← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 36123

الشرح الميسر لزاد المستقنع - الحازمي - كتاب الطهارة

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (289 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

التعميم والمراد بالتعميم المسح لا إيصال التراب (والترتيب والمولاة) انظر الشارح قال [وكذا الترتيب] ادخل كلمة كذا بين الواو والترتيب مع أنها معطوفة على ما سبق، قال (فروضه) يعني أربعة؛ أولاً (مسح وجهه ويديه إلى كوعيه) قال [وكذا الترتيب] لماذا أتى بالكذلكة؟ تسمى الكذلكة؟ للخلاف بمعنى أن يؤتى بالكذلكة بين متماثلين في الحكم يعني هنا قال (فروضه) إذاً مسح الوجه فرض ومسح اليدين فرض والترتيب فرض والمولاة فرض لكن لماذا قال [كذا الترتيب] عطف مختلف فيه على متفق عليه ولذلك مجمع على أن مسح الوجه واليدين فرضان من فرائض التيمم لا يتحقق التيمم إلا يهذين الفرضين لكن الترتيب هذا مختلف فيه والمرجح في المذهب أنه فرض كذلك المولاة مختلف فيها والمرجح في المذهب أنها فرض ولذلك بعض الطلاب إذا فصل بين متفق عليه وبين مختلف فيه وقد يدعى الإجماع في الثاني بالكذلكة وكذلك كذا هذه عبارة تكثر عند الفقهاء حتى عند النحاة وغيرهم ومرادهم أن الثاني كالأول من حيث الترجيح لكن لا من حيث الاختلاف الأول مجمع عليه والثاني مختلف فيه إذاً وكذا الترتيب هذا المذهب وهو مذهب الشافعية كذلك وعند المالكية سنة كذا عند الحنفية يعني الترتيب بين مسح الوجه واليدين لابد أن يقدم ماذا؟ كما قدمه الله في الآية (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) - حينئذٍ - الوجه مقدم على اليدين فلو خالف فقدم الوجه على اليدين لم يصح التيمم لأن الترتيب فرض والصحيح أنه ليس بفرض وإنما هو سنة ولذلك في الحديث السابق المتفق عليه (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) قدم الكفين على الوجه وإن كان التقديم الشيء في القرآن يدل على أنه هو الظاهر لكن جاء بالسنة لو لم يرد هذا النص لقلنا المعتبر هناك هو المقدم يعني أن الوجه مقدم على اليدين لكن لما جاء هذا الحديث المتفق عليه وقد النبي ﷺ الكفين على الوجه دل على أنه سنة ليس بواجب (والمولاة) يعني بين مسح الوجه ومسح اليدين المولاة بينهما بأن لا يؤخر مسح اليدين بحيث يجف الوجه إذا كان مغسولاً فهما فرضان، وهما يعود إلى الترتيب والمولاة؛ المولاة هنا شرط أو فرض في التيمم قياساً على الوضوء كما أن المولاة في الوضوء فرض من فرائضه كذلك المولاة فرض من فرائض التيمم لأن مبنى التيمم على طهارة الماء ولذلك قال (والمولاة) بينهما ما ضابط المولاة؟ بأن لا يؤخر مسح اليدين بحيث يشف الوجه لو كان مغسولاً فيمسح وجهه أولاً ثم يفصل بين الوجه ومسح اليدين إن كان الفاصل بينهما لو كان الوجه مغسولاً لجف فاتت المولاة وإن كان دون ذلك - حينئذٍ - لا بأس به فالمرد إلى العرف والصحيح أن المولاة سنة وليست بواجبة والقياس هنا قياس مع الفارق لأن التيمم هنا طهارة مستقلة والوضوء هنا طهارة مستقلة لكن لابد أن يراعى أن لا يخرج التيمم عن صورته بمعنى أنه لا يمسح وجهه ثم يجلس ساعة من الزمن ثم يمسح يديه لأن هذه الصورة ليست مرتبة بين مسح ومسح وإنما المراد به أن لا يجعل هذا الضابط قيداً في فوات المولاة وهو أن يقدر لو كان الوجه مغسولاً وجب أن يكون مسح اليدين تابع لهما نقول هذا الاعتبار غير مراد لكن إذا قيل بأنه غير

стр. 212

مراد لا يلزم منه أن يخرج التيمم عن صورته؛ لا، بأن يتيمم يمسح وجهه ثم يبقى ساعة من الزمن وإذا رآه رائي قال هذا مسح يديه ولم يمسح وجهه ومن رآه في السابق يرى أنه مسح وجهه ولم يمسح يديه نقول هذا أخرج التيمم عن صورته، ثم قال رحمه الله تعالى نعم قال هنا (الترتيب والمولاة في حدث أصغر) يعني الشرط الثالث والرابع أو الفرض الثالث والفرض الرابع (الترتيب والمولاة في) التيمم عن (حدث أصغر) وأما الحدث الأكبر فلا يشترط فيه ترتيب ولا مولاة كما سبق ولذلك هنا في الاستدلال عن الترتيب بكونه أدخل ممسوحاً بين مغسولات فصل بين متماثلات المغسولات بإدخال ممسوح بين مغسول ومغسول فدل على أنه مراد وهذا دليل على أن الترتيب فرض وهذا لم يجعل في التيمم - حينئذٍ - الدليل الذي دل على الترتيب في طهارة الوضوء ليس موجوداً في طهارة التيمم - حينئذٍ - القياس طهارة وطهارة نقول هذا قياس مع الفارق، ثم قال (وتشترط النية لما يتيمم له من حدث أو غيره) عندنا نيتان هنا نية ما يتيمم له ونية ما يتيمم عنه ما سبق بيانه تيمم عن أحداث أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها هذا تيمم عن نجاسة عن حدث أصغر عن حدث أكبر فهو شيء سابق الموجب للحدث، ما يتيمم له من صلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة هنا قال (وتشترط النية) يعني تعين النية (لما) يعني لشيء لعبادة يتيمم (له) الضمير يعود إلى ما كصلاة أو طواف أو غيرهما مما لا تصح إلا بطهارة طهارة مائية أو طهارة ترابية (من حدث) هذا جار ومجرور متعلق بقوله تيمم (لما يتيمم له من حدث أو غيره) ما هو غير الحدث؟ نجاسة مطلقاً؟ نجاسة على بدنه (من حدث أو غيره) كنجاسة على بدن فتجب النية لها على الصحيح في هذا الموضع ولذلك من المخالفات عندهم لأنه سبق تقرير أن النجاسة إزالت النجاسة لا يشترط لها النية هذا محل وفاق عند الأئمة إلا بعضهم أبي حنيفة وابن حزم - فحينئذٍ - إذا أراد إزالت النجاسة بطهارة مائية لا تشترط لها النية وأما في هذا الموضع التيمم خالف المذهب الأصل الذي قرره في الطهارة المائية والأصل عندهم أن طهارة التيمم محمولة على طهارة الماء - حينئذٍ - الأصل فيه إما أن يقال باشتراط النية في الموضعين أو بانتفاء النية في الموضعين واضح إما أن يقال باشتراط النية في الموضعين أنه يجب اشتراط النية تعين النية إزالت النجاسة في الطهارة المائية وكذلك هنا كما قالوا به وإما أن يقال ولا يشترط في التيمم عن النجاسة النية كما أنها لا تشترط في الطهارة المائية لأنه صرحوا في هذا الموضع أن مبنى التيمم من حيث الجملة والتفصيل مبناه على الطهارة المائية فالحكم هو الحكم وهذا مما اختلفا واضطربا فيه لكن ما السبب؟ قالوا لأن التيمم ضعيف لماذا ضعيف؟ لأنه طهارة ضرورة بمعنى أنه مقيد بعدم وجود الماء - حينئذٍ - لابد أن يضيق في بعض المسائل ومن أهم المسائل التي فرقوا بين الطهارتين طهارة الضرورة والأصلية المائية أن التيمم مبيح لا رافع وأن الطهارة المائية رافع الطهارة المائية رافعة للحدث سواء كان أصغر أو أكبر وأما التيمم ليس برافع وإنما هو مبيح نحن نقول نعم نسلم بأن التيمم لا يرفع الحدث على الصحيح وإنما هو مراد به استباحت

стр. 213

ما يتيمم له لكن للدليل الذي دل على أن التيمم مبيح لا رافع على ما ذكرناه سابقاً وما عدا ذلك من الأحكام فيبقى على الأصل لما أطلق الله قال (إذا قمتم إلى الصلاة) ثم قال (فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا) ما قيد شيئاً من ذلك بما قيد به شيء من الطهارة المائية - حينئذٍ - نقول هذه طهارة مستقلة وهذه طهارة مستقلة كل منهما مشروع لشيء لعبادة تشترط له الطهارة - حينئذٍ - يبقى كل شيء على أصله ولذلك كما سيأتي أن الصحيح أنه لو تيمم في صلاة الفجر وبقي غير محدث إلى صلاة العشاء جاز له أن يصلي؛ لماذا؟ لعدم دليل يدل على أن خروج الوقت مثلاً أو أنه إذا تيمم لفرض لا يصلي به نفلاً ونحو ذلك كل هذه تقيدات اجتهادية ولا أصل لها لأن النبي ﷺ يقول (الصعيد الطيب طهور المسلم) مطلقاً نقيده بدخول الوقت أو بخروج الوقت هذا زيادة على النص، إذاً (وتشترط النية لما يتيمم له من حدث أو غيره) كنجاسة على بدن فينوي استباحة الصلاة من الجنابة نعم لا ينوي رفع الحدث لو نوى رفع الحدث ما صح تيممه لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما ينوي استباحة يعني يباح له أن يفعل الصلاة وهذا من حكمة الله في الصلاة ونحوها أنه شرط الطهارة المائية فإن لم يتمكن - حينئذٍ - لابد من شيء يفعله من أجل الإقدام على الصلاة فأباح له أو أمره بضرب اليدين على التراب ومسح الوجه واليدين ثم بعد ذلك بهذا الفعل يستبيح لأن الأصل التحريم يستبيح فعل الصلاة فيجوز له وأما إذا دخل بدون طهارة مائية ولا ترابية ولم يكن فاقداً للطهورين الأصل فيه التحريم فيأثم وذهب أبو حنيفة إلى أنه كافر لأنه يعتبر مسخفاً مستهزئ بالصلاة هذا شأنه - حينئذٍ - الأصل التحريم أن يقدم على صلاة بدون إحدى الطهارتين فأذن له الشارع - حينئذٍ - ينوي استباحة الصلاة ينوي استباحة الطواف ينوي استباحة مس المصحف ونحو ذلك، استباحة الصلاة من الجنابة والحدث إن كانا أو أحدهما أو عن غسل بعض بدنه الجريح ونحوه قال في التعليل هنا في الشرح [لأنها طهارة ضرورة فلم ترفع الحدث] هذا صحيح طهارة ضرورة لكن لا يلزم أن تفهم الضرورة بالضرورة التي قعدها الأصوليون بمعنى أن الضرورة تقدر بقدرها ثم ما عدا المنوي لا يستباح فيه ألبته نقول هذه زيادة على النص طهارة ضرورة بمفهوم أخص ليس بالمفهوم العام الذي ينطبق عليه القواعد العامة في الضرورات إنما نقول ضرورة خاصة وهي نفسرها؛ نفسرها بماذا؟ (فلم تجدوا ماء) إذاً عدم الماء - حينئذٍ - عدل إلى التيمم وهذا المراد بطهارة الضرورة على ما جاءت به النصوص وهما وسعوا مفهوم الضرورة أطلق اللفظ على هذه العبادة المستقلة وهي التيمم ثم ألحقوا بالضرورة كل الأحكام المتعلق به قالوا الضرورة تقدر بقدرها - حينئذٍ - فاقد الطهورين يتيمم يصلي فرضاً فقط ولا يصلي نافلة هذا الأصل له كذلك إذا صلى قرأ الفاتحة ولا يحل له زيادة في حرف واحد من القرآن ويقول سبحان ربي العظيم ولا يأتي بثانية تسبيحه ثانية فإن جاء أثم ويقول سبحان ربي الأعلى في السجود بواحدة فقط لماذا؟ لأن التيمم ضرورة فتقدر بقدرها فيأتي بالواجب ولا يزيد عليه ألبته نقول هذا يحتاج إلى دليل ولا دليل ويبقى الأصل أن الرب

стр. 214

شرع التيمم ثم يفعل به ما شاء ولا ينتقض هذا التيمم إلا بمبطلات الوضوء أو وجد الماء ولو في الصلاة على الصحيح فلابد من التعين تقوية لضعفيه ولو نوى رفع الحدث لم يصح ثم قال ولو نوى رفع الحدث لا يصح، ثم قال (فإن نوى أحدها) أي أحد ما سبق ذكره من حدث أو غيره (أحدها) يعني الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها (لم يجزئه عن الآخر) إذا عين الحدث الأصغر لا يجزئه عن الحدث الأكبر إذا عين الحدث الأكبر لا يجزئه عن الحدث الأصغر إذا عين النجاسة إزالت النجاسة على بدنه تضره إزالتها لا يجزئه عن الحدث الأصغر والأكبر؛ لماذا؟ لأنه لابد من تعين النية عرفنا أن الأصل في التيمم عن النجاسة أنه ضعيف - حينئذٍ - نسقط هذه فلا نحتاجها بقي، ماذا؟ الحدث الأصغر والأكبر كما سبق، ابن تيمية رحمه الله تعالى نقل عن جماهير أهل العلم أنه لو نوى أحدها أجزأه عن الآخر لكن نية الحدث الأكبر عن الأصغر واضحة أنها داخلة فيها لأنه نوى الأعم فدخل فيه الأصغر وأما العكس فهذا محل نظر لقول ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذه الحدث الأصغر لم ينوي الحدث الأكبر هذا محل بحث، (لم يجزئه عن الآخر) يعني الذي لم ينويه لحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) وإن نوى جميعها جاز هذا واضح بين (إنما الأعمال) والتيمم عمل (بالنيات) (إنما الأعمال بالنيات) وهذا نوى التيمم عن حدث أصغر وأكبر وعن نجاسة أجزأ وكل واحد يدخل في العموم يكون منوي، ثم قال (وإن نوى نفلاً وأطلق لم يصلي به فرضاً) عندهم أدنى وأعلى إن نوى الأعلى صلى به الأعلى ومثله والأدنى واضح إن نوى الأعلى فرض العين صلى به مثله كالمقضية أو فرض الكفاية الأدنى والأدنى كذلك الذي هو النافلة لكن إذا نوى الأدنى لا يصلي به الأعلى وهذا يحتاج إلى دليل ولا دليل؛ لماذا؟ لأن الأصل هنا شرع التيمم ليفعل به ما اشترطت الطهارة له فإذا كان كذلك فالأصل هو المطلق فأطلقه الشارع فنبقى على إطلاقه وتقيده بهذه التفصيلات نقول نحتاج إلى دليل ولذلك لو كلف الناس العوام بهذه التفصيلات التي عند الفقهاء لصار التيمم أشق من الطهارة المائية وهو طهارة ضرورة رخصة وقيل عزيمة فهذه التفصيلات لا يدركها العوام صلي أعلى وأدنى طلاب العلم ما يميز بين أدنى وأعلى طواف فرض أو طواف فرض كفاية أيهما أعلى الطواف المندوب أو الطواف الذي يكون طواف للزيارة؟ هذا قد يقع فيه إشكال عند البعض على كل قال (وإن نوى نفلاً) يعني نوى بتيممه (نفلاً) نافلة (لم يصلي به فرضاً) لا يستباح الفرض بنية النفل لأنه ليس بمنوي ولا يستباح الأعلى بنية الأدنى وخالف طهارة الماء؛ لماذا؟ قالوا لأنها ترفع الحدث تقول نسلم بالأصل لكن لا نسلم بالتفريع نسلم بالأصل لا نسلم بالتفريع؛ لماذا؟ ليس هذا تناقض نقول نسلم بالأصل لوجود الدليل الدال عليه وهذا التيمم لا يرفع الحدث وإنما هو مبيح لما ذكرناه سابقاً لكن أصل إذا فرع وقيس عليه أشياء لم يرد فيها النص أو به النص - حينئذٍ - نمنع في كل مسألة على حده إذ لو كان كذلك لجاء النص مبيناً لكل مسألة من هذه المسائل (أو أطلق) يعني النية أطلق النية نوى الصلاة نوى بتيممه صلاة وأطلق هل هي

стр. 215

صلاة فرض هل هي فرض كفاية جنازة هل هي نفل أطلق؟ قالوا لا يصلي به إلا الأدنى لماذا؟ لأنها صارت مشتركة بين أعلى وأدنى وهو لم يعين فيحمل على الأدنى فلا يصلي به فرضاً ولذلك قال (أو أطلق) يعني أطلق النية يعني نوى استباحة الصلاة وأطلق لم يعين الصلاة فلم يعين فرضاً ولا نفلاً (لم يصلي به فرضاً) ولو جنازة لماذا؟ لأن الجنازة من الواجبات لكنها واجب كفائي لا واجب عيني إذاً كل منهما الواجب العيني والكفائي لا يصلي به إذا نوى إذا أطلق النية ولم يعين فانتفاء التعين - حينئذٍ - يحمل التيمم أنه تيمم عن نافلة ولا يصلي به الأعلى وهذا لا دليل عليه والصواب أنه متى ما نوى ما تشترط له الطهارة صلى به مطلقاً أدنى وأعلى ومساوي ومثله وغير ذلك، (وإن نواه) يعني نوى الفرض (صلى كل وقته) يعني وقت الفرض (فروضاً ونوافل) فله الجمع وقضاء الفوات (صلى كل وقته) يعني وقت الفرض (فروضاً) كيف صلى فروضا هو فرض واحد؟ نقول نعم قد يجمع بين فرضين ظهر وعصر مغرب وعشاء - حينئذٍ - لا يشترط أن يتيمم للظهر ثم يتيمم للعصر قد قال به بعض الفقهاء الصواب أنه يجمع بينهما بتيمم واحد وله أن يصلي نوافل كذلك، كذلك إذا تذكر ماذا؟ فائته - حينئذٍ - له أن يصلي لماذا؟ لأنها فرض وقد الفرض فصلى به فروضاً ونوافل فمن نوى شيء استباحه ومثله ودونه العوام لا يفهمون هذا الكلام فإذا قيل بهذا - - فالباب فصار فيه مشقة، ثم انتقل إلى مبطلات التيمم فقال (ويبطل التيمم بخروج الوقت) هذه مسألة اجتهادية قالوا لأن مبنى التيمم على طهارة الضرورة - حينئذٍ - تقدر بقدرها فلا يحل له أن يتيمم قبل دخول الوقت لماذا؟ لأنه غير مضطر وكذلك إذا خرج الوقت بطل التيمم لأنه إنما قيد بوقت معين وهذه مسألة اجتهادية وليس عليها دليل فالظاهر والصحيح أنه لا يبطل التيمم بخروج الوقت مطلقاً (ويبطل التيمم) قال [مطلقاً] سواء كان في صلاة وغيرها (بخروج الوقت) [وإن لم يحدث أو دخوله فلا يباح له فعل شيء من العبادات المشترط لها التيمم وظاهر كلامه أنه لو خرج الوقت في أثناء الصلاة بطل التيمم] وهو كذلك المذهب أنه لو خرج الوقت في أثناء الصلاة بطل التيمم وهذا محل إشكال إذاً بخروج وقته أو دخوله يبطل التيمم وعنه عن الإمام أحمد رواية أنه رافع فيصلي به إلى حدثه لأن الله تعالى شرع التيمم حال عدم الماء فقال (فلم تجدوا ماء فتيمموا) فتبقى الطهارة ببقائه والرسول ﷺ جعل طهارة التيمم ممتدة إلى وجود الماء فقال (طهور المسلم) وقال (جعلت تربتها لنا طهوراً) وللنسائي بسند قوي (وضوء المسلم) فكان في عدم الماء كالوضوء ولأنها طهارة تبيح الصلاة فلا تتقيد بالوقت كطهارة الماء إذاً هذا الشرط أو هذا المبطل ليس بمسلم له واستثنى المذهب مسألتين صلاة الجمعة لو خرج الوقت وهو يصلي ما بطلت كذلك الجمع وكذلك يبطل التيمم عن حدث أصغر من مبطلات الوضوء قال في الإنصاف [بلا نزاع] وعن حدث بموجباته يعني لو تيمم عن حدث أصغر بطل التيمم بمبطلات الوضوء السابقة الثمانية وكذلك يبطل التيمم إذا تيمم عن حدث أكبر بموجبات الغسل السابقة في باب الغسل وهذا محل وفاق قال ابن حزم رحمه الله تعالى [وكل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض

стр. 216

التيمم وهذا مما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإسلام] ﵀ (وبوجود الماء ولو في الصلاة) هذه مبطل في باب التيمم يزاد على مبطلات الوضوء ويبطل التيمم أيضاً (بوجود الماء) إذا تيمم ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة بطل تيممه عند عامة أهل العلم إذا تيمم ولم يصلي بعد تيمم قيل جاء الماء وصل الماء ولم يصلي بطل تيممه عند عامة أهل العلم إن وجد التيمم بعد الوقت خروج الوقت عامة أهل العلم لا تلزمه الإعادة إن وجد الماء بعد الصلاة قبل خروج الوقت فيه خلاف وجمهور أهل العلم أنه لا تلزمه الإعادة وهو الصحيح لأنه إذا أدى ما أمر به فقد خرج عن العهدة - حينئذٍ - بقي عليه إن وجد الماء قبل الصلاة هذا محل وفاق إن وجد الماء أثناء الصلاة هذا محل خلاف بين أهل العلم ولذلك قال (بوجود الماء) المقدور على استعماله بلا ضرر إن كان تيمم لعدمه وإلا فبزوال مبيح لمرض ونحوه يعني إذا وجد الماء وقدر على استعماله أما إذا تيمم لعجزه كمن به جروح ووجد الماء بعد ذلك لا يضره أليس كذلك؟ لأن الموجب لانتقاله عن الطهارة المائية إلى الطهارة الترابية ليس هو عدم الماء ولو كان بالفعل عادم للماء فلو وجده نقول السبب الموجب له المنتقل من الطهارة المائية إلى الترابية هو ماذا؟ العجز وليس عدم الماء حساً - حينئذٍ - لو جد الماء لا يضره قال (ولو في الصلاة) (ولو) هذه إشارة خلاف (في الصلاة) فرضاً كانت أو نفلاً فيتطهر ويستأنفها أي يبطل تيممه بوجود الماء وهو في الصلاة وظاهره ولو جمعة لأن طهارة انتهت بانتهاء وقتها وهذا مذهب أبي حنيفة قال ابن رشد [وهما أحفظ للأصل لأنه أمر غير مناسب للشرع أن يوجد شيء واحد لا يبطل الطهارة في الصلاة وينقضها في غير الصلاة]- حينئذٍ - لو جد الماء قبل الصلاة انتقضت الطهارة إذا وجد الماء أثناء الصلاة قالوا لا ينتقض قل لا ينتقض لأن الشيء الواحد إذا اعتبر ناقضاً في قبل الصلاة كذلك هو ناقض أثناء الصلاة كالريح مثلاً خروج الريح ناقض للوضوء قبل الدخول في الصلاة لو وجد في أثناء الصلاة فهو كذلك والتفريق بين متماثلين هذا لا أساس به في الشرع إذاً لا يصدق عليه أنه غير واجد للماء إذا وجد الماء أثناء الصلاة (فلم نجدوا ماء فتيمموا) ثم يصلي به ولا يتحقق عدم وجود الماء إلا إذا انتهى من صلاته فإن وجده أثناء الصلاة لزمه الإعادة (لا بعدها) يعني لا إن وجد ذلك (بعدها) يعني بعد الصلاة سواء خرج الوقت أو لا قال ابن المنذر [أجمع أهل العلم على أنه من تيمم صعيداً طيباً كما أمر الله وصلى ثم وجد الماء بعد خروج وقت الصلاة لا إعادة عليه] فإن وجده قبل خروج الوقت فالجمهور لا يجب عليه أن يعيد الصلاة وقيل يستحب والصواب أنه لا يلزمه ولا يستحب لأنه فعل شيء مأموراً به فأدى ما عليه وبرئت ذمته من الصلاة وسقطت عنه الطلب (لا بعدها) يعني لا بعد الصلاة فلا تجب إعادتها، قال رحمه الله تعالى (والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى وصفته) هذا يأتي معنا مع باب النجاسة ونقف على هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 217

عناصر الدرس * قوله: "والتييم آخر الوقت لراجي الماء أولى". * صفة التيمم. * باب: إزالة النجاسة، وشرح الترجمة. * لم قدم المصنف هذا الباب على الحيض، والنفاس؟ * النجاسة الحكمية على المذهب ثلاثة أقسام. * قوله: "ويجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض" المسألة. * كيفية تطهير نجاسة الكلب، وهل يقاس عليه الخنزير؟ * قوله: "ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه"، والصحيح في المسألة. * قوله: "ولا يطهر متنجس بشمس، ولا ريح، ولا دلك، ولا استحالة". الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد مازال الحديث فيما يتعلق بمسائل باب التيمم وقد وقفنا عند قول المصنف رحمه الله تعالى (والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى) أليس كذلك؟ (والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى) الوقت المراد به هنا الوقت المختار بمعنى أنه إذا فقد الماء - حينئذٍ - إما أن يكون راجي لو جود الماء في آخر الوقت وإما أن يكون عالم بوجود الماء في آخر الوقت وإما أن يستوي عنده الأمران وإما أن يظن وجوده أو يظن عدم وجوده فالصور تكون خمسة، إما أن يكون عالم بوجوده آخر الوقت وإما أن يظن وجوده آخر الوقت وإما أن يستوي عنده الأمران لا يرجح أحدهما على الآخر وإما أن يغلب على ظنه عدم وجوده أو يعلم عدم وجوده لثلاث الصور مذهب الحنابلة أنه يتيمم آخر الوقت وذلك فيما إذا رجا وجود الماء أو كان عالماً أنه سيأتي قاطعاً جازماً بأن الماء سيأتي في آخر الوقت ولمن استوى عنده الأمران هذه ثلاث صور مذهب الحنابلة التيمم في آخر الوقت أولى بمعنى أنه لو تيمم في أول الوقت لكان مجزئ إلا أنه من باب الأفضلية والأرجحية يؤخر التيمم إلى آخر الوقت بقي صورتان أن يتحقق عدم وجود الماء فالتقديم أولى أن يظن عدم وجوده فالتقديم أولى - حينئذٍ - هذه الصور الخمس حصل فيها تعارض بين أصلين؛ أولاً: تقديم الصلاة في أول الوقت، الثاني: الصلاة بطهارة الماء على الأصل لأنه إذا راع الأحاديث الواردة في أفضلية تقديم الصلاة في أول الوقت وعمل بذلك - حينئذٍ - صلى بدون طهارة مائية ولو أخر مع ظنه وجود الماء أو علمه بوجود الماء - حينئذٍ - صلى بطهارة مائية ولكنه أخر إلى آخر الوقت أيهما أولى بالمراعاة أي الأصلين لا شك أن الصلاة بطهارة مائية أولى ومراعاته أولى فمتى ظن وجود الماء في آخر الوقت أو عدم هاتين الصورتين فالأفضل في حقه أن يؤخر التيمم إلى آخر الوقت وأما إذا استوى عنده الأمران أو ظن عدم وجود الماء أو قطع بعدم وجود الماء فهذه الصور الثلاث فالأولى أن يتيمم في أول الوقت خلاف لما ذهب إليه المصنف إذاً في صورتين نقول يتيمم في آخر الوقت وهو إذا علم وجود الماء في آخر الوقت - حينئذٍ - يترجح تأخير الصلاة عن أول وقتها إذا ظن وجود الماء كذلك الحكم أنه يتأخر بقي ثلاث صور على الصحيح إذا استوى عنده الأمران لم يرجح أحد الأمرين على الآخر لا يدري هل يجد الماء في آخر الوقت أم لا؟ أو ظن عدم وجود الماء أو قطع لعدم وجود الماء فهذه صور ثلاث نقول أن يترجح فيها أن يصلي في أول الوقت، ولذلك قال هنا (والتيمم آخر الوقت) يعني المختار (لراجي الماء) هذا شرط في المسألة، قال الشارح [أو العالم وجوده - وهذا كذلك يسلم له - ولمن استوى عنده الأمران] وهذا لا يسلم له بل التقديم يكون أفضل في حقه إذاً (لراجي الماء) هذا له مفهوم فإن يأس من وجوده استحب له التقديم قوله (أولى) إن صلى بتيممه في أول الوقت أجزأه ولكن الكلام في الأولوية الدليل على ذلك هو من باب التقعيد والتأصيل من باب الاجتهاد ولكن أوردوا قولاً لعلي رضي الله تعالى عنه في الجنب (يتلوم ما بينه

стр. 218

وبين آخر الوقت فإن وجد الماء وإلا تيمم) (يتلوم) أي يتأن (ما بينه وبين آخر الوقت) يتأن في وجود الماء (فإن وجد الماء) في آخر الوقت (وإلا تيمم) بمعنى أن علي رضي الله تعالى عنه يرى أن من كان على جنابة لا يتعجل في التيمم إنما ينتظر إلى آخر الوقت فإن وجد الماء - حينئذٍ - الطهارة المائية مقدمة وإلا تيمم، ثم قال رحمه الله تعالى (وصفته) يعني التيمم ما هي الكيفية التي يتيمم بها قال (أن ينوي) يعني يأتي بالنية والنية كما سبق هي الاستباحة هنا ولا ينوي رفع الحدث (أن ينوي) أي ينوي استباحت ما تيمم له على الصحيح من المذهب وعلى المذهب كذلك يعتبر معه ما يتيمم له قبل الحدث هذا على الصحيح من المذهب إذاً ينوي استباحت فرض الصلاة من الحدث الأصغر أو الأكبر يتيمم له يتيمم منه لابد من مراعاة النوعين في المذهب يعني ينوي استباحت الصلاة فرضاً هذا لابد منه؛ من ماذا؟ من الحدث الأصغر أو من الحدث الأكبر يعني تيمم لشيء من شيء فلابد أن ينوي الأمرين على المذهب (ثم) تفيد الترتيب يعني يأتي بالنية أولاً ثم يأتي بالتسمية من أجل أن التسمية عندهم واجبة هنا كالوضوء - حينئذٍ - لابد أن تكون النية مصاحبة لجميع صفة التيمم من أوله إلى آخره (ثم يسمى) يعني يقول بسم الله [وهي هنا كوضوء] هكذا قال الشارح يعني هنا كوضوء يعني تجب مع الذكر وتسقط مع السهو - حينئذٍ - حكمها الوجوب في التيمم - حينئذٍ - نطالب بالدليل ما الدليل على أن التسمية مشروعة في التيمم؟ قياساً على الوضوء وإذا كان الأمر كذلك نقول القياس هنا باطل ولا يصح فيبقى التيمم على أصله وهو أنه لا تشرع له التسمية لأن هذا القياس هنا في محل نظر؛ لماذا؟ لأن الوضوء عبادة مستقلة كما ذكرنا آنفاً وغسل الجنابة ونحوه كذلك عبادة مستقلة والوضوء كذلك عبادة مستقلة - حينئذٍ - لا يقاس أحدهما على الآخر فإذا شرعت التسمية في الوضوء - حينئذٍ - لا نقيس عليه غسل الجنابة لأن كل منهما طهارة والأصل عدم المشروعية فما جاء النص به - حينئذٍ - وقفنا عنده والتيمم كذلك عبادة مستقلة وإن كانت بدلاً عن الوضوء إلا أنه لا يلزم أن يكون البدل مساوياً للمبدل عنه من كل وجه فلا تشرع التسمية في التيمم لكونها مشروعة في الوضوء وهو أصل للتيمم نقول هذا قياس فاسد - حينئذٍ - نرجع إلى الأصل (ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع) (ويضرب التراب) (يضرب) الصحيح من المذهب أن المسنون والواجب ضربة واحدة (يضرب) ضربة واحدة لا ضربتين وهو من المفردات، قال في الإنصاف [وهو المسنون والواجب على الصحيح من المذهب] وفي المبدع [والمنصوص ضربة واحدة وهي الواجب بلا نزاع] لأنه جاء في الأحاديث هكذا جاء في حديث عمار قال في التيمم ضربة واحدة للوجه واليدين (ضرب ضربة واحدة) قيدها بكونها واحدة - حينئذٍ - لا نزيد الثانية فزيادة الثانية هنا كزيادة غسلة رابعة في الوضوء كما أنه محدث هناك لا يشرع وإنما يكتفا بالعدد الوارد في التثليث فيما جاء به التثليث والمسح مرة واحدة في الرأس ولا يشرع التثنية ولا التثليث على الصحيح كذلك يقال في التيمم إنما المشروع هو ضربة واحدة فلا نزيد ضربة ثانية - حينئذٍ - زيادة ضربة ثانية يكون شيء قد زاده من ضرب يعني

стр. 219

من عنده ولا يكون مشروعاً ألبته لأن الأصل في هذا المقام التعبد لله بما ورد فما لم يرد فالأصل عدم مشروعيته إذاً ضربة واحدة للوجه واليدين وفي الصحيحين (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) وعن أبي الجهيم (وضع يديه على الجدار فمسح بوجهه وكفيه) وقيل لأحمد [التيمم ضربة واحدة؟ قال: نعم للوجه والكفين ومن قال ضربتين فإنما هو شيء زاده] يعني لا يصح وأما حديث (التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين) فهذا حديث ضعيف لا يثبت، إذاً (ويضرب) ضربة واحدة، لو وضع يده ولم يضرب معلوم أن الضرب مساس بالقوة لو وضع يده هكذا على رمل ونحوه أو تراب وصار الغبار في يده هل هذا مجزئ أو لا؟ نقول نعم مجزئ ولا يشترط فيه الضرب لو وضع هكذا - حينئذٍ - نقول صح التيمم فهل يشترط في التيمم ضرب الأرض بيديه أو يصح ولو بدون ضرب كأن يضع يديه على الأرض؛ والصحيح أنه لا يشترط وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة فلو وضعهما على الأرض أجزأه بدليل حديث أبي الجهيم السابق (وضع يديه على الجدار فمسح بوجهه وكفيه) (وضع يديه على الجدار) إذاً لم يرد فيه الضرب كذلك جاء قوله تعالى (فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا) فأمر بالمسح ولم يعتبر الضرب داخل في مسمى التيمم وأما حديث عمار وفيه (فضرب النبي ﷺ بكفيه أو كفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه) فلا يدل على وجوب الضرب وإنما هذه الصفة الكاملة بدليل ماذا؟ أنه ذكر النفخ ثم نفخ فيهما قال ماذا؟ (فضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما) فلو قيل بأن هذه الصفة واجب لدل على أن النفخ واجب وهو ليس بواجب - وحينئذٍ - الضرب مسنون ومشروع وهو صفة كمال لكن لو وضع يديه على التراب نقول هذا يعتبر مجزئ ولا إشكال فيه، قوله التراب) (ويضرب التراب) بناء على المذهب لم يقل الأرض لأنه يشترط عندهم التراب والصحيح أنه لا يتعين التراب (بيديه) المراد باليدين هنا الكفين (مفرجتي الأصابع) ليصل التراب إلى ما بينهما ليحصل الاستيعاب لأنه لابد أن يستوعب الضرب - حينئذٍ - إذا ضرب بيديه لابد أن يفرج بين أصابعه من أجل أن يدخل التراب بين الأصابع فيحصل الاستيعاب ولكن ظاهر السنة كما في الأحاديث التي ذكرناها أنفاً ليس فيها تفريج الأصابع لأنه في حديث عمار (ضرب ضربة واحدة للوجه واليدين) ولم يذكر تفريج الأصابع وجاء في الصحيحين (ثم ضرب الأرض ضربة واحدة) - حينئذٍ - نقول تفريج الأصابع هذا إنما هو شيء زادوه من عندهم من باب الاجتهاد فحسب وإلا ظاهر السنة أنه لا يفرج بين أصابعه وأنه لا يشترط على الصحيح الاستيعاب إذاً قوله (مفرجتي الأصابع) فيه نظر فظاهر السنة لم يرد أنها كانت مفرجتي الأصابع وإنما جاء فيها الإطلاق فضرب بيديه هكذا - حينئذٍ - كيفما ضرب أجزأ؛ لماذا نقول كيفما ضرب أجزأ؟ لأن النص جاء مطلق غير مقيد (ضربة واحدة للوجه واليدين) (ضرب بيديه الأرض) كيفما ضرب أجزأ لأن النص جاء مطلقاً - حينئذٍ - يبقى على إطلاقه ولا نقيده بأي صفة كانت فتقيده بصفة والتزامها يعد من الأمور الزائدة على النص بل من الأمور الزائدة على التعبد - حينئذٍ - يكون أمراً محدثاً نعم لو فعله مرة وتركه

стр. 220

مرات دون أن يقصد السنية لا بأس به أما أن يتعمد مثل ذلك الفعل ولم تثبت به سنة - حينئذٍ - نقول هذا التعمد خلاف السنة فإن التزمه صار بدعة إذاً العلة في المذهب ليصل التراب إلى ما بينها يعني بين الأصابع ليحصل الاستيعاب (يمسح وجهه بباطنها) لم يذكر النفخ؛ لماذا؟ لأنه ليس بواجب وهل هو جائز أم لا؟ المذهب فيه تفصيل إذا علا على يديه تراب كثير لم يكره نفخه في المذهب عندنا الحنابلة لحديث عمار السابق الذي فيه (فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما) قالوا (ونفخ فيهما) هذا محمول على أنه ...

