين هل خاص بالتراب فخرج الرمل والشجر والحجر أم أنه يعم كل ما على وجه الأرض فيشمل التراب وغيره؟ لاشك أن الصحيح هو الثاني، الصعيد في لسان العرب المراد به هو وجه الأرض وهنا أطلق حينئذٍ قوله (فتيمموا صعيداً) كل ما على وجه الأرض فهو داخل في هذا الحكم وأما رواية (وجعلت تربتها لنا
стр. 185
طهوراً) هذا لا يعتبر مقيداً؛ لماذا؟ لأنه ذكر بعض أفراد العام (صعيداً) إما أن يقال بأنه مطلق أو يقال بأنه عام فإن قيل عام أو مطلق فالتربة هذه فرد وتعليق الحكم على فرد من أفراد المطلق أو العام بحكم لا يخالف ما رتب على العام لا يعتبر مخصصاً وإنما ذكرت التربة لأنها الأكثر الرمال تكون في الصحراء وأما التربة فهذه تكون أكثر في مقدور المكلف ولذلك جاء التنصيص عليها إذاً (فتيمموا صعيداً) الصعيد المراد به على الصحيح كل ما على وجه الأرض وأما قول الفراء وغيره التراب هذا محل نظر ومن هنا اختلف أهل العلم لاختلاف أهل اللغة ما المراد بالصعيد لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالصعيد هو وجه الأرض قول الفراء هذا قول مرجوح، قال المصنف رحمه الله تعالى (وهو بدل طهارة الماء) هذا الأصل في التيمم (وهو) أي التيمم (بدل) أي عوض وليس أصلاً فرق بين الأصل وبين البدل الأصل هو الطهارة المائية بأن يستعمل الماء في أعضائه الأربعة إذا أراد وضوء أو في بدنه كله إذا أراد غسلاً إن لم يجد هذا حساً أو حكماً انتقل إلى التراب أو إلى الصعيد حينئذٍ نقول انتقاله لا يكون إلا عند عدم الماء حقيقة أو حكماً وهذا هو حقيقة البدل بمعنى أنه لا يستعمل هذا الصعيد إلا إذا فقد الماء حقيقة أو حكماً (وهو بدل) أي عوض (طهارة الماء) يعني ليس أصلاً بل هو بدل عن طهارة الماء في الوضوء أو في الغسل أو غسل نجاسة على بدن كما هو المذهب، لكل ما يفعل بها عند العجز عنه شرعاً يعني ما الذي يفعل بطهارة الماء؟ يتوضأ لأي شيء؟ لكل ما اشترط له الطهارة كل ما اشترط له الطهارة حينئذٍ يكون التيمم يكون بدل عن الوضوء أو الغسل في هذه، فإذا أراد الصلاة مثلاً وعدم الماء نقول الطهارة هنا شرط في صحة الصلاة حينئذٍ إذا لم يجد الماء جاء البدل وهو التيمم كذلك مس المصحف لا يصح إلا بطهارة من الحدثين إذا لم يجد الماء حينئذٍ عدل إلى التيمم كذلك الطواف وكل ما اشترط له الطهارة، (وهو بدل طهارة الماء) لأن مرتب أو مترتب عليها يجب فعله عند عدم الماء ولا يجوز مع وجوده إلا لعذر كعجز ونحوه وهذا شأن البدل، وهنا المصنف قد يتجه عليه النقض وهو أنه قال (بدل طهارة الماء) ومعلوم طهارة الماء هناك أنها تكون عن حدث وعن خبث أليس كذلك؟ تكون عن حدث وعن خبث؟ وطهارة الحدث قلنا هذه كبرى صغرى؛ وعن خبث والمراد هنا التيمم بدل الوضوء والغسل حينئذٍ يشترط في طهارة الخبث أن لا تكون على الأرض البقعة التي يصلى عليها ولا على الثوب ولا على البدن ولذلك كما سيأتي في شروط الصلاة صحت الصلاة اجتناب النجاسات اجتنابها أين؟ في البدن وفي الثوب وفي البقعة، التيمم بدل عن طهارة الماء الكبرى والصغرى وهذا محل وفاق، والوضوء مجمع عليه السلف والخلف، الغسل هذا وقع فيه نزاع متقدم ثم استقر الإجماع على أنه يجوز أن يتيمم عن الحدث الأكبر، إذاً طهارة الحدث بنوعيها يتيمم عنها بقي ماذا؟ طهارة الخبث والخبث إما أن يكون على الأرض بقعة أو على البدن أو على الثوب جمهور أهل العلم على أن التيمم لا يكون بدلاً عن طهارة الخبث أبداً وإنما يكون بدل عن طهارة الحدث فحسب المذهب عندهم تفصيل وهو أن التيمم يكون بدلاً عن طهارة الخبث إذا
стр. 186
كانت على البدن فقط وأما على الأرض أو على الثوب فلا، أليس كذلك؟ حينئذٍ قوله (بدل طهارة الماء) وأطلق دخل فيه طهارة الخبث عن البدن طهارة الخبث عن البقعة طهارة الخبث عن الثوب، وهذا فيه أطلاق نقيده بما ذكرنا، ومراد المصنف أنه بدل عن طهارة الحدث الأصغر والأكبر وفي نجاسة البدن فقط أما نجاسة الثوب ونجاسة البقعة فليست داخلة وإن كان ظاهر كلام المصنف الإطلاق والصحيح أنه لا يتيمم عن نجاسة مطلقاً لعدم الدليل والقياس هنا فيه نظر، والمذهب يتيمم عن نجاسة على بدن لا على غيره كثوب وبقعة فلا يصح التيمم لها؛ إذ لا نص فيه ولا قياس يقتضيه، فنفوا التيمم عن طهارة خبث على الأرض ونفوا طهارة خبث على ثوب لعدم الدليل ونقول كذلك في التيمم عن طهارة خبث على البدن لا دليل عليه فيلحق به وهذا التفصيل ليس عليه دليل، إذاً التيمم (بدل طهارة الماء) أي التيمم بدل عن الطهارة بالماء لكل ما يفعل بطهارة الماء من الصلاة والطواف وسجود التلاوة وقراءة القرآن ونحو ذلك سجود التلاوة سبق أنه لا يشترط له الطهارة على الصحيح، عند العجز عن الماء لعدم أو مرض ونحوهما، وشرعاً أي بدلاً من جهة الشرع وإن لم يعجز عنه حساً بأن لم يكن موجوداً أصلاً من غير فرق بين الجنب وغيره، ويشترط له شرطان: أحدهما دخول الوقت، إذا قيل التيمم بدل طهارة الماء معلوم أن الماء يرفع الحدث أليس كذلك؟ الماء يرفع الحدث والحدث هو الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة وإذا قيل التيمم بدل عن طهارة الماء وطهارة الماء ترفع الحدث يلزم منه أن التيمم يرفع الحدث وقد قيل به على هذا التأصيل بأن التيمم يرفع الحدث والمذهب وهو الذي عليه أكثر الفقهاء وهو الصحيح أن التيمم لا يرفع الحدث؛ أولاً: لأنه طهارة ضرورة وإذا كان كذلك حينئذٍ يقتصر على الإقدام على الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة لأنه سبق أن عندنا شيئين أولاً الوصف وهو المعنى القائم بالبدن وما يترتب على الوصف ما هو الذي يترتب على الوصف؟ المنع ما فائدة التيمم يرفع المنع ولا يرفع الوصف لأن الذي هو محدث حينئذٍ نقول له يحرم عليك أن تصلي لماذا؟ لكونك محدثاً إذاً لكونك محدثاً هذا الحدث قام بالبدن والذي ترتب عليه حكم وهو حكم الحدث وهو المنع فإذا جاء التيمم رفع الحكم فقط وبقي الحدث على حاله يدل على ذلك ويؤكده ما ورد من قصة عبدالله بن عمرو بن العاص أنه في غزوة ذات السلاسل لما كان جنباً أصبح جنباً وخشي والماء موجود لكن خشي التلف فتيمم عن الجنابة فأنكر عليه أصحابه ثم صلى بهم على ما هو عليه بالتيمم ثم أخبروا النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ ﴿أصليت يا عمرو أو يا عبدالله بأصحابك وأنت جنب، فقال تذكرت قول الله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم)﴾ هنا أقره النبي ﷺ بأنه كان على جنابة مع كونه قد تيمم (أصليت بأصحابك وأنت جنب) (وأنت جنب) هذه جملة حال يعني وقت صلاتك وأنت متيمم كنت على جنابة دل هذا على ماذا؟ على أن التيمم رفع المنع فقط ولم يرفع الوصف لأنه قائم بالبدن حينئذٍ أقر النبي ﷺ إنكار أصحابه ثم أراد أن يستفسر من أو يتبين من عبدالله بن عمرو
стр. 187
بن العاص أو عمرو بن العاص حينئذٍ نقول كون النبي أقر الوصف مع كونه قد تيمم وهي تهمة موجهة إليه من أصحابه أنه صلى بهم على جنابة أقرهم النبي ﷺ فدل ذلك على أن التيمم لا يرفع الحدث ثم من يقول أن يرفع الحدث بإجماع أهل العلم أنه إذا تيمم عن جنابة فإذا وجد الماء وجب عليه أن يغتسل؛ يغتسل لأي شيء؟ سؤال لكم يغتسل لأي شيء؟ جنابة ما سببها؟ السبب الأول الذي قبل التيمم هو هو لو كان الذي ترتب على السبب السابق قبل التيمم رفع الحدث حينئذٍ نقول لما رجع فنحتاج إلى سبب جديد لكن كون التيمم رفع المنع وأبقى الوصف كما هو لما وجد الماء وجب أن يمسه بشرته كما جاء في النص ولذلك قال (فليتق الله وليمسه بشرته) وجاء (وإن لم يجد الماء عشر سنين) حينئذٍ نقول هذا النص دل على أن رفع المنع هو الذي يترتب على الحدث وأما الحدث باقي ولو تيمم لأنه يعتبر ماذا؟ يعتبر طهارة ضرورة وكونه بدل طهارة الماء نقول هذا من قبيل التشبيه يعني هذا قاعدة قعدها أهل العلم قالوا بدل طهارة الماء الشارع ما قال بدل طهارة الماء وإنما قال (فإن لم تجدوا ماء فتيمموا) ثم له أحكام تخص به لكن كونه بدل طهارة الماء والبدل يأخذ حكم المبدل منه هذه قاعدة نحوية وأخذها بعض الفقهاء وعممها هنا نقول الشارع لم يقل أن التيمم بدل طهارة الماء هذا أولاً هذا التعبير فيه شيء من النظر إذا أنبنى عليه هذه التفريعات ثانياً لو قيل أنه بدل لا يلزم منه المساواة مع المبدل منه من كل وجهة بدليل ماذا؟ إقرار منهم أنهم قالوا يرفع الحدث وإذا وجد الماء وجب أن يغتسل إذاً لو كان بدل الماء من كل وجه لما وجب أن يغتسل بعد أن تيمم إذ لو كان التيمم رافع للحدث لما رجع وهذا شيء أشبه ما يكون بأمر عقلي كون التيمم يرفع الحدث ولذلك استشكله بعض؛ أظنه الشيخ الأمين رحمه الله تعالى في الأضواء استشكل أن يكون التيمم رافع للحدث رفع مؤقت لأنك تصف الشخص بماذا؟ أنه قد تطهر وإذا تطهر حينئذٍ ارتفع حدث فإذا تيمم وصلى تقول حدثه مرتفع وإذا وجد الماء الآن محدث هذا تناقض لماذا محدث الآن؟ قال لأنه لما وجد الماء رجع الحدث؛ كيف رجع الحدث بغير سببه الحدث مرتب على أسباب إما موجبة للحدث الأصغر أو موجبة للحدث الأكبر فإذا قيل ارتفع قل ارتفع مطلقاً لكن جاءت النصوص تدل على أنه لابد أن يغتسل هذا يدل على أنه لم يرتفع على كل قوله (بدل طهارة الماء) لا يستلزم أن يكون التيمم رافع للحدث ثم هذه القاعدة قعدها الفقهاء أنه بدل يعني هذا التعبير لم يأتي به الشرع وإذا قيل كونه بدل فيلزم من البدل أن يكون مساوي للمبدل منه قل هذا التعبير لم يأتي عن الشرع أنت الذي عبرة بالبدلية وأنت الذي طبقت قاعدة النحاة ثم لو سلم بهذا التعبير ولا بأس أن يسلم به نقول لا يلزم للبدل أن يكون مساوي للمبدل منه من كل وجه كالتشبيه تقول زيد كالقمر هذا تشبيه هل يلزم أن يكون المشبه مساوي للمشبه به من كل وجه وإنما في شيء معين، هنا كونه يقدم على الصلاة بطهارة تيمم تراب ونحوه كما أنه يقدم على الصلاة بطهارة الماء هذا المراد كما أنك تفعل الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة كذلك تفعل بالتيمم مما يشترط له الطهارة هذا المراد بالشرط
стр. 188
وأما الأحكام المترتبة أكثرها كما سيأتي أكثرها على هذا الأصل نقول مرجوحة، إذاً يشترط له شرطان: أحدهما: دخول الوقت ولذلك قال (إذا دخل وقت وفريضة أو أبيحت نافلة وعدم ماء أو زاد على ثمنه كثيراً أو ثمن يعجزه أو خاف باستعماله أو طلبه ضرر بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه شرع التيمم) هذان شرطان، الأول (إذا دخل وقت فريضة) (إذا) هذه شرطية والشرط له مفهوم مخالفة بمعنى أنه إذا لم يدخل وقت الفريضة لا يشرع التيمم وهل هذا المفهوم مراد هنا؟ نقول نعم مراد عند المصنف مراد بأنه لا يجوز له التيمم لفريضة قبل دخول وقتها لماذا؟ لأنه طهارة ضرورة والضرورة تقدر بقدرها وعليه لا يجوز أن يتيمم قبل الوقت واستدلوا كذلك بقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) ثم قال (فلم تجدوا ماء فتيمموا) متى أباح وشرع الوضوء والتيمم؟ (إذا قمتم إلى الصلاة) ومتى يقوموا إلى الصلاة؟ إذا دخل وقتها إذاً إذا لم تقوموا إلى الصلاة فلا تتوضئوا ولا تتيمموا جاء أن النبي ﷺ في يوم الفتح توضأ مرة واحدة وصلى بذلك الوضوء خمس صلوات إذاً استثني الوضوء - حينئذٍ - بقي التيمم على حاله فلا يشرع له أن يتيمم قبل دخول الوقت ألبته لهذين الدليلين كونه لم يرد الناقل أو الناسخ مع وجود دلالة آية المائدة ثانياً لكونه طاهرة ضرورة (إذا دخل وقت فريضة) فلا يجوز لفرض قبل وقته هذا الصحيح من المذهب مطلقاً هذا الصحيح لأنها طهارة ضرورة فلم تجز قبل الوقت كطهارة المستحاضة وطهارة الضرورة تقيد بالوقت ولأنه قبل الوقت مستغنى عنه فأشبه التيمم بلا عذر (أو أبيحت نافلة) (أو) هذا تنويع (أبيحت) يعني صار فعلها مباحاً بعد أن كانت محرمة كأن يكون في وقت نهي (أو أبيحت) أي صار فعلها مباحاً (نافلة) النفل والنافلة هذا مقابل للفريضة بأن لا يكون وقت نهي عن فعلها لأنه ليس وقت له وعلم منه أنه يصح التيمم لركعتي فجر بعده ولركعتي طواف كل وقت لا قبله بمعنى أنه إذا كان في وقت نهي - وحينئذٍ - تحرم النوافل إلا ما استثني هل لو تيمم لتحية مسجد في وقت نهي يصح له التيمم أو لا؟ على المذهب لا؛ لماذا؟ لأن هذا الصلاة غير مباحة وإذا كانت غير مباحة - حينئذٍ - لا يشرع لها التيمم وإنما يتيمم متى؟ إذا أبيح له فعل هذه الصلاة فإذا كان ثَمَّ وقت نهي كدلوك شمس مثلاً أو بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أو بعد العصر إلى غروب الشمس هذه أوقات ثلاث على جهة الإجمال يحرم فيها الصلاة ولا نقول يكره على المشهور عند الفقهاء الصحيح التحريم يحرم فيها فعل الصلاة إلا ما استثني إلا بدليل شرعي صحيح كركعتي الفجر بعد صلاة الفجر هذا جاء فيه النص - حينئذٍ - يستثنى هذا فلو تيمم بعد صلاة الفجر لركعتي الفجر جاز أو لا؟ جاز له؛ لماذا؟ لأنه يباح له بدليل، لو تيمم لركعتي تحية المسجد بعد صلاة الفجر لا يصح؛ لماذا؟ لأن هذه الصلاة محرمة في هذا الوقت فلو دخل المسجد في وقت نهي على الصحيح لا يجوز له أن يصلي لأن هذا الوقت وقت نهي والنهي هنا للتحريم على صحيح - حينئذٍ - هاتان الركعتان سنة فإذا كانت سنة - حينئذٍ - لا يرتكب النهي من أجل تحصيل السنة فيجلس ولا
стр. 189
يصلي ولو تيمم على المذهب لا يصح لأنه فعل شيء منهي عنه وهو كذلك، كذلك بعد العصر لو فعل صلاة غير مشروعة كما إذا أراد أن يتنفل نفلاً مطلقاً هذا يكاد أن يكون محل وفاق بين أهل العلم أنه يحرم عليه ثانياً أن صلاته باطلة لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ثلاثاً أنه لا يشرع له التيمم لأن التيمم إنما يشرع لعبادة صحيحة جاء بها الشرع وما لم يرد به الشرع فلا يشرع له واضح هذا ولذلك قال (أبيحت نافلة) كيف تباح النافلة؟ إنما تباح إذا زال وخرج وقت النهي وأما الفرض مثلاً كالقضاء والإعادة هذه في أوقات النهي بالإجماع فما أجمع عليه أهل العلم كفعل معادة أو قضاء أو إدراك جماعة ونحو ذلك ولو إعادة هذا مستثنى من النهي فالأصل القاعدة الذي نمشي عليه ويكون مطرداً هو أن النهي بعد في هذه الأوقات الثلاث على جهة الإجمال للتحريم ثانياً فعل العبادة في هذا الوقت تكون العبادة باطلة للقاعدة العامة النهي يقتضي فساد المنهي عنه الثانية ثالثاً لا يصحح من العبادات إلا ما جاء الدليل بتصحيحه فثَمَّ قاعدة وثَمَّ مستثنيات هذه لا بأس به أن يكون عندنا قاعدة عامة ويكون ثَمَّ مستثنيات وأما ما عداه فيبقى على الأصل وهو عموم النهي، (أو أبيحت نافلة) بأن لا يكون وقت نهي عن فعلها فلا يصح، (وعدم الماء) أما هذا الشرط الصواب أنه لا يشترط دخول الوقت لعدم الدليل لأنه مفرع على قاعدة وهي أن طهارة التيمم طهارة ضرورة فتقدر بقدرها قالوا إذاً لا يتيمم قبل دخول الوقت في الفرض هذا الكلام في الفرض - حينئذٍ - نقول لو تيمم قبل الظهر وعلم يقيناً أنه لن يجد الماء فتيممه على المذهب باطل ولا يصح إذا دخل الوقت لزمه أن يعيد التيمم والصحيح أنه لا يلزمه لعدم الدليل والصحيح لا يلزمه وإنما يرتبط بوجود الماء إن تيقن عدم وجود الماء أو غلب على ظنه تيمم ولو قبل دخول الوقت وأما تقيده بكون الوقت لم يجب ولم تجب عليه الصلاة نقول هذا تقيد لمطلق ونحتاج إلى دليل ولا دليل وأما أبيحت نافلة هذه على القاعدة العامة ليس مرتبط بالقاعدة التي ذكرها المصنف أو غيره من أرباب المذهب أنها طهارة ضرورة فتقدر بقدرها بل الصواب نقول أنه لو توضأ وصلى تحية المسجد في وقت النهي صلاته باطلة ولو تنفل نفلاً مطلقاً في أوقات النهي ولو توضأ واغتسل وتتطيب ولبس أجمل الثياب وصلى صلاته باطلة؛ لماذا؟ لأنه ارتكب منهي عنه أما استثنى ذوات الأسباب ونحوها هذا ما بقي شيء كل صلاة لها سبب سواء كان السبب من جهة حاجة المكلف أو ما رتب على الشارع فإذا قيد الحكم بذوات الأسباب نقول خرج النهي عن أصله بأنه لم تبقى صلاة إلا ولها سبب لأنه قد يقول إنسان أن أشعر بضعف وأريد أن أتنفل هذا سبب منعه يحتاج إلى دليل مادام أنك جعلت المسألة معلقة بذوات الأسباب نقول ذوات الأسباب ما هي إن أردت ما جاء بها الشارع فنحن استثنينا الذي نص عليه الشارع صلاة ركعتي الفجر ونحوها أما ذوات الأسباب غير ما نص عليه الشرع نقول هذا أشبه ما يكون بعلة عامة - حينئذٍ - الذي يدخل المسجد دخوله سبب والذي يضعف إيمانه ويريد أن يجدد ويريد أن يقوي إيمانه كذلك سبب بل هو آكد من دخول المسجد، إذاً هذا الشرط الأول وهو إذا دخل دخول وقت الفريضة
стр. 190
والصواب أنه لا يشترط، الشرط الثاني: تعذر الماء يعني العجز عن استعمال الماء لقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (فتيمموا) (فلم تجدوا ماء) - حينئذٍ - رتب التيمم عند عدم وجود الماء وعدم وجود الماء على نوعين إما أن يكون حسياً وإما أن يكون حكمياً؛ حسي بأن لا يوجد عنده شيء من الماء فقد الماء بالحس والحكمي بأن يوجد الماء بين يديه ولو كان على شاطئ بحر لكنه يكون بينه وبين استعمال الماء مانع كمرض أو خوف ونحو ذلك، قال (وعدم الماء) يعني عجز أو تعذر الماء بأن لا يوجد لا في بيته ولا في رحله ولا في قرب منه ولا نحو ذلك مما سيأتي التنصيص عليه قال الشارح [حضراً كان أو سفراً] بمعنى أن عدم الماء قد يكون حضراً أما في السفر فأمره واضح بل جاء النص الآية فيه (وإن كنتم مرضى أو على سفر ولم تجدوا ماء فتيمموا) فالسفر يكاد يكون مجمعاً عليه السفر المباح وأما الحضر بأن لا يوجد الماء في الحضر فهذه مسألة مختلف فيها وجماهير أهل العلم على أنه له أن يتيمم وهذا هو الصحيح ولذلك نص الشارح هنا على إدخالها في المسألة وعدم الماء حضراً كان أو سفراً وساء كان العادم مطلقاً أو محبوساً وهو الصحيح وهو المذهب ويتصور عدم الماء في الحضر بحبس للمتيمم عن الخروج لطلب الماء مسجون في غرفة وترك يوم كاملاً ولا يوجد عنده ماء يمكن أو لا - حينئذٍ - إذا حبس قبل صلاة الفجر وبقي إلى العشاء وليس عنده ماء ماذا يصنع هل يترك الصلاة أم يتيمم؟ يتيمم - حينئذٍ - هو في حضر وليس في سفر وعدم الماء إذاً هل يتصور عدم الماء في الحضر نقول نعم وإن كان على قلة إذاً يتصور عدم الماء في حضر في حبس للمتيمم عن الخروج لطلب الماء أو حبس للماء عن المتيمم بحيث لا يقدر عليه أو لا يجد غيره وعليه التيمم والصلاة وهذا قول مالك والشافعي رحمهم الله تعالى بخلاف أبي حنيفة فإنه منعه من التيمم؛ والدليل على أن الحضر يعدم الماء؟ قوله ﷺ (الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) فيدخل تحت عمومه قال (الصعيد الطيب طهور المسلم) (المسلم) هذا عام مسلماً سواء كان مسافراً أو كان حاضراً أين ما كان المسلم - حينئذٍ - شرع له التيمم هذا فيه عموم فيدخل تحت عمومه محل النزاع ولأنه عادم للماء فأشبه المسافر وأما التنصيص على قوله (وإن كنتم مرضى أو على سفر) نقول هذا خرج مخرج الغالب - حينئذٍ - الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له الغريب أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى تمسك بهذا المفهوم مع أن المفهوم عنده ليس بحجة فقصر التيمم على السفر فحسب لماذا؟ لقوله (أو على سفر) والحضر قال لا يتيمم لماذا؟ لأنه لم يدخل في النص وهذا إنما يكون بالمفهوم لأنه نص السفر إذاً الحضر لا يتيمم هذا مفهوم وهو كذلك لكن نقول هذا المفهوم غير معتبر، إذاً (وعدم الماء أو زاد على ثمنه كثيراً) هذا العجز الحكمي ليس الحسي عدم الماء يعني فقد الماء حضراً كان أو سفراً بحث يمنه ويسره في رحله في بيته في قربه هنا وجد الماء لكن منعه من استعماله مانع وهذه الموانع تختلف من بلد إلى بلد وتختلف من زمن إلى زمن تختلف من شخص إلى شخص المراد متى ما قدر في نفسه وغلب على ظنه عدم استعمال الماء صار عاجزاً
стр. 191
عنه يعني لا يشترط في مثل هذه المسائل هذه فقط من أجل أن نصل إلى قاعد عامة وهي أنه من وجد في نفسه عدم القدرة على استعمال فهو فاقد للماء حكماً لا حساً لأن هذه صور لا يمكن حصرها من هذه الصور التي يحكم عليه بكونه عاجزاً أو عادم للماء حكماً لا حساً إذا وجد الماء ولم يتمكن من أخذه إلا بثمن تدفع تأخذ الماء تتوضأ وتغتسل ما تدفع ليس لك شيء - حينئذٍ - هل هو متمكن من الماء؟ الجواب لا؛ لماذا؟ لأنه جعل في مقابل ثمن بيع وشراء - حينئذٍ - ينظر فيه إن كان الثمن ثمن مثله يعني لم يرفع السعر من أجل فقد الماء لم يزد - حينئذٍ - تعين عليه شراؤه عند الأئمة الأربعة مع وجود المال عندهم - حينئذٍ - تعين شراؤه عند الأئمة الأربعة؛ لماذا؟ لأن استعمال الماء واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب - حينئذٍ - استعمال الماء واجب ولا يمكن أن يصل إلى هذا الماء إلا بدفع ثمن وهو قادر والثمن هذا لا يعجزه بل هو ثمن مثله - حينئذٍ - يتعين عليه الشراء فيجب عليه كالسترة للصلاة مثلاً صلاة العريان الأصل مع القدرة باطلة إذا لم يجد ما يستر به عورته إلا بشراء الثوب - حينئذٍ - تعين عليه شراء الثوب كذلك الماء إذا لم يجد الماء إلا أن يشتري الماء - حينئذٍ - تعين عليه شراء الماء لكن بشرط أن تكون ثمن مثله بمعنى أنه هذه تباع بريال تباع بريال عند الأزمة وعند الرخاء في الشدة والرخاء يعني الثمن لا يتغير يلزمه شراؤه ألبته، إذاً (أو زاد على ثمنه) مفهوم (أو زاد) إذا لم يزد لزمه لأنه يكون واجداً للماء وقادر عليه (أو زاد الماء على ثمنه) أي ثمن مثله في مكانه بأن لم يبذل إلا بزائد (كثيراً) مفهومه إن زاد على ثمنه يسيراً لزمه أو لا؟ لزمه لأنه لا يجحفه ليست فيه مضرة عليه (أو زاد على ثمنه كثيراً) يعني هذه بريال تباع بعشرة ريال هاه يلزمه أو لا يلزمه وهو ليس بقادر ليس بغني؟ - حينئذٍ - نقول لا يلزمه شراء الماء ويعدل إلى التيمم؛ لماذا؟ لأنه يعتبر فاقداً للماء أو عادماً للماء حكماً كأن الماء غير موجود والقواعد السابقة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لا تتحقق في مثله وإنما تتحقق إذا كان الثمن في مثله أو زاد عليه يسيراً، أو زاد كثيراً ويجحفه ما يستطيع إذا دفع العشرة ما تعشا - حينئذٍ - نقول هذه صارت مفاضلة بين أمرين فيقدم العشاء على شراء الماء ويتيمم (أو زاد على ثمنه كثيراً) ولا يجحفه غني لو كانت هذه بعشرين لا تأثر فيه يلزمه أو لا يلزمه؟ الصحيح أنه يلزمه قال الشافعي لا يلزمه لكن الصواب أنه يلزمه؛ لماذا؟ لأنه قادر عليه وإذا كان قادر عليه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وإنما يستثنى من ما كان الثمن عليه زائداً ويجحفه بمعنى أنه يضره فلو استعمل هذا الثمن في شراء الماء أو المال قد يتضرر به - حينئذٍ - نقول الشرعية سمحة فنعدل إلى التيمم إذاً (أو زاد على ثمنه كثيراً) عادة أي كثيراً عما جرت العادة به في شراء المسافر له في تلك البقعة أو مثلها تيمم على الصحيح متى وجد ماء بثمن مثله في موضعه لزمه شراؤه وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأما إذا وجد ماء بثمن يسير كذلك يلزمه على الصحيح وإذا وجد ماء بثمن كثيراً لا يجحفه كذلك يلزمه على الصحيح فالصور أربعة
стр. 192
والصورة التي ذكرها المصنف هي التي يسقط عنه الطهارة، (أو بثمن يعجزه) العجز في كلام العرب أن لا يقدر على ما يريده (أو بثمن يعجزه) أو احتاج له (أو بثمن يعجزه) العجز في كلام العرب أن لا يقدر على ما يريده - حينئذٍ - يتيمم لأن العجز عن ثمن يبيح الانتقال إلى البدل يعني لا يوجد إلا بثمن ولا يكون معه شيء ألبته - حينئذٍ - هذا واضح أنه يعدل إلى التيمم وتيممه صحيح أو يكون زائداً فيكون داخلاً فيما سبق والظاهر أن هذه المسألة معطوفة على ما سبق من عطف العام على الخاص، (أو خاف باستعماله) يعني إذا استعمل الماء يخاف باستعمال على ما ذكره هنا (أو طلبه ضرر بدنه أو رفيقه أو حرمته) (أو خاف باستعماله) أي خوف ليس المراد المثال الذي ذكره المصنف أي خوف سواء خاف سبع أن يخرج إلى الماء أو امرأة خافت من رجال ونحوها فسقة أو مريض خاف من مرضه إما أن يزيد أو يتأخر برؤه على كل القاعدة متى ما شعر أن ثَمَّ حاجزاً بينه وبين الماء دخل في ذلك (أو خاف) إذاً إذا لم يخف لزمه استعماله على الصحيح (باستعماله) يعني باستعمال الماء خاف ماذا؟ ضرر في بدنه تيمم وفاقاً وحكاه ابن المنذر إجماعاً سواء خوف الضرر من قروح أو جراحات أو نحوها لقوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) ولحديث صاحب الشجة إن كان لا يصح أو لبرد شديد لحديث عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وليس المراد بخوف الضرر أن يخاف التلف يعني إن توضأ مات وإن تيمم - حينئذٍ - إن توضأ مات - حينئذٍ - نقول له خوف التلف يوجب لك الانتقال إلى التيمم وليس هذا المراد يعني لا يشترط في هذا الخوف إما أنه يؤدي إلى التلف أو لا بل يكون الخوف مراعاً هنا مراداً ولو لم تتلف أعضاؤه أو بدنه كله، (أو بطله) يعني إذا طلبه وهو واجب كما سيأتي خاف ماذا؟ (ضرر بدنه) كأن يكون بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص ونحوه - حينئذٍ - فهو كالعادم لأنه خاف لضرر باستعماله أو التلف فهو كالمريض أو خافت امرأة فساقاً - حينئذٍ - تتيمم امرأة في البيت انقطعت المياه عنها وليس عندها أحد هل يجب عليها أن تذهب وتشتري الماء؟ إن خافت فساقاً لا يحل لها الخروج لا نقول يجب نقول لا يحل لها الخروج ولذلك قال ابن تيمية في المرأة إن خافت فساقاً [يحرم خروجها إليه] فيتعين عليه التيمم، إذاً (ضرر بدنه أو رفيقه) قيده في الإنصاف المحترم احترازاً عن الحربي والمرتد والزاني المحصن (رفيقه) أي أو خاف باستعماله ضرر رفيقه المحترم من عطش ونحوه شرع له التيمم وفاقاً لأن حرمت الآدمي تقدم على الصلاة وهو كما لو خاف على نفسه لأن حرمت رفيقه كحرمة نفسه رفيقه يعني من معه ومن الرفقة إن اغتسل بهذا الماء عطش من معه - حينئذٍ - مراعاة لهذا الرفيق الذي يكون معه بشرط أن يكون محترماً - حينئذٍ - يتعين عليه التيمم ويعطي الماء لمن يشرب (أو حرمته) يعني زوجته أو امرأة من أقاربه كعمته وخالته قال المحشي [هنا في عبارته قصور فلو قال كما في المنتهى (وعطش نفسه أو غيره من آدمي أو بهيمة محترمين) لكان أولى وعبارة المقنع (أو رفيقه أو بهيمته) قال في المبدع (وكذا إن كانت لغيره) لأن في الروح حرمة وسقيها واجب وقصة البغي مشهورة قال ابن القيم (وأحلقت الأم من خاف