стр. 221

لأنهم يشترطون ماذا؟ أن يكون تراب له غبار لابد أن يكون له غبار إذاً لابد أن يكون باقياً في اليد فيمسح به الوجه واليدان إذاً لابد أن يكون أثر التراب باقيا - حينئذٍ - لو نفخه فأزاله كله قال هذا منافي إذاً نحن نقرر أنه لابد أن يكون تراب له غبار من أجل الاستيعاب وأن يصل شيء منه إلى الوجه واليدين - حينئذٍ - لو جوزنا لو جوزنا النفخ مطلقاً لصار فيه نوع تناقض ولكن عندهم تفصيل قالوا إذا علا على يديه تراب كثير لم يكره نفخه لحديث عمار قال أحمد [لا يضره فعل أو لم يفعل] إذا كان كثير [لا يضره فعل أو لم يفعل] وإن كان التراب خفيفاً قليلاً يعني لو نفخه لزال قالوا هذا يكره له أن ينفخه يكره له النفخ - حينئذٍ - لو نفخ وهو قليل خفيف فطار الغبار لم يبقى عليه شيء قالوا وجب عليه أن يعيد الضرب لماذا؟ لكونه أزال الغبار الذي هو شرط في صحة ضرب التراب باليدين والصحيح على ما سبق أنه لا يشترط أن يكون له غبار - حينئذٍ - لو ضرب يديه علق تراب أو لم يعلق - حينئذٍ - إذا جوزنا أنه يصح التيمم ولو لم يعلق غبار بيديه - حينئذٍ - لو علق ونفخه وطار كله - حينئذٍ - لا إشكال فيه وهذا التفصيل في المذهب بناء على اشتراط أن يكون التراب له غبار والصحيح أنه لا يشترط وعليه يستحب ونفخ مطلقاً سواء علا على يديه تراب كثير أم خفيف أو لم يعلو على يديه تراب الصحيح أنه يستحب مطلقاً (يمسح وجهه بباطنها) عندكم بباطنهما وهو غلط (بباطنها) الضمير يعود إلى باطن الأصابع (يمسح وجهه بباطنها) أي باطن الأصابع (وكفيه براحتيه) الراحة باطن اليد هذا استحباباً؛ لماذا؟ قالوا لأنه لو مسح وجهه بباطن يديه ثم مسح كفيه لكان متيمماً بتراب مستعمل والماء المستعمل كما سبق عندهم إذا استعمل في طهارة واجبة صار ماذا؟ صار طاهراً غير مطهر فلو تطهر بماء طاهر ما صح وضوؤه فالماء المستعمل في طهارة واجبة هو طاهر فلو توضأ به ما صح وضوؤه كذلك التراب طهور وطاهر ونجس فإذا استعمل التراب في طهارة واجبة ثم استعمله مرة آخر لكان مستعمل لتراب طاهر إذاً هذا التفريق بين باطن الأصابع وباطن الراحة مبني على أصل عندهم وهو إثبات التراب الطاهر والصحيح أن التراب إما طهور وإما نجس والقسمة الثلاثية إنما هي واردة في الماء فحسب الماء ينقسم إلى ماء طهور وطاهر ونجس وأما التراب فهذا قول محدث بمعنى أنه اجتهاد من أصحاب المذهب ولا دليل عليه يدل على إثبات هذا القول، إذاً (يمسح وجهه بباطنها) أي باطن الأصابع يعني قسموا باطن الأصابع يجعلها للوجه ثم راحة باطن اليد الراحة يجعلها للكفين؛ لماذا؟ لأنه لو مسح الوجه كله بباطن الأصابع والراحة ثم استعملها في الكفين لكان مستعمل لتراب قد استعمل في استباحة ما ترتب على التيمم كصلاة ونحوها - حينئذٍ - صار التراب طاهراً وإذا كان كذلك إذا كان التقسيم هنا مبني على تعليل أو علة ضعيفة صار التقسيم كذلك محدث كسابقه بمعنى أنه لم يرد في السنة هذا التقسيم أولاً جاء في الحديث (ضربة واحدة للوجه واليدين) ولم يتأتي فيه تفصيل مما دل عليه المذهب - حينئذٍ - نبقى على الأصل فنقول كما قال تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) فيمسح الوجه كيفما مسح ويمسح اليدين كيفما مسح

стр. 222

وعلى الصحيح سواء قدم مسح الوجه على اليدين أو قدم مسح اليدين على الوجه لا بأس به وكيفما مسح أجزأه وأما التفصيل الذي يذكره الفقهاء هذا لا دليل عليه، إذاً (يمسح وجهه بباطنها) أي بباطن أصابعه (وكفيه) أي يمسح كفيه (براحتيه) الراحة باطن اليد استحباباً فلو مسح وجهه بيمينه ويمينه بيساره صح أو عكس صح لماذا؟ لأنه لا يشترط فيه الترتيب واستيعاب الوجه والكفين واجب سوى ما يشق وصول التراب إليه ذكرنا أن الأئمة الأربعة على أنه يجب الاستيعاب وأن ابن حزم رحمه الله تعالى لا يرى ذلك لأن فيه شيء من المشقة إذاً هذه الصفة التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى ثم قال (ويخلل أصابعه) وجوباً في المذهب بخلاف الوضوء فيستحب لماذا لأنه لا يتمكن من إيصال التراب إلى ما بين أصابعه إلا بالتخليل وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بخلاف ماذا؟ بخلاف الوضوء قلنا في الوضوء في الجملة هو مستحب تخليل الأصابع ذكره في (باب السواك وسنن الوضوء) أن تخليل الأصابع من المستحبات وقلنا الصحيح التفصيل أنه قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً فإذا لا يمكن إيصال الماء بنفسه إلى الموضع - حينئذٍ - وجب التخليل لأنه لابد من إيصال الماء وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وأما إذا وصل الماء بنفسه - حينئذٍ - لا نحتاج إلى التخليل هذا في الوضوء وأما في التيمم لا يمكن التراب أن يصل بنفسه - حينئذٍ - ارتفع نوع من أنواع وصول الماء إلى الموضع وأما التراب هنا فيتعين أن يكون واجباً لأن الاستيعاب واجب ولا يمكن إيصال التراب إلى هذا الموضع الذي هو بين الأصابع إلا بتخليله فتعين التخليل فصار واجباً بناء على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وعلى ما سبق نقول الصحيح أنه لا يشرع تخليل الأصابع بمعنى أنه لا يعتقده سنة ولا يداوم عليه من باب أولى والصحيح أنه ليس بواجب بل ليس بسنة لماذا؟ لعدم الدليل عدم الدليل لماذا؟ لأن الأصل هنا التوقيف عدم المشروعية - حينئذٍ - تقول الدليل هو عدم الدليل إذاً من قال بأن تخليل ما بين الأصابع مستحب أو أنه واجب نقول ائتي بنص من كتاب أو سنة فإن جاء به فعلى العين والرأس وإلا رجعنا إلى الأصل وهو عدم المشروعية، إذاً قوله (ويخلل أصابعه) وجوباً ليصل التراب إلى ما بينها نقول هذا فيه نظر إذاً الصفة التي ذكره المصنف في الجملة لم تثبت لأنه قال (ينوي) هذا واضح (إنما الأعمال بالنيات) - حينئذٍ - النية شرط لطهارة الأحداث كلها وضوء وغسلاً وتيمماً (ثم يسمي) نقول لا يشرع التسمية يضرب التراب بيديه ويمسح بهما وجهه ويديه هذه الصفة التي جاءت في الكتاب (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) - حينئذٍ - نقول نبقى على ظاهر النص كيفما مسح وجهه أجزأه وكيفما مسح يديه أجزأه سواء قدم الوجه على اليدين أو عكس نقول هذا لا بأس به وإن كان موافقة القرآن مستحبة لكن لا على جهة الإيجاب وهنا قوله (يمسح وجهه بباطنها وكفيه براحتيه) هذا التقسيم وهذا التفصيل كذلك ليس عليه دليل (ويخلل أصابعه) كذلك ليس عليه دليل.

стр. 223

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (باب إزالة النجاسة) أي باب بيانها وبيان أحكامها وتطهير محالها وما يعفى عنه منها وما يتعلق بذلك هذا النوع الثاني من نوعي الطهارة المجمع عليها بين الفقهاء سبق حد الطهارة (وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث) قلنا هذان نوعان مجمع عليهما في الجملة يعني من حيث التقسيم الأصلي عندنا طهارة الحدث وطهارة الخبث طهارة الحدث هذه تشمل نوعين طهارة صغرى وهي الوضوء وطهارة كبرى وهي غسل الجنابة ونحوه وبدل عنهما وهو التيمم - حينئذٍ - بقي ماذا؟ النوع الثاني وهو طهارة الخبث وهو الذي عناه بهذا لباب (باب إزالة النجاسة) إذاً هذا شروع منه في بيان النوع الثاني المجمع عليه بين أهل العلم وهو طهارة الخبث وقدم هذا الباب على باب الحيض والنفاس لا شك أن موجبات الغسل منها الحيض والنفاس إذاً الحيض والنفاس له ارتباط بموجبات الغسل فلما فصل بين ما يتعلق بالغسل موجباته من الجنابة والحيض والنفاس فصل بين هذه الأبواب بالنوع الثاني وإن كان باب الحيض والنفاس له علاقة بالطهارة السابقة طهارة الحدث نقول الجواب أن إزالة النجاسة هذا مشترك بين الرجال والنساء وأما الحيض والنفاس فهذا مختص بالنساء - حينئذٍ - إذا تعارض أمران من حيث التقديم والتأخير فما كان مشتركاً أولى بالتقديم مما كان مختصاً أليس كذلك؟ ولذلك قدموا هذا الباب على باب الحيض والنفاس (باب إزالة النجاسة) (إزالة) هي التنحية يقال أزلت الشيء إزالة والنجاسة اسم مصدر وجمعها أنجاس والنجاسة كما سبق التعريف الصحيح الذي لا ينتقض ولا يقع الإنسان فيه تعارض مع أصول أخرى هو أن قول النجاسة ﴿عين مستقذرة شرعاً﴾، وهذا النجاسة العينية ﴿عين﴾ يعني مما له جرم أو طعم أو لون أو رائحة ﴿مستقذرة شرعاً﴾ يعني الاستقذار جاء من جهة الشرع لأن الاستقذار نوعان: قد يستقذر من جهة الطبع كالمخاط والبصاق ونحوه هذا مستقذر طبعاً لكنه ليس بنجس لماذا؟ لعدم ورود الدليل الدال على نجاسته كذلك المني هذا مستقذر طبعاً لكنه بنجس إذاً ليس كل مستقذر يكون نجساً وإنما يكون من جهة الشرع ﴿شرعاً﴾ لإدخال ما لا يستقذر طبعاً وإنما يستقذر شرعاً كالخمر الخمر في الجملة عند أربابها وأصحابها عند أربابها أما الذين تعافه نفسهم ذلك هذا شيء آخر عند أصحابها هي غير مستقذرة بل هي مشروبات روحانية كما يقال - حينئذٍ - نقول هي غير مستقذرة إذاً عند جماهير أهل العلم وحكي الإجماع إن كان فيه شيء من النظر أن الخمر نجس - حينئذٍ - هو مستقذر من جهة الشرع لا من جهة الطبع واضح هذا إذاً ثلاث كلمات تحفظها في بيان حقيقة النجاسة ﴿عين مستقذرة شرعاً﴾ وأما التعريف المشهور كل عين حرم تناولها مع إمكانه لا لحرمته ...

стр. 224

إلى آخر التعريف المذكور هذا تعريف فاسد؛ لماذا؟ لأنهم أخذوا التحريم قيد في حد النجاسة يلزم منه أن كل محرم لا لما ذكر منفي في الحد يكون نجساً - حينئذٍ - التحريم يستلزم التنجيس وهذه قاعدة باطلة كل نجس محرم لكن ليس كل محرم يكون نجس إذا أخذنا التحريم قيداً في تحريم النجاسة لزم منه هذه القاعدة ولذلك يقرر بعض الفقهاء ليس من المتقدمين هم أصحاب أصول مضطردة إنما من المعاصرين يقرر أن قاعدة كل محرم نجس قاعدة باطلة ثم يعرف النجس أو النجاسة بهذا الحد نقول هذا تعارض هذا تناقض إذا قررت بأن قاعدة كل محرم ليس بنجس وأن قاعدة كل محرم نجس هذه قاعدة فاسدة وجب إخراج لفظ التحريم من حد النجاسة - حينئذٍ - التعريف المشهور ﴿كل عين حرم تناولها﴾ أخذ التحريم قيد هنا فنقول يلزم منه أن كل محرم لا لما ذكر يكون نجساً وهذه قاعدة باطلة على كل أدركتم هذا أو لا نقول التعريف الصحيح ﴿عين مستقذرة شرعاً﴾ انظر لم نذكر اصطلاح التحريم لا يلزم منه أن يكون من كل محرم نجس بل العكس هو الصحيح (باب إزالة النجاسة) نقول الأصل في الأعيان الطهارة إذاً أصل في هذا الباب بمعنى أن لا نحكم على الشيء بكونه نجساً إلا بدليل لماذا؟ لأن الأصل في الأعيان الطهارة كل باب له أصول من أصول هذا الباب إزالة النجاسة أن الأصل في الأعيان حتى المائعات ومنها أي داخلت في حقيقة الأعيان الأصل فيها الطهارة قال ابن حزم رحمه الله تعالى [من ادعى نجاسة أو تحريماً لم يصدق إلا بدليل] [من ادعى نجاسة] يعني قال بأن هذا الشيء نجس [لم يصدق] خبره [إلا بدليل من نص القرآن أو سنة صحيحة] فإذا ادعى بأن هذا لشيء نجس نقول أثبت هذا بالقرآن والسنة فإن جاء بدليل واضح بين لا يحتمل وكان ظاهر في الحكم بالنجاسة قبلنا الحكم فإن لم يأتي بدليل أو جاء بدليل لكن ليس بظاهر - حينئذٍ - حكمنا بكون الشيء طاهراً ونرجع إلى الأصل قال الله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) (خلق لكم ما) اسم موصول بمعنى الذي يعم وامتن الله هنا بما خلق لنا في الأرض - حينئذٍ - لا يمتن إلا بشيء طاهر مباح وأما النجس فلا يمتن به ألبته وقال تعالى (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميع منه) كذلك امتن بما سخره لنا في السموات والأرض - حينئذٍ - نقول هذا يدل على أنه طاهر لأن الله تعالى لا يمتن بشيء نجس ألبته قال الله تعالى (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) قال ابن تيمية رحمه الله تعالى [الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة وأن النجاسات محصاة مستقصاة - يعني معدودة تعد فيقال كذا وكذا وكذا نجس وما عداه فهو طاهر كما تقول نواقض الوضوء كذا وكذا وكذا وما عداه لا ينقض الوضوء موجبات الغسل كذا وكذا وكذا وما عداه لا ينقض الوضوء - وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر كما يقولون فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل وما لا يحل نكاحه وشبه ذلك] إذاً الأصل في الأعيان الطهارة كذلك قال (باب إزالة النجاسة) من الأصول المعتمدة وإن كان فيها خلاف بين أهل العلم أن الأصل في إزالة النجاسة أنه لا يجوز إزالتها بغير الماء الطهور - حينئذٍ - لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غير الماء الباقي على خلقته حقيقة أو حكماً

стр. 225

وهذا كما سبق بيانه وإن كان ثَمَّ رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى رجحها شيخ الإسلام ابن تيمية أن النجاسة تزال بكل مائع مزيل كالخل ونحوه وهو مذهب أبو حنفية ولكن هذا مذهب ضعيف والأرجح هو الأول لعله مر شيء معنا من الأدلة إذاً لا يجوز إزالتها بغير الماء الطهور وهو المذهب مطلقاً قال الخطابي [إنما تزال النجاسة بالماء دون غيره من المائعات وهو قول الجمهور] ونسبه النووي في المجموع إلى جماهير السلف والخلف، النجاسة ثلاثة أقسام: الأولى: نجاسة معنوية، والثانية: نجاسة عينة، والثالثة: نجاسة حكمية، معنوية هي نجاسة الشرك قال الله تعالى (إنما المشركون نجس) يعني بنجاسة الشرك وأما أعيانهم فهذه في حال الحياة ليسوا بأنجاس أما في الممات فهم أنجاس (إنما المشركون نجس) إذاً بنجاسة الشرك وطهارتها تكون بالتوحيد وأما بدن المشرك فهو طاهر وكذلك عرقه وريقه وما يصنعه فطاهر على الأصل، ثانياً: نجاسة عينية وهي التي عرفناها فيما سبق عين مستقذرة شرعاً - حينئذٍ - نقول ما له جرم أو طعم أو رائحة أو لون فهو نجاسة عينية يعني ما يدرك بالبصر وعين جامدة يابسة أو رطبة أو مائعة فهذه لا تطهر بحال وليست دخلة معنا في هذا الباب ألبته يعني النجاسة العينية ليست هي المرادة هنا وسميت عينية لأنها تدرك بحاسة البصر وإن لم تكن مختصة به يعني تدرك بالشم وبذوق وليست منحصرة في ذلك ولكن سميت عينية نسبة إلى العين لأن في الغالب إنما تدرك بالبصر وليست منحصرة في إدراك البصر بل قد تدرك بغير ذلك، النوع الثالث: نجاسة حكمية وهذه هي التي عنون لها المصنف هنا إذاً ليست النجاسة العينية وليست النجاسة المعنوية وإنما المراد بها النجاسة الحكمية وهي لا يمكن أن تفهم إلا بمعرفة النجاسة العينية؛ وحقيقتها: هي الطارئة على محل طاهر؛ النجاسة الحكمية هي الطارئة على محل طاهر يعني نجاسة عينية تقع على بدن طاهر فنحكم على البدن هو في الأصل طاهر فنحكم على البدن بكونه نجساً هل هو نجس عيناً أو بحلول هذه النجاسة عليه؟ لا شك أنه الثاني ويكون الثوب طاهراً نقياً فيقع عليه قطرة بول - حينئذٍ - نقول البول نفسه نجاسة عينية والثوب نجاسة حكمية؛ لماذا؟ لأنه في الأصل هو طاهر وإنما حكمنا عليه بكونه نجساً حكماً؛ لماذا؟ لوقوع النجاسة العينية عليه إذاً الحكمية هي الطارئة على محل طاهر فالأصل يكون طاهر تقع عليه نجاسة عينية فنحكم على هذا الطاهر بكونه نجساً لكن ليست نجاسة عينية وإنما هي نجاسة حكمية والحكمية بعضهم قال ما ليس لها ذلك يعني ما ليس لها جرم أو طعم أو رائحة أو لون وهو كذلك كالبول إذا جف وعدمت صفاته مع تيقن إصابته سميت حكمية لأنها لا تدرك بحاسة من الحواس الخمس فلا يشاهد لها عين ولا يدرك لها طعم ولا رائحة ومع وجود ذلك فيها تحقيقاً أو تقديراً هذه النجاسة الحكمية على أربعة أنواع: سيتعرض لها المصنف لكن دون تقسم النوع الأول: وهذا عند الحنابلة وعند الشافعية أقسام النجاسة أربعة: النوع الأول: نجاسة مغلظة وهي نجاسة الكلب والخنزير، ثانياً: نجاسة مخففة وهي نجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام ونجاسة المذي لأنه جاء فيه الرش النضح دون الغسل، ثالثاً نجاسة متوسطة بين ذلك