стр. 193
على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ بالعادة)] إذاً القاعدة عامة (أو ماله) كالبهيمة (بعطش) هذا متعلق بضرر (أو مرض أو هلاك أو نحوه) كشرود أو سرقة أو فوات مطلوبه كعدو خرج في طلبه آبق أو شارد يريد تحصيله لأن في فوته ضرر وهو منتفي شرعاً إذاً لهذه الأسباب وغيرها مما يكون فيه إما عادماً للماء حساً وهذا الذي عناه بقوله (أو عدم الماء) أو عادماً للماء حكماً وأورد أمثلة فقط ليس المراد الحصر أورد أمثلة - حينئذٍ - يكون الضابط في الحكم متى ما غلب على ظنه عدم استعمال الماء عدل إلى التيمم سواء كان بميل نفسه أو قول طبيب أو صاحب خبرة ونحو ذلك قال (شرع التيمم) أي وجب لما يجب الوضوء أو الغسل له وسن لما يسن له ذلك وهو جواب (إذا) من قوله (إذا دخل وقت فريضة) (إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة وعدم الماء أو زاد) (شرع التيمم) - حينئذٍ - صار مشروعاً إذا لم يكن فاقداً للماء حساً أو حكماً فلا يشرع التيمم وهو كذلك وهو محل وفاق بين أهل العلم، ومن كان مريضاً لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء فهو كالعادم والمرض هذا أشد ما يحتاجه الناس الآن لأنه لا سبيل له إلى الماء أشبه من وجده في بئر ليس له ما يستقي به منها يعني لو وقف على بئر وليس عنده دلو وليس عند ثمن يشتري به الدلو عدم الماء حقيقة أو حكماً؟ حكماً لأنه واجد للماء الماء مدرك بالبصر ولكن لا يستطيع وليس له قدرة إلى الوصول إليه لا نقول له خاطر إنزل وإنما نقول له سقط عنك الوضوء - حينئذٍ - يعدل إلى التيمم هذا المراد، وإن وجد من يناوله قبل خروج الوقت فهو كالواجد في الحال لأنه بمنزلة من يجد ما يستقي به في الوقت وإن خاف خروج الوقت قبل مجيئه فقيل له التيمم ولا إعادة عليه لأنه عادم في الوقت أشبه العادم مطلقاً إذاً المريض إن لم يجد من يناوله الماء حتى يخرج الوقت تيمم بمعنى أنه ينتقل إلى التيمم ولو وجد الماء قد يكون في بيته قد يكون في مستشفى ونحوه - حينئذٍ - نقول تفصيل فيه إن لم يجد من يناوله الماء يعطيه الماء ليتوضأ هو أو يوضئه حتى يخرج الوقت يعني غلب على ظنه بأن الوقت سيخرج ولم يأتي من يعطيه الماء - حينئذٍ - شرع له التيمم إذا غلب على ظنه سيأتي قبل خروج الوقت من يناوله الماء لا يشرع له التيمم؛ لماذا؟ لأنه ليس عادماً للماء لا يعتبر عادماً للماء لأن غلبة الظن هنا معتبرة تعتبر معتبرة- حينئذٍ - ينتظر حتى يخشى خروج الوقت فإن خشي خروج الوقت - حينئذٍ - شرع له التيمم وأما قبل ذلك فلا، ثم قال (ومن وجد ماء يكفي بعض طهره تيمم بعد استعماله) هذا على ما ذكرناه سابقاً عادم الماء قد يعدم الماء حقيقة أو حكماً في جميع بدنه إن كان غسلاً أو في بعض أعضائه إن كان غسلاً أو وضوء يجد بعض الماء لكنه لا يكفي كل طهارته ماذا يلزمه؟ هل هذا فاقد للماء بحيث يعدل إلى التيمم مباشرة أو أنه يلزمه استعمال الماء ثم بعد ذلك يكون عاجزاً؟ متى نصفه بالعجز وعدم الماء حساً أو حكماً مع وجود الماء أو يستعمل الماء ثم بعد ذلك نصفه؟ الصحيح ما ذهب إليه المصنف أن من وجد ماء يكفي بعض طهره لا كل طهره - حينئذٍ - نقول هذا واجد للماء ولا يصدق عليه قوله تعالى (فلم تجدوا ماء) لأن الذي لم يجد
стр. 194
الماء ماء نكرة في سياق النفي فتعم لا ماء لا قليلاً ولا كثيراً وهذا واجد للماء وهو قليل - حينئذٍ - نقول له ماذا؟ استعمل هذا الماء في شيء من الطهارة إن كان وضوء تمضمض به واستنشق واغسل وجهك فإن انتهى - حينئذٍ - تتيمم للباقي ولا تتيمم عن كل الأعضاء وإنما تتيمم للباقي؛ لماذا؟ لأنه مع وجود الماء لا يصدق عليك قوله تعالى (فلم تجدوا ماء) بل أنت واجد للماء ووجه الاستدلال أن ماء هنا نكرة في سياق النفي فتعم يعني تعم القليل والكثير وهذا يعتبر واجد للماء - فحينئذٍ - لا يحل له التيمم قبل استعمال الماء (ومن وجد ماء يكفي) هذا الماء (بعض طهره) من حدث أكبر أو أصغر ماذا يصنع قال (تيمم) متى (بعد استعماله) مفهومه لا قبل استعماله؛ بعد يقابله قبل، إذاً (تيمم بعد استعماله) لا يتيمم قبل استعماله لأنه لو تيمم قبل استعماله ما صح تيممه لماذا؟ لأن هذه طهارة بدل عن الماء على ما ذكره المصنف؛ متى يكون بدلاً عن الماء؟ إذا فقد الماء حقيقة أو حكماً وهذا واجد للماء ولو وجد ما يكفي بعض طهره (تيمم بعد استعماله) ولا يتيمم قبله أي لا يتيمم قبل استعمال الماء في بعض طهره وجوباً قال في الإنصاف وغيره [وهو المذهب وعليه الجمهور] يعني هذا القول عليه جمهور أهل العلم لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) ولقوله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فدل على وجوب استعمال الماء الذي يكفي لبعض طهره ثم تجد على هذين الدليلين الدليل السابق وهو قوله تعالى (فلم تجدوا ماء) وماء نكرة في سياق النفي فتعم الماء القليل والماء الكثير وهذا لا يصدق عليه الحقيقة، (ومن جرح تيمم له وغسل الباقي) هذا نوع من المرض الذي يكون به شيء من الجروح أو القروح ولا يستطيع أن يغسل هذه الجروح - حينئذٍ - هذه الجروح إما أن تكون في كل البدن أفي كل الأعضاء الأربعة كمن يحترق ونحو ذلك - حينئذٍ - يعدل مباشرة إلى التيمم ولا إشكال فيه لكن لو وجدت هذه الجروح في بعض أعضاء الوضوء في يده مثلاً ماذا يصنع؟ يتيمم عن هذا الجرح وعلى الصحيح تيمم قبل الوضوء أو بعده لا يضر بمعنى أنه لا يشترط الترتيب هنا - حينئذٍ - نقول له أن يتوضأ وضوء كاملاً ويترك هذا الجرح إذا لم يستطع استعمال الماء مطلقاً أما إذا استطاع أن يستعمل ولو مسح عدل إلى المسح فإذا لم يستطع الغسل ولا المسح - حينئذٍ - يتوضأ وضوء كاملاً ثم إذا انتهى تيمم بعد طهارته أو له أن يقدم التيمم قبل ماذا؟ قبل الوضوء أو الغسل ثم بعد ذلك ثم بعد ذلك يتيمم هنا قال (ومن جرح) وتضرر بغسل الجَرح أو الجُرح أو مسحه بالماء لأن الأصل عندهم أنه يجب الغسل أولاً فإن لم يستطع وأمكنه المسح مسح لأن المسح في الجملة كما قالوا في الجملة مشروع ولذلك الرأس يمسح وكذلك العمامة والخمار على قولهم وكذلك المسح على الخفين ونحوها هذه كلها ممسوحات إذاً المسح في الجملة جاء به الشرع فإذا عجز عن الغسل عدل إلى المسح - حينئذٍ - إذا أمكنه أن يمسح الجرح مسح فإذا لم يمكن المسح عدل إلى التيمم ولذلك قال [(ومن جرح) وتضرر - لابد أن يتضرر - بغسل الجرح أو كان به قروح أو رمد ونحوها وهو جنب أو محدث (تيمم له وغسل الباقي) لقوله تعالى (ولا
стр. 195
تقتلوا أنفسكم) - هذه قاعدة عامة - وورد عن ابن عباس مرفوعاً لقوله (وإن كنتم مرضى أو على سفر) قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل تيمم] قال (تيمم له) يعني للجرح ولما يتضرر بغسله مما قرب منه يعني الجرح وما قرب منه لو أصابه الماء لأصاب الجرح الضرورة لآن تقدر بماذا؟ بالجرح نفسه لكن ما كان مجاوراً للجرح لو وصله الماء قد يتضرر الجرح - حينئذٍ - يتيمم عن شيئين عن الجرح للعجز وعن ما كان مجاوراً للجرح لأنه لا يمكن تفادي ذلك إلا بتفادي هذا الشيء - حينئذٍ - ما جاور الجرح أخذ حكمه فيكون ماذا؟ متيمماً عنه (وغسل الباقي) وهنا قال ماذا؟ (تيمم له وغسل الباقي) والصحيح أنه تيمم قبل الغسل أو غسل ثم تيمم الصحيح هو الذي ذكرناه فإن لم يتضرر بمسحه وجب وأجزأ على المذهب هنا قال [وإن كان جرحه في بعض أعضاء وضوئه لزمه إذا توضأ مراعاة الترتيب]- حينئذٍ - إذا كان الجرح في اليد قالوا يجب أن يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه ثم يتيمم عن يده ثم بعد ذلك يمسح رأسه ثم يغسل ثم رجله ولا يجوز له أن يقدم التيمم على الوضوء كله ولا يؤخره عن الوضوء كله؛ لماذا؟ لأنه يشترط عندهم الترتيب - حينئذٍ - يجب أن يكون وقت التيمم أو وضع التيمم ومكانه أن يكون في محل العضو لو كان مغسولاً لو كان مغسولاً متى يغسل يده؟ بعد وجهه وقبل مسح رأسه أليس كذلك؟ إذاً يتيمم عن اليدين مثلاً أو عن يده بعد غسل وجهه وقبل مسح رأسه فإن خالف فلا يصح وهذا ليس عليه دليل واضح، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى [لا يلزمه مراعاة الترتيب] وهو الصحيح من مذهب أحمد وقال [الفصل بين أعضاء الوضوء بالتيمم بدعة] لأنه ليس عليه دليل واختاره المجد وغيره وقال ابن الرازين [هو أصح] لأن التيمم طهارة مفردة مستقلة والوضوء طهارة مستقلة ولو كان بدلاً عنه هذه طهارة مستقلة وهذه طهارة مستقلة إدخال طهارة كاملة في ضمن طهارة مستقلة هذا ليس عليه دليل، ثم قال (ويجب طلب الماء في رحله وقربه وبدلالة) إذا علمنا أنه عدم الماء حقيقة هذا إنما يكون في عدم الماء أو انعدام الماء حقيقة؛ متى نحكم عليه أو يحكم هو على نفسه أنه عادم للماء؟ قال الله تعالى (فلم تجدوا) (تجدوا) قال جاء بهذه الصيغة ليدل على أنه لا يتحقق عدم وجدان الماء إلا إذا طلبه لابد أن يبحث ويتيقن عدم وجود الماء في بحث في كما قال هنا (في قربه) (ويجب طلب الماء في رحله) المراد بالرحل المتاع الذي يكون معه إذا كان مسافراً والرحل المتاع والمراد الجماعة وفي الحواشي حواشي الإقناع مسكنه - حينئذٍ - يجب أن يبحث عن الماء في رحله بأن يفتش في رحله وما يستصحبه من أثاثه ما يمكن أن يكون فيه كان أواني يوضع فيها (وقربه) يعني في قربه يعني المكان الذي يكون قريباً منه كما لو كان في صحراء ونحوه بحيث هل ثَمَّ ماء هل ثَمَّ بئر هل خلف هذا الجبل ماء ونحو ذلك لابد أن يبحث في قربه عرفاً بمعنى أنه لا يلزم أن يذهب المكان البعيد الذي يشق عليه وإنما ما تعارف عليه أنه قريب - حينئذٍ - نقول هذا باحث (وقربه) أي قرب رحله بأن ينظر خلفه وأمامه وعن يمينه وعن شماله والقريب ما عد في العرف قريباً لا ويتقيد
стр. 196
بميل ولا فرسخ كما عده بعضهم (وقربه) بأن ينظر خلفه وأمامه وعن يمينه وعن شماله إذا كانت أرضاً جاهلاً بها فإن كان إذا خبرة به يعلم أن هذه الأرض ليس فيها بئر وليس فيها ماء وليس فيها ينابيع ولا عيون ونحوها - حينئذٍ - عمل بهذه الخبرة ولا يحتاج إلى البحث، (وبدلالة) يعني إذا وجد من يدله ولو بمال لكن لا يزيد ثمن مثله لأنه لا يتحقق أنه عادم للماء إلا إذا بحث عنه في هذه الأماكن الثلاثة ويلزمه أيضاً طلبه (بدلالة) وهي لغة الإرشاد يعني بدلالة ثقة ولو بمال والثقة هو العدل الضابط إذا كان قريباً عرفاً على الصحيح ولم يخف فوت وقت ولو المختار أو على رفقة أو نفسه أو ماله - حينئذٍ - يجب عليه أن يبحث بمعنى أنه يدله دليل يذهب معه بشرط أن لا يخاف فوت رفقة بحيث لو ذهب مع هذا الدليل وهذا المرشد ضاعت عليه الرفقة إن خشي سقط عنه هذا البحث المراد هنا قاعدة ليس المراد هذه الأماكن الثلاث المراد أن يتحقق عدم وجود الماء والصحيح أنه لو غلب على ظنه أنه لا ماء جاز له أن يعدل إلى التيمم، ثم قال (فإن نسي قدرته عليه وتيمم أعاد) إذا كان عنده ماء وظن أنه ليس في رحله ماء أو ليس قربه ماء غلب على ظنه ليس وراء هذا الجبل ماء بئر مثلاً ثم تيمم بناء على هذا صح تيممه أو لا؟ صح تيممه إن تذكر أنه قد أخطأ في الظن أو وقع نسيان هل يلزمه إعادة التيمم أو لا؟ قال المصنف (فإن نسي) ومثله لو جهل (فإن نسي قدرته عليه) على الماء أو جهله بموضع يمكن استعماله (وتيمم) وصلى لم يجزئه على المذهب بل تلزمه الإعادة؛ لماذا؟ لأنه تحصيل شرط لصحة الصلاة ومعلوم أن الشروط لا يدخلها النسيان لا تسقط بالنسيان - حينئذٍ - كأن لم يتيمم كما لو كان عنده سترة في بيته ستر عورته وصلى عرياناً ثم تذكر أن عنده سترة هل تصح صلاته أم لا؟ سيأتينا لا؛ لماذا؟ لأنه لا يعتبر فاقداً أو عادم للسترة بل نسيانه لا أثر له من حيث إعادة الصلاة أو نحوها وإنما النسيان له أثر في رفع الإثم فحسب ولذلك قوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (ربنا لا تؤاخذنا) هنا الدعاء متعلق بماذا؟ في عدم المؤاخذة لا في عدم المطالبة بالإعادة ونحوها واضح هذا فالنسيان أثره في رفع الإثم وأما في الفعل هذا لا يسقط إلا إذا دل دليل على إسقاطه (ونسي قدرته عليه) يعني يعلم أن حوله بئر لكنه نسي تيمم وصلى لم يجزئه على المذهب (أعاد) هذا المذهب وعنه يجزئ رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يجزئ (أعاد) قال المصنف (أعاد) لأن الطهارة تجب مع العلم والذكر فلا تسقط بالنسيان والجهل ولأنه تحصيل شرط فلا يسقط بالنسيان كمن نسي الرقبة وكفر بالصيام، ثم قال (وإن نوى بتيممه أحداثاً) إلى آخره يأتينا في محله
والله أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 197
عناصر الدرس
* قوله: "وإن نوى بتيممه أحداثًا".