стр. 226

يعني فيها غسل ولم تغلظ بأن يجعل التراب فيها ولم يخفف فيها بأن يجعل أو يكتفا بالنضح والرش دون الغسل وهو ما عدا ما ذكر يعني ما عدا نجاسة الكلب والخنزير وبول الغلام الذي لم يأكل الطعام - حينئذٍ - نقول هذه نجاسة متوسطة لأنه لم يشترط التتريب التراب وكذلك لم يخفف يعدل عن الغسل إلى النضح، رابعاً: نجاسة معفو عنها كيسير الدم وأثر الاستجمار في محله على المذهب وإن قلنا فيما سبق أن الصحيح أنه طاهر، قال المصنف رحمه الله تعالى (يجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تَذْهَب بعين النجاسة) (تُذْهِب تَذْهَب) (يجزئ في غسل النجاسات) النجاسات أل هنا للعموم يعني يعم كل النجاسات ولو كانت من كلب أو خنزير (كلها) (في غسل النجاسات كلها) هذا من باب التأكيد لكن قيدها المصنف (إذا كانت على الأرض) بمعنى أنها لم تكن على البدن ولم تكن في محل الاستجمار مثلاً ولم تكن على الثوب وإنما الحكم هنا خاص بالنجاسة الواقعة على الأرض (يجزئ في غسل النجاسات كلها) دون تفصيل بين نجاسة الكلب والخنزير وغيره من النجاسات بشرط أن (إذا كانت على الأرض) لأن قوله (إذا كانت على الأرض) مفهومها هذه الجملة إذا لم تكن على الأرض فليس الحكم فيها ما ذكر (إذا كانت على الأرض) فالحكم فيها أنه يجب إزالتها بغسلة واحدة وأما إذا لم تكن على الأرض فالحكم مختلف ويأتي تفصيله (إذا كانت على الأرض) قال الشارح [وما اتصل بها] يعني ليس المراد الأرض فحسب وإنما ما اتصل بها من الحيطان والأحواض والصخور والجبال والأشجار لو وقعت نجاسة على جبل رأس جبل فالحكم واحد لو وقعت نجاسة على الجدار فالحكم واحد لو وقعت نجاسة على رأس شجرة فالحكم واحد إذاً الأرض وما اتصل بها يعني وما ثبت مكانه بمكان الأرض ما الذي يجزئ؟ قال (غسلة) (يجزئ) (غسلة) (غسلة) بالرفع على أنه فاعل (يجزئ) (يجزئ) (غسلة واحدة) لكن بماء طهور لأنه يشترط في إزالة النجاسة أن تكون بماء طهور (تذهب بعين النجاسة) هذا هو الشرط في تحقق هذه الغسلة (غسلة واحدة تذهب) هذه الغسلة (بعين النجاسة) الدليل على ذلك؟ ما جاء في الصحيحين من قوله ﷺ حديث الأعرابي (أريقوا على بوله سجلاً من ماء أو قال ذنوباً من ماء) (أريقوا على بوله) أين وقع؟ وقع على الأرض (سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء) - حينئذِ - أمر النبي ﷺ بالإراقة وهذه إنما تحصل بغسلة واحدة يعني بإراقة واحدة يقال هل اشترط النبي ﷺ بالنص هنا عدداً معيناً؟ الجواب لا، - حينئذٍ - لما كان الحكم معلق على عين النجاسة - حينئذٍ - يدور بدوران النجاسة فمتى زالت هذه النجاسة بهذا الماء الطهور مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث - حينئذٍ - نقول لا تزال النجاسة إلا بزوالها يعني لا يزال حكمها إلا بزوال عينها ولذلك قال المصنف (تذهب) أي هذه الغسلة (بعين النجاسة) فإن لم تذهب بالغسلة الواحدة تعينت غسلة الثانية فإن لم تذهب عين النجاسة بالغسلة الثانية تعينت الثالثة إذاً تعين الثانية والثالثة هل هو لذات الحكم أو لأمر زائد على الحكم؟ هل هو لذات الحكم بمعنى أنه يشرع ابتداء سبع غسلات أو ثلاث أم لكون الحكم مرتباً على عين

стр. 227

النجاسة؟ لا شك أنه الثاني لأنه قال (غسلة واحدة) إذاً المشروع هو غسلة واحدة فإذا زالت النجاسة بغسلة واحدة حكمنا على المحل بكونه طاهراً إذاً الحاصل نقول تطهر أرض متنجسة بمائع كبول أو بنجاسة ذات جرم أزيل عنها ولو من كلب أو خنزير وما اتصل بها بمكاثرة الماء عليها وهي المراد بقوله (غسلة واحدة) يعني تطهر بالمكاثرة لكن لابد من إزالة عين النجاسة أول الجرم لابد من إزالته فإن كان مائع يذهب مع الماء في أجزاء الأرض اكتفينا بالغسلة الواحدة وإن كان ثَمَّ أجزاء لها جرم يدرك بالبصر لابد من إزالته - حينئذٍ - سواء كان هذا الجرم مائع أو جامداً يزال أولاً ثم بعد ذلك تكاثر الأرض بالماء لحديث أنس قال (جاء عرابي فبال في طائفة المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به فقال النبي ﷺ : دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء أو قال ذنوباً من ماء) متفق عليه ولو لم يطهر بذلك لكان تكثيراً للنجاسة وهو كذلك ولم يشترط النبي ﷺ في تطهيرها العدد دفعاً للحرج والمشقة، إذاً إذا كانت النجاسة على الأرض إنما يكون تطهيرها بغسلة واحدة تذهب هذه الغسلة بعين النجاسة فإن كانت جرماً يدرك بالبصر والحس - حينئذٍ - لابد أولاً من إزالة هذا العين ثم إراقة الماء على الأرض، (وعلى غيرها سبع إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه) هذا ما يتعلق بالنجاسة المغلظة تطهير النجاسة المغلظة وهي نجاسة كلب وخنزير فقال المصنف (وعلى غيرها) يعني ويجزئ في نجاسة على غيرها الضمير يعود على الأرض يعني على غير الأرض أما إذا كانت نجاسة الكلب والخنزير على الأرض فالحكم كما سبق غسلة واحدة، إذاً تأخذ من هذا أن ليس كل نجاسة كلب يشرع فيه التسبيع والتتريب وإنما فيه تفصيل فيقال ولوغ الكلب مثلاً أو نجاسة الكلب على جهة العموم إذا وقعت على الأرض - حينئذٍ - لا تسبيع ولا تتريب وإنما يجزئ غسلة واحدة وإذا وقعت نجاسة الكلب والخنزير على غير الأرض - حينئذٍ - جاءت مسألة التسبيع والتتريب (على غيرها) أي على غير الأرض (سبع) بالتنوين التنوين هنا عوض عن المضاف إليه يعني سبع غسلات كما قال الشارح (سبع) هذا عدد هل له مفهوم أم لا؟ هل له مفهوم أم لا؟ نقول نعم له مفهوم باعتبار الأقل يعني لا ست لا خمس لا أربع لا غسلة واحدة فإن غسل أدنى وأقل من سبع لم يجزئ ولو زالت النجاسة إن قلنا للنجاسة لا للتعبد؛ هل له مفهوم باعتبار الزيادة؟ الجواب لا ليس له مفهوم باعتبار الزيادة بل لو لم تطهر وأدركنا ذلك بالحس إلا بثامنة بتاسعة بعاشرة وجب؛ لماذا؟ لأن الحكمية النجاسة تطهير النجاسة الحكمية إن كانت موجودة النجاسة - حينئذٍ - ما اشترط فيه العدد كسبع ولم تزل عين النجاسة بالسبع وجب زيادة العدد؛ لماذا؟ لأن المراد من الحكم هنا وهو وجوب الغسل إزالة العين وما ترتب عليه فإذا كانت العين باقية- حينئذٍ - تعلق الحكم بها فلابد من زيادة ثامنة وتاسعة وعاشرة لأن الحكم معلق بعين النجاسة - حينئذٍ - لو لم تذهب عين النجاسة بسبع قلنا ما أجزأت السبع؛ لماذا؟ لأن الغسل إنما وجب لإزالة العين والعين باقية - حينئذٍ - يتعين الزيادة، إذاً (سبع) له مفهوم باعتبار الأقل

стр. 228

فأقل من سبع لا يجزئ ولو زالت النجاسة وما زاد على سبع فهو بالنظر في عين النجاسة متى ما وجدت النجاسة وجب الزيادة ومتى ما ذهبت توقفنا عند السبع (على غيرها سبع) أي سبع غسلات قال (إحداها بتراب) ظاهر المتن لأنه لم يعين هل هي الأولى؟ هل هي الثانية؟ هل هي السابعة؟ قال (إحداها) ظاهره أنه لا أولوية لأنه قال (إحداها بتراب) إذاً التراب يكون في واحدة من هذه الغسلات السبع أي هذه الغسلات هي أولى؟ لم يعين المصنف فكأنه استوى عنده الأمران جعلها في أولها جعلها في آخرها جعلها في أثنائها الحكم واحد إذاً ظاهر كلام الماتن أنه لا أولوية فيه وهو رواية عن الأمام أحمد وعنه رواية أخرى وهي التي اختارها الشارح الأَولى أن يكون في الغسلة الأُولى وهو الصحيح الأولية من حيث الأجزاء أجزأ لا إشكال فيه لكن الأفضل والأحسن والأولى أن تكون في الأولى وعنه رواية ثالثة أن تكون الأخيرة أولى لكن الرواية الثانية هي أرجح لحديث (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب) وجاء في رواية (إحداهن بالتراب) وجاء في رواية (أخراهن بالتراب) إحداهن لا تعارض بينها وبين أولاهن أو أخراهن؛ لماذا؟ لأنها تصدق إحداهن أولاهن يحتمل أن إحداهن هي الأولى فلا تعارض كذلك إحداهن مع أخراهن هذه لا تعارض - حينئذٍ - لا تعارض بين رواية إحداهن مع الروايتين الأخريتين؛ أين وقع التعارض؟ أولاهن وأخراهن؛ أيهما أرجح؟ كلاهما صحيحتان ثابتة وإنما الأرجحية هنا كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى [فيبقى النظر في الترجيح بين رواية أولاهن ورواية السابعة والأولى أرجح - من حيث ماذا - من حيث الأكثرية - رواتها أكثر من رواة أخراهن - والأحفظية - يعني رواة أولاهن أكثر حفظاً من رواة أخراهن - والمعنى] يعني النظر؛ ما هو النظر؟ قالوا إذا جعلنا التراب في الأخيرة لزم منه تلويث الموضع ونحتاج إلى ثامنة ونحن المشروع عندنا سبعة إذاً لو جعلناها الأولى لجاء الماء بعدها منظفاً ومطهراً لها إذاً من حيث المعنى ومن حيث ما يليق بالتطهير أن نجعل التراب في الأولى وهذا هو الأرجح إذاً (إحداها) أي إحدى الغسلات (بتراب) والأولى أولى لما ذكرناه سابقاً ولا خلاف بينهم أنه لو جعل التراب في أي غسلة شاء أنه يجزئ وإنما الخلاف في الأولوية والصحيح أن الأولى هي الأولى قال (بتراب) يعني يضع التراب مع الماء في الغسلة الأولى؛ وهل هو شرط أم مستحب؟ فيه خلاف حتى في المذهب والصحيح أنه شرط بمعنى أنه واجب ولذلك نقول الصحيح من المذهب اشتراط التراب في غسل نجاسة الكلب والخنزير مطلقاً قال الشارح بتراب طهور احترازاً من الطاهر احترازاً من النجس لا إشكال فيه إذا علمنا بأن هذا التراب نجس لا يصح استعماله في تطهير نجاسة الكلب وهذا واضح وأما التفريق بين الطهور والطاهر فكما سبق لا أصل له فكل تراب لم يكن نجساً صح أن يجعل في إحدى هذه الغسلات (إحداها بتراب في نجاسة كلب) (في نجاسة كلب) هنا فيه عموم (في نجاسة كلب) أطلق المصنف - حينئذٍ - نجاسة الكلب هنا تعم سواء كان من جهة الولوغ أو من جهة روثه أو من جهة عرقه أو من جهة ما يخرج من أنفه فهو عام يشمل البول والروث والولوغ وعرقه كل ما يخرج منه -

стр. 229

حينئذٍ - كل ما خرج من الكلب فيشرع بل يجب في تطهير نجاسته أن يكون بسبع أولاهن بتراب هذا الذي أراده المصنف قال (في نجاسة كلب) إذاً (في نجاسة كلب) فيه شمل لأنواع النجاسة الصادرة عن الكلب فكل نجاسة خرجت من كلب ولم تقع على أرض - حينئذٍ - نقول تطهيرها يكون بهذه الصورة التي ذكرها المصنف والصحيح أن الحكم خاص بولوغه لأن الحكم جاء معلقاً بالولوغ - حينئذٍ - قوله (إذا ولغ الكلب) إذاً إذا بال الحكم يختلف إذا خرج من عرق الحكم يختلف فإذا نص الشارع على حكم ورتب عليه شيء - حينئذٍ - نكتفي بما هو عليه (إذا ولغ الكلب) إذاً الحكم معلق بالولوغ (في نجاسة كلب) أطلق المصنف الكلب لأن الكلب أنواع منه معلم ومنه غير معلم فقوله (نجاسة كلب) يشمل المعلم وغير المعلم سواء كان صغيراً جرواً أو كان كبيراً سواء كان مما يباح اقتناؤه ككلب الصيد والماشية والحراسة أو لا فالحكم عام قالوا سواء كان حضرياً أو بدوياً فالحكم عام إذاً كل كلب بقطع النظر عن نوعه فالحكم عام لأن قوله ﷺ (إذا ولغ الكلب) بأل أل هذه للجنس وهي من صيغ العموم كلب هذا علم اسم دخلت عليه أل - حينئذٍ - يعم فلا يختص بنوع دون نوع آخر فمن أخرج كلب الصيد والماشية والحراسة عن الحكم بالمشقة نقول هذا اجتهاد مخالف للنص لماذا؟ اجتهاد مخالف للنص لأن هذه الأفراد داخلة في مفهوم قوله ﷺ (إذا ولغ الكلب) نقول هذه أل تفيد الجنس وهي تفيد العموم كل أنواع الكلاب داخلة في هذا النص - حينئذٍ - إذا كان من صيغ العموم لا يخرج فرد من أفراد العموم بالاجتهاد ومنه القياس على الصحيح فإذا كان كذلك فدعوا إخراج ما أبيح اقتناؤه نقول هذا بالاجتهاد وهو اجتهاد مقابل للنص لأن هذه الأنواع داخلة في مفهوم هذا الحديث إذاً (في نجاسة كلب) فيه عمومان عموم من جهة أنواع النجاسة الولوغ وما عداه والصحيح أن الحكم خاص بالولوغ وفيه عموم آخر وشمول وهو لأنواع الكلاب وهو الصحيح مسلم للمصنف؛ قال (وخنزير) خنزير معلوم معروف؛ ما الدليل على أن الحكم يستوي في الكلب والخنزير؟ أما الكلب فالنص وأما الخنزير قالوا هذا قياساً على الكلب لأنه شر منه - حينئذٍ - نقول هل هذا الدليل مستقيم أم لا؟ كان الخنزير معروفاً وإن لم يكن بجزيرة العرب ولم يكن في المدينة النبوية التي كان فيها النبي ﷺ إلا أن ذكره موجود في القرآن فإذا كان كذلك لما خص النبي ﷺ الحكم بالكلب دل على أن الحكم معلق على مسماه وهو الكلب - حينئذٍ - قياس غيره عليه يكون قياساً في مقابلة النص؛ ما هو النص الذي معنا؟ لأن النص هنا يدل بالمنطوق على إثبات الحكم للكلب ولوغ الكلب ويدل بالمفهوم على نفي الحكم عن غير الكلب واضح فله دلالة بالمنطوق وله دلالة بالمفهوم - حينئذٍ - نقول المفهوم دليل شرعي وقياس الخنزير على الكلب مصادماً لمفهوم هذا النص لأنه قال (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله) هذا له مفهوم شرط وهو معتبر إذا ولغ غير الكلب لا يغسل سبعاً ولا يغسل إلا على الأصل إن كان نجساً والخنزير نجس بالإجماع - حينئذٍ - نقول إلحاقه بالكلب فيه نظر بل الصواب أن الحكم خاص بالكلاب إذاً (إحداها بتراب

стр. 230

في نجاسة كلب وخنزير) لحديث (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) (في إناء أحدكم) (إناء) إذاً الشيء الذي يكون صغيراً (أحدكم) الحكم خاص بالمسلمين أو أنه عام يشمل الكافرين هل هو خاص أم عام؟ الصحيح أن هذه الفروع عامة في شأن المسلم والكافر فهي عامة لكن يشترط في الكافر أنه يسلم أولاً (فليغسله) الفاء وقع في جواب الشرط واللام هذه لام الأمر ولام الأمر تدل على الوجوب (فليغسله) إذاً صار الغسل واجباً دل على أن ولوغ الكلب في الإناء فيه شيء مما يدل على نجاسته على أنه نجس وقوله (سبعاً) (فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب) نقول (سبعاً أولاهن بالتراب) هل هو داخل في المأمور به أم أنه قدر زائد على صيغة الأمر؟ انتبه لهذه هذه من المزالق قوله ﷺ (فليغسله) بعض الفقهاء يقف هنا (فليغسله) يقول هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب إذاً الغسل واجب بقي شيء آخر وهو التسبيع والتتريب قوله (سبعاً) داخل في مفهوم الغسل - حينئذٍ - لم يأمر النبي ﷺ بمطلق الغسل اغسله فقط لا ليس هذا المأمور به وإنما المأمور به غسل وعلى كيفية معينة كما أمر بالوضوء وبكيفية معينة إن وقع الوضوء على هذه الكيفية كان ممتثلاً فإن لم يقع هذا الوضوء على الكيفية المعينة شرعاً لم يكن ممتثلاً كذلك هنا أمر بغسل بكيفية معينة إن وقع هذا الغسل بهذه الكيفية المعينة كان ممتثلاً وإن لا فلا نأخذ من هذا التقرير تقعيد أن التسبيع واجب لقوله (فل ... )