* صفة التراب المشترط للتيمم.
* هل يصح أن يتيمم عن نجاسة على البدن، والبقعة؟
* قوله: "وتجب النية لما يتيمم له من حدث وغيره".
* مسائل في النية فيما يتعلق بالتيمم.
* مبطلات التيمم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
شرعنا في باب التيمم ذكرنا ما يتعلق به من مسائل أولية من حيث الحد والشرط فهو تحقيق شرطين التيمم وهما دخول الوقت كذلك عدم الماء لابد من تحقيق هذين الشرطين، وتوقفنا عند قول المصنف رحمه الله تعالى (وإن نوى بتيممه أحداثاً أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها أو خاف برد أو حبس في مصر فتيمم أو عدم الماء والتراب صلى ولم يعد) هذا ما يتعلق ببعض المسائل التي يشرع فيها التيمم على جهة التفصيل ثَمَّ مسائل مشهورات يحتاجها من أراد التيمم لأنه بدل عن طهارة الماء كما سبق بيانه (وإن نوى بتيممه أحداثاً) بمعنى أنه الشأن هنا كالشأن في الوضوء فالوضوء رفع الحدث إنما يكون باستعمال الماء في الأعضاء الأربعة ثم ماذا ينوي؟ ينوي رفع الحدث عن هذه الأسباب كلها فلو بال وخرج منه ريح ونام هذه أسباب يترتب عليها الحدث، الحدث قائم بالبدن - حينئذٍ - يتوضأ وينوي رفع بوضوئه رفع هذه الأحداث كلها هل الشأن في التيمم كالشأن في الوضوء؟ الجواب نعم ولذلك قال (وإن نوى بتيممه أحداثاً) (نوى) أي قصد بتيممه أحداثاً أي أسباب الأحداث لأن الأحداث جمع حدث والحدث كما مر معنا أنه لا يتبعض لأنه وصف قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة - حينئذٍ - هو وصف شيء واحد ولذلك لا يتبعض ولا يتجزأ إما أن يوجد كله وإما أن يرتفع كله وأما رفع البعض مع وجود البعض هذا لا نظير له في الشرع (وإن نوى بتيممه أحداثاً) أي أسباب الحدث هذه الأحداث متنوعة ولذلك جمعها المصنف هنا يعني ليس المراد حدث واحد أخرج بولاً ثم بال ثم بال لا المراد أنه تنوعت الأحداث بال وتغوط ونام وخرج منه ريح هذه أسباب أحداث موجبة للحدث - حينئذٍ - (نوى بتيممه أحداثاً) متنوعة هذه الأحداث قد توجب وضوء وهي نواقض الوضوء أو توجب غسلاً وهي موجبات الغسل لأن التيمم محل اتفاق أنه يكون عن الحدث الأصغر ويكون عن الحدث الأكبر الحدث الأصغر بنص القرآن والحدث الأكبر وقع نزاع في أول الأمر عن الصحابة ثم حصل الإجماع على أنه يكون عنه كذلك ولذلك قال [توجب وضوء أو غسلاً] أجزأه عن الجميع أما الحدث الأكبر فلقوله (أو لامستم) الملامسة الجماع كما هو في تفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنه ولحديث عمران بن حصين في الرجل الذي انعزل (فقال: أصابتني جنابة ولا ماء) (أصابتني جنابة - إذاً حدث أكبر - ولا ماء؛ فقال: عليك بالصعيد فإن يكفيك) إذاً هذه طهارة عن الحدث الأكبر والحائض إذا انقطع دمها فهي كالجنب - حينئذٍ - أخذت حكمه وأما الأصغر فبالإجماع لقوله جل وعلا (أو جاء أحد منكم من الغائط) وكذلك حديث (الصعيد الطيب وضوء المسلم) إذاً الخلاصة أن التيمم يكون عن الحدث الأصغر هذا محل إجماع ونص وارد فيه في آية المائدة كذلك الحدث الأكبر وهو محل إجماع وإن وقع نزاع في أول الأمر لكن أجمعت الأمة بعد ذلك على أنه مشروع لهما إذاً إذا نوى بتيممه أحداثاً أجزأه ولذلك جاء النص النبوي مبيناً للقاعدة العامة (إنما الأعمال بالنيات) والتيمم عمل فدخل في منطوق هذا
стр. 198
النص (إنما الأعمال بالنيات) - حينئذٍ - إذا نوى بتيممه كل الأحداث - حينئذٍ - يترتب عليه ما يترتب على الوضوء وكذا لو نوى أحدها - حينئذٍ - يرتفع الباقي يعني لو نوى بتيممه ما يترتب على خروج الريح ولم يتعرض لخروج البول مثلاً أجزأه لأنه لا يشترط أن ينوي كل الأسباب لكن لو نوى كل الأسباب أجزأه لو نوى سبب واحداً بشرط عدم نية أن لا يريد الثاني - حينئذٍ - ارتفع وأعبر هنا بارتفاع بناء على الأغلب والمراد به الاستباحة لأن التيمم على الصحيح لا يرفع الحدث أو نوى بتيممه الحدثين جمع بينهما - حينئذٍ - نقول يجزئ على الصحيح وإن ثَمَّ خلاف بين أهل العلم ولا يكفي أحدهما عن الآخر لو نوى بتيممه الحدث الأصغر وعليه الحدث الأكبر ولم ينوي الحدث الأكبر قال المصنف الشارح [لا يجزئه] أو نوى الحدث الأكبر ولم ينوي الأحدث الأصغر قالوا لا يجزئه؛ لماذا؟ لقول ﷺ (وإنما لكل امرئ ما نوى) هذا نوى الحدث الأصغر ولم ينوي الأكبر فلا يتحقق له إلا الأصغر والعكس بالعكس وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه يجزئه لو نوى أحد الحدثين ولم ينوي الآخر فإن قيل بأنه لو نوى الأكبر دخل فيه الأصغر على القاعدة السابقة أجزأ وأما إذا نوى الأصغر ولم ينوي الأكبر فهذا محل نظر لعموم حديث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا لم ينوي الحدث الأكبر - حينئذٍ - نقول هو طهارة مستقلة والحدث الأصغر كذلك طهارة مستقلة كل منهما عبادة مستقلة فالوضوء عبادة مستقلة والغسل من الجنابة عبادة مستقلة إن نوى بغسله رفع الحدث الأصغر أجزأ وهذا محل وفاق حكينا فيه إجماع وإن كان فيه خلاف عند بعض المتأخرين يعني اغتسل للجنابة ولم يتوضأ هل يجزئ أو لا يجزئ؟ هل يشترط أن يتوضأ بعد غسله؟ الصحيح لا لكن بشرط أن لا يأتي بناقض ولو أثناء غسله كأن لا يمس ذكره أو دبره فإن مس انتقض وضوؤه وأما إذا بقي منذ أن ابتدأ غسله إلى أن انتهى ولم يمس عضوه - حينئذٍ - هذا يجزئ ويصلي مباشرة ولا يحتاج إلى وضوء ولو لم يتوضأ يأتي بالسنة في أول الغسل لأن السنة أن يتوضأ أولاً ثم بعد ذلك يعمم بدنه سواء توضأ أو لا نقول هذا الغسل رافع للحدث الأصغر لماذا؟ لأنه إذا نوى النوعين فهو واضح وإن لم ينوي نقول الله إنما بين بقوله (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) إلى قوله (وإن كنتم جنباً فاطهروا) والكلام هنا في القائم إلى الصلاة؛ القائم إلى الصلاة الذي يريد أن يصلي إما أن يكون محدث حدثاً أصغر وإما أن يكون محدثاً أكبر؛ أوجب عليه إن كان محدثاً حدثاً أصغر بأول الآية الوضوء وأوجب عليه إن كان محدثاً حدثاً أكبر بقوله (فاطهروا) يعني اغتسلوا ولم يوجب عليه الوضوء لأن مرحلتان هنا عندنا حدث حدث أصغر وحدث أكبر فأوجب عليه الطهارة الكبرى ولم يوجب عليه الوضوء لأنه قال (وإن وكنتم جنباً) يعني لستم محدثين حدثاً أصغر وإنما كنتم على جنابة (فاطهروا) أي اغتسلوا ولم يوجب عليه الوضوء فدل ذلك على أن من كان محدثاً حدثاً أكبر إنما يجب عليه الغسل فحسب ولم يوجب عليه الرب جل وعلا الوضوء الكلام في التيمم الأصل أنه يأخذ حكمه - حينئذٍ - إذا نوى بتيممه الحدث الأكبر
стр. 199
دخل فيه الأصغر وأما العكس شيخ الإسلام ابن تيمية نسب إلى الجمهور أنه جائز وهذا محل إشكال بالنسبة للقاعدة السابقة، (أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها) النجاسة، الطهارة إما أن تكون طهارة حدث وإما أن تكون طهارة خبث يعني إزالت النجاسة وكل منهما لا يرتفع الحدث ولا تزال النجاسة إلا بالماء الحدث محل وفاق الطهارة الصغرى والكبرى لا يرتفع الحدث إلا بالماء ولا يرفع الحدث إلا الماء الطهور وإزالت النجاسة هذه محل نزاع كما سبق في أول الكتاب هل تزال النجاسة بغير الماء أم لا؟ أما بالماء هذا محل وفاق لكن بغير الماء من المائعات سواء كان الماء طاهراً أو مائعاً من المائعات كالخل ونحوه الصحيح أنه لا ترفع لا تزال النجاسة إلا بالماء هنا قال (أو نجاسة على بدنه) لا شك أن النجاسة قد تكون على البدن وقد تكون على الثوب وقد تكون على البقعة المكان وهنا التيمم لأي شيء؟ للصلاة كما أن الوضوء والغسل إنما المراد بها الأحكام لبيان ما يتعلق بالصلاة لأن كتاب الطهارة كله إنما هو مقدمة للصلاة ولذلك قال بعض الفقهاء انظر عظم شأن الصلاة أن جعل ما يقارب خمس مئة حديث كله لبيان ما يشرع للمرء قبل الدخول في الصلاة شيء عظيم فكل الذي يدرس ومن الأحاديث أو ما يتعلق من المتون الفقيه مسائل عديدة جداً مراده في الغاية العامة هو ما يتلبس به المرء قبل الشروع في الصلاة هذا يدل على عظم الصلاة في الشريعة وأن الله عظم شأنها بأنه لا يدخل المرء عليه إلا وهو طاهر ومتطهر ظاهراً وباطناً - حينئذٍ - النجاسة إنما تزال في الأصل لمن أراد الصلاة فيشترط في صحة الصلاة اجتناب النجاسات في البدن وفي الثوب وفي البقعة - حينئذٍ - إذا كانت النجاسة على المكان على البقعة قولاً واحداً أنه لا يتيمم عنها قولاً واحداً باتفاق وإذا كانت النجاسة على الثوب فيه خلاف والمذهب أنه لا يتيمم عنها كذلك بقي النوع الثالث وهو النجاسة على البدن قالوا لابد أن يكون طاهراً من الحدث ومن النجس فطهارة الحدث الأصل فيها الماء فإذا لم يوجد الماء انتقل إلى التيمم كذلك الخبث إذا كان على البدن لابد من إزالت هذه النجاسة فالأصل فيها أن الماء فإذا لم يوجد الماء عدلنا إلى البدل الذي هو التيمم قياساً على رفع الحدث كما أنه يرفع الحدث من أجل الدخول في الصلاة بالتيمم إذا لم يوجد الماء كذلك إذا وجدت النجاسة على البدن الأصل إزالتها بالماء فإذا لم يوجد الماء - حينئذٍ - عدلنا إلى التيمم إذاً من باب القياس ولذلك قال (أو نجاسة) يعني (أو) نوى بتيممه (نجاسة) نجاسة هذه معطوف على قوله (أحداثاً) (نوى بتيممه أحداثاً) (أو نجاسة على بدنه) (على بدنه) جار ومجرور متعلق بقوله (نجاسة) كيف تعلق به لأنه مصدر والمصدر من متعلقات الجار والمجرور كذلك الظرف، إذاً نوى نجاسة على بدنه لا تقل على بدنه وتعلق قوله نوى ما يصح هذا نوى على بدنه ما يصح إن كان نوى على بدنه وإنما نوى ماذا؟ (نجاسة) يعني نوى بتيممه رفع أو استباح ما يترتب على النجاسة من المنع (على بدنه) متعلق بنجاسة مفهومه مفهوم المخالفة ما هو؟ ما هو مفهوم المخالفة؟ ما هو مفهوم المخالفة؟ - لا إله إلا الله - قدمته مقدمة أولاً
стр. 200
مفهومه على المذهب أنه لا يتيمم عن نجاسة على بقعة ولا على ثوب إذاً قوله على بدنه مفهومه أنه لا ينوي نجاسة على بقعته وهذا قولاً واحداً وكذلك على ثوبه وإنما خص المذهب مذهب الحنابلة النجاسة التي تكون على البدن وحفظ أن هذه المسألة من المفردات يعني التي انفرد بها مذهب الحنابلة عن سائر الأئمة الثلاثة يعني لا يرى ذلك أبا حنيفة ولا مالك ولا الشافعي وهذه من المفردات إذاً يجوز التيمم للنجاسة على بدنه متى قال (تضره إزالتها) يعني لو أراد إزالت هذه النجاسة لضره يعني وجد الماء؛ الماء موجود لكن لا يستطيع أن يزيل هذه النجاسة؛ لماذا؟ لأنه يترتب عليه الضرر وذلك إذا وقعت النجاسة على جرح مثلاً عليه جرح مكشوف وجاءت إليه قطرة بول كيف يزيلها إن غسلها بالماء تضرر جرحه ماذا يصنع؟ يتيمم عنها هنا وجد الماء لكنه عجز عن استعماله - حينئذٍ - يكون فاقداً للماء حكماً لأنه إذا كانت فيه جروح ووقعت عليه نجاسة وضره إزالت هذه النجاسة عدل إلى التيمم أو عدم ما يزيلها ليس عند ماء - حينئذٍ - كما أن ليس عنده ماء لرفع الحدث يعدل إلى التراب كذلك إذا لم يكن عنده ماء في إزالت النجاسة يعدل إلى التراب، إذاً يجوز التيمم على المذهب وهي المفردات يجوز التيمم للنجاسة على بدنه إذا عجز عن غسلها لخوف الضرر يتضرر الجرح مثلاً أو عدم الماء قال أحمد هو بمنزلة الجنب يتيمم روي نحو ذلك عن الحسن وأدلة المذهب دليل المذهب قوله ﷺ (الصعيد الطيب طهور المسلم) وهذا عام وسبق معنا تقرير قاعدة وهي أنه متى ما أطلق أولاً قاعدة وهي أننا عرفنا الطهارة في الشرع وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزال الخبث هذه الجملة تعريف للطهارة هل هذا التعريف اصطلاحي أو شرعي؟ هل اصطلاح عليه الفقهاء أم الشرع الذي أطلق لفظ الطهارة وأراد به رفع الحدث وإزالت النجاسة؟ الشرع؛ إذاً حقيقة شرعية والقاعدة الأصولية أن اللفظ يحمل على حقيقته الشرعية متى ما وجد،
واللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفي
فاللغوي على الجلي
стр. 201
- حينئذٍ - نقدم الحقائق الشرعية فإذا جاء لفظ الطهور والطهارة في أي نص قرآني أو نبوي نفسره بالنوعين طهارة الحدث وطهارة الخبث هذه هي القاعدة إلا لقرينة أو دليل بالاستثناء - وحينئذٍ - يكون كالعام فيستثنى منه - حينئذٍ - المذهب قالوا جاء قوله ﷺ (الصعيد الطيب طهور المسلم) (طهور المسلم) إذاً يتطهر بماذا؟ برفع حدث أو إزالت نجاسة إذاً النص عام، وحديث (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ولأنها طهارة في البدن تراد للصلاة فجاز لها التيمم قياساً على الحدث وأما قول من رد هذه المسألة بأن لم يرد بها الشرع قالوا النصوص عامة والأخبار عامة - حينئذٍ - دخلت في النص، فأما إن كانت النجاسة على ثوب لا على بدن لا يتيمم لها لأن التيمم طهارة في البدن فلا تنوب عن غير البدن كالغسل وأما المكان فقولاً واحداً لا خلاف بين أهل العلم أنه لا يتيمم عن النجاسة التي تكون في المكان لأنه منفصلة عنه، وقال أكثر الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية أنه لا يتيمم للنجاسة عن البدن وهذا هو الصحيح لأن الشرع لم يرد إلا بطهارة الحدث فحسب كما في آية المائدة لأن الشرع إنما ورد بالتيمم للحدث سواء كان حدثاً أصغراً أو حدثاً أكبراً وغسل النجاسة ليس في معناه وإنما يكون في محل النجاسة ولأن المقصود من غسل النجاسة إزالت النجاسة هذا المقصود فهي معللة حكماً هي معللة من حيث الحكم لكن غير معللة من حيث ما تزال به واضح معللة الحكم يعني لماذا أمر الشارع بإزالت النجاسة؟ لأن المقصود أنه خبث - حينئذٍ - لابد من إزالتها لكن الذي تزال بها هذا غير معقول المعنى فلا يقاس عليه غيره كما بينته في الشرح المطول فليرجع إليه، إذاً الصواب أنه لا يتيمم عن النجاسة لعدم ورود ذلك فإن قيل بأن النصوص عامة القاعدة صحيحة القاعدة بأنه إذا أطلق لفظ الطهارة انصرف إلى النوعين طهارة الحدث وطهارة الخبث صحيحة فإذا جاء لفظ فسر بهذا المعنى لكن لابد من فهم الصحابة ولابد أن ينقل شيء من ذلك عن النبي ﷺ أو عن الخلفاء أو عن كبار الصحابة فلما لم ينقل حرف واحد بأن النبي ﷺ قد تيمم عن النجاسة أو أن أحد من أصحابه علمنا أن هذا الفرد غير مراد من اللفظ العام وهذا مخصص عند أهل العلم وهو قول قوي أن اللفظ العام إذا وجد سبب بعض أفراده في عهد النبي ﷺ ولم ينقل أنه اعتبره نجعل ذلك مخصصاً نجعله مخصصاً - حينئذٍ - إذا أطلق لفظ عام أو مطلق في عهد النبي ﷺ أو تكلم الرب جل وعلا بذلك والنبي ﷺ ولم ينقل أن فرد من أفراده قد عمل به بعض الصحابة مع وجود المقتضي لأن النجاسة موجودة سافر النبي ﷺ وذلك يصيبه جرح في القتال والمعركة ونحو ذلك ولم ينقل حرف واحد إذاً السبب موجود معارك وحاجة الناس في ذلك الزمان وكانوا يخرجون مع النبي ﷺ بالأسابيع والأشهر من أجل المعارك - حينئذٍ - كونه لم يأمره بالتيمم عن النجاسة مع وجود السبب والمقتضي وهذا أمر ظاهر واضح بين عدم أمره دل على أنه لا يتيمم واللفظ العام هذا يكون مخصوصاً بهذه الحال واضح - حينئذٍ - إذا جاء التيمم حمل لفظ
стр. 202
الطهور على أحد نوعي الطهارة ولا تعمم - حينئذٍ - إذا قيل هذا لفظ عام نقول ثَمَّ مخصص ما هو؟ عدم عمل النبي ﷺ ولا أحد من صحابته بهذا الفرد فدل على أنه غير مراد من اللفظ العام انتبه، إذاً (أو نوى بتيممه نجاسة على بدنه تضره إزالتها) كما لو وقعت على جرح (أو عدم ما يزيلها) يعني عدم الماء - حينئذٍ - يعدل إلى التيمم على المذهب والصواب أنه لا يعدل إليه فإن قيل كيف يصلي بنجاسة؟ نقول الواجب إزالتها بالماء فإن وجد الماء وجب إزالتها وإذا لم يوجد الماء - حينئذٍ - نقول هذا الشرط معجوز عنه ولا واجب مع العجز إذا لم يوجد الماء سقط وجوب إزالته النجاسة؛ لماذا؟ لأنه واجب وعندنا قاعدة وهي؛ ما هي؟ لا واجب مع العجز وهنا عجز عن غسل النجاسة لأن المطلوب إزالتها بالماء ليس عنده ماء - حينئذٍ - نقول سقط ولا إشكال في ذلك ولذلك قال ابن تيمية [إذا عجز عن إزالت النجاسة سقط وجوب إزالتها وجازت الصلاة معها بدون تيمم] وهذا واضح بين، (أو خاف برد) يعني عندهم ولو كان حاضراً في بلده وخاف من البرد لكن بشرط مع عدم وجود ما يسخن به الماء أما إذا وجد ماء يسخن به الماء لا يعدل إلى التيمم (أو خاف برد) يعني ضرر برد يعدل إلى التيمم فيتيمم ويصلي ولا إعادة عليه لعموم (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ولقوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) ولحديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال (احتلمت في ليلة باردة شديد البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم فصليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكر لذلك له - أنه تيمم عن جنابة - فقال: يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب؟) قلنا هذا دليل على ماذا؟ على أن التيمم لا يرفع الحدث وهو صحيح التيمم لا يرفع الحدث لأنهم لما اشتكوا عمرو أنه صلى بتيمم عن جنابة إذاً صلى بتيمم عن جنابة؛ كيف يجتمعان؟ إذا كان التيمم رافع للحدث لا يتحد الوصف فكان الأصل أن النبي ﷺ ينكر عليهم سؤالهم لكنه أقرهم (فقال: يا عمرو أصليت بأصحابك - صليت التاء فاعل - وأنت جنب؟) الواو واو الحال (وأنت جنب؟) صليت جنبا كيف صليت جنب وهو قد تيمم لو قيل بأنه رافع للحدث ما صح الكلام هذا فكيف يقال بأنه تيمم وارتفع حدثه (أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقلت: ذكرت قول الله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً) لفظ أحمد وأخرجه أهل السنن والبخاري تعليقاً ولم يعد فلم يأمره النبي ﷺ بالإعادة ولم ينكر وصفه بكونه جنب أقره النبي ﷺ الوصف واضح هذا أقر النبي ﷺ وصف عمرو وهو جنب مع كونه قد تيمم إذ لو كان هذا التيمم رافع للحدث لما صح السؤال ولتعين الإنكار لم ينكر النبي ﷺ عليهم سؤالهم وإنكارهم لأنهم أنكروا شيئاً مشروعاً فإذا كان كذلك كان الأصل تصويب السؤال من أصله بل أقرهم النبي ﷺ ووجه السؤال نفسه إلى عمرو فأجاب بالآية ثم ضحك النبي ﷺ فدل على ما ذكر هذا واضح بين، إذاً يتيمم خوف البرد إذا أشفق على نفسه وخشي الهلاك لكن بشرط أن لا يوجد عنده ما
стр. 203
يسخن به الماء فإن وجد تعين عليه استعماله، (أو حبس في مِصرٍ) في مصرٍ أو في مصرَ؟ مصرٍ أو مصرَ؟ مصرٍ؛ لماذا؟ لأنه ليس علم وإنما المراد به بلد نعم لو قلت أو حبس في مصرَ يعني في بلد مصر وإن حبس في غيره الحكم يختلف (أو حبس في مصرٍ) يعني في بلد فلم يصل الماء إليه حبس الشخص في مصر يعني في بلد والمصر واحد الأمصار يعني حبس الماء عنه (حبس في مصر) هو الذي حبس عن الماء أو حبس الماء عنه هذا أو ذاك - حينئذٍ - يتيمم ولا إعادة عليه؛ لماذا؟ لأن الطهارة شرط من شروط صحت الصلاة وهو هنا لم يتمكن من الأصل وهو الماء - حينئذٍ - سقط عنه وعدل إلى البدل وهو التيمم (فاتقوا الله ما استطعتم) (أو حبس في مصر) فلم يصل الماء تيمم - حينئذٍ - وأجزأه ولا إعادة عليه أو حبس عنه الماء فتيمم أجزأه يعني هذه الأسباب الثلاثة (أو عدم الماء والتراب) عرفنا لآن إذا حبس عن الماء أو حبس عنه الماء تيمم؛ لماذا؟ لأنه يصدق عليه أنه غير واجد للماء (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا لم يجد الماء سواء حبس عنه أو حبس هو عن الماء - حينئذٍ - انتقل إلى التيمم (أو عدم الماء والتراب) وهذا ما يسمى بفاقد الطهورين يعني لا يوجد عنده ماء وكذلك حبس عن التراب ليس عنده تراب يعني محبوس في سجن مكتوف اليدين ماذا يصنع؟ يدخل وقت الصلاة ويخرج هذا لا تراب ولا ماء ماذا يصنع؟ نقول صلى بحاله ويسقط عنه الطهارتان طهارة الماء وكذلك طهارة التراب؛ لماذا؟ لأنه عاجز ولا واجب مع العجز لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) ولقوله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهذا عاجز عن التراب والماء - حينئذٍ - صلى ولا إعادة عليه على الصحيح يصلي وبعضهم يرى أنه لا يصلي بل يستحب له الصلاة والصحيح أنه يصلي والصلاة واجبة عليه لأن قوله (أقيموا الصلاة) باقي من حيث دلالته فكل مكلف فهو مخاطب بهذا النص (أقيموا الصلاة) - حينئذٍ - يتعين عليه أن يصلي بماء أو ببدله وهو التراب فإن عجز عن أحدهما أو عنهما سقط ذلك الشرط وبقي الأصل وهو الوجوب وجوب فعل الصلاة واضح - حينئذٍ - نقول واجبة على الصحيح وهو مخاطب بها ولو كان عاجز عن استعمال الماء وكذلك عاجز عن البدل وهو التراب فالوجوب باقي وإنما سقط تحقيق الشرط لأن وجوب الصلاة حكم ووجوب وإحدى الطهارتين حكم آخر فإذا سقط الثاني أو عجز عنه لا يلزم منه أن يستصحب سقوط الأول إذاً وجوب الصلاة حكم مستقل وكذلك وجوب الطهارة بالماء أو التراب حكم مستقل فعجز عن الثاني فلا يلزم منه إسقاط الأول (أو عدم الماء أو التراب) كمن حبس في محل لا ماء به ولا تراب وكذا منه به قروح لا يستطيع معها لمس البشرة بماء ولا تراب يعني بعضهم قد يصيبه حروق في وجهه ويديه ويعجز عن استعمال الماء والتراب - حينئذٍ - نقول صلي بحالك وتكون الطهارتان ساقطتين ووجوب الصلاة لا يسقط بعجزك عن استعمال الماء أو عجزك عن استعمال التراب (صلى ولم يعد) يعني في المسائل كلها السابقة أو خاف برد وما قبله أو حبس في مصر فتيمم - حينئذٍ - (صلى ولم يعد) (صلى) الشارح قيدها وهو المذهب صلى الفرض فقط ولا يصلي نوافل، نعم صلى الفرض فقط دون النوافل على حسب حاله لأن الطهارة الشرط فلم
стр. 204
تؤخر الصلاة عند عدمه كالسترة لكن قوله دون النوافل نقول هذا محل نظر متى ما جاز له أن يتيمم صلى به فرضاً ونوافل وفعل به ما شاء من النوافل يعني له أن يصلي وله أن يقرأ وله أن يطوف إلى آخره فالأصل في التيمم من حيث ما يتيمم له من صلاة ونحوها الأصل فيه حكمه حكم الوضوء - حينئذٍ - لا فرق بين فرض ولا نوافل فالتقيد هذا محل نظر (ولم يعد) لأنه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته بالنص الذي ذكرناه سابقاً، ثم قال رحمه الله تعالى (ويجب التيمم بتراب غير محترق له غبار) هذه صفة التراب الذي يتيمم به سبق معنا أن قوله تعالى (فتيمموا صعيداً) أن الصعيد اسم لكل ما علا من الأرض وهذا قول جماهير أهل اللغة ولا يعرف الخلاف إلا عن الفراء لأنه خصه بالتراب - حينئذٍ - قوله (فتيمموا صعيداً) كل ما على وجه الأرض يتيمم به سواء كان تراباً أو كان رملاً أو كان شجراً أو كان حجراً أو كان أرضاً ولو وضع عليها الفراش ونحوه أو جدار بل صح عن النبي ﷺ أنه تيمم على جدار - حينئذٍ - كل ما كان على وجه الأرض فهو محل للتيمم دون شرط أو قيد إلا أن يقال بأنه أن لا يكون نجساً فإن كان نجساً بأن يكون خلطه بول أو نجاسة - حينئذٍ - يمنع منه للأصل العام هنا قال (ويجب التيمم بتراب) تراب التراب معروف وجمعها أتربة وتربان خرج به ما عداه ولذلك قال الشارح [فلا يجوز التيمم برمل وجص ونحيت الحجارة ونحوها] ما الدليل؟ قال حديث حذيفة أن النبي ﷺ قال (جعلت لنا الأرض كلها مسجداً وطهوراً وتربتها) وفي رواية أخرى (تربتها طهوراً) قالوا تربتها والأرض هذا مطلق وهذا مقيد إذاً (جعلت لنا الأرض) المراد به التراب وليس المراد به كل ما على وجه الأرض لأنه جاء مقيداً - حينئذٍ - يجعل هذا النص مفسراً لقوله (فتيمموا صعيداً) الصعيد نعم محتمل أنه بكل ما على وجه الأرض لكن جاء هذا النص - حينئذٍ - يعتبر مقيداً لذلك المنطوق العام فالأرض هذه اسم جنس واسم الجنس إذا دخلت عليه أل أفاد العموم فالأرض يصدق على التراب ويصدق على الجبال ويصدق على الأشجار لأنها متصلة بها وكذلك يصدق على الحجارة ونحوها - حينئذٍ - جاء النص بقوله (وتربتها طهوراً) قالوا هذا تقيد لهذا النص واضح هذا - حينئذٍ - يجعل هذا النص النبوي موضحاً ومفسراً ومقيداً لقوله (فتيمموا صعيداً) والصحيح أن يقال بأن قوله (تربتها) مفهومه أن غير التربة لا يتيمم به هذا المفهوم لكنه مفهوم لقب