стр. 231

اللام هذه للوجوب نأخذ بأن التراب واجب لقوله (فليغسله) إذاً لام الأمر دلت على الوجوب وجوب الغسل لكن بصفة معينة فإن وقع بهذه الصفة المعينة كان ممتثلاً وإن لا لم يكن ممتثلاً وأما الوقوف مع صيغة الأمر فحسب والمتعلقات التي تعلقت بهذا الفعل تترك وتهجر أو تجعل أنها من المسنونات أو أن الأمر لا يدل عليه هذا مخالف للتقعيد الصحيح عند الأصوليين ولذلك قال بعض الأصوليين لو أمر الشارع بأن قال صوم يوم الاثنين فصام يوم الثلاثاء؛ هل هذا ممتثل أو لا؟ لم يمتثل؛ لماذا مع كونه قد أوقع صياماً؟ لأنه لم يأمر بصيام مطلق أليس كذلك؟ وإنما أمر بصيام مقيد - حينئذٍ - يكون الامتثال بالصيام المقيد لا بمطلق الصيام، كذلك إذا أمر بماذا؟ إذا أمر بغسل ثم حدد هذه الغسلات وإحدى هذه الغسلات تكون بتراب - حينئذٍ - إذا جاء بالسبع كان ممتثلاً وإن لم يأتي بالسبع لم يكن ممتثلاً إن جاء بالسبع وإحداهن إحدى الغسلات السبع بتراب كان ممتثلاً وإلا فلا، ثم قال رحمه الله تعالى (ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه) (يجزئ عن التراب) يعني لو لم يضع، النبي ﷺ يقول (أولاهن بالتراب) فالأصل الوقوف مع النص؛ لماذا؟ لأن الحكم هنا وإن كان مدركاً من جهة التعليل تعليل الأصل قلنا أن الحكم معلل بالنجاسة لكن لا يلزم أنه إذا كان الحكم معللاً بالنجاسة أن يكون الطريق في إزالة النجاسة كذلك مدركاً بالعقل يعني قد يكون الأصل معللاً والوسيلة أو الطريق في التحصيل تعبدي ولذلك الزكاة مثلاً وهذه قاعدة ذكرها ابن دقيق العيد في إحكام الإحكام قاعدة نفيسة؛ الزكاة ركن من الدين الإسلام وهي واجبة وهذا الحكم معلل مواساة الفقراء إلى آخره - حينئذٍ - نقول تعليل صحيح ودلت عليه نصوص لكن في أربعين شاة شاة معلل أم تعبدي؟ في عشرين مثقال من الذهب كذا وكذا معلل أم لا؟ معلل؟! غير معلل؛ ليه ما خص الأربعين لما لو كان الحكم تسع وثلاثين شاة هل وجبت الزكاة؟ ما وجبت الزكاة؛ ما الفرق؟ واحدة، لو كان الحكم مدركاً بالعقل لقيل الأربعون وإذا نقصت واحدة لا فرق لا أثر فيها عند من أخرج وعند غيره - حينئذٍ - نقول أصل الزكاة معلل وهو مواساة الفقراء - ومن جهة التكافل ونحوه - وأما أنصبت وتحديد من يخرج له أصحاب الأصناف الثمانية نقول هذا غير معلل فالتعبد وقع في كيفية إخراج الزكاة وإن كان الأصل معللاً هنا إذا قيل إذا ولغ الكلب كان معللاً بالنجاسة لا يلزم أن يكون الطريق الذي هو الغسل السبع والتتريب أن يكون معللاً لأن النجاسة قد تزول بالأولى أو الثانية - حينئذٍ - لما لابد من إيصاله للسابعة نقول التسبيع غير معلل فهو تعبدي لأنه قد يكون إدراك الولوغ وهو قد زال بالأولى والثانية وقد يضع التراب بالأولى وينظف الإناء كما كان بالثانية أو الثالثة وجب عليه أن يوصل العدد إلى سبع لماذا؟ تعبداً لما لابد من وضع التراب نقول تعبداً لو جاء شيء آخر غير التراب كالأشنان ولو كان أنظف وقوى في التنظيف نقول جاء الشرع بالتنصيص على التراب وغيره لا يجزئ إذاً قوله (ويجزئ عن التراب أشنان) يعني ولو مع وجود التراب ونحوه من كل ما له قوة في الإزالة كالملح ونحوه والأشنان بضم الهمزة وكسرها شجر يدق ويكون

стр. 232

حبيبات كالسكر تغسل به الثياب سابقاً وهو خشن كالتراب منظف ومزيل يعني يؤدي ما يؤديه التراب بل أبلغ من التراب - حينئذٍ - هل نقول أولاهن بالتراب إذاً إذا عند تراب وهذا أنظف إذاً أولاهن بالأشنان أو بغيره من الأمور المستحدثة الآن نقول لا ليس الأمر كذلك لماذا؟ أولاً إتباعاً للنص نص النبي ﷺ على التراب والأشنان كان موجوداً آن ذاك وغيره غير التراب من المطهرات كان موجوداً آن ذاك وقتئذ - حينئذٍ - كون النبي ﷺ ينص على التراب دل على أنه مقصود بذاته فلا يعدل عن غيره ألبته فإتباعاً للنص نبقى على أنه لا يجزئ غير التراب كذلك وجود الأشنان والسدر في عهد النبي ﷺ ولم يشر إليها ثالثاً التراب أحد الطهورين كون النبي ﷺ يجمع بين التراب والماء لآن التراب يكون بدلاً عن الماء في طهارة الحدث الأصغر أو الأكبر إذاً قوله (ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه) الصحيح أنه لا يجزئ، وإذا لم يجد التراب - حينئذٍ - نقول سقط يسقط عنه التراب لماذا؟ لأنه واجب في الغسل ولا واجب إلا مع القدرة فإذا عجز عنه أو فقده - حينئذٍ - يسقط عنه، ثم قال (وفي نجاسة غيرهما سبع) (في نجاسة غيرهما) غير ماذا؟ الكلب والخنزير ويجزئ (في نجاسة غيرهما) أي غير الكلب والخنزير (سبع) أي سبع غسلات لكن مفهوم نجاسة غيرهما دخل فيه نجاسة بول الغلام هذا يؤخذ عليه أليس كذلك؟ (وفي نجاسة غيرهما) يعني غير الكلب والخنزير (سبع) إذاً نجاسة بول الغلام تغسل سبع على هذا لكن هذا ليس مراد وإنما في نجاسة غير الكلب والخنزير وغير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام والمذي لابد من استثنائه هذا يؤخذ على المصنف من حيث العموم لأن العموم له مفهوم هنا - حينئذٍ - دخل معه بول الغلام الذي لم يأكل الطعام ودخل معه كذلك المذي والصحيح أنه سيأتي حكمه فيما يأتي إذاً (سبع) يعني سبع غسلات بماء طهور إن أنقت السبع فإذا لم تنقي وتنظف المحل - حينئذٍ - وجب الزيادة لما ذكرناه سابقاً وإنما المراد بالسبع هنا أن لا تقل عن سبع فلو ظهر المحل بخمس وجب زياد السادسة والسابعة لماذا؟ لأن العدد هنا دل عليه الشرع وهو مراد وهو متعبد به فالحكم هنا ليس معلق بعين النجاسة فحسب وإنما بإزالة حكمها ولا تزال إلا بسبع فإن أنقت السبع - حينئذٍ - كفا فإن لم تنقي زاد حتى ينقي في كل النجاسات من نجاسة كلب وغيره يعني فيما سبق قال الشارح [مع حت وقرص لحاجة] يعني دلك إذا احتاج بأن النجاسة عين النجاسة لا تزول إلا بالدلك وجب الدلك وإلا الأصل فيه صب الماء فقط هذا الذي هو واجب وأما الدلك هل هو واجب كما سبق في لغة العرب الدلك ليس داخل في مفهوم الغسل بل يصدق بمجرد صب الماء على الموضع - حينئذٍ - الدلك هل واجب في إزالة النجاسة أم لا؟ تقول إن احتيج إلى القرص وإلى الحت وإلى النتف بأظفر أو غيره - حينئذٍ - نقول وجب وإلا فلا، ما الدليل على أنه في غير نجاسة الكلب والخنزير لابد من السبع؟ يعني لو وقعت قطرة بول على الثوب يجب أن تغسل الثوب الذي هو الموضع سبع غسلات وجب أن تغسله سبع غسلات فلو غسلته مرة واحدة ما أجزأ ولو غسلته أربع ما أجزأ ولو غسلته خمس أو ست ما أجزأ

стр. 233

ولو كانت قطرة واحدة لابد أن تستوفي السبع؛ ما الدليل؟ قالوا عندنا دليل قوله قول ابن عمر (أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً) (أمرنا) إذا قال الصحابي أمرنا من الآمر؟ النبي ﷺ إذاً هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب (أمرنا بغسل الأنجاس) كل الأنجاس؟ هذا هو الأصل لأن أل تفيد العموم ودخلت على الجمع فهي تفيد العموم استثنينا نجاسة الكلب والخنزير لما سبق لحديث (إذا ولغ الكلب) وقيس عليه الخنزير صار مخصصاً لهذا الحديث كذلك بول الأعرابي صار مخصصاً لهذا الحديث بقي (أمرنا بغسل الأنجاس) إذا لم تكن على الأرض لحديث الأعرابي حديث أنس وإذا لم تكن نجاسة كلب للحديث السابق حديث أبي هريرة وقيس عليه الخنزير ما عدا هذه النجاسات - حينئذٍ - (أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً) يخص منها كذلك ما جاء في بول الغلام الرضيع الذي لم يأكل الطعام، إذاً قال (سبعاً) وهو داخل في مفهوم قوله (أمرنا) هذا الدليل الأول الذي ذكره، ثانياً قياساً على نجاسة الكلب والخنزير وهذا قياس فاسد لأن النص إنما عين الكلب فحسب فإذا نفينا قياس الخنزير وهو شر من الكلب فمن باب أولى وأحرى أن ننفي قياس غير الخنزير على ذلك - حينئذٍ - يبقى النظر في أثر ابن عمر والصحيح أن الأثر هذا ضعيف لا يثبت وإذا كان كذلك نرجع إلى الأصل، إذاً (في نجاسة غيرهما سبع) للنص المذكور - وحينئذٍ - نقول الحكم هنا معلل وهو إزالة النجاسة - حينئذٍ - متى ما زالت النجاسة حكمنا بكون المحل قد طهر وأصل إزالة النجاسة يكون بغسلة واحدة فتكون هي المتعينة - حينئذٍ - ما كان على الأرض يكون بغسلة واحدة وكذلك ما كان على البدن أو غير الأرض على جهة العموم ما عدا نجاسة الكلب أو ولوغ الكلب فيكون كذلك بغسلة واحدة وهذا هو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة وهو رواية عن أحمد لذا قال المحشي [وعنه تكاثر بماء حتى تذهب عينها ولونها وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية] وهذا هو الصحيح أنه لا يشترط فيها التسبيع لأن النص الوارد حديث ابن عمر ضعيف وإذا كان ضعيفاً لا تثبت به أحكام شرعية بل لا تثبت به حتى الفضائل على الصحيح وقياسه على نجاسة الكلب أو ولوغ الكلب قياس مع الفارق وإذا كان كذلك رجعنا إلى الأصل وهو أن الحكم معلق بإزالة عين النجاسة وإنما يتعين المرة الواحدة فإن لم تكفي زدنا حتى تزول النجاسة ولذلك قال ﷺ لأسماء (اغسله بالماء) ولم يعين عدداً فدل على أن الغسل إنما يكون بمرة الواحدة وقال في دم الحيض (فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء) ولم يعين عدداً فدل على أن العدد غير معتبر فهي نجاسة كالنجاسة الواقعة على الأرض، ثم قال رحمه الله تعالى (بلا تراب) يعني لما قاس هذه النجاسة على نجاسة الكلب - وحينئذٍ - نجاسة الكلب لابد أن يكون في إحدى الغسلات تراب فإذا كان كذلك لابد من استواء الفرع مع أصله؛ ما هو الفرع؟ نجاسة غير الكلب فرع كبول يقع على بدنك - حينئذٍ - إذا قيس هذا الموضع على إناء أحدكم الذي ورد فيه التسبيع مع التتريب الأصل الاستواء إذا قلنا هذا يجب أن يكون سبعاً لحديث (إذا ولغ) إذاً لابد أن يكون فيه تراب قالوا (بلا تراب) إذاً هذا اعتراض أم لا؟ هذا فيه شيء من التناقض لأن الفرع إنما يأخذ

стр. 234

حكم أصله دون تفريق إذا كان حكم الأصل مركباً وحكم الأصل مركب وهو غسل مع تسبيع مع تتريب وهنا أخذوا الغسل مع التسبيع وتركوا التتريب لذا قال (بلا تراب) لأنه لم يرد في النص قصراً على مورد النص قال الشارح هنا [ولا يضر بقى لون أو ريح - يعني النجاسة - أو ما له عجز] يعني إزالة النجاسة إذا كانت على الثوب مثلاً أو على بساط أو على أي موضع كان فبقي لون النجاسة لا يضر أو بقي ريح النجاسة كذلك لا يضر أو بقي اللون والرائحة معاً لعجز يعني ما استطاع أن يزيله كذلك لا يضر بخلاف بقاء الطعم إذا كان مما يطعم لأن الطعم يدل على أن ثَمَّ أجزاء باقية في الموضع إذاً يستثنى اللون ويستثنى الرائحة في كل منهما فلا يضر بقاؤه أو هما معاً للعجز وأما الطعم فلا يستثنى منه شيء ألبته، ثم قال رحمه الله تعالى (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك) عرفنا فيما سبق أن الماء متعين لابد من إزالة النجاسة بماء طهور فلو زالت النجاسة بشمس يعني ضربته الشمس فلم يبقى له أثر زالت الرائحة واللون والطعم - حينئذٍ - هل طهر المحل؟ الجواب لا؛ لماذا؟ لكون النجاسة باقية حكماً ويشترط فيه الماء كذلك (ولا ريح) لو جاء الهواء والريح وأزال عين النجاسة وأثرها ولونها ورائحتها ولم يبقى لها أثر هل طهر المحل؟ الجواب لا؛ لماذا؟ لأنه لم تزل بالماء فيشترط فيه الماء وهو المذهب وهو الصحيح، (ولا يطهر متنجس) قال المصنف (متنجس) متنجس هذا نكرة في سياق النفي - حينئذٍ - يعم؛ يعم ماذا؟ أرضاً أو ثوباً أو بدناً أو كل ما يقع عليه النجاسة فلا يختص الحكم بالثوب مثلاً ولا بالأرض (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح - ولا جفاف - ولا دلك) أما الطهارة بالشمس هذا مسلم له وأما الطهارة بالريح كذلك مسلم له لا يجزئ وأما الدلك فهذا محل تفصيل فما جاء النص فيه كذيل المرأة وأسفل النعل والخف فهو مستثنى من الأصل - حينئذٍ - نقول يطهر ذيل المرأة إذا مر على شيء طاهر ولو علق بنجاسة وكذلك إذا حلت النجاسة في أسفل النعل أو الخف ثم مر على تراب طاهر - حينئذٍ - يطهر وهذا لا ينقض الأصل؛ لماذا؟ لأن الأصل هو إزالة النجاسة بالماء قد جاءت بعض المواضع بالاستثناء من باب التخفيف وإثبات الرخصة لما عم أو تعم به البلوى كالاستجمار الاستجمار المذهب كما سيأتي أنه لا أو مر معنا أنه لا يطهر وإنما يعفى عن يسيره وقلنا الصحيح أنه مطهر لأن النبي ﷺ استعمله مع وجود الماء فدل على أنه مطهر في ذاته وكذلك للحديث السابق (أنهما لا يطهران) فدل على غيرهما يطهر كذلك قال في ذيل المرأة (يطهره ما بعده) - حينئذٍ - ما جاء به النص نجعله كالمستثنى من القاعدة والأصل العام فإذا دلت النصوص على أن إزالة النجاسة بل الطهارة على جهة العموم طهارة الحدث وطهارة الخبث لا ترفع ولا تزال إلا بالماء وجب التسليم لهذا النص ولهذا الأصل ولهذه القاعدة فإن جاء الاستثناء في إزالة النجاسة ببعض المواضع أنها تزال بغير الماء - حينئذٍ - نقول هذا تخصيص ويبقى على محله وهو رخصة ولا يقاس عليه غيره كما نقول الأصل في رفع الحدث إنما يكون بالماء وجاء الدليل بأن التراب يقوم مقام الماء في الجملة ولا يلزم منه رفع الحدث - حينئذٍ -

стр. 235

نكتفي بما جاء به النص ولا نقول بأنه يجوز التيمم مع وجود الماء ولا قائل به؛ لماذا؟ لأنه إنما جعل رخصة كذلك هنا في هذا الموضع قوله (ولا دلك) نقول فيه تفصيل فما جاء به النص - حينئذ - بقي على ما هو عليه، قال [(ولا دلك) ولو أسفل خف أو حذاء أو ذيل امرأة] والصحيح أنه يطهر في هذا الموضع وأما ما عداه فلا فلو وقعت نجاسة على ساعة مثلاً ودلكها بشيء ما بمنديل ونحوه هل تطهر؟ نقول لا؛ لماذا؟ لكونه لم يرد به نص وإنما نرجع إلى الأصل إن وقعت نجاسة أو حلت بذيل امرأة أو عباءة امرأة وهي ماشية - حينئذٍ - نقول إن مر على تراب طهره؛ لماذا؟ لورود النص لأن النجاسة وإن كانت مدركة من حيث الأصل وهي أن الحكم يدور معها وجوداً وعدماً إلا أن كيفية التطهير في الجملة تعبدي ولذلك لا يسأل لماذا يخص به الماء مع كون الخل يزيل النجاسة؟ بل نبقى على الأصل، قال (ولا استحالة) هذا النوع الرابع مما نفاه المصنف يعني لا يطهر متنجس باستحالة الاستحالة استفعال من حال الشيء عما كان عليه إذا زال وذلك مثل أن تصير العين النجسة رماداً أو وقع كلب كالمثال المشهور وقع كلب في مملحة ملح كثير وقع فيه كلب فصار الكلب ملح أين الكلب؟ لا يوجد عندنا كلب أين هو؟ استحال صار ملحاً ما حكم هذا المحل الذي صار من الكلب إن قلنا بأن الاستحالة مطهرة - حينئذٍ - صار الملح طاهراً وإن قلنا بأن الاستحالة غير مطهرة فالملح نجس المذهب عند الحنابلة أن الاستحالة لا تطهر ولذلك قال (ولا استحالة) يعني لا يطهر متنجس باستحالة فلو تغير كان عذرة مثلاً ثم صار رماداً إذاً هذا رماد ليس اسمه عذرة هذا ملح وليس اسمه كلب كان كلباً - حينئذٍ - زوال الاسم سقوط الاسم لم يسقط الحكم بقي الحكم على أصله وهو أنه نجس وهنا قال [وذلك مثل أن تصير العين النجسة رماداً أو غير ذلك كما لو أحرق سرجين فصار رماداً وكالدم إذا استحال قيحاً أو صديداً] على المذهب لا تعد من المطهرات ولذلك قال [فرماد النجاسة نجس ودخان النجاسة نجس وغبار النجاسة وبخار يعتبر من النجاسات] وفرق بين دخان النجاسة وبين النجاسة عينها وفرق بين النجاسة التي تجعل حطباً بين رمادها لأن الاسم تغير هل تغير الأسماء يسقط الأحكام؟ يعني تتبدل الأحكام بتغير الأسماء أم لا؟ هو هذا الذي وقع فيه النزاع لأن عندنا ماذا؟ عندنا كلب هو نجس إذاً عندنا اسم على مسمى على ذات كلب الحكم نجس، تغير الكلب ما صار كلب صار ملح هل يبقى الحكم أم يزول لتغير الأسماء؟ هذا محل خلاف والصحيح أن الأحكام تتبدل وتتغير بتغير أسمائها ولذلك قال ابن حزم [الأحكام للأسماء والأسماء تابعة للصفات التي هي حد ما هي فيه إذا زال الاسم زال الحكم] إذا كان الحكم تابعاً للاسم - حينئذٍ - نقول الحكم النجاسة تابع للكلب فإذا بقي الكلب كلب كما هو في صورته المعهودة فالحكم باقي وإذا تغير وزال وصف الكلب وهيئته إذاً سقط الحكم وعليه نقول الصحيح أن الاستحالة تعتبر من المطهرات، فالأصح أن الاستحالة مطهرة لأن هذه الأعيان المستحيلة لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظاً ولا معنى وإنما جاء النص بكون الكلب نجساً إذاً نص الشارع على الكلب وهذا ليس بكلب هذا ملح - حينئذٍ - لابد من تغير الحكم