﴿أضعفها اللقب وهو ما أبي ... من دونه نظم الكلام العرب﴾
стр. 205
- حينئذٍ - مفهوم اللقب عند جماهير الأصوليين غير معتبر فلا مفهوم له فقوله تربتها هنا علق الحكم على اسم جنس جامد وإذا علق الحكم على اسم جنس جامد ولو كان له مفهوم فهو غير معتبر - حينئذٍ - لا يعتبر مقيداً للنص العام فلا مفهوم له فلا يعتبر أن له مفهوماً - حينئذٍ - يبقى النص على إطلاقه (وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً) كلها والأرض هذه اسم جنس دخلت عليها أل فتعم إذاً وافق هذا النص مدلول قوله تعالى (فتيمموا صعيداً طيباً) إذاً الصحيح أن قوله (ويجب التيمم بتراب) دون غيره مما على وجه الأرض أنه قول ضعيف وأن احتجاجهم بالرواية الواردة (تربتها) أنه احتجاج ضعيف لأنه احتجاج بمفهوم اللقب وهو ضعيف
стр. 206
﴿أضعفها اللقب﴾ يعني أضعف المفاهيم اللقب ونص على ذلك جماهير الأصوليين ﴿أضعفها اللقب﴾ - فحينئذٍ - لا يعتبر وهذا من مفهوم اللقب فإن قيل الأرض عام والتربة أحد أفرادها - حينئذٍ - نقول نجيب لو قيل أنه ليس من مفهوم اللقب الأرض عام والتربة أحد أفراد العام نقول علق الحكم على فرد من أفراد العام بحكم لا يخالف معلق على العام فلا يعتبر مخصصاً كما لو قال أكرم الطلاب وأكرم زيداً ما هو الحكم؟ أكرم في الموضعين؛ ما هو المحكوم عليه؟ الطلاب وزيداً - حينئذٍ - الطلاب لفظ عام دخل فيه زيد أو لا وزيد من الطلاب؟ دخل فيه زيد إذا قال أكرم الطلاب صدق على كل الطلاب؛ أكرم زيداً هو واحد منهم؛ هل يعتبر هذا النص أكرم زيداً مخرج لزيد من الطلاب أم أنه مؤكد؟ مخرج؟ لا يخرجه إذاً هو مؤكد؛ لماذا؟ لأن الحكم واحد أكرم أكرم لكن لو قال أكرم الطلاب وأهن زيداً أو لا تكرم زيداً؛ مخصص أو لا؟ مخصص؛ لماذا؟ لكونه رتب على الفرد الخاص حكم يخالف الحكم الذي رتب على اللفظ العام فهو مخصص وأما إذا اتحدا في الحكم - الحكم واحد - وجاء نص بإثبات ما أثبته للحكم العام بأحد آحاد العام لا يعتبر مخصصاً (تربتها طهوراً) تربة أحد أفراد الأرض نقول نعم ما نص عليه الشارع أولى بالاعتبار فلو وجد أمامك تراب وغير تراب - حينئذٍ - نقول لك لا تعدل عن التراب إلى غيره لأن النبي ﷺ نص على التراب ففيه خروج من الخلاف أولاً وثانياً فيه أن التراب أولى من غيره إن وجد التراب وغيره؛ لماذا؟ لأن الشارع لا ينص على فرد إلا للاهتمام به لكن لا يلزم ذلك التخصيص إذاً (ويجب التيمم بتراب) قال ابن منذر [أجمع أهل العلم أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز إلا من شذ منهم] وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى [أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب جائز واختلفوا فيما عداه من الأرض] والصواب أنه يجوز التيمم به (طهور) قاسوا التراب على الماء وسبق أن الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام طهور وطاهر ونجس هنا التراب قالوا كذلك طهور وطاهر ونجس فقوله (طهور) يعني لا طاهر ولا نجس - حينئذٍ - التيمم بتراب نجس لا يصح التيمم به وهذا واضح بين وذلك فيما لو وجد بولاً على تراب لا يتيمم به لو لم يوجد إلا هذا النوع من التراب وهو نجس - حينئذٍ - نقول هذا فاقد للطهورين يصلي ولا إعادة عليه أما إذا لم يجد إلا هذا النوع - حينئذٍ - نقول لا يجوز له أن يتيمم فوجود هذا التراب كعدمه وجوده وعدمه سواء - حينئذٍ - يصلي مباشرة ولا يتيمم بهذا النوع الطاهر قالوا التراب الطهور إن خالطه ذو غبار لا يجوز التيمم به يعني لو وجد تراب واختلط به شيء من الإسمنت مثلاً قالوا هذا تراب الأصل فيه أنه طهور خالطه شيء طاهر إن غيره - حينئذٍ - انتقل من كونه طهوراً إلى طاهر فصار التراب ماذا؟ صار طاهراً قالوا لا يوصف بكونه طهور لماذا؟ قياساً على الماء كما أن الماء إذا خالطه كما سبق معنا وإن تغير بشيء طبخ فيه أو ساقط فيه أو نحو ذلك - حينئذٍ - حكم على الماء بكونه طاهر غير مطهر الشأن في التراب كالشأن في الماء إذا وقع في شيء طاهر كالإسمنت والجص ونحوها - حينئذٍ - قالوا إن اختلط به وكان التغير كبير صار طاهراً غير مطهر كذلك لو
стр. 207
استعمال تيمم به وتساقط التراب من وجهه ويديه قالوا هذا المستعمل كالماء المستعمل هناك - حينئذٍ - يكون طاهراً غير مطهر فلا يستعمل هذا النوع في هذا النوع - حينئذٍ - نقول هذا يحتاج إلى دليل وقياس التراب على الماء قياس مع الفراق والأصل عدمه والصحيح أنه ليس عندنا إلا طهور ويقابله النجس وهذا أمر واضح بين، إذاً (طهور) فلا يجوز بتراب تيمم به لأنه صار ماذا؟ صار مستعملاً كالماء المستعمل أو خالطه غيره كالنَورة فكما إن خالطه طاهر لزوال طهوريته باستعماله والصحيح أنه لا وجود لهذا النوع ألبته وإنما هو من صنع الفقهاء (غير محترق) قال في الشرح [ويعتبر أيضاً أن يكون مباحاً فلا يصح التيمم بتراب مغصوب] هذا صحيح ثابت كما أن الماء المغصوب لا يصح الوضوء به كذلك التراب المغصوب أو المسروق لو وجد تراب في مثل هذه العلبة وسرقها هل له أن يتيمم؟ لا يصح لو تيمم لا يصح تيممه؛ لماذا؟ لأن الشرع إذا أمر بشيء أمر بشيء مباح ولا يتناول هذا (فتيمموا صعيداً طيباً) (صعيداً طيباً) (طيباً) هذا دليل على أن النجس لا يتيمم به لأن الطيب المراد به الطاهر وصعيداً المراد به كل ما على وجه الأرض لا يأذن الشارع بتوجه العبد باستعمال شيء محرم عليه واضح هذا كل أمر في الشريعة قاعدة عامة كل أمر في الشريعة إنما المراد به امتثال ما أذن به الشارع بفعله وأما ما حرم الشارع فعله هذا لا يمكن أن يدخل في النص (أقيموا الصلاة) الصلاة مأمور بها الصلاة بماذا؟ بماء طهور مباح فلا يدخل المغصوب ولا يدخل المسروق كذلك الصلاة بثوب أباحه الشارع فلا يدخل فيه الحرير إن كان على رجل ولا يدخل فيه ثوب الشهرة مثلاً وكذلك لا يدخل فيه الإسبال ونحو ذلك فكل مأمور به فلا يتناول إلا المأذون فيه فحسب فلا يستدل على صحة صلاة المسبل مثلاً لقوله (أقيموا الصلاة) ولا يستدل بصحة صلاة من توضأ بماء مغصوب لقوله (أقيموا الصلاة) لأن الشارع لا يأمر بكل صلاة على كل وجه لا؛ كذلك الصلاة في الدار المغصوبة كما سبق معنا نرى أنها باطلة لا تصح فلا صحة ولا أجر بل هو آثم وصلاته باطلة - حينئذٍ - لماذا؟ لأن قوله (أقيموا الصلاة) المراد بها الصلاة في المكان المباح المأذون به شرعاً، إذاً أن يكون مباحاً فلا يصح بتراب مغصوب كالماء المغصوب (غير محترق) فإن كان محترق فلا يصح بما دق من خزف ونحوه قد يحرق التراب ينصع به الآجر ونحو ذلك - حينئذٍ - نقول إذا فتت ذلك الشيء المحروق نقول هذا الشيء المحروق لا يسمى تراباً لا لغة ولا عرفاً - حينئذٍ - إذا تيمم به لم يكن متيمماً بتراب هذا على المذهب أنه لابد من تراب، إذاً (غير محترق) فلا يصح بما دق من خزف ونحوه كالنورة والخرف والآجر وكل ما عمل من طين وشوي بالنار لأن الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب وهذا له حظ من النظر لكن إذا قيدنا الحكم بالتراب وأما إذا عممنا وصار على وجه الأرض - حينئذٍ - هو داخل في فيما هو على وجه الأرض (له غبار) لقوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) إذاً الصواب لا يشترط أن يكون غير محترق لأنه دخل في (صعيداً) (له غبار) غبار يعني يتعلق باليد لقوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) هنا وجه الاستدلال (منه) فاختلفوا في من
стр. 208
ما المراد بها هل هي للتبعيض أو لابتداء الغاية؟ إن قولت للتبعيض - حينئذٍ - لزم منه أن يكون في اليد بعد الضرب شيء من التراب (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) الضمير يعود إلى الصعيد الطيب إذاً لابد أن يبقى شيء منه لابد أن يبقى بعضه في اليد وإذا قيل أن من هنا لابتداء الغاية - حينئذٍ - نقول لا يشترط أن يكون له غبار واللفظ هذا يسمى عند الأصوليين (من) ماذا يسمى إذا احتمل معنيين ليس هو في أحدهما أظهر من الآخر؟ ماذا يسمى ما الاصطلاح له؟ - فقه بلا أصول كصلاة بلا طهارة صحيح لا تغضبون - يسمى مجملاً، هذه لابد أن تكون محفوظة كالفاتحة وإلا لا تضيع وقت إن لك ناصح أمين الفقه يحتاج إلى أن تكون مع كتاب مختصر في أصول الفقه تكون كالفاتحة معك لا تتردد هذا مجمل وهذا أمر وهذا نهي إذا كان الطالب يتردد هذه صيغة نهي ولا أمر إلى آخره هذا مشكل هذا طامة هذه كيف يفهم لو أردت أن تأخذ قولاً واحد دعك من الفقه المقارن ليس عندنا فقه مقارن إنما نذكر المذهب ودليله والقول الراجح فقط إذاً ليس مقارناً لا يمكن فهم المذهب بهذه الصورة إلا إذا كنت جيداً على مستوى عالي في أصول الفقه وإلا العبث العبث والوقت يذهب سدى وتمض بك السنون الشهر والسنة والسنتان والثلاث والأربع وأنت تظن أنك حصلت شيء من العلم وأنت مقلد ما خرجت عن التقليد يعني الذي يدرس المذهب ويرى وجوب التمذهب مثله ومثل الذي يدرس ويرى أنه لابد أن يتحرر ولا يجوز له التقليد إن كان هذا الكلام فيه تفصيل هما سيان في النتيجة ذاك يدعي أنه متحرر وينظر في القول الراجح لكن هو مقلد مغلف مقلد هذا التقليد المغلف الموجود الآن كل يدعي وصلاً بليلى أنه ما شاء الله وصل إلى الاجتهاد وأنه أهل أن ينظر ويرجح إلى آخره ثم هو صفر صفر في أصول الفقه وصفر بل تحت الصفر في لغة العرب - وحينئذٍ - كيف يرجح هذا، هذا يحرم عليه عند جماهير وإن لم يكن إجماعاً يحرم عليه الترجيح لأنه قول على الله بلا علم إذا قال هذا قول راجح رجحته بأي سبب؟ إما بموجب شرعي أو لا الثاني هوى وتحكم الموجب الشرعي هو التحقق والضبط لعلم أصول الفقه مع قاعدته الكبرى وهو لغة العرب فإذا كان ضعيفاً في هذين الفنين كيف يرجح فيه إشكال، على كل هذا يسمى مجملاً ولذلك الجمع بين الفنين أرى أنه مناسب لطالب العلم يقرأ كتاب في أصول الفقه وكذلك كتاب في الفقه ولو كان فك عبارة ونحو ذلك يستطيع أن يجمع بين النوعين، إذاً (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) هل يشترط التراب أو الصعيد له غبار أو لا؟ هذا الخلاف مبني على الخلاف في قوله (منه) وانظر هنا المسألة لغوية هل من هنا للابتداء ابتداء الغاية أم أنها للتبعيض فهي محتملة بأن تكون للتبعيض فيتعين في التيمم التراب الذي له غبار يعلق باليد ومحتملة بأن تكون لابتداء الغاية أي مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد) ابتداء (من المسجد) لا يلزم أن يكون المسجد الحرام بعضه معه الصحيح وإنما منشأ وابتداء الإسراء كان من المسجد الحرام إذاً لا يلزم أن يكون شيئاً من المسجد الحرام معه كذلك لا يلزم أن يكون شيئاً من التراب قد علق به فكانت لابتداء الغاية أي مبدأ ذلك المسح كائن من
стр. 209
الصعيد الطيب فلا يتعين ما له غبار وبالأول الذي هو للتبعيض قال الشافعي وأحمد وبالثاني قال مالك أبو حنيفة ومذهب مالك وأبي حنيفة أرجح يعني المذهب الثاني أرجح لأن من هنا الظاهر أنها لابتداء الغاية لا للتبعيض لقوله تعالى (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) حرج نكرة في سياق النفي وزيدت قبلها من فهي نص في العموم فتدل على عمومها على نفي كل الحرج وهذا يرجح أن تكون من لابتداء الغاية لأن كثيراً من البلاد ليس فيها إلا الرمال أو الجبال فالتكليف بتراب له غبار فيه مشقة ولا يخلو من حرج كذلك جاء في حديث عمار أن النبي ﷺ (ضرب بيديه فنفخ فيهما) إذاً أطار ماذا؟ أطار الغبار فدل على أنه لا يشترط أن يكون في اليد غبار إذاً كون النبي ﷺ يسافر مراحل كما ذهب من المدينة إلى تبوك فالغالب أنه قد سار بين رمال والرمال ليست هي تراب ولا يكون فيها غبار قد تيمم النبي ﷺ من تلك البقعة - حينئذٍ - نقول من هنا لابتداء الغاية ولذلك ذكرت في آية ولم تذكر في آية أخرى يعني في موضع آخر لم تذكر في النساء قال (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) دل على أنه لا يشترط وذكرت في آية المائدة (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (وفروضه) أي التيمم وأركانه التي لابد منها والفرض هو الواجب ﴿والفرض والواجب ذو ترادف ... ومال نعمان إلى التخالف﴾ نعم مترادفان عند جمهور الأصوليين الفرض والواجب مترادفان لكن قد يطلق ويراد به الركن بمعنى أنه تزول الماهية بزوالها وليس كل واجب تزول الماهية بزواله ولذلك التشهد لو تركه نسياناً وهو واجب التشهد الأول لو تركه نسياناً وهو واجب ما زالت الصلاة بزواله ولو تركه عمداً زالت الصلاة بزواله إذا فرق بين واجب وواجب لكن لو ترك سجدة من الصلاة ناسياً تسقط؟ هاه تسقط لو نسي السجدة الأول من الركعة الأول من صلاة العصر وما تذكر إلا بعد نصف ساعة أنه ترك سجدة مثل التشهد الأول لو تركه ناسياً مع أن كل منهما واجب السجد الأول والثانية وكذلك الركوع والفاتحة كل منها واجب وكذلك التشهد الأول واجب لكن هذا يسقط بالنسيان وهذا لا يسقط بالنسيان لأنه فرض ركن وهذا ليس بركن، إذاً (فروضه) أي أركانه أربعة للحدث الأصغر وكذلك اثنان للحدث الأكبر (وفروضه) أي فروض التيمم (مسح وجهه) لا خلاف في وجوب مسح الوجه والكفين في التيمم للآية الآية واضحة بينة (فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) إذاً نص على الوجوه والأيدي إذاً كل منهما فرض فلو مسح الوجه دون اليدين أو اليدين دون الوجه مع القدرة عليه ما صح لم يصح التيمم؛ لماذا؟ لأنه تارك لفرض لركن كما لو ترك غسل وجهه في الوضوء أو ترك مسح رأسه في الوضوء مع القدرة نقول هذا لا يصح كذلك في التيمم (وفروضه مسح وجهه) ومنه اللحية لأن الحكم هنا كالحكم فيما سبق ولذلك عند المذاهب الأربعة مذهب الأئمة الأربعة أنه يجب استيعاب الوجه والكفين لابد من الاستيعاب يعني لا يترك جزء من الوجه ولا من اليدين ولذلك قال الشارح [سوى ما تحت شعر ولو خفيفاً وداخل فم وأنف فيكره] يعني لا يضع التراب في فمه ولا في أنفه لعدم
стр. 210
النقل وإن كان الفم والأنف داخلين في مسمى الوجه كما في سبق في فروض الوضوء - حينئذٍ - (والفم والأنف منه) أي من الوجه وكذلك أمر النبي ﷺ بالمضمضة والاستنشاق فدل على وجوبها لكن هنا لا نقول بدخوله الفم لأنه يلوث وكذلك لا نقول بدخول الأنف لأنه مضر له كيف يستنشق التراب هذا مضر وما تحت شعر ولو خفيفاً كذلك ليس بمشروع مسح بالتراب لعدم النقل إذاً يجب استيعاب الوجه والكفين إلا ما استثني بالمسح فيمسح ما يأتي عليه الماء إلا المضمضة والاستنشاق وما تحت الشعر ولو خفيفاً وهذا قول الأئمة الأربعة لقوله (فامسحوا بوجوهكم) والباء هنا للإلصاق فصار كأنه قال فامسحوا وجوهكم وأيديكم فيجب تعميمهما كما وجب ذلك بالغسل لقوله (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) وذهب ابن حزم رحمه الله تعالى إلى أن الاستيعاب ليس بفرض وإنما المراد أن يمسح أكثر الوجه لماذا؟ قال لعدم الدليل فمسح الأكثر يقوم مقام الكل وهذه طهارة مسح وهي مبنية على الخفيف وإيجاب التعميم فيه عسر ومشقة لكن يقال بماذا هنا لأن النص عام (فامسحوا بوجوهكم)؟ نقول الأمر هنا بالمسح لا بإيصال التراب فالأصل أن يعمم وجهه وحتى لحيته لأنها داخلة في مسمى الوجه إلا ما استثني من الفم والأنف - حينئذٍ - يعمم المسح لا إيصال التراب ولذلك قال (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) - حينئذٍ - نقول يعمم المسح ولا يلزم منه أن يعمم التراب لأن التراب سينفخ فيه ويذهب منه بعضه - حينئذٍ - لا يلزم من ذلك الوقوع في الأذية أو ما نسميه بالاستقذار ونحو ذلك لأن فيه مشقة لو أريد أن أعمم بالتراب بنفسه لكان فيه نوع مشقة وقد يصيبه شيء من الأذى قد يدخل في عينيه قد يصل إلى فمه ولذلك المذهب كما نص في الحاشية [حتى على ظاهر شفيته يوصل المسح] لكن نقول الفرق هنا بين المسح وبين إيصال التراب فالمراد أو المطلوب بالآية المنصوص عليه (فامسحوا) إذاً يجب التعميم هذا ظاهر الآية وظاهر السنة والله أعلم (وفروضه مسح وجهه ويديه إلى كوعيه) (يديه إلى كوعيه) لم يطلق اليدين إنما قيدها بقوله (إلى كوعيه) احترازاً من المرفقين جاء في الحديث لكنه ضعيف ولذلك قال أحمد [من قال إن التيمم إلى المرفقين فإنما هو شيء زاده من عنده] ورد فيه حديث من صححه له حجته لكن من ضعفه لا يقول بالحديث الضعيف بمثل هذه المسائل لأن مبناها على التعبد إذاً (ويديه إلى كوعيه) هذا المذهب لقوله ﷺ لعمار (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا - وضرب بكفيه - ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) متفق عليه فدل ذلك على أن المراد باليدين إلى الكوعين وإن جاءت مطلقة في الآية (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) قيدها بالمرفقين في الوضوء (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) قيدها وأطلقها في التيمم؛ هل يحمل المطلق على المقيد؟ الجواب لا؛ لماذا؟ لاختلاف الحكم وإن كان السبب متحداً وهو طهارة حدث السبب متحد لكن لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف الحكم ويشترط في المطلق والمقيد اتحاد الحكم وإن اختلف السبب - وإن اختلف السبب هذا لا إشكال فيه - إذاً الفرض الثاني أن يمسح يديه إلى كوعيه كذلك لابد من
стр. 211
التعميم والمراد بالتعميم المسح لا إيصال التراب (والترتيب والمولاة) انظر الشارح قال [وكذا الترتيب] ادخل كلمة كذا بين الواو والترتيب مع أنها معطوفة على ما سبق، قال (فروضه) يعني أربعة؛ أولاً (مسح وجهه ويديه إلى كوعيه) قال [وكذا الترتيب] لماذا أتى بالكذلكة؟ تسمى الكذلكة؟ للخلاف بمعنى أن يؤتى بالكذلكة بين متماثلين في الحكم يعني هنا قال (فروضه) إذاً مسح الوجه فرض ومسح اليدين فرض والترتيب فرض والمولاة فرض لكن لماذا قال [كذا الترتيب] عطف مختلف فيه على متفق عليه ولذلك مجمع على أن مسح الوجه واليدين فرضان من فرائض التيمم لا يتحقق التيمم إلا يهذين الفرضين لكن الترتيب هذا مختلف فيه والمرجح في المذهب أنه فرض كذلك المولاة مختلف فيها والمرجح في المذهب أنها فرض ولذلك بعض الطلاب إذا فصل بين متفق عليه وبين مختلف فيه وقد يدعى الإجماع في الثاني بالكذلكة وكذلك كذا هذه عبارة تكثر عند الفقهاء حتى عند النحاة وغيرهم ومرادهم أن الثاني كالأول من حيث الترجيح لكن لا من حيث الاختلاف الأول مجمع عليه والثاني مختلف فيه إذاً وكذا الترتيب هذا المذهب وهو مذهب الشافعية كذلك وعند المالكية سنة كذا عند الحنفية يعني الترتيب بين مسح الوجه واليدين لابد أن يقدم ماذا؟ كما قدمه الله في الآية (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) - حينئذٍ - الوجه مقدم على اليدين فلو خالف فقدم الوجه على اليدين لم يصح التيمم لأن الترتيب فرض والصحيح أنه ليس بفرض وإنما هو سنة ولذلك في الحديث السابق المتفق عليه (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) قدم الكفين على الوجه وإن كان التقديم الشيء في القرآن يدل على أنه هو الظاهر لكن جاء بالسنة لو لم يرد هذا النص لقلنا المعتبر هناك هو المقدم يعني أن الوجه مقدم على اليدين لكن لما جاء هذا الحديث المتفق عليه وقد النبي ﷺ الكفين على الوجه دل على أنه سنة ليس بواجب (والمولاة) يعني بين مسح الوجه ومسح اليدين المولاة بينهما بأن لا يؤخر مسح اليدين بحيث يجف الوجه إذا كان مغسولاً فهما فرضان، وهما يعود إلى الترتيب والمولاة؛ المولاة هنا شرط أو فرض في التيمم قياساً على الوضوء كما أن المولاة في الوضوء فرض من فرائضه كذلك المولاة فرض من فرائض التيمم لأن مبنى التيمم على طهارة الماء ولذلك قال (والمولاة) بينهما ما ضابط المولاة؟ بأن لا يؤخر مسح اليدين بحيث يشف الوجه لو كان مغسولاً فيمسح وجهه أولاً ثم يفصل بين الوجه ومسح اليدين إن كان الفاصل بينهما لو كان الوجه مغسولاً لجف فاتت المولاة وإن كان دون ذلك - حينئذٍ - لا بأس به فالمرد إلى العرف والصحيح أن المولاة سنة وليست بواجبة والقياس هنا قياس مع الفارق لأن التيمم هنا طهارة مستقلة والوضوء هنا طهارة مستقلة لكن لابد أن يراعى أن لا يخرج التيمم عن صورته بمعنى أنه لا يمسح وجهه ثم يجلس ساعة من الزمن ثم يمسح يديه لأن هذه الصورة ليست مرتبة بين مسح ومسح وإنما المراد به أن لا يجعل هذا الضابط قيداً في فوات المولاة وهو أن يقدر لو كان الوجه مغسولاً وجب أن يكون مسح اليدين تابع لهما نقول هذا الاعتبار غير مراد لكن إذا قيل بأنه غير
стр. 212