стр. 236

فنقول الحكم يتبع الاسم وأيضاً اتفقوا على أن الخمر إذا صارت خلاً بفعل الله صارت حلالاً طيباً وهذه مثلها ومن فرق بينهما قالوا الخمر تنجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة بخلاف الدم والميتة ولحم الخنزير وهذا ضعيف، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى [ولا ينبغي أن يعبر عن ذلك بأن النجاسة طهرت بالاستحالة فإن نفس النجس لم يطهر بل استحال] إذا الشيء نفسه عينه قد تغير كان كلباً فصار ملحاً - حينئذٍ - نقول الحكم لآن على كلب أو على ملح في الطور الثاني كلب استحال؛ صار ماذا؟ صار ملحاً - حينئذٍ - إذا حكمنا على الشيء الثاني الذي استحال الكلب إليه نحكم على كلب أو على ملح؛ ما اسمه؟ اسمه ملح - فحينئذٍ - نقول الأصل في الملح الطهارة فيبقى على أصله، إذاً (ولا استحالة) يعني لا يطهر متنجس باستحالة والصحيح أنه يطهر فإن التنجيس والتحريم يتبع الاسم والمعنى الذي هو الخبث (غير الخمرة) هذه مستثناة (غير الخمرة) الخمرة هذه فيها نزاع بعضهم يرى أنها نجسة المذاهب الأربعة على أنها نجسة وبعضهم يرى أنها طاهرة [(غير الخمرة) إذا انقلبت بنفسها خلاً] يعني انقلبت بنفسها يعني استحالة إذاً الاستحالة على المذهب لا تطهر واستثنوا نوعاً واحداً من الاستحالة وهي استحالة الخمرة بشرط أن تكون بفعل الله يعني ليس بقصد من المكلف - حينئذٍ - قالوا بالاستحالة بكونها مطهرة؛ لماذا؟ لورود النص ولذلك جاء الخبر عن النبي ﷺ أنه سئل عن الخمر تتخذ خلاً قال (لا)، الخمر تتخذ خلاً إذاً هي كانت خمراً فصارت خلاً إذاً ارتفع الاسم أو لا؟ قال (لا) وإنما قال لا هنا لكونه جاء الفعل تتخذ إذاً بفعل فاعل بالعمد يعني قصداً فقال (لا) ﵊ مفهومه أنها لو صارت خلاً دون اتخاذ الجواب نعم (غير الخمرة) الخمرة اسم لكل مسكر وسميت بذلك لتخميرها العقل أي تغطيتها إياه، قال ابن هبيرة [واتفقوا على أن الخمرة إذا انقلبت خلاً من غير معالجة الآدمي طهر] وإنما إذا انقلبت خلاً بفعل فاعل فلنص حديث أنس - حينئذٍ - لا تطهر تبقى على الأصل فإن خللت يعني نقلت لقصد التخليل لم تطهر للحديث السابق قوله ﷺ وقد سئل عن الخمر تتخذ خلاً قال (لا) رواه مسلم وغيره عن أنس وقال عمر (لا تأكلوا خل خمر إلا خمر بدء الله بفسادها) وثبت عن طائف من الصحابة، قال ابن القيم [ولا يعلموا لهم - في الصحابة - مخالف وذلك لأن اقتناء الخمر محرم فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرماً فلا يكون سبباً للحل وأخبر النبي ﷺ أنه داء وليست بدواء] إذاً على المذهب الاستحالة ليست بمطهرة إلا في مسألة الخمر ثم مسألة الخمر قد تكون بفعل فاعل وقد تكون بفعل الله فالأول هي نجسة باقية على أصلها وفي الثاني هي طاهرة للنص، قال (أو تنجس دهن مائع) هذا يأتي في محله. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 237

عناصر الدرس * تابع لباب: إزالة النجاسة. * قوله: "أو تنجس دهن مائع"، وسبب التفريق بين المائع والجامد. * حكم من خفي عليه موضع النجاسة. * تطهير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام. * قوله: "ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم" المسألة. * هل ينجس المسلم بالموت؟ * تعليق الحكم بمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق. * حكم المني، ودليل المسألة. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد فلا يزال الحديث في بيان ما يتعلق بباب إزالة النجاسة وعرفنا هنا أن المراد بالنجاسة هنا النجاسة الحكمية وليست النجاسة العينية فإنها غير قابلة للتطهير وبينا أن النجاسة الحكمية أربعة أنواع: هذا في المذهب عند الحنابلة وكذلك عند الشافعية فهي نجاسة مغلظة والمراد بها نجاسة كلب وخنزير على المذهب ونجاسة مخففة والمراد بها نجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام ونجاسة المذي كذلك على المذهب والثالثة نجاسة متوسطة بين ذلك رابعاً نجاسة معفواً عنها كيسير الدم وأثر الاستجمار في محله سبق ما يتعلق ببعض المسائل المتعلقة بالنجاسة المغلظة والنجاسة المتوسطة، وكانت آخر مسألة وقفنا معها هي أن النجاسة لا تزول بشمس ولا ريح ولا دلك ولا استحالة غير الخمرة فإن خللت - حينئذٍ - إن كانت قصداً فالحكم بنجاستها محل وفاق وإن كانت بفعل الله حينئذٍ - كانت طاهرة فيفرق بين تخليل الخمر بين أن يكون بفعل الله وبين أن يكون بفعل الآدمي والحكم - حينئذٍ - يختلف باختلاف اليد والاستحالة سبق أن الصحيح أنها مطهرة وما عداها يبقى على أصله فالشمس لا تطهر كذلك الدلك لا يطهر إلا ما جاء النص به كذيل المرأة ونحوها - حينئذٍ - ما جاء النص ببيان تطهيره بغير الماء وقيل معه وإلا الأصل أن النصوص دالة على أن النجاسة لا تزول بغير الماء الطهور وأما المائعات ولو كانت أقوى من الماء كما هو الموجود في العصر الحاضر هذه لا تطهر النجاسة لأن الشرع أوقف إزالة النجاسة على الماء وما عداه يبقى على الأصل وقفنا عند قوله (أو تنجس دهن مائع) أي لم يطهر المذهب يفرقون بين المائعات حيث التنجيس فالماء عندهم فيه تفصيل وهو ما سبق في أول الباب ما تغير بالنجاسة حكمنا عليه بكونه نجس هذا الماء الكلام في الماء إن وقعت فيه نجاسة فتغير الماء بالنجاسة - حينئذٍ - نقول الماء انتقل من الطهورية إلى النجاسة وإن لم يتغير بالنجاسة - حينئذٍ - فرقنا بين القليل والكثير فإن كان كثيراً وهو ما بلغ قلتين فأكثر لا ينجس بل باقي على أصله وما كان دون القلتين حكمنا على الماء بكونه نجساً بمجرد الملاقاة وهذا بمنطوق ومفهوم حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) مفهومه مفهوم مخالفة أنه إذا لم يبلغ القلتين - حينئذٍ - يحمل الخبث مطلقاً ولو لم يتغير وذكرنا أن هذا هو الصحيح وأما ما عدا الماء على المذهب - حينئذٍ - كل مائع عدا الماء كالزيت السمن ونحو ذلك أو الخل فالحكم عندهم أنه يستوي فيه القليل والكثير فينجس بمجرد الملاقاة ولا عبرة هنا بالتغير بل التغير إن تغير المائع ما عدا الماء كالزيت مثلاً وقعت فيه نجاسة فتغير - حينئذٍ - محل وفاق أنه نجس لو جود أثر النجاسة هذا لا إشكال فيه يبقى الخلاف فيما إذا لم يتغير فالمذهب سواء كان قليلاً أو كثيراً بمجرد الملاقاة حكمنا عليه بكونه نجساً ولذلك قال (أو تنجس دهن مائع) (دهن) الدهن قد يكون مائعاً وقد يكون جامداً والفرق بينهما كما في حواشي الإقناع

стр. 238

الجامد الذي فيه قوة تمنع انتقال أجزأ النجاسة من الموضع الذي وقعت فيه إلى ما سواه يعني لا تسري فيه النجاسة يعني لا تمشي بل يقف على محله نقول هذا جامداً ما عداه فهو المائع، هذا الجامد وعرفه بعضهم بأنه القائم اليابس ضد الذائب والذائب كما عرفه هنا في الحاشية [وهو ما بحيث يسيل لو فتح فم الزق] بمعنى أنه لو فتح فم قربة سال بنفسه هذا يسمى مائعاً أو ذائباً المذهب يفرقون بين الجامد والمائع، الجامد إذا وقعت فيه نجاسة أزيلت النجاسة وما حولها وأما المائع فبمجرد الملاقاة حكموا عليه بكونه نجساً، ولذلك قال (أو تنجس دهن مائع) يعني لم يطهر ولا يمكن تطهيره بخلاف الماء سبق أن الماء يمكن أن يطهر؛ ماء قليل إذا وقع فيه أو صب عليه ماء كثير تطهر أليس كذلك؟ أو الماء النجس الكثير الذي زال تغيره بنفسه حكمنا عليه بكونه انتقل من النجاسة إلى الطهورية إذاً الحاصل أن الماء النجس يمكن تطهيره بواحد من الأمور السابقة لكن الدهن المائع لو وقعت فيه نجاسة عندهم لا يمكن تطهيره؛ لماذا؟ لأن الدهن لا يدخل الماء في أجزأ الدهن بخلاف الماء فالماء أجزأ يمكن أن يدخل بعضها في بعض وأما الدهن فلا، ولذلك قال (أو تنجس دهن) دهن هذا قد يكون مائعاً وقد يكون جامداً أخرج الجامد بقوله (مائع) (لم يطهر) لأنه لم يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه بدليل أمر النبي ﷺ بإراقة السمن الذي وقعت فيه الفأرة، هذا المذهب والصحيح أن يقال أن الدهن المائع كالجامد بمعنى أن ما عدا الماء على الصحيح أنه لا ينجس إلا بالتغير يعني بالتغير بالنجاسة - حينئذٍ - إذا وقعت النجاسة في الدهن مثلاً سواء كان جامداً أو مائعاً تزال النجاسة وما حولها والباقي يعتبر طاهراًََ وإلحاقه بالماء بمجرد الملاقاة نقول هذا إلحاق مع الفارق - حينئذٍ - الأصل القاعدة الأصل ما تغير بالنجاسة فهو نجس ما لم يتغير بالنجاسة وما لم يتغير بالنجاسة فالأصل أنه ليس بنجس إلا ما دل الدليل عليه؛ كالماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة حكم الشارع بكونه نجس إذاً للنص وإذا لم يرد النص بقينا على الأصل واستصحاب البراءة الأصلية - حينئذٍ - نقول هذا الدهن الذي لم يتأثر كله جميعه بالنجاسة نقول الأصل فيه أنه طاهر - حينئذٍ - نبقى على هذا الأصل حتى يرد دليل واضح بين ينقلنا إلى الحكم بالنجاسة فالصواب أن الدهن المائع كالجامد تلقى النجاسة وما حولها والباقي طاهر، ففي البخاري من حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال (ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) هنا سئل عن ماذا؟ عن فأرة وقعت في سمن ولم يستفصل النبي ﷺ هل هذا السمن جامد أم مائع؟ - حينئذٍ - ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال فيكون النص عاماً - حينئذٍ - هذا الجواب من النبي ﷺ (ألقوها وما حولها) يعني يكون الجواب لأي شيء؟ سواء كان السمن مائعاً أو كان سمن جامداً؟ لأنه لم يستفصل فيحمل على العموم وأما الرواية التي احتجوا بها في المذهب ومن قال بهذا القول أنه قال (إذا كان جامداً فألقوها وما حولها وإذا كان مائعاً فلا تقربوها) هذا الحديث ضعيف

стр. 239

هذه الزيادة ضعيفة وإذا كان ضعيفاً - حينئذٍ - لا يعول عليه ويكون حديث ميمونة الوارد في صحيح البخاري هو المعتمد والنبي ﷺ سئل عن السمن ولم يستفصل وبيّن الحكم - حينئذٍ - يكون عاماً، إذاً التفريق بين الجامد والمائع نقول هذا تفريق بناء على نص وهو ضعيف وإذا كان ضعيف رجعنا إلى الأصل وقياسه على الماء قياس مع الفارق فلا يقاس المائع على الماء لأن الماء هو الذي يحصل به التطهير وأما المائعات فلا يحصل بها التطهير ولذلك قال (فلم تجدوا ماء فتيمموا) لما لم يوجد الماء عدلنا إلى التيمم التراب ولو وجد غير الماء من المائعات فدل على أن المائع غير الماء ليس كل الماء - حينئذٍ - يكون القياس مع الفارق، إذاً (أو تنجس دهن مائع لم يطهر) على المذهب مطلقاً سواء كان قليلاً أو كثيراً تغير أم لا والصحيح أنه إن تغير حكمنا بنجاسته وهذا محل وفاق وإن لم يتغير - حينئذٍ - نلقي النجاسة وما حولها ويكون طاهراً ولذلك قال في الشرح [لم يطهر لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه] وإن كان جامداً ووقعت فيه نجاسة ألقيت وما حولها والباقي طاهر للحديث حديث أبي هريرة (ألقوها وما حولها وكلوا وإن كان مائعاً فلا تقربوه) رواه أبو داود، قال ابن تيمية [عمل بهذا اللفظ بعض العلماء لظنهم صحته وهو باطل ولو أطلع الإمام أحمد على العلة القادحة فيه لم يقل به لأنه من رواية معمر وهو كثير الغلط باتفاق أهل العلم] قولهم (فلا تقربوه) متروك عند السلف والخلف من الصحابة والتابعين وقال البخاري وغيره [هو غلط أخطأ] وقال ابن القيم [غلط من معمر من عدة وجوه وكيف أن الزهري قد روى عنه الناس كلهم خلاف ما روى عنه معمر وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها يلقى وما حولها ويأكل بالباقي بالجامد والمائع والقليل والكثير واستدل بالحديث فهذه فتياه وهذا استدلاله وهذه رواية الأمة عنه] إذاً القول بأن المائع يلقى كله وأنه تنجس هذا لم يثبت عن النبي ﷺ ، ثم قال المصنف (وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزوالها) هذه العبارة أخذها من المقنع وعبارة المقنع أوضح حيث قال [وإذا خفيت النجاسة لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها] يعني إذا كان المكان ضيقاً ويمكن حصره يعني لا صحراء ونحوها هذا مستثنى إن كان الموضع موضع النجاسة ضيق في بدن أو ثوب أو بقعة ونحوها وخفي عليه موضع النجاسة يعني تيقن نزول النجاسة على الثوب مثلاً لكن لا يدري هل هو أمامه خلفه في الكم الأيمن الأيسر خفي عليه موضع النجاسة مع يقينه بأن الثوب قد وقعت عليه نجاسة - حينئذٍ - لا يحكم على الثوب بكونه قد تطهر إلا بغسله كله لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يتيقن مع تيقنه إصابة الثوب بالنجاسة - حينئذٍ - تيقن أنه تنجس ولا يمكن أن يرتفع هذا الحكم إلا بغسله كله - حينئذٍ - تعين أو وجب عليه أن يغسل الثوب كله حتى يجزم بزواله (وإن خفي موضع نجاسة) (خفي موضع نجاسة) هذا مراد به في المكان الضيق لا الواسع أما الواسع فالمذهب أنه يتحر يعني لو كان في أرض أو كان في بيت صالة أو نحوها يعلم أن الولد قد بال في موضع ما لكنه لا يدري نقول هذا المكان واسع ليس بضيق - حينئذٍ - يتحر يعني يبحث عن قرائن فما غلب عليه ظنه

стр. 240

عمل به فيغسله فإن غلب على ظنه أنه بال في هذا الموضع غسل هذا الموضع إن غلب على ظنه أنه بال في هذا الموضع غسل ذاك الموضع ولا يلزمه غسل كل ما يكون في غرفة ونحوها لأن هذا مما يشق، (إن خفي موضع نجاسة) وهذا إنما يتصور في مكان ضيق لا واسع وأما الواسع فيتحر يعني يتحر الموضع الذي يغسله فيغسله ليس المراد أنه يتحر في موضع فيصلي قد يكون هذا لكن المراد هنا النجاسة، (وإن خفي موضع) يعني محل (نجاسة) والنجاسة هذه نكرة في سياق الشرط فتعم يعني سواء كانت النجاسة على الثوب أو كانت في البدن أو كانت في بقعة ضيقة وأراد الصلاة لم يجز له حتى يتيقن زوالها يعني لم يجز له أن يصلي لأن إزالة النجاسة واجتناب النجاسات شرط من شروط صحة الصلاة فإذا تيقن أن الموضع الثوب أو البدن أو الموضع الذي سيصلي فيه أصابته نجاسة - حينئذٍ - لا يجوز أن يصلي حتى يتيقن طهارة الثوب وكذلك البدن والموضع لم يجز له حتى يتيقن زوالها وإنما يتيقن ذلك بغسل كل محل يحتمل أن النجاسة أصابته وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر، (غُسل حتى يجزم) (غُسل) يعني ذلك الموضع وجوباً (غسل) ليس اختياراً وإنما وجوباً؛ لماذا؟ لأن اجتناب النجاسات هذا واجب إذا كان كذلك - حينئذٍ - ما لم يتحقق الوجوب إلا به فهو واجب - حينئذٍ - اجتناب النجاسة يعتبر واجباً (حتى يجزم) أي إلى أن (حتى) بمعنى إلى؛ إلى أن يجزم ويقطع بزواله يعني زوال النجس لأنه متيقن فلا يزول إلا بيقين الطهارة وقيل يتحرى مكان النجاسة فيغسلها يعني لا فرق بين الواسع والضيق وهذا هو الصحيح إن غلب على ظنه أنه أصيب في موضع ما من بدنه أو ثوبه أو بقعته - حينئذٍ - نقول التحري جاءت به الشريعة بدليل ماذا؟ بدليل أنهم قالوا بالتحري في مكان واسع صحراء ونحوها له أن يتحرى وهذا حكم شرعي إذا كان كذلك كما أنه يتحرى في الصلاة ويتحرى في عدد أشواط الطواف والسعي ونحو ذلك هنا كذلك نقول على الصحيح تلك المسألة هنا كذلك يتحرى فما غلب عليه في ظنه عمل به فإن تيقن أن النجاسة أصابت أحد الكمين هذا أو ذاك على المذهب يجب أن يغسل الكمين معاً على المذهب والصحيح أنه إن غلب على ظنه أنه في الكم الأيمن هذا الذي يلزمه غسله وما عداه فلا يغسله هذا على الصحيح أنه يتحرى يعني إذا غلب على ظنه هو الذي يعمل به إن استويا - حينئذٍ - رجعنا إلى الأصل وهو ما قرره المصنف هنا رحمه الله تعالى، إذاً (وإن خفي موضع نجاسة غُسل حتى يجزم بزواله) والصحيح أنه لا يلزمه غسل ذلك إذا غلب على ظنه - وحينئذٍ - يتحرى فما غلب على ظنه وإلا فلا، [فإن لم يعلم جهتها من الثوب غسله كله] هذا على المذهب والصحيح أنه يتحرى فإن لم يغلب على ظنه شيء غسل الثوب كله وأما إذا غلب على ظنه جهة معينة - حينئذٍ - رجعنا إلى التحري، [وإن علمها في أحد كميه ولا يعرفه غسلهما] هذا مثال أو تفريع لقاعدة (خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزواله) والصحيح ما ذكرناه، [ويصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحري]- حينئذٍ - نقول لا فرق بين الفضاء الواسع وبين الضيق بل الصواب أنه يتحرى فيهما، ثم قال رحمه الله تعالى (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه) هذا النوع الثالث من أنواع النجاسة وهو أنه قد تكون

стр. 241

النجاسة مخففة نجاسة مخففة وهي نجاسة بول الغلام، قال (ويطهر بول) إذاً البول نجس أخذنا ذلك من قوله (يطهر) لأن الطهارة يقابلها ماذا؟ النجاسة؛ وهل قال بعض أهل العلم بطهارة بول الغلام؟ نقول نعم قال داود الظاهري بأنه طاهر وليس بنجس والصحيح ما عليه الجماهير من أنه نجس ولذلك عبر المصنف هنا بالطهارة (ويطهر بول) إذاً خص البول وخرج الغائط وليس له حكم من حيث الاستثناء أو التخفيف وإنما رجع إلى الأصل وهو وجوب الغسل (ويطهر بول) لا غائط (بول غلام) غلام يطلق على الصبي من حين يولد على اختلاف أحواله إلى أن يبلغ هذا أصل الغلام لكن المراد هنا من ولادته إلا أن يأكل الطعام لأن الحكم مقيد فليس مطلق الغلام كل غلام لا؛ المراد به غلام قيده المصنف لم يأكل إذاً هناك غلام أكل الطعام فإذا كان الغلام يطلق على من دون البلوغ - حينئذٍ - قد يكون شاباً أليس كذلك؟ هذا يأكل ويشرب - حينئذٍ - الحكم لا يتعلق به، (غلام) أخرج الجارية - حينئذٍ - الحكم لا يتناولها (غلام) لم يأكل الطعام قال (بنضحه) جار ومجرور متعلق بقول (يطهر) يعني يطهر هذا المذكور النجس (بنضحه) والنضح هو الرش والبل وهو يقابل الغسل فالغسل لابد من جريان الماء ولابد من الفرك والعصر لابد أن يفركه لابد أن يعصره وأما النضح فيكفي الرش فحسب وهذا كما هو الشأن في المذي إذا أصاب الثياب كذلك البول بول الغلام، قال هنا (لم يأكل الطعام) هذا القيد لم يرد في النص وإنما جاء من وصف الصحابي للصبي الذي بال على النبي ﷺ لأنه جاء في الحديث (أتي النبي ﷺ بصبي فبال على ثوبه فدعا رسول الله ﷺ بماء فأتبعه إياه) متفق عليه وليس فيه أنه لم يأكل الطعام وجاء في حديث أم قيس (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام - فجاء الوصف هنا مقيد بالصحابية - إلى رسول الله ﷺ فأجلسه في حَجْرِه فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله) إذاً (فنضحه ولم يغسله) دل على أن النضح هنا المراد به الرش والبل وليس المراد به الغسل فإن قيل بأن النضح قد يطلق على الغسل نقول ليس بمراد في هذا النص بدليل (ولم يغسله) لما نفى لم يغسله دل على أن النضح المراد به هنا الرش والبل وليس المراد به الغسل إذاً جاء في النص هنا بابن لها صغير لم يأكل الطعام، وجاء كذلك عن أم الحسن (أنها أفسرت أم سلمة تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم فإذا طعم غسلته وكانت تغسل بول الجارية) إذاً هذا القيد لم يرد في فعل النبي ﷺ أو قوله وإنما جاء بقرائن الأحاديث الواردة في هذا الموضع، (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه) قال أي غمره بالماء ولا يحتاج لمرص وعصر فإن أكل الطعام غسل، قال ابن القيم رحمه الله تعالى [وإنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده وشتهاه تغذياً به] يعني ليس المراد مطلق الأكل لأنه قد يحنك بالتمر مثلاً عند ولادته هذا أكل الطعام لكنه هل اشتهاه هل طلب الطعام؟ هل اختاره؟ الجواب لا، إذاً ليس كل من أكل الطعام يخرج عن هذا الحكم وإنما المراد غلام لم يأكل الطعام تشهياً يعني لشهوة أو اختياراً لم يطلبه وإنما أعطي إعطاء هذا ليس بخراج ولا يسمى

стр. 242

آكلاً للطعام؛ لماذا؟ لأنه لا يكون آكلاً للطعام إلا إذا قاصداً طالباً له والفعل إنما ينسب إلى الشخص إذا كان قاصداً وطالباً له، إذاً قال ابن القيم [وإنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده واشتهاه تغذياً به] وقال في الفتح ابن حجر رحمه الله تعالى [والمراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه] لأنه نوع طعام إذا لم يأكل الطعام مات هذا أليس كذلك؟ وإنما المراد به لم يأكل الطعام لشهوة - حينئذٍ - اللبن الذي يرتضعه أخرجه عن الحكم نقول لا، لأنه منذ أن يولد وهو يرتضع فإذا كان هذا آكلاً للطعام ارتفع الحكم الشرعي، إذاً قال ابن حجر [والمراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنك به والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها فكان المراد أنه لم يحصل الإغتذاء بغير اللبن عن الاستقلال] هذه المذكورات لا تخرجه عن كونه ليس آكلاً للطعام لأنه يعطى إعطاء إذاً هذا الحكم خاص بالغلام ولا يشمل الجارية للنص الذي ذكرناه سابقاً ولما فرق الشارع بينهما الله أعلم، بين النبي ﷺ بأن البول بول الصبي ينضح من بول الغلام ويغسل بول الجارية نقول فرق بينهما وجمع بينهما في لفظ واحد؛ لم فرق؟ نقول الصحابة لم يسألوا لم فرقت يا نبي الله ﷺ وإذا لم يسألوا - حينئذٍ - رجعنا إلى التسليم والأحكام الشرعية إنما مبناها على التعبد الفقهاء استنبطوا أحكام لكن لا نقف معها، ثم قال (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر) (ويعفى) هذا النوع الرابع وهو النجاسة التي يعفى عن يسيرها (ويعفى) أي يتجاوز تجاوز (عن يسير دم) يتجاوز (يعفى) (عن يسير) متعلق بقوله (يعفى) والذي عفا من؟ الشارع هو الذي تسامح هو الذي تجاوز يعفى عن يسير إذاً لا كثير واليسير ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه والكثير ما يفحش في نفس كل أحد بحسبه يسير ماذا؟ قال (يسير دم) أما يسير غير الدم كالبول والغائط فلا يعفى لأنه خصه بماذا؟ بالدم، النجاسات كثيرة ومنها الدم - حينئذٍ - لما قال (عن يسير) إذاً لا كثير فكثير الدم لا يعفى عنه ولما قال (عن يسير دم) خص الحكم وقيده بالدم إذاً يسير البول لا يعفى عنه يسير الغائط لا يعفى عنه يسير القيء على القول بنجاسته لا يعفى عنه وقلها في ما عدا هذه النجاسات، (عن يسير دم نجس) قيد الدم بكونه نجس تعلم منه أن بعض الدم ليس نجس، فالدماء ثلاثة أقسام: الأول: نجس لا يعفى عن شيء منه ألبته؛ وهو الدم الخارج من حيوان نجس ولذلك قال هنا (من حيوان طاهر) إذاً الحيوان النجس هذا لا يعفى عنه لا يسير ولا كثير نجس لا يعفى عن شيء وهو الدم الخارج من حيوان نجس أو خارج من السبيلين من القبل أو الدبر هذا على المذهب لا يعفى عن يسيره، النوع الثاني: نجس يعفى عن يسيره؛ وهو الذي معنا يسير دم من حيوان طاهر - بهذا القيد - حيوان طاهر يعني في الحياة ولو لم يكن مأكول اللحم، الثالث: دم طاهر؛ وهذا أنواع دم السمك لأن ميتته طاهرة، الثاني الدم اليسير الذي لا يسيل كدم البعوضة والذباب ونحوها لأن ميتتها طاهرة كما سينص عليها المصنف، ثالثاً الدم الذي يبقى في المذكاة بعد تذكيتها كدم الذي يكون في العروق أو في الكبد أو في الطحال هذا

стр. 243

سواء كان قليلاً أو يسيراً يعني بعد سيران الدم الذي يسيل الدم المسفوح هذا نجس باتفاق وأما الدم الباقي في اللحم أو في الكبد أو في الطحال أو في العروق هذا طاهر وليس بنجس ولو كثر ولو رأيته يطبخ مع اللحم نقول هذا مستثنى طاهر، رابعاً دم الشهيد عليه طاهر لأن النبي ﷺ لم يأمر بغسله فدل على طهارته هذا عندنا وعند الحنفية وأما عن المالكية والشافعية فهو نجس، إذاً الدماء الطاهرة أربعة دم السمك والدم اليسير الذي لا يسيل وثالثاً الدم الذي يبقى في المذكاة بعد تذكيتها ودم الشهيد ما عدا هذه - حينئذٍ - يكون نجساً ويختلف حكمه من حيث العفو عن يسيره أو لا، (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس) عرفنا أنه من حيوان طاهر في الحياة وسيأتي هذا، إذاً التخصيص في العفو هنا خصه المصنف باستثناء نوعين أنه لا يعفى عن يسيره وهو (في غير مائع) السائل يعني في غير السائل وأما السائل سواء كان ماء أو غيره فعلى كلام المصنف أن يسير الدم النجس وغيره كذلك لا يعفى عنه فلو وقعت قطرة بول في ماء يسير؟ نجس ما يعفى عنه ولو كانت قطرة بول، (ومطعوم) يعني ما يطعم من الجوامد كالخبز ونحوه كذلك لو وقعت عليه قطرة بول قالوا حكمنا عليه بأنه نجس ولا يعفى عن يسيره وما يعفى عن يسيره يترتب عليه حكم وهو أنه لا يطالب بغسله أو تطهيره وأما هنا في المطعوم وفي المائع - حينئذٍ - الحكم ثابت كما هو فمراد المصنف هنا أن العفو عن يسير الدم النجس من حيوان طاهر يكون في غير المائع وأما المائع فلا يعفى عن يسيره بل نحكم عليه بكونه نجساً لأن الماء وغيره بمجرد الملاقاة يعتبر نجساً ولكن الماء بقيد القليل وأما المائع فلا يقيد بقليل ولا كثير وهذا يصح في ماذا؟ يصح في الماء القليل وأما المائع فكما ذكرنا سابقاً أن العبرة بالتغير وبناء المذهب هنا على أنه بمجرد الملاقاة وهو قول ضعيف، (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس) يعني في الثياب والبدن والأرض والبساط ونحوها أما المائع والمطعوم فلا يعفى عن يسيره (من حيوان طاهر) هذا من المتن - إن كان ظاهر النسخة التي معنا ليست من المتن بل هي من المتن - قيد لابد منه (من حيوان طاهر) حيوان قسمان: طاهر ونجس، فالطاهر الأول مأكول اللحم كل ما أذن الشارع بأكل لحمه فهو طاهر لأن النجس خبيث وإذا كان خبيثاً فالأصل فيه التحريم إذاً مأكول اللحم، ثانياً ما ليس له دم سائلة فهو طاهر في الحياة وبعد الممات كالذباب للحديث الوارد في الذباب فهو طاهر في الحياة وبعد الممات، والنجس كل حيوان محرم في الأكل إلا الهرة وما دونها في الخلقة، إذاً مأكول اللحم طاهر، ما ليس مأكول اللحم هل كله ليس بطاهر؟ الجواب لا؛ وإنما يفسر فيه ما ليس له دم سائلة فهو طاهر في الحياة وبعد الممات - طيب - كذلك ما دون الهرة في الخلقة فهو طاهر في الحياة وهو له دم سائلة لكن جاء النص باستثنائه، إذاً الطاهر مأكول اللحم وما ليس له دم سائلة فهو طاهر في الحياة وبعد الممات ثم النجس كل حيوان محرم الأكل إلا الهرة وما دونها في الخلقة على المذهب فطاهر، وما دونها في الخلقة هذا القيد فيه نظر والصحيح أن العلة هي التطواف كما سيأتي، المراد الهرة وما

стр. 244

دونها هذا طاهر في الحياة، قال هنا (من حيوان طاهر) إذاً لو كان يسير دم من حيوان نجس؛ ما الحكم هل يعفى عن يسيره؟ الجواب لا؛ وإنما يعفى عن يسير الدم النجس من حيوان طاهر - حينئذٍ - الطاهر قد يكون مأكول اللحم وقد لا يكون مأكول اللحم؛ أليس كذلك؟ فالهرة مثلاً هي طاهرة - حينئذٍ - لو أصيبت يعني جرحت فخرج الدم فأصاب ثوبك قطرة يسيرة؛ هل يجب إزالته؟ لا يجب إزالته؛ لماذا؟ لأنه دم نجس من حيوان طاهر في الحياة - حينئذٍ - نحكم عن هذا اليسير بأنه معفو عنه يعني لا يحب غسله فلو صليت به ولو عمداً نقول هذه الصلاة صحيحة فلا يجب غسله ألبته لأنه مما استثني، إذاً (من حيوان طاهر) لا نجس ولا إن كان من سبيل قبلاً كان أو دبراً، وأما مسألة الدم الإنسان هل طاهر أم نجس؟ حكي الإجماع أنه نجس وإن كانت الأدلة قد لا تسانده وهذه المسألة طويلة مفصلة في الشرح المطول، ثم قال (وعن أثر استجمار بمحله) هذا النوع الثاني مما يعفى عن يسيره وهو الاستجمار وقد مر معنا في باب الاستجمار (وعن أثر استجمار) يعني ويعفى ويتجاوز (عن أثر استجمار) والمراد بالاستجمار الاستجمار الشرعي يعني الذي استوفى العدد مع الإنقاء وأما إذا لم يكن شرعياً كأن استنجى أو استجمر بنجس نقول هذا لا يعفى عنه ولا عن يسيره ولا عن أثره - حينئذٍ - نقول هذا الاستجمار ليس شرعياً وإنما المراد الاستجمار الشرعي الذي توفرت فيه الشروط السابقة في بابه، (وعن أثر استجمار) هو في الأصل نجس لأنه بول والبول نجس وكذلك الغائط الدبر مثلاً والأصل فيه أنه نجس والأصل في الموضعين أنهما نجسان هذا الأصل فيهما ولكن لكون النبي ﷺ اقتصر على الاستجمار مع وجود الماء دل على أن هذا الأثر معفو عنه، وهذا على التسليم بأن الاستجمار لا يطهر لأنه لو استجمر في موضع القبل أو الدبر فالباقي من أثر النجاسة معفو عنه يعني متجاوز عنه يعني لا يجب غسله فيما لو صلى أو انتهى من صلاته، طيب ماذا بقي؟ قال (بمحله) يعني في محله يعني على القبل والدبر فإن علق الموضع فأصاب الثوب قالوا رجعنا إلى الأصل وهو النجاسة فلا يعفى عنه إنما العفو معلق بالمحل فمادام أن الغائط في الدبر بقية منه أجزاء قالوا معفو عنه يعني يتسامح فيه ولا يترتب عليه الحكم وهو وجوب الإزالة لكن لو علق الموضع فأصاب الثوب حكمنا على الثوب بأنه نجس؛ لماذا؟ لأنه رخصة والرخصة إنما تناط بمحلها فإذا تجاوزت المحل رجعنا إلى الأصل، وهذا الفرع الذي وقع فيه نزاع مبني على الاستجمار هل هو مطهر أو لا؟ فمن قال أنه مطهر حكمنا على الباقي ولو كان في أصله نجساً حكمنا على الباقي أثره في الموضع بأنه طاهر فإن عرق الموضع فأصاب الثوب فالثوب طاهر وهذا هو الصحيح بأن الموضع قد تطهر ثم ما أصاب الثوب ولو وجد لونه لون البول أو الغائط ونحو ذلك نقول الأصل أنه طاهر؛ لماذا؟ لأن النبي ﷺ قال (إنهما لا يطهران) دل على أن ما عداهما يطهر ثم استعمل الاستجمار مع وجود الماء فليس هو كالتيمم طاهرة ضرورة وإنما هو طهارة مع القدرة على الماء فلما عدل عن الماء إلى الاستجمار مع وجود الماء علمنا أنه ليست طهارة ضرورة وإذا كان كذلك ساوى الاستجمار الماء

стр. 245

هذه النتيجة ساوى الاستجمار الماء - حينئذٍ - كما أن الماء يطهر وإن كان هو أكثر تطهيراً وإنقاء كذلك الاستجمار بالأحجار ونحوها يطهر وإن كان أدنى تطهيراً من الماء ويترتب عليهما أن الموضع قد طهر ولو بقيت أجزاء النجاسة ولو بقيت أجزاء النجاسة وعقلك لا تدخله في مثل هذه المواضع هذه تعبدية والحكم ما حكم به الله ورسوله ﷺ فمادام أن النصوص صحت فالاجتهاد والرأي يكون لا مجال له ألبته، ويعفى (عن أثر استجمار) إذاً هو في الأصل نجس على المذهب هو في الأصل نجس لأن المسح لا يزيل أجزاء النجاسة كلها فالباقي منها نجس لأنه عين نجاسة فأشبه ما لو وجد في المحل وحده (عن أثر استجمار بمحله) يعني في الباء هنا بمعنى في، مفهومه أنه لو تجاوز محله لم يعفى عنه وهذا المذهب والصحيح كما ذكرنا أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه اقتصر على الاستجمار في التنزه عن البول والغائط فإذا كان كذلك فهو مطهر، ثم قال رحمه الله تعالى (ولا ينجس الآدمي بالموت) (ولا ينجس) لأن المقام هنا حديث في بيان النجاسات والآدمي سواء كان مسلماً أو كافراً فيه خلافاً بين أهل العلم المسلم في حال الحياة بالإجماع أنه طاهر وإذا مات صار ميتة - حينئذٍ - هل يدخل في الألفاظ الدالة على أن الميتة نجسة أو لا؟ هذا محل نزاع ولذلك ذهب بعض الفقهاء وهو رواية عن الإمام أحمد في بعض الروايات أن المسلم إذا مات صار نجساً ولذلك يحتاج إلى تغسيله، لكن هذا القول ضعيف، (ولا ينجس الآدمي) يعني من كان من بني آدم سواء كان مسلماً أو كافراً (لا ينحس) بالموت وهنا لم يفرق المصنف بين المسلم ولا الكافر لاستوائهما في حال الحياة وأجزاؤه وأبعاضه كجملته، قال (بالموت) لا ينجس بسبب الموت لأن الموت إذا حل بحيوان بحكم بنجاسته والآدمي حيوان لكنه ليس كسائر الحيوانات هل يختلف الحكم أو لا؟ جاء النص بقوله ﷺ (المؤمن لا ينجس) (سبحان الله إن المؤمن لا ينجس) (المؤمن) مؤمن مفعل يعني ذات متصف بالإيمان دخلت عليه أل وأل هذه ما نوعها؟ استغراقية ما نوعها؟ موصولية - وصفة صريحة صلة أل - صفة صريحة مؤمن يعني اسم فاعل صلة أل؛ إذاً أل هذه من الموصولات وإذا كانت من الموصولات عند الأصوليين أن الموصولات الذي والتي والذين وأل مثلها أنها من صيغ العموم - حينئذٍ - تعم (المؤمن) تعمه من أي جهة سواء كان ميتة أو حياً فالمؤمن في حال الحياة هو متصف بالإيمان إذا مات هل يبقى الوصف أم يزول؟ إذا مات على إيمانه يبقى الوصف أم يزول؟ يبقى الوصف؛ هل يصدق عليه الحديث؟ يصدق عليه الحديث إذاً (المؤمن) سواء كان ميتة أو حياً والعموم لكونه صفة دخلت عليه أل فوصف الإيمان باق في حياته وبعد مماته - فحينئذٍ - قال (لا ينجس) هذا نفي يعني لا يوصف بكون نجساً بسبب الموت ألبته (المؤمن لا ينجس) الحكم نفي النجاسة علقه على ماذا؟ على وصف المؤمن وتعليق الحكم بمشتق يأذن بعلية ما منه الاشتقاق بمعنى أن نفي النجاسة لكونه مؤمناً يعني كأنه قال المؤمن لأجل إيمانه لهذه العلة لا ينجس مفهومه مفهوم مخالفة أن الكافر ينجس لماذا؟ لانتفاء العلة وهي الإيمان وهذا صحيح فكما أن المؤمن عام في الحي والميت كذلك الحكم