مراد لا يلزم منه أن يخرج التيمم عن صورته؛ لا، بأن يتيمم يمسح وجهه ثم يبقى ساعة من الزمن وإذا رآه رائي قال هذا مسح يديه ولم يمسح وجهه ومن رآه في السابق يرى أنه مسح وجهه ولم يمسح يديه نقول هذا أخرج التيمم عن صورته، ثم قال رحمه الله تعالى نعم قال هنا (الترتيب والمولاة في حدث أصغر) يعني الشرط الثالث والرابع أو الفرض الثالث والفرض الرابع (الترتيب والمولاة في) التيمم عن (حدث أصغر) وأما الحدث الأكبر فلا يشترط فيه ترتيب ولا مولاة كما سبق ولذلك هنا في الاستدلال عن الترتيب بكونه أدخل ممسوحاً بين مغسولات فصل بين متماثلات المغسولات بإدخال ممسوح بين مغسول ومغسول فدل على أنه مراد وهذا دليل على أن الترتيب فرض وهذا لم يجعل في التيمم - حينئذٍ - الدليل الذي دل على الترتيب في طهارة الوضوء ليس موجوداً في طهارة التيمم - حينئذٍ - القياس طهارة وطهارة نقول هذا قياس مع الفارق، ثم قال (وتشترط النية لما يتيمم له من حدث أو غيره) عندنا نيتان هنا نية ما يتيمم له ونية ما يتيمم عنه ما سبق بيانه تيمم عن أحداث أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها هذا تيمم عن نجاسة عن حدث أصغر عن حدث أكبر فهو شيء سابق الموجب للحدث، ما يتيمم له من صلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة هنا قال (وتشترط النية) يعني تعين النية (لما) يعني لشيء لعبادة يتيمم (له) الضمير يعود إلى ما كصلاة أو طواف أو غيرهما مما لا تصح إلا بطهارة طهارة مائية أو طهارة ترابية (من حدث) هذا جار ومجرور متعلق بقوله تيمم (لما يتيمم له من حدث أو غيره) ما هو غير الحدث؟ نجاسة مطلقاً؟ نجاسة على بدنه (من حدث أو غيره) كنجاسة على بدن فتجب النية لها على الصحيح في هذا الموضع ولذلك من المخالفات عندهم لأنه سبق تقرير أن النجاسة إزالت النجاسة لا يشترط لها النية هذا محل وفاق عند الأئمة إلا بعضهم أبي حنيفة وابن حزم - فحينئذٍ - إذا أراد إزالت النجاسة بطهارة مائية لا تشترط لها النية وأما في هذا الموضع التيمم خالف المذهب الأصل الذي قرره في الطهارة المائية والأصل عندهم أن طهارة التيمم محمولة على طهارة الماء - حينئذٍ - الأصل فيه إما أن يقال باشتراط النية في الموضعين أو بانتفاء النية في الموضعين واضح إما أن يقال باشتراط النية في الموضعين أنه يجب اشتراط النية تعين النية إزالت النجاسة في الطهارة المائية وكذلك هنا كما قالوا به وإما أن يقال ولا يشترط في التيمم عن النجاسة النية كما أنها لا تشترط في الطهارة المائية لأنه صرحوا في هذا الموضع أن مبنى التيمم من حيث الجملة والتفصيل مبناه على الطهارة المائية فالحكم هو الحكم وهذا مما اختلفا واضطربا فيه لكن ما السبب؟ قالوا لأن التيمم ضعيف لماذا ضعيف؟ لأنه طهارة ضرورة بمعنى أنه مقيد بعدم وجود الماء - حينئذٍ - لابد أن يضيق في بعض المسائل ومن أهم المسائل التي فرقوا بين الطهارتين طهارة الضرورة والأصلية المائية أن التيمم مبيح لا رافع وأن الطهارة المائية رافع الطهارة المائية رافعة للحدث سواء كان أصغر أو أكبر وأما التيمم ليس برافع وإنما هو مبيح نحن نقول نعم نسلم بأن التيمم لا يرفع الحدث على الصحيح وإنما هو مراد به استباحت
стр. 213
ما يتيمم له لكن للدليل الذي دل على أن التيمم مبيح لا رافع على ما ذكرناه سابقاً وما عدا ذلك من الأحكام فيبقى على الأصل لما أطلق الله قال (إذا قمتم إلى الصلاة) ثم قال (فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا) ما قيد شيئاً من ذلك بما قيد به شيء من الطهارة المائية - حينئذٍ - نقول هذه طهارة مستقلة وهذه طهارة مستقلة كل منهما مشروع لشيء لعبادة تشترط له الطهارة - حينئذٍ - يبقى كل شيء على أصله ولذلك كما سيأتي أن الصحيح أنه لو تيمم في صلاة الفجر وبقي غير محدث إلى صلاة العشاء جاز له أن يصلي؛ لماذا؟ لعدم دليل يدل على أن خروج الوقت مثلاً أو أنه إذا تيمم لفرض لا يصلي به نفلاً ونحو ذلك كل هذه تقيدات اجتهادية ولا أصل لها لأن النبي ﷺ يقول (الصعيد الطيب طهور المسلم) مطلقاً نقيده بدخول الوقت أو بخروج الوقت هذا زيادة على النص، إذاً (وتشترط النية لما يتيمم له من حدث أو غيره) كنجاسة على بدن فينوي استباحة الصلاة من الجنابة نعم لا ينوي رفع الحدث لو نوى رفع الحدث ما صح تيممه لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما ينوي استباحة يعني يباح له أن يفعل الصلاة وهذا من حكمة الله في الصلاة ونحوها أنه شرط الطهارة المائية فإن لم يتمكن - حينئذٍ - لابد من شيء يفعله من أجل الإقدام على الصلاة فأباح له أو أمره بضرب اليدين على التراب ومسح الوجه واليدين ثم بعد ذلك بهذا الفعل يستبيح لأن الأصل التحريم يستبيح فعل الصلاة فيجوز له وأما إذا دخل بدون طهارة مائية ولا ترابية ولم يكن فاقداً للطهورين الأصل فيه التحريم فيأثم وذهب أبو حنيفة إلى أنه كافر لأنه يعتبر مسخفاً مستهزئ بالصلاة هذا شأنه - حينئذٍ - الأصل التحريم أن يقدم على صلاة بدون إحدى الطهارتين فأذن له الشارع - حينئذٍ - ينوي استباحة الصلاة ينوي استباحة الطواف ينوي استباحة مس المصحف ونحو ذلك، استباحة الصلاة من الجنابة والحدث إن كانا أو أحدهما أو عن غسل بعض بدنه الجريح ونحوه قال في التعليل هنا في الشرح [لأنها طهارة ضرورة فلم ترفع الحدث] هذا صحيح طهارة ضرورة لكن لا يلزم أن تفهم الضرورة بالضرورة التي قعدها الأصوليون بمعنى أن الضرورة تقدر بقدرها ثم ما عدا المنوي لا يستباح فيه ألبته نقول هذه زيادة على النص طهارة ضرورة بمفهوم أخص ليس بالمفهوم العام الذي ينطبق عليه القواعد العامة في الضرورات إنما نقول ضرورة خاصة وهي نفسرها؛ نفسرها بماذا؟ (فلم تجدوا ماء) إذاً عدم الماء - حينئذٍ - عدل إلى التيمم وهذا المراد بطهارة الضرورة على ما جاءت به النصوص وهما وسعوا مفهوم الضرورة أطلق اللفظ على هذه العبادة المستقلة وهي التيمم ثم ألحقوا بالضرورة كل الأحكام المتعلق به قالوا الضرورة تقدر بقدرها - حينئذٍ - فاقد الطهورين يتيمم يصلي فرضاً فقط ولا يصلي نافلة هذا الأصل له كذلك إذا صلى قرأ الفاتحة ولا يحل له زيادة في حرف واحد من القرآن ويقول سبحان ربي العظيم ولا يأتي بثانية تسبيحه ثانية فإن جاء أثم ويقول سبحان ربي الأعلى في السجود بواحدة فقط لماذا؟ لأن التيمم ضرورة فتقدر بقدرها فيأتي بالواجب ولا يزيد عليه ألبته نقول هذا يحتاج إلى دليل ولا دليل ويبقى الأصل أن الرب
стр. 214
شرع التيمم ثم يفعل به ما شاء ولا ينتقض هذا التيمم إلا بمبطلات الوضوء أو وجد الماء ولو في الصلاة على الصحيح فلابد من التعين تقوية لضعفيه ولو نوى رفع الحدث لم يصح ثم قال ولو نوى رفع الحدث لا يصح، ثم قال (فإن نوى أحدها) أي أحد ما سبق ذكره من حدث أو غيره (أحدها) يعني الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها (لم يجزئه عن الآخر) إذا عين الحدث الأصغر لا يجزئه عن الحدث الأكبر إذا عين الحدث الأكبر لا يجزئه عن الحدث الأصغر إذا عين النجاسة إزالت النجاسة على بدنه تضره إزالتها لا يجزئه عن الحدث الأصغر والأكبر؛ لماذا؟ لأنه لابد من تعين النية عرفنا أن الأصل في التيمم عن النجاسة أنه ضعيف - حينئذٍ - نسقط هذه فلا نحتاجها بقي، ماذا؟ الحدث الأصغر والأكبر كما سبق، ابن تيمية رحمه الله تعالى نقل عن جماهير أهل العلم أنه لو نوى أحدها أجزأه عن الآخر لكن نية الحدث الأكبر عن الأصغر واضحة أنها داخلة فيها لأنه نوى الأعم فدخل فيه الأصغر وأما العكس فهذا محل نظر لقول ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذه الحدث الأصغر لم ينوي الحدث الأكبر هذا محل بحث، (لم يجزئه عن الآخر) يعني الذي لم ينويه لحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) وإن نوى جميعها جاز هذا واضح بين (إنما الأعمال) والتيمم عمل (بالنيات) (إنما الأعمال بالنيات) وهذا نوى التيمم عن حدث أصغر وأكبر وعن نجاسة أجزأ وكل واحد يدخل في العموم يكون منوي، ثم قال (وإن نوى نفلاً وأطلق لم يصلي به فرضاً) عندهم أدنى وأعلى إن نوى الأعلى صلى به الأعلى ومثله والأدنى واضح إن نوى الأعلى فرض العين صلى به مثله كالمقضية أو فرض الكفاية الأدنى والأدنى كذلك الذي هو النافلة لكن إذا نوى الأدنى لا يصلي به الأعلى وهذا يحتاج إلى دليل ولا دليل؛ لماذا؟ لأن الأصل هنا شرع التيمم ليفعل به ما اشترطت الطهارة له فإذا كان كذلك فالأصل هو المطلق فأطلقه الشارع فنبقى على إطلاقه وتقيده بهذه التفصيلات نقول نحتاج إلى دليل ولذلك لو كلف الناس العوام بهذه التفصيلات التي عند الفقهاء لصار التيمم أشق من الطهارة المائية وهو طهارة ضرورة رخصة وقيل عزيمة فهذه التفصيلات لا يدركها العوام صلي أعلى وأدنى طلاب العلم ما يميز بين أدنى وأعلى طواف فرض أو طواف فرض كفاية أيهما أعلى الطواف المندوب أو الطواف الذي يكون طواف للزيارة؟ هذا قد يقع فيه إشكال عند البعض على كل قال (وإن نوى نفلاً) يعني نوى بتيممه (نفلاً) نافلة (لم يصلي به فرضاً) لا يستباح الفرض بنية النفل لأنه ليس بمنوي ولا يستباح الأعلى بنية الأدنى وخالف طهارة الماء؛ لماذا؟ قالوا لأنها ترفع الحدث تقول نسلم بالأصل لكن لا نسلم بالتفريع نسلم بالأصل لا نسلم بالتفريع؛ لماذا؟ ليس هذا تناقض نقول نسلم بالأصل لوجود الدليل الدال عليه وهذا التيمم لا يرفع الحدث وإنما هو مبيح لما ذكرناه سابقاً لكن أصل إذا فرع وقيس عليه أشياء لم يرد فيها النص أو به النص - حينئذٍ - نمنع في كل مسألة على حده إذ لو كان كذلك لجاء النص مبيناً لكل مسألة من هذه المسائل (أو أطلق) يعني النية أطلق النية نوى الصلاة نوى بتيممه صلاة وأطلق هل هي
стр. 215
صلاة فرض هل هي فرض كفاية جنازة هل هي نفل أطلق؟ قالوا لا يصلي به إلا الأدنى لماذا؟ لأنها صارت مشتركة بين أعلى وأدنى وهو لم يعين فيحمل على الأدنى فلا يصلي به فرضاً ولذلك قال (أو أطلق) يعني أطلق النية يعني نوى استباحة الصلاة وأطلق لم يعين الصلاة فلم يعين فرضاً ولا نفلاً (لم يصلي به فرضاً) ولو جنازة لماذا؟ لأن الجنازة من الواجبات لكنها واجب كفائي لا واجب عيني إذاً كل منهما الواجب العيني والكفائي لا يصلي به إذا نوى إذا أطلق النية ولم يعين فانتفاء التعين - حينئذٍ - يحمل التيمم أنه تيمم عن نافلة ولا يصلي به الأعلى وهذا لا دليل عليه والصواب أنه متى ما نوى ما تشترط له الطهارة صلى به مطلقاً أدنى وأعلى ومساوي ومثله وغير ذلك، (وإن نواه) يعني نوى الفرض (صلى كل وقته) يعني وقت الفرض (فروضاً ونوافل) فله الجمع وقضاء الفوات (صلى كل وقته) يعني وقت الفرض (فروضاً) كيف صلى فروضا هو فرض واحد؟ نقول نعم قد يجمع بين فرضين ظهر وعصر مغرب وعشاء - حينئذٍ - لا يشترط أن يتيمم للظهر ثم يتيمم للعصر قد قال به بعض الفقهاء الصواب أنه يجمع بينهما بتيمم واحد وله أن يصلي نوافل كذلك، كذلك إذا تذكر ماذا؟ فائته - حينئذٍ - له أن يصلي لماذا؟ لأنها فرض وقد الفرض فصلى به فروضاً ونوافل فمن نوى شيء استباحه ومثله ودونه العوام لا يفهمون هذا الكلام فإذا قيل بهذا - - فالباب فصار فيه مشقة، ثم انتقل إلى مبطلات التيمم فقال (ويبطل التيمم بخروج الوقت) هذه مسألة اجتهادية قالوا لأن مبنى التيمم على طهارة الضرورة - حينئذٍ - تقدر بقدرها فلا يحل له أن يتيمم قبل دخول الوقت لماذا؟ لأنه غير مضطر وكذلك إذا خرج الوقت بطل التيمم لأنه إنما قيد بوقت معين وهذه مسألة اجتهادية وليس عليها دليل فالظاهر والصحيح أنه لا يبطل التيمم بخروج الوقت مطلقاً (ويبطل التيمم) قال [مطلقاً] سواء كان في صلاة وغيرها (بخروج الوقت) [وإن لم يحدث أو دخوله فلا يباح له فعل شيء من العبادات المشترط لها التيمم وظاهر كلامه أنه لو خرج الوقت في أثناء الصلاة بطل التيمم] وهو كذلك المذهب أنه لو خرج الوقت في أثناء الصلاة بطل التيمم وهذا محل إشكال إذاً بخروج وقته أو دخوله يبطل التيمم وعنه عن الإمام أحمد رواية أنه رافع فيصلي به إلى حدثه لأن الله تعالى شرع التيمم حال عدم الماء فقال (فلم تجدوا ماء فتيمموا) فتبقى الطهارة ببقائه والرسول ﷺ جعل طهارة التيمم ممتدة إلى وجود الماء فقال (طهور المسلم) وقال (جعلت تربتها لنا طهوراً) وللنسائي بسند قوي (وضوء المسلم) فكان في عدم الماء كالوضوء ولأنها طهارة تبيح الصلاة فلا تتقيد بالوقت كطهارة الماء إذاً هذا الشرط أو هذا المبطل ليس بمسلم له واستثنى المذهب مسألتين صلاة الجمعة لو خرج الوقت وهو يصلي ما بطلت كذلك الجمع وكذلك يبطل التيمم عن حدث أصغر من مبطلات الوضوء قال في الإنصاف [بلا نزاع] وعن حدث بموجباته يعني لو تيمم عن حدث أصغر بطل التيمم بمبطلات الوضوء السابقة الثمانية وكذلك يبطل التيمم إذا تيمم عن حدث أكبر بموجبات الغسل السابقة في باب الغسل وهذا محل وفاق قال ابن حزم رحمه الله تعالى [وكل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض
следующие страницы →