стр. 246

ينجس الكافر حياً وميتاً الكلام في النص لآن الكلام في هذا الحديث، - حينئذٍ - (لا ينجس) هذا حكم معلق على ماذا؟ على مشتق على وصف وتعليق الحكم بمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق يعني الحكم هنا معلل والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً كأنه قال (المؤمن) لعلة لكونه مؤمن متصف بالإيمان قريب من رحمة الله (لا ينجس) مفهومه مفهوم مخالفة من لم يؤمن نجس إذاً الكافر نجس وهذا صحيح - حينئذٍ - يكون العموم هنا في مفهوم المخالفة يعم الكافر حياً وميتاً دلت النصوص لجواز نكاح الكتابية وكذلك أكل طعامهم النبي ﷺ أكل مع اليهودي وتعامل مع اليهود وإلى آخره دلت هذه النصوص الواردة في التعامل مع الكفار على أنه في حال الحياة طاهر بقي ماذا؟ بقي الموت؛ - حينئذٍ - نقول الكافر في حال الحياة طاهر وأما إذا مات رجع إلى دلالة هذا النص فنحكم عليه بكونه نجساً قال ابن قدامة في هذا الحديث [ويحتمل أن ينجس الكافر بموته - بل هو مدلول النص - لأن الخبر إنما ورد في المسلم ولا يقاس الكافر عليه لأنه لا يصلى عليه ولا حرمة له كالمسلم]، وأما في حال الحياة قد ذهب بعضهم كأبي حنيفة وابن حزم إلى أنهم أنجاس استدلالاً بقوله تعالى (إنما المشركون نجس) لكن المراد هنا بالآية النجاسة المعنوية وليست النجاسة الحسية ولذلك أباح الله طعامهم ونساءهم فدل على أنهم على طهارتهم في حال الحياة ولذلك دخلوا المسجد في عهد النبي ﷺ وكذلك ربط ثمامة في المسجد فدل على أنهم على طهارة لو كانوا أنجاساً ما جاز أن يدخلوا المساجد - حينئذٍ - نقول في حال الحياة هم طاهرون وأما إذا مات فنرجع إلى دلالة النص، إذاً (ولا ينجس الآدمي بالموت) يستثنى من الكافر والكافر ينجس بالموت على الصحيح والله أعلم، (وما لا نفس له سائلةً - سائلةٌ يجوز الوجهان - متولد من طاهر) (وما) هذا معطوف على ماذا؟ على الآدمي (ولا ينجس الآدمي) ولا ينجس (ما لا) وما هنا اسم موصول يصدق على حيوان يعني كأنه قال لا ينجس حيوان لا نفس له؛ النفس هنا المراد بها الدم يعني ليس له دم ليس المراد ليس له دم الدم ضروري بل قيل هو الروح لكن المراد إذا قطع أو ذبح أو نحو ذلك لا يسيل الدم يعني لا يجري هو فيه دم لكن لا يجري ليس له دم مسفوح، فالنفس الدم فإن العرب تسمي الدم نفساً ومنه قيل للمرأة نفساء لسيلان دمها عند الولادة ويقال نفست المرأة إذا حاضت، إذاً (وما لا نفس) أي دماً (له) الضمير يعود إلى (ما) للحيوان (سائلة) كالبقي والعقرب وهو (متولد من طاهر) هذا شرط في الحكم عليه بكونه طاهراً لأنه ليس بنجس (متولد من طاهر) المتولد من طاهر يعني الذي أصله الطهارة بخلاف الذي أصله النجاسة فما كان متولد من طاهر هذا لا خلاف فيه والمتولد من النجس جمهور أهل العلم على أنه طاهر خلافاً للمذهب فإنه لا يطهر وهذا مبني على مسألة الاستحالة يعني لو وجد نجاسة ميتة مثلاً فتحول بعض الدم أو بعض اللحم إلى دود هذا دود متولد من ماذا؟ من نجس؛ ما حكمه؟ إن قلنا أن الاستحالة لا تطهر وهي المذهب حكمنا عليه بكونه نجس وإن قلنا بكون الاستحالة مطهرة حكمنا عليه بكونه طاهراً وكذلك مثلاً الصراصير التي توجد في الحمامات

стр. 247

ونحوها قد تتولد من نجاسة إن حكمنا عليها بكونها نجسة بأن الاستحالة لا تطهر فهي نجسة فإن وقعت في الماء نجسته وإذا ماتت فيه نجسته وإذا حكمنا بكون الاستحالة مطهرة - حينئذٍ - لو وقعت وماتت في الماء لا نحكم بنجاسته لأنها طاهرة إذاً (ما لا نفس له سائلة) يعني ليس له دم تجري إذا ذبح مثلاً (متولد من طاهر) لا ينجس بالموت وهذا المذهب فلا ينجس الماء اليسير بموتهما فيه هذا الذي ينبني عليه، قال ابن هبيرة [واتفقوا على أنه إذا مات في الماء اليسير ما لا نفس له سائلة كالذباب ونحوه فإنه لا ينجسه - يعني لا ينجس الماء - إلا في أحد قولي الشافعي] والأصل في هذه المسألة مسألة الحيوان الذي ليس له دم سائلة الأصل أنه ورد حديث في الذباب فقط وقيس عليه ما عداه جاء في الصحيح (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه) يفهم منه ماذا؟ أولاً وقع وهو حي إذاً لم ينجس الشراب وهو قليل قطعاً أنه قليل إذاً الذباب في حال الحياة طاهر لأنه لو كان نجس دلت النصوص على أن الماء القليل بمجرد الملاقاة ينجس وهنا قال (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) إذاً (فليغمسه) إذاً أول ما وقع نقول حكمنا عليه بكونه وهو حي أنه طاهر قوله فليغمسه وقال (في شراب أحدكم) الشراب على نوعين شراب بارد وشراب ساخن حار - حينئذٍ - لو غمسه في الشراب الحار قضا عليه إذاً مات فإذا مات هل أمر النبي ﷺ بإراقة هذا الشراب؟ الجواب لا - حينئذٍ - دل على أنه بعد موته ميتته طاهرة وليست نجسة لأن النبي ﷺ قال (فليغمسه) ومع إطلاقه الشراب قد يكون حاراً ساخناً فيموت وهذا النبي ﷺ لا يأمر به لأنه إفساد له لو كانت الميتة نجسة فدل هذا النص على أن الذباب ليس بنجس في حال الحياة كذلك بعد الموت، قال ابن القيم في هذا الحديث [وفيه دلالة ظاهرة على أنه لو مات في ماء أو مائع أنه لا ينجسه لأنه طاهر وهذا قول جمهور العلماء ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك وعدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة] يعني استنبطوا لما الذباب هل له خاصية معينة بالغمس هل يفيد الشراب شيئاً يحتمل هذا وذاك لكن وجدوا أن الذباب ليس له دم تسيل فقاسوا عليه كل ما لا نفس له سائلة - حينئذٍ - مثله الصراصير وكذلك العقارب والنمل وكله يقاس على هذا ليس فيه نص خاص وإنما من باب القياس [وعدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة]، قول المصنف (وما لا نفس له سائلة) مفهومه ما له نفس سائلة أنه ينجس لكن هنا لابد من إخراج ما نص عليه سابقاً الآدمي لأن الآدمي نص على أنه ليس بنجس (ولا ينجس الآدمي بالموت وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر) خرج الآدمي ما له نفس سائلة من الحيوان غير الآدمي على قسمين: الأول ما ميتته طاهرة وهو السمك وسائر حيوان البحر الذي لا يعيش إلا في الماء فهو طاهر حياً وميتاً لأنه لو كان نجس لم يبح أكله، ثانياً ما لا تباح ميتته غير الآدمي كحيوان البر المأكول وغيره وحيوان البحر الذي يعيش البحر كالضفدع والحية والتمساح ونحو ذلك وكل ذلك ينجس بالموت وينجس الماء القليل إذا مات فيه والكثير إذا غيره، إذاً (ما لا نفس له سائلة متولد من طاهر) المراد به ما لم

стр. 248

يأتي النص بكونه نجساً أو أنه حي، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه ومني الآدمي ورطوبة فرج المرأة) كل ذلك حكم عليه بأنه طاهر (وبول ما يؤكل لحمه) إذاً مفهومه أن بول ما لا يؤكل لحمه أن الحكم يختلف لأنه خصه بماذا؟ بموصوف وهو ما يؤكل لحمه، إذاً فرق بين الحيوان مأكول اللحم والحيوان غير مأكول اللحم (بول ما يؤكل لحمه) ومثل البول (روثه) بالرفع عطفاً على ماذا؟ - ما يؤكل لحمه روثه - إن عطفته على اللحم - ما يؤكل لحمه روثه - معطوف على البول انتبه!، بول وروث ومني ما يؤكل لحمه هذا المراد ولو أخر المصنف لكان أجود، (وبول ما يؤكل لحمه) انظر النحو كيف (روثه) بالرفع قد يظن الظان أنه معطوف على (لحمه) ولحمه نائب فاعل يؤكل لحمه نائب فاعل لو عطفت عليه روثه لقولت يؤكل روثه وإذا عطفت على البول - حينئذٍ - صار محكوماً عليه، الكلام بول وروث ومني ما يؤكل لحمه؛ ما حكمه؟ طاهر، أما الإبل فجاء النص فيه على جهة الخصوصية وما عداه فهو مقيس عليه (بول ما يؤكل) (بول ما) أي حيوان (يؤكل لحمه) ذكرنا أن في الإبل النص وفي غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس (وروثه) كبوله (ومنيه) وله مني لقوله تعالى (والله خلق كل دابة من ماء) (كل دابة) عام والإبل دابة والقط دابة إذاً كل ما يصدق عليه أنه دابة قال (من ماء) يعني من مني فله مني، إذاً هذه الثلاثة الأشياء نحكم عليها بكونها طاهرة؛ لماذا؟ قالوا لأن النبي ﷺ أمر العرنيين قبيلة من العرب أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها فلما أمرهم بذلك دل على أن - الألبان واضحة طاهرة - أبوالها طاهرة؛ لماذا؟ لأنه لا دواء فيما حرمه الله تعالى، فلو كانت الأبوال نجسة معلوم أن نجس محرم الشرب ولم يأذن الله عزوجل للعباد أن يتداووا بما هو محرم - حينئذٍ - لما أمرهم النبي ﷺ وأذن لهم أن يشربوا أبوال الإبل لأجل الدواء علمنا أنها طاهرة هذا يستلزم الطهارة ولذلك قال الشارح [والنجس لا يباح شربه] قد يقال أنه للضرورة قال لو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة فلما ترك دل على أنه طاهر وصلى النبي ﷺ في مرابض الغنم وأذن بالصلاة فيها ولا تخلو من أبعالها وأبوالها؛ وكذلك البراءة الأصلية، إذاً الأصل في بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه الأصل أنه طاهر، ولذلك قال الشوكاني رحمه الله تعالى [والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكاً بالأصل واستصحاباً للبراءة الأصلية والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليل] ليس عندهم دليل واضح بين وإن كان هذا منسوب القول بالنجاسة منسوب للجمهور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى [يقول هذا القول محدث لا سلف له من الصحابة] مع كونه قول الجمهور، (ومني الآدمي) كذلك طاهر لقول عائشة رضي الله تعالى عنها (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب ويصلي فيه) إذاً لم تغسلهّ إذ لو كان نجساً لغسلته والحديث متفق عليه، قال شيخ الإسلام [وأما كون عائشة تغسله تارة - من

стр. 249

ثوب رسول الله ﷺ وتفركه تارة هذا لا يقتضي تنجيسه] يعني هو طاهرة كونه يغسل لا يدل على النجاسة؛ بدليل ماذا؟ أمرين؛ الأول: أن المخاط والبصاق مثلاً وما يكون من سائر الإنسان قد يغسل فالغسل - حينئذٍ - لا يستلزم التنجيس، ثانياً: أنه قد ورد رواية أخرى وهي أنها تفركه؛ ولو كان نجساً لوجب غسله لهذين الأمرين هو طاهر، ولذلك قال [وأما كون عائشة تغسله تارة وتفركه تارة فهذا لا يقتضي تنجيسه فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ وهذا قول غير واحد من الصحابة ابن عباس وغيره] إذاً مني الآدمي طاهر هذا المذهب مطلقاً لكن استثنوا ما سبق التنصيص عليه وهو أن المني إذا خرج دون دفق ولذة حكم عليه بأنه نجس والثاني - النوع الثاني من المني النجس على المذهب - أنه لو استجمر ثم أمنى حكم على المني بأنه نجس؛ لماذا؟ لأنه لاقا نجاسة لا في محلها يعني تعدى خرجت تجاوز الموضع - حينئذٍ - حكم عليه بكونه نجساً، في هذين الموضعين المني على المذهب يعتبر نجساً، (ورطوبة فرج المرأة) كذلك طاهر فرج المرأة المراد به مسلك الذكر حكمه حكم الظاهر وهو طاهر، والرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة بالاتفاق والمراد هنا الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة، قال هنا [للحكم بطاهرة منيها مطلقاً وهو قول الشافعي وتقدم قول الشيخ وقال القاضي ما أصاب منه في حال الجماع نجس لأنه لا يسلم من المذي قال في المبدع وهو ممنوع فإن الشهوة إذا اشتدت خرج المني وحده] على القول السابق بأن مجرد الملاقاة لا ينجس إلا الماء - حينئذٍ - لا نحكم على سائر المائعات إلا بالتغير وإذا كان كذلك فإصابة قطرة أو قطرتين من المذي للمني لا نحكم عليه بكون نجساً وكذلك الشأن في الرطوبة التي قد تواجه مذي أو نحو ذلك فلا نحكم عليه بالنجاسة، (ورطوبة فرج المرأة) طاهر، وعنه نجس عن الإمام أحمد رواية أخرى أنها نجسة وجاء في بعض الروايات للنبي ﷺ في ذاك الراجل الذي قال له (لعلنا أعجلناك؛ اغسل ذكرك) هذا أمر ودل على أنه قد يحكم عليها بالنجاسة (ورطوبة فرج المرأة) طاهر والكلام في حكم الرطوبة هنا ليس هو الكلام في حكم النقض فمن حكم بكونها طاهرة لا يلزم منه أن يحكم بكونها غير ناقضة للوضوء فالجمهور على كونها طاهرة ولكنها ناقضة للوضوء هذا هو الصحيح أنها ناقضة للوضوء وأما الطاهرة فهذا فيه شيء من الإشكال، ثم قال (وسؤر وما دونها في الخلقة طاهر) (سُؤر) بضم السين مع الهمزة بضم السين مهموز المراد به بقية الطعام وكذلك الشراب يعني يصدق على الطعام ويصدق على الشراب، ولذلك قال في الشرح [والسؤر بضم السين مهموز بقية طعام الحيوان وشرابه] (الهِرة) بالكسر المراد به القط (وما دونها في الخلقة) يعني وما هو أقل منها في الخلقة يعني أقل حجماً العبرة بالحجم هنا فالقطة المتوسطة وما دونها في الخلقة يعني كالفأر ونحوه ما حكمه؟ قال (طاهر) ويستثنى ما سبق وهو ما كان متولد من نجس فما كان متولد من نجس على المذهب فهو نجس فلا يستثنى ليس داخل في الحكم لأنه قال هناك (وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر) فإن كان متولد من نجس حكمنا عليه بكونه نجس وليس داخل معنا هنا فسؤره نجس لأنه نجسه وكذلك

стр. 250

سؤره سواء كان طعاماً أو شراباً يعتبر نجساً والحكم إنما هو معلق بالطاهر إذاً سؤر الهرة وما دونها في الخلقة ويستثنى ما سبق وهو ما لم يكن متولد من نجساً فهو طاهر، لحديث أبا قتادة في الهر (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) هذا تعليل فنفى أنها نجسة لما رآه تشرب من الماء ثم توضأ بعدها فكأنه أنكره أو زوجته أنكرت ذلك قال (إنها ليست بنجس) فإذا لم تكن نجسة - حينئذٍ - سؤرها ليس بنجس وهذا قد يؤخذ منه تأييد المذهب وهو أن ما كان دون القلتين بأنه ينجس بمجرد الملاقاة لأنه نظر هنا إلى الظاهر هرة نجسة في ظنها ثم أخذت أو شربت من الماء فلو لم يكن لها تأثير مطلقاً لما كان الإنكار، إذاً (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) انظر نظروا إلى الهرة من حيث الخلقة ونفي الحكم بالنجاسة - حينئذٍ - عمموا الحكم فيما دونها مع أن العلة التي ذكرها النبي ﷺ ليست هي متعلقة بحجم الهر أو أكبر أو دون ذلك وإنما دفعاً للمشقة لأن التطواف المراد به ما يدخل البيوت بكثرة أو ما يلابس الناس بكثرة هذا الاحتراز منه وعنه من حيث النجاسة فيه مشقة ولذلك العلة الصحيحة أن يقال فيما هنا أنه التطواف لأن إن بعد النفي تدل على التعليل كما أن إن بعد الأمر أو النهي تدل على التعليل (إنها ليست بنجس) لماذا؟ لإنها - حينئذٍ - صار علة فعلق النبي ﷺ العلة هنا ليس على حجمها وإنما على مشقة الاحتراز عنها ومنها - حينئذٍ - ما كان مثل الهرة كالحمار الأهلي ونحوه مما يركبه الناس ونحوه مما لا يمكن التحرز منه وعنه - حينئذٍ - يكون حكمه حكم الهرة وهذا هو الصحيح، (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر) فنقول أن الصحيح أن العلة ليست هي حجم الهرة وإنما العلة هي التطواف فكل ما كان كثير تطواف على الناس ويشق التحرز عنه - حينئذٍ - نحكم عليه بكونه طاهر، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسة) (سباع البهائم) مراده غير الكلب والخنزير وغير الهر وما دونها في الخلقة يعني يستثنى مما سبق من أول الباب فالكلب ليس بداخل وإن كان من سباع البهائم وكذلك الخنزير ليس بداخل والهر وما دونها في الخلقة ليس بداخل، (وسباع البهائم والطير) الطير اسم جنس يقع على الواحد ومنها السباع كذلك التي أكبر من الهر خلقة والمراد بالسباع هي التي تأكل وتفترس (والحمار الأهلي) لا الوحشي (والبغل منه) يعني إذا كان نتاجاً عن الحمار الأهلي أي من الحمار الأهلي لا الوحشي (نجسة) فالحكم على كل ما ذكر بأنه نجس وكذلك جميع أجزائها وفضلاتها لأنه ﵊ لما سئل عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال (إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء) ما هو المسئول عنه؟ ينوبه من السباع والدواب؛ والسباع يشمل سباع البهائم ويشمل سباع الطيور فكل ما هو من هذه الطائفة التي تأكل وتفترس - حينئذٍ - الحكم أنها نجسة ولأنه أجاب بأنه إذا كان الماء قلتين لم ينجس شيء يعني من تلك السباع فدل على أنها نجسة، فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما، وقال في الحمر يوم خيبر (إنها رجس) هذا أكلها وليس المراد أنها يعني عرقها وما
следующие страницы